← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13651–13690 · переход к 13656.

стр. 13651

وأما إنْ سرَقَ مِنْ الغاصِبِ فإنه تُقطَعُ يَدُه؛ لأنَّ يَدَه يَدُ ضَمانٍ، فهي يَدٌ صَحيحةٌ (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه إنْ سرَقَ مِنْ سارقٍ أو مِنْ أمِينٍ ونحوِ ذلكَ فيُقطَعُ؛ لأنه سرَقَ نِصابًا لا شُبهةَ له فيه مِنْ حِرزِ مِثلِه، فوجَبَ عليه القَطعُ كالسارقِ الأولِ، قال المالِكيةُ: ولا يُقبَلُ قولُ السارقِ الثاني أنه سرَقَه لِيَردَّه لرَبِّه (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنَّ السارقَ إذا سرَقَ نِصابًا مِنْ حِرزِ مثلِه فأحرَزَه في حِرزٍ لهُ فسرَقَه سارقٌ آخَرُ مِنْ حِرزِ هذا السَّارقِ .. فإنَّ السارقَ الأولَ قد وجَبَ عليهِ القَطعُ بسَرقتِه، وأما السارقُ الثَّاني .. فليسَ للسَّارقِ الأولِ مُطالَبتُه برَدِّ النِّصابِ إليهِ ولا بالقَطعِ؛ لأنه لا حَقَّ له فيهِ، ولمالِكِ النِّصابِ أنْ يُطالِبَ السارقَ الثاني برَدِّه، ولا يَجبُ عليه القَطعُ؛ لأنه لمْ يَسرقْه مِنْ مالِكِه ولا نائبِه، ولأنَّ مالكَ النِّصابِ لم يَرْضَ بهذا الحِرزِ حِرزًا لمالِه.

стр. 13652

وإنْ غصَبَ رَجلٌ مِنْ رَجلٍ نِصابًا وأحرَزَه في حِرزِ مِثلِه فسرَقَه سارقٌ مِنْ ذلكَ الحِرزِ .. فإنَّ الغاصِبَ لا قطْعَ عليهِ، ولا يَجبُ القَطعُ على السارقِ مِنْ الغاصِبِ؛ لأنه لم يَسرقْه مِنْ مالِكِه ولا نائبِه (١). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا فيما إذا سرَقَ العَينَ المَسروقةَ مِنْ السارقِ أو سرَقَ العَينَ المَغصوبةَ مِنْ الغاصِبِ: فقالَ أبو حَنيفةَ: يُقطَعُ سارقُ العَينِ المَغصوبةِ، ولا يُقطَعُ سارقُ العَينِ المَسروقةِ إنْ كانَ السارقُ الأولُ قد قُطعَ فيها، فإنْ كانَ لم يُقطَعْ قُطعَ الثاني. وقالَ مالكٌ: يُقطَعُ كلُّ واحدٍ منهُما. وقالَ الشافِعيُّ وأحمَدُ: لا يَجبُ القَطعُ على واحدٍ منهُما، أعني: السارِقَ مِنْ السارقِ والغاصِبَ مِنْ الغاصِبِ (٢).

стр. 13653

الرُّكنُ الثالثُ: المالُ المسرُوقُ: اشتَرطَ الفُقهاءُ لإقامةِ الحَدِّ أنْ يكونَ المالُ المَسروقُ مُتقومًا شَرعًا، وأنْ يَبلغَ المالُ المَسروقُ نِصابًا، وأنْ يكونَ المالُ المَسروقُ في حِرزٍ، وبَيانُ هذهِ الشُّروطِ فيما يلي: الشَّرطُ الأولُ: أنْ يكونَ مالاً: اشتَرطَ الفُقهاءُ في المَسروقِ حتى يُقامَ الحَدُّ على السارقِ أنْ يَكونَ مالًا، فما ليسَ بمالٍ فلا يُقامُ عليهِ الحَدُّ، وبِناءً عليه اختَلفُوا في: سَرقَة الصَّبيِّ الحُرِّ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ سَرقَ صَبيًّا حُرًّا، هل يُقامُ عَليهِ الحَدُّ أم لا؟ وهل يُشترطُ أنْ يكونَ عليهِ مِنْ الحُليِّ ما يَبلغُ نِصابًا أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وابنُ الماجشُونِ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه لا يُقطَعُ مَنْ سَرقَ طِفلًا صَغيرًا؛ لأنه ليسَ بمالٍ، ووُجوبُ القَطعِ يَختصُّ بسَرقةِ مالٍ مُتقومٍ. واختَلفوا فيما لو كانَ عليهِ حُليٌّ يَبلغُ نِصابًا، هل يُقطعُ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يُقطَعُ؛ لأنَّ يَدَ الصَّبيِّ ثابتةٌ على ما مَعَه مِنْ الحُليِّ، ولهذا لو وُجدَ مَنبوذًا ومعهُ حُليٌّ كانَ له الحُليُّ، فلمْ يَجبِ القَطعُ بسَرقتِه كما لو سَرقَ مَتاعًا ومالكُه نائمٌ عليه.

стр. 13654

وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه يُقطَعُ إنْ كانَ عليه حُليٌّ يَبلغُ النِّصابَ؛ لأنَّ قِيمةَ الحُليِّ نِصابٌ كامِلٌ لو سرَقَه وحْدَه يَلزمُه القَطعُ، فكذا معَ الصَّبيِّ، ولأنَّ المَقصودَ الحَليُّ دونَ الصَّبيِّ (١). ولو سرَقَ صَبيًّا عَبدًا لا يَتكلَّمُ ولا يَعقلُ يُقطعُ في قَولِ أبي حَنيفةَ؛ لأنه مالٌ مِنْ كُلِّ وَجهٍ؛ لوُجودِ معنَى الماليةِ فيه على الكَمالِ ولا يَدَ له على نَفسِه، فيَتحقَّقُ رُكنُ السَّرقةِ كالبَهيمةِ، وكونُه آدَميًّا لا يَنفي كونَه مالًا، فهو آدَميٌّ مِنْ كُلِّ وَجهٍ ومالٌ مِنْ كلِّ وَجهٍ؛ لعَدمِ التنافي، فيَتعلَّقُ القَطعُ بسَرقتِه مِنْ حَيثُ إنه مالٌ لا مِنْ حَيثُ إنه آدَميٌّ، بخِلافِ العاقلِ؛ لأنَّه وإنْ كانَ مالًا مِنْ كلِّ وَجهٍ لكنَّه في يَدِ نَفسِه، فلا يُتصوَّرُ ثُبوتُ يَدِ غيرِه عليهِ؛ للتَّنافي، فلا يَتحقَّقُ فيه رُكنُ السَّرقةِ وهو الأخذُ. ورُويَ عن أبي يُوسفَ ﵀ أنه لا يُقطَعُ؛ لأنَّ العبدَ ليسَ بمالٍ مَحضٍ، بل هو مالٌ مِنْ وَجهٍ آدَميٌّ مِنْ وَجهٍ، فكانَ مَحلَّ السَّرقةِ مِنْ وَجهٍ دونَ وَجهٍ، فلا تَثبتُ المَحلِّيةُ بالشكِّ، فلا يُقطَعُ كالصبيِّ العاقلِ (٢).

стр. 13655

وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ سرَقَ طِفلًا حُرًّا أو عَبدًا ذَكرًا أو أنثى مِنْ حِرزِه قُطعَ، وإنْ كانَ عَبدًا كَبيرًا فَصيحًا لم يُقطَعْ، وإنْ كانَ أعجَميًّا أو مَجنونًا قُطعَ، وسَواءٌ كانَ معه نِصابٌ أو لم يَكنْ معهُ، وسَواءٌ انتَفعَ السارقُ بكُلٍّ مِنْ الصَّبيِّ أو المَجنونِ أم لا. وحِرزُ الصبيِّ أنْ يَكونَ بدارِ أهلِه، وكذا إذا كانَ معهُ مَنْ يَخدمُه أو يَحفظُه، فإنْ لم يَكنْ كذلكَ فلا قطْعَ (١). وهذا الخِلافُ السابقُ في سَرقةِ الحُرِّ، وأما العَبدُ فقدْ حكَى ابنُ المُنذِرِ الإجماعَ على أنَّ مَنْ سرَقَه فإنه تُقطَعُ يَدُه، قالَ ﵀: وأجمَعُوا على أنه مَنْ سَرقَ عَبدًا صَغيرًا مِنْ الحِرزِ أنَّ عليهِ القَطعَ (٢). وقالَ الشافِعيُّ ﵀: (وإنْ سرَقَ عَبدًا صَغيرًا لا يَعقلُ أو أعجَميًّا مِنْ حِرزٍ قُطعَ، وإنْ كانَ يَعقلُ لم يُقطَعْ). قالَ الماوَرديُّ ﵀: وهذا صَحيحٌ، وليسَ يَخلوُ حالُ العَبدِ إذا سُرقَ مِنْ أنْ يَكونَ في حِرزٍ أو في غيرِ حِرزٍ، فإنْ كانَ في غيرِ حِرزٍ فلا قطْعَ على سارقِه، صَغيرًا كانَ أو كَبيرًا، وإنْ كانَ في حِرزٍ -وحِرزُه إمَّا أنْ يَكونَ دارًا مُغلقةَ البابِ أو مع سيِّدِه- فلا يَخلو حالُه مِنْ أحَدِ أمرَينِ:

стр. 13656

أحَدُهما: أنْ يكونَ عاقلًا مُميِّزًا يُفرِّقُ بينَ أمرِ سيِّدِه وغيرِ سيِّدِه، فلا قطْعَ على سارقِه؛ لأنَّ هذا يَكونُ مُخادعًا ولا يكونُ مَسروقًا. والثَّاني: أنْ يَكونَ صَغيرًا أو أعجَميًّا لا يَعقلُ عقْلَ المُميزِ ولا يُفرِّقُ بينَ أمرِ سيِّدِه وغيرِه، فالقَطعُ على سارقِه واجبٌ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ ومُحمدٌ، وقالَ أبو يُوسفَ: «لا قطْعَ عليهِ؛ لأنه لمَّا لم يُقطَعْ بسَرقتِه إذا كانَ كَبيرًا لم يُقطعْ بها إذا كانَ صَغيرًا كالحُرِّ»، وهذا خَطأٌ؛ لأنه حَيوانٌ مَملوكٌ لا تَمييزَ له، فوجَبَ أنْ يُقطَعَ بسَرقتِه كالبَهيمةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ سرَقَ عَبدًا صَغيرًا فعَليهِ القَطعُ في قولِ عامةِ أهلِ العِلمِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ على هذا كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ، منهُم الحسَنُ ومالكٌ والثوريُّ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأبو حَنيفةَ ومُحمدٌ. والصَّغيرُ الذي يُقطَعُ بسَرقتِه هو الذي لا يُميِّزُ، فإنْ كانَ كَبيرًا لم يُقطَعْ سارقُه، إلا أنْ يَكونَ نائمًا أو مَجنونًا أو أعجَميًّا لا يُميِّزُ بينَ سيِّدِه وبينَ غيرِه في الطاعةِ فيُقطَعُ سارقُه. وقالَ أبو يُوسفَ: لا يُقطعُ سارقُ العبدِ وإنْ كانَ صَغيرًا؛ لأنَّ مَنْ لا يُقطعُ بسَرقتِه كبيرًا لا يُقطعُ بسَرقتِه صَغيرًا كالحُرِّ. ولنا: إنه سرَقَ مالًا مَملوكًا تَبلغُ قِيمتُه نِصابًا، فوجَبَ القطعُ عليهِ كسائرِ الحيَواناتِ، وفارَقَ الحُرَّ؛ فإنه ليسَ بمالٍ ولا مَملوكٍ، وفارَقَ الكبيرَ؛ لأنَّ

стр. 13657

الكبيرَ لا يُسرَقُ، وإنما يُخدَعُ بشَيءٍ، إلا أنْ يكونَ في حالِ زَوالِ عَقلِه بنَومٍ أو جُنونٍ فتَصحُّ سَرقتُه ويُقطعُ سارقُه. فإنْ كانَ المَسروقُ في حالِ نَومِه أو جُنونِه أمَّ وَلدٍ ففي قَطعِ سارقِها وَجهانِ: أحَدُهما: لا يُقطعُ؛ لأنها لا يَحلُّ بَيعُها ولا نَقلُ المِلكِ فيها، فأشبَهَتِ الحُرةَ. والثاني: يُقطعُ؛ لأنها مَملوكةٌ تُضمَنُ بالقيمةِ، فأشبَهَتِ القِنَّ، وحُكمُ المُدبَّرِ حُكمُ القِنِّ؛ لأنه يَجوزُ بَيعُه ويُضمَنُ بقيمتِه. فأما المُكاتبُ فلا يُقطَعُ سارقُه؛ لأنَّ مِلكَ سَيدِه ليسَ بتامٍّ عليهِ؛ لكَونِه لا يَملكُ مَنافعَه ولا استِخدامَه ولا أخْذَ أرشِ الجِنايةِ عليهِ، ولو جنَى السيِّدُ عليهِ لَزمَه له الأرشُ، ولو استَوفى مَنافعَه كَرهًا لَزمَه عِوضُها، ولو حبَسَه لَزمَه أجرةُ مِثلِه مدَّةَ حَبسِه أو إنظارُه مِقدارَ مدَّةِ حَبسِه، ولا يَجبُ القَطعُ لأجْلِ مِلكِ المُكاتبِ في نفسِه؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَملكُ نفسَهُ، فأشبَهَ الحُرَّ، وإنْ سرَقَ مِنْ مالِ المُكاتبِ شَيئًا فعَليهِ القَطعُ؛ لأنَّ مِلكَ المُكاتبِ ثابتٌ في مالِ نفسِه، إلا أنْ يكونَ السارقُ سيِّدَه فلا قطْعَ عليهِ؛ لأنَّ له في مالِه حَقًّا وشُبهةً تَدرأُ الحَدَّ، ولذلكَ لو وَطئَ جارِيتَه لم يُحَدَّ (١). حُكمُ مَنْ سرَقَ ماءً أو مِلحًا أو كَلأً: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ سرَقَ ماءً سائلًا فإنه لا قطْعَ حِينئذٍ ولو بلَغَ قِيمةُ الماءِ المَسروقِ النِّصابَ، وسواءٌ كانَ مُحرَّزًا أو لا؛ لأنه ممَّا لا

стр. 13658

يَتمولُ عادةً، قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا أعلَمُ في هذا خِلافًا (١). وقالَ أيضًا ﵀: وإنْ سرَقَ كَلأً أو مِلحًا فقالَ أبو بَكرٍ: لا قطْعَ فيهِ؛ لأنه ممَّا ورَدَ الشَّرعُ باشتِراكِ الناسِ فيهِ، فأشبَهَ الماءَ. وقالَ أبو إسحاقَ بنُ شاقِلَا: فيه القَطعُ -وهو مَذهبُ المالِكيةِ (٢) -؛ لأنه يَتمولُ عادةً، فأشبَهَ التِّبنَ والشَّعيرَ. وأما الثَّلجُ فقالَ القاضِي: هو كالماءِ؛ لأنه ماءٌ جامِدٌ، فأشبَهَ الجَليدَ، والأشبَهُ أنه كالمِلحِ، لأنه يَتمولُ عادةً، فهو كالمِلحِ المُنعقدِ مِنْ الماءِ. وأما التُّرابُ فإنْ كانَ ممَّا تَقِلُّ الرغَباتُ فيه كالذي يُعَدُّ للتَّطيينِ والبناءِ فلا قطْعَ فيهِ؛ لأنه لا يَتمولُ، وإنْ كانَ ممَّا له قِيمةٌ كَثيرةٌ كالطينِ الأرمَنيِّ الذي يُعَدُّ للدَّواءِ أو المُعَدُّ للغَسلِ به أو الصَّبغِ كالمَغْرَةِ احتَملَ وَجهينِ: أحَدُهما: لا قطْعَ فيه؛ لأنه مِنْ جِنسِ ما لا يَتمولُ، أشبَهَ الماءَ. والثَّاني: فيه القَطعُ؛ لأنه يَتمولُ عادةً ويُحمَلُ إلى البُلدانِ للتجارةِ فيهِ، فأشبَهَ العُودَ الهِنديَّ. ولا يُقطَعُ بسَرقةِ السِّرجينِ؛ لأنه إنْ كانَ نَجسًا فلا قِيمةَ له، وإنْ كانَ طاهرًا فلا يَتمولُ عادةً ولا تَكثرُ الرغَباتُ فيه، فأشبَهَ التُّرابَ الذي للبناءِ. وما عُملَ مِنْ التُّرابِ كاللَّبِنِ والفخَّارِ ففيهِ القَطعُ؛ لأنه يَتموَّلُ عادةً (٣).

стр. 13659

سَرقةُ سائرِ الأموالِ غيرِ ما ذُكرَ: نَصَّ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ ما عدَا هذا مِنْ الأموالِ ففيهِ القَطعُ، سَواءٌ كانَ طَعامًا لا يَتسارعُ إليه الفَسادُ أو ثِيابًا أو حيَوانًا أو أحجارًا أو قصَبًا أو صَيدًا أو نُوَرةً أو جِصًّا أو زِرنيخًا أو تَوابلَ أو فخَّارًا أو زُجاجًا أو غيرَه. سَرقةُ ما يَتسارعُ إليهِ الفَسادُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الطَّعامِ الرَّطبِ الذي يَتسارعُ إليهِ الفَسادُ كالفَواكهِ والبِطيخِ، هل يَجبُ على مَنْ سرَقَ منه نِصابًا أنْ يُقطَعَ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ إلى أنه لا قطْعَ على سارقِ الطَّعامِ الرَّطبِ الذي يَتسارعُ إليه الفسادُ كالفَواكهِ الرَّطبةِ والطَّبائخِ واللَّحمِ واللبَنِ والبطيخِ؛ لقولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «لا قطْعَ في ثَمرٍ ولا كَثَرٍ» (١)، والكَثَرُ هو الجُمَّارُ، وقيلَ: الوَدِيُّ وهو النَّخلُ الصِّغارُ، ولأنَّ هذا مُعرَّضٌ للهلاكِ، أشبَهَ ما لم يُحرَّزْ. ولو سرَقَ شاةً مَذبوحةً أو ذبَحَها بنَفسِه ثمَّ أخرَجَها لا يُقطَعُ؛ لأنها صارَتْ لَحمًا ولا قطْعَ فيه. والفَواكهُ الرَّطبةُ مثلُ العِنبِ والسَّفرجلِ والتُّفاحِ والرُّمانِ وأشباهِ ذلكَ لا قطْعَ فيها وإنْ كانَتْ مَجدودةً في حَظيرةٍ وعليها بابٌ مُقفَلٌ؛ لأنَّ هذهِ

стр. 13660

الأشياءَ ممَّا لا يَتمولُ عادةً وإنْ كانَتْ صالحةً للانتفاعِ بها في الحالِ؛ لأنها لا تَحتملُ الادِّخارَ والإمساكَ إلى زَمانِ حُدوثِ الحَوائجِ في المُستقبلِ، فقَلَّ خطَرُها عندَ الناسِ فكانَتْ تافهةً. وأما الفَواكهُ اليابسةُ كالجَوزُ واللَّوزُ فإنه يُقطَعُ فيها إذا كانَتْ مُحرَّزةً. ولا قطْعَ في بَقلٍ ولا باذِنجانٍ ولا رَيحانٍ. ويُقطعُ في الحِنَّاءِ والوَسْمةِ؛ لأنه لا يَسرعُ إليه الفَسادُ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه يُقطَعُ؛ لعُمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وروَى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئلَ عنِ الثَّمرِ المُعلَّقِ فذكَرَ الحَديثَ ثمَّ قالَ: «ومَن سرَقَ منهُ شَيئًا بعدَ أنْ يُؤويَهُ الجَرِينُ فبلَغَ ثمَنَ المِجَنِّ ففيهِ القَطعُ» (٢). ولأنه إجماعُ الصَّحابةِ ﵃، رَوتْ عَمرةُ بِنتُ عبدِ الرحمنِ «أنَّ سارقًا سرَقَ أُترجَّةً على عَهدِ عُثمانَ ﵁ فقُومِّتْ ثَلاثةَ دَراهمَ مِنْ صَرفِ اثنَي عشَرَ دِرهمًا بدينارٍ، فأمَرَ بقَطعِه»، وليسَ له في الصَّحابةِ

стр. 13661

مُخالِفٌ، ولأنَّ هذا مالٌ يَتموَّلُ في العادةِ ويُرغَبُ فيهِ، فيُقطَعُ سارقُه إذا اجتمَعَتِ الشُّروطِ كالمُجفَّفِ، ولأنَّ ما وجَبَ القَطعُ في مَعمولِه وجَبَ فيه قبلَ العَملِ كالذَّهبِ والفضَّةِ. ومِن القياسِ: أنه نَوعُ مالٍ، فوجَبَ أنْ يَستحِقَّ القَطعَ بسَرقتِه كسائرِ الأموالِ، ولأنَّ ما قُطعَ في يابِسهِ قُطعَ في رَطبِه كالغَزِّ والثِّيابِ، ولأنَّ الطعامَ الرَّطبَ ألَذُّ وأشهَى والنَّفوسَ إلى تَناولِه أدعَى، فكانَ بالقَطعِ أَولى. فأمَّا قولُه: «لا قطْعَ في ثَمرٍ ولا كَثَرٍ» فلأنَّه غيرُ مُحرَّزٍ؛ لأنَّ ثِمارَهم كانتْ بارِزةً، ولذلكَ قالَ: «فإذا آواهُ الجَرِينُ ففيهِ القَطعُ». وأما قَولُهم: «إنه مُعرَّضٌ للتلَفِ» ففيهِ جَوابانِ: أحَدُهما: أنه مُعرَّضٌ للاستِعمالِ دونَ البَذلِ كما يُستعملُ الطَّعامُ اليابسُ، وليسَ قِلةُ بَقائِه مُوجِبًا لسُقوطِ القَطعِ فيه، كالشَّاةِ المَريضةِ يَجبُ القَطعُ فيها وإنْ لم يَطُلْ بَقاؤُها. والثاني: أنه قِياسٌ جُمِعَ فيه بينَ المُحرزِ وغيرِ المُحرزِ، وهُمَا مُفترقانِ في وُجوبِ القَطعِ؛ لأنَّ الحِرزَ شَرطٌ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: العُلماءُ اتَّفقوا على أنَّ كلَّ مُتملَّكٍ غيرَ ناطقٍ يَجوزُ بَيعُه وأخذُ العِوضِ منه فإنه يَجبُ في سَرقتِه القَطعُ، ما عَدا الأشياءَ الرَّطبةَ المأكولةَ والأشياءَ التي أصلُها مُباحةٌ، فإنهم اختَلفُوا في ذلكَ، فذهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّ القَطعَ في كلِّ مُتموَّلٍ يَجوزُ بَيعُه وأخذُ العِوضِ

стр. 13662

فيه، وقالَ أبو حَنيفةَ: لا قطْعَ في الطَّعامِ ولا فيما أصلُه مُباحٌ كالصَّيدِ والحَطبِ والحَشيشِ. فعُمدةُ الجُمهورِ عُمومُ الآيةِ المُوجِبةِ للقَطعِ وعُمومُ الآثارِ الوارِدةِ في اشتِراطِ النِّصابِ. وعُمدةُ أبي حَنيفةَ في مَنعِه القَطعَ في الطَّعامِ الرَّطبِ قَولُه ﵊: «لا قطْعَ في ثَمرٍ ولا كَثَرٍ»، وذلكَ أنَّ هذا الحَديثَ رُويَ هكذا مُطلَقًا مِنْ غيرِ زِيادةٍ. وعُمدتُه أيضًا في مَنعِ القَطعِ فيما أصلُه مُباحٌ الشُّبهةُ التي فيه لكُلِّ مالكٍ، وذلكَ أنهُم اتَّفقوا على أنَّ مِنْ شَرطِ المَسروقِ الذي يَجبُ فيه القَطعُ أنْ لا يكونَ للسارقِ فيه شُبهةُ مِلكٍ (١). القَطعُ في الثَّمرِ المعلَّقِ: نَصَّ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه لا قطْعَ في الثمرِ المُعلَّقِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «لا قطْعَ في ثَمرٍ مُعلَّقٍ ولا في حَريسةِ جَبَلٍ، فإذا أواهُ المُرَاحُ أو الجَرينُ فالقَطعُ فيما يَبلغُ ثَمنَ المِجَنِّ» (٢). قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وأما قَولُه في حَديثِ مالكٍ: «لا قطْعَ في ثَمرٍ مُعلَّقٍ» فالثمرُ المُعلَّقُ ما كانَ في رُؤوسِ الأشجارِ مِنْ ضُروبِ الثِّمارِ، ولا قطْعَ على سارقِه عندَ جُمهورِ العُلماءِ (٣).

стр. 13663

ونَصُّوا على أنه إذا أتَى بالثَّمرِ الجَرِينَ أو البَيتَ فسرَقَه إنسانٌ وبلَغَ ما سرَقَه نِصابَ السَّرقةِ وجَبَ فيه القَطعُ (١). حُكمُ مِنْ سرَقَ طَيرًا أو صَيدًا: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ سَرقَ طَيرًا أو صَيدًا، هل يُقامُ عليهِ الحَدُّ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ خِلافًا لأبي يُوسفَ إلى أنه لا قطْعَ في سَرقةِ الطَّيرِ كالبازي والصَّقرِ وسائرِ الطُّيورِ كالبَطِّ والدَّجاجِ والحَمَامِ، ولا في الوُحوشِ مِنْ الصُّيودِ؛ لأنَّ الطَّيرَ لا يَتمولُ عادةً، وقد رُويَ عن سيِّدِنا عُثمانَ وسَيدِنا عليٍّ ﵄ أنهُما قالَا: «لا قطْعَ في الطَّيرِ»، ولم يُنقلْ عن غيرِهما خِلافُ ذلكَ، فيَكونُ إجماعًا. وعن يَزيدَ بنِ خُصيفةَ قالَ: أُتِيَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ برَجلٍ سرَقَ طيرًا فاستَفتَى في ذلكَ السائِبَ بن يَزيدَ فقالَ: «ما رَأيتُ أحدًا قطَعَ في الطيرِ، وما عَليهِ في ذلكَ قَطعٌ، فتَركَه عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ولم يَقطعْه» (٢). ولأنَّ هذا يُوجَدُ مُباحَ الأصلِ بصُورتِه غيرَ مَرغوبٍ فيهِ ولا يَتمُّ إحرازُه في الناسِ عادةً، ولأنَّ فِعلَه اصطيادٌ مِنْ وَجهٍ، والاصطِيادُ مُباحٌ، وظاهِرُ قولِه ﷺ : «الصَّيدُ لمَن أخَذَه» يُورثُ شُبهةً، والقَطعُ يَندرئُ بالشُّبهةِ،

стр. 13664

وكذلِكَ الفَهدُ والكَلبُ؛ فإنَّ الفَهدَ مِنْ جِنسِ الصُّيودِ والكَلبَ صيَّادٌ، فلمَّا لم يَجبِ القَطعُ بسَرقةِ الصَّيدِ فكذلكَ بسَرقةِ الصيَّادِ. وبيْنَ العُلماءِ ﵏ اختلافٌ ظاهرٌ في ماليَّةِ الكَلبِ وجَوازِ بَيعِه، وظاهِرُ نَهيِ رَسولِ اللهِ ﷺ عن ثَمنِ الكَلبِ يُورثُ الشُّبهةَ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه يُقطعُ في سَرقةِ الطيرِ؛ لعُمومِ الظَّواهِرِ مِنْ الكِتابِ والسُّنةِ أنه جِنسُ مالٍ مُتموَّلٌ، فوجَبَ القَطعُ بسَرقتِه كسائرِ الأجناسِ (٢). إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: لا قطْعَ على مَنْ سرَقَ طَيرًا يُساوي ثلاثةَ دَراهِمَ لأجْلِ إجابتِه مثلَ البَلابلِ والعَصافيرِ؛ لأنها مَنفعةٌ غيرُ شَرعيةٍ، نعمْ إنْ كانَ لَحمُه يُساوي بعدَ ذَبحِه نِصابًا فإنه يُقطعُ لذلكَ، وكذا الحَمَامُ الذي عُرفَ بالسَّبقِ (٣). الشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ مُتقوِّمًا شَرعًا: اشتَرطَ الفُقهاءُ في المالِ المَسروقِ أنْ يكونَ مالًا مُتقومًا شَرعًا، فمَن سرَقَ ما لا قِيمةَ له شَرعًا كالخَمرِ والخِنزيرِ والمَيتةِ وآلةِ اللَّهوِ والصَّليبِ

стр. 13665

والصَّنمِ والكُتبِ المُحرَّمةِ فلا قطْعَ عليهِ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ، سَواءٌ كانَتِ الخَمرُ لمُسلمٍ أو لذِميٍّ؛ لأنها ليسَتْ بمالٍ لنا، وهيَ وإنْ كانَتْ عندَهم مالًا فليسَتْ مالًا لنا، وما كانَ مالًا مِنْ وَجهٍ وغيرَ مالٍ مِنْ وَجهٍ فإنَّ أقلَّ أحوالِه أنْ يكونَ ذلكَ شُبهةً في دَرءِ الحَدِّ عن سارقِه، كمَن وَطئَ جاريةً بينَه وبينَ غيرِه، وأيضًا فإنَّ المُسلمَ مُعاقَبٌ على اقتِناءِ الخَمرِ وشُربِها مَأمورٌ بتَخليلِها أو صَبِّها، فمَن أخَذَها فإنَّما أزالَ يَدَه عمَّا كانَ عليهِ إزالتُه عنهُ، فلا يُقطَعُ. إلا أنه يَغرمُ ثمَنَه للذِّميِّ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ. ولا يَغرمُ ثمَنَه للذِّميِّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه لا يَكونُ الغُرمُ والقَطعُ إلا فيما يَحِلُّ ثَمنَه (١). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ولا يُقطَعُ في مُحرَّمٍ ولا آلةِ لَهوٍ). يعني: لا يُقطَعُ في سَرقةِ مُحرَّمٍ كالخَمرِ والخِنزيرِ والمَيتةِ ونَحوِها، سَواءٌ سَرقَه مِنْ مُسلمٍ أو ذِميٍّ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، وحُكيَ عن عَطاءٍ أنَّ سارقَ خَمرِ الذِّميِّ يُقطعُ وإنْ كانَ مُسلمًا؛ لأنه مالٌ لهُم أشبَهَ ما لو سرَقَ دَراهِمَهم.

стр. 13666

ولنا: إنها عَينٌ مُحرَّمةٌ، فلا يُقطَعُ بسَرقتِها كالخِنزيرِ، ولأنَّ ما لا يُقطعُ بسَرقتِه مِنْ مالِ المُسلمِ لا يُقطعُ بسَرقتِه مِنْ الذِّميِّ كالميتةِ والدمِ، وما ذكَرُوه يَنتقضُ بالخِنزيرِ ولا اعتِبارَ به؛ فإنَّ الاعتبارَ بحُكمِ الإسلامِ، وهو يَجرِي عليهم دونَ أحكامِهم، وهكذا الخِلافُ معهُ في الصَّليبِ إذا بلَغَتْ قِيمتُه مع تأليفِه نِصابًا، وأمَّا آلةُ اللَّهوِ كالطُّنبورِ والمِزمارِ والشبَّابةِ فلا قطْعَ فيهِ وإنْ بلَغَتْ قيمتُه مُفصَّلًا نِصابًا، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ، وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ: إنْ كانَتْ قِيمتُه بعدَ زوالِ تأليفِه نِصابًا ففيهِ القَطعُ، وإلا فلا؛ لأنه سَرقَ ما قِيمتُه نِصابٌ لا شُبهةَ له فيه مِنْ حِرزِ مِثلِه وهو مِنْ أهلِ القَطعِ، فوجَبَ قَطعُه كما لو كانَ ذَهبًا مَكسورًا. ولنا: إنه آلةٌ للمَعصيةِ بالإجماعِ، فلمْ يُقطعْ بسَرقتِه كالخَمرِ، ولأنَّ له حقًّا في أخذِها لكَسرِها، فكانَ ذلكَ شُبهةً مانِعةً مِنْ القطعِ كاستِحقاقِه مالَ ولَدِه، فإنْ كانَتْ عليهِ حِليةٌ تَبلغُ نِصابًا فلا قطْعَ فيه أيضًا في قِياسِ قَولِ أبي بَكرٍ؛ لأنه مُتصِلٌ بما لا قطْعَ فيهِ فأشبَهَ الخشَبَ والأوتارَ، وقالَ القاضي: فيه القَطعُ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه سَرقَ نِصابًا مِنْ حِرزِه، فأشبَهَ المُنفرِدَ. فصلٌ: وإنْ سَرقَ صَليبًا مِنْ ذَهبٍ أو فِضةٍ يَبلغُ نِصابًا مُتصِلًا فقالَ القاضي: لا قطْعَ فيهِ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ، وقالَ أبو الخطَّابِ: يُقطعُ سارقُه، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ، ووَجهُ المَذهبَينِ ما تقدَّمَ، والفَرقُ بينَ هذهِ المَسألةِ وبينَ التي قبلَها أنَّ التي قبلَها له كَسرُه بحَيثُ لا تَبقى له قِيمةٌ تَبلغُ نِصابًا، وهاهُنا لو كسَرَ الذَّهبَ والفِضةَ بكُلِّ وَجهٍ لم تَنقصْ قِيمتُه عن النِّصابِ، ولأنَّ الذَّهبَ والفِضةَ جَوهَرُهما غالبٌ على الصَّنعةِ المُحرَّمةِ، فكانَتِ

стр. 13667

الصناعةُ فيهِما مَغمورةً بالنِّسبةِ إلى قيمةِ جَوهرِهما، وغَيرُهما بخِلافِهما، فتَكونُ الصِّناعةُ غالبةً عليهِ، فيكونُ بائعًا للصِّناعةِ المُحرَّمةِ، فأشبَهَ الإناءَ. ولو سَرقَ إناءً مِنْ ذَهبٍ أو فِضةٍ قيمتُه نِصابٌ إذا كانَ مُتكسِّرًا فعَليهِ القَطعُ؛ لأنه غَيرُ مُجمَعٍ على تَحريمِه، وقِميتُه بدُونِ الصناعةِ المُختلَفِ فيها نِصابٌ، وإنْ سَرقَ إناءً مُعَدًّا لحَملِ الخَمرِ ووَضعِه فيهِ ففيهِ القَطعُ؛ لأنَّ الإناءَ لا تَحريمَ فيهِ، وإنما يَحرمُ عليهِ بنيَّتِه وقَصدِه، فأشبَهَ ما لو سَرقَ سِكينًا مُعدَّةً لذَبحِ الخَنازيرِ أو سَيفًا يُعِدُّه لقَطعِ الطَّريقِ، وإنْ سَرقَ إناءً فيه خَمرٌ يَبلغُ نِصابًا فقالَ أبو الخطَّابِ: يُقطَعُ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه سَرقَ نِصابًا مِنْ حِرزِ مِثلِه لا شُبهةَ له فيهِ، وقالَ غيرُه مِنْ أصحابِنا: لا يُقطَعُ؛ لأنه تبَعٌ لِما لا قطْعَ فيهِ، فأشبَهَ ما لو سَرقَ مُشتَرَكًا بينَه وبينَ غيرِه، قالَ أبو إسحاقَ بنُ شاقِلَا: ولو سَرقَ إداوةً أو إناءً فيه ماءٌ فلا قطْعَ فيه كذلكَ. ولو سَرقَ مِنديلًا في طَرفِه دينارٌ مَشدودٌ فعَلِمَ بهِ فعَليهِ القَطعُ، وإنْ لم يَعلمْ به فلا قطْعَ فيه؛ لأنهُ لم يَقصدْ سَرقتَه، فأشبَهَ ما لو تَعلَّقَ بثَوبِه، وقالَ الشافِعيُّ: يُقطعُ؛ لأنه سرَقَ نِصابًا، فأشبَهَ ما لو سَرقَ ما لم يَعلمْ أنَّ قِيمتَه نِصابٌ، والفَرقُ بينَهُما أنه عَلِمَ بالمَسروقِ هاهُنا وقصَدَ سَرقتَه، بخِلافِ الدِّينارِ؛ فإنه لم يُرِدْه ولم يَقصِدْ أخْذَه، فلا يُؤاخَذُ به بإيجابِ الحَدِّ عليهِ (١).

стр. 13668

الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَبلغَ المالُ المسرُوقُ نِصابًا: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشتَرطُ في المالِ المَسروقِ حتَّى تُقطَعَ فيه الأيدِي أنْ يَبلغَ نِصابًا، وأما الشَّيءُ التافِهُ فلا قطْعَ فيه عندَهم. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا في مِقدارِ النِّصابِ الذي تُقطَعُ فيه الأيدِي، هل هوَ رُبعُ دِينارٍ أو ما يُعادلُه وهو ثَلاثةُ دَراهمَ؟ أم عَشرةُ دَراهمَ؟ فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ أقلَّ النِّصابِ في السَّرقةِ رُبعُ دِينارً فصاعِدًا مِنْ الذَّهبِ خالِصًا أو ثَلاثةُ دَراهمَ مِنْ الوَرِقِ؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂ عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تُقطَعُ يَدُ السَّارقِ إلا في رُبعِ دِينارٍ فصاعِدًا» (١). وعَنها مَرفوعًا: «اقطَعُوا في رُبعِ دِينارٍ، ولا تَقطَعُوا فيما هو أدنَى مِنْ ذلكَ» وكانَ رُبعُ الدِّينارِ يَومئذٍ ثَلاثةَ دَراهمَ، والدِّينارُ اثنَا عَشرَ دِرهمًا» (٢). وإنْ سَرقَ مِنْ غيرِ الذَّهبِ والفِضةِ كالعُروضِ وغيرِها قُوِّمَ بما يُساويهِما؛ لحَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄ «أنَّ النبيَّ ﷺ قطَعَ يَدَ سارقٍ سرَقَ تُرسًا مِنْ صُفَّةِ النِّساءِ ثَمنُه ثَلاثةُ دَراهمَ» (٣).

стр. 13669

وعنِ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «قطَعَ النبيُّ ﷺ في مِجَنٍّ ثَمنُه ثَلاثةُ دَراهِمَ» (١)، وذلكَ يُفيدُ الاعتبارَ بالدَّراهمِ إذا بلَغَتْ هذا القَدرَ، ولأنه أصلُ مالٍ يُعتبَرُ في الأثمانِ وقيمةِ المُتلَفاتِ، فوجَبَ أنْ تكونَ سَرقتُه مُعتبَرةً بمِقدارٍ في نَفسِه لا يُعتبَرُ بغيرِه، أصلُه الذَّهبُ. ويَكونُ التَّقويمُ وقتَ إخراجِه مِنْ حِرزِه؛ لأنه وَقتُ الوُجوبِ؛ لوُجودِ السَّببِ فيهِ (٢). وذهَبَ الحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الأصلَ أنَّ العُروضَ لا تُقوَّمُ إلا بالدَّراهمِ؛ لأنَّ التَّقويمَ حصَلَ بها لا بالذَّهبِ، فما يُساوي منهُ ثَلاثةَ دَراهمَ قُطعَ به وإنْ لم يَبلغْ رُبعَ الدينارِ، وما لا يُساوي ثَلاثةَ دَراهمَ لم يُقطعْ به وإنْ بلَغَ رُبعَ دينارٍ. وعنِ الإمامِ أحمَدَ أنه إنْ سَرقَ مِنْ غيرِ الذَّهبِ والفِضةِ ما قيمتُه رُبعُ دينارٍ أو ثَلاثةُ دَراهمَ قُطعَ، فعلى هذا يُقوَّمُ غيرُ الأثمانِ بأدنَى الأمرَينِ مِنْ رُبعِ دينارٍ أو ثَلاثةِ دَراهمَ (٣).

стр. 13670

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ أقَلَّ نِصابِ السَّرقةِ الذي لا يُقطَعُ فيما دونَه هو رُبعُ دينارٍ مِنْ الذَّهبِ خالِصًا؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂ عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تُقطَعُ يَدُ السَّارقِ إلا في رُبعِ دِينارٍ فصاعِدًا» (١). وإنْ سَرقَ مِنْ غيرِ الذَّهبِ قُوِّمَ على الذَّهبِ؛ لأنه الأصلُ، حتَّى لو سَرقَ دَراهمَ أو غيرَها قُوِّمتْ بالذَّهبِ، وإنْ لم يُعرَفْ قيمتُه بالدَّنانيرِ قُوِّمَ بالدراهمِ ثم قُوِّمتْ هي بالدَّنانيرِ، فإنْ لم يَكنْ بمَحلِّ السرقةِ دَنانيرُ انتقلَ لأقربِ مَحلٍّ إليها فيه ذلكَ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ نِصابَ السَّرقةِ عَشرةُ دَراهمَ أو ما قيمتُه عَشرةُ دَراهمَ دفعةً واحِدةً، سَواءٌ كانَتِ العَشرةُ لمالِكٍ واحدٍ أو لجَماعةٍ إذا كانَتْ في حِرزٍ واحِدٍ لا شُبهةَ فيه وجَبَ القَطعُ؛ لِمَا روَى عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «لا قطْعَ إلا في عَشرةِ دَراهمَ» (٣). وعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: «قطَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَدَ رَجلٍ في مِجَنٍّ قيمتُه دِينارٌ أو عَشرةُ دَراهمَ» (٤).

стр. 13671

والأصلُ في ذلكَ أنه لمَّا ثبَتَ باتِّفاقِ الفُقهاءِ مِنْ السَّلفِ ومَن بعدَهم أنَّ القَطعَ لا يَجبُ إلا في مِقدارٍ متَى قَصُرَ عنه لم يَجبْ وكانَ طَريقُ إثباتِ هذا الضَّربِ مِنْ المَقاديرِ التَّوقيفُ أو الاتِّفاقُ ولم يَثبُتِ التَّوقيفُ فيما دونَ العَشرةِ وثبَتَ الاتفاقُ في العَشرةِ أثبَتْناها ولم نُثبِتْ ما دونَها؛ لعَدمِ التَّوقيفِ والاتفاقِ فيهِ. ويُعتبَرُ أنْ يَكونَ قيمةُ المَسروقِ عَشرةٌ مِنْ حينِ السَّرقةِ إلى حينِ القَطعِ، فإنْ نقَصَ السِّعرُ فيما بينَهُما لم يُقطَعْ. وإذا سرَقَ المالَ في بَلدٍ وتَرافعَا إلى حاكِمٍ في بَلدٍ آخَرَ فلا بُدَّ أنْ تَكونَ قِيمةُ المَسروقِ نِصابًا في البَلدينِ جَميعًا (١). الشَّرطُ الرابعُ: أنْ يَكونَ المالُ المسروقُ مُحرَّزًا: الحِرزُ: هو المَوضعُ الذي يُحرزُ فيه ذلكَ المَسروقُ مِنْ دارٍ أو حانوتٍ أو ظَهرِ دابَّةٍ أو سَفينةٍ ممَّا جَرتْ عادةُ الناسِ أنْ يَحفَظوا فيه أموالَهم، وقد يَختلفُ ذلكَ باختلافِ عَوائدِ الناسِ (٢). اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشترطُ في المالِ المَسروقِ حتى يُقامَ الحَدُّ على السارقِ أنْ يكونَ سرَقَه مِنْ حِرزٍ؛ لحَديثِ عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه «أنَّ رَجلًا مِنْ مُزَينةَ أتَى رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا

стр. 13672

رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في حَريسةِ الجَبلِ؟ فقالَ: هي ومِثلُها والنَّكَالُ، وليسَ في شَيءٍ مِنْ الماشِيةِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ المُراحُ فبلَغَ ثَمنَ المِجَنِّ ففيهِ قَطعُ اليَدِ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في الثَّمرِ المُعلَّقِ؟ قالَ: هو ومِثلُه معه والنَّكالُ، وليسَ في شيءٍ مِنْ الثَّمرِ المُعلَّقِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ الجَرينُ، فما أُخذَ مِنْ الجَرينِ فبلَغَ ثمَنَ المِجنِّ ففيهِ القَطعُ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ» (١)، فأسقَطَ القَطعَ في الماشِيةِ إلا ما آواهُ المُراحُ، وهو المَكانُ الذي تَبيتُ فيه الماشِيةُ، وأسقَطَ في الثَّمرِ المُعلَّقِ إلا ما آواهُ الجَرينُ، وليسَ بينَ الحالينِ فَرقٌ، إلا أنَّ الشيءَ مُحرزٌ في أحَدِ المَوضعينِ دونَ الآخَرِ، فدَلَّ على أنَّ الحِرزَ شَرطٌ في إيجابِ القَطعِ. ولأنَّ رُكنَ السَّرقةِ هو الأخذُ على سَبيلِ الاستِخفاءِ، والأخذُ مِنْ غيرِ حِرزٍ لا يَحتاجُ إلى الاستِخفاءِ، فلا يَتحقَّقُ رُكنُ السرقةِ، ولأنَّ القَطعَ وجَبَ لصِيانةِ الأموالِ على أربابِها قَطعًا لأطماعِ السُّرَّاقِ عن أموالِ الناسِ، والأطماعُ إنما تَميلُ إلى ما لهُ خَطرٌ في القلوبِ، وغَيرُ المُحرَّزِ لا خطَرَ له في القلوبِ عادةً، فلا تَميلُ الأطماعُ إليه، فلا حاجةَ إلى الصِّيانةِ بالقَطعِ، وبهذا لم يُقطَعْ فيما دُونَ النِّصابِ وما ليسَ بمالٍ مُتقومٍ مُحتمِلِ الادِّخارَ (٢).

стр. 13673

قالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: ولا خِلافَ بينَ فُقهاءِ الأمصارِ في أنَّ الحِرزَ شَرطٌ في القَطعِ، وأصلُه مِنْ السُّنةِ ما وصَفْنا (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وهذا مَذهبُ عَطاءٍ والشَّعبيِّ وأبي الأسوَدِ الدُّؤليِّ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والزُّهريِّ وعَمرِو ابنِ دِينارٍ والثوريِّ ومالكٍ والشافِعيِّ وأصحابِ الرأيِ، ولا نَعلمُ عن أحَدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ خِلافَهم، إلا قَولًا حُكيَ عن عائِشةَ والحسَنِ والنخَعيِّ فيمَن جمَعَ المتاعَ ولم يَخرجْ به مِنْ الحِرزِ عليه القَطعُ، وعن الحسَنِ مثلُ قولِ الجَماعةِ، وحُكيَ عن داودَ أنه لا يَعتبِرُ الحرزَ؛ لأنَّ الآيةَ لا تَفصيلَ فيها، وهذه أقوالٌ شاذَّةٌ غيرُ ثابتةٍ عمَّن نُقِلتْ عنه. قالَ ابنُ المُنذِرِ: وليسَ فيه خبَرٌ ثابتٌ ولا مَقالٌ لأهلِ العِلمِ إلا ما ذكَرْناه، فهو كالإجماعِ، والإجماعُ حُجةٌ على مَنْ خالَفَه (٢). صِفةُ الحِرزِ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ أنَّ المُحكَّمَ في الحِرزِ هو العُرفُ؛ لأنه يَختلفُ باختِلافِ الأموالِ والأحوالِ والأوقاتِ، فقدْ يكونُ الشَّيءُ حِرزًا في وقتٍ دونَ وقتٍ بحسَبِ صَلاحِ أحوالِ الناسِ وفسادِها وقوَّةِ السُّلطانِ وضَعفِه، وليسَ له حَدٌّ في الشرعِ ولا اللُّغةِ، وما ليسَ له حَدٌّ في الشَّرعِ ولا اللُّغةِ كانَ المَرجعُ في حَدِّه إلى العُرفِ والعادةِ؛ لأنه لمَّا ثبَتَ اعتِبارُه في الشَّرعِ مِنْ غيرِ

стр. 13674

تَنصيصٍ على بَيانِه عُلِمَ أنه رَدَّ ذلكَ إلى أهلِ العُرفِ؛ لأنه لا طَريقَ إلى مَعرفتِه إلا مِنْ جِهتِه، فيُرجَعُ إليه كمَا رجَعْنا إلى مَعرفةِ القَبضِ والفُرقةِ في البَيعِ وأشباهِ هذا. ووجَدْنا في العُرفِ والعادةِ أنَّ الأحرازَ تَختلفُ باختِلافِ الأموالِ، فكانَ الاعتبارُ في الحُكمِ بالقطعِ بذلكَ (١). بَيانُ الحِرزِ عندَ المذاهبِ الأربَعةِ: قالَ الحَنفيةُ: الحِرزُ نَوعانِ: حِرزٌ بنَفسِه وحِرزٌ بغَيرِه: أما الحِرزُ بنَفسِه: فهو كلُّ بُقعةٍ مُعدَّةٍ للإحرازِ مَمنوعةِ الدُّخولِ فيها إلا بالإذنِ كالدُّورِ والحَوانيتِ والخِيَمِ والفَساطيطِ والخَزائنِ والصَّناديقِ. وأما الحِرزُ بغيرِه: فكُلُّ مكانٍ غيرِ مُعَدٍّ للإحرازِ يدخلُ إليهِ بلا إذنٍ ولا يُمنَعُ منه، كالمَساجدِ والطُّرقِ، وحُكمُه حُكمُ الصَّحراءِ إنْ لم يَكنْ هناكَ حافظٌ، وإنْ كانَ هُناكَ حافظٌ فهو حِرزٌ، لهذا سُميَ حِرزًا بغيرِه حيثُ وقَفَ صَيرورتُه حِرزًا على وُجودِ غيرِه وهوَ الحافظُ. وما كانَ حِرزًا بنفسِه لا يُشترطُ فيه وُجودُ الحافظِ لصَيرورتِه حِرزًا، ولو وُجدَ فلا عِبرةَ بوُجودِه، بل وُجودُه والعَدمُ سَواءٌ، وكلُّ واحِدٍ مِنْ الحِرزَينِ مُعتبَرٌ بنَفسِه على حِيالِه بدونِ صاحبِه؛ لأنه ﵊ علَّقَ القَطعَ بإيواءِ المُراحِ والجَرينِ مِنْ غيرِ شَرطِ وُجودِ الحافظِ.

стр. 13675

ورُويَ عن صَفوانَ بنِ أُميَّةَ: «أنهُ سُرقَتْ خَميصتُه مِنْ تَحتِ رَأسِه وهو نائِمٌ في مَسجدِ النبيِّ ﷺ ، فأخَذَ اللِّصَّ فَجاءَ به إلى النبيِّ ﷺ فأمَرَ بقَطعِه، فقالَ صَفوانُ: أتَقطَعُه؟! قالَ: فهَلَّا قبلَ أنْ تأتيَني به تَركتَه؟!» (١)، ولم يَعتبِرِ الحِرزَ بنفسِه، فدَلَّ أنَّ كُلَّ واحدٍ مِنْ نَوعيِ الحرزِ مُعتبَرٌ بنَفسِه. فإذا سَرقَ مِنْ النَّوعِ الأولِ يُقطعُ، سَواءٌ كانَ ثمَّةَ حافظٌ أو لا؛ لوُجودِ الأخذِ مِنْ الحرزِ، وسَواءٌ كانَ مُغلقَ البابِ أو لا بابَ له بعدَ أنْ كانَ مَحجوزًا بالبناءِ؛ لأنَّ البناءَ يُقصدُ به الإحرازُ كيفَ ما كانَ. وإذا سَرقَ مِنْ النَّوعِ الثاني يُقطعُ إذا كانَ الحافِظُ قَريبًا منه في مكانٍ يُمكِنُه حِفظُه ويُحفَظُ في مِثلِه المَسروقُ عادةً، وسَواءٌ كانَ الحافظُ مُستيقظًا في ذلكَ المكانِ أو نائمًا؛ لأنَّ الإنسانَ يَقصدُ الحِفظَ في الحالَينِ جَميعًا، ولا يُمكِنُ الأخذُ إلا بفِعلِه، ألَا تَرى أنه ﷺ قطَعَ سارقَ صِفوانَ وصَفوانُ كانَ نائمًا. ولو أذِنَ لإنسانٍ بالدُّخولِ في دارِه فسرَقَ المَأذونُ له بالدُّخولِ شَيئًا منها لم يُقطعْ وإنْ كانَ فيها حافِظٌ أو كانَ صاحِبُ المَنزلِ نائمًا عليه؛ لأنَّ الدارَ حِرزٌ بنفسِها لا بالحافظِ، وقد خرَجَتْ مِنْ أنْ تكونَ حِرزًا بالإذنِ، فلا يُعتبَرُ وُجودُ الحافظِ، ولأنه لمَّا أذِنَ له بالدُّخولِ فقدْ صارَ في حُكمِ أهلِ الدارِ، فإذا أخَذَ شَيئًا فهو خائنٌ، وقد رُويَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنه قالَ: «لا

стр. 13676

قطْعَ على خائنٍ» (١)، وكذلكَ لو سَرقَ مِنْ بَعضِ بُيوتِ الدارِ المَأذونِ في دُخولِها وهو مُقفَلٌ أو مِنْ صُندوقٍ في الدارِ أو مِنْ صُندوقٍ في بَعضِ البيوتِ وهو مُقفَلٌ عليهِ إذا كانَ البَيتُ مِنْ جُملةِ الدارِ المَأذونِ في دُخولِها؛ لأنَّ الدارَ الواحِدةَ حِرزٌ واحدٌ، وقد خرَجَتْ بالإذنِ له مِنْ أنْ تكونَ حِرزًا في حقِّه، فكذلكَ بُيوتُها. ورُويَ عن أبي يُوسفَ أنه قالَ في رَجلٍ كانَ في حمَّامٍ أو خانٍ وثِيابُه تحتَ رأسِه فسَرقَها سارقٌ: إنه لا قطْعَ عليهِ، سَواءٌ كانَ نائمًا أو يَقظانًا، وإنْ كانَ في صَحراءَ وثَوبُه تحتَ رأسِه قُطعَ. وكذلكَ رُويَ عن مُحمدٍ في رَجلٍ سَرقَ مِنْ رَجلٍ وهو معهُ في الحمَّامِ، أو سَرقَ مِنْ رَجلٍ وهو معهُ في سَفينةٍ، أو نزَلَ قَومٌ في خانٍ فسَرقَ بعضُهم مِنْ بعضٍ أنه لا قطْعَ على السارقِ، وكذلكَ الحانوتُ؛ لأنَّ الحمَّامَ والخانَ والحانوتَ كلُّ واحدٍ حِرزٌ بنفسِه، فإذا أذِنَ للناسِ في دُخولِه خرَجَ مِنْ أنْ يكونَ حِرزًا، فلا يُعتبَرُ فيهِ الحافظُ، فلا يَصيرُ حِرزًا بالحافظِ، ولهذا قالوا: إذا سَرقَ مِنْ الحمَّامِ ليلًا يُقطَعُ؛ لأنَّ الناسَ لم يُؤذَنوا بالدُّخولِ فيه ليلًا. فأما الصَّحراءُ أو المَسجدُ وإنْ كانَ مَأذونَ الدُّخولِ إليهِ فليسَ حِرزًا بنفسِه بل بالحافظِ، ولم يُوجَدِ الإذنُ مِنْ الحافظِ، فلا يَبطلُ معنَى الحِرزِ فيهِ (٢).

стр. 13677

وقالَ المالِكيةُ: الحِرزُ: هو كُلُّ مكانٍ حِرزٌ لمِثلِه في العادةِ والعُرفِ، وذلكَ يَختلفُ باختِلافِ عاداتِ الناسِ في إحرازِ أموالِهم. وهو في الحَقيقةِ: كلُّ ما لا يُعَدُّ صاحبُ المالِ في العادةِ مُضيِّعًا لمالِه بوَضعِه فيهِ. والمَدارُ على إخراجِ النِّصابِ مِنْ الحِرزِ، فلا قطْعَ على مَنْ نقَلَ النِّصابَ داخلَ الحِرزِ مِنْ مَكانٍ لآخَرَ فيه ولم يُخرِجْه، أو أخرَجَه مِنْ حِرزِ غيرِ مثلِه، ولا يُشترطُ إلا إخراجُ المَتاعِ مِنْ الحِرزِ ولو لم يَخرجِ السارقُ مِنْ الحِرزِ؛ لتَحقُّقِ السَّببِ، وسَواءٌ بَقيَ النِّصابُ خارجَ الحِرزِ أو تَلفَ بسَببِ نارٍ أو أتلَفَه حَيوانٌ أو كانَ زُجاجًا فتَكسَّرَ وما أشبهَ ذلكَ. ولا يُشتَرطُ دُخولُ السارقِ الحِرزَ، بل لو أدخَلَ عصًا مثلًا وجَرَّ بها نِصابًا فإنه يُقطَعُ. وكذلكَ يُقطَعُ مَنْ ابتَلعَ داخِلَ الحِرزِ دُرًّا أو دِينارًا أو شِبهَ ذلكَ ممَّا لا يَفسدُ بالابتلاعِ حيثُ خرَجَ السارقُ مِنْ الحِرزِ؛ لأنه صدَقَ عليه أنه خرَجَ به مِنْ الحِرزِ، بخِلافِ ما لو أكَلَ طَعامًا داخلَ الحِرزِ فإنه لا قطْعَ عليهِ ولو خَرجَ مِنْ الحِرزِ، ولكنْ يَضمنُه لرَبِّه كما لو حرَقَ أمتِعةً داخِلَ الحِرزِ، ويُؤدَّبُ. وكذلكَ يُقطَعُ مَنْ أدهَنَ داخِلَ الحِرزِ بما يَحصلُ منه ما يُساوي نِصابًا إذا سُلِتَ منه كالمِسكِ والزُّبْدِ ونَحوِهما، ومثلُ السَّلتِ الغَسلُ أو الطَّفيُ على الماءِ.

стр. 13678

وكذلكَ يُقطَعُ مَنْ أشارَ إلى شاةٍ ونَحوِها فأخرَجَها مِنْ حِرزِ مثلِها، أو إلى صَبيٍّ أو إلى أعجَميٍّ حتى أخرَجَه. وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سَرقَ نفْسَ اللَّحدِ، وهو غِشاءُ القبْرِ الذي يسدُّ به على المَيتِ؛ لأنَّ القبْرَ حِرزٌ لِما فيهِ. وكذلكَ يُقطَعُ مَنْ سَرقَ الخَيمةَ أو سَرقَ ما فيها، وسواءٌ كانَ أهلُه فيها أم لا، وسَواءٌ كانَ في الحَضرِ أو في السَّفرِ؛ لأنَّ الخِبَاءَ حِرزٌ لنَفسِه ولِمَا فيه، ولا مَفهومَ للخِباءِ، بل كُلُّ مَحلٍّ اتخَذَه الإنسانُ مَنزلًا وترَكَ مَتاعَه فيه وذهَبَ لحاجتِه مثلًا فسرَقَه إنسانٌ فإنه يُقطَعُ. وكذلكَ يُقطَعُ مَنْ سَرقَ مِنْ حانوتٍ نِصابًا، أو مِنْ فِناءِ الخِباءِ، أو مِنْ فِناءِ الحانوتِ، أو مِنْ تابوتِ الصَّيرفِيِّ يَقومُ ويَتركُه ليلًا أو نَهارًا مَبنيًّا أو غيرَ مَبنيٍّ، إلا أنْ يكونَ يَنقلبُ به في كُلِّ ليلةٍ فلا قطْعَ، قالَه ابنُ القاسمِ. وكذلكَ يُقطَعُ مَنْ سَرقَ مِنْ المَحمِلِ أو ما على ظَهرِ دابَّةٍ، وسواءٌ كانَتِ الدابةُ سائرةً أو نازِلةً في لَيلٍ أو نهارٍ. وكَذلكَ يُقطَعُ مَنْ سَرقَ تَمرًا أو زَرعًا مِنْ الجَرينِ، وظاهِرُه: ولو بَعُدَ مِنْ البُيوتِ، وهو أحَدُ قَولينِ، ولو حمَلَ الزَّرعَ إلى الجَرينِ فسرقَ في الطَّريقِ لَقُطعَ السارقُ؛ لأجْلِ مَنْ معَه، وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سَرقَ مِنْ ساحةٍ أو عَرْصةِ دارٍ حُجِرَ عليهِ في الدخولُ لهُمَا، وبعبارةٍ المُرادُ بالأجنَبيِّ غيرُ الشَّريكِ في السُّكنَى، فيُقطعُ فيما سَرقَه مِنْ الساحةِ، سَواءٌ كانَ ممَّا يُوضَعُ فيها أم لا كالثوبِ، وأما غيرُ الأجنَبيِّ فيُقطعُ إنْ سَرقَ مِنْ الساحةِ ما يُوضعُ فيها

стр. 13679

كالدابَّةِ لا غيرُه، وأمَّا السرقةُ مِنْ بيتٍ مِنْ بُيوتِها فإنه يُقطعُ مَنْ أخرَجَه مِنْ البيتِ لِساحتِها، سَواءٌ كانَ شَريكًا أم أجنَبيًّا، وهذا في الدارِ المُشتَرَكةِ، وأما المُختصَّةُ فلا يُقطعُ إلا إذا خَرجَ به مِنْ جَميعِ الدارِ، سَواءٌ سَرقَه مِنْ بيتٍ مِنْ بُيوتِها أو مِنْ ساحتِها، وسواءٌ كانَ ما سَرقَ مِنْ ساحتِها ممَّا شأنُه أنْ يُوضَعَ فيها أم لا. وأمَّا السرقةُ مِنْ السَّفينةِ ففيهِ تَفصيلٌ، وهو أنه إنْ سَرقَ بحَضرةِ رَبِّ المَتاعِ قُطعَ، سَواءٌ خَرجَ منها أم لا، كانَ ممَّن بها أم لا، وإنْ سَرقَ بغيرِ حَضرةِ رَبِّه؛ فإنْ كانَ السارقُ أجنَبيًّا قُطعَ إنْ خرَجَ به منها، وإنْ كانَ مِنْ الرُّكابِ فلا قطْعَ ولو خرَجَ بهِ منها، وإنْ سَرقَ مِنْ الخُنِّ ونَحوِه فإنه يُقطَعُ وإنْ لم يَخرجْ منها. والخانُ يَكونُ حِرزًا للأشياءِ الثقيلةِ كالزِّلَعِ والحَمُولِ ونحوِ ذلكَ، فبمُجرَّدِ إزالتِها عن مَوضعِها يُقطَعُ ولو لم يُخرجْها إذا كانَتْ تُباعُ فيه، وإلا فلا قطْعَ حتى يُخرجَها، ولا يُقطعُ إذا سَرقَ منه شيئًا خَفيفًا. وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سرَقَ دابة مِنْ مَوقفِها التي أُوقِفتْ فيه للبَيعِ، وسَواءٌ كانَتْ مَربوطةً أم لا، وسَواءٌ كان معَها صاحبُها أم لا، وكَذلكَ إذا كانَتْ مَربوطةً في الزُّقاقِ دائمًا ثمَّ سَرقَها مِنْ مَوقفِها؛ لأنَّ ذلكَ حِرزُها. وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سَرقَ السَّفينةَ نفسَها وهي واقِفةٌ في المِرساةِ أو على قَريةٍ، والمَرادُ بالمِرساةِ المَحلُّ الذي رَسَتْ فيه وهو صالحٌ للإرساءِ، كانَ مُعدًّا لهُما أم لا، كانَ بقَريةٍ أم لا، كانَ قَريبًا مِنْ العُمرانِ أم لا.

стр. 13680

وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سَرقَ شيئًا بحَضرةِ صاحبِه؛ لأنه حِرزٌ له ولو كانَ في فَلاةٍ، وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سَرقَ مِنْ غِلالِ المَطاميرِ التي يُخزَّنُ فيها القَمحُ بشَرطِ أنْ يكونَ المَطمورُ قَريبًا مِنْ المَسكنِ بحَيثُ يكونَ حِسُّ ربِّه عليهِ، فلو بَعُدَ فلا قطْعَ؛ لأنه لم يُحرزْ طعامَه بحالٍ. وكذلكَ يُقطعُ مَنْ سَرقَ مِنْ القِطارِ، وهو الإبلُ المَربوطةُ بعضُها في بَعضٍ، وسَواءٌ كانَتْ سائرةً أو نازِلةً، فإذا حَلَّ السارقُ واحِدًا منها وأخَذَه قُطعَ ولو لم يَبِنْ به، ونحوُ القِطارِ الإبلُ أو الدَّوابُ المَسوقةُ إلى المَرعَى غيرَ مَربوطةٍ، أي: غيرَ مَقطورةٍ. ومَن أزالَ بابَ المَسجدِ مِنْ مَوضعِه ولو لم يَأخذْه فإنه يُقطعُ؛ لأنه أزالَه عن حِرزِه. ومَن دخَلَ الحمَّامَ لأجلِ السَّرقةِ وسَرقَ منها فإنه يُقطعُ، وأما إنْ أذِنَ له في دُخولِها فدخَلَها وسَرقَ فلا قطْعَ عليهِ، ويُعلَمُ ذلكَ مِنْ قَرائنِ الأحوالِ، وكذلكَ يُقطعُ مَنْ نقَبَ الحمَّامَ أو تَسوَّرَ عليها ونزَلَ إليها وسَرقَ ما قِيمتُه ثلاثةُ دَراهمَ إذا أخَذَ خارجَ الحمَّامِ، وأما مُجرَّدُ النَّقبِ لا قطْعَ فيه، وكذلكَ يُقطعُ مَنْ أخَذَ مِنْ ثِيابِ الحمَّامِ مِنْ غيرِ إذنِ الحارسِ له في تَقليبِ الثِّيابِ، وأما إنْ أَذنَ في تَقليبِ الثِّيابِ فأخَذَ غيرَ ثيابِه فإنه لا قطْعَ عليهِ، وسَواءٌ دخَلَ للسَّرقةِ أم لا؛ لأنه خائنٌ، وحيثُ قُلنا بالقَطعِ مَحلُّه ما لم يَدَّعِ أنه أخطَأَ، فإنِ ادَّعى ذلكَ صُدقَ إنْ أشبَهَ قولُه. والدارُ المَأذونُ في دُخولِها لكُلِّ الناسِ كَدارِ العالِمِ ودارِ الطَّبيبِ وما أشبَهَ ذلكَ إذا سَرقَ منها شَخصٌ نِصابًا وأخرَجَه عن جَميعِ الدارِ فإنه يُقطعُ.

стр. 13681

ولا قطْعَ على مَنْ سَرقَ مِنْ مَوضعٍ مَأذونٍ له في دُخولِه، كالشَّخصِ يُضيِّفُ الضَّيفَ فيُدخلُه دارَه أو يَبعثُ الشَّخصَ إلى دارِه ليَأتيَه مِنْ بَعضِ بُيوتِها بشَيءٍ وما أشبَهَ ذلكَ فيَسرقُ مِنْ مَوضعٍ مُغلَقٍ قد حجُرَ عليهِ فيهِ وإنْ خرَجَ مِنْ جَميعِ الدارِ؛ لأنه خائنٌ لا سارِقٌ، وهذا على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ. وقالَ سحنُونٌ: يُقطَعُ وإنْ لم يَخرجْ به إلى المَوضعِ الذي أذِنَ له في دُخولِه. وقيلَ: لا يُقطعُ حتَّى يَخرجَ به مِنْ جَميعِ الدارِ. وكذلكَ لا قطْعَ على مَنْ دخَلَ الحِرزَ ونقَلَ النِّصابَ مِنْ مَوضعٍ لآخَرَ فيهِ ولم يُخرجْه منهُ. وكذلكَ لا قطْعَ على مَنْ سَرقَ ما على الصَّبيِّ مِنْ حُليٍّ وثِيابٍ؛ لأنَّ الصبيَّ لا يكونُ حِرزًا لِما معهُ ولا لِما عليهِ، إلا أنْ يكونَ مع الصَّبيِّ مَنْ يَحفظُه أو يَكونَ في حِرزِ مثلِه، فإنَّ سارِقَه يُقطعُ حِينئذٍ، ومثلُ الصَّبيِّ المَجنونُ. وكذلكَ لا قطْعَ على الشَّخصِ الداخلِ في الحِرزِ الآخِذِ للنِّصابِ منهُ ورَفعَه على يَديه لشَخصٍ خارجَ الحِرزِ فمَدَّ يَدَه إلى داخلِه وأخَذَ النصابَ مِنْ الداخلِ وأخرَجَه إلى خارجِ الحِرزِ، بل القَطعُ على الخارجِ؛ لأنه صَدَقَ عليه أنه الذي أخرَجَ النِّصابَ مِنْ الحِرزِ وحْدَه، وأمَّا إنِ التَقيَا وَسطَ النَّقبِ قُطعَا، أو كانَتِ المناوَلةُ خارجَ الحِرزِ قُطعَ الداخِلُ (١).

стр. 13682

وقالَ الشافِعيةُ: يَختلفُ الحِرزُ باختلافِ الأحوالِ والأموالِ، والتَّعويلُ في صِيانةِ المالِ وإحرازِه على شَيئينِ: أحَدُهما: المُلاحَظةُ والمُراقَبةُ. والثاني: حَصانةُ المَوضعِ ووَثاقتُه، فإنْ لم يَكنْ للمَوضعِ حَصانةٌ كالمَوضوعِ في صَحراءَ أو مَسجدٍ أو شارعٍ اشتُرطَ مُداوَمةُ اللِّحَاظِ، وإنْ كانَ له حَصانةٌ وانضَمَّ إليها اللِّحاظُ المُعتادُ كَفى ولم تُشترطْ مُداوَمتُه، ويَحكمُ في ذلكَ العُرفُ، تَفصيلُه بمَسائلَ: إحْدَاها: الإصطَبلُ حِرزُ الدَّوابِّ مع نَفاستِها وكَثرةِ قِيمتِها، وليسَ حِرزًا للثِّيابِ والنُّقودِ، والصُّفَّةُ -هي شَيءٌ كالظُّلةِ قُدَّامَه- في الدارِ وعَرصتِها حِرزانِ للأواني وثِيابِ البِذْلةِ دونَ الحُليِّ والنُّقودِ؛ لأنَّ العادةَ فيها الإحرازُ في المَخازنِ، وكذا الثِّيابُ النَّفيسةُ تُحرَزُ في الدُّورِ وفي بُيوتِ الحاناتِ وفي الأسواقِ المَنيعةِ، والمِتْبَنُ حرزٌ للتِّبنِ دونَ الأواني والفُرشِ. فمَا كانَ حِرزًا لنَوعٍ كانَ حِرزًا لِما دونَه وإنْ لم يَكنْ حِرزًا لِما فوقَه. الثانيةُ: إذا نامَ في صَحراءَ أو مَسجدٍ أو شارعٍ على ثَوبِه أو تَوسَّدَ عَيبتَه أو مَتاعَه أو اتَّكأَ عليهِ فسُرقَ الثَّوبُ مِنْ تَحتِه أو العَيبةُ أو أخِذَ المِنديلُ مِنْ رَأسِه أو المَداسُ مِنْ رِجلِه أو الخاتَمُ مِنْ أصبُعِه وجَبَ القَطعُ؛ لأنه مُحرزٌ به، ولو زالَ رأسُه عمَّا تَوسَّدَه أو انقَلبَ في النومِ عنِ الثَّوبِ وخلَّاهُ فلا قطْعَ بسَرقتِه. ولو رفَعَ السارقُ النائمَ عن الثوبِ أولًا ثمَّ أخَذَه فلا قطْعَ.

стр. 13683

ولو وَضعَ مَتاعَه أو ثوبَه بقُربِه في الصَّحراءِ أو المَسجدِ فإنْ نامَ أو ولَّاهُ ظَهرَه أو ذَهلَ عنه بشَاغلٍ لم يكنْ مُحرزًا، وإنْ كانَ مُتيقِّظًا يُلاحظُه فتَغفَّلَه السارقُ وأخَذَ المالَ قُطعَ على الصَّحيحِ، وهل يُشترطُ أنْ لا يكونَ في المَوضعِ زَحمةُ الطارِقينَ؟ وَجهانِ: أحَدُهما: لا، وتكفِي المُلاحَظةُ، لكنْ لا بُدَّ بسَببِ الزَّحمةِ مِنْ مَزيدِ مُراقَبةٍ وتَحفُّظٍ. وأصَحُّهما: نعمْ، وتُخرجُه الزَّحمةُ عن كَونِه مُحرزًا، وأُجريَ الوَجهانِ في الخبَّازِ والبزَّازِ وغيرِهما إذا كَثُرَتِ الزحمةُ على حانوتِه. قالَ الإمامُ: ولو وَضعَ المَتاعَ في شارعٍ ولاحَظَه جَمعٌ صارَ عَددُ اللاحِظينَ في مُعارَضةِ عَددِ الطارِقينَ كلاحِظٍ في الصَّحراءِ في مُعارَضةِ طارقٍ، ويُشترطُ كَونُ المُلاحِظِ بحَيثُ يَقدرُ على المَنعِ لو اطَّلعَ على سارقٍ إمَّا بنَفسِه وإما بالاستغاثةِ، فإنْ كانَ ضَعيفًا لا يُبالي به السارقُ والمَوضعُ بَعيدٌ عن الغَوثِ فليسَ بحِرزٍ، بلِ الشخصُ شائعٌ مع مالِه، ويَنبغي أنْ لا يُفرَّقَ بينَ كونِ الصحراءِ مَواتًا أو غيرَه. واعلَمْ أنَّ الرُّكنَ الأولَ في كَونِه مُحرزًا المُلاحَظةُ، فلا تكفِي حَصانةُ المَوضعِ على أصلِ المُلاحَظةِ، حتَّى إنَّ الدارَ المُتفرِّدةَ في طَرفِ البلدِ لا تكونُ حِرزًا وإنْ تَناهَتْ في الحَصانةِ، وكذا القَلعةُ المُحكَمةُ؛ لأنه إذا لم يَكنِ المَوضعُ على أصلِ المُلاحظةِ، حتَّى إنَّ الدارَ المُنفرِدةَ في طَرفِ البلدِ لا تكونُ خَطرًا، لكن لا يُحتاجُ مع الحَصانةِ إلى دَوامِ المُلاحظةِ، بخِلافِ ما ذكَرْنا في الصَّحراءِ.

стр. 13684

ولو أدخَلَ يَدَه في جَيبِ إنسانٍ أو كُمِّه وأخَذَ المالَ أو طَرَّ جَيبَه -أي شَقَّه- وأخَذَ المالَ قُطعَ؛ لأنه مُحرزٌ بهِ، وسواءٌ رَبطَه مِنْ داخلِ الكُمِّ أم مِنْ خارجِه أم لم يَربطْه. وإنْ أخَذَه مِنْ رأسِ مِنديلٍ على رأسٍ إنْ كانَ قد شَدَّه عليهِ قُطعَ، وإلا فلا. الثالثةُ: الدارُ إنْ كانَتْ مُنفصلةً عن العِماراتِ بأنْ كانَتْ في باديةٍ أو في الطرقِ الخِرابِ مِنْ البَلدِ أو في بُستانٍ فليسَتْ بحِرزٍ إنْ لم يكنْ فيها أحَدٌ، سَواءٌ كانَ البابُ مَفتوحًا أو مُغلقًا، فإنْ كانَ فيها صاحبُها أو حافظٌ آخَرُ نُظرَ؛ إنْ كانَ نائمًا والبابُ مَفتوحٌ فليسَتْ حِرزًا، وإنْ كانَ مُغلقًا فوَجهانِ: أحَدُهما: أنه مُحرزٌ، والثاني: غَيرُ مُحرزٍ. وإنْ كانَ مَنْ فيها مُتيقِّظًا فالأمتِعةُ فيها مُحرزةٌ، سَواءٌ كانَ البابُ مَفتوحًا أو مُغلقًا، لكنْ لو كانَ ممَّن لا يُبالَى به وهو بَعيدٌ عن الغَوثِ فالحُكمُ على ما ذكَرْناهُ في المَلحوظِ بعَينِ الضَّعيفِ في الصَّحراءِ، وإنْ كانَتِ الدارُ مُتصلةً بدُورِ أهلِه نُظرَ: إنْ كانَ البابُ مُغلقًا وفيها صاحبُها أو حافظٌ آخَرُ فهيَ حِرزٌ لِما فيها لَيلًا ونهارًا، مُتيقظًا كانَ الحافظُ أو نائمًا. وإنْ كانَ البابُ مَفتوحًا فإنْ كانَ مَنْ فيها نائمًا لم يَكنْ حِرزًا لَيلًا قَطعًا ولا نهارًا في الأصَحِّ، وقيلَ: حِرزٌ نهارًا في زَمنِ الأمنِ مِنْ النَّهبِ وغيرِه. وإنْ كانَ مَنْ فيها مُتيقظًا لكنَّه لا يُتِمُّ المُلاحظةَ بل يَترددُ في الدارِ فتَغفَّلَه إنسانٌ فسَرقَ لم يُقطعْ على الأصَحِّ المَنصوصِ؛ للتَّقصيرِ بإهمالِ المُراقبةِ

стр. 13685

مع فَتحِ البابِ، ولو كانَ يُبالِغُ في المُلاحَظةِ بحَيثُ يَحصلُ الإحرازُ بمِثلِه في الصَّحراءِ فانتَهزَ السارقَ فُرصةً قُطعَ بلا خِلافٍ. ولو فتَحَ صاحبُ الدارِ بابَها وأَذِنَ للناسِ في الدخولِ كشِراءِ مَتاعِه كما يَفعلُه مَنْ يَخبزُ في دارِه فوَجهانِ؛ لأنَّ الزحمةَ تُشغِلُ، فأما إذا لم يَكنْ فيها أحَدٌ فالمَذهبُ أنه إنْ كانَ البابُ مُغلقًا فهو حِزرٌ بالنهارِ في وَقتِ الأمنِ، وليسَ حِرزًا في وَقتِ الخَوفِ ولا في الليلِ، وإنْ كانَ مَفتوحًا لم يَكنْ حِرزًا أصلًا. وإذا ادَّعَى السارقُ أنَّ صاحِبَ الدارِ نامَ أو ضَيَّعَ ما فيها وأعرَضَ عن اللِّحاظِ فقالَ الغَزاليُّ: يَسقطُ القَطعُ بمُجرَّدِ دَعواهُ كما في دَعوَى المِلكِ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واعلَمْ أنَّ الأمرَ في كلِّ هذا مَبنيٌّ على العادةِ الغالبةِ في الإحرازِ، وعلى هذا الأصلِ قالَ الأصحابُ: النَّقدُ والجَوهرُ والثِّيابُ لا تكونُ مُحرزةً إلا بإغلاقِ البابِ عليها، وأمتِعةُ العطَّارينَ والبقَّالينَ والصيَادِلةِ إذا ترَكَها على بابِ الحانوتِ ونامَ فيه أو غابَ عنه فإنْ ضَمَّ بعضَها إلى بَعضٍ وربَطَها بحَبلٍ أو علَّقَ عليها شَبكةً أو وَضعَ لَوحَينِ على بابِ الحانوتِ مُخالِفينِ كفَى ذلكَ إحرازًا في النَّهارِ؛ لأنَّ الجِيرانَ والمارَّةَ يَنظرونَها، وإنْ تَركَها مُفرَّقةً ولم يَفعلْ شَيئًا ممَّا ذكَرْناه لم تَكنْ مُحرزةً، وأما بالليلِ فلا تكونُ مُحرزةً إلا بحارسٍ … (١).

стр. 13686

ومَذهبُ الحَنابلةِ قَريبٌ مِنْ مَذهبِ الشافِعيةِ، فقالوا: يَختلفُ الحِرزُ باختِلافِ الأموالِ والبُلدانِ وعَدلِ السُّلطانِ وجَورِه وقُوَّتِه وضَعفِه؛ لخَفاءِ السارقِ بالبلدِ الكَبيرِ لسِعةِ أقطارِه أكثَرَ مِنْ خَفائِه في البلدِ الصَّغيرِ، وكذا السُّلطانُ إنْ كانَ عَدلًا يُقِيمُ الحُدودَ قلَّ السُّراقُ، فلا يَحتاجُ الإنسانُ إلى زِيادةِ حِرزٍ. وإنْ كانَ جائرًا يُشارِكُ مَنْ التَجأَ إليهِ ويَذبُّ عنهُم قَوِيتْ صَولتُهم، فيَحتاجُ أربابُ الأموالِ إلى زِيادةِ التحفُّظِ، وكذا الحالُ مع قوَّتِه وضَعفِه. فحِرزُ الأثمانِ والجَواهرِ والقُماشِ في الدُّورِ والدَّكاكينِ في العُمرانِ وَراءَ الأبوابِ والأغلاقِ الوَثيقةِ. والصُّندوقُ في السُّوقِ حِرزٌ وثَمَّ حارسٌ؛ لأنه العادةُ، وإنْ لم يَكن ثَمَّ حارسٌ فليسَ الصُّندوقُ حِرزًا، فإنْ لم تَكنِ الأبوابُ مُغلقةً ولا فيها حافظٌ فليسَتْ حِرزًا، وإنْ كانَ في الدارِ المَفتوحةِ الأبوابِ خَزائنُ مُغلقةٌ فالخَزائنٌ حِرزٌ لِما فيها مِنْ الأموالِ، وما خَرجَ عن الخَزائنِ فليسَ بمُحرزٍ إذا كانَتْ أبوابُ الدارِ مَفتوحةً. وأما البُيوتُ التي في البَساتينِ والطُّرقِ والصَّحراءِ فإنْ لم يَكنْ فيها أحَدٌ فليسَتْ حِرزًا، مُغلَقةً كانَتْ أو مَفتوحةً، وإنْ كانَ فيها أهلُها أو حافظٌ مُلاحِظٌ فهي حِرزٌ، مُغلقةً كانتْ أو مَفتوحةً، فإنْ كانَ بها نائمٌ وهي مُغلقةٌ فهي حِرزٌ، وإنْ لم تكنْ مُغلقةً فليسَتْ بحِرزٍ إلا أنْ يكونَ الحافِظُ يَقظانَ، وكذا خَيمةٌ وخَرْكاه ونحوُهما كبَيتِ الشَّعرِ إنْ كانَ فيها أحَدٌ ولو نائمًا فهي مُحرزةٌ مع ما فيها؛ لأنها هَكذا تُحرزُ في العادةِ، وإنْ لم يَكنْ فيها أحَدٌ فإنْ

стр. 13687

كانَ عندَها حافظٌ فهي مُحرزةٌ أيضًا، وإنْ لم يَكنْ عندَها حافظٌ وليسَ فيها أحَدٌ فلا قطْعَ على سارقِها؛ لأنها ليسَتْ بمُحرزةٍ في العادةِ. وإنْ كانَ لابِسًا ثَوبًا أو مُتوسِّدًا له تَحتَ رأسِه نائمًا كانَ أو مُستيقظًا أو كانَ مُفتَرِشًا له أو مُتكِئًا عليه في أيِّ مَوضعٍ كانَ مِنْ بَلدٍ أو بَرِّيةٍ فحِرزٌ؛ «لأنه ﷺ قطَعَ سارِقَ رِداءِ صَفوانَ مِنْ المَسجدِ وهو مُتوسِّدُه». أو كانَ نائِمًا على مَجَرِّ فَرسِه لم يَزُلْ عنهُ أو كانَ نَعلُه في رِجلِه فحِرزٌ؛ لأنه هكذا مُحرَّزٌ، فإنْ تَدحرجَ النائمُ عن الثَّوبِ زالَ الحِرزُ، فلا قطْعَ على السارقِ إذنْ. وإنْ كانَ الثوبُ أو غيرُه مِنْ المَتاعِ بينَ يَديِه كبَزِّ البزَّازينَ وقُماشِ الباعةِ وخُبزِ الخبَّازِ بحَيثُ يُشاهدُه ويَنظرُ إليه فهو حِرزٌ؛ لأنه العادةُ، وإنْ نامَ أو كانَ غائبًا عن مَوضعِ مُشاهَدتِه فليسَ بمُحرَّزٍ، وإنْ جَعلَ البَّزازُ ونحوُه المَتاعَ في الغَرائرِ وعلَّمَ عليها -أي شَدَّها- بخَيطٍ ونحوِه كحَبلٍ وسَيرٍ ومعَها حافظٌ يُشاهدُها فمُحرَّزةٌ؛ عَملًا بالعُرفِ، وإنْ لم يَكنْ معَها حِينئذٍ حافظٌ يُشاهدُها فليسَتْ بمُحرزةٍ. وحِرزُ سُفنٍ في شَطٍّ برَبطِها؛ لجَريانِ العادةِ بذلكَ، وحِرزُ بَقلٍ وباقِلاءِ وطَبيخٍ وقُدورِه وخَزفٍ بضَمِّ بعضِه إلى بَعضٍ بحَبلٍ أو غيرِه إذا كانَ بالسُّوقِ حارسٌ؛ لأنْ العادةَ جَرَتْ بإحرازِها به. وحِرزُ مَواشِ الصُّبُرُ -واحِدُها صُبْرةٌ، وهي حَظيرةُ الغَنمِ- وحِرزُها في المَرعى بالراعِي ونَظرِه إليها إذا كانَ الراعِي يَراها في الغالبِ؛ لأنَّ العادةَ

стр. 13688

حِرزُها بذلكَ، وما نامَ الراعي عنه مِنْ الماشِيةِ أو غابَ عن مُشاهدتِه فقدْ خَرجَ عن الحِرزِ، فلا قطْعَ على سارقِه. وحِرزُ ثِيابٍ في حمَّامٍ بحافظٍ، ويَضمنُ الحافظُ ما ضاعَ بتَفريطِه ولو لم يَستحفظْه رَبُّ المَتاعِ صَريحًا؛ عَملًا بالعُرفِ. ومَن سَرقَ مِنْ ثَمرِ شَجرٍ أو مِنْ جِمارِ نَخلٍ -وهو الكُثرُ بضَمِّ الكافِ- قبلَ إدخالِه الحِرزَ كأخذِه مِنْ رُؤوسِ نَخلٍ وشَجرٍ مِنْ البُستانِ لم يُقطعْ ولو كانَ عليه حائطٌ وحافظٌ، ويَضمنُ عِوضَه مرَّتينِ؛ لحَديثِ رافعِ بنِ خُديجٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا قطْعَ في ثَمرٍ ولا كثرٍ» (١). ولحَديثِ عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه «أنَّ رَجلًا مِنْ مُزَينةَ أتَى رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في حَريسةِ الجَبلِ؟ فقالَ: هي ومِثلُها والنَّكَالُ، وليسَ في شَيءٍ مِنْ الماشِيةِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ المُراحُ فبلَغَ ثَمنَ المِجَنِّ ففيهِ قَطعُ اليَدِ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في الثَّمرِ المُعلَّقِ؟ قالَ: هو ومِثلُه معه والنَّكالُ، وليسَ في شيءٍ مِنْ الثَّمرِ المُعلَّقِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ الجَرينُ، فما أُخذَ مِنْ الجَرينِ فبلَغَ ثمَنَ المِجنِّ ففيهِ القَطعُ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ» (٢).

стр. 13689

ولأنَّ الثِّمارَ في العادةِ تَسبقُ اليَدُ إليها، فجازَ أنْ تُغلَّظُ قيمتُها على سارِقِها؛ رَدعًا له وزَجرًا، بخِلافِ غيرِها. ومَن سَرقَ منه نِصابًا بعدَ إيوائِه الحِرزَ كجَرينٍ ونَحوِه أو سرَقَ نِصابًا مِنْ ثَمرٍ مِنْ شَجرةٍ في دارٍ مُحرَّزةٍ قُطعَ؛ للحَديثِ السابقِ، وكذا الماشِيةُ تُسرَقُ مِنْ المرعَى مِنْ غيرِ أنْ تكونَ مُحرزةً تُضمَنُ بمِثلِ قيمتِها ولا قطْعَ كثَمرٍ وكثرٍ. وما عَداهُنَّ -أي: الثَّمرَ والكثرَ والماشيةَ- يُضمَنُ بقِيمتِه مرَّةً واحدةً إنْ كانَ مُتقوِّمًا، أو بمِثلِه إنْ كانَ مِثليًّا؛ لأنَّ التَّضعيفَ فيها على خِلافِ القياسِ للنَّصِّ، فلا يُجاوَزُ به مَحلُّ النصِّ. وإذا سَرقَ الضيفُ مِنْ مالِ مُضِيفِه مِنْ المَوضعِ الذي أنزَلَه فيه أو مِنْ مَوضعٍ لم يُحرزْه عنه لم يُقطعْ؛ لعَدمِ هَتكِه الحِرزَ، وإنْ سَرقَ الضَّيفُ مِنْ مَوضعٍ مُحرَّزٍ عنه فإنْ كانَ منَعَه قِراهُ فسَرقَ بقَدرِه لم يُقطعْ؛ لأنه أخَذَ الواجِبَ له، أشبَهَ الزوجةَ والقريبَ إذا أخَذَا ما وجَبَ لهُما، وإنْ لم يَمنعْه المُضيفُ قِراهُ الواجِبَ له قُطعَ إنْ سَرقَ نِصابًا؛ لأنه لا شُبهةَ للضَّيفِ إذنْ في مالِ المُضيفِ (١).

стр. 13690

الرُّكنُ الرابعُ: الأخذُ خُفيَةً: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ لتَحقُّقِ السَّرقةِ أنْ يأخُذَ السارقُ المَسروقَ على وَجهِ الخُفيةِ والاستِتارِ، فإنِ اختَطفَ المالَ أو انتَهبَه أو اختَلسَ لم يُكنْ سارِقًا ولا قطْعَ عليهِ عندَهم جَميعًا؛ لحَديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ليسَ على المُنتهِبِ قَطعٌ، ومَن انتَهبَ نُهبةً مَشهورةً فلَيسَ منَّا، وقالَ: ليسَ على الخائنِ قَطعٌ» (١)، وفي رِوايةٍ: «ولا على المُختلِسِ قَطعٌ» (٢). وفي لَفظِ ابنِ حبَّانَ: «ليسَ على مُنتهِبٍ ولا مُختلِسٍ ولا خائِنٍ قَطعٌ» (٣). وعَلى هذا أجمَعَ العُلماءُ أنه لا قطْعَ على خائنٍ ولا مُختلِسٍ ولا مُنتَهبٍ ولا غاصبٍ؛ لأنَّ الواجِبَ قَطعُ السارقِ، وهذا غيرُ سارقٍ، ولأنَّ الاختِلاسَ نَوعٌ مِنْ الخَطفِ والنَّهبِ، وإنما يَستخفِي في ابتِداءِ اختِلاسِه، بخِلافِ السارقِ (٤). قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا أنْ لا قطْعَ على المُختلِسِ، وانفَردَ إياسُ بنُ مُعاويةَ فقالَ: أقطَعُه.
следующие страницы →