وقالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ ﵀: إذا فاتَتهمُ الجمُعةُ فالمُستحَبُّ لهم أن يَقضُوها ظُهرًا مُنفرِدينَ، خِلافًا لِلشافِعيِّ في استِحبابِه لهم أن يَقضُوها ظُهرًا في جَماعةٍ؛ لأنَّ مِنْ أصلِنا الحُكمَ بالذَّرائِعِ، وهي مَنعُ ظاهِرِ الشَّيءِ المُباحِ إذا كان فيه تَطَرُّقٌ لِأهلِ البِدَعِ إلى الشَّيءِ المَحظورِ، وفي قَضاءِ الظُّهرِ ههنا جَماعةً ذَريعةٌ إلى المُبتَدعةِ في فَواتِ الجمُعةِ ليُصلُّوا الظُّهرَ خلفَ مَنْ يَعتقِدونَ إمامَتَه، ويُظهِروا فَواتَ الجمُعةِ، فوَجبَ كَراهَتُها لذلك (١).
هل لِلجمُعةِ سُنةٌ قَبليَّةٌ أو لا؟
اختَلفَ العُلماءُ في سُنَّةِ الجمُعةِ القَبليَّةِ على قولَينِ:
القولُ الأوَّلُ: أنَّه يُسنُّ أن يُصلِّيَ رَكعَتينِ أو أربَعًا قبلَ الجمُعةِ، وممَّن قالَ بهذا الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ على تَفصيلٍ عندَهم.
قالَ الإمامُ السَّرخسِيُّ ﵀: «والتَّطوُّعُ بعدَ الجمُعةِ أربَعٌ لا فَصلَ بينَهُنَّ إلا بتَشهُّدٍ، وقبلَ الجمُعةِ أربَعٌ، أما قبلَ الجمُعةِ فلأنَّها نَظيرُ الظُّهرِ، والتَّطوُّعُ قبلَ الظُّهرِ أربَعُ رَكعاتٍ» (٢).
وقالَ في «الدُّرّ المُختار»: «وسُنَّ مُؤكَّدًا أربَعٌ قبلَ الظُّهرِ، وأربَعٌ قبلَ الجمُعةِ، وأربَعٌ بعدَها، بتَسليمةٍ» (٣).
стр. 1402
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀ في «الأُمّ»: «نَأمرُ المَأمومَ بالنَّافِلةِ قبلَ الجمُعةِ وبعدَها» (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: «فَرعٌ: في سُنةِ الجمُعةِ بعدَها وقبلَها: تُسَنُّ قبلَها وبعدَها صَلاةٌ، وأقَلُّها رَكعَتانِ قبلَها، ورَكعَتانِ بعدَها، والأكمَلُ أربَعٌ قبلَها، وأربَعٌ بعدَها، هذا مُختصَرُ الكَلامِ فيها … » (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: «فأمَّا الصَّلاةُ قبلَ الجمُعةِ، فلا أعلَمُ فيه إلا ما رُويَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَركعُ مِنْ قبلِ الجمُعةِ أربَعًا» (٣) أخرَجه ابنُ ماجه، ورَوى عَمرُو بنُ سَعيدِ بنِ العاصِ، عن أبيه قالَ: «كُنْتُ أَلقَى أَصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا زالَت الشَّمسُ قَامُوا فَصَلوا أَربَعًا». قالَ أَبو بَكرٍ -أي: ابنُ عَياشٍ-: كُنا نَكونُ مع حَبيبِ ابنِ أَبي ثابِتٍ في الجمُعةِ، فيَقولُ: أزالَت الشَّمسُ بَعدُ؟ أو يَلتفِتُ فيَنظرُ، فإذا زالَت الشَّمسُ، صلَّى الأربعَ التي قبلَ الجمُعةِ، وعن أَبي عُبيدةَ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، أنَّه كان يُصلِّي قبلَ الجمُعةِ أربعَ رَكعاتٍ، وبعدَها أربعَ رَكعاتٍ (٤).
وقالَ البُهوتِيُّ ﵀: وليسَ لها (أي: الجمُعةِ) قبلَها سُنةٌ راتِبةٌ نَصًّا، بل يُستحبُّ أربَعُ رَكعاتٍ، وقالَ عبدُ اللهِ -أي: ابنُ الإمامِ أحمدَ-: رَأيتُ
стр. 1403
أَبي يُصلِّي في المَسجدِ إذا أذَّنَ المُؤذِّنُ أربعَ رَكعاتٍ (١).
وقالَ إِسحاقُ بنُ إِبراهيمَ بنِ هانِئٍ في «مَسائلِه لِلإمامِ أحمدَ»: رأيتُ أبا عبدِ اللهِ -يَعني أحمدَ- إذا كانَ يَومُ الجمُعةِ يُصلِّي إلى أن يَعلَمَ أنَّ الشَّمسَ قد قارَبَت أن تَزولَ، فإذا قارَبَت أمسَكَ عن الصَّلاةِ حتى يُؤذِّنَ المُؤذِّنُ، فإذا أخَذَ في الأذانِ قامَ فصلَّى رَكعَتينِ أو أربَعًا، يَفصِلُ بينَهما بالسَّلامِ.
وقالَ أيضًا: رَأَيتُ أبا عبدِ اللهِ إذا أذَّنَ المُؤذِّنُ يومَ الجمُعةِ صلَّى رَكعَتينِ، وربَّما صلَّى أربَعًا على خِفَّةِ الأذانِ وطُولِه.
قالَ ابنُ رَجبٍ ﵀: وممَّا يَدلُّ على استِحبابِ الصَّلاةِ في هذا الوقتِ يومَ الجمُعةِ: أنَّه وقتٌ يُرجَى فيه ساعةُ الإجابةِ، فالمُصلِّي فيه يَدخلُ في قولِه ﷺ : «لا يُوافِقُها عبدٌ قائِمٌ يُصلِّي، يَسألُ اللهَ شَيئًا إلا أَعطاه». ثم قالَ: وقدِ اختُلفَ في الصَّلاةِ قبلَ الجمُعةِ: هل هي مِنْ السُّننِ الرَّواتبِ كسُنةِ الظُّهرِ قبلَها، أو هي مُستحبَّةٌ مُرغَّبٌ فيها، كالصَّلاةِ قبلَ العَصرِ؟ وأكثرُ العُلماءِ على أنَّها سُنةٌ راتِبةٌ، منهمُ: الأَوزاعيُّ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأَصحابُه، وهو ظاهرُ كَلامِ أحمدَ، وقد ذكَرَ القاضِي أبو يَعلى في «شَرح المُهذَّبِ»، وابنُ عَقيلٍ، وهو الصَّحيحِ عندَ أَصحابِ الشافِعيِّ، وقالَ كَثيرٌ مِنْ مُتأَخِّري أَصحابِنا: ليسَت سُنةً راتِبةً، بَلْ مُستحَبَّةٌ (٢).
стр. 1404
واستدَلُّوا على ذلك بأَحاديثَ وآثارٍ، منها:
١ - عن نافِعٍ: «كانَ ابنُ عمرَ يُطِيلُ الصَّلاةَ قبلَ الجمُعةِ، ويُصلِّي بعدَها رَكعَتينِ في بَيتِه، ويُحدِّثُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَفعلُ ذلك» (١).
٢ - عن أَبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلميِّ قالَ: «كانَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ يَأمرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ قبلَ الجمُعةِ أَربَعًا، وَبعدَها أَربَعًا، حتى جاءَنا عَلِيٌّ فأَمرَنا أَنْ نُصلِّيَ بعدَها رَكعَتينِ ثم أَربَعًا» (٢).
٣ - عن نافِعٍ قالَ: «كانَ ابنُ عمرَ يُهجِّرُ يومَ الجمُعةِ، فَيُطِيلُ الصَّلاةَ قبلَ أَنْ يَخرُجَ الإِمَامُ» (٣).
القولُ الثاني: أنَّه ليسَ لِلجمُعةِ سُنةٌ راتِبةٌ قبلَها، وهو قولُ الإمامِ مالِكٍ، وعَزاه شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميَّةَ إلى الإمامِ الشافِعيِّ وأكثَرِ أَصحابِه (٤)، وأحمدَ في المَشهورِ عنه.
стр. 1405
قالَ المالِكيةُ: يُكرَهُ تَنفُّلُ إمامٍ إذا جاءَ وقد حانَ وقتُ الخُطبةِ، وليَرقَ المِنبَرَ كما يَدخلُ؛ لأنَّه ﷺ كانَ إذا دخَلَ رَقَى المِنبَرَ، ولا يَتنفَّلُ، إلا إن بكَّرَ قبلَ ذلك؛ فلا بَأسَ أن يَركَعَ ويَجلِسَ مع النَّاسِ.
ويُكرَهُ تَنفُّلُ جالِسٍ في المَسجدِ يومَ الجمُعةِ عندَ الأذانِ الأوَّلِ لها قبلَ خُروجِ الخَطيبِ؛ وإنَّما يُكرَهُ إذا كانَ يُقتدَى به (مِنْ عالِمٍ أو سُلطانٍ أو إمامٍ) لا غيرِهم؛ خَوفَ اعتِقادِ العامَّةِ وُجوبَه، فلو فعَلَه إِنسانٌ في خاصَّةِ نَفسِه فلا بَأسَ به، إذا لم يُجعَلْ ذلك استِنانًا، ولا يُكرَهُ لداخِلٍ إلى المَسجدِ (١).
فقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ﵀ عن الصَّلاةِ بعدَ الأَذانِ يومَ الجمُعةِ: هل فعَلَه النَّبيُّ ﷺ ، أو أحَدٌ مِنْ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ، والأئمَّةِ أو لا؟ وهل هو مَنصوصٌ في مَذهبٍ مِنْ مَذاهبِ الأئمَّةِ المُتفَقِ عليهم؟ وقولُ النَّبيِّ ﷺ : «بينَ كلِّ أَذانَينِ صَلاةٌ»، هل هو مَخصوصٌ بيَومِ الجمُعةِ أو هو عامٌّ في جَميعِ الأَوقاتِ؟
فأجابَ ﵁: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ: أمَّا النَّبيُّ ﷺ فإنَّه لم يَكنْ يُصلِّي قبلَ الجمُعةِ بعدَ الأذانِ شَيئًا، ولا نُقلَ هذا عن أحَدٍ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ لا يُؤَذَّنُ على عَهدِه إلا إذا قعَدَ على المِنبَرِ، ويُؤذِّنُ بِلالٌ، ثم يَخطُبُ النَّبيُّ ﷺ الخُطبَتينِ، ثم يُقيمُ بِلالٌ فيُصلِّي النَّبيُّ ﷺ بالنَّاسِ، فما كانَ يُمكِنُ أن يُصلِّيَ بعدَ الأذانِ هو ولا أحَدٌ مِنْ
стр. 1406
المسلِمينَ الذينَ يُصلُّونَ معه ﷺ ، ولا نقَلَ عنه أحَدٌ أنَّه صلَّى في بَيتِه قبلَ الخُروجِ يومَ الجمُعةِ، ولا وقَّتَ بقولِه صَلاةً مَقدورةً قبلَ الجمُعةِ، بل أَلفاظُه فيها التَّرغيبُ في الصَّلاةِ إذا قدِمَ الرَّجلُ المَسجدَ يومَ الجمُعةِ مِنْ غيرِ تَوقيتٍ، كقولِه: «مَنْ بكَّرَ وابتَكَرَ، وَمَشى ولَم يَركَب، وصلَّى ما كُتبَ لَه»، وهذا هو المَأثورُ عن الصَّحابةِ، كانوا إذا أتَوُا المَسجدَ يومَ الجمُعةِ يُصلُّونَ مِنْ حينِ يَدخُلونَ ما تَيسَّرَ، فمنهم مَنْ يُصلِّي عَشرَ رَكعاتٍ، ومنهم مَنْ يُصلِّي اثنَتَي عَشرَةَ رَكعةً، ومنهم مَنْ يُصلِّي ثَمانِيَ رَكعاتٍ، ومنهم مَنْ يُصلِّي أقَلَّ مِنْ ذلك، ولهذا كانَ جَماهيرُ الأئمَّةِ مُتَّفِقينَ على أنَّه ليسَ قبلَ الجمُعةِ سُنةٌ مُؤقَّتَةٌ بوَقتٍ، مُقدَّرةٌ بعددٍ؛ لأنَّ ذلك إنَّما يثبُتُ بقولِ النَّبيِّ ﷺ أو فِعلِه، وهو لم يَسُنَّ في ذلك شَيئًا، لا بقولِه ولا بفِعلِه، وهذا مَذهبُ مالِكٍ ومَذهبُ الشافِعيِّ وأكثَرِ أَصحابِه، وهو المَشهورُ في مَذهبِ أحمدَ.
وذهَبَ طائِفةٌ مِنْ العُلماءِ إلى أنَّ قبلَها سُنةً، فمنهم مَنْ جَعَلها رَكعَتينِ، كما قالَه طائِفةٌ مِنْ أَصحابِ الشافِعيِّ وأحمدَ، ومنهم مَنْ جعَلَها أربَعًا، كما نُقلَ عن أَصحابِ أَبي حَنيفَةَ، وطائِفةٍ مِنْ أَصحابِ أحمدَ، وقد نُقلَ عن الإمامِ أحمدَ ما استَدلَّ به على ذلك، وهؤلاء منهم مَنْ يَحتَجُّ بحَديثٍ ضَعيفٍ، منهم مَنْ يَقولُ: هي ظُهرٌ مَقصورةٌ، وتَكونُ سُنةُ الظُّهرِ سُنتَها، وهذا خَطأٌ مِنْ وجهَينِ:
الأوَّلُ: أنَّ الجمُعةَ مَخصوصةٌ بأَحكامٍ تُفارِقُ بها ظُهرَ كلِّ يَومٍ باتِّفاقِ المسلِمينَ، وإن سُمِّيت ظُهرًا مَقصورةً فإنَّ الجمُعةَ يُشتَرطُ لها الوقتُ فلا
стр. 1407
تُقضَى، وإنَّ الظُّهرَ تُقضَى، وإنَّ الجمُعةَ يُشتَرطُ لها العددُ، والاستِيطانُ، وإذنُ الإمامِ، وغيرُ ذلك، وإنَّ الظُّهرَ لا يُشتَرطُ لها شَيءٌ مِنْ ذلك؛ فلا يَجوزُ أن تُتَلقَّى أَحكامُ الجمُعةِ مِنْ أَحكامِ الظُّهرِ، مع اختِصاصِ الجمُعةِ بأَحكامٍ تُفارِقُ بها الظُّهرَ؛ فإنَّه إذا كانَت الجمُعةُ تُشارِكُ الظُّهرَ في حُكمٍ، وتُفارِقُها في حُكمٍ، لم يَكنْ إِلحاقُ مَورِدِ النِّزاعِ بإحداهُما إلا بدَليلٍ، فليسَ جَعلُ السُّنةِ مِنْ مَوارِدِ الاشتِراكِ بأَولَى مِنْ جَعلِها مِنْ مَوارِدِ الافتِراقِ.
الوَجهُ الآخَرُ: أن يُقالَ: هَب أنَّها ظُهرٌ مَقصورةٌ، فالنَّبيُّ ﷺ لم يَكنْ يُصلِّي في سَفرِه سُنةَ الظُّهرِ المَقصورةِ، لا قبلَها ولا بعدَها، وإنَّما كانَ يُصلِّيها إذا أتَمَّ الظُّهرَ، فصلَّى أربَعًا، فإذا كانَت سُنَّتُه التي فعَلَها في الظُّهرِ المَقصورةِ خِلافَ التامَّةِ، كانَ ما ذَكَروه حُجَّةً عليهم لا لهم، وكانَ السَّببُ المُقتَضِي لِحَذفِ بعضِ الفَريضةِ أَولى بحَذفِ السُّنةِ الرَّاتبةِ، كما قالَ بعضُ الصَّحابةِ: لو كُنْتُ مُتطوِّعًا لَأتمَمتُ الفَريضةَ، فإنَّه لوِ استُحِبَّ للمُسافرِ أن يُصلِّي أربَعًا لَكانَت صَلاةُ الظُّهرِ أربَعًا أَولى مِنْ أن يُصلِّيَ رَكعَتينِ فَرضًا، ورَكعَتينِ سُنةً.
وهذا لأنَّه قد ثبَتَ بسُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ المُتواتِرةِ أنَّه كانَ لا يُصلِّي في السَّفرِ إلا رَكعَتينِ الظُّهرَ والعَصرَ والعِشاءَ، وكذلك لمَّا حَجَّ بالنَّاسِ عامَ حَجةِ الوَداعِ، لم يُصلِّ بهم بمنًى، ولا بغيرِها إلا رَكعَتينِ، وكذلك أَبو بَكرٍ بعدَه لم يُصلِّ إلا رَكعَتينِ، وكذلك عمرُ، لم يُصلِّ إلا رَكعَتينِ. اه (١).
стр. 1408
ثم قالَ شَيخُ الإِسلامِ ﵀: والصَّوابُ أن يُقالَ: ليسَ قبلَ الجمُعةِ سُنةٌ راتِبةٌ مُقدَّرةٌ، ولو كانَ الأَذانانِ على عَهدِه؛ فإنَّه قد ثبَتَ عنه في الصَّحيحِ أنَّه قالَ: «بينَ كلِّ أَذانَينِ صَلاةٌ، بينَ كلِّ أَذانَينِ صَلاةٌ، بينَ كلِّ أَذانَينِ صَلاةٌ»، ثم قالَ في الثَّالثَةِ: «لمَن شاءَ»؛ كَراهيَةَ أن يَتَّخِذَها النَّاسُ سُنةً؛ فهذا الحَديثُ الصَّحيحُ يَدلُّ على أنَّ الصَّلاةَ مَشروعةٌ قبلَ العَصرِ، وقبلَ العِشاءِ الآخِرةِ، وقبلَ المَغربِ، وأنَّ ذلك ليسَ بسُنةٍ رَاتِبةٍ، وكذلك قد ثبَتَ أنَّ أَصحابَه كانوا يُصلُّونَ بينَ أذانَيِ المَغربِ، وهو يَراهُم فلا يَنهاهم، ولا يَأمرُهم، ولا يَفعلُ هو ذلك، فدلَّ على أنَّ ذلك فِعلٌ جائِزٌ.
وقدِ احتَجَّ بعضُ النَّاسِ على الصَّلاةِ قبلَ الجمُعةِ بقولِه: «بينَ كلِّ أَذانَينِ صَلاةٌ»، وعارَضَه غيرُه فقالَ: الأذانُ الذي على المَنابرِ لم يَكنْ على عَهدِ رَسولِ اللهِ، ولكنَّ عُثمانَ أمرَ به حينما كثُرَ النَّاسُ على عَهدِه، ولم يَكنْ يَبلُغُهم الأذانُ حينَ خُروجِه وقُعودِه على المِنبَرِ، ويُتوَجَّهُ أن يُقالَ: هذا الأذانُ لمَّا سَنَّه عُثمانُ، واتَّفقَ المُسلِمونَ عليه صارَ أذانًا شَرعيًّا، وحينَئذٍ تَكونُ الصَّلاةُ بينَه وبينَ الأذانِ الثاني جائِزةً حَسَنةً، وليسَت سُنةً رَاتِبةً كالصَّلاةِ قبلَ صَلاةِ المَغربِ، وحينَئذٍ فمَن فعَلَ ذلك لم يُنكَرْ عليه، ومَن ترَكَ ذلك لم يُنكَرْ عليه، وهذا أعدَلُ الأَقوالِ. وكَلامُ الإمامِ أحمدَ يَدلُّ عليه،
стр. 1409
وحينَئذٍ قد يَكونُ تَركُها أفضَلَ، إذا كانَ الجُهَّالُ يظُنُّونَ أنَّ هذه سُنةٌ رَاتِبةٌ، أو أنَّها واجِبةٌ؛ فتُتركُ حتى يَعرِفَ النَّاسُ أنَّها ليسَت سُنةً رَاتِبةً، وليسَت واجِبةً، لاسيَّما إذا داوَمَ النَّاسُ عليها؛ فيَنبَغي تَركُها أَحيانًا؛ حتى لا تُشبِهَ الفَرضَ، كما استَحبَّ أكثرُ العُلماءِ ألَّا يُداوَمَ على قِراءةِ السَّجدةِ يومَ الجمُعةِ، مع أنَّه قد ثبَتَ في الصَّحيحِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَلَها، فإذا كانَ يُكرَهُ المُداوَمةُ على ذلك، فتَركُ المُداوَمةِ على ما لم يَسُنَّه النَّبيُّ ﷺ أَولى، وإن صلَّاها الرَّجلُ بينَ الأذانَينِ أَحيانًا؛ لأنَّها تَطوُّعٌ مُطلَقٌ، أو صَلاةٌ بينَ الأذانَينِ، كما يُصلَّى قبلَ العَصرِ والعِشاءِ، لا لأنَّها سُنةٌ رَاتِبةٌ، فهذا جائِزٌ، وإن كانَ الرَّجلُ مع قَومٍ يُصَلُّونها، فإن كانَ مُطاعًا إذا ترَكَها، وبيَّنَ لهمُ السُّنةَ لم يُنكِروا عليه، بل عَرَفوا السُّنةَ، فتَركُها حَسنٌ، وإن لم يَكنْ مُطاعًا، ورَأى أنَّ في صَلاتِها تَأليفًا لقُلوبِهم إلى ما هو أنفَعُ، أو دَفعًا للخِصامِ والشَّرِّ، لِعدمِ التَّمكُّنِ مِنْ بَيانِ الحقِّ لَهم، وقَبولِهم له، ونحوِ ذلك، فهذا أيضًا حَسنٌ.
فالعملُ الواحدُ يَكونُ فِعلُه مُستحَبًّا تارَةً، وتَركُه مُستحَبًّا تارَةً، باعتِبارِ ما يَترجَّحُ مِنْ مَصلَحةِ فِعلِه وتَركِه بحسَبِ الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ، والمُسلِمُ قد يَتركُ المُستحَبَّ إذا كانَ في فِعلِه فَسادٌ راجِحٌ على مَصلحَتِه، كما ترَكَ النَّبيُّ ﷺ بِناءَ البَيتِ على قَواعدِ إِبراهيمَ، وقالَ لعائشةَ: «لَولَا أنَّ قَومَكِ حَديثُو عَهدٍ بالجاهليَّةِ لَنَقَضتُ الكَعبَةَ، ولأَلصَقتُها بالأَرضِ، ولجَعَلتُ لها بابَينِ، بابًا يَدخلُ النَّاسُ منه، وبابًا يَخرُجونَ منه»، والحَديثُ في الصَّحيحَينِ.
стр. 1410
فتَركُ النَّبيِّ ﷺ هذا الأمرَ الذي كانَ عندَه أفضَلَ الأمرَينِ للمُعارِضِ الرَّاجحِ، وهو حُدثانُ عَهدِ قُريشٍ بالإِسلامِ؛ لمَا في ذلك مِنْ التَّنفيرِ لهم؛ فكانَتِ المَفسَدةُ راجِحةً على المَصلَحةِ … إلخ (١).
هل تَجوزُ الصَّلاةُ أَمامَ الإمامِ لِلزِّحامِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ صَلاةِ المَأمومِ أمامَ الإمامِ، هل تَصحُّ مُطلَقًا سَواءٌ وُجدَ زِحامٌ أم لم يُوجَدْ؟ أم لا تَصحُّ مُطلَقًا سَواءٌ وُجدَ زِحامٌ أو لم يُوجدْ؟ أم تَصحُّ عندَ وُجودِ الزِّحامِ ولا تَصحُّ إذا لم يُوجَدْ؟
فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى جَوازِ صَلاةِ المَأمومِ أمامَ الإمامِ معَ الكَراهةِ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ، فإنْ وُجِدتْ ضَرورةٌ كالزِّحامِ جازَ بلا كَراهةٍ.
جاءَ في «الشَّرْح الكَبِير» للدِّرديرِ ﵀: (و) كُرِهَتْ للجَماعةِ (صَلاةٌ بينَ الأساطِينِ) أي: الأعمِدةِ، (أو) صَلاةٌ (أمامَ) أي: قُدَّامَ (الإمامِ) أو بمُحاذاتِه (بلا ضَرورةٍ).
قالَ الدُّسوقيُّ في «حاشِيتِه على الشَّرحِ الكَبيرِ»: قولُه: (أو أمامَ الإمامِ) أي: ولو تَقدَّمَ الجَميعَ؛ لأنَّ مُخالَفةَ الرُّتبةِ لا تُفسِدُ الصَّلاةَ، كما لو وقَفَ على يَسارِ الإمامِ فإنَّ صَلاةَ المَأمومِ لا تَبطلُ، ورَأى بعضُهم أنَّ وُقوفَ المَأمومِ أمامَ الإمامِ مِنْ غَيرِ ضَرورةٍ مُبطِلٌ لصَلاتِه، وهو ضَعيفٌ، كما أنَّ القولَ بأنَّه إذا تقدَّمَ جَميعَ المأمومِينَ عليهِ تَبطلُ عليهِ وعَليهِم، وإلا فلا بُطلانَ، كذلكَ
стр. 1411
ضَعيفٌ، قالَ أبو الحَسنِ على قَولِ «المُدوَّنَة»: «وإنْ صَلَّى الإمامُ بالناسِ في السفينةِ أسفَلَ وهُم فَوقُ أجزَأَهم إنْ كانَ إمامُهم قُدَّامَهم» ما نَصُّه: مَفهومُه: لو لم يَكنْ قُدَّامَهم لم يُجْزِئْهم، وليسَ كذلكَ، بل هيَ مُجزِئةٌ ولو لم يَكنْ قُدَّامَهم، وإنما المعنَى إذا كانَ قُدامَهم يُجزِئُهم بلا كَراهةٍ. اه بن (١).
ولا فرْقَ عندَ المالِكيةِ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ، قالَ الآبيُّ الأزهَريُّ ﵀: وحُكمُ هذهِ المَراتبِ الاستِحبابُ، فمَن خالَفَ مَرتبةً وصَلَّى في غيرِها لا شيءَ عليهِ، إلا أنَّ المَرأةَ إذا تَقدَّمتْ إلى مَرتبةِ الرَّجلِ أو أمامَ الإمامِ فكالرَّجلِ يَتقدمُ أمامَ الإمامِ يُكرَهُ له ذلكَ مِنْ غيرِ عُذرٍ، ولا تَفسدُ صَلاةُ الإمامِ الذي تَقدَّمَتِ المَرأةُ أمامَهُ ولا صلاةُ مَنْ مَعه، إلا أنْ يَلتذَّ برُؤيتِها أو بمُماسَّتِها، وضُعِّفَ القولُ بالبُطلانِ بالتلذُّذِ بالرُّؤيةِ حيثُ لا مُماسَّةَ ولا إنزالَ، فلو تَقدمَ المأمومُ لعُذرٍ كضِيقِ المَسجدِ جازَ مِنْ غيرِ كَراهةٍ (٢).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَشهورِ إلى أنه لا تَصحُّ صَلاةُ المأمومِ أمامَ الإمامِ.
قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: وإنْ تَقدَّمَ المُقتدِي على الإمامِ لا يَصحُّ اقتِداؤُه به، إلا على قَولِ مالكٍ ﵀؛ فإنه يَقولُ: الواجِبُ عليه المُتابَعةُ في الأفعالِ، فإذا أتَى به لم يَضرَّه قِيامُه قُدَّامَ الإمامِ).
стр. 1412
(ولنَا): الحَديثُ: ليسَ معَ الإمامِ مَنْ يقدمُهُ، ولأنه إذا تَقدَّمَ على الإمامِ اشتَبهَ عليه حالةُ افتِتاحِه واحتاجَ إلى النَّظرِ وَراءَه في كلِّ وَقتٍ ليَقتديَ به، فلِهذا لا يَجوزُ (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا إذا تقدَّمَ المأمومُ على إمامِه في المَوقفِ فوقَفَ قُدَّامَ إمامِه فذلكَ ضَربانِ:
أحَدُهما: أنْ يكونَ بمَكةَ، والضَّربُ الثاني: بغَيرِها.
فإنْ كانَ بغَيرِ مكَّةَ ففي بُطلانِ صَلاةِ المَأمومِ المُتقدِّمِ على إمامِه قَولانِ:
أحَدُهما: قالَه في القَديمِ: صَلاتُه جائِزةٌ؛ لأنه ليسَ في التقدُّمِ على الإمامِ أكثَرُ مِنْ مُخالَفةِ المَوقفِ المَسنونِ، ومُخالَفةُ المَوقفِ المَسنونِ لا يَمنعُ مِنْ صحَّةِ الصلاةِ، كالمَأمومِ الواحِدِ إذا وقَفَ على يَسارِ إمامِه، أو الجَماعةِ إذا وَقَفوا على يَمينِه ويَسارِه.
والقولُ الثاني: قالَه في الجَديدِ، وهو الصَّحيحُ: صَلاتُه باطِلةٌ؛ لقَولِه ﷺ : «إنما جُعلَ الإمامُ ليُؤتَمَّ به» (٢)، والائتِمامُ الاتِّباعُ، والمُتقدِّمُ على إمامِه لا يَكونُ تابعًا، بل يكونُ مَتبوعًا، ولأنَّ على المَأمومِ اتِّباعَ إمامِه في مَوقفِه وأفعالِه، فلمَّا لَمْ يَجُزْ له التَّقدمُ عليهِ في إحرامِه وأفعالِ صَلاتِه لم يَجُزْ له التقدُّمُ عليه في مَوقفِ صلاتِه.
стр. 1413
وإنْ كانَ بمكَّةَ فله حالانِ: أحَدُهما: أنْ يُصليَ في مَسجدِها، والثاني: في غَيرِ مَسجدِها في مَنازلِها.
فإنْ صلَّى في غيرِ مَسجدِها فحُكمُه حُكمُ المُصلِّي في غيرِها، وفي بُطلانِ صَلاتِه إذا تقدَّمَ على إمامِه قَولانِ كما مضَى.
وإنْ صلَّى في مَسجدِها فالسُّنةُ أنْ يَستديرَ الناسُ حولَ الكَعبةِ وراءَ الإمامِ وتُجاهَه، ويَكونُ مَوقفُ الإمامِ عندَ المَقامِ مُستقبِلًا لبابِ الكَعبةِ مُستدبِرًا لبابِ بَني شَيبةَ، وإنْ وقَفَ مُستقبِلًا للكَعبةِ أجزَأهُ، ويَجبُ أنْ يكونَ الإمامُ أقرَبَ إلى الكَعبةِ مِنْ المَأمومينَ، فإنْ كانَ الإمامُ منها على نَحوِ الذِّراعِ تأخَّرَ المَأمومينَ نحوَ الذِّراعينِ، فإنْ فعَلَ هذا الذينَ هُمْ وَراءَ الإمامِ كانَ في بُطلانِ صَلاتِهم قَولانِ كما مضَى، وإنْ فعَلَه الذينَ هُمْ في مُقابَلتِه فقدْ قالَ الشافِعيُّ أيضًا في كِتابِ «الأُمّ»: «إنَّ صَلاتَهم جِائزةٌ»، وقالَ في «الجَامِع»: «إذا تَوجَّهَ الإمامُ إلى الكَعبةِ فائْتَمَّ به قَومٌ على ظَهرِ الكَعبةِ أجزَأتْهم صَلاتُهم»، ومَعلومٌ أنَّ مَنْ على ظَهرِ الكَعبةِ أقرَبُ إليها مِنْ الإمامِ.
واختَلفَ أصحابُنا في ذلكَ على وَجهينِ: أحَدُهما: قالَ أبو إسحاقَ أنَّ في صَلاتِهم قَولينِ كما مضَى، وحُملَ مَنصوصُ الشافِعيِّ على أحَدِهما.
والوَجهُ الثاني: وهو قَولُ جُمهورِهم: إنَّ صَلاتَهم جائزةٌ قَولًا واحِدًا؛ استِعمالًا لظاهِرِ نَصِّه، والفَرقُ بينَهُم وبينَ غَيرِهم مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: أنهُم وإنْ كانوا إلى البيتِ أقرَبَ مِنْ الإمامِ فإنهُم غيرُ مَوصوفينِ بالتقدُّمِ عليهِ؛ لأنهُم في مُقابَلتِه ومُحاذاتِه، وغيرُهم إذا كانَ إلى القِبلةِ أقرَبَ صارَ
стр. 1414
مُتقدِّمًا عليهِ، فخرَجَ بالتقدُّمِ مِنْ اتِّباعِه، وسرَى ذلكَ في صحَّةِ صَلاتِه، والفَرقُ الثاني: أنهُم وإنْ كانُوا أقرَبَ إلى البَيتِ مِنْ الإمامِ فيُمكِنُهم مُشاهَدةُ أفعالِه والاقتداءُ بهِ، وغيرُهم إذا تقدَّمَ إمامَه لم يَقدرْ على اتِّباعِه ولا على فِعلِ الصَّلاةِ بفِعلِه، فافتَرقَا مِنْ هذَينِ الوَجهينِ في صحَّةِ الصلاةِ وبُطلانِها (١).
وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: فإنْ تَقدَّمَ المأمومُ على الإمامِ ففيهِ قَولانِ:
قالَ في القَديمِ: لا تَبطلُ صَلاتُه، كما لو وقَفَ خلْفَ الإمامِ وحْدَه.
وقالَ في الجَديدِ: تَبطلُ؛ لأنه وقَفَ في مَوضعٍ ليسَ مَوقفَ مُؤتَمٍّ بحالٍ، فأشبَهَ إذا وقَفَ في مَوضعٍ نَجسٍ.
قال النووي ﵀: الشَّرحُ: إذا تَقدَّمَ المأمومُ على إمامِه في المَوضعِ فقَولانِ مَشهورانِ: الجَديدُ الأظهَرُ: لا تَنعقدُ، وإنْ كانَ في أثنائِها بَطلَتْ، والقَديمُ: انعِقادُها، وإنْ كانَ في أثنائِها لم تَبطلْ، ودَليلُهما في الكِتابِ، وإنْ لم يَتقدَّمْ لكنْ ساواهُ لم تَبطلْ بِلا خِلافٍ، لكنْ يُكرَهُ، والاعتبارُ في التَّقدمِ والمُساواةِ بالعَقبِ على المَذهبِ، وبه قطَعَ الجُمهورُ، فلو تَساويَا في العَقبِ وتَقدَّمتْ أصابعُ المأمومِ لم يَضرَّه، وإنْ تَقدَّمتْ عَقبُه وتأخَّرتْ أصابعُه عن أصابعِ الإمامِ فعَلى القَولينِ، وقيلَ: يَصحُّ قَطعًا، حكاهُ الرافِعيُّ وآخَرونَ، وقالَ في «الوَسِيط»: الاعتِبارُ بالكَعبِ، والمَذهبُ المَعروفُ: الأولُ (٢).
стр. 1415
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: السُّنةُ أنْ يَقفَ المَأمومونَ خلْفَ الإمامِ، فإنْ وَقَفوا قُدَّامَه لم تَصحَّ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ.
وقالَ مالكٌ وإسحاقُ: تَصحُّ؛ لأنَّ ذلكَ لا يَمنعُ الاقتِداءَ به، فأشبَهَ مَنْ خلْفَه.
ولنَا: قَولُه ﷺ : «إنِّما جُعلَ الإمامُ ليُؤتَمَّ به» (١)، ولأنه يَحتاجُ في الاقتِداءِ إلى الالتِفاتِ إلى وَرائِه، ولأنَّ ذلكَ لم يُنقلْ عن النبيِّ ﷺ ولا هو في معنَى المَنقولِ، فلمْ يَصحَّ كما لو صلَّى في بَيتِه بصَلاةِ الإمامِ، ويُفارِقُ مَنْ خلْفَ الإمامِ؛ فإنه لا يَحتاجُ في الاقتِداءِ إلى الالتِفاتِ إلى وَرائِه (٢).
وقالَ الإمامُ المِرداويُّ ﵀: قَولُه: «السُّنةُ أنْ يَقفَ المَأمومونَ خَلفَ الإمامِ، فإنْ وَقَفوا قُدَّامَه لم تَصحَّ».
هذا المَذهبُ بلا رَيبٍ، وعليهِ جَماهيرُ الأصحابِ، وقطَعَ به كَثيرٌ منهُم، وذكَرَ الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ وَجهًا قالوهُ: وتَصحُّ مُطلَقًا، قالَ في «الفُرُوع»: والمُرادُ: وأمكَنَ الاقتِداءُ، وهو مُتجِهٌ. انتهى
وقيلَ: تَصحُّ في الجُمعةِ والعِيدِ والجنازةِ ونحوِها لعُذرٍ، اختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ، وقالَ: مَنْ تأخَّرَ بلا عُذرٍ فلمَّا أذَّنَ جاءَ فصَلَّى
стр. 1416
قُدَّامَه عُذِرَ، واختارَه في «الفَائِق» وقالَ: قلتُ: وهو مُخرَّجٌ مِنْ تَأخرِ المَرأةِ في الإمامةِ. انتهى
قُلتُ: وفيه نَظرٌ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى أنه إذا صَلَّى أمامَ الإمامِ لعُذرٍ كالزِّحامِ في صَلاةِ الجُمعةِ والجنازةِ صحَّتْ صَلاتُه، وتكونُ صَلاتُه أمامَ الإمامِ خَيرًا مِنْ صَلاتِه وحْدَه.
سُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: هل تُجزِئُ الصلاةُ قُدَّامَ الإمامِ أو خلْفَه في المَسجدِ وبينَهُما حائلٌ أم لا؟
فأجابَ: أما صَلاةُ المَأمومِ قُدَّامَ الإمامِ ففيها ثَلاثةُ أَقوالٍ للعُلماءِ:
أحَدُها: أنها تَصحُّ مُطلَقًا، وإنْ قيلَ: إنها تُكرَهُ، وهذا القَولُ هو المَشهورُ مِنْ مَذهبِ مالكٍ والقَولُ القَديمُ للشافِعيِّ.
والثاني: أنها لا تَصحُّ مُطلقًا، كمَذهبِ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمَدَ في المَشهورِ مِنْ مَذهبِهما.
والثالثُ: أنها تَصحُّ مع العُذرِ دونَ غيرِه، مثلَ ما إذا كانَ زَحمةٌ فلمْ يُمكِنْه أنْ يُصليَ الجُمعةَ أو الجنازةَ إلا قُدامَ الإمامِ، فتكونُ صَلاتُه قُدامَ الإمامِ خَيرًا له مِنْ تَركِه للصلاةِ، وهذا قَولُ طائِفةٍ مِنْ العُلماءِ، وهو قَولٌ في مَذهبِ أحمَدَ وغيرِه، وهو أعدَلُ الأقوالِ وأرجَحُها؛ وذلكَ لأنَّ ترْكَ التَّقدمِ
стр. 1417
على الإمامِ غايتُه أنْ يكونَ واجِبًا مِنْ واجِباتِ الصَّلاةِ في الجَماعةِ، والواجِباتُ كلُّها تَسقطُ بالعُذرِ، وإنْ كانَتْ واجِبةً في أصلِ الصَّلاةِ، فالواجِبُ في الجَماعةِ أَولى بالسُّقوطِ، ولهذا يَسقطُ عن المُصلِّي ما يَعجزُ عنه مِنْ القِيامِ والقِراءةِ واللِّباسِ والطَّهارةِ وغيرِ ذلكَ (١).
وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ ابنُ المُنذرِ ﵀: سَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يَكونَ الإمامُ أمامَ المأمومِينَ.
واختَلفَ أهلُ العلم في المَأمومِ يُصلِّي أمامَ الإمامِ في حالِ الضَّرورةِ مِنْ الزِّحامِ وما أشبَهَ ذلكَ:
فقالَتْ طائِفةٌ: إذا كانَ كذلكَ فصَلاةُ مَنْ صلَّى منهم أمامَ الإمامِ جائِزةٌ، هذا قولُ مالكٍ إذا ضاقَ الزِّحامُ في الجُمعةِ، وكذلكَ قالَ إسحاقُ وأبو ثَورٍ، ورُويَ ذلكَ عنِ الحَسنِ.
وقالَتْ طائِفةٌ: لا يُجزِي المأمومَ أنْ يُصليَ أمامَ إمامِه، هذا قولُ الشافعيِّ وأصحابِ الرَّأيِ، وقد كانَ الشافعيُّ إذ هو بالعِراقِ يَقولُ: هو مِنْ قولِ مالكٍ، ثمَّ رجَعَ عنه بمِصرَ (٢).
стр. 1418
فصل في الصَّلَاةِ في السَّفَرِ
السَّفرُ لُغةً: قَطعُ المَسافةِ، وخِلافُ الحَضرِ (أي: الإِقامةُ) والجَمعُ أَسفارٌ، ورَجلٌ سَفرٌ، وقَومٌ سَفرٌ: ذَوُو سَفرٍ (١).
والمَقصودُ بالسَّفرِ عندَ الفُقهاءِ: السَّفرُ الذي تَتغيَّرُ به الأَحكامُ الشَّرعيَّةُ، وهو: أن يَخرُجَ الإِنسانُ مِنْ وطَنِه قاصِدًا مَكانًا يَستَغرِقُ المَسيرُ إليه مَسافَةً مُقدَّرةً بيَومٍ ولَيلَةٍ عندَ الجُمهورِ، وبثَلاثةِ أيَّامٍ عندَ الحَنفيةِ، كما سيَأتي بَيانُها.
والمُرادُ بالقَصدِ: الإِرادةُ المُقارِنةُ لمَا عُزمَ عليه، فلو طافَ الإِنسانُ جَميعَ العالَمِ بلا قَصدِ الوُصولِ إلى مَكانٍ مُعيَّنٍ لا يَصيرُ مُسافِرًا؛ ولو أنَّه قصَدَ السَّفرَ، ولم يَقتَرِن قَصدُه بالخُروجِ فِعلًا، لا يَصيرُ مُسافِرًا كذلك؛ لأنَّ المُعتبَرَ في حقِّ تَغيُّرِ الأَحكامِ الشَّرعيَّةِ هو السَّفرُ الذي اجتَمعَ فيه القَصدُ والفِعلُ (٢).
стр. 1419
تَقسيمُ الوَطَنِ:
قسَّمَ الفُقهاءُ الأَوطانَ إلى ثَلاثةٍ: وطَنٍ أصلِيٍّ، وطَنِ إقامَةٍ، ووطَنِ سُكنَى.
الوطَنُ الأصلِيُّ: هو المَكانُ الذي يَستَقرُّ فيه الإِنسانُ بأهلِه، سَواءٌ أكانَ مَوطِنَ وِلادَتِه، أم بَلدَةً أُخرى، اتَّخذَها دارًا، وتَوطَّنَ بها مع أهلِه ووَلَدِه، ولا يَقصِدُ الارتِحالَ عنها، بل يَقصِدُ التَّعيُّشَ بها.
ويَأخذُ حُكمَ الوَطنِ: المَكانُ الذي تأهَّلَ به، أي: تَزوَّجَ به، ولا يَحتاجُ الوَطَنُ الأصلِيُّ إلى نيَّةِ الإِقامةِ، لكنَّ المالِكيةَ يَشتَرطونَ: أن تَكونَ الزَّوجةُ مَدخولًا بها غيرَ ناشِزٍ.
وممَّا تَقدَّمَ يَتبيَّنُ: أنَّ الوَطنَ الأصلِيَّ يَتحقَّقُ عندَ أغلَبِ الفُقهاءِ بالإِقامةِ الدَّائِمةِ على نيَّةِ التَّأبِيدِ، سَواءٌ أكانَ في مَكانِ وِلادَتِه أم في مَكانٍ آخرَ، ويُلحَقُ بذلك مَكانُ الزَّوجةِ.
ويَجوزُ أن يَكونَ الوَطنُ الأصلِيُّ واحدًا أو أكثرَ، وذلك مثلَ أن يَكونَ له أهلٌ ودارٌ في بلدَتَينِ أو أكثرَ، ولم يَكنْ مِنْ نيَّةِ أهلِه الخُروجُ منها، وإن كانَ يَنتَقِلُ مِنْ أهلٍ إلى أهلٍ في السَّنةِ، حتى إنَّه لو خرَجَ مُسافِرًا مِنْ بَلدةٍ فيها أهلُه، ودخَلَ بَلدةً أُخرى فيها أهلُه، فإنَّه يَصيرُ مُقيمًا مِنْ غيرِ نيَّةِ الإِقامةِ.
ما يَنتَقِضُ به الوَطَنُ الأصليُّ:
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: الوَطنُ الأصلِيُّ يَنتقِضُ بمِثلِه لا غيرُ، وهو: أن يَتوطَّنَ الإِنسانُ في بَلدَةٍ أُخرى ويَنقُلَ الأهلَ إليها مِنْ بَلدَتِه، مُضرِبًا عن
стр. 1420
الوَطَنِ الأوَّلِ، ورافِضًا سُكناه، فيَخرُجَ الوَطنُ الأوَّلُ مِنْ أن يَكونَ وَطنًا أصلِيًّا له، حتى لو دخَلَ فيه مُسافِرًا، لا تَصيرُ صَلاتُه أربَعًا.
وأصلُه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ والمُهاجِرينَ مِنْ أَصحابِه ﵃ كانوا مِنْ أهلِ مَكةَ، وكانَ لهم بها أوطانٌ أصلِيَّةٌ، ثم لمَّا هاجَروا وتَوطَّنوا بالمَدينةِ وجَعَلوها دارًا لِأنفُسِهم انتَقَضَ وطَنُهم الأصلِيُّ بمَكةَ، حتى كانوا إذا أتَوا مَكةَ يُصلُّونَ صَلاةَ المُسافِرينَ.
حتى قالَ النَّبيُّ ﷺ حينَ صلَّى بهم: «أَتمُّوا يا أَهلَ مَكةَ صَلاتَكُم فإنَّا قَومٌ سَفرٌ» (١)؛ ولا يَنتقِضُ الوطَنُ الأصلِيُّ بوطَنِ الإِقامةِ، ولا بوطَنِ السُّكنَى؛ لأنَّهما دُونَه، والشَّيءُ لا يُنسَخُ بما هو دُونَه، وكذا لا يَنتقِضُ بنيَّةِ السَّفرِ والخُروجِ مِنْ وطَنِه حتى يَصيرَ مُقيمًا بالعَودِ إليه مِنْ غيرِ نيَّةِ الإِقامةِ؛ لمَا ذكَرْنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَخرجُ مِنْ المَدينةِ مُسافِرًا، وكانَ وطَنُه بها باقِيًا حتى يَعودَ مُقيمًا فيها مِنْ غيرِ تَجديدِ النِّيةِ (٢).
стр. 1421
وَطنُ الإِقامةِ:
هو المَكانُ الذي يَقصِدُ الإِنسانُ أن يُقيمَ به مدَّةً قاطِعةً لحُكمِ السَّفرِ فأكثرَ، على نيَّةِ أن يُسافِرَ بعدَ ذلك، مع خِلافٍ بينَ المَذاهبِ في مِقدارِ هذه المدَّةِ، كما سيَأتي بَيانُها.
أمَّا شَرائطُه: فقَد ذكَرَ الكَرخيُّ في «جامِعِه» عن مُحمدِ بنِ الحَسنِ فيه رِوايتَينِ؛ هما:
الرِّوايةُ الأُولى: إنَّما يَصيرُ الوطَنُ وطَنَ إقامةٍ بشَرطَينِ:
أحدُهما: أن يَتقدَّمه سَفرٌ (ثَلاثةَ أيَّامٍ فصاعِدًا).
والآخَرُ: أن يَكونَ بينَ وطَنِه الأصلِيِّ وبينَ هذا المَوضِعِ الذي تَوطَّن فيه بنيَّةِ الإِقامةِ مَسافةُ القَصرِ.
وبدُونِ هذَينِ الشَّرطَينِ لا يَصيرُ وطَنَ إقامةٍ، وإن نَوى الإِقامةَ مدَّةً قاطِعةً للسَّفرِ -خَمسةَ عشَرَ يَومًا- في مَكانٍ صالِحٍ لِلإقامةِ، حتى إنَّ الرَّجلَ المُقيمَ إذا خرَجَ مِنْ مِصرِه إلى قَريةٍ مِنْ قُراها لا لقَصدِ السَّفرِ، ونَوى أن يَتوطَّنَ بها المدَّةَ القاطِعةَ للسَّفرِ -خَمسةَ عشَرَ يَومًا- لا تَصيرُ تلكَ القَريةُ وَطنَ إقامةٍ له، وإن كانَ بينَهما مَسيرةُ سَفرٍ؛ لِانعِدامِ تَقدُّمِ السَّفرِ، وكذا إذا قصَدَ مَسيرةَ سَفرٍ وخرَجَ حتى وصَلَ إلى قَريةٍ بينَها وبينَ وطَنِه الأصلِيِّ مَسيرةُ ما دونَ السَّفرِ، ونَوى أن يُقيمَ بها المدَّةَ القاطِعةَ للسَّفرِ -خَمسةَ عشَرَ يَومًا- لا يَصيرُ مُقيمًا، ولا تَصيرُ تلك القَريةُ وطَنَ إقامةٍ له.
стр. 1422
والرِّوايةُ الأُخرَى -وهيَ رِوايةُ ابنِ سَماعَةَ عن مُحمدِ بنِ الحَسنِ- أنَّه يَصيرُ مُقيمًا مِنْ غيرِ هذَينِ الشَّرطَينِ، كما هو ظاهرُ الرِّوايةِ.
والمالِكيةُ يَشتَرطونَ مَسافةَ القَصرِ إن كانَت فيه الإِقامةُ في ابتِداءِ السَّيرِ، فإن كانَت في أثنائِه فلا تُشترطُ المَسافةُ على المُعتمَدِ (١).
ما يَنتقِضُ به وطَنُ الإِقامةِ:
وطَنُ الإِقامةِ يَنتقِضُ بالوطَنِ الأصلِيِّ لأنَّه فوقَه، وبوطَنِ الإِقامةِ أيضًا؛ لأنَّه مِثلُه، والشَّيءُ يَجوزُ أن يُنسخَ بمِثلِه، سَواءٌ كانَ بينَهما مَسيرةُ سَفرٍ أو لا، ويَنتقِضُ بالسَّفرِ أيضًا؛ لأنَّ تَوطُّنَه في هذا المَقامِ ليسَ للقَرارِ، ولكِن لِحاجةٍ، فإذا سافَرَ منه يَستدِلُّ به على قَضاءِ حاجَتِه، فصارَ مُعرِضًا عن التَّوطُّنِ به، فصارَ ناقِضًا له دِلالةً، ولا يَنتقِضُ وطَنُ الإِقامةِ بوطَنِ السُّكنَى؛ لأنَّه دُونَه؛ فلا يَنسَخُه (٢).
وطَنُ السُّكنَى:
هو أن يَقصدَ -يَنوِيَ- الإِنسانُ المُقامَ في غيرِ بَلدَتِه أقَلَّ مِنْ المدَّةِ القاطِعةِ للسَّفرِ -خَمسةَ عشَرَ يَومًا- وشَرطُه: نيَّةُ عدمِ الإِقامةِ المدَّةَ القاطِعةَ للسَّفرِ -خَمسَةَ عشَرَ يَومًا-، ولذلك يُعَدُّ مُسافِرًا بهذه النِّيةِ، وإن طالَ مُقامُه؛
стр. 1423
لمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «أقامَ بتَبُوكَ عِشرِينَ لَيلَةً يَقصُرُ الصَّلاةَ» (١).
ورُويَ عن سَعدِ بنِ أَبي وَقاصٍ ﵁: «أنَّه أَقامَ بقَريةٍ مِنْ قُرى نَيسابُورَ شَهرَينِ، وكانَ يَقصُرُ الصَّلاةَ».
إلَّا أنَّ هذا الحُكمَ ليسَ مُتَّفقًا عليه بينَ المَذاهبِ على تَفصيلٍ سيَأتي بَيانُه إن شاءَ اللهُ.
ما يَنتقِضُ به وطَنُ السُّكنَى:
وَطَنُ السُّكنى يَنتَقضُ بالوطَنِ الأصلِيِّ، وبوطَنِ الإِقامةِ؛ لأنَّهما فوقَه، ويَنتَقضُ بوطَنِ السُّكنَى؛ لأنَّه مِثلُه، ويَنتقِضُ بالسَّفرِ؛ لأنَّ تَوطُّنَه في هذا المُقامِ ليسَ للقَرارِ، ولكِن لِحاجةٍ؛ فإذا سافَرَ منه يَستدِلُّ به على انقِضاءِ حاجَتِه، فصارَ مُعرِضًا عن التَّوطُّنِ به، فصارَ ناقِضًا له (٢).
صَيرورةُ المُقيمِ مُسافِرًا وشَرائطُها:
يَصيرُ المُقيمُ مُسافِرًا إذا تَحقَّقتِ الشَرائطُ الآتيةُ:
الشَّريطةُ الأُولى: الخُروجُ مِنْ المُقامِ، أي: مَوطنِ إقامَتِه، وهو أن يُجاوِزَ عُمرانَ بَلدَتِه ويفارِقَ بُيوتَها، ويَدخلُ في ذلك ما يُعَدُّ منه عُرفًا، كالأبنِيةِ المُتَّصِلَةِ، والبَساتينِ المَسكونةِ، والمَزارِعِ والأَسوارِ، وذلك على تَفصيلٍ بينَ المَذاهبِ، سيَأتي بَيانُه إن شاءَ اللهُ.
стр. 1424
وَلا بدَّ مِنْ اقتِرانِ النِّيةِ بالفِعلِ؛ لأنَّ السَّفرَ الشَّرعيَّ لا بدَّ فيه مِنْ نيَّةِ السَّفرِ، ولا تُعتبَرُ النِّيةُ إلا إذا كانَت مُقارِنةً للفِعلِ وهو الخُروجُ؛ لأنَّ مُجرَّدَ قَصدِ الشَّيءِ مِنْ غيرِ اقتِرانٍ بالفِعلِ يُسمَّى عَزمًا ولا يُسمَّى نيَّةً، ولأنَّ فِعلَ السَّفرِ لا يَتحقَّقُ إلا بعدَ الخُروجِ مِنْ المِصرِ، فلمَّا لم يَخرُج، لم يَتحقَّق قِرانُ النِّيةِ بالفِعلِ، فلا يَصيرُ مُسافِرًا.
الشَّريطةُ الثانيةُ: نيَّةُ مَسافةِ السَّفرِ، فلكَي يَصيرَ المُقيمُ مُسافِرًا لا بدَّ أن يَنوِيَ سَيرَ مَسافةِ السَّفرِ الشَّرعِيِّ؛ لأنَّ السَّيرَ قد يَكونُ سَفرًا، وقد لا يَكونُ، فالإِنسانُ قد يَخرجُ مِنْ مَوطِنِ إقامَتِه إلى مَوضعٍ لِإصلاحِ الضَّيعةِ، ثم تَبدُو له حاجَةٌ أُخرى إلى المُجاوَزةِ عنه إلى مَوضعٍ آخرَ، وليسَ بينَهما مدَّةُ سَفرٍ، ثم يَتجاوَزُ ذلك إلى مَكانٍ آخرَ وهكذا، إلى أن يَقطعَ مَسافةً بَعيدةً أكثرَ مِنْ مدَّةِ السَّفرِ، لا يَقصِدُ السَّفرَ، فلا بدَّ مِنْ النِّيةِ للتَّمييزِ. وعلى هذا قالوا: أميرٌ خرَجَ مع جَيشِه في طَلَبِ العَدُوِّ، ولم يَعلَم أينَ يُدرِكُهم، فإنَّهم يُصلُّونَ صَلاةَ المُقيمِ في الذَّهابِ، وإن طالَتِ المدَّةُ، وكذا المُكثُ في ذلك المَوضِعِ، وأمَّا في الرُّجوعِ فإن كانَت مدَّةَ سَفرٍ قَصَروا. وكذلك لو طافَ الدُّنيا مِنْ غيرِ قَصدٍ إلى قَطعِ المَسافةِ، لا يُعَدُّ مُسافِرًا، ولا يَترخَّصُ (١).
стр. 1425
تَحديدُ أقَلِّ مَسافةِ السَّفرِ التي يَقصُرُ فيها الصَّلاةَ:
اختَلفَ أهلُ العِلمِ في تَحديدِ المَسافةِ التي يَجوزُ فيها قَصرُ الصَّلاةِ:
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ أقَلَّ مدَّةِ السَّفرِ مَسيرةُ يومَينِ مُعتدلَينِ بلا لَيلةٍ، أو مَسيرةُ لَيلتَينِ بلا يَومٍ، أو مَسيرةُ يَومٍ ولَيلةٍ؛ وذلك لأنَّهم قدَّروا السَّفرَ بالأَميالِ، وعَدُّوا ذلك ثَمانيةً وأربَعينَ مِيلًا، وذلكَ أربَعةُ بُرُدٍ، وتُقدَّرُ بسَيرِ يومَينِ مُعتدلَينِ. وهذه المَسافةُ حَوالَي (٨٦، ٤) كيلو متر؛ لأنَّ «البُرُدَ» جَمعُ بَريدٍ، وهو مَسافةُ أربَعةِ فَراسِخَ، والفَرسَخُ: ثَلاثةُ أميالٍ، والمِيلُ حَوالَي (١، ٨) كيلو متر، فيَكونُ (٨٦، ٤).
واستدَلُّوا على ذلك بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «يا أَهلَ مَكةَ، لَا تَقصُرُوا في أَدنَى مِنْ أربعَةِ بُرُدٍ، مِنْ عُسفانَ إلى مَكةَ» (١)، ولأنَّ ابنَ عمرَ وابنَ عَباسٍ ﵄: «كانَا يَقصُرانِ وَيُفطِرانِ في أربعَةِ بُرُدٍ» (٢)، وهي ستَّةَ عشَرَ فَرسَخًا (٣).
وذهَبَ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنَّ أقَلَّ مَسافةٍ مَسيرةُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ
стр. 1426
ولَيالِيها؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «يَمسَحُ المُقِيمُ يَومًا ولَيلةً، والمُسافِرُ ثَلاثةَ أيَّامٍ ولَياليهُنَّ» (١).
ووَجهُ التَّمسُّكِ بهذا الحَديثِ أنَّه يَقتَضيَ أنَّ كلَّ مَنْ صدَقَ عليه أنَّه مُسافِرٌ، شُرعَ له مَسحُ ثَلاثةِ أيَّامٍ؛ إذِ اللَّامُ في قولِه: «وللمُسَافرِ»، للِاستِغراقِ، كما في جانِبِ المُقيمِ، ولا يُتصوَّرُ ذلك إلا إذا قدَّرَ أقَلَّ مدَّةِ السَّفرِ بثَلاثةِ أيَّامٍ؛ لأنَّه لو قدَّرَ بأقَلَّ مِنْ ذلك لا يُمكِنُه استِيفاءُ مدَّتِه؛ لانتِهاءِ سَفرِه، فاقتَضى تَقديرَه به ضَرورةً، وإلا لخرَجَ بعضُ المُسافِرينَ عنه. وبقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامرَأةٍ تُؤمنُ باللَّهِ واليَومِ الآخرِ أَنْ تُسافِرَ مَسيرَةَ ثَلاثةِ أيَّامٍ إلَّا مع زَوجٍ أو ذِي مَحرَمٍ» (٢)، فلو لم تكُنِ المدَّةُ مُقدَّرةً بالثَّلاثةِ لم يَكنْ لتَخصِيصِ الثَّلاثةِ مَعنًى (٣).
وقدِ استَحبَّ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀ هذا؛ خُروجًا مِنْ الخِلافِ، فقالَ: وأحِبُّ ألَّا يَقصُرَ في أقَلَّ مِنْ ثَلاثةِ أيَّامٍ (٤).
والعِبرةُ في السَّيرِ بالسَّيرِ الوَسَطِ، وهو سَيرُ الإبِلِ المُثقلَةِ بالأَحمالِ، ومَشيُ الأَقدامِ على ما يُعتادُ مِنْ ذلك، مع ما يَتخلَّلُه مِنْ نُزولٍ واستِراحةٍ وأكلٍ وصَلاةٍ. والسَّيرُ في البَحرِ يُراعَى فيه اعتِدالُ الرِّياحِ؛ لأنَّه هو الوَسَطُ، وهو ألا تَكونَ الرِّياحُ غالِبةً ولا ساكِنَةً.
стр. 1427
وذهَبَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميَّةَ وتِلمِيذُه ابنُ القَيمِ إلى أنَّ المُسافِرَ يَقصُرُ الصَّلاةَ في كلِّ ما يُطلَقُ عليه سَفرٌ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، فظاهرُ الآيةِ يَدلُّ على أنَّ القَصرَ يتعلَّقُ بكلِّ ضَربٍ في الأرضِ دونَ تَحديدِ مَسافةٍ مُعيَّنةٍ.
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ﵀: وقد تَنازَعَ العُلماءُ: هل يَختَصُّ بسَفرٍ دونَ سَفرٍ -أيِ القَصرَ- أو يَجوزُ في كلِّ سَفرٍ؟ وأظهَرُ القولَينِ أنَّه يَجوزُ في كلِّ سَفرٍ، قَصيرًا كانَ أو طَويلًا، كما قصَرَ أهلُ مَكةَ خلفَ النَّبيِّ ﷺ بعَرفةَ ومنًى، وبينَ مَكةَ وعَرفةَ نَحوُ بَريدٍ «أربَعةُ فَراسِخَ».
وأيضًا فليسَ الكتابُ والسُّنةُ يَخُصانِ سَفرًا دونَ سَفرٍ، لا بقَصرٍ ولا بفِطرٍ ولا تَيمُّمٍ، ولم يَحدَّ النَّبيُّ ﷺ مَسافةَ القَصرِ بحَدٍّ، لا زَمانِيٍّ ولا مَكانِيٍّ، والأَقوالُ المَذكورةُ في ذلك مُتعارِضةٌ، ليسَ على شَيءٍ منها حُجةٌ، وهي مُتناقِضةٌ، ولا يُمكِنُ أن يُحَدَّ بحَدٍّ صَحيحٍ.
فإنَّ الأرضَ لا تُذرَعُ بذَرعٍ مَضبوطٍ في عامَّةِ الأسفارِ، وإنَّ حَركةَ المُسافرِ تَختلِفُ، والواجِبَ أن يُطلَقَ ما أطلَقَه صاحِبُ الشَّرعِ، ويُقيَّدَ ما قيَّده، فيَقصُرَ المُسافِرُ الصَّلاةَ في كلِّ سَفرٍ، وكذلك جَميعُ الأَحكامِ المُتعَلِّقةِ بالسَّفرِ مِنْ القَصرِ والصَّلاةِ على الرَّاحِلةِ والمَسحِ على الخُفَّينِ، ومَن قسَّمَ الأسفارَ إلى قَصيرةٍ وطَويلةٍ، وخصَّ بعضَ الأَحكامِ بهذا، وبعضَها بهذا، وجعَلَها مُتعلِّقةً بالسَّفرِ الطَّويلِ، فليسَ معه حُجَّةٌ يَجبُ الرُّجوعُ إليها، واللهُ أعلَمُ (١).
стр. 1428
واحتَجَّا على ذلك أيضًا بأنَّ النَّبيَّ ﷺ ثبَتَ عنه أنَّه قصَرَ فيما دونَ المَسافاتِ المُحَدَّدةِ، فعَن أنَسٍ ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا خرَجَ مَسِيرَةَ ثَلاثةِ أَميَالٍ، أو ثَلاثةِ فَراسِخَ، صلَّى رَكعَتينِ» (١)؛ فهو يَدلُّ صَراحةً على أنَّ القَصرَ يتعلَّقُ بمُطلَقِ السَّفرِ، ولو كانَ ثَلاثةَ أميالٍ، أو ثَلاثةَ فَراسِخَ.
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: هو أصحُّ حَديثٍ ورَدَ في بَيانِ ذلك وأصرَحُه (٢)؛ وعن أنَسٍ أيضًا قالَ: «صلَّيتُ الظُّهرَ مع النَّبيِّ ﷺ بالمَدينَةِ أَربَعًا، والعَصرَ بذِي الحُليفَةِ رَكعَتينِ» (٣)، وبينَهما ثَلاثَةُ أَميالٍ (٤).
الحكمُ بالنِّسبةِ لوَسائلِ السَّفرِ الحَديثةِ:
قد ذكَرْنا فيما سبَقَ أنَّ الفُقهاءَ حَدَّدوا أقَلَّ المَسافةِ التي تُشترطُ لقَصرِ الصَّلاةِ، وأنَّهم عَدُّوا السَّيرَ الوَسَطَ (مَشيَ الأَقدامِ وسَيرَ الإبلِ) هو الأساسَ في التَّقديرِ، وهي ما يَقرُبُ مِنْ (٨٦، ٤) تَقريبًا عندَ الجُمهورِ، والمَقصودُ هنا هو مَعرِفةُ الحُكمِ إذا استُعمِلَت وَسائِلُ السَّفرِ الحَديثةُ، كالقِطاراتِ، والسَّيَّاراتِ والطَّائِراتِ، حيثُ الرَّاحةُ وقِصرُ المدَّةِ.
وقد تَحدَّثَ الفُقهاءُ عن ذلك، فعندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلَةِ
стр. 1429
كما يتَّضحُ مِنْ أَقوالِهم أنَّ المُسافِرَ لو قطَعَ مَسافةَ السَّفرِ المُحَدَّدةَ في زَمنٍ أقَلَّ؛ لِاستِعمالِه وَسائلَ أسرَعَ، فإنَّه يَقصُرُ الصَّلاةَ؛ لأنَّه يَصدُقُ عليه أنَّه سافَرَ مَسافةَ القَصرِ.
قالَ الدُّسوقيُّ مِنْ المالِكيةِ: قولُه: (لمُسافِرٍ) أي: ولو كانَ سَفرُه على خِلافِ العادةِ، بأن كانَ بطَيرانٍ أو بخُطوةٍ، فمَن كانَ يَقطعُ المَسافةَ بسَفرِه قصَرَ، ولو كانَ يَقطعُها في لَحظةٍ بطَيرانٍ ونحوِه (١).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: لو قطَعَ قَدرَ ثَمانيةٍ وأربَعينَ مِيلًا في ساعةٍ أو لَحظَةٍ، جازَ له القَصرُ؛ لأنَّها مَسافةٌ صالِحةٌ للقَصرِ، فلا يُؤثِّرُ قَطعُها في زَمنٍ قَصيرٍ (٢).
وقالَ البُهوتِيُّ ﵀: يَقصُرُ المُسافِرُ الرُّباعيَّةَ إلى رَكعَتينِ إِجماعًا، ولو قطَعَ المَسافةَ في ساعَةٍ واحدةٍ؛ لأنَّه صدَقَ عليه أنَّه سافَرَ أربعَةَ بُرُدٍ (مَسافةَ القَصرِ) (٣).
أمَّا الحَنفيةُ فقدِ اختَلفَ النَّقلُ عندَهم، فنقَلَ الكاسانِيُّ في «البَدائِع» عن أَبي حَنيفةَ ﵀: أنَّ المُسافِرَ لو سارَ إلى مَوضعٍ في يَومٍ أو يومَينِ، وأنه بسَيرِ الإبِلِ والمَشيِ المُعتادِ مَسيرةُ ثَلاثةِ أيَّامٍ، فإنَّه يَقصُرُ الصَّلاةَ؛
стр. 1430
اعتِبارًا للسَّيرِ المُعتادِ، وهذا القولُ يُوافِقُ المَذاهبَ السابقةَ؛ لأنَّ أبا حَنيفةَ عَدَّ العِلةَ هي قَطعُ المَسافةِ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: عن أَبي حَنيفةَ فيمَن سارَ في الماءِ يَومًا، وذلك في البَرِّ ثَلاثَةُ أيَّامٍ، أنَّه يَقصُرُ الصَّلاةَ؛ لأنَّه لا عِبرةَ بِالإسراعِ، وكذا لو سارَ في البَرِّ إلى مَوضعٍ في يَومٍ أو يومَينِ، وأنَّه بسَيرِ الإبلِ والمَشيِ المُعتادِ ثَلاثَةُ أيَّامٍ، يَقصُرُ اعتبارًا لِلسَّيرِ المُعتادِ، وعلى هذا إذا سافَرَ في الجِبالِ والعَقَباتِ أنَّه يُعتبَرُ مَسيرةُ ثَلاثةِ أيَّامٍ فيها، لا في السَّهلِ؛ فالحاصِلُ أنَّ التَّقديرَ بمَسيرةِ ثَلاثةِ أيَّامٍ، أو بالمَراحلِ في السَّهلِ والجَبَلِ والبَرِّ والبَحرِ، ثم يُعتبَرُ في كلِّ ذلك السَّيرُ المُعتادُ فيه، وذلك مَعلومٌ عندَ الناسِ، فيُرجَعُ إليهم عندَ الاشتِباهِ، والتَّقديرُ بالفَراسِخِ غيرُ سَديدٍ؛ لأنَّ ذلك يختلِفُ باختِلافِ الطَّريقِ.
وقالَ أبو حَنيفَةَ: إذا خرَجَ إلى مِصرٍ في ثَلاثةِ أيَّامٍ، وأَمكَنه أن يَصلَ إليه مِنْ طَريقٍ آخرَ في يَومٍ واحدٍ، قصرَ … ؛ لأنَّ الحُكمَ مُعلَّقٌ بالسَّفرِ، فكانَ المُعتبَرُ مَسيرةَ ثَلاثةِ أيَّامٍ على قَصدِ السَّفرِ، وقد وُجدَ (١).
لكنَّ الكَمالَ بنَ الهُمامِ ﵀ عَدَّ العِلةَ لقَصرِ الصَّلاةِ في السَّفرِ هي المَشقَّةُ التي تَلحَقُ بالمُسافرِ، ولذلك يَذكُرُ أنَّ المُسافِرَ لو قطَعَ المَسافَةَ في ساعةٍ صَغيرةٍ، فإنَّه لا يَقصُرُ الصَّلاةَ، وإن كانَ يَصدُقُ عليه أنَّه قطَعَ مَسافَةَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ بسَيرِ الإبلِ؛ لانتِفاءِ مَظِنةِ المَشقَّةِ، وهي العِلةُ (٢).
стр. 1431
أَحكامُ القَصرِ:
مَشروعِيَّةُ القَصرِ:
القَصرُ مَعناهُ: أن تَصيرَ الصَّلاةُ الرُّباعيَّةُ رَكعَتينِ في السَّفرِ، سَواءٌ في حالةِ الخَوفِ، أو في حالةِ الأمنِ.
وقد شُرعَ القَصرُ في السَّنةِ الرابِعةِ مِنْ الهِجرةِ (١)، ومَشروعيَّةُ القَصرِ ثابِتةٌ بالكتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ.
أمَّا الكتابُ، فقولُه تَعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، قالَ يَعلى بنُ أُميَّةَ: قُلتُ لعمرَ بنِ الخَطابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَد أمِنَ النَّاسُ؟ فقالَ: عَجِبتُ ممَّا عَجِبتَ منه، فسأَلتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقالَ: «صَدقةٌ تَصدَّقَ اللهُ بها عَليكم، فاقبَلُوا صَدقتَه» (٢).
وأمَّا السُّنةُ: فقد تَواترَتِ الأَخبارُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَقصُرُ في أَسفارِهِ حَاجًّا ومُعتمِرًا وغازِيًا، وقالَ ابنُ عمرَ ﵁: «صحِبتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَعني في السَّفرِ-، فكانَ لَا يَزيدُ في السَّفرِ على الرَّكعَتينِ، وأَبا بَكرٍ حتى قُبضَ، وعمرَ وعُثمانَ ﵃ كَذلك» (٣).
стр. 1432
وقالَ ابنُ مَسعودٍ ﵁: «صلَّيتُ مع النَّبيِّ ﷺ رَكعَتينِ، ومعَ أَبي بَكرٍ ﵁ رَكعَتينِ، ومعَ عمرَ ﵁ رَكعَتينِ، ثم تَفرَّقت بكُم الطُّرقُ، فَيا ليتَ حَظِّي مِنْ أَربَعٍ رَكعتَانِ مُتقبَّلتانِ» (١).
وقالَ أنَسٌ ﵁: «خرَجنَا مع النَّبيِّ ﷺ فَقصرَ الصَّلاةَ حتى أَتَينَا مَكةَ، وَأقامَ بها عَشرًا يَقصُرُ الصَّلاةَ، حتى رجَعَ إلى المَدِينَةِ» (٢).
أمَّا الإِجماعُ: فقالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ لمَن سافَرَ سَفرًا تُقصَرُ في مِثلِه الصَّلاةُ، مِثلَ: حَجٍّ أو جِهادٍ أو عُمرةٍ، أن يَقصُرَ الظُّهرَ والعَصرَ والعِشاءَ، يُصلِّي كلَّ واحدةٍ منها رَكعَتينِ رَكعَتينِ، وأجمَعوا على ألا يَقصُرَ في المَغربِ، ولا في الصُّبحِ (٣).
حكمُ قَصرِ الصَّلاة في السَّفرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ قَصرِ الصَّلاةِ في السَّفرِ: هل هو جائِزٌ أو واجِبٌ أو سُنةٌ مُؤكَّدَةٌ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ فَرضَ المُسافرِ مِنْ ذواتِ الأربَعِ رَكعَتانِ لا غيرُ، فليسَ لِلمُسافرِ أن يُتمَّ الصَّلاةَ أربَعًا؛ فهي عَزيمةٌ، لا رُخصةٌ؛ لقولِ عائشةَ ﵂: «فرَضَ اللهُ الصَّلاةَ حينَ فرَضَهَا رَكعَتينِ رَكعَتينِ، في الحَضرِ والسَّفرِ، فأُقِرَّت صَلاةُ السَّفرِ، وزِيدَ في صَلاةِ
стр. 1433
الحَضرِ» (١)، ولا يُعلَمُ ذلك إلا تَوقيفًا، وبقولِ عمرَ ﵁: «صَلاةُ السَّفرِ رَكعتَانِ، وَالجمُعةِ رَكعتَانِ، وَالعِيدِ رَكعتَانِ، تَمامٌ غيرُ قَصرٍ، على لِسانِ مُحمدٍ ﷺ » (٢).
وعنِ ابنِ عَباسٍ ﵄: «إِنَّ اللهَ فرَضَ الصَّلاةَ على لِسانِ نَبيِّكم ﷺ على المُسافرِ رَكعَتينِ، وعلى المُقيمِ أربَعًا» (٣).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: إنَّ فَرضَ المُسافرِ مِنْ ذواتِ الأربَعِ رَكعَتانِ لا غيرُ.
وقالَ الشافِعيُّ: أربَعٌ، كفَرضِ المُقيمِ، إلا أنَّ للمُسافرِ أن يَقصُرَ رُخصَةً.
ومِن مَشايخِنا مَنْ لقَّبَ المَسألةَ بأنَّ القَصرَ عندَنا عَزيمةٌ، وأنَّ الإكمالَ رُخصَةٌ.
وهذا التَّلقيبُ على أصلِنا خَطأٌ؛ لأنَّ الرَّكعَتينِ مِنْ ذَواتِ الأربَعِ في حقِّ المُسافرِ ليستَا قَصرًا حَقيقةً عندَنا، بل هُما تَمامُ فَرضِ المُسافرِ، والإكمالُ ليسَ رُخصةً في حقِّه بل هو إساءَةٌ ومُخالَفةٌ لِلسُّنةِ، هكذا رُويَ عن أَبي حَنيفةَ أنَّه قالَ: مَنْ أتَمَّ الصَّلاةَ في السَّفرِ فقد أساءَ وخالَفَ السُّنةَ.
стр. 1434
وهذا لأنَّ الرُّخصَةَ اسمٌ لمَا تغيَّرَ عن الحُكمِ الأصلِيِّ؛ لعارِضٍ إلى تَخفيفٍ ويُسرٍ، ولِمَا عُرفَ في أُصولِ الفِقهِ، ولم يُوجَدْ معنَى التَّغييرِ في حقِّ المُسافرِ رَأسًا؛ إذِ الصَّلاةُ في الأصلِ فُرضَت رَكعَتينِ في حقِّ المُقيمِ والمُسافرِ جَميعًا؛ لمَا يُذكَرُ، ثم زِيدَت رَكعتَانِ في حقِّ المُقيمِ، وأُقرَّتِ الرَّكعَتانِ على حالِهما في حقِّ المُسافرِ، كما كانَتا في الأصلِ؛ فانعدمَ مَعنى التَّغييرِ أصلًا في حقِّه، وفي حقِّ المُقيمِ وجَدَ التَّغييرُ، لكن إلى الغِلَظِ والشِّدَّةِ، لا إلى السُّهولةِ واليُسرِ، والرُّخصَةُ تُنبِئُ عن ذلك، فلم يَكنْ ذلك رُخصةً في حقِّه حَقيقةً، ولو سُمِّيَ فإنَّما سُمِّيَ مَجازًا؛ لوُجودِ بعضِ مَعاني الحَقيقةِ، وهو التَّغييرُ (١).
أمَّا المالِكيةُ فالمَشهورُ عندَهم أنَّ القَصرَ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ، فإنَّه لم يَصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه أتَمَّ الصَّلاةَ، بلِ المَنقُولُ عنه القَصرُ في كلِّ أَسفارِه، وما كانَ هذا شَأنُه فهو سُنةٌ مُؤكَّدةٌ.
قالَ الشَّيخُ أحمدُ الصَّاويُّ ﵀ في «بُلغة السَّالِكِ»: قولُه: (سُنةٌ مُؤكَّدةٌ) هذا هو الرَّاجحُ، قالَ عِياضٌ في «الإكمالِ»: كَونُه سُنةً هو المَشهورُ مِنْ مَذهبِ مالِكٍ وأكثَرِ أَصحابِه، وأكثَرِ العُلماءِ مِنْ السَّلفِ والخَلفِ. اه. وقيلَ: إنَّ القَصرَ فَرضٌ، وقيلَ: مُستحَبٌّ، وقيلَ: مُباحٌ (٢).
стр. 1435
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ القَصرَ جائِزٌ، تَخفيفًا على المُسافرِ؛ لمَا يَلحَقُه مِنْ مَشقَّةِ السَّفرِ في الأَغلَبِ، واحتَجوا على ذلك بقولِه تَعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا يُستَعمَلُ (لا جُناحَ) إلا في المُباحِ.
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا يَدلُّ على أنَّ القَصرَ رُخصةٌ مُخيَّرٌ بينَ فِعلِه وتَركِه، كسائرِ الرُّخَصِ، وقالَ يَعلى بنُ أُميَّةَ: قُلتُ لِعمرَ بنِ الخَطابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فقالَ: عَجِبتُ ممَّا عَجِبتَ منه، فسألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: صَدقةٌ تَصدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبَلوا صَدقَتَه (١). وهذا يَدلُّ على أنَّه رُخصةٌ، وليسَ بعَزيمةٍ، وأنَّها مَقصورةٌ، ورَوى الأسوَدُ عن عائشةَ أنَّها قالَت: خرَجتُ معَ رَسولِ اللهِ ﷺ في عمرَةِ رَمضَانَ، فأَفطَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ وصُمتُ، وقصَرَ وأَتمَمتُ، فقُلتُ: يَا رَسولَ اللهِ، بأَبي وأُمِّي، أَفطَرتَ وصُمتُ، وقَصَرت وأَتمَمتُ، فقالَ: «أحسَنتِ يَا عائشةُ» وما عابَه علَيَّ (٢)، وهذا صَريحٌ في الحُكمِ، ولأنَّه لو ائتَمَّ بمُقيمٍ صلَّى أربَعًا، وصحَّتِ الصَّلاةُ، والصَّلاةُ لا تَزيدُ بالائتِمَامِ.
стр. 1436
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وفي إِجماعِ الجُمهورِ مِنْ الفُقهاءِ على أنَّ المُسافِرَ إذا دخَلَ في صَلاةِ المُقيمِينَ فأدرَكَ منها رَكعةً أنَّه يَلزمُه أربَعٌ، دَليلٌ واضِحٌ على أنَّ القَصرَ رُخصةٌ؛ إذ لو كانَ فَرضُه رَكعَتينِ لم يَلزمْه أربَعٌ بحالٍ، ورَوى بإِسنادِه عن عَطاءٍ عن عائشةَ: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يُتمُّ في السَّفرِ وَيَقصُرُ» (١).
ثم إنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ المالِكيةَ والشافِعيةَ والحَنابلَةَ يَرَونَ أنَّ القَصرَ أفضَلُ مِنْ الإِتمامِ، أمَّا الحَنفيةُ فإنَّ هذا (أي: القَصرَ) هو الأصلُ عندَهم (٢).
شَرائطُ القَصرِ:
يَقصُرُ المُسافِرُ الصَّلاةَ الرُّباعِيَّةَ إلى رَكعَتينِ إذا تَوافَرتِ الشَّرائطُ الآتيةُ:
الأُولى: نيَّةُ السَّفرِ: وهي شَرطٌ عندَ جَميعِ الفُقهاءِ كما سبَقَ.
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقُوا على أنَّه إذا سافَرَ لا يَقصِدُ جِهةً مُعيَّنةً أنَّه لا يُرخَّصُ، إلا ما حُكيَ عن أَبي حَنيفةَ أنَّه إذا كانَ على هذه الحالِ، ثم سارَ مَسيرةَ ثَلاثةِ أيَّامٍ يَقصُرُ الصَّلاةَ بعدَ ذلك (٣).
стр. 1437
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: لأنَّ السَّيرَ قد يَكونُ سَفرًا، وقد لا يَكونُ؛ لأنَّ الإِنسانَ قد يَخرجُ مِنْ مِصرِه إلى مَوضعٍ لِإصلاحِ الضَّيعةِ ثم تَبدُو له حاجَةٌ أُخرى إلى المُجاوَزةِ عنه إلى مَوضعٍ آخرَ، ليسَ بينَهما مدَّةُ سَفرٍ ثم وثم، إلى أن يَقطعَ مَسافةً بَعيدةً أكثرَ مِنْ مدَّةِ السَّفرِ، لا لقَصدِ السَّفرِ، فلا بدَّ مِنْ النِّيةِ للتَّميزِ (١).
وقالَ في «شَرح فَتحِ القَديرِ»: لو طافَ الدُّنيا مِنْ غيرِ قَصدٍ إلى قَطعِ مَسيرةِ ثَلاثةِ أيَّامٍ، لا يَترخَّصُ، وعلى هذا قالوا: أميرٌ خرَجَ مع جَيشِه في طلَبِ العَدوِّ، ولم يَعلَمْ أينَ يُدرِكُهم؛ فإنَّهم يُصلُّونَ صَلاةَ الإِقامةِ في الذَّهابِ، وإن طالَتِ المدَّةُ، وكذلك المُكثُ في ذلك المَوضِعِ، أمَّا في الرُّجوعِ فإن كانَ مدَّةَ سَفرٍ قَصَروا (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الاعتِبارُ بالنِّيةِ، لا بالفِعلِ، فيُعتبَرُ أن يَنوِيَ مَسافةً تُبيحُ القَصرَ، فلو خرَجَ يَقصِدُ سَفرًا بَعيدًا، فقصَرَ الصَّلاةَ، ثم بَدا له، فرجَعَ، كانَ ما صلَّاه ماضِيًا صَحيحًا، ولا يَقصُرُ في رُجوعِه إلا أن تَكونَ مَسافَةُ الرُّجوعِ مُبيحةً بنَفسِها، نصَّ أحمدُ على هذا، ولو خرَجَ طالِبًا لعَبدٍ آبِقٍ لا يَعلَمُ أينَ هو، أو مُنتجِعًا غَيثًا، أو كلَأً، متى وجَدَه أقامَ أو رجَعَ، أو سائِحًا في الأرضِ، لا يَقصِدُ مَكانًا، لم يُبَحْ له القَصرُ، وإن سارَ أيَّامًا، وقالَ
стр. 1438
ابنُ عَقيلٍ: يُباحُ له القَصرُ إذا بلَغَ مَسافَةً مُبيحةً له؛ لأنَّه مُسافِرٌ سَفرًا طَويلًا.
قالَ ابنُ قُدامةَ: ولنا: أنَّه لم يَقصِدْ مَسافةَ القَصرِ، فلم يُبَح له كابتِداءِ سَفرِه، ولأنَّه لم يُبَح القَصرُ في ابتِدائِه، لم يُبَح في أثنائِه إذا لم يُغيِّر نيَّتَه، كالسَّفرِ القَصيرِ، وسَفرِ المَعصيةِ، ومتى رَجعَ هذا يَقصدُ بَلدَه، أو نَوى مَسافَةَ القَصرِ، فله القَصرُ، لوُجودِ نيَّتِه المُبِيحَةِ، ولو قصَدَ بَلدًا بَعيدًا، أو في عَزمِه أنَّه متى وجَدَ طِلبَتَه دُونَه رَجعَ أو أقامَ، لم يُبَحْ له القَصرُ؛ لأنَّه لم يَجزِم بسَفرٍ طَويلٍ، وإن كانَ يَرجعُ ولا يُقيمُ بوُجودِه، فلَه القَصرُ (١).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: يُشتَرطُ لجَوازِ القَصرِ أن يَربِطَ قَصدَه بمَقصِدٍ مَعلومٍ، فأمَّا الهائِمُ الذي لا يَدري أينَ يَتوجَّهُ، ولا له قَصدٌ في مَوضعٍ، وراكِبُ التَّعاسيفِ -وهو الذي لا يَسلُكُ طَريقًا، ولا له مَقصِدٌ مَعلومٌ- فلا يَترخَّصانِ أبدًا بقَصرٍ ولا غيرِه مِنْ رُخَصِ السَّفرِ، وإن طالَ سَفرُهما، وبلغَ مَراحلَ، فهذا هو المَذهبُ، وبه قطَعَ الأَصحابُ، في كلِّ الطُّرقِ.
وقالَ البَغويُّ وغيرُه: وكَذا البَدويُّ: إذا خرَجَ مُنتَجِعًا، على أنَّه متى وجَدَ مَكانًا مُعشِبًا أقامَ به، لم يَجزْ له التَّرخُّصُ (٢).
والمُعتبَرُ في نيَّةِ السَّفرِ الشَّرعيِّ نيَّةُ الأصلِ دونَ التَّابِعِ، فمَن كانَ سَفرُه تابِعًا لغيرِه فإنَّه يَصيرُ مُسافِرًا بنيَّةِ ذلك الآخَرِ، وذلك كالزَّوجةِ التَّابعةِ
стр. 1439
لزَوجِها، فإنَّها تَصيرُ مُسافِرةً بنيَّةِ زَوجِها، وكذلك مَنْ لزِمَه طاعَةُ غيرِه، كالسُّلطانِ وأميرِ الجَيشِ؛ فإنَّه يَصيرُ مُسافِرًا بنيَّةِ مَنْ لزِمَته طَاعَتُه؛ لأنَّ حُكمَ التَّبعِ حكمُ الأصلِ، وهذا مَذهبُ الحَنفيةِ والحَنابلَةِ (١).
أمَّا الشافِعيةُ فقالوا: لو تبِعَت الزَّوجُة زَوجَها، أو الجُندِيُّ قائِدَه في السَّفرِ، ولا يَعرفُ كلُّ واحدٍ منهم مَقصدَه، فلا قَصرَ لهم؛ لأنَّ الشَّرطَ -وهو قَصدُ مَوضعٍ مُعيَّنٍ- لم يَتحقَّقْ، وهذا قبلَ بُلوغِهم مَسافَةَ القَصرِ، فإن قَطَعُوها قَصَروا.
فلو نَوتِ الزَّوجُة دونَ زَوجِها، أوِ الجُندِيُّ دونَ قائِدِه مَسافَةَ القَصرِ، أو جهِلَا الحالَ، قصَرَ الجُندِيُّ غيرُ المُثبَتِ في الدِّيوانِ دونَ الزَّوجةِ؛ لأنَّ الجُندِيَّ حينَئذٍ ليسَ تحتَ يَدِ الأميرِ وقَهرِه، بخِلافِ الزَّوجةِ؛ فنيَّتُها كالعدمِ، أمَّا الجُندِيُّ المُثبَتُ في الدِّيوانِ فلا يَقصُرُ؛ لأنَّه تحتَ يدِ الأميرِ، ومِثلُه الجَيشُ؛ إذ لو قيلَ بأنَّه ليسَ تحتَ يَدِ الأميرِ وقَهرِه كالآحادِ، لَعظُمَ الفَسادُ (٢).
القَصرُ في سَفرِ المَعصيةِ:
ويُشتَرطُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلَةِ في السَّفرِ الذي تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ ألَّا يَكونَ سَفرَ مَعصيةٍ، فلا يَقصُرُ عاصٍ بسَفرِه، كأنْ خرَجَ لقَطعِ الطَّريقِ، أو لِقِتالِ المسلِمينَ ظُلمًا، أو كانَ تاجِرًا في الخَمرِ
стр. 1440
والمُحَرماتِ، أو كانَ امرأةً ناشِزةً مِنْ زَوجِها، أو مُتغيِّبًا عن غَريمِه، مع قُدرَتِه على قَضاءِ دَينِه، ونحوَ ذلك، فلا يَجوزُ له أن يَترخَّصَ بالقَصرِ ولا بغيرِه مِنْ رُخَصِ السَّفرِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]؛ فأباحَ الأكلَ لمَن لم يَكنْ عادِيًا ولا باغِيًا، فلا يُباحُ لِباغٍ ولا عادٍ، قالَ ابنُ عَباسٍ: غيرَ باغٍ على المسلِمينَ، مُفارِقٍ لِجَماعتِهم، يُخيفُ السَّبيلَ، ولا عادَ عليهم؛ ولأنَّ التَّرخُّصَ شُرعَ لِلإعانةِ على تَحصيلِ المَقصِدِ المُباحِ تَوصُّلًا إلى المَصلَحةِ، فلو شُرعَ ههنا لَشُرعَ إعانَةً على المُحَرمِ تَحصيلًا للمَفسَدةِ، والشَّرعُ مُنَزَّهٌ عن هذا، والنُّصوصُ وَرَدت في حقِّ الصَّحابةِ، وكانَت أسفارُهم مُباحةً، فلا يثبُتُ الحكمُ فيمَن سَفرُه مُخالِفٌ لِسَفرِهم.
فإن قصَرَ العاصي بسَفرِه فعندَ المالِكيةِ لا يُعيدُ الصَّلاةَ، على الأصوَبِ، وإن أثِمَ بعِصيانِه.
ومَن أنشَأَ السَّفرَ عاصِيًا به، ثم تابَ في أَثنائِه، فعندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في الصَّحيحِ والحَنابلَةِ: يَقصُرُ إن كانَ ما بقِيَ مِنْ السَّفرِ مَسافَةَ القَصرِ.
ولو سافَرَ سَفرًا مُباحًا ثم قصدَ بسَفرِه المَعصيةَ قبلَ تَمامِ سَفرِه، انقطَعَ التَّرخُّصُ؛ فلا يَقصُرُ مِنْ حينِ نَوى المَعصيةَ؛ لأنَّ سَفرَ المَعصيةِ يُنافِي التَّرخُّصَ، وهذا عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في الأصَحِّ والحَنابلَةِ، والقولِ الثاني لِلشافِعيَّةِ: أنَّه يَترخَّصُ بالقَصرِ وغيرِه؛ لأنَّ السَّفرَ انعَقدَ مُباحًا، فلا يتغيَّرُ العاصي في سَفرِه، وهو مَنْ خرَجَ في سَفرٍ مُباحٍ، وقَصدٍ صَحيحٍ، ثم