← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13686–13725 · переход к 13691.

стр. 13686

ومَذهبُ الحَنابلةِ قَريبٌ مِنْ مَذهبِ الشافِعيةِ، فقالوا: يَختلفُ الحِرزُ باختِلافِ الأموالِ والبُلدانِ وعَدلِ السُّلطانِ وجَورِه وقُوَّتِه وضَعفِه؛ لخَفاءِ السارقِ بالبلدِ الكَبيرِ لسِعةِ أقطارِه أكثَرَ مِنْ خَفائِه في البلدِ الصَّغيرِ، وكذا السُّلطانُ إنْ كانَ عَدلًا يُقِيمُ الحُدودَ قلَّ السُّراقُ، فلا يَحتاجُ الإنسانُ إلى زِيادةِ حِرزٍ. وإنْ كانَ جائرًا يُشارِكُ مَنْ التَجأَ إليهِ ويَذبُّ عنهُم قَوِيتْ صَولتُهم، فيَحتاجُ أربابُ الأموالِ إلى زِيادةِ التحفُّظِ، وكذا الحالُ مع قوَّتِه وضَعفِه. فحِرزُ الأثمانِ والجَواهرِ والقُماشِ في الدُّورِ والدَّكاكينِ في العُمرانِ وَراءَ الأبوابِ والأغلاقِ الوَثيقةِ. والصُّندوقُ في السُّوقِ حِرزٌ وثَمَّ حارسٌ؛ لأنه العادةُ، وإنْ لم يَكن ثَمَّ حارسٌ فليسَ الصُّندوقُ حِرزًا، فإنْ لم تَكنِ الأبوابُ مُغلقةً ولا فيها حافظٌ فليسَتْ حِرزًا، وإنْ كانَ في الدارِ المَفتوحةِ الأبوابِ خَزائنُ مُغلقةٌ فالخَزائنٌ حِرزٌ لِما فيها مِنْ الأموالِ، وما خَرجَ عن الخَزائنِ فليسَ بمُحرزٍ إذا كانَتْ أبوابُ الدارِ مَفتوحةً. وأما البُيوتُ التي في البَساتينِ والطُّرقِ والصَّحراءِ فإنْ لم يَكنْ فيها أحَدٌ فليسَتْ حِرزًا، مُغلَقةً كانَتْ أو مَفتوحةً، وإنْ كانَ فيها أهلُها أو حافظٌ مُلاحِظٌ فهي حِرزٌ، مُغلقةً كانتْ أو مَفتوحةً، فإنْ كانَ بها نائمٌ وهي مُغلقةٌ فهي حِرزٌ، وإنْ لم تكنْ مُغلقةً فليسَتْ بحِرزٍ إلا أنْ يكونَ الحافِظُ يَقظانَ، وكذا خَيمةٌ وخَرْكاه ونحوُهما كبَيتِ الشَّعرِ إنْ كانَ فيها أحَدٌ ولو نائمًا فهي مُحرزةٌ مع ما فيها؛ لأنها هَكذا تُحرزُ في العادةِ، وإنْ لم يَكنْ فيها أحَدٌ فإنْ

стр. 13687

كانَ عندَها حافظٌ فهي مُحرزةٌ أيضًا، وإنْ لم يَكنْ عندَها حافظٌ وليسَ فيها أحَدٌ فلا قطْعَ على سارقِها؛ لأنها ليسَتْ بمُحرزةٍ في العادةِ. وإنْ كانَ لابِسًا ثَوبًا أو مُتوسِّدًا له تَحتَ رأسِه نائمًا كانَ أو مُستيقظًا أو كانَ مُفتَرِشًا له أو مُتكِئًا عليه في أيِّ مَوضعٍ كانَ مِنْ بَلدٍ أو بَرِّيةٍ فحِرزٌ؛ «لأنه ﷺ قطَعَ سارِقَ رِداءِ صَفوانَ مِنْ المَسجدِ وهو مُتوسِّدُه». أو كانَ نائِمًا على مَجَرِّ فَرسِه لم يَزُلْ عنهُ أو كانَ نَعلُه في رِجلِه فحِرزٌ؛ لأنه هكذا مُحرَّزٌ، فإنْ تَدحرجَ النائمُ عن الثَّوبِ زالَ الحِرزُ، فلا قطْعَ على السارقِ إذنْ. وإنْ كانَ الثوبُ أو غيرُه مِنْ المَتاعِ بينَ يَديِه كبَزِّ البزَّازينَ وقُماشِ الباعةِ وخُبزِ الخبَّازِ بحَيثُ يُشاهدُه ويَنظرُ إليه فهو حِرزٌ؛ لأنه العادةُ، وإنْ نامَ أو كانَ غائبًا عن مَوضعِ مُشاهَدتِه فليسَ بمُحرَّزٍ، وإنْ جَعلَ البَّزازُ ونحوُه المَتاعَ في الغَرائرِ وعلَّمَ عليها -أي شَدَّها- بخَيطٍ ونحوِه كحَبلٍ وسَيرٍ ومعَها حافظٌ يُشاهدُها فمُحرَّزةٌ؛ عَملًا بالعُرفِ، وإنْ لم يَكنْ معَها حِينئذٍ حافظٌ يُشاهدُها فليسَتْ بمُحرزةٍ. وحِرزُ سُفنٍ في شَطٍّ برَبطِها؛ لجَريانِ العادةِ بذلكَ، وحِرزُ بَقلٍ وباقِلاءِ وطَبيخٍ وقُدورِه وخَزفٍ بضَمِّ بعضِه إلى بَعضٍ بحَبلٍ أو غيرِه إذا كانَ بالسُّوقِ حارسٌ؛ لأنْ العادةَ جَرَتْ بإحرازِها به. وحِرزُ مَواشِ الصُّبُرُ -واحِدُها صُبْرةٌ، وهي حَظيرةُ الغَنمِ- وحِرزُها في المَرعى بالراعِي ونَظرِه إليها إذا كانَ الراعِي يَراها في الغالبِ؛ لأنَّ العادةَ

стр. 13688

حِرزُها بذلكَ، وما نامَ الراعي عنه مِنْ الماشِيةِ أو غابَ عن مُشاهدتِه فقدْ خَرجَ عن الحِرزِ، فلا قطْعَ على سارقِه. وحِرزُ ثِيابٍ في حمَّامٍ بحافظٍ، ويَضمنُ الحافظُ ما ضاعَ بتَفريطِه ولو لم يَستحفظْه رَبُّ المَتاعِ صَريحًا؛ عَملًا بالعُرفِ. ومَن سَرقَ مِنْ ثَمرِ شَجرٍ أو مِنْ جِمارِ نَخلٍ -وهو الكُثرُ بضَمِّ الكافِ- قبلَ إدخالِه الحِرزَ كأخذِه مِنْ رُؤوسِ نَخلٍ وشَجرٍ مِنْ البُستانِ لم يُقطعْ ولو كانَ عليه حائطٌ وحافظٌ، ويَضمنُ عِوضَه مرَّتينِ؛ لحَديثِ رافعِ بنِ خُديجٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا قطْعَ في ثَمرٍ ولا كثرٍ» (١). ولحَديثِ عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه «أنَّ رَجلًا مِنْ مُزَينةَ أتَى رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في حَريسةِ الجَبلِ؟ فقالَ: هي ومِثلُها والنَّكَالُ، وليسَ في شَيءٍ مِنْ الماشِيةِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ المُراحُ فبلَغَ ثَمنَ المِجَنِّ ففيهِ قَطعُ اليَدِ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في الثَّمرِ المُعلَّقِ؟ قالَ: هو ومِثلُه معه والنَّكالُ، وليسَ في شيءٍ مِنْ الثَّمرِ المُعلَّقِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ الجَرينُ، فما أُخذَ مِنْ الجَرينِ فبلَغَ ثمَنَ المِجنِّ ففيهِ القَطعُ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ» (٢).

стр. 13689

ولأنَّ الثِّمارَ في العادةِ تَسبقُ اليَدُ إليها، فجازَ أنْ تُغلَّظُ قيمتُها على سارِقِها؛ رَدعًا له وزَجرًا، بخِلافِ غيرِها. ومَن سَرقَ منه نِصابًا بعدَ إيوائِه الحِرزَ كجَرينٍ ونَحوِه أو سرَقَ نِصابًا مِنْ ثَمرٍ مِنْ شَجرةٍ في دارٍ مُحرَّزةٍ قُطعَ؛ للحَديثِ السابقِ، وكذا الماشِيةُ تُسرَقُ مِنْ المرعَى مِنْ غيرِ أنْ تكونَ مُحرزةً تُضمَنُ بمِثلِ قيمتِها ولا قطْعَ كثَمرٍ وكثرٍ. وما عَداهُنَّ -أي: الثَّمرَ والكثرَ والماشيةَ- يُضمَنُ بقِيمتِه مرَّةً واحدةً إنْ كانَ مُتقوِّمًا، أو بمِثلِه إنْ كانَ مِثليًّا؛ لأنَّ التَّضعيفَ فيها على خِلافِ القياسِ للنَّصِّ، فلا يُجاوَزُ به مَحلُّ النصِّ. وإذا سَرقَ الضيفُ مِنْ مالِ مُضِيفِه مِنْ المَوضعِ الذي أنزَلَه فيه أو مِنْ مَوضعٍ لم يُحرزْه عنه لم يُقطعْ؛ لعَدمِ هَتكِه الحِرزَ، وإنْ سَرقَ الضَّيفُ مِنْ مَوضعٍ مُحرَّزٍ عنه فإنْ كانَ منَعَه قِراهُ فسَرقَ بقَدرِه لم يُقطعْ؛ لأنه أخَذَ الواجِبَ له، أشبَهَ الزوجةَ والقريبَ إذا أخَذَا ما وجَبَ لهُما، وإنْ لم يَمنعْه المُضيفُ قِراهُ الواجِبَ له قُطعَ إنْ سَرقَ نِصابًا؛ لأنه لا شُبهةَ للضَّيفِ إذنْ في مالِ المُضيفِ (١).

стр. 13690

الرُّكنُ الرابعُ: الأخذُ خُفيَةً: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ لتَحقُّقِ السَّرقةِ أنْ يأخُذَ السارقُ المَسروقَ على وَجهِ الخُفيةِ والاستِتارِ، فإنِ اختَطفَ المالَ أو انتَهبَه أو اختَلسَ لم يُكنْ سارِقًا ولا قطْعَ عليهِ عندَهم جَميعًا؛ لحَديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ليسَ على المُنتهِبِ قَطعٌ، ومَن انتَهبَ نُهبةً مَشهورةً فلَيسَ منَّا، وقالَ: ليسَ على الخائنِ قَطعٌ» (١)، وفي رِوايةٍ: «ولا على المُختلِسِ قَطعٌ» (٢). وفي لَفظِ ابنِ حبَّانَ: «ليسَ على مُنتهِبٍ ولا مُختلِسٍ ولا خائِنٍ قَطعٌ» (٣). وعَلى هذا أجمَعَ العُلماءُ أنه لا قطْعَ على خائنٍ ولا مُختلِسٍ ولا مُنتَهبٍ ولا غاصبٍ؛ لأنَّ الواجِبَ قَطعُ السارقِ، وهذا غيرُ سارقٍ، ولأنَّ الاختِلاسَ نَوعٌ مِنْ الخَطفِ والنَّهبِ، وإنما يَستخفِي في ابتِداءِ اختِلاسِه، بخِلافِ السارقِ (٤). قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا أنْ لا قطْعَ على المُختلِسِ، وانفَردَ إياسُ بنُ مُعاويةَ فقالَ: أقطَعُه.

стр. 13691

وأجمَعُوا أنْ لا قطْعَ على الخائنِ (١). وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الخِلسةَ لا قطْعَ فيها ولا في الخِيانةِ، ولا أعلَمُ أحَدًا أوجَبَ في الخِلسةِ القَطعَ إلَّا إياسَ بنَ مُعاويةَ، وسائرُ أهلِ العِلمِ لا يَرونَ فيها قَطعًا (٢). وقالَ أيضًا: وأجمَعُوا أنه ليسَ على الغاصِبِ ولا على المُكابِرِ الغالبِ قَطعٌ، إلا أنْ يكونَ قاطِعَ طَريقٍ شاهِرًا بالسَّلاحِ على المُسلمينَ مُخيفًا للسُّبلِ، فحُكمُه ما تَقدَّمَ ذِكرُه في المُحارِبينَ (٣). وقالَ أيضًا: وأجمَعَ عُلماءُ المُسلمينَ أنه ليسَ على الخائنِ قَطعٌ، وكفَى بهذا (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعُوا أنه ليسَ في الخِيانةِ ولا في الاختِلاسِ قَطعٌ، إلا إياسَ بنَ مُعاويةَ فإنه أوجَبَ في الخِلسةِ القَطعَ. وكذلكَ أجمَعُوا على أنهُ ليسَ على الغاصبِ ولا على المُكابِرِ المُغالِبِ قَطعٌ، إلا أنْ يَكونَ قاطعَ طَريقٍ شاهِرًا للسَّلاحِ على المُسلمينَ مُخيفًا للسَّبيلِ، فحُكمُه حُكمُ المُحارِبِ (٥).

стр. 13692

وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: أجمَعَتِ الأمَّةُ أنه لا قطْعَ على المُختلِسِ والمُنتهِبِ؛ لعَدمِ الحِرزِ فيهِ، فلمَّا لم يَهتِكْ حِرزًا لم يُلزمْه أحَدٌ قَطعًا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ المُختلِسَ والمُنتهِبَ والغاصِبَ والخائِنَ على عِظَمِ جِنايتِهم وآثامِهم فإنه لا قطْعَ على واحدٍ منهُم (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: القَولُ في المُختلِسِ لا يَخلُو مِنْ أحَدِ وَجهينِ: إما أنْ يكونَ اختَلسَ جِهارًا غيرَ مُستَخفٍ مِنْ الناسِ فهذا لا خِلافَ فيهِ أنه ليسَ سارقًا ولا قطْعَ عليهِ. أو يكونُ فعَلَ ذلكَ مُستخفِيًا عن كُلِّ مَنْ حَضرَ، فهذا لا خِلافَ بَيننَا وبينَ الحاضِرينَ مِنْ خُصومِنا في أنه سارقٌ وأنَّ عليه القَطعَ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنِ اختَطفَ أو اختَلسَ لم يَكنْ سارقًا ولا قطْعَ عليهِ عندَ أحَدٍ عَلِمْناه غيرَ إياسِ بنِ مُعاويةَ قالَ: «أقطَعُ المُختلِسَ؛ لأنه يَستخفِي بأخذِه، فيَكونُ سارقًا»، وأهلُ الفِقهِ والفَتوى مِنْ عُلماءِ الأمصارِ على خِلافِه (٤).

стр. 13693

المُرادُ بالمُنتهِبِ: هو الآخِذُ على وَجهِ العَلانيةِ والقَهرِ في بَلدٍ أو قَريةٍ (١). والمُرادُ بالمُختلِسِ: المُختطِفُ: وهو الذي يَخطفُ المالَ بحَضرةِ صاحبِه في غَفلتِه ويَذهبُ بسُرعةٍ جَهرةً، سَواءٌ كانَ مَجيئُه سِرًّا أو جَهرًا (٢). وقيلَ: مَنْ يَخطفُ المالَ مِنْ غيرِ غَلبةٍ ويَعتمدُ الهَربَ، ثمَّ قيلَ: يَكونُ ذلكَ في غَفلةِ المالكِ، وقيلَ: مع مُعايَنتِه، هذا هو الصَّحيحُ (٣). والفَرقُ بينَ المُنتهِبِ والمُختطِفِ أنَّ المُنتهِبَ: هو الذي يَعتمدُ على القُوةِ والغَلبةِ ويَأخذُ الشَّيءَ جَهرةً مع سُكونٍ منهُ وطُمأنينةٍ، والمُختلِسُ: هو الذي يَتعمَّدُ الهَربَ فيَأخذُ الشَّيءَ جَهرةً، ولكنْ مع سُرعةٍ وخَوفٍ، وأما السَّرقةُ فعَلى وَجهِ الاختِفاءِ (٤). والخِيانةُ: هي الأخذُ ممَّا في يَدِه على وَجهِ الأمانةِ، كالرَّجلِ يُدخلُه آخَرُ في بيتِه لضِيافتِه أو لحاجَةٍ فيَسرقُه، أو كالمُستعيرِ أو المُودَعِ أو الأجيرِ أو الشَّريكِ (٥).

стр. 13694

جاحِدُ العارِيةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ جاحدِ العاريةِ، هل تُقطَعُ يَدُه أم لا؟ فذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ القَطعَ يَجبُ على مَنْ جحَدَ العارِيةَ؛ لِمَا رَوتْ عائِشةُ ﵂ قالَتْ: «كانَتِ امرأةٌ مَخزومِيةٌ تَستعيرُ المَتاعَ وتَجحَدُه فأمَرَ النبيُّ ﷺ أنْ تُقطَعَ يَدُها، فأتَى أهلُها أُسامةَ بنَ زَيدٍ فكَلَّموهُ، فكلَّمَ أُسامةُ النبيَّ ﷺ فيها، فقالَ له النبيُّ ﷺ : يا أُسامةُ لا أرَاكَ تُكلِّمُني في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ ، ثمَّ قامَ النبيُّ ﷺ خَطيبًا فقالَ: إنَّما هلَكَ مَنْ كانَ قبلَكُم بأنهُ إذا سرَقَ فيهمُ الشَّريفُ تَرَكوهُ، وإذا سرَقَ فيهمُ الضَّعيفُ قَطَعوهُ، والذي نَفسِي بيَدِه لو كانَتْ فاطِمةُ بنتُ مُحمدٍ لَقطَعْتُ يَدَها، فقطَعَ يَدَ المَخزوميَّةِ» (١)، فهذا صَريحٌ في أنَّ القَطعَ كانَ لجَحدِ العارِيةِ، وتَسميتُها سارِقةً في الصَّحيحِ دَليلٌ على أنَّ جاحِدَ العارِيةِ يُسمَّى سارِقًا، والاعتِبارُ بالتَّسميةِ الشَّرعيةِ (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا قطْعَ على مَنْ جحَدَ العاريةَ؛ لحَديثِ جابرِ بنِ عَبدِ الله ﵄: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ليسَ على الخائِنِ قَطعٌ» (٣).

стр. 13695

ولأنَّ الواجِبَ قَطعُ السارقِ، والجاحِدُ غيرُ سارقٍ، وإنما هو خائِنٌ، فأشبَهَ جاحِدَ الوَديعةِ. وأمَّا رِوايةُ المَخزوميةِ فلا دَلالةَ فيه على وُجوبِ القَطعِ على المُستعيرِ إذا خانَ؛ إذْ ليسَ فيهِ أنه قطَعَها لأجْلِ جُحودِها للعارِيةِ، وإنَّما ذكَرَ جُحودَ العارِيةِ تَعريفًا لها؛ إذْ كانَ ذلكَ مُعتادًا مِنها حتَّى عُرفَتْ بهِ، فذكرَ ذلكَ على وَجهِ التَّعريفِ؛ لأنه ثبَتَ في الحَديثِ عن عائِشةَ ﵂ أنَّ قُريشًا أهَمَّهُم شَأنُ المَرأةِ المَخزومِيةِ التي سرَقَتْ فقالُوا: مَنْ يُكلِّمُ فيها رَسولَ اللهِ ﷺ ؟ فقالوا: ومَن يَجترِئُ عليهِ إلا أسامةُ حِبُّ رَسولِ اللهِ ﷺ ؟! فكَلَّمَه أُسامةُ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : أتَشفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ؟! ثمَّ قامَ فاختَطَبَ فقالَ: أيُّها الناسُ إنَّما أَهلَكَ الذينَ قبلَكُم أنهُم كانوا إذا سَرقَ فيهمُ الشَّريفُ تَرَكوهُ، وإذا سَرقَ فيهمُ الضَّعيفُ أقاموا عَليهِ الحَدَّ، وايمُ اللهِ لو أنَّ فاطِمةَ بنتَ مُحمدٍ سَرقَتْ لَقطَعتُ يَدَها» (١)، وهي هذهِ المَرأةُ التي ذُكرَ في الخبَرِ أنها كانَتْ تَستعيرُ المَتاعَ وتَجحدُه، فبيَّنَ في هذهِ الأخبارِ أنه قطَعَها لسَرقتِها لا لجُحودِها العاريةَ؛ لقَولِه ﷺ فيهِ لأسامةَ: «أتَشفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ»، وليسَ للهِ في كِتابِه ولا في المَعروفِ مِنْ سُنةِ نَبيِّه ﷺ حَدٌّ مِنْ حُدودِه فيمَن استَعارَ المَتاعَ وجحَدَه. وفي الحَديثِ دَليلٌ آخَرُ، وهو قَولُه ﷺ : «إنَّما أَهلَكَ الذِينَ قبلَكُم أنهُم كانوا إذا سرَقَ فيهمُ الشَّريفُ تَرَكوهُ، وإذا سَرقَ فيهمُ الضَّعيفُ

стр. 13696

أقاموا عليهِ الحَدَّ»، وهذا يَدلُّ على أنه إنما قطَعَها لسَرقتِها، لا لأنَّها كانَتْ تَستعيرُ المَتاعَ وتَجحدُه، ولو كانَ ذلكَ لَقالَ ﷺ : إنما أهلَكَ مَنْ كانَ قبلَكُم أنهُم كانوا إذا استَعارَ فيهمُ الشَّريفُ مِنْ المَتاعِ وجَحدَه تَركوهُ، وقالَ في آخِرِه: «وايمُ اللهِ لو أنَّ فاطِمةَ بنتَ مُحمدٍ سَرقَتْ لَقطَعتُ يَدَها»، وهذا كلُّه يُوضحُ أنَّ القَطعَ إنما كانَ مِنْ أجْلِ السَّرقةِ لا مِنْ أجْلِ جَحدِ العارِيةِ مِنْ المَتاعِ. وقد يَجوزُ أنها كانَتْ تَستعيرُ المَتاعَ وتَجحدُه ثم سَرقَتْ، فوجَبَ قَطعُ يَدِها للسَّرقةِ. ويَحتملُ أنَّ تِلكَ القُرَشيةَ المَخزوميةَ كانَ مِنْ شَأنِها استِعارةُ المَتاعِ وجَحدُه، فعُرِفتْ بذلكَ، ثمَّ إنها سَرقَتْ فقيلَ: المَخزوميةُ التي كانَتْ تَستعيرُ المَتاعَ وتَجحدُه قطَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَدَها، يَعنُونَ: في السَّرقةِ (١). الحِكمةُ في قَطعِ يَدِ السارِقِ دُونَ المختلِسِ والمنتَهِبِ والغاصِبِ: قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأما قَطعُ يَدِ السارقِ في ثَلاثةِ دَراهمَ وتَركُ قَطعِ المُختلِسِ والمُنتهِبِ والغاصبِ فمِن تَمامِ حِكمةِ الشارعِ أيضًا؛ فإنَّ السارِقَ لا يُمكِنُ الاحتِرازُ منه؛ فإنه يَنقبُ الدُّورَ ويَهتكُ الحِرزَ ويَكسرُ

стр. 13697

القُفلَ، ولا يُمكِنُ صاحِبَ المَتاعِ الاحتِرازُ بأكثَرَ مِنْ ذلكَ، فلو لم يَشرعْ قطْعَه لَسرَقَ الناسُ بعضُهم بَعضًا وعَظُمَ الضَّررُ واشتَدَّتِ المِحنةُ بالسُّراقِ، بخِلافِ المُنتهِبِ والمُختلِسِ. فإنَّ المُنتهِبَ هو الذي يأخُذُ المالَ جَهرةً بمَرأى مِنْ الناسِ، فيُمكِنُهم أنْ يَأخُذوا على يَديهِ ويُخلِّصوا حَقَّ المَظلومِ أو يَشهَدوا له عندَ الحاكمِ. وأمَّا المُختلِسُ فإنه إنَّما يأخُذُ المالَ على حِينِ غَفلةٍ مِنْ مالكِه وغيرِه، فلا يَخلو مِنْ نَوعِ تَفريطٍ يُمكِّنُ به المُختلِسَ مِنْ اختِلاسِه، وإلا فمَعَ كَمالِ التحفُّظِ والتيقُّظِ لا يُمكِنُه الاختلاسُ، فلَيسَ كالسارقِ، بل هوَ بالخائنِ أشبَهُ، وأيضًا فالمُختلِسُ إنما يأخُذُ المالَ مِنْ غيرِ حِرزِ مِثلِه غالبًا؛ فإنه الذي يُغافِلُكَ ويَختلسُ مَتاعَكَ في حالِ تَخلِّيكَ عنه وغَفلتِكَ عن حِفظِه، وهذا يُمكِنُ الاحتِرازُ منه غالبًا، فهوَ كالمُنتهِبِ. وأما الغاصِبُ فالأمرُ فيهِ ظاهرٌ، وهو أَولى بعَدمِ القَطعِ مِنْ المُنتهِبِ، ولكنْ يَسوغُ كَفُّ عُدوانِ هؤلاءِ بالضَّربِ والنَّكالِ والسِّجنِ الطَّويلِ والعُقوبةِ بأخذِ المالِ. فإنْ قيلَ: فقدْ ورَدَتِ السُّنةُ بقَطعِ جاحِدِ العارِيةِ، وغايتُه أنه خائنٌ، والمُعيرُ سلَّطَه على قَبضِ مالِه، والاحتِرازُ منهُ مُمكِنٌ بأنْ لا يُدفعَ إليه المالُ، فبَطلَ ما ذَكَرتُم مِنْ الفَرقِ. قيلَ: لعَمرُ اللهِ لقدْ صَحَّ الحَديثُ بأنَّ «امرَأةً كانَتْ تَستعيرُ المَتاعَ وتَجحدُه، فأمَرَ بها النبيُّ ﷺ فقُطعَتْ يَدُها»، فاختَلفَ الفُقهاءُ في

стр. 13698

سَببِ القَطعِ، هل كانَ لسَرقتِها؟ وعرَّفَها الرَّاوي بصِفتِها؛ لأنَّ المَذكورَ هو سَببُ القَطعِ كما يَقولُه الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ ومالكٌ، أو كانَ السَّببُ المَذكورُ هو سَببُ القَطعِ كما يَقولُه أحمَدُ ومَن وافَقَه، ونَحنُ في هذا المَقامِ لا نَنتصِرُ لمَذهبٍ مُعَينٍ ألبتَّةَ، فإنْ كانَ الصَّحيحُ قولَ الجُمهورِ اندَفعَ السُّؤالُ، وإنْ كانَ الصَّحيحُ هو القولَ الآخَرَ فمُوافَقتُه للقِياسِ والحِكمةِ والمَصلحةِ ظاهِرٌ جِدًّا؛ فإنَّ العارِيةَ مِنْ مَصالحِ بَني آدَمَ التي لا بُدَّ لهم منها ولا غِنًى لهم عنها، وهي واجِبةٌ عندَ حاجةِ المُستعيرِ وضَرورتِه إليها إمَّا بأُجرةٍ أو مَجانًا، ولا يُمكِنُ المُعيرَ كُلَّ وقتٍ أنْ يُشهِدَ على العاريةِ، ولا يُمكِنُ الاحتِرازُ بمَنعِ العاريةِ شَرعًا وعادةً وعُرفًا، ولا فرْقَ في المَعنى بينَ مَنْ توصَّلَ إلى أخذِ مَتاعِ غيرِه بالسَّرقةِ وبينَ مَنْ تَوصَّلَ إليهِ بالعاريةِ وجَحدَها، وهذا بخِلافِ جاحِدِ الوَديعةِ؛ فإنَّ صاحِبَ المَتاعِ فرَّطَ حيثُ ائتَمَنَه (١). إذا اشتَركَ جَماعةٌ في السَّرقةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنه لو اشتَركَ جَماعةٌ في نَقبِ حِرزٍ وسَرَقوا وبلَغَ ما سَرقَه كلُّ واحِدٍ منهُم نِصابًا قُطعُوا جَميعًا، قالَ الماوَرديُّ ﵀: إجماعًا (٢). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنه لو اشتَركَ جَماعةٌ في سَرقةٍ فحصَلَ لكُلِّ واحدٍ منهُم نِصابٌ أنَّ على كُلِّ واحِدٍ منهُم القَطعُ (٣). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في مَواضعَ:

стр. 13699

المَوضِعُ الأولُ: إذا نقَصَ نَصيبُ كلِّ واحدٍ منهُم عن النِّصابِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو نقَصَ نَصيبُ كُلِّ واحِدٍ منهُم عن النِّصابِ، هل يَجبُ عليهِم القَطعُ جَميعًا أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنه لا قطْعَ على واحِدٍ منهُم؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ لم يَسرقْ نِصابًا، فلمْ يُقطَعْ كالمُنفرِدِ، قالَ الشافِعيةُ: ولأنَّ مُوجَبِ السَّرقةِ شَيئانِ: غُرمٌ وقَطعٌ، ثمَّ ثبَتَ أنَّ غُرمَ كُلِّ واحِدٍ منهُم مُعتبَرٌ بنَفسِه، فوجَبَ أنْ يَكونَ قَطعُه مُعتبَرًا بنَفسِه، ولأنه لمَّا امتَنعَ إذا سَرقَ الواحِدُ مِنْ ثَلاثةِ أحرازٍ نِصابًا أنْ يُقطَعَ ولا يُبنَى بعضُ فعلِه على بَعضٍ كانَ امتِناعُ قَطعِ الثلاثةِ إذا سَرقُوا مِنْ حِرزٍ نِصابًا أَولى، ولا يُبنَى فِعلُ بَعضِهم على بَعضٍ؛ لأنه بأفعالِ نَفسِه أخَصُّ منه بأفعالِ غَيرِه. ويُخالِفُ اشتَراكَهم في القَتلِ لأمرَينِ: الأولُ: لأنه لو لم نُوجِبْ عليهِم القِصاصَ لَجُعلَ الاشتِراكُ طَريقًا إلى إسقاطِ القِصاصِ، بخِلافِ السرقةِ، فلا يكونُ دَفعُ القطعِ طَريقًا لإسقاطِ الحَدِّ؛ للفَرقِ بينَهُما، وهو أنَّ المُشتركِينَ بالسرقةِ لا يَقصدونَ عادةً إلى سَرقةِ نِصابٍ واحدٍ؛ لقلَّةِ ما يُصيبُ كلُّ واحِدٍ منهُم. والثَّاني: أنَّ القِصاصَ تَعلَّقَ بسَببٍ لا يَتجزَّأُ وهو إزهاقُ الرُّوحِ، فيُنسَبُ إلى جَميعِهم، بخلافِ السرقةِ؛ فإنَّ القَطعَ يَتعلقُ بسَببٍ يَتجزَّأُ، وهو أخذُ النِّصابِ وعَدمُ أخذِه (١).

стр. 13700

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه إذا اشتَركَ جَماعةٌ في سَرقةِ شَيءٍ قيمتُه رُبعُ دينارٍ قُطِعوا إذا كانَ ممَّا يَحتاجُ إلى التعاونِ عليهِ؛ للظاهِرِ، ولخبَرِ قَطعِ اليدِ في ربعِ دينارٍ فصاعدًا، ولأنهُم اشتَركُوا فيما لو انفَردَ كلُّ واحدٍ منهُم به لَوجَبَ الحَدُّ، فكانَ اشتِراكُهم بمَنزلةِ انفِرادِهم لو انفَردَ كلُّ واحدٍ منهُم به، أصلُه اشتِراكُهم في القَتيلِ. ولأنَّ الجِناياتِ التي يُستحَقُّ بها تَناولُ الأعضاءِ يَجبُ على الجَماعةِ إذا اشتَركُوا فيها ما يَجبُ على المُنفردِ مِنْ إتلافِ الأعضاءِ، أصلُه الجَماعةُ إذا قطَعَتْ يدَ رَجلٍ أو قَطَعوا منه غيرَ اليدِ، ولأنَّ اشتِراكَهم في إخراجِ السَّرقةِ مِنْ الحِرزِ يَقتضي قطْعَ الجَميعِ ولا يُعتبَرُ انفِرادُهم بالإخراجِ؛ بدَليلِ أنهُم لو سَرَقوا مَتاعًا فحَمَلوه على دابةٍ إلى خارجِ الحِرزِ فإنَّ الكلَّ يُقطَعونَ. فإنْ كانَ ممَّا يُمكِنُ الواحِدَ الانفرادُ بحَملِه ففيهِ رِوايتانِ في المَذهبِ: القَطعُ وعَدمُ القَطعِ. وإنِ انفَردَ كلُّ واحدٍ بشَيءٍ أخَذَه لم يُقطَعْ واحدٌ منهُم، إلا أنْ يَكونَ قيمةُ ما أخرَجَه نِصابًا، ولا يُضمُّ إلى ما أخرَجَه غيرُه؛ للخبَرِ، ولأنَّ كلَّ واحدٍ منهم لم تَبلغْ سَرقتُه نِصابًا، فلمْ يَلزمْه القَطعُ كما لو انفَردَ (١).

стр. 13701

ومَذهبُ الحَنابلةِ كالمالِكيةِ -في الحُكمِ الأولِ فَقطْ-، أنه إذا اشتَركَ الجَماعةُ في سَرقةٍ قيمتُها ثَلاثةُ دَراهمَ قُطِعوا؛ لأنَّ النِّصابَ أحَدُ شَرطَي القطعِ، فإذا اشتَركَ الجَماعةُ فيه كالواحدِ؛ قياسًا على هَتكِ الحِرزِ، ولأنَّ سَرقةَ النِّصابِ فِعلٌ يُوجبُ القَطعَ، فاستَوى فيه الواحِدُ والجَماعةُ كالقِصاصِ. ولم يُفرِّقِ الحَنابلةُ بينَ كونِ المَسروقِ ثَقيلًا يَشتركُ الجَماعةُ في حَملِه وبينَ أنْ يُخرجَ كلُّ واحدٍ منه جُزءًا، ونَصَّ أحمَدُ على هذا؛ لأنهُم اشتَرَكوا في هَتكِ الحِرزِ وإخراجِ النِّصابِ، فلَزمَهم القَطعُ كما لو كانَ ثَقيلًا فحَمَلوه، وفارقَ القِصاصَ؛ فإنه تُعتمَدُ المُماثَلةُ، ولا تُوجَدُ المُماثَلةُ إلا أنْ تُوجدَ أفعالُهم في جَميعِ أجزاءِ اليدِ، وفي مَسألتِنا القَصدُ الزَّجرُ مِنْ غيرِ اعتبارِ مُماثلةٍ، والحاجةُ إلى الزجرِ عن إخراجِ المالِ، وسَواءٌ دَخلَا الحِرزَ معًا أو دخَلَ أحَدُهما فأخرَجَ بعضَ النِّصابِ ثم دَخلَ الآخَرُ فأخرَجَ باقيهِ؛ لأنهُما اشتَركَا في هَتكِ الحِرزِ وإخراجِ النصابِ، فلَزمَهما القَطعُ كما لو حَمَلاهُ معًا (١). المَوضعُ الثَّاني: إذا اشتَركَ اثنانِ في نَقبٍ فدَخلَ أحَدُهما فأخَذَ المَتاعَ وناوَلَه الآخَرَ وهو خارجَ الحِرزِ أو رمَى بهِ إليهِ فأخَذَه: فذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ إلى أنه إذا اشتَركَ اثنانِ في نَقبٍ فدَخلَ أحَدُهما فأخَذَ المَتاعَ وناوَلَه الآخَرَ وهو خارجَ الحِرزِ فأخَذَه أنَّ

стр. 13702

القَطعَ على الداخلِ وحْدَه دونَ الخارجِ؛ لأنه هو السارقُ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنه إنْ نقَبَا حِرزًا ودَخلَ أحدُهما فقَرَّبَ المَتاعَ مِنْ النَّقبِ وأدخَلَ الخارجُ يَدَه فأخرَجَه أنَّ القَطعَ عليهِما؛ لأنهُما اشتَركَا في هَتكِ الحِرزِ وإخراجِ المَتاعِ، فلَزمَهما القَطعُ كما لو حَمَلاهُ معًا فأخرَجاهُ، وإنْ وَضعَه في النقبِ فمَدَّ الآخَرُ يَدَه فأخَذَه فالقَطعُ عليهِما (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه إنْ نقَبَ فأدخَلَ يَدَه وأخرَجَ المَتاعَ أو دخَلَ فناوَلَ المَتاعَ آخَرَ مِنْ خارجٍ لم يُقطَعْ واحدٌ منهُما؛ أما الأُولى فلأنه لم يُوجَدِ الهَتكُ على وَجهِ الكَمالِ وهو الدُّخولُ، فصارَ فيه شُبهةُ العَدمِ، فلا يَجبُ الحَدُّ، وأما الثانيةُ فلأنَّ الداخلَ لم يُخرجِ المَتاعَ؛ لاعتِراضِ يَدٍ مُعتبَرةٍ عليه قبلَ إخراجِه، والخارجُ لم يُوجَدْ منه هَتكُ الحِرزِ، فلمْ تَتمَّ السرقةُ مِنْ كلِّ واحدٍ منهُما. وعن أبي يُوسفَ: القَطعُ في الأُولى؛ لأنَّ المَقصودَ مِنْ السَّرقةِ إخراجُ المالِ مِنْ الحِرزِ وقد وُجدَ، فصارَ كما إذا أدخَلَ يدَه في صُندوقِ الصَّيرفِيِّ

стр. 13703

وأخرَجَ الدراهمَ عنه، وفي المَسألةِ الثانيةِ إنْ أخرَجَ الداخلُ يَدَه وناوَلَها الخارجَ قُطعَ الداخلُ، وإنْ أدخَلَ الخارجُ يَدَه فتَناولَها مِنْ الداخلِ قُطعَا، وهي بِناءً على الأُولى. وجَوابُه أنَّ كَمالَ هَتكِ حُرمةِ الحِرزِ بالدخولِ فيهِ، وهو مُمكِنٌ مُعتادٌ، ولم يُوجَدْ، بخِلافِ الصُّندوقِ؛ لأنَّ المُمكِنَ فيه إدخالُ يدِه فيه دُونَ دُخولِه (١). المَوضعُ الثالِثُ: إذا هَتكَ اثنانِ حِرزًا فدَخلَ أحَدُهما ورَماهُ لِمَنْ في الخارجِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اشتَركَ اثنانِ في هَتكِ حِرزٍ فدَخلَ أحَدُهما وسَرقَ نِصابًا فأكثَرَ ثمَّ رَماهُ إلى الخارجِ فأخَذَه مَنْ في الخارجِ، هل يَجبُ القَطعُ عليهِما؟ أم على الداخِلِ وحْدَه؟ أم لا قطْعَ على واحدٍ منهُما؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا قطْعَ على واحِدٍ منهُما؛ لأنَّ الداخِلَ لم يُخرجِ المَتاعَ؛ لاعتِراضِ يَدٍ مُعتبَرةٍ عليه قبلَ إخراجِه، والخارجُ لم يُوجَدْ منه هَتكُ الحِرزِ، فلمْ تَتمَّ السرقةُ مِنْ كلِّ واحدٍ منهُما (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه إنِ اشتَركَ اثنانِ في نَقبٍ فدَخلَ أحَدُهما وأخَذَ المَسروقَ مِنْ الحِرزِ فرَمَى به إلى خارجٍ فأخَذَه الذي لم يَدخلْ وبَقيَ هو في الحِرزِ فعَلى الرامِي القَطعُ وحْدَه (٣).

стр. 13704

المَوضعُ الرابعُ: إذا هتَكَ اثنانِ حِرزًا فقرَّبَ الداخلُ المَتاعَ إلى الثقبِ وتَركَه وأدخَلَ الخارجُ يَدَه فأخَذَه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو نقَبَ اثنانِ حِرزًا فدخَلَ أحَدُهما وسَرقَ وقرَّبَ المَتاعَ المَسروقَ إلى الثقبِ فمَدَّ مَنْ في الخارجِ يَدَه فأخَذَه، هل يُقطَعانِ جَميعًا؟ أم مَنْ في الخارجِ فقطْ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه إذا اشتَركَ اثنانِ في نَقبِ حِرزٍ ودخَلَ أحَدُهما الحِرزَ ثمَّ ناوَلَه آخَرَ مِنْ خارجِ الدارِ أو الحِرزِ أو أدخَلَ يَدَه في بيتٍ وأخَذَ -ويُسمَّى اللِّصَّ الظريفَ- لا يُقطَعُ المُناوِلُ ولا المُتناوِلُ؛ لأنَّ الأولَ لم يُوجَدْ منه الإخراجُ، لاعتِراضِ يَدٍ مُعتبَرةٍ على المالِ قبلَ خُروجِه، والثاني لم يُوجَدْ منه هَتكُ الحِرزِ، فلمْ تَتمَّ السرقةُ مِنْ كلِّ واحدٍ، وكذا إذا أخرَجَ الداخلُ يَدَه وناوَلَ الخارجَ، أو أدخَلَ الخارجُ يَدَه فتَناولَ مِنْ يَدِ الداخلِ، وهو ظاهِرُ المَذهبِ. وكذا لو وضَعَه في النَّقبِ ثم خرَجَ وأخَذَه لم يُقطعْ في الصَّحيحِ (١).

стр. 13705

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنه إذا اشتَركَ اثنانِ في نَقبِ حِرزٍ ودخَلَ أحَدُهما ولم يَدخُلِ الآخرُ فقرَّبَ الداخلُ المَتاعَ إلى الثقبِ وتَركَه فأدخَلَ الخارجُ يَدَه ومَدَّها فأخَذَه مِنْ الحِرزِ فعَلى الذي أخرَجَه مِنْ الحِرزِ القَطعُ؛ لأنَّ القَطعَ يَجبُ بهَتكِ حُرمةِ الحِرزِ وإخراجِ الشيءِ منهُ، وقد وُجدَ ذلكَ مِنْ الثاني، فيَجبُ أنْ يَلزمَه القَطعُ. وقالَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ: إنِ التَقيَا وَسطَ النَّقبِ قُطعَا، بأنْ وضَعَ المَتاعَ في وَسطِ النقبِ فأخَذَه الآخَرُ وأخرَجَه قُطعَا جَميعًا. وأظهَرُ القَولينِ عندَ الشافِعيةِ: لا قطْعَ على واحِدٍ منهُما (١). قالَ الماوَرديُّ ﵀: أنْ يَشتركَ اثنانِ في نَقبِ حِرزٍ ويَدخلُه أحَدُهما فيأخُذُ السرقةَ بيَدِه ولا يَخرجُ مِنْ الحِرزِ ويأخُذُها الآخَرُ منه ولا يَدخلْ فيُنظَرُ؛ فإنْ كانَتْ يدُ الداخلِ قد خرَجَتْ بالسرقةِ مِنْ الحِرزِ قُطعَ الداخلُ دونُ الخارجِ؛ لأنه المُخرِجُ مِنْ الحِرزِ … وإنْ كانَ الخارجُ قد أدخَلَ يدَه إلى الحرزِ وأخَذَها منه قُطعَ الخارجُ دونَ الداخلِ؛ لأنه هو المُخرِجُ لها مِنْ الحرزِ، فيَجبُ القَطعُ في الحالَينِ على الداخلِ إذا أخرَجَ يَدَه، وعلى الخارجِ إذا أدخَلَ يَدَه (٢). وذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنه إنْ هَتكَ اثنانِ حِرزًا ودخَلَ أحدُهما وسَرقَ نِصابًا ثم قرَّبَ النِّصابَ المَسروقَ مِنْ النَّقبِ وأدخَلَ الآخرُ يَدَه فأخرَجَه مِنْ النقبِ قُطعَا جَميعًا؛ لاشتِراكِهما في هَتكِ الحِرزِ وإخراجِ النصابِ،

стр. 13706

كما لو حَمَلاهُ وأخرَجاهُ، وكذا لو وضَعَه وسطَ النقبِ فأخَذَه الخارجُ منهُما قُطعَا (١). المَوضعُ الخامِسُ: إنِ نقَبَ أحَدُهما الحِرزَ ودخَلَ الآخرُ وحْدَه: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه لو اشتَركَ اثنانِ في السرقةِ بأن نقَبَ واحدٌ الحِرزَ وأخرَجَ آخَرُ ولم يَكونَا مُتعاونينِ بإنِ انفَردَ كلٌّ منهُما بفعلِه دونَ اتفاقٍ بينَهُما بأنْ يَجيءَ آخَرُ فيُخرجُ فلا قطْعَ على واحدٍ منهُما. واختَلفُوا فيما لو كانَا مُتعاونَينِ قَطعًا، هل يُقطَعانِ؟ أم لا يُقطَعُ واحدٌ منهُما؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه إنِ اشتَرَكوا في السَّرقةِ بأنْ نقَبَ واحدٌ الحِرزَ وأخرَجَ آخَرُ فإنْ كانَ بينَهُما تَعاونٌ واتفاقٌ قُطعَا (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه إنْ نقَبَ أحَدُهما وحْدَه ودخَلَ الآخَرُ وحْدَه فأخرَجَ المَتاعَ فلا قطْعَ على واحدٍ منهُما؛ لأنَّ الأولَ لم يَسرقْ والثاني لم يَهتكِ الحِرزَ وإنما سَرقَ مِنْ حِرزٍ هتَكَه غيرُه، فأشبَهَ ما لو نقَبَ رَجلٌ وانصَرفَ وجاءَ آخَرُ فصادَفَ الحِرزَ مَهتوكًا فسَرقَ منه، ويَضمنُ أحَدُهما الجِدارَ -الحِرزَ- والآخَرُ ما أخَذَه (٣).

стр. 13707

ثُبوتُ السَّرقةِ: السَّرقةُ تَثبتُ بأحَدِ أمرَينِ: أحَدُهما: الإقرارُ بالسَّرقةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ أقَرَّ بالسَّرقةِ وهو حُرٌّ بالغٌ غيرُ مُكرَهٍ أنه يُقبَلُ إقرارُه ويُقامُ الحَدُّ عليهِ؛ لِما رواهُ ابنُ ماجه عن ثَعلبةَ الأنصاريِّ «أنَّ عمرَو بنَ سَمُرةَ بنَ حَبيبِ بنِ عبدِ شَمسٍ جاءَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ إني سَرَقتُ جَملًا لبَنِي فُلانٍ فطَهِّرني، فأرسَلَ إليهم النبيُّ ﷺ فقالوا: إنَّا افتَقدْنَا جَملًا لنا، فأمَرَ به النبيُّ ﷺ فقُطِعتْ يَدُه، قالَ ثَعلبةُ: أنا أنظُرُ إليه حينَ وَقَعتْ يَدُه وهو يَقولُ: الحَمدُ للَّهِ الذي طَهَّرَني منكِ أرَدْتِ أنْ تُدخِلي جَسدِيَ النارَ» (١). قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقوا أنَّ مَنْ أقَرَّ على نَفسِه بسَرقةٍ كما ذكَرْنا في مَجلسينِ مُختلِفينِ على ما قَدَّمْنا في الإقرارِ بالزِّنا وثبَتَ على إقرارِه أو أحضَرَ ما سرَقَ أنَّ القطعَ يَجبُ عليه ما لم يَرجعْ (٢). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ السَّرقةَ تَثبتُ بشاهدَينِ عَدلينِ، وعلى أنها تَثبتُ بإقرارِ الحُرِّ (٣). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل يُشترطُ أنْ يَعترفَ مرَّةً واحِدةً؟ أم لا بُدَّ مِنْ مرَّتينِ؟

стр. 13708

فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنه يَكفي مَرةٌ واحِدةٌ، فيُقطَعُ إنْ أقَرَّ ولو مرَّةً واحدةً أنه سَرقَ؛ لأنه حَقٌّ يَثبتُ بالإقرارِ، فلمْ يُعتبَرْ فيه التَّكرارُ كحَقِّ الآدَميِّ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ وأبو يُوسفَ وزُفرُ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه لا بُدَّ مِنْ إقرارِه واعتِرافِه بالسرقةِ مرَّتينِ؛ لحَديثِ أبي أُميَّةَ المَخزوميِّ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بلِصٍّ فاعتَرَفَ ولم يُوجَدْ معه مَتاعٌ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : ما إِخالُكَ سَرَقْتَ، قالَ: بلى، مرَّتَينِ أو ثَلاثًا، قالَ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : اقطَعُوهُ ثمَّ جِيئوا به، فقَطَعوهُ ثمَّ جاؤُوا بهِ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : قُلْ: استَغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ، قالَ: استَغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : اللَّهمَّ تُبْ عَليهِ» (٢)، ولو وجَبَ القَطعُ بأولِ مَرَّةٍ لَمَا أخَّرَه. ورَوى سَعيدٌ عن هُشيمٍ وسُفيانَ وأبي الأحوَصِ وأبي مُعاويةَ عن الأعمَشِ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ عن أبيه قالَ: «شَهِدتُ عَليًّا وأتاهُ رَجلٌ فأقَرَّ بالسرقةِ فرَدَّه» وفي لَفظٍ: «فانتَهَرَه» وفي لَفظٍ: «فسَكتَ عنهُ»، وقالَ غيرُ

стр. 13709

هَؤلاءِ: «فطَرَدَه، ثمَّ عادَ بعدَ ذلكَ فأقَرَّ فقالَ له عَليٌّ: شَهِدتَ على نَفسِكَ مرَّتينِ، فأمَرَ به فقُطعَ»، وفي لَفظٍ: «قد أقرَرْتَ على نَفسِكَ مرَّتينِ» (١)، وفي لَفظٍ: «لا يُقطَعُ السارقُ حتَّى يَشهدَ على نَفسِه مرَّتينِ» (٢)، ومِثلُ هذا يَشتهرُ فلمْ يُنكَرْ، ولأنه يَتضمنُ إتلافًا في حَدٍّ، فكانَ مِنْ شَرطِه التَّكرارُ كحَدِّ الزنا، ولأنه أحَدُ حُجَّتِي القَطعِ، فيُعتبَرُ فيه التَّكرارُ كالشهادةِ، ويُفارِقُ حَقَّ الآدَميِّ؛ لأنَّ حَقَّه مَبنيٌّ على الشُّحِّ والتضييقِ ولا يُقبَلُ رُجوعُه عنه، بخِلافِ مَسألتِنا. ويُعتبَرُ أنْ يَذكرَ في إقرارِه شُروطَ السرقةِ مِنْ النِّصابِ والحِرزِ وإخراجِه منهُ (٣). الرُّجوعُ عنِ الإقرارِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على الصَّحيحِ عندَهم على أنَّ مَنْ أقَرَّ على نَفسِه بالسَّرقةِ ثم رجَعَ عن إقرارِه قُبِلَ إقرارُه ولا يُقامُ حَدُّ القَطعِ عليهِ؛ لحَديثِ أبي أُميَّةَ المَخزوميِّ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بلِصٍّ فاعتَرَفَ ولم يُوجَدْ معه مَتاعٌ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : ما إِخالُكَ سَرَقْتَ، قالَ: بلى، مرَّتَينِ أو ثَلاثًا، قالَ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : اقطَعُوهُ ثمَّ جِيئوا به، فقَطَعوهُ ثمَّ جاؤُوا بهِ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : قُلْ: استَغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ، قالَ: استَغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ، فقالَ رَسولُ اللهِ

стр. 13710

ﷺ : اللَّهمَّ تُبْ عَليهِ» (١)، فلَولا أنَّ القَطعَ يَسقطُ بالرُّجوعِ لَمَا عرَّضَ له النبيُّ ﷺ بالرُّجوعِ، ولأنه حَقٌّ للهِ تعالَى، فيَسقطُ كحَدِّ الزِّنى. ولأنَّ الحُدودَ تُدرَأُ بالشبُهاتِ، ورُجوعُه عنه شُبهةٌ؛ لاحتِمالِ أنْ يكونَ كذَبَ على نفسِه في اعتِرافِه، ولأنه أحَدُ حُجَّتَي القَطعِ، فيَبطلُ بالرُّجوعِ عنه كالشهادةِ، ولأنَّ حُجةَ القَطعِ زالَتْ قبلَ استيفائِه، فسَقطَ كما لو رَجعَ الشهودُ، وفارقَ حَقَّ الآدَميِّ؛ فإنه مَبنيٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ (٢). قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: اتَّفقَ مالكٌ والشَّافعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُه أنه يُقبَلُ رُجوعُ المُقِرِّ بالزنى وشُربِ الخَمرِ، وكذلكَ السرقةُ إذا أقَرَّ بها السارِقُ مِنْ مالِ الرَّجلِ وحِرزِه فأكذَبَه ذلكَ الرَّجلُ ولم يَدَّعِ السرقةَ ثم رجَعَ السارقُ عن إقرارِه قُبِلَ إقرارُه عندَ مالِكٍ ومَن ذكَرْنا معه (٣). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: فإنْ رجَعَ عن إقرارِه سقَطَ عنه القَطعُ، وبه قالَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ (٤). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: هذا قَولُ أكثرِ الفُقهاءِ (٥).

стр. 13711

وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: إذا أقَرَّ بالسَّرقةِ ثم رجَعَ فقالَ: «لم أَسرقْ، بل هو مِلكِي» فإنه لا يُقطَعُ بالإجماعِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُقبَلُ رُجوعُه (٢). وقالَ بعضُ المالِكيةِ كأشهَبَ وابنِ الماجشُونِ: إنه لا يُقبَلُ إلا إذا رجَعَ عن شُبهةٍ (٣). هل يَسقطُ عنه المالُ الذي أقَرَّ به ثمَّ رجَعَ عنه أم لا؟ نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه إذا أقَرَّ بسَرقةِ مالِ إنسانٍ ثم رجَعَ وقالَ: «لم أَسرقْ» فإنه لا يُقبَلُ رُجوعُه في المالِ، بل يَجبُ عليه غُرمُ المالِ لِمَنْ أقَرَّ له، حتى لو كانَ أقَرَّ مرَّةً واحِدةً عندَ الحَنابلةِ؛ لأنه حَقُّ آدَميٍّ (٤). تَلقينُ المقِرِّ بالسَّرقةِ ليَرجعَ عن الإقرارِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يَجوزُ لمَن أقَرَّ على نَفسِه بسَرقةِ ما يُوجِبُ الحَدَّ أنْ يُلقِّنَه الإمامُ الرُّجوعَ على سَبيلِ التَّعريضِ، كأنْ يَقولَ له:

стр. 13712

«ما أظنُّكَ سَرَقتَ، أو لعَلَّكَ أخَذْتَ مِنْ غيرِ حِرزٍ» أو نَحو ذلكَ؛ لحَديثِ أبي أُميَّةَ المَخزوميِّ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بلِصٍّ فاعتَرَفَ ولم يُوجَدْ معه مَتاعٌ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : ما إِخالُكَ سَرَقْتَ، قالَ: بلى، مرَّتَينِ أو ثَلاثًا، قالَ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : اقطَعُوهُ ثمَّ جِيئوا به، فقَطَعوهُ ثمَّ جاؤُوا بهِ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : قُلْ: استَغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ، قالَ: استَغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : اللَّهمَّ تُبْ عَليهِ» (١). ورُويَ عن عُمرَ ﵁: «أنه أُتِيَ برَجلٍ، فقالَ: أسَرَقتَ؟ قُلْ: لا، فقالَ: لا، فتَرَكَه» (٢). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ أحمَدُ: لا بأسَ بتَلقينِ السارقِ ليَرجعَ عن إقرارِه، وهذا قَولُ عامَّةِ الفُقهاءِ (٣). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: جاءَ تَلقينُ الرُّجوعِ عن الإقرارِ بالحُدودِ عن النبيِّ ﷺ وعن الخُلفاءِ الراشدِينَ ومَن بعدَهُم، واتَّفقَ العُلماءُ عليهِ (٤).

стр. 13713

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ: يُستحَبُّ للإمامِ تَلقينُ المُقِرِّ الرُّجوعَ … كما لقَّنَ ﵊ السارِقَ والسارِقةَ بقَولهِ ﵊: «ما إخالُه سرَقَ» أو «أسرَقْتِ؟ قُولي: لا» (١) لو لم يَكنْ مُحتمِلًا للرُّجوعِ لم يَكنْ للتلقينِ معنًى وفائدةٌ، فكانَ التلقينُ منهُ -عليه أفضَلُ التَّحيةِ والتَّسليمِ- احتِيالًا للدَّرءِ؛ لأنه أمَرَنا بهِ بقَولِه -عليهِ أفضَلُ التَّحيةِ-: «ادرَؤُوا الحُدودَ بالشُّبهاتِ»، وقَولِه ﵊: «ادرَؤُوا الحُدودَ ما استَطعتُم» (٢). والثَّاني: البيِّنةُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ السرقةَ تَثبتُ بالبيِّنةِ، وهي شَهادةُ رَجلَينِ مُسلمَينِ حُرَّينِ عَدلَينِ، سواءٌ كانَ السارقُ مُسلمًا أو ذِميًّا، فلا تُقبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ ولا الفُسَّاقِ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ قطْعَ يدِ السارقِ إذا شَهدَ عليهِ بالسَّرقةِ شاهِدانِ عَدلانِ مُسلمانِ حُرَّانِ ووَصفَا ما يَجبُ فيه القَطعُ ثُمَّ عادَ أنه يُقطَعُ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ السَّرقةَ تَثبتُ بشاهدَينِ عَدلينِ (٤).

стр. 13714

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُشترطُ أنْ يَصفَا السرقةَ والحِرزَ وجِنسَ النِّصابِ وقَدْرَه؛ ليَزولَ الاختِلافُ فيهِ، فيَقولانِ: «نَشهدُ أنَّ هذا سَرقَ كذا قِيمتُه كذا مِنْ حِرزٍ» ويَصفَا الحِرزَ، وإنْ كانَ المَسروقُ منه غائبًا فحضَرَ وَكيلُه وطالَبَ بالسرقةِ احتاجَ الشاهِدانِ أنْ يَرفعَا في نَسبِه فيَقولانِ: «مِنْ حِرزِ فُلانِ بنِ فُلانِ بنِ فُلانٍ» بحَيثُ يَتميَّزُ مِنْ غيرِه، فإذا اجتمَعَتْ هذه الشُّروطُ وجَبَ القَطعُ في قَولِ عامَّتِهم. قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ قطْعَ السارقِ يَجبُ إذا شَهدَ بالسَّرقةِ شاهِدانِ حُرَّانِ مُسلمانِ ووَصفَا ما يُوجِبُ القَطعَ. وإذا وجَبَ القَطعُ بشَهادتِهما لم يَسقطْ بغَيبتِهما ولا مَوتِهما على ما مَضَى في الشهادةِ بالزنا، وإذا شَهدَا بسَرقةِ مالِ غائِبٍ فإنْ كانَ له وَكيلٌ حاضَرٌ فطالَبَ به قُطعَ السارقُ، وإلا فَلا. فَصلٌ: وإذا اختَلفَ الشاهِدانِ في الوَقتِ أو المَكانِ أو المَسروقِ فشَهدَ أحَدُهما أنه سَرقَ يومَ الخَميسِ والآخَرُ أنه سَرقَ يومَ الجُمعةِ، أو شَهدَ أحَدُهما أنه سَرقَ مِنْ هذا البَيتِ وشَهدَ الآخَرُ أنه سَرقَ مِنْ هذا البَيتِ، أو قالَ أحَدُهما: «سَرقَ ثَورًا» وقالَ الآخَرُ: «سَرقَ بَقرةً» أو قالَ: «سَرقَ ثَورًا» وقالَ الآخَرُ: «سَرقَ حِمارًا» لم يُقطعْ في قَولِهم جَميعًا، وبه قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ، وإنْ قالَ أحَدُهما: «سرَقَ ثَوبًا أبيضَ» وقالَ الآخَرُ: «أسوَدَ» أو قالَ أحَدُهما: «سَرقَ هَرويًّا» فقالَ الآخَرُ: «مَرويًّا» لم

стр. 13715

يَقطعْ أيضًا، وبه قالَ الشافعيُّ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ؛ لأنهُما لم يَتفِقَا على الشهادةِ بشَيءٍ واحدٍ، فأشبَهَ ما لو اختَلفَا في الذُّكوريةِ والأُنوثيةِ. وقالَ أبو الخطَّابِ: يُقطَعُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِ الرأيِ؛ لأنَّ الاختِلافَ لم يَرجعْ إلى نَفسِ الشَّهادةِ، ويُحتملُ أنَّ أحَدَهما غلَبَ على ظَنِّه أنه هَرويٌّ والآخَرَ أنه مَرويٌّ، أو كانَ الثَّوبُ فيه سَوادٌ وبَياضٌ. قالَ ابنُ المُنذرِ: اللَّونُ أقرَبُ إلى الظُّهورِ مِنْ الذُّكوريةِ والأنوثيةِ، فإذا كانَ اختِلافُهما فيما يَخفَى يُبطلُ شَهادتَهما، ففيما يَظهرُ أَولى، ويُحتملُ أنَّ أحَدَهما ظَنَّ المَسروقَ ذكَرًا وظَنَّه الآخَرُ أُنثى، فقدْ أوجَبَ هذا رَدَّ شَهادتِهما، فكذلكَ هاهُنا (١). هل يَثبتُ حدُّ السَّرقةُ باليَمينِ المردُودةِ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ادَّعى إنسانٌ على آخَرَ بسَرقةِ مالٍ فنكَلَ المُدَّعى عليه عن اليَمينِ ورُدَّتْ على المُدَّعي وحلَفَ، هل يُقطَعُ مَنْ نكَلَ عن اليَمينِ في هذهِ الحالةِ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ -وقيلَ: هو المَذهبُ- والحَنابلةُ إلى أنه لا تُقطعُ يَدُه؛ لأنَّ القَطعَ في السرقةِ حَقُّ اللهِ تعالى، لكنْ يَثبتُ المالُ عليهِ. وكذا إذا شَهدَ رَجلٌ وامرأتانِ عليه لا تُقطَعُ يَدُه ويَثبتُ المالُ عليهِ (٢).

стр. 13716

وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ إلى أنَّ السرقةَ تَثبتُ بيَمينِ المُدَّعي المَردودةِ، كأنْ يَدَّعيَ على شَخصٍ سَرقةَ نِصابٍ فيَنكلُ عن اليَمينِ فتُرَدُّ على المُدَّعي ويَحلفَ فيَجبُ القَطعُ؛ لأنَّ اليَمينَ المَردودةَ كالإقرارِ أو البيِّنةِ، والقَطعُ يَجبُ بكُلٍّ منهُما، فأشبَهَ القِصاصَ، أمَّا إنْ حلَفَ ولم يَنكلْ فلا شيءَ عليهِ (١). هل يُشترطُ طَلبُ المسرُوقِ منه حتَّى تُقطعَ يَدُ السارقِ أم لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ثَبتَتِ السرقةُ بإقرارِ السارقِ أو بشَهادةِ الشُّهودِ، هل يُقامُ عليه الحَدُّ؟ أم لا بُدَّ مِنْ مُطالَبةِ المَسروقِ منه بمالِه أو وَكيلِه؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ مُطالَبةُ المَسروقِ منه للمالِ؛ لأنَّ المالَ يُباحُ بالبَذلِ والإباحةِ، فيَحتملُ إباحةَ مالِكِه إياهُ أو إذنَه له في دُخولَ حِرزِه أو وقْفَه على المُسلمينَ أو على طائفةِ السارقِ منهُم ونحوَه مما يُسقطُ القَطعَ، فاعتُبِرَ الطلبُ لنفيِ هذا الاحتِمالِ وانتِفاءِ الشُّبهةِ. ولأنَّ القَطعَ أوسَعُ في الإسقاطِ، ألَا تَرى أنه إذا سَرقَ مالَ ابنِه لم يُقطَعْ، ولو زنَى بجارِيتِه حُدَّ، ولأنَّ القَطعَ شُرعَ لصِيانةِ مالِ الآدَميِّ، فله به تَعلُّقٌ،

стр. 13717

فلمْ يُستَوفَ مِنْ غيرِ حُضورِ مُطالِبٍ به، والزنا حَقٌّ للهِ تعالى مَحضٌ، فلمْ يَفتقرْ إلى طَلبٍ به. وإذا أقَرَّ بسَرقةِ مالِ غائبٍ حُبسَ حتى يَحضرَ الغائِبُ؛ لأنه يُحتملُ أنْ يكونَ قد أباحَه، وكذا إنْ ثَبتَتِ البيِّنةُ يُحبسُ حتى يَأتِيَ صاحبُه (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يُشترطُ مُطالَبةُ المَسروقِ منه به، فإذا أقَرَّ بالسرقةِ وثبَتَ على هذا أو قامَتِ البيِّنةُ على سَرقتِه فإنه يُقامُ عليهِ الحَدُّ وإنْ لم يُطالِبِ المَسروقُ منه بهِ؛ لعُمومِ قولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ولأنه قد ثبَتَ كَونُه سارِقًا بالإقرارِ والبيِّنةِ، فوجَبَ أنْ يُقطعَ اعتِبارًا بهِ إذا حضَرَ المَسروقُ منه فصَدَّقَ البيِّنةَ وقالَ: «لَستُ أطالِبُ بالقَطعِ». ولأنه حَدٌّ للهِ تعالَى، فوجَبَ أنْ يُقامَ على مَنْ ثبَتَ عليه مِنْ غيرِ انتِظارِ حُضورِ مَنْ له الحَقُّ مُتعلقٌ بهِ، أصلُه حَدُّ الزنا؛ فإنه يُقامُ عليه وإنْ لم تَحضُرِ المَزنِيُّ بها (٢).

стр. 13718

كَيفيةُ قَطعِ يدِ السارِقِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ السارِقَ إذا سَرقَ فإنه تُقطَعُ يَدُه اليُمنَى مِنْ الزَّندِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، المُرادُ إحدَى اليَدَينِ مِنْ كُلِّ واحِدٍ منهُما، وهي اليُمنَى. وأمَّا كَونُها اليَمينَ فبقِراءةِ ابنِ مَسعودٍ ﵁: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا﴾، وهي مَشهورةٌ، فكانَ خبَرًا مَشهورًا، فيُقيِّدُ إطلاقَ النصِّ، فهذا مِنْ تَقييدِ المُطلَقِ لا مِنْ بَيانِ المُجمَلِ؛ لأنَّ الصحيحَ أنه لا إجمالَ في الآيةِ، وقدْ قطَعَ ﵊ اليَمينَ والصحابةُ ﵃ وعليهِ الإجماعُ. وأمَّا كَونُه مِنْ الزَّندِ -وهو مَفصِلُ الرُّسغِ، ويقالُ: الكُوعُ- فلِأنهُ المُتوارَثُ، ومِثلُه لا يُطلَبُ له سَندٌ بخُصوصِه كالمُتواتِرِ. وتُحْسَمُ؛ لأنها إذا لم تُحسَمْ أدَّى إلى التَّلفِ. وصُورةُ الحَسمِ: أنْ تُجعلَ يَدُه بعدَ القَطعِ في دُهنٍ قد أُغلِيَ بالنارِ ليَنقطعَ الدَّمُ. ولا يُقطعُ في الحَرِّ الشديدِ ولا في البَردِ الشديدِ، بلْ يُحبَسُ حتى يَتوسَّطَ الأمرُ في ذلكَ. قالَ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: لم تَختلفِ الأمَّةُ في أنَّ اليَدَ المَقطوعةَ بأولِ سَرقةٍ هي اليَمينُ، فعَلِمْنا أنَّ مُرادَ اللهِ تَعالى بقَولِه: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] أيمانَهُما، فظاهرُ اللَّفظِ في جَمعِه الأيدِيَ مِنْ الاثنينِ يَدلُّ على أنَّ المُرادَ اليَدُ الواحدةُ مِنْ كُلِّ واحدٍ منهُما، كقَولِه تعالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ

стр. 13719

صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، لمَّا كانَ لكُلِّ واحدٍ منهُما قَلبٌ واحدٌ أضافَه إليها بلَفظِ الجَمعِ، كذلكَ لمَّا أضافَ الأيدِيَ إليهِما بلَفظِ الجَمعِ دَلَّ على أنَّ المُرادَ إحدَى اليَدينِ مِنْ كُلِّ واحِدٍ منهُما وهي اليُمنَى (١). وقالَ الإمامُ أبو عُمرَ بنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ فيما يُقطَعُ مِنْ السارقِ إذا قُطِعتْ يَدُه اليُمنَى بسَرقةٍ يَسرقُها ثم عادَ فسَرقَ أخرى، بعدَ إجماعِهم أنَّ اليدَ اليُمنَى هي التي تُقطَعُ منه أولًا (٢). وقالَ الإمامُ البَغويُّ ﵀: اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ السارِقَ إذا سرَقَ أولَ مرَّةٍ تُقطَعُ يَدُه اليُمنَى، ثم إذا سَرقَ ثانيًا تُقطعُ رِجلُه اليُسرَى (٣). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ السارقَ إذا وجَبَ عليه القَطعُ كانَ ذلكَ أولَ سَرقتِه وهو صَحيحُ الأطرافِ أنه يُبدَأُ بقَطعِ يَدِه اليُمنَى مِنْ مفصلِ الكَفِّ ثم تُحسَمُ، وأجمَعُوا على أنه إنْ عادَ فسَرقَ ثانيًا ووجَبَ عليه القَطعُ أنه تُقطَعُ رِجلُه اليُسرى، وأنها تُقطعُ مِنْ مفصلِ الكَعبِ ثم تُحسَمُ، وأجمَعُوا على أنَّ مَنْ لم يَكنْ له الطَّرَفُ المُستحَقُّ قَطعُه بحيثُ لا يَقعُ فيه قَطعٌ قُطِعَ ما بعدَه، إلا أبا حَنيفةَ فإنه قالَ: تُقطَعُ يَمينُه وإنْ كانَتْ شَلَّاءَ، وإلا الشافِعيَّ فإنه قالَ: إذا سَرقَ وكانَتْ يَمينُه شَلَّاءَ وقالَ أهلُ الخِبرةِ: «إنها إذا قُطِعتْ وحُسِمتْ رَقَأَ دَمُها» فإنها تُقطَعُ،

стр. 13720

وإنْ قالوا: «إنها إنْ قُطِعتْ لم يَرقأْ دَمُها وأدَّى إلى التَّلفِ» لم تُقطَعْ وقُطعَ ما بعدَها (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ السارِقَ أولُ ما يُقطعُ منه يَدُه اليُمنَى مِنْ مفصلِ الكَفِّ وهو الكُوعُ، وفي قِراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا﴾، وهذا إنْ كانَ قَراءةً وإلا فهوَ تَفسيرٌ، وقد رُويَ عن أبي بَكرٍ الصِّديقِ وعُمرَ ﵄ أنهُما قالَا: «إذا سَرقَ السارقُ فاقَطُعوا يَمينَه مِنْ الكُوعِ»، ولا مُخالِفَ لهُما في الصَّحابةِ، ولأنَّ البَطشَ بها أقوَى، فكانَتِ البِدايةُ بها أردَعَ، ولأنها آلةُ السرقةِ، فناسَبَ عُقوبتَه بإعدامِ آلتِها. وإذا سَرقَ ثانيًا قُطِعتْ رِجلُه اليُسرَى، وبذلكَ قالَ الجَماعةُ، إلا عطاءً حُكِيَ عنه أنه تُقطَعُ يَدُه اليُسرَى؛ لقَولِه سُبحانَه: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ولأنها آلةُ السرقةِ والبَطشِ، فكانَتِ العُقوبةُ بقَطعِها أولَى، ورُويَ ذلكَ عن رَبيعةَ وداوُدَ، وهذا شُذوذٌ يُخالِفُ قولَ جَماعةِ فُقهاءِ الأمصارِ مِنْ أهلِ الفِقهِ والأثَرِ مِنْ الصَّحابةِ والتابعِينَ ومَن بعدَهم، وهو قَولُ أبي بَكرٍ وعُمرَ ﵄، وقد رَوى أبو هُريرةَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ في السارقِ: «إذا سَرقَ فاقطَعُوا يَدَه، ثم إنْ سَرقَ فاقطَعُوا رِجلَه» (٢)، ولأنه في المُحارَبةِ المُوجِبةِ قطْعَ عُضوَينِ إنما تُقطَعُ يَدُه ورِجلُه ولا تُقطَعُ يَداهُ، فنَقولُ: جِنايةٌ أوجَبَتْ قطْعَ عُضوَينِ فكانَا رِجلًا ويَدًا كالمُحارَبةِ، ولأنَّ قطْعَ

стр. 13721

يَديهِ يُفوِّتُ مَنفعةَ الجِنسِ، فلا تَبقَى له يَدٌ يأكلُ بها ولا يَتوضأُ ولا يَستطيبُ ولا يَدفعُ عن نفسِه، فيَصيرُ كالهالِكِ، فكانَ قَطعُ الرِّجلِ الذي لا يَشتملُ على هذه المَفسدةِ أَولى. وأمَّا الآيةُ فالمُرادُ بها قَطعُ يَدِ كلِّ واحِدٍ منهُما؛ بدَليلِ أنه لا تُقطَعُ اليَدانِ في المَرةِ الأُولى، وفي قراءةِ عبدِ اللهِ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا﴾، وإنما ذُكرَ بلَفظِ الجَمعِ لأنَّ المُثنَّى إذا أُضيفَ إلى المُثنَّى ذُكرَ بلَفظِ الجَمعِ، كقَولِه تعالَى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. إذا ثبَتَ هذا فإنه تُقطَعُ رِجلُه اليُسرَى؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣]، ولأنَّ قطْعَ اليُسرَى أرفَقُ به؛ لأنه يُمكِنُه المَشيُ على خَشبةٍ، ولو قُطِعتْ رِجلُه اليُمنَى لم يُمكِنْه المَشيُ بحالٍ. وتُقطَعُ الرِّجلُ مِنْ مفصلِ الكَعبِ في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ، وفعَلَ ذلكَ عُمرُ ﵁، و «كانَ عَليٌّ ﵁ يَقطعُ مِنْ نِصفِ القَدمِ مِنْ مَعقِدِ الشِّراكِ ويَدعُ له عَقِبًا يَمشِي عليها»، وهو قَولُ أبي ثورٍ. ولنَا: إنه أحَدُ العُضوَينِ المَقطوعَينِ في السرقةِ، فيُقطَعُ مِنْ المفصلِ كاليَدِ، وإذا قُطعَ حُسِمَ، وهو أنْ يُغلَى الزَّيتُ فإذا قُطعَ غُمِسَ عُضوُه في الزَّيتِ؛ لتَفسُدَ أفواهُ العُروقِ لئلَّا يَنزفَ الدَّمُ فيَموتَ. وقد رُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ بسارقٍ سَرقَ شَملةً فقالَ: «اقطَعُوه واحسِمُوهُ»، وهو حَديثٌ فيه مَقالٌ قالُه ابنُ المُنذِرِ، وممَّن استَحبَّ

стр. 13722

ذلكَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وغيرُهما مِنْ أهلِ العِلمِ، ويكونُ الزيتُ مِنْ بَيتِ المالِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ به القاطِعَ، وذلكَ يَقتضِي أنْ يَكونَ مِنْ بَيتِ المالِ، فإنْ لم يُحسَمْ فذكَرَ القاضِي أنه لا شَيءَ عليه؛ لأنَّ عليه القَطعَ لا مُداواةُ المَحدودِ، ويُستحبُّ للمَقطوعِ حَسمُ نَفسِه، فإنْ لم يَفعلْ لم يَأثمْ؛ لأنه تَركَ التداوي في المَرضِ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ. فصلٌ: ويُقطَعُ السارقُ بأسهَلِ ما يُمكِنْ، فيُجلَسُ ويُضبَطُ لئلَّا يَتحركَ فيَجنيَ على نَفسِه، وتُشَدُّ يَدُه بحَبلٍ وتُجَرُّ حتى يَبِينَ مفصلُ الكَفِّ مِنْ مفصلِ الذراعِ، ثم يُوضَعُ بينَهُما سِكِّينٌ حادٌّ ويُدَقُّ فوقَهُما بقُوةٍ ليقطعَ في مرَّةٍ واحدةٍ، أو تُوضَعُ السِّكينُ على المفصلِ وتُمَدَّى مَدَّةً واحدةً، وإنْ عُلِمَ قَطعٌ أوحَى مِنْ هذا قُطعَ بهِ. فَصلٌ: ويُسَنُّ تَعليقُ اليَدِ في عُنقِه؛ لِما رَوى فَضالةُ بنُ عُبيدٍ «أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ بسارقٍ قُطِعتْ يَدُه ثمَّ أمَرَ بها فعُلِّقتْ في عُنقِه» رَواهُ أبو داودَ وابنُ ماجةَ، وفعَلَ ذلكَ عليٌّ ﵁، ولأنَّ فيه رَدعًا وزَجرًا. فَصلٌ: ولا تُقطَعُ في شِدةِ حَرٍّ ولا بَردٍ؛ لأنَّ الزَّمانَ ربُّما أعانَ على قَتلِه، والغَرضُ الزَّجرُ دونَ القَتلِ، ولا تُقطَعُ حاملٍ حالَ حَملِها ولا بعدَ وَضعِها حتى يَنقضيَ نِفاسُها؛ لئلَّا يُفضِي إلى تَلفِها وتَلفِ وَلدِها، ولا يُقطَعُ مَريضٌ في مَرضِه؛ لئلَّا يأتِيَ على نَفسِه (١).

стр. 13723

وُجوبُ رَدِّ المسروقِ إذا كانَ قائِمًا: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ العَينَ المَسروقةَ إذا كانَتْ قائِمةً بحالِها وجَبَ رَدُّها على صاحِبِها، وقد نقَلَ عَددٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على ذلكَ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ السارِقَ إذا قُطعَ أنَّ المَتاعَ يُرَدُّ على المَسروقِ (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: إذا كانَتِ السَّرقةُ باقيةً فإنها تُرَدُّ على مالكِها ويُقطَعُ سارِقُها، وهو إجماعٌ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنه إنْ وُجدَتِ السرقةُ بعَينِها لم تَتغيرْ ولا غيَّرَها السارقُ ولا أحدَثَ فيها عَملًا ولا باعَها أنها تُرَدُّ إلى المَسروقِ منه (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ السَّرقةَ إذا وَجدَها صاحِبُها بعَينِها بيَدِ السارقِ قبْلَ أنْ يُقطعَ أو بعدَ ذلكَ كلِّه أخَذَها، وأنها مالُه لا يُزيلُ مِلكَها عنه قَطعُ يدِ السارقِ (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنه إذا كانَتِ العَينُ المَسروقةُ قائِمةً فإنه يَجبُ رَدُّها (٥).

стр. 13724

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعُوا على أخذِه منهُ إذا وُجدَ بعَينِه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا يَختلفُ أهلُ العِلمِ في وُجوبِ رَدِّ العَينِ المَسروقةِ على مالكِها إذا كانَتْ باقيةً (٢). إذا تَلفَ المسروقُ عندَ السارقِ هل يَضمنُه أم لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَلفَ المَسروقُ عندَ السارقِ، هل يَجبُ عليه ضَمانُه إذا قُطعَ؟ أم لا يَجبُ عليهِ ولا يَجتمعُ الغُرمُ مع القَطعِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا يَجبُ الضَّمانُ والقَطعُ في سَرقةٍ واحِدةٍ، حتَّى لو هلَكَ المَسروقُ في يَدِ السارقِ بعدَ القَطعِ أو قبلَه لا ضَمانَ عليهِ، والدَّليلُ عليه الكِتابُ والسُّنةُ والمَعقولُ. أمَّا الكِتابُ العَزيزُ: فقَولُه : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والاستِدلالُ بالآيةِ مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: أنَّ اللهَ سمَّى القَطعَ جَزاءً، والجَزاءُ يُبنَى على الكِفايةِ، فلو ضُمَّ إليهِ الضَّمانُ لم يَكنِ القَطعُ كافِيًا فلم يَكنْ جَزاءً تَعالَى اللهُ سُبحانَه عَزَّ شأنُه عن الخُلفِ في الخبَرِ. والثَّاني: أنه جعَلَ القَطعَ كُلَّ الجَزاءِ؛ لأنه عَزَّ شَأنُه ذكَرَه ولم يَذكرْ غيرَه، فلو أوجَبْنَا الضمانَ لَصارَ القَطعُ بعضَ الجَزاءِ، فيَكونُ نَسخًا لنَصِّ الكِتابِ العَزيزِ.

стр. 13725

وأمَّا السُّنةُ: فما رُويَ عن سَيدِنا عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ ﵁ عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يُغرَّمُ السارقُ إذا أُقيمَ عليهِ الحَدُّ» (١)، والغُرمُ في اللُّغةِ ما يَلزمُ أداؤُه، وهذا نَصٌّ في البابِ. وأما المَعقولُ فمِن وَجهينِ: أحَدُهما: بِناءٌ، والآخَرُ: ابتِداءٌ. أمَّا وَجهُ البِناءِ: فهو أنَّ المَضموناتِ عندَنا تُملَكُ عندَ أداءِ الضمانِ أو اختيارِه مِنْ وَقتِ الأخذِ، فلو ضَمَّنَا السارقَ قيمةَ المَسروقِ أو مِثلَه لَملَكَ المَسروقَ مِنْ وَقتِ الأخذِ، فتَبيَّنَ أنه قُطعَ في مِلكِ نَفسِه، وذلكَ لا يَجوزُ. وأما وَجهُ الابتِداءِ: هو أنَّ الضمانَ إنما يَجبُ بأخذِ مالٍ مَعصومٍ ثَبتَتْ عِصمتُه حقًّا للمالِكِ، فيَجبُ أنْ يكونَ المَضمونُ بهذهِ الصفةِ ليَكونَ اعتِداءً بالمِثلِ في ضَمانِ العُدواناتِ، والمَضمونُ حالةَ السرقةِ خرَجَ مِنْ أنْ يَكونَ مَعصومًا حقًّا للمالكِ؛ بدَلالِة وُجوبِ القَطعِ، ولو بَقيَ مَعصومًا حقًّا للمالِكِ لَمَا وجَبَ؛ إذِ الثابتُ حقًّا للعَبدِ يَثبتُ لدَفعِ حاجتِه، وحاجةُ السارقِ كحاجَةِ المَسروقِ منهُ، فتَتمكَّنُ فيه شُبهةُ الإباحةِ، وإنها تَمنعُ وُجوبَ القطعِ، والقَطعُ واجِبٌ، فيَنتفي الضَّمانُ ضَرورةً، إلا أنه وجَبَ رَدُّ المَسروقِ حالَ قيامِه لأنَّ وُجوبَ الرَدِّ يَقفُ على المِلكِ لا على العِصمةِ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ غصَبَ خمْرَ المُسلمِ يُؤمَرُ بالردِّ إليهِ؛ لقِيامِ مِلكِه فيها، ولو هلَكَتْ في يَدِ الغاصبِ لا ضَمانَ عليهِ؛ لعَدمِ العِصمةِ، فلمْ يَكنْ مِنْ ضَرورةِ سُقوطِ العِصمةِ الثابتةِ حقًّا للعَبدِ زَوالُ مِلكِه عن المَحلِّ، وهَهُنا المِلكُ قائمٌ، فيُؤمَرُ بالردِّ إليهِ، والعِصمةُ زائلةٌ، فلا يَكونُ مَضمونًا بالهَلاكِ.
следующие страницы →