يَديهِ يُفوِّتُ مَنفعةَ الجِنسِ، فلا تَبقَى له يَدٌ يأكلُ بها ولا يَتوضأُ ولا يَستطيبُ ولا يَدفعُ عن نفسِه، فيَصيرُ كالهالِكِ، فكانَ قَطعُ الرِّجلِ الذي لا يَشتملُ على هذه المَفسدةِ أَولى.
وأمَّا الآيةُ فالمُرادُ بها قَطعُ يَدِ كلِّ واحِدٍ منهُما؛ بدَليلِ أنه لا تُقطَعُ اليَدانِ في المَرةِ الأُولى، وفي قراءةِ عبدِ اللهِ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا﴾، وإنما ذُكرَ بلَفظِ الجَمعِ لأنَّ المُثنَّى إذا أُضيفَ إلى المُثنَّى ذُكرَ بلَفظِ الجَمعِ، كقَولِه تعالَى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
إذا ثبَتَ هذا فإنه تُقطَعُ رِجلُه اليُسرَى؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣]، ولأنَّ قطْعَ اليُسرَى أرفَقُ به؛ لأنه يُمكِنُه المَشيُ على خَشبةٍ، ولو قُطِعتْ رِجلُه اليُمنَى لم يُمكِنْه المَشيُ بحالٍ.
وتُقطَعُ الرِّجلُ مِنْ مفصلِ الكَعبِ في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ، وفعَلَ ذلكَ عُمرُ ﵁، و «كانَ عَليٌّ ﵁ يَقطعُ مِنْ نِصفِ القَدمِ مِنْ مَعقِدِ الشِّراكِ ويَدعُ له عَقِبًا يَمشِي عليها»، وهو قَولُ أبي ثورٍ.
ولنَا: إنه أحَدُ العُضوَينِ المَقطوعَينِ في السرقةِ، فيُقطَعُ مِنْ المفصلِ كاليَدِ، وإذا قُطعَ حُسِمَ، وهو أنْ يُغلَى الزَّيتُ فإذا قُطعَ غُمِسَ عُضوُه في الزَّيتِ؛ لتَفسُدَ أفواهُ العُروقِ لئلَّا يَنزفَ الدَّمُ فيَموتَ.
وقد رُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ بسارقٍ سَرقَ شَملةً فقالَ: «اقطَعُوه واحسِمُوهُ»، وهو حَديثٌ فيه مَقالٌ قالُه ابنُ المُنذِرِ، وممَّن استَحبَّ
стр. 13722
ذلكَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وغيرُهما مِنْ أهلِ العِلمِ، ويكونُ الزيتُ مِنْ بَيتِ المالِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ به القاطِعَ، وذلكَ يَقتضِي أنْ يَكونَ مِنْ بَيتِ المالِ، فإنْ لم يُحسَمْ فذكَرَ القاضِي أنه لا شَيءَ عليه؛ لأنَّ عليه القَطعَ لا مُداواةُ المَحدودِ، ويُستحبُّ للمَقطوعِ حَسمُ نَفسِه، فإنْ لم يَفعلْ لم يَأثمْ؛ لأنه تَركَ التداوي في المَرضِ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ.
فصلٌ: ويُقطَعُ السارقُ بأسهَلِ ما يُمكِنْ، فيُجلَسُ ويُضبَطُ لئلَّا يَتحركَ فيَجنيَ على نَفسِه، وتُشَدُّ يَدُه بحَبلٍ وتُجَرُّ حتى يَبِينَ مفصلُ الكَفِّ مِنْ مفصلِ الذراعِ، ثم يُوضَعُ بينَهُما سِكِّينٌ حادٌّ ويُدَقُّ فوقَهُما بقُوةٍ ليقطعَ في مرَّةٍ واحدةٍ، أو تُوضَعُ السِّكينُ على المفصلِ وتُمَدَّى مَدَّةً واحدةً، وإنْ عُلِمَ قَطعٌ أوحَى مِنْ هذا قُطعَ بهِ.
فَصلٌ: ويُسَنُّ تَعليقُ اليَدِ في عُنقِه؛ لِما رَوى فَضالةُ بنُ عُبيدٍ «أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ بسارقٍ قُطِعتْ يَدُه ثمَّ أمَرَ بها فعُلِّقتْ في عُنقِه» رَواهُ أبو داودَ وابنُ ماجةَ، وفعَلَ ذلكَ عليٌّ ﵁، ولأنَّ فيه رَدعًا وزَجرًا.
فَصلٌ: ولا تُقطَعُ في شِدةِ حَرٍّ ولا بَردٍ؛ لأنَّ الزَّمانَ ربُّما أعانَ على قَتلِه، والغَرضُ الزَّجرُ دونَ القَتلِ، ولا تُقطَعُ حاملٍ حالَ حَملِها ولا بعدَ وَضعِها حتى يَنقضيَ نِفاسُها؛ لئلَّا يُفضِي إلى تَلفِها وتَلفِ وَلدِها، ولا يُقطَعُ مَريضٌ في مَرضِه؛ لئلَّا يأتِيَ على نَفسِه (١).
стр. 13723
وُجوبُ رَدِّ المسروقِ إذا كانَ قائِمًا:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ العَينَ المَسروقةَ إذا كانَتْ قائِمةً بحالِها وجَبَ رَدُّها على صاحِبِها، وقد نقَلَ عَددٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على ذلكَ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ السارِقَ إذا قُطعَ أنَّ المَتاعَ يُرَدُّ على المَسروقِ (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: إذا كانَتِ السَّرقةُ باقيةً فإنها تُرَدُّ على مالكِها ويُقطَعُ سارِقُها، وهو إجماعٌ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنه إنْ وُجدَتِ السرقةُ بعَينِها لم تَتغيرْ ولا غيَّرَها السارقُ ولا أحدَثَ فيها عَملًا ولا باعَها أنها تُرَدُّ إلى المَسروقِ منه (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ السَّرقةَ إذا وَجدَها صاحِبُها بعَينِها بيَدِ السارقِ قبْلَ أنْ يُقطعَ أو بعدَ ذلكَ كلِّه أخَذَها، وأنها مالُه لا يُزيلُ مِلكَها عنه قَطعُ يدِ السارقِ (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنه إذا كانَتِ العَينُ المَسروقةُ قائِمةً فإنه يَجبُ رَدُّها (٥).
стр. 13724
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعُوا على أخذِه منهُ إذا وُجدَ بعَينِه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا يَختلفُ أهلُ العِلمِ في وُجوبِ رَدِّ العَينِ المَسروقةِ على مالكِها إذا كانَتْ باقيةً (٢).
إذا تَلفَ المسروقُ عندَ السارقِ هل يَضمنُه أم لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَلفَ المَسروقُ عندَ السارقِ، هل يَجبُ عليه ضَمانُه إذا قُطعَ؟ أم لا يَجبُ عليهِ ولا يَجتمعُ الغُرمُ مع القَطعِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا يَجبُ الضَّمانُ والقَطعُ في سَرقةٍ واحِدةٍ، حتَّى لو هلَكَ المَسروقُ في يَدِ السارقِ بعدَ القَطعِ أو قبلَه لا ضَمانَ عليهِ، والدَّليلُ عليه الكِتابُ والسُّنةُ والمَعقولُ.
أمَّا الكِتابُ العَزيزُ: فقَولُه : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والاستِدلالُ بالآيةِ مِنْ وَجهينِ:
أحَدُهما: أنَّ اللهَ سمَّى القَطعَ جَزاءً، والجَزاءُ يُبنَى على الكِفايةِ، فلو ضُمَّ إليهِ الضَّمانُ لم يَكنِ القَطعُ كافِيًا فلم يَكنْ جَزاءً تَعالَى اللهُ سُبحانَه عَزَّ شأنُه عن الخُلفِ في الخبَرِ.
والثَّاني: أنه جعَلَ القَطعَ كُلَّ الجَزاءِ؛ لأنه عَزَّ شَأنُه ذكَرَه ولم يَذكرْ غيرَه، فلو أوجَبْنَا الضمانَ لَصارَ القَطعُ بعضَ الجَزاءِ، فيَكونُ نَسخًا لنَصِّ الكِتابِ العَزيزِ.
стр. 13725
وأمَّا السُّنةُ: فما رُويَ عن سَيدِنا عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ ﵁ عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يُغرَّمُ السارقُ إذا أُقيمَ عليهِ الحَدُّ» (١)، والغُرمُ في اللُّغةِ ما يَلزمُ أداؤُه، وهذا نَصٌّ في البابِ.
وأما المَعقولُ فمِن وَجهينِ: أحَدُهما: بِناءٌ، والآخَرُ: ابتِداءٌ.
أمَّا وَجهُ البِناءِ: فهو أنَّ المَضموناتِ عندَنا تُملَكُ عندَ أداءِ الضمانِ أو اختيارِه مِنْ وَقتِ الأخذِ، فلو ضَمَّنَا السارقَ قيمةَ المَسروقِ أو مِثلَه لَملَكَ المَسروقَ مِنْ وَقتِ الأخذِ، فتَبيَّنَ أنه قُطعَ في مِلكِ نَفسِه، وذلكَ لا يَجوزُ.
وأما وَجهُ الابتِداءِ: هو أنَّ الضمانَ إنما يَجبُ بأخذِ مالٍ مَعصومٍ ثَبتَتْ عِصمتُه حقًّا للمالِكِ، فيَجبُ أنْ يكونَ المَضمونُ بهذهِ الصفةِ ليَكونَ اعتِداءً بالمِثلِ في ضَمانِ العُدواناتِ، والمَضمونُ حالةَ السرقةِ خرَجَ مِنْ أنْ يَكونَ مَعصومًا حقًّا للمالكِ؛ بدَلالِة وُجوبِ القَطعِ، ولو بَقيَ مَعصومًا حقًّا للمالِكِ لَمَا وجَبَ؛ إذِ الثابتُ حقًّا للعَبدِ يَثبتُ لدَفعِ حاجتِه، وحاجةُ السارقِ كحاجَةِ المَسروقِ منهُ، فتَتمكَّنُ فيه شُبهةُ الإباحةِ، وإنها تَمنعُ وُجوبَ القطعِ، والقَطعُ واجِبٌ، فيَنتفي الضَّمانُ ضَرورةً، إلا أنه وجَبَ رَدُّ المَسروقِ حالَ قيامِه لأنَّ وُجوبَ الرَدِّ يَقفُ على المِلكِ لا على العِصمةِ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ غصَبَ خمْرَ المُسلمِ يُؤمَرُ بالردِّ إليهِ؛ لقِيامِ مِلكِه فيها، ولو هلَكَتْ في يَدِ الغاصبِ لا ضَمانَ عليهِ؛ لعَدمِ العِصمةِ، فلمْ يَكنْ مِنْ ضَرورةِ سُقوطِ العِصمةِ الثابتةِ حقًّا للعَبدِ زَوالُ مِلكِه عن المَحلِّ، وهَهُنا المِلكُ قائمٌ، فيُؤمَرُ بالردِّ إليهِ، والعِصمةُ زائلةٌ، فلا يَكونُ مَضمونًا بالهَلاكِ.
стр. 13726
ويُخرَّجُ على هذا الأصلِ مَسائلُ:
إذا استَهلكَ السارقُ المَسروقَ بعدَ القَطعِ لا يَضمنُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ، ورَوى الحَسنُ عن أبي حَنيفةَ ﵀ أنه يَضمنُ، وَجهُ هذه الروايةِ أنَّ المَسروقَ بعدَ القَطعِ بَقيَ على مِلكِ المَسروقِ منه، ألَا تَرى أنه يَجبُ رَدُّه على المالكِ، وقَبضُ السارقِ ليسَ بقَبضٍ مَضمونٍ، فكانَ المَسروقُ في يَدِه بمَنزلةِ الأمانةِ، فإذا استَهلكَها ضَمِنَ.
وَجهُ ظاهِرِ الروايةِ أنَّ عِصمةَ المَحلِّ الثابتةِ حقًّا للمالِكِ قد سقَطَتْ في حَقِّ السارقِ؛ لضَرورةِ إمكانِ إيجابِ القَطعِ، فلا يَعودُ إلا بالرَّدِ إلى المالِكِ، فلمْ يكنْ مَعصومًا قبلَه، فلا يكونُ مَضمونًا.
ولو استَهلكَ رَجلٌ آخَرُ يَضمنُه؛ لأنَّ العِصمةَ إنما سقَطَتْ في حَقِّ السارقِ لا في حَقِّ غيرِه، فيَضمنُ، ولو سَقطَ القَطعُ لشُبهةٍ ضَمنَ؛ لأنَّ المانعَ مِنْ الضَّمانِ هو القَطعُ، وقد زالَ المانعُ.
ولو باعَ السارقُ المَسروقَ مِنْ إنسانٍ أو مَلكَه منه بوَجهٍ مِنْ الوجوهِ فإنْ كانَ قائمًا فلِصاحبِه أنْ يأخُذَه؛ لأنه عَينُ مِلكِه، وللمأخُوذِ منه أنْ يَرجعَ على السارقِ بالثَّمنِ الذي دفَعَه؛ لأنَّ الرجوعَ بالثَّمنِ لا يُوجِبُ ضَمانًا على السارقِ في عَينِ المَسروقِ؛ لأنه يَرجعُ عليهِ بثَمنِ المَسروقِ لا بقيمتِه لِيُوجِبَ ذلك مِلكَ المَسروقِ للسارقِ.
وإنْ كانَ هلكَ في يَدِه فلا ضَمانَ على السارقِ ولا على القابضِ، هكذا رُويَ عن أبي يُوسفَ، أما السارقُ فلِأنَّ القَطعَ يَنفي الضَّمانَ، وأما المُشتَري
стр. 13727
فلِأنهُ لو ضَمَّنَه المالكُ لَكانَ له أنْ يَرجعَ بالضَّمانِ على السارقِ، فيَصيرُ كأنَّ المالِكَ ضَمَّنَ السارقَ، وقَطعُه يَنفي الضَّمانَ عنه.
وإنْ كانَ استَهلكَه القابضُ كانَ للمالِكِ أنْ يُضمِّنَه القيمةَ؛ لأنه قبَضَ مالَه بغيرِ إذنِه وهلَكَ في يَدِه، وللمُشتَري أنْ يَرجعَ على السارقِ بالثمنِ؛ لأنَّ الرُّجوعَ بالثَّمنِ ليسَ بتَضمينٍ.
ولو اغتَصبَه إنسانٌ مِنْ السارقِ فهلَكَ في يَدِه بعدَ القَطعِ فلا ضَمانَ للسارقِ ولا للمُسروقِ منهُ، أما السارقُ فلِأنهُ ليسَ بمالكٍ، وأما المالكُ فلِأنَّ العِصمةَ الثابتةَ له حقًّا قد بطَلَتْ.
وهذا كُلُّه بعدَ القَطعِ، أما إذا قالَ المالكُ قبلَ القَطعِ: «أنا أضمِّنُه» لم يُقطعْ، فإنه يَتضمَّنُ رُجوعَه عن دَعوَى السرقةِ إلى دَعوى المالِ، فالمالِكٌ مُخيَّرٌ قبلَ القَطعِ، فإنْ شاءَ اختارَ القطعَ ولم يُغرِّمْه المالَ، وإنْ شاءَ أغرَمَه المالَ ولا قطْعَ عليهِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه إنْ كانَ مُوسِرًا وجَبَ عليهِ القَطعُ وغُرِّمَ قيمةَ المَسروقِ، وإنْ كانَ مُعسِرًا لم يُتبَعْ به دَينًا ولم يَكنْ عليه شيءٌ ويُقطَعُ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ المَسروقَ إذا تَلفَ عندَ السارقِ أو بِيعَ فإنه يَغرمُها السارقُ ويُقطَعُ، سواءٌ تقدَّمَ الغُرمُ على القَطعِ أو تأخَّرَ عنه،
стр. 13728
وسَواءٌ كانَ مُوسِرًا أو مُعسِرًا؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فاقتَضى الظاهرُ قطْعَه وإنْ أُغرِمَ، ولأنَّ مَنْ غصَبَ جاريةً فزنَا بها وجَبَ عليه الحَدُّ ويَردُّها إنْ كانَتْ باقيةً، ويَردُّ قيمتَها إنْ كانَتْ تالِفةً، فيُجمَعُ عليه بينَ الحَدِّ والغُرمِ، كذلكَ في السَّرقةِ.
وتَحريرُه قياسًا: أنَّ حُدودَ اللهِ تعالَى لا تُوجِبُ سُقوطَ الغُرمِ كالزنا بالجارِيةِ المَغصوبةِ، ولأنَّ كلَّ عَينٍ وجَبَ القَطعُ مع رَدِّها وجَبَ القَطعُ مع رَدِّ بَدلِها، كما لو باعَها السارقُ واستَهلكَ ثمَنَها قُطعَ مع رَدِّ بَدلِ الثَّمنِ كما يُقطَعُ مع رَدِّ الثَّمنِ، كذلكَ في حَقِّ المِلكِ، ولأنَّ القَطعَ وجَبَ بإخراجِها مِنْ الحِرزِ والغُرمَ وجَبَ باستِهلاكِها، وكلُّ حَقَّينِ وجَبَا بسَببَينِ مُختلِفينِ جازَ الجَمعُ بينَهُما، كقَتلِ الصَّيدِ المَملوكِ يُجمَعُ فيهِ بينَ الجَزاءِ والقيمةِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفُوا هل يُجمَعُ الغُرمُ مع القَطعِ؟
فقالَ قَومٌ: عليهِ الغُرمُ مع القَطعِ، وبه قالَ الشافِعيُّ وأحمَدُ والليثُ وأبو ثَورٍ وجَماعةٌ.
وقالَ قَومٌ: ليسَ عليهِ غُرمٌ إذا لم يَجدِ المَسروقُ منه مُتاعَه بعَينِه، وممَّن قالَ بهذا القَولِ أبو حَنيفةَ والثَّوريُّ وابنُ أبي لَيلى وجَماعةٌ.
стр. 13729
وفرَّقَ مالِكٌ وأصحابُه فقالَ: إنْ كانَ مُوسِرًا أُتبِعَ السارقُ بقيمةِ المَسروقِ، وإنْ كانَ مُعسِرًا لم يُتبَعْ إذا أثرَى، واشتَرطَ مالكٌ دَوامَ اليُسرِ إلى يَومِ القَطعِ فيما حَكى عنهُ ابنُ القاسمِ.
فعُمدةُ مَنْ جمَعَ بينَ الأمرَينِ أنه اجتَمعَ في السَّرقةِ حَقَّانِ: حَقٌّ للهِ وحَقٌّ للآدَميِّ، فاقتَضى كلُّ حَقٍّ مُوجَبَه، وأيضًا فإنهُم لمَّا أجمَعوا على أخذِه منه إذا وُجدَ بعَينِه لَزمَ إذا لم يُوجَدْ بعَينِه عندَه أنْ يكونَ في ضِمانِه؛ قياسًا على سائرِ الأموالِ الواجبةِ.
وعُمدةُ الكُوفيِّينَ حَديثُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَغرَمُ السَّارقُ إذا أُقِيمَ عليهِ الحَدُّ»، وهذا الحَديثُ مُضعَّفٌ عندَ أهلِ الحَديثِ، قالَ أبو عُمرَ: لأنه عِندَهم مَقطوعٌ، قالَ: وقد وصَلَه بعضُهم، وخرَّجَه النَّسائيُّ.
والكُوفيُّونَ يَقولونَ: إنَّ اجتِماعَ حَقَّينِ في حَقٍّ واحدٍ مُخالِفٌ للأصولِ، ويَقولونَ: إنَّ القَطعَ هو بَدلٌ مِنْ الغُرمِ، ومِن هُنا يَرَونَ إذا سرَقَ شَيئًا ما فقُطعَ فيه ثم سَرقَه ثانيًا أنه لا يُقطعُ فيه.
وأمَّا تَفرقةُ مالكٍ فاستِحسانٌ على غيرِ قِياسٍ (١).
стр. 13730
كتاب قطاع الطريق
стр. 13731
كتاب قطاع الطريق
تَعريفُهم:
قُطَّاعُ الطَّريقِ، ويُسمَّونَ: «المُحارِبونَ» سُمُّوا بذلكَ لامتِناعِ الناسِ مِنْ سُلوكِ الطَّريقِ خَوفًا منهُم.
وهُم: جَماعةٌ خَرَجوا لأخذِ المالِ أو القَتلِ أو إرعابِ الناسِ على وَجهِ المُجاهَرةِ والمُكابَرةِ اعتِمادًا على الشَّوكةِ في مَوضعٍ لا يَلحقُ المأخُوذَ منه الغَوثُ.
هذا مُجمَلُ تَعريفِها، ولكُلِّ مَذهبٍ تَعريفٌ، وهي قَريبةٌ مِنْ بَعضِها.
قالَ الحَنفيةُ: قَطعُ الطريقِ: هو الخُروجُ لأخذِ المالِ على وَجهِ المُجاهَرةِ في مَوضعٍ لا يَلحقُ المَأخوذَ منه الغَوثُ (١).
стр. 13732
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: هو الخُروجُ على المارَّةِ لأخذِ المالِ على سَبيلِ المُغالَبةِ على وَجهٍ يَمتنعُ المارَّةُ عن المُرورِ ويَنقطعُ الطَّريقُ، سَواءٌ كانَ القَطعُ مِنْ جَماعةٍ أو مِنْ واحِدٍ بعدَ أنْ يكونَ له قُوةُ القَطعِ، وسَواءٌ كانَ القَطعُ بسِلاحٍ أو غيرِه مِنْ العصَا والحَجرِ والخَشبِ ونحوِها؛ لأنَّ انقِطاعَ الطَّريقِ يَحصلُ بكُلٍّ مِنْ ذلكَ، وسَواءٌ كانَ بمُباشَرةِ الكُلِّ أو التَّسبيبِ مِنْ البَعضِ بالإعانةِ والأخذِ؛ لأنَّ القَطعَ يَحصلُ بالكُلِّ كما في السرقةِ، ولأنَّ هذا مِنْ عادةِ القُطَّاعِ، أعني: المُباشَرةَ مِنْ البَعضِ والإعانةَ مِنْ البَعضِ بالتَّسميرِ للدَّفعِ، فلو لم يُلحَقِ التَّسببُ بالمُباشَرةِ في سَببِ وُجوبِ الحَدِّ لَأدَّى ذلكَ إلى انفتاحِ بابِ قَطعِ الطريقِ وانسدادِ حُكمِه وأنه قَبيحٌ، ولهذا أُلحقَ التسبُّبُ بالمُباشَرةِ في السرقةِ، كذا هَهُنا (١).
وقالَ المالِكيةُ: المُحارِبُ: قاطعُ الطَّريقِ لمَنعِ سُلوكِ الناسِ، أو آخِذُ مالِ مُسلمٍ أو ذمِّيٍّ أو مُعاهدٍ على وَجهٍ يَتعذَّرُ معه الغَوثُ (٢).
وقالَ ابنُ عُرفةَ ﵀: الحِرابةُ: الخُروجُ لإخافةِ سَبيلٍ لأخذِ مالٍ مُحتَرَمٍ بمُكابَرةِ قِتالٍ أو خَوفِه أو ذَهابِ عَقلٍ أو قَتلِ خِفيةٍ أو لمُجرَّدِ قَطعِ الطَّريقِ، لا لإمرَةٍ ولا نائِرةٍ ولا عَداوةٍ (٣).
стр. 13733
وقالَ الشافِعيةُ: قَطعُ الطَّريقِ: هو البُروزُ لأخذِ مالٍ أو لقَتلٍ أو إرعابٍ مُكابَرةً اعتِمادًا على الشَّوكةِ مع البُعدِ عن مَسافةِ الغَوثِ (١).
وقال الحَنابلةُ: المُحارِبونَ: وهُم قُطَّاعِ الطريقِ الذينَ يَعرِضونَ للناسِ بسِلاحٍ ولو بعَصًا وحِجارةٍ في صَحراءَ أو بُنيانٍ أو بَحرٍ فيَغصبونَهم مالًا مُحتَرمًا قَهرًا مُجاهَرةً (٢).
حُكمُ الحِرابةِ وقَطعِ الطَّريقِ:
الحِرابةُ وقَطعُ الطريقِ مِنْ الكَبائرِ، وهي مِنْ الحُدودِ باتِّفاقِ أهلِ العِلمِ، وقد سمَّى اللهُ مُرتكِبيها بالمُحارِبينَ للهِ ولرَسولِه وبالسَّاعينَ في الأرضِ بالفَسادِ، وغلَّظَ اللهُ عُقوبتَها أشَدَّ تَغليظٍ فقالَ : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣].
وعن أبي قِلابةَ عن أنسٍ ﵁ قالَ: «قَدِمَ رَهطٌ مِنْ عُكلٍ على النبيِّ ﷺ كانوا في الصُّفَّةِ فاجتَوَوا المَدينةَ فقالوا: يا رسولَ اللهِ أبغِنَا رُسلًا، فقالَ: ما أَجدُ لكُم إلا أنْ تَلحَقُوا بإبِلِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فأتَوْها فشَربُوا مِنْ ألْبانِها وأبوَالِها حتى صَحُّوا وسَمِنُوا وقَتَلوا الرَّاعيَ
стр. 13734
واسْتاقوا الذَّودَ، فأتَى النبيَّ ﷺ الصَّريخُ، فبعَثَ الطَّلبَ في آثارِهِم، فما تَرجَّلَ النَّهارُ حتى أُتِيَ بهِم، فأمَرَ بمَساميرَ فأُحمِيَتْ فكَحَلَهم وقطَعَ أيدِيَهُم وأرجُلَهُم وما حَسَمَهُم، ثمَّ أُلقوا في الحَرَّةِ يَستَسقونَ فما سُقُوا حتى ماتُوا، قالَ أبو قِلابةَ: سَرَقوا وقَتَلوا وحارَبوا اللهَ ورَسولَه» (١).
وقد أجمَعَ المُسلمونَ على أصلِ حَدِّهم (٢).
قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ شَقَّ العَصَا وفارَقَ الجَماعةَ وشهَرَ على المُسلمينَ السِّلاحَ وأخافَ السَّبيلَ وأفسَدَ بالقَتلِ والسَّلبِ فقَتلُهم وإراقةُ دِمائِهم واجِبٌ؛ لأنَّ هذا مِنْ الفَسادِ العَظيمِ في الأرضِ، والفَسادُ في الأرضِ مُوجِبٌ لإراقةِ الدماءِ بإجماعٍ، إلا أنْ يَتوبَ فاعلُ ذلكَ مِنْ قبلِ أنْ يُقدَرَ عليهِ، والانهزامُ عندَهم ضَربٌ مِنْ التوبةِ، وكذلكَ مَنْ عجَزَ عن القتالِ لم يُقتلْ إلا بما وجَبَ عليهِ قبلَ ذلك (٣).
شُروطُ وصِفةُ المحارِبينَ:
اشتَرطَ جُمهورُ الفُقهاءِ عدَّةَ شُروطٍ لا بُدَّ مِنْ تَوفُّرِها حتى يُوصَفَ الإنسانُ بأنه مُحارِبٌ للهِ ورَسولِه وقاطعٌ للطَّريقِ، وهذه الشُّروطُ منها ما هو مُتفَقٌ عليهِ، ومنها ما هو مُختلَفٌ فيه، وبَيانُ ذلكَ على النحوِ الآتي:
стр. 13735
الشَّرطُ الأولُ: التَّكليفُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ البُلوغَ والعَقلَ شَرطانِ في عُقوبةِ الحِرابةِ، فلا يُقامُ حَدُّ الحِرابةِ على المَجنونِ ولا الصَّغيرِ ولو كانَ مُراهِقًا، فلا حَدَّ عليهِم؛ لأنَّ الحَدَّ عُقوبةٌ فيَستدعِي جِنايةً، وفِعلُ الصبيِّ والمَجنونِ لا يُوصَفُ بكونِه جِنايةً، ولهذا لم يَتعلقْ به القَطعُ في السرقةِ، كذا هذا، ويَضمَنونَ المالَ والنَّفسَ كما لو أتلَفُوا في غَيرِ هذا الحالِ (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو كانَ معَ المُحارِبينَ صَبيٌّ أو مَجنونٌ أو ذُو رَحمٍ مُحرَّمٍ مِنْ المَقطوعِ عليه، هل يُقامُ الحَدُّ على الآخَرينَ؟ أم يَسقطُ الحَدُّ عن الجَميعِ؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وزُفرُ إلى أنه لو كانَ في القُطَّاعِ صَبيٌّ أو مَجنونٌ أو ذُو رَحمٍ مَحرمٍ مَنْ المَقطوعِ عليهِ سقَطَ الحَدُّ عن الباقينَ؛ لأنَّ الجِنايةَ واحِدةٌ قامَتْ بالكُلِّ، فإذا لم يَقعْ فِعلُ بَعضِهم مُوجِبًا كانَ فِعلُ الباقي بعضَ العَلةِ، وبه لا يَثبتُ الحُكمُ، كالمُخطئِ والعامِدِ إذا اشتَركَا في القَتلِ، وأما إذا كانَ فيهِم ذو رَحمٍ مَحرمٍ مِنْ المَقطوعِ عليهِ فإنه يَسقطُ الحَدُّ عن الباقينَ؛ لأنَّ لِذِي الرَّحمِ شُبهةً في مالِ ذي الرَّحمِ؛ بدَلالةِ سُقوطِ القَطعِ عنه في السَّرقةِ، وإذا سَقطَ الحَدُّ صارَ القَتلُ إلى الأولياءِ، إنْ شاؤُوا قَتَلوا وإنْ شاؤُوا عَفَوا.
стр. 13736
وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: إنْ باشَرَ الأخذَ الصبيُّ والمَجنونُ فلا حَدَّ عليهِم جَميعًا، وإنْ باشَرَه العُقلاءُ البالِغونَ حُدُّوا ولم يُحَدَّ الصبيُّ والمَجنونُ؛ لأنَّ الصبيَّ والمَجنونَ إذا باشَرُوا فهُم المَتبوعونَ والباقونَ تَبعٌ، فإذا سقَطَ الحَدُّ عن المَتبوعِ فسُقوطُه عن التَّبعِ أَولى (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنه إنْ كانَ فيهِم صبيٌّ أو مَجنونٌ أو ذُو رَحمٍ مِنْ المَقطوعِ عليهِ لم يَسقطِ الحَدُّ عن غيرِه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: يَسقطُ الحَدُّ عن جَميعِهم ويَصيرُ القَتلُ للأولياءِ، إنْ شاؤُوا قَتَلوا مَنْ قتَلَ وإنْ شاؤُوا عَفَوا؛ لأنَّ حُكمَ الجَميعِ واحِدٌ، فالشُّبهةُ في فِعلِ واحدٍ شُبهةٌ في حَقِّ الجَميعِ.
ولنَا: إنها شُبهةٌ اختصَّ بها واحِدٌ، فلمْ يَسقطِ الحَدُّ عن الباقينَ، كما لو اشتَرَكوا في وَطءِ امرأةٍ، وما ذَكَروه لا أصلَ لهُ، فعَلى هذا لا حَدَّ على الصبيِّ والمَجنونِ وإنْ باشَرَا القَتلَ وأخَذَا المالَ؛ لأنهما ليسَا مِنْ أهلِ الحُدودِ، وعليهِما ضَمانُ ما أخذَ مِنْ المالِ في أموالِهِما، وديَةُ قَتيلِهما على عاقِلتِهما ولا شَيءَ على الرِّدءِ لهُما؛ لأنه إذا لم يَثبتْ ذلك للمُباشِرِ لم يَثبتْ لمَن هو تَبعٌ له بطَريقِ الأَولى، وإنْ كانَ المُباشِرُ غيرَهما لم يَلزمْهُما شيءٌ؛ لأنهُما لم يَثبتْ في حَقِّهما حُكمُ المُحارَبةِ، وثُبوتُ الحُكمِ في حَقِّ الرِّدءِ ثبَتَ بالمُحارَبةِ (٢).
стр. 13737
الشَّرطُ الثاني: الذُّكورةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشتَرطُ في قُطَّاعِ الطريقِ أنْ يَكونُوا ذُكورًا فإذا كانَ هُناكَ جَماعةٌ مِنْ النِّساءِ خَرَجْنَ لقَطعِ الطريقِ فلا حَدَّ عَليهنَّ؟ وكذا لو كانَ مع الرِّجالِ امرأةٌ هل يُقامُ الحَدُّ على الجَميعِ أم لا؟
فقالَ الحَنفيةُ: إنْ كانَ فيهِم امرأةٌ إنْ وَلِيَتِ القَتلَ فقتَلَتْ وأخَذَتِ المالَ ولم يَفعلْ ذلكَ الرِّجالُ:
قالَ أبو يُوسفُ: أقتُلُ الرِّجالَ وأفعَلُ بهِم ما أفعَلُ بالمُحارِبينَ، ولا أَقتلُ المَرأةَ.
وقالَ مُحمدٌ وهو مَرويٌّ عن أبي حَنيفةَ: أَقتلُها إنْ قتَلَتْ، وأُضمِّنُها المالَ إنْ أخذَتْه، ولا أقتُلُ الرِّجالَ، ولكنْ أُوجِعُهم ضَربًا وأحبِسُهم.
وعَن أبي حَنيفةَ أيضًا أنه قالَ: أَدرأُ الحَدَّ عنهُم؛ لأنه اشتَركَ في القَتلِ مَنْ يَجبُ عليهِ الحَدُّ ومَن لا يَجبُ عليهِ، فصارَ كالمُخطئِ والعامِدِ.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ومِنها الذُّكورةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ، حتى لو كانَتْ في القُطَّاعِ امرأةٌ فوَليَتِ القِتالَ وأخْذَ المالِ دونَ الرِّجالِ لا يُقامُ الحَدُّ عليها في الرِّوايةِ المَشهورةِ.
وذكَرَ الطَّحاويُّ ﵀ وقالَ: النِّساءُ والرِّجالُ في قَطعِ الطَّريقِ سَواءٌ، وعلى قِياسِ قَولِه تعالَى يُقامُ الحَدُّ عليها وعلى الرجالِ.
وَجهُ ما ذكَرَه الطَّحاويُّ: أنَّ هذا حَدٌّ يَستوِي في وُجوبِه الذَّكرُ والأنثَى كسائِرِ الحُدودِ، ولأنَّ الحَدَّ إنْ كانَ هو القَطعُ فلا يَشترطُ في وُجوبِه الذُّكورةُ والأنوثَةُ كسائرِ الحُدودِ، فلا يُشترطُ في وُجوبِه الذُّكورةِ
стр. 13738
كحَدِّ السرقةِ، وإنْ كانَ هو القَتلُ فكذلكَ كحَدِّ الزِّنا وهوَ الرَّجمُ إذا كانَتْ مُحصَنةً.
وَجهُ الرِّوايةِ المَشهورةِ: أنَّ رُكنَ القَطعِ -وهو الخُروجُ على المارَّةِ على وَجهِ المُحارَبةِ والمُغالَبةِ- لا يَتحقَّقُ مِنْ النِّساءِ عادَةً؛ لرقَّةِ قُلوبِهنَّ وضَعفِ بِنيَتِهنَّ، فلا يَكُنَّ مِنْ أهلِ الحِرابِ، ولهذا لا يُقتلْنَ في دارِ الحَربِ، بخِلافِ السَّرقةِ؛ لأنها أخذُ المالِ على وَجهِ الاستِخفاءِ ومُسارَقةِ الأعيُنِ، والأنوثةُ لا تَمنعُ مِنْ ذلكَ، وكذا أسبابُ سائرِ الحُدودِ تَتحقَّقُ مِنْ النساءِ كما تَتحققُ مِنْ الرجالِ.
وأمَّا الرِّجالُ الذين معَها فلا يُقامُ عَليهِم الحدُّ في قَولِ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ -رحمهما الله-، سَواءٌ باشَرُوا معَها أو لم يُباشِروا.
وفرَّقَ أبو يُوسفَ بينَ الصبيِّ وبينَ المَرأةِ، حيثُ قالَ: إذا باشَرَ الصبيُّ لا حَدَّ على مَنْ لم يُباشِرْ مِنْ العُقلاءِ البالغِينَ، وإذا باشَرَتِ المَرأةُ تُحَدُّ كالرجالِ.
ووَجهُ الفَرقِ له: أنَّ امتِناعَ الوُجوبِ على المَرأةِ ليسَ لعَدمِ الأهليَّةِ؛ لأنها مِنْ أهلِ التكليفِ، ألَا تَرى أنه تَتعلَّقُ سائرُ الحُدودِ بفِعلِها، بل لعَدمِ المُحارَبةِ منها أو نُقصانِها عادَةً، وهذا لم يُوجَدْ في الرِّجالِ، فلا يَمتنعُ وُجوبُ الحَدِّ عليهِم، وامتِناعُ الوُجوبِ على الصبيِّ لعَدمِ أهليةِ الوُجوبِ؛ لأنه ليسَ مِنْ أهلِ الإيجابِ عليهِ، ولهذا لم يَجبْ عليه سائِرُ الحُدودِ، فإذا انتَفى الوُجوبُ عليهِ وهو أصلٌ امتَنعَ التَّبعُ ضَرورةً.
стр. 13739
وَجهُ قَولِهما: أنَّ سَببَ الوُجوبِ شَيءٌ واحِدٌ، وهو قَطعُ الطَّريقِ، وقد حصَلَ ممَّن يَجبُ عليهِ وممَّن لا يَجبُ عليهِ، فلا يَجبُ أصلًا كما إذا كانَ فيهِم صَبيٌّ أو مَجنونٌ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في قَولٍ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا تُشترطُ الذُّكورةُ في المُحارِبينَ وقُطَّاعِ الطريقِ، ولا فرْقَ بينَ الرِّجالِ والنساءِ، فإنْ كانَ فيهِم امرأةٌ ثبَتَ في حقِّها حُكمُ المُحارَبةِ، فمَتى قتَلَتْ وأخَذَتِ المالَ فحَدُّها حَدُّ قطَّاعِ الطريقِ؛ لأنها تُحَدُّ في السرقةِ، فيَلزمُها حُكمُ المُحارَبةِ كالرجلِ، ولأنها مُكلَّفةٌ يَلزمُها القِصاصُ وسائرُ الحُدودِ، فلَزمَها هذا الحَدُّ كالرجلِ.
إذا ثبَتَ هذا فإنها إنْ باشَرَتِ القَتلَ أو أخْذَ المالِ ثبَتَ حُكمُ المُحارَبةِ في حَقِّ مَنْ معَها؛ لأنهُم رِدءٌ لها، وإنْ فعَلَ ذلك غيرُها ثبَتَ حُكمُه في حقِّها؛ لأنها رِدءٌ له كالرَّجلِ سَواءٌ (٢).
الشَّرطُ الثالِثُ: الالتِزامُ بأحكامِ الإسلامِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُحارِبينَ، هل يُشتَرطُ أنْ يَكونُوا مُسلمينَ ولا تَصحُّ مِنْ أهلِ الذِّمةِ؟ أم تَصحُّ الحِرابةُ مِنْ كلِّ مَنْ التَزمَ أحكامَ الإسلامِ كأهلِ الذِّمةِ؟
стр. 13740
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يُشترطُ الإسلامُ في المُحارِبينَ، فتَصحُّ الحِرابةُ مِنْ المُسلمِ والذِّميِّ -والمَرتدِّ عندَ الشافِعيةِ-، فلا حَدَّ على الحَربيِّ ولا المُعاهدِ ولا المُستأمنِ (١).
وذهَبَ بعضُ الشافِعيةُ كالرافِعيُّ إلى أنَّ أهلَ الذِّمةِ لا يَكونونَ قُطَّاعًا (٢).
وفي قَولٍ للحَنابلةِ أنَّ عهْدَهُم يُنقضُ بمُحارَبتِهم.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ قطَعَ أهلُ الذِّمةِ الطريقَ أو كانَ مع المُحارِبينَ المُسلمينَ ذِميٌّ، فهل يَنتقضُ عَهدُهم بذلكَ؟ فيهِ رِوايتانِ: فإنْ قُلنا: «يَنتقضُ عَهدُهم» حلَّتْ دِماؤُهم وأموالُهم بكُلِّ حالٍ، وإنْ قُلنا: «لا يَنتقضُ عَهدُهم» حكَمْنا عليهِم بما نَحكمُ على المُسلمينَ (٣).
الشَّرطُ الرابعُ: حَملُ السِّلاحِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في اشتِراطِ السِّلاحِ في المُحارِبِ، هل يُشترطُ في المُحارِبينَ أنْ يكونَ معهُم سِلاحٌ؟ أم لا يُشترطُ ذلكَ وتَحصلُ الحِرابةُ منهُم ولو لم يَكنْ معهُم سِلاحٌ؟
стр. 13741
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ السلاحَ شَرطٌ، فإنْ لم يَكنْ معهُم سِلاحٌ فهُم غيرُ مُحارِبينَ؛ لأنهُم لا يَمنعونَ مَنْ يَقصدُهم، ومِن السلاحِ عندَهم العصَا والحَجرُ والخَشبُ ونحوُها، فإنْ خَرَجوا بدونِ ذلكَ فلا يُعتبروا مُحارِبينَ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ شَهرُ السلاحِ، بل الخارِجونَ بالعصَى والحِجارةِ قُطَّاعٌ، ويَكفي القَهرُ، فإذا خرَجَ بدُونِ سِلاحٍ بل خرَجَ مُتلصِّصًا لكنَّه أخَذَ مُكابَرةً يكونُ مُحارِبًا، وإذا كانَ له قُوةٌ يَغلبُ بها ولو باللَّكزِ والضَّربِ كانَ مُحارِبًا (٢).
الشَّرطُ الخامِسُ: البُعدُ عن العُمرانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ البُعدُ عن العُمرانِ في الحِرابةِ؟ أم تَصحُّ ولو كانَتْ داخِلَ العُمرانِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه يُشترطُ فيهِم البُعدُ عن العُمرانِ، بأنْ يَكونُوا في صَحراءِ دارِنا على مَسافةِ السَّفرِ فصاعِدًا دونَ القُرَى والأمصارِ، ولا ما بينَهُما عندَ الحَنفيةِ (٣).
стр. 13742
وهوَ ظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ مِنْ الحَنابلةِ أنه يُشترطُ أنْ يَكونَ ذلكَ في الصَّحراءِ، فإنْ كانَ ذلكَ منهُم في القُرَى والأمصارِ فغيرُ مُحارِبينَ؛ لأنَّ الواجِبَ يُسمَّى حَدَّ قُطَّاعِ الطَّريقِ، وقَطعُ الطريقِ إنما هو في الصَّحراءِ، ولأنَّ مَنْ في المِصرِ يَلحقُ به الغَوثُ غالبًا، فتَذهبُ شَوكةُ المُعتدِينَ ويَكونونَ مُختلِسينَ، والمُختلِسُ ليس بقَاطعٍ ولا حَدَّ عليهِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُشتَرطُ في المُحارِبينَ أنْ يَكونوا على وَجهٍ يَتعذَّرِ معه الغَوثُ، فلو أخَذَ المالَ على وَجهٍ لا يَتعذَّرُ معه الغَوثُ فإنه لا يَكونُ مُحارِبًا، بل هو غاصِبٌ، ولو كانَ سُلطانًا؛ لأنَّ العُلماءَ -وهُم أهلُ الحَلِّ والعَقدِ- يُنكِرونَ عليهِ ذلكَ ويَأخذونَ عليهِ، وجَبابرةُ أمَراءِ مِصرَ ونَحوُهم يَسلبونَ أموالَ المُسلمينَ ويَمنعونَهم أرزاقَهُم ويُغِيرونَ على بِلادِهم ولا تَتيسَّرُ استغاثةٌ منهُم بعُلماءَ ولا بغَيرِهم، وعلى هذا كُلُّ ما يُقصَدُ به أخذُ المالِ على وَجهٍ تَتعذَّرُ معه الاستِغاثةُ عادةً فهو مُحارِبٌ (٢).
ومَذهبُ الشافِعيةِ قَريبٌ مِنْ المالِكيةِ، فقالوا: يُشترطُ أنْ يَكونوا بَعيدًا عن حَدِّ الغَوثِ، وفَقدُ الغَوثِ يكونُ لبُعدِ السُّلطانِ وبُعدِ أعوانِه أو لضَعفِ السُّلطانِ؛ لتَمكُّنِهم مِنْ الاستيلاءِ والقَهرِ مُجاهَرةً.
والغَوثُ الاستِغاثةُ، وهو أنْ يَقولَ الرَّجلُ: «واغَوْثاهُ» فيُغيثونَه.
فلو خرَجَ جَماعةٌ في المِصرِ فحارَبُوا أو أغارَ عَسكرٌ على بَلدةٍ أو قَريةٍ أو
стр. 13743
خرَجَ أهلُ أحَدِ طَرفَي البلدِ على الطرَفِ الآخَرِ وكانَ لا يَلحقُ المَقصودينَ غَوثٌ لو استَغاثُوا فهُم قُطَّاعُ طَريقٍ، وإنْ كانَ يَلحقُهم غَوثٌ فهُم مُنتهِبونَ لَيسُوا قُطَّاعًا، وامتِناعُ لَحاقِ الغَوثِ لضَعفِ السُّلطانِ أو لبُعدِه وبُعدِ أعوانِه، وقد يَغلبُ أهلُ الفَسادِ في مثلِ هذهِ الحالةِ، فلا يُقاوِمُهم أهلُ العفَّةِ وتَتعذَّرُ عليهِم الاستِغاثةُ.
ولو دخَلَ جَماعةٌ بالليلِ دارًا وكابَرُوا ومَنَعوا أصحابَ الدارِ مِنْ الاستِغاثةِ مع قوَّةِ السُّلطانِ وحُضورهِ فالأصَحُّ أنهُم قُطَّاعٌ، وقيلَ: سُرَّاقٌ، وقيلَ: مُختلِسونَ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ -وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ- إلى أنه لا يُشترطُ أنْ يَكونوا في صَحراءَ، بل كلُّ مَنْ خرَجَ مِنْ قطَّاعِ الطريقِ ليأخُذَ المالَ -سَواءٌ كانَ في صَحراءَ أو بُينانٍ أو بَحرٍ -كما يَقولُ الحَنابلةُ- فإنه قاطِعُ طَريقٍ؛ لعُمومِ قَولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣]، ولم يُفرِّقْ بينَ أنْ يكونَ ذلكَ في الصَّحراءِ أو في المِصرِ؛ ولأنه إذا وجَبَتْ عليهِم هذه الحُدودُ إذا فَعَلوها في الصَّحراءِ -وهو مَوضعُ الخَوفِ- فلَأنْ يَجبَ عليهِم ذلكَ إذا
стр. 13744
فَعَلوا ذلكَ في المِصرِ -وهو مَوضعُ الأمنِ- أَولى؛ لأنَّ ذلكَ إذا وُجدَ في المِصرِ كانَ أعظَمَ خَوفًا وأكثَرَ ضَررًا، فكانَ بذلكَ أَولى (١).
والفَتوى على قولِ أبي يُوسفَ عندَ الحَنفيةِ أنه لو كانَ في المِصرِ لَيلًا بسِلاحٍ أو بدُونِه أو في النهارِ بسِلاحٍ فإنه يَجرِي عليهم حُكمُ قُطاعِ الطريقِ، أفتَى بذلكَ المَشايخُ دَفعًا لشَرِّ المُتغلِّبةِ المُفسِدينَ (٢).
الشَّرطُ السادِسُ: المجاهَرةُ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه يُشترطُ في قُطَّاعِ الطريقِ أنْ يَأتُوا مُجاهَرةً ويأخُذوا المالَ قَهرًا ومُكابَرةً، فأما إنْ أخَذُوه مُختَفينَ فهُم سُرَّاقٌ، وإنْ اختَطَفوهُ وهَرَبوا فهُم مُنتهِبونَ لا قطْعَ عليهِم، وحُكمُهم في القِصاصِ والضَّمانِ كغَيرِهم.
وكذلكَ إنْ خرَجَ الواحدُ والاثنانِ على آخِرِ قَافلةٍ فاستَلَبوا منها شَيئًا وهَرَبوا فلَيسُوا بمُحارِبينَ؛ لأنهُم لا يَرجعونَ إلى مَنعةٍ وقُوةٍ، وإنْ خَرَجوا على عَددٍ يَسيرٍ فقَهَروهُم فهُم قطَّاعُ طَريقٍ؛ لاعتِمادِهم على الشَّوكةِ بالنسبةِ إليهِم (٣).
стр. 13745
هل يُشترطُ عَددٌ مُعيَّنٌ في الحِرابةِ؟ أم تَحصلُ الحِرابةُ ولو مِنْ واحدٍ؟
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ على أنه لا يُشترطُ العَددُ، بل الواحِدُ إذا كانَ له فَضلُ قُوةٍ يَغلبُ بها الجَماعةَ وتَعرَّضَ للنُّفوسِ والأموالِ مُجاهَرةً فهو قاطِعُ طَريقٍ (١).
حُكمُ الرِّدءِ:
اختَلفَ الفُقهاءِ في الرِّدءِ المُعِينِ لقُطَّاعِ الطريقِ الذي لم يُباشِرِ القَتلَ ولا أخْذَ المالِ، هل يَأخذُ حُكمَهم أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الرِّدءَ حُكمُه حُكمُ المُباشِرِ؛ لأنَّ قطْعَ الطَّريقِ يَحصلُ بالكلِّ؛ لأنَّ هذا مِنْ عادَةِ القُطاعِ، أي: المُباشَرةُ مِنْ البَعضِ والإعانةُ مِنْ البَعضِ بالتَّسميرِ للدَّفعِ، فلو لم يُلحَقِ التسبُّبُ بالمُباشَرةِ في سَببِ وُجوبِ الحَدِّ لَأدَّى ذلكَ إلى فَتحِ بابِ قَطعِ الطَّريقِ وانسِدادِ حُكمِه وإنه قَبيحٌ …
ولأنه حُكمٌ يَتعلَّقُ بالمُحارَبةِ، فوجَبَ أنْ يَستويَ فيه الرِّدءُ والمُباشِرُ، كالغَنيمةِ التي يَشتركُ في استِحقاقِها المُقاتِلُ والحاضِرُ؛ لأنها تَرغيبٌ، كذلكَ الحُدودُ في المُحارَبةِ؛ لأنها تَرهيبٌ، ولأنَّ المُباشِرَ لم يَقدرْ على الأخذِ إلا
стр. 13746
بدَفعِ الرِّدءِ المُكثرِ، فصارَ الأخذُ مُضافًا إليهِ، فوجَبَ أنْ يُقامَ الحَدُّ عليهِما.
وهذا لأنَّ الرِّدءَ مُحارِبٌ مُفسِدٌ، ووُقوفُه ليَتمكَّنَ المُباشِرُ مِنْ الأخذِ وليَقتلَ هو إنْ أمكَنَه ويَدفعَ عن المُباشِرِ العَوائقَ ويَنضمَّ المُباشِرُ إليهِ إنْ تَعذَّرَ، وهذا هو المُعتادُ بينَهُم، ولو اشتَغلَ الكُلُّ بالمُباشَرةِ لَمَا تَهيَّأَ لهم غَرضُهم، فيكونُ الكلُّ مُحارِبينَ مُفسِدينَ، فيَدخلونَ تحتَ قولِه تعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣]، وأيُّ مُحارَبةٍ وأيُّ فَسادٍ يكونُ أشَدَّ منهُ، ولهذا جازَ قَتلُ رِدءِ أهلِ البَغيِ، ولولا أنه مُحارِبٌ لَمَا جازَ، فإذا ثبَتَ أنه مُحارِبٌ أُجرِيَ عليه أحكامُه (١).
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وحُكمُ الرِّدءِ في جَميعِ أحكامِ الإسلامِ حُكمُ المُقاتِلِ، وكذلكَ في رَدِّ اللصوصِ والمُحارِبينَ عندَ مالكٍ وأكثَرِ الكُوفيِّينَ، يُقتَلُ بقَتلِهم ويَجبُ عليه ما يَجبُ عليهم وإنْ كانوا لم يَحضُروا الفعلَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ ﵀: اتَّفقَ أكثَرُ العُلماءِ على أنَّ الرِّدءَ يُحكَمُ فيه بحُكمِ المُقاتِلِ (٣).
وقالَ أيضًا: إذا خرَجَ المُحارِبونَ فاقتَتَلوا مع القافِلةِ فقتَلَ بعضُ المُحارِبينَ ولم يَقتلْ بَعضٌ قُتلَ الجَميعُ.
وقالَ الشافِعيُّ: لا يُقتلُ إلا مَنْ قتَلَ، وهذا مَبنيٌّ على تَخييرِ الإمامِ وتَفصيلِ الأحكامِ وقد تَقدَّمَ.
стр. 13747
ويَعضُدُ هذا أنَّ مَنْ حضَرَ الوقعةَ شُركاءُ في الغَنيمةِ وإنْ لم يَقتلْ جَميعُهم، وقد اتَّفقَ معَنا على قَتلِ الرِّدءِ وهو الطالعُ، فالمُحارِبُ أَولى (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وحُكمُ الرِّدءِ مِنْ القُطَّاعِ حُكمُ المُباشِرِ، بهذا قالَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ، وقالَ الشافِعيُّ: ليسَ على الرِّدءِ إلا التَّعزيرُ؛ لأنَّ الحَدَّ يَجبُ بارتِكابِ المَعصيةِ، فلا يَتعلَّقُ بالمُعِينِ كسائرِ الحُدودِ.
ولنَا: إنه حُكمٌ يَتعلَّقُ بالمُحارَبةِ، فاستَوى فيه الرِّدءُ والمُباشِرُ كاستحقاقِ الغَنيمةِ؛ وذلكَ لأنَّ المُحاربةَ مَبنيةٌ على حَصولِ المنَعةِ والمُعاضَدةِ والمُناصَرةِ، فلا يَتمكنُ المُباشِرِ مِنْ فعلِه إلا بقُوةِ الرِّدءِ، بخِلافِ سائرِ الحُدودِ، فعَلى هذا إذا قتَلَ واحدٌ منهُم ثبَتَ حُكمُ القَتلِ في حَقِّ جَميعِهم، فيَجبُ قَتلُ جَميعِهم، وإنْ قتَلَ بعضُهم وأخَذَ بعضُهم المالَ جازَ قَتلُهم وصَلبُهم، كما لو فعَلَ الأمرَينِ كلُّ واحدٍ منهم (٢).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وكذلكَ في العُقوبةِ يُقتلُ الرِّدءُ والمُباشِرُ مِنْ المُحارِبينَ عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ، كما قتَلَ عُمرُ ﵁ رَبيئةَ المُحارِبينَ، وهو قولُ مالكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمدَ، وهو مَذهبُ مالكٍ في القَتلٍ قَوَدًا وفي السُّراقِ أيضًا (٣).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ مَنْ حضَرَ منهُم وكَثَّرَ أو هِيبَ أو كانَ رِدءًا عُزِّرَ وحُبسَ؛ لأنَّ حُدودَ اللهِ تعالَى على مَنْ باشَرَها دُونَ الرِّدءِ المُعاونِ عليها
стр. 13748
بتَكثيرٍ أو تَهييبٍ أو نُصرةٍ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مُسلمٍ يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأني رَسولُ اللهِ إلا بإحدَى ثَلاثٍ: الثَّيبُ الزَّاني، والنَّفسُ بالنفسِ، والتارِكُ لدِينِه المُفارِقُ للجَماعةِ» (١)، فدَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ الرِّدءَ لا يَحلُّ قتلُه؛ لأنه لم يُوجَدْ منه إحدَى هذهِ الخِصالِ الثلاثِ.
ومِن القِياسِ: أنه حَدٌّ يَجبُ بارتِكابِ مَعصيةٍ، فوجَبَ أنْ لا يَجبَ على المُعِينِ عليها كحَدِّ الزنا والقَذفِ والسَّرقةِ، ولأنَّ السببَ والمُباشَرةَ إذا اجتَمعَا وتَعلقَ الضَّمانُ بالمُباشَرةِ سقَطَ حُكمُ السببِ، كالمُمسِكِ والذابحِ، وحافِرِ البئرِ والدافعِ، يَجبُ الضمانُ على الذابحِ دونَ المُمسِكِ، وعلى الدافعِ في البئرِ دونَ الحافرِ، كذلكَ اجتِماعُ الرِّدءِ والمُباشِرِ في الحِرابةِ.
فإذا ثبَتَ أنْ لا حَدَّ على الرِّدءِ المُكثرِ والمُهيبِ فاختُلفَ فيما يُعاقَبُ على وَجهينِ:
أصَحُّهما: يُعزِّرُه الإمامُ باجتِهادِه بالحَبسِ أو التَّغريبِ أو سائرِ وُجوهِ التأديبِ كسائرِ المَعاصي.
والثاني: يُغرِّبُه بنَفيِه إلى حَيثُ يَرى، ولْيَختَرْ جهةً يَحُفُّ بها أهلُ النَّجدةِ مِنْ أصحابِ الإمامِ، وإذا عيَّنَ صَوبًا منَعَه العُدولَ إلى غيرِه، وعلى هذا هل يُعزَّرُ في البلدِ المَنفيِّ إليه بضَربٍ وحَبسٍ وغيرِهما؟ أم يَكفي النفيُ؟ وَجهانِ: أصَحُّهما: أنه إلى رأيِ الإمامِ وما اقتَضتْه المَصلحةُ (٢).
стр. 13749
عُقوبةُ المحارِبينَ:
اتَّفقَ فُقهاءُ الإسلامِ على أنَّ عُقوبةَ الحِرابةِ وقَطعِ الطريقِ حَدٌّ مِنْ حُدودِ اللهِ، لا يَجوزُ للحاكمِ أنْ يُسقطَها ولا أنْ يَعفوَ عنها، إلا إذا تَابوا قبلَ القُدرةِ عليهِم، والأصلُ في هذا قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣، ٣٤].
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا هل هذا الحُكمُ فيهِم على التَّخييرِ في أنْ يَفعلَ الإمامُ منها ما رَآهُ صَلاحًا؟ أم على التَّنويعِ والتَّرتيبِ، فتَكونُ كلُّ عُقوبةٍ منها في مُقابَلةِ ذَنبٍ لا يَتعدَّاهُ إلى غيرِه؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ هذهِ الآيةِ على التَّنويعِ وليسَتْ على التَّخييرِ، وحالُهم لا يَخلو مِنْ أربَعةِ أنواعٍ:
النَّوعُ الأولُ: مَنْ قتَلَ منهُم وأخَذَ المالَ: فهذا حُكمُه أنه يُقتلُ ولو عَفَى وليُّ المَقتولِ عن القتلِ؛ لأنه حَقُّ اللهِ تعالَى، فلا يَسقطُ بعَفوِ الوليِّ، ويُصلَبُ حتى يَشتهرَ بهِ؛ لأنَّ المَقصودَ منه زَجرُ غيرِه، ولا يَحصلُ إلا بهِ، ثم يُنزَلُ ويُدفعُ إلى أهلِه.
стр. 13750
النَّوعُ الثاني: أنْ يَقتلَ ولا يأخُذَ مالًا: وهذا حُكمُه أنه يُقتلُ ولا يَصلبُ، ولا يُلتفتُ إلى عَفوِ أولياءِ القتيلِ؛ لأنَّ ذلكَ حَقُّ اللهِ تعالى، وحُدودُ اللهِ لا يَجوزُ العفوُ عنها.
النَّوعُ الثالثُ: أنْ يَأخذَ المالَ -وهو مِقدارُ النِّصابِ- ولا يَقتلَ: فحُكمُه أنه تُقطعُ يَدُه اليُمنى ورِجلُه اليُسرَى، فإنْ لم يَبلغْ ما أخَذَه نِصابًا -على الخِلافِ المُتقدمِ في السرقةِ- فلا يَتعلقُ به حُكمُ قاطعِ الطَّريقِ.
النَّوعُ الرابعُ: مَنْ أخافَ الطَّريقَ ولم يَقتلْ ولم يَأخذْ مالًا: فحُكمُه عندَ الحَنفيةِ أنه يُنفَى ويَحبسُه الإمامُ حتى يُحدِثَ تَوبةً، ويُعزَّرُ أيضًا؛ لمُباشَرتِه مُنكَرًا.
وقالَ الشافِعيةُ: عَزَّرَه الإمامُ بحَبسٍ أو غيرِه؛ لارتِكابِه مَعصيةً، وهي الحِرابةُ، لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ، وهذا تَفسيرُ النفيِ في الآيةِ الكَريمةِ، وللإمامِ تَركُه إنْ رَأى في ذلكَ مَصلحةً، ولا يُقدَّرُ الحَبسُ بمُدةٍ، بل يُستدامُ حتى تَظهرَ تَوبتُه، وقيلَ: سِتةُ أشهُرٍ، وقيلَ: سَنةٌ.
وقالَ الحَنابلةُ: يَنفَوا مِنْ الأرضِ، فلا يُتركونَ يَأوُونَ إلى بَلدٍ حتى تَظهرَ تَوبتُهم، وقيلَ: التَّعزيرُ فيه بما يَردعُهم، وقيلَ: الحَبسُ في غيرِ بَلدِهم.
والدليلُ على أنها وجَبَتْ على التَّرتيبِ والتَّنويعِ على حَسبِ العُقوبةِ ما يَلي:
١ - ما رَواهُ الشافِعيُّ قالَ: أخبَرَنا إبراهيمُ عن صالِحٍ مَولى التَّوأمةِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ في قُطَّاعِ الطريقِ: «إذا قَتَلوا وأخَذُوا المالَ قُتِلوا وصُلِبوا، وإذا
стр. 13751
قَتَلوا ولم يَأخُذوا المالَ قُتِلوا ولم يُصلَبوا، وإذا أخَذُوا المالَ ولم يَقتلُوا قُطِعتْ أيدِيهم وأرجُلُهم مِنْ خِلافٍ، وإذا هَرَبوا طُلِبوا حتى يُوجَدوا فتُقامَ عليهِم الحُدودُ، وإذا أخَافُوا السبيلَ ولم يَأخُذوا مالًا نُفُوا مِنْ الأرضِ» (١)، فإما أنْ يكونَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ قالَه تَوقيفًا أو لُغةً، وأيَّهما كانَ فهو حُجةٌ.
٢ - ورُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنه قالَ: «وادَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ أبا برزةَ الأسلَميَّ، فجاءَ ناسٌ يُريدونَ الإسلامَ، فقطَعَ عليهِم أصحابُه، فنزَلَ جِبريلُ ﵇ بالحَدِّ فيهِم: أنَّ مَنْ قتَلَ وأخَذَ المالَ قُتلَ وصُلبَ، ومَن قتَلَ ولم يأخُذِ المالَ قُتلَ، ومَن أخَذَ المالَ ولم يَقتلْ قُطِعتْ يَدُه ورِجلُه مِنْ خِلافٍ» (٢)، وعُلِمَ منه أنَّ «أَوْ» في الآيةِ ليسَتْ للتَّخييرِ ولا للشكِّ، بل للتَّنويعِ.
٣ - قَذذولُ النبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مُسلمٍ يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأني رَسولُ اللهِ إلا بإحدَى ثَلاثٍ: الثَّيبُ الزَّاني، والنَّفسُ بالنفسِ، والتارِكُ لدِينِه المُفارِقُ للجَماعةِ» (٣)، فنَفَى ﷺ قتْلَ مَنْ خرَجَ عن هَذهِ الوُجوهِ الثَّلاثةِ، ولم يُخصِّصْ فيه قاطِعَ الطريقِ، فانتفَى بذلكَ قتلُ مَنْ لم يَقتلْ مِنْ قُطَّاعِ الطريقِ، وإذا انتفَى قتلُ مَنْ لم يَقطعْ وجَبَ قَطعُ يَدِه ورِجلِه إذا أخَذَ المالَ.
стр. 13752
ويَدلُّ على أنَّ في الآيةِ ضَميرًا ولا تَخييرَ فيها اتِّفاقُ الجَميعِ على أنهم لو أخَذُوا المالَ ولم يَقتلُوا لم يَجُزْ للإمامِ أنْ يَنفيَه ويَتركَ قطْعَ يَدِه ورِجلِه، وكذلكَ لو قَتلُوا وأخَذُوا المالَ لم يَجُزْ للإمامِ أنْ يُعفيَه مِنْ القَتلِ أو الصَّلبِ، ولو كانَ الأمرُ على ما قالَ القائِلونَ بالتَّخييرِ لَكانَ التَّخييرُ ثابتًا فيما إذا أخَذُوا المالَ وقَتَلوا أو أخَذُوا المالَ ولم يَقتلُوا، فلمَّا كانَ ذلك على ما وصَفْنا ثبَتَ أنَّ في الآيةِ ضَميرًا، وهو أنْ يُقتَلوا إنْ قَتَلوا، أو يُصلَبُوا إنْ قَتَلوا وأخَذُوا المالَ، أو تُقطَّعَ أيدِيهِم وأرجُلُهم مِنْ خِلافٍ إنْ أخَذُوا المالَ ولم يَقتُلوا، أو يُنفَوا مِنْ الأرضِ إنْ خَرَجوا ولم يَفعَلوا شَيئًا مِنْ ذلكَ حتى ظفرَ بهِم.
٤ - ولأنَّ اختِلافَ العُقوباتِ يُوجِبُ اختِلافَ أسبابِها.
٥ - ولأنَّ التخييرَ مُفْضٍ إلى أنْ يُعاقَبَ مَنْ قَلَّ جُرمُه بأغلَظِ العُقوباتِ، ومَن كَثُرَ جُرمُه بأخَفِّ العُقوباتِ، والترتيبُ يَمنعُ مِنْ هذا التناقُضِ؛ لأنه يُعاقبُ في أقَلِّ الجُرمِ بأخَفِّ العُقوباتِ، وفي كَثرةِ الجُرمِ بأغلَظِها، فكانَ أَولى؛ لأنَّ الجَزاءَ على قَدرِ الجِنايةِ يَزدادُ بزِيادةِ الجِنايةِ ويَنتقصُ بنُقصانِها، هذا هو مُقتضَى العَقلِ والسَّمعِ أيضًا، قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فالتخييرُ في الجِنايةِ القاصِرةِ بالجَزاءِ في الجَزاءِ الذي هو جَزاءٌ في الجِنايةِ الكامِلةِ، وفي الجِنايةِ الكَاملةِ بالجَزاءِ الذي هو جَزاءٌ في الجِنايةِ القاصِرةِ خِلافُ المَشروعِ.
يُحقِّقُه أنَّ الأمَّةَ اجتَمعَتْ على أنَّ القُطَّاعَ لو أخَذوا المالَ وقَتَلوا لا يُجازَونَ بالنفيِ وحْدَه وإنْ كانَ ظاهرُ الآيةِ يَقتضي التَّخييرَ بينَ الأجزِيةِ
стр. 13753
الأربَعِ، دَلَّ أنه لا يُمكِنُ العَملُ بظاهرِ التخييرِ، على أنَّ التخييرَ الوارِدَ في الأحكامِ المُختلِفةِ مِنْ حُيثِ الصورةُ بحَرفِ التخييرِ إنما يَجرِي على ظاهرِه إذا كانَ سَببُ الوُجوبِ واحِدًا، كما في كفَّارةِ اليَمينِ وكفَّارةِ جَزاءِ الصَّيدِ.
أما إذا كانَ مُختلِفًا فيُخرَّجُ مَخرجَ بَيانِ الحُكمِ لكلٍّ في نفسِه، كما في قولِه تعالَى: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾ [الكهف: ٨٦] إنَّ ذلكَ ليس للتخييرِ بينَ المُذكورَينَ، بل لبَيانِ الحُكمِ لكلٍّ في نفسِه؛ لاختِلافِ سَببِ الوُجوبِ، وتأويلُه: إمَّا أنْ تُعذِّبَ مَنْ ظلَمَ أو تَتخذَّ الحُسنَ فيمَن آمَنَ وعَمِلَ صالحًا، ألَا تَرَى إلى قولِه: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ [الكهف: ٨٧] الآيَة، ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف: ٨٨] الآيَة، وقَطعُ الطَّريقِ مُتنوِّعٌ في نَفسِه وإنْ كانَ مُتحِدًا مِنْ حيثُ الذاتُ، قد يَكونُ بأخذِ المالِ وحْدَه، وقد يَكونُ بالقتلِ لا غيرَ، وقد يكونُ بالجَمعِ بينَ الأمرَينِ، وقد يكونُ بالتَّخويفِ لا غيرَ، فكانَ سَببُ الوُجوبِ مُختلِفًا، فلا يُحملُ على التَّخييرِ، بل على بَيانِ الحُكمِ لكلِّ نَوعٍ، أو يُحتمَلُ هذا ويُحتمَلُ التَّخييرُ، فلا يكونُ حُجةً مع الاحتِمالِ، وإذا لم يُمكِنْ صُرفَتِ الآيةُ الشَّريفةُ إلى ظاهرِ التخييرِ في مُطلَقِ المُحارِبِ، فتُحملُ على الترتيبِ ويُضمَرُ في كلِّ حُكمٍ مَذكورٍ نَوعٌ مِنْ أنواعِ قَطعِ الطريقِ، كأنه قالَ : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] إنْ أخَذوا المالَ وقَتَلوا، ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] إنْ أخَذوا المالَ لا غيرَ، ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] إنْ أخافُوا، هكذا ذكَرَ سَيدُنا جِبريلُ
стр. 13754
﵊ لرَسولِ اللهِ ﷺ لمَّا قطَعَ أبو بُردةَ ﵁ بأصحابِه الطَّريقَ على أناسِ جاؤُوا يُريدونَ الإسلامَ أنَّ مَنْ قتَلَ قُتلَ، ومَن أخَذَ المالَ ولم يَقتلْ قُطِعتْ يَدُه ورِجلُه مِنْ خِلافٍ، ومَن قتَلَ وأخَذَ المالَ صُلبَ، ومَن جاءَ مُسلمًا هدَمَ الإسلامُ ما كانَ قبلَه مِنْ الشِّركِ»، وإلى هذا التأويلِ يَذهبُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ ﵄ (١).
ومَذهبُ الإمامِ أبي حَنيفةَ كمَذهبِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ والشافِعيةِ والحَنابلةِ إلا في نَوعٍ واحدٍ، وهو: مَنْ قتَلَ منهُم وأخَذَ المالَ فهذا حُكمُه عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ أنَّ الإمامَ بالخِيارِ بينَ ثلاثةِ أشياءَ:
الأولُ: إنْ شاءَ قَطعَ أيدِيَهم وأرجُلَهم مِنْ خِلافِ جَزاءً على أخذِ المالِ، وبعدَ ذلكَ قتَلَهم وصلَبَهم جَزاءً على القتلِ.
والثاني: وإنْ شاءَ قتَلَهم فقط.
стр. 13755
والثالث: وإنْ شاءَ صَلبَهم فقطْ؛ لِما في كُلٍّ منهِمُا مِنْ الإهلاكِ، وفيهِ كِفايةٌ في الزَّجرِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ قولَ اللهِ تعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣] على التَّخييرِ بينَ القَتلِ والصَّلبِ والقَطعِ والنَّفيِ؛ لأنَّ «أَوْ» تَدخلُ في الكَلامِ للتخييرِ في الأوامرِ، والشَّكِ في الأخبارِ، وهذا أمرٌ، فكانَتْ للتخييرِ كهيَ في كفَّارةِ اليَمينِ.
فيُخيَّرُ الإمامُ بينَ هذهِ الأمورِ، ويَستشيرُ بذلكَ أهلَ العِلمِ والرأيِ والفَضلِ على قَدرِ جُرمِ المُحارِبِ وإفسادِه، وليسَ ذلكَ إلى سِوى الإمامِ.
إلا أنْ يكونَ المُحارِبُ قد قتَلَ فيَتحتَّمُ قتلُه، سَواءٌ كانَ المَقتولُ مُكافِئًا كمُسلمٍ حُرٍّ، بل ولو كافِرًا ورَقيقًا قتَلَه مُسلمٌ حُرٌّ أو أعانَ على قَتلِه ولو بجاهِه، فيُقتلُ للحِرابةِ بلا صَلبٍ أو مع صَلبٍ، ولا يَجوزُ قَطعُه ولا نَفيُه، وليسَ لوَليِّ الدَّمِ عَفوٌ عنه قبلَ مَجيئِه تائبًا، فإنْ جاءَ تائبًا فللوليِّ العَفوُ؛ لأنَّ قتْلَه حِينئذٍ قِصاصٌ لا يَسقطُ بمَجيئِه تائبًا، بل بعَفوِ الوليِّ عنه.
وإنْ قُدِرَ عليه ولم يَكنْ قد قتَلَ أحَدًا فيُخيَّرُ الإمامُ في أمورٍ أربَعةٍ، ويُندَبُ له العَملُ بالمَصلحةِ:
стр. 13756
١ - فللإمامِ قَتلُه بدونِ صَلبٍ.
٢ - وله قَتلُه وهو مَصلوبٌ.
٣ - وله قَطعُ يَمينِه مِنْ الكُوعِ ورِجلِه اليُسرَى مِنْ مَفصِلِ الكَعبِ.
٤ - وله نَفيُ الذَّكرِ الحُرِّ كما يُنفى في الزنا، ويُحبَسُ للأقصى مِنْ السَّنةِ وظُهورِ التوبةِ، وضُربَ قبلَ النَّفيِ اجتِهادًا بحَسبِ ما يَراهُ الحاكمُ.
وهذه الحُدودُ الأربعُ يُخيَّرُ فيها الإمامُ، والتخييرُ بينَ الأربعِ في حقِّ المحارِبِ الذَّكرِ، أمَّا المَرأةُ فلا تُصلَبُ ولا تُنفى؛ إنما حَدُّها القَتلُ أو القَطعُ مِنْ خِلافٍ.
إلا أنه يُندَبُ للإمامِ أنْ يَنظرَ في حالِ المُحارِبِ الذي لم يَصدرْ منه قَتلٌ، فمَن كانَ له تَدبيرٌ في الحُروبِ وفي الخَلاصِ منها تَعيَّنَ له القَتلُ لا القَطعُ مِنْ خِلافٍ؛ لأنه لا يُدفعُ ضَررُه.
وإنْ كانَ المُحارِبُ مِنْ أهلِ البَطشِ والشجاعةِ فيَتعيَّنُ قَطعُه مِنْ خِلافٍ.
فإنْ لم يَكنْ عندَه تَدبيرٌ ولا بَطشٌ بل اتَّصفَ بغَيرِهما أو وقَعَتْ منه الحِرابةُ فَلْتةً مُخالِفةً لظاهرِ حالِه ومُوافِقةً لغيرِه تعيَّنَ له الضَّربُ والنفيُ، أي: يَضربُه ويَنفيهِ.
ثمَّ إنَّ الإمامَ هو الذي يُعيِّنُ ما يفعلُ بالمُحاربِ مِنْ العُقوباتِ الأربعِ المَذكورةِ، لا لمَن قُطِعتْ يَدُه ونحوُها، فلا تَعيينَ له في ذلكَ؛ إذ لا حَقَّ له في ذلك؛ لأنَّ ما يَفعلُه الإمامُ بالمحارِبِ ليس عن شيءٍ مُعيَّنٍ، وإنما هو عن جَميعِ ما يَفعلُه في حِرابتِه مِنْ إخافةٍ وأخذِ مالٍ وجرحٍ (١).
стр. 13757
جَوازُ مُقاتَلةِ قُطَّاعِ الطَّريقِ وإهدارُ دَمِهم:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَوازِ قِتالِ قُطَّاعِ الطريقِ، وعلى أنَّ الإنسانَ إذا لم يَستطعِ الدفعَ عن نَفسِه إلا بقَتلِهم جازَ له قَتلُهم، ودَمُهم هَدرٌ لا قَوَدَ فيه ولا ديَةَ؛ لِما رُويَ عن أبي هُرَيرةَ ﵁ قالَ: «جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ إنْ جاءَ رَجلٌ يُريدُ أخْذَ مالي؟ قالَ: فلا تُعطِه مالَكَ، قالَ: أرَأيتَ إنْ قاتَلَني؟ قالَ: قاتِلْهُ، قالَ: أرَأيتَ إنْ قتَلَني؟ قالَ: فأنتَ شَهيدٌ، قالَ: أرَأيتَ إنْ قَتلتُه؟ قالَ: هوَ في النارِ» (١).
قالَ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: لا نَعلمُ خِلافًا أنَّ رَجلًا لو شهَرَ سيفَه على رَجلٍ ليَقتلَه بغيرِ حَقٍّ أنَّ على المُسلمينَ قَتلُه، فكذلكَ جائزٌ للمَقصودِ بالقتلِ قتلُه (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: أجمَعَ المُسلمونَ على جَوازِ مُقاتَلةِ قُطَّاعِ الطريقِ، وقد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «مَنْ قُتلَ دونَ مالِه فهو شَهيدٌ»، فالقُطَّاعُ إذا طَلَبوا مالَ المَعصومِ لم يَجبْ عليه أنْ يُعطيَهم شيئًا باتِّفاقِ الأئمَّةِ، بل يَدفعُهم بالأسهَلِ فالأسهلِ، فإنْ لم يَندفِعوا إلا بالقِتالِ فله أنْ يُقاتلَهم، فإنْ قُتلَ كانَ شَهيدًا، وإنْ قتَلَ واحدًا منهُم على
стр. 13758
هذا الوجهِ كانَ دَمُه هَدرًا، وكذلكَ إذا طَلَبوا دَمَه كانَ له أنْ يَدفعَهم ولو بالقَتلِ إجماعًا، لكنَّ الدفعَ عن المالِ لا يَجبُ، بل يَجوزُ له أنْ يُعطيَهم المالَ ولا يُقاتلَهم، وأما الدفعُ عن النَّفسِ ففِي وُجوبِه قَولانِ هُما رِوايتانِ عن أحمَدَ (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: الإجماعُ بأنَّ مَنْ شهَرَ على آخَرَ سِلاحًا ليَقتلَه فدفَعَ عن نَفسِه فقتَلَ الشاهِرَ أنه لا شيءَ عليهِ (٢).
ثُبوتُ حَدِّ الحِرابةِ:
يَثبتُ حَدُّ الحِرابةِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ بشَهادةِ عَدلينِ، وزادَ المالِكيةُ أنَّ المُحارِبَ إذا كانَ مَشهورًا وكانَ حالُه في الحِرابةِ مُستفيضًا فشَهدَ عليه رَجلانِ يَعرفانِه بعَينِه وقالَا: «إنَّ هذا هو فُلانٌ المَشهورُ بالحِرابةِ» تَثبتُ الحِرابةُ بشَهادتِهما، أو أقامَ الإمامُ عليه الحَدَّ بهذه الشهادةِ وقتَلَه وإنْ لم يَشهدَا عليه بمُعايَنةِ القتلِ والسلبِ وقَطعِ الطَّريقِ (٣).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما لو شَهدَ شاهِدانِ مِنْ الرِّفقةِ أنَّ هَؤلاءِ عَرَضوا لنا فنَالُونا وأخَذُوا مَتاعَنا، هل تَجوزُ شَهادتُهما أم لا؟
стр. 13759
فقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: لا تجوزُ شَهادتُهما؛ لأنهُما خَصمانِ ويَسعَهما أنْ يَشهدَا «أنَّ هؤلاءِ عَرَضوا لهَؤلاءِ ففَعَلوا بهِم كذا وكذا وأخَذوا منهُم كذا وكذا ونَحنُ نَنظرُ»، وليسَ للإمامِ أنْ يكشفَهُما عن غيرِ ذلكَ.
قالَ الماوَرديُّ ﵀: إذا أخبَرَ جَماعةٌ ادَّعَوا على قَومٍ أحضَروهُم أنهُم قَطَعوا عليهِم الطريقَ وأخَذُوا منهُم أموالًا وقَتَلوا منهِم رِجالًا؛ فإنِ اعتَرَفوا لهم طَوعًا بما ادَّعَوا أُخِذوا بإقرارِهم في النُّفوسِ والأموالِ، وإنْ أنكَروهُم أحلَفُوهم إنْ عَدِموا البيِّنةَ عليهِم، وإنِ اعتَرفَ بعضُهم وأنكَرَ بعضُهم حُدَّ المُعتَرِفُ منهم بإقرارِه وأُحلِفَ المُنكِرُ، ولم تُسمعْ شَهادةُ المعتَرِفِ على المُنكِرِ؛ لفِسقِه بقَطعِ الطريقِ، فإنْ شَهدَ للمُدَّعينَ شاهِدانِ فقالوا: «نَشهدُ أنَّ هؤلاءِ قَطَعوا علينا الطريقَ وأخَذوا أموالَنا وقَتَلوا منَّا نُفوسًا» لم تُقبلْ شَهادتُهم؛ لأمرَينِ:
أحَدُهما: لأنهما قد صارَا خصمَينِ مِنْ جُملةِ المُدَّعينَ لم يَتميَّزوا عنهُم في الشهادةِ لهُم ولأنفسِهِم، وشَهادةُ الإنسانِ لنَفسِه دَعوى تُرَدُّ ولا تُقبلُ منهُما في حَقِّهما ولا في حَقِّ غيرِهما.
والثاني: أنهُما قد صارَا بهذا القَولِ عَدوَّينِ للمَشهودِ عليهِم، وشَهادةُ العدوِّ على عدوِّه مَردودةٌ.
ولو ابتَدأَ الشاهِدانِ على قطَّاعِ الطَّريقِ فقالَا: «نَشهدُ أنَّ هؤلاءِ قَطَعوا على هؤلاءِ الطريقَ وأخَذوا مِنْ الأموالِ كذا وقَتلُوا مِنْ النفوسِ كَذا» قُبِلتْ شَهادتُهما؛ لأنهُما قد يكونانِ بمَعزلٍ على المُدَّعينَ فيُشاهِدوا قطْعَ الطريقِ،
стр. 13760
ولا يَسألُهم الحاكِمُ هل كانَا معُهم أم لا؟ وقالَ بعضُ العِراقيينَ: (لا يَحكمُ بشاهَدتِهما حتى يَسألَهما هل كانا مع القَومِ أم لا؟ فإنْ قالا: «لا» حكَمَ لها، وإنْ قالا: «نعمْ» لم يَحكمْ؛ لأنَّ ما احتَملَ القَبولَ والرَّدَ لم يُحكمْ به مع الاحتمالِ)، وهذا ليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّ ظاهرَ العَدالةِ تَصرِفُ الشهادةَ إلى الصِّحةِ دونَ الفَسادِ، كما أنَّ الظاهرَ صِدقُهما وإنْ جازَ كَذبُهما، فلمْ يَجُزْ أنْ يُجعلَ الاحتمالُ طريقًا إلى رَدِّها إذا أوجَبَ الظاهرُ قَبولَهما (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا شَهدَ عَدلانِ على رَجلٍ أنه قطَعَ عليهِما الطريقَ وعلى فُلانٍ وأخَذَ مَتاعُهم لم تُقبلْ شَهادتُهما؛ لأنهُما صارَا خَصمَينِ له بقَطعِه عليهِما، وإنْ قالا: «نَشهدُ أنَّ هذا قطَعَ الطريقَ على فُلانٍ وأخَذَ مَتاعَه» قُبِلتْ شَهادتُهما ولم يَسألْهما الحاكِمُ: هل قطَعَ عليكُما معَه أم لا؟؛ لأنه لا يَسألُهما ما لم يَدَّعِ عليهِما.
وإنْ عادَ المَشهودُ له فشَهدَ عليه أنه قطَعَ عليهِما الطريقَ وأخَذَ مَتاعَهما لم تُقبلْ شَهادتُه؛ لأنه صارَ عَدوًّا له بقَطعِه الطَّريقَ عليهِ، وإنْ شَهدَ شاهِدانِ «أنَّ هؤلاءِ عَرَضوا لنا في الطريقِ وقَطَعوها على فُلانٍ» قُبِلتْ شَهادتُهما؛ لأنه لم يَثبتْ كَونُهما خَصمينَ بما ذَكَراهُ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه إذا شَهدَ رَجلانِ مِنْ الرِّفقةِ تَجوزُ شَهادتُهما قالوا: تَجوزُ على المُحارِبينَ شَهادةُ مَنْ حارَبوهُ إنْ كانوا عُدولًا؛ إذ لا سَبيلَ