← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13756–13795 · переход к 13761.

стр. 13756

١ - فللإمامِ قَتلُه بدونِ صَلبٍ. ٢ - وله قَتلُه وهو مَصلوبٌ. ٣ - وله قَطعُ يَمينِه مِنْ الكُوعِ ورِجلِه اليُسرَى مِنْ مَفصِلِ الكَعبِ. ٤ - وله نَفيُ الذَّكرِ الحُرِّ كما يُنفى في الزنا، ويُحبَسُ للأقصى مِنْ السَّنةِ وظُهورِ التوبةِ، وضُربَ قبلَ النَّفيِ اجتِهادًا بحَسبِ ما يَراهُ الحاكمُ. وهذه الحُدودُ الأربعُ يُخيَّرُ فيها الإمامُ، والتخييرُ بينَ الأربعِ في حقِّ المحارِبِ الذَّكرِ، أمَّا المَرأةُ فلا تُصلَبُ ولا تُنفى؛ إنما حَدُّها القَتلُ أو القَطعُ مِنْ خِلافٍ. إلا أنه يُندَبُ للإمامِ أنْ يَنظرَ في حالِ المُحارِبِ الذي لم يَصدرْ منه قَتلٌ، فمَن كانَ له تَدبيرٌ في الحُروبِ وفي الخَلاصِ منها تَعيَّنَ له القَتلُ لا القَطعُ مِنْ خِلافٍ؛ لأنه لا يُدفعُ ضَررُه. وإنْ كانَ المُحارِبُ مِنْ أهلِ البَطشِ والشجاعةِ فيَتعيَّنُ قَطعُه مِنْ خِلافٍ. فإنْ لم يَكنْ عندَه تَدبيرٌ ولا بَطشٌ بل اتَّصفَ بغَيرِهما أو وقَعَتْ منه الحِرابةُ فَلْتةً مُخالِفةً لظاهرِ حالِه ومُوافِقةً لغيرِه تعيَّنَ له الضَّربُ والنفيُ، أي: يَضربُه ويَنفيهِ. ثمَّ إنَّ الإمامَ هو الذي يُعيِّنُ ما يفعلُ بالمُحاربِ مِنْ العُقوباتِ الأربعِ المَذكورةِ، لا لمَن قُطِعتْ يَدُه ونحوُها، فلا تَعيينَ له في ذلكَ؛ إذ لا حَقَّ له في ذلك؛ لأنَّ ما يَفعلُه الإمامُ بالمحارِبِ ليس عن شيءٍ مُعيَّنٍ، وإنما هو عن جَميعِ ما يَفعلُه في حِرابتِه مِنْ إخافةٍ وأخذِ مالٍ وجرحٍ (١).

стр. 13757

جَوازُ مُقاتَلةِ قُطَّاعِ الطَّريقِ وإهدارُ دَمِهم: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَوازِ قِتالِ قُطَّاعِ الطريقِ، وعلى أنَّ الإنسانَ إذا لم يَستطعِ الدفعَ عن نَفسِه إلا بقَتلِهم جازَ له قَتلُهم، ودَمُهم هَدرٌ لا قَوَدَ فيه ولا ديَةَ؛ لِما رُويَ عن أبي هُرَيرةَ ﵁ قالَ: «جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ أرَأيتَ إنْ جاءَ رَجلٌ يُريدُ أخْذَ مالي؟ قالَ: فلا تُعطِه مالَكَ، قالَ: أرَأيتَ إنْ قاتَلَني؟ قالَ: قاتِلْهُ، قالَ: أرَأيتَ إنْ قتَلَني؟ قالَ: فأنتَ شَهيدٌ، قالَ: أرَأيتَ إنْ قَتلتُه؟ قالَ: هوَ في النارِ» (١). قالَ أبو بَكرٍ الجصَّاصُ ﵀: لا نَعلمُ خِلافًا أنَّ رَجلًا لو شهَرَ سيفَه على رَجلٍ ليَقتلَه بغيرِ حَقٍّ أنَّ على المُسلمينَ قَتلُه، فكذلكَ جائزٌ للمَقصودِ بالقتلِ قتلُه (٢). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: أجمَعَ المُسلمونَ على جَوازِ مُقاتَلةِ قُطَّاعِ الطريقِ، وقد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «مَنْ قُتلَ دونَ مالِه فهو شَهيدٌ»، فالقُطَّاعُ إذا طَلَبوا مالَ المَعصومِ لم يَجبْ عليه أنْ يُعطيَهم شيئًا باتِّفاقِ الأئمَّةِ، بل يَدفعُهم بالأسهَلِ فالأسهلِ، فإنْ لم يَندفِعوا إلا بالقِتالِ فله أنْ يُقاتلَهم، فإنْ قُتلَ كانَ شَهيدًا، وإنْ قتَلَ واحدًا منهُم على

стр. 13758

هذا الوجهِ كانَ دَمُه هَدرًا، وكذلكَ إذا طَلَبوا دَمَه كانَ له أنْ يَدفعَهم ولو بالقَتلِ إجماعًا، لكنَّ الدفعَ عن المالِ لا يَجبُ، بل يَجوزُ له أنْ يُعطيَهم المالَ ولا يُقاتلَهم، وأما الدفعُ عن النَّفسِ ففِي وُجوبِه قَولانِ هُما رِوايتانِ عن أحمَدَ (١). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: الإجماعُ بأنَّ مَنْ شهَرَ على آخَرَ سِلاحًا ليَقتلَه فدفَعَ عن نَفسِه فقتَلَ الشاهِرَ أنه لا شيءَ عليهِ (٢). ثُبوتُ حَدِّ الحِرابةِ: يَثبتُ حَدُّ الحِرابةِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ بشَهادةِ عَدلينِ، وزادَ المالِكيةُ أنَّ المُحارِبَ إذا كانَ مَشهورًا وكانَ حالُه في الحِرابةِ مُستفيضًا فشَهدَ عليه رَجلانِ يَعرفانِه بعَينِه وقالَا: «إنَّ هذا هو فُلانٌ المَشهورُ بالحِرابةِ» تَثبتُ الحِرابةُ بشَهادتِهما، أو أقامَ الإمامُ عليه الحَدَّ بهذه الشهادةِ وقتَلَه وإنْ لم يَشهدَا عليه بمُعايَنةِ القتلِ والسلبِ وقَطعِ الطَّريقِ (٣). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما لو شَهدَ شاهِدانِ مِنْ الرِّفقةِ أنَّ هَؤلاءِ عَرَضوا لنا فنَالُونا وأخَذُوا مَتاعَنا، هل تَجوزُ شَهادتُهما أم لا؟

стр. 13759

فقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: لا تجوزُ شَهادتُهما؛ لأنهُما خَصمانِ ويَسعَهما أنْ يَشهدَا «أنَّ هؤلاءِ عَرَضوا لهَؤلاءِ ففَعَلوا بهِم كذا وكذا وأخَذوا منهُم كذا وكذا ونَحنُ نَنظرُ»، وليسَ للإمامِ أنْ يكشفَهُما عن غيرِ ذلكَ. قالَ الماوَرديُّ ﵀: إذا أخبَرَ جَماعةٌ ادَّعَوا على قَومٍ أحضَروهُم أنهُم قَطَعوا عليهِم الطريقَ وأخَذُوا منهُم أموالًا وقَتَلوا منهِم رِجالًا؛ فإنِ اعتَرَفوا لهم طَوعًا بما ادَّعَوا أُخِذوا بإقرارِهم في النُّفوسِ والأموالِ، وإنْ أنكَروهُم أحلَفُوهم إنْ عَدِموا البيِّنةَ عليهِم، وإنِ اعتَرفَ بعضُهم وأنكَرَ بعضُهم حُدَّ المُعتَرِفُ منهم بإقرارِه وأُحلِفَ المُنكِرُ، ولم تُسمعْ شَهادةُ المعتَرِفِ على المُنكِرِ؛ لفِسقِه بقَطعِ الطريقِ، فإنْ شَهدَ للمُدَّعينَ شاهِدانِ فقالوا: «نَشهدُ أنَّ هؤلاءِ قَطَعوا علينا الطريقَ وأخَذوا أموالَنا وقَتَلوا منَّا نُفوسًا» لم تُقبلْ شَهادتُهم؛ لأمرَينِ: أحَدُهما: لأنهما قد صارَا خصمَينِ مِنْ جُملةِ المُدَّعينَ لم يَتميَّزوا عنهُم في الشهادةِ لهُم ولأنفسِهِم، وشَهادةُ الإنسانِ لنَفسِه دَعوى تُرَدُّ ولا تُقبلُ منهُما في حَقِّهما ولا في حَقِّ غيرِهما. والثاني: أنهُما قد صارَا بهذا القَولِ عَدوَّينِ للمَشهودِ عليهِم، وشَهادةُ العدوِّ على عدوِّه مَردودةٌ. ولو ابتَدأَ الشاهِدانِ على قطَّاعِ الطَّريقِ فقالَا: «نَشهدُ أنَّ هؤلاءِ قَطَعوا على هؤلاءِ الطريقَ وأخَذوا مِنْ الأموالِ كذا وقَتلُوا مِنْ النفوسِ كَذا» قُبِلتْ شَهادتُهما؛ لأنهُما قد يكونانِ بمَعزلٍ على المُدَّعينَ فيُشاهِدوا قطْعَ الطريقِ،

стр. 13760

ولا يَسألُهم الحاكِمُ هل كانَا معُهم أم لا؟ وقالَ بعضُ العِراقيينَ: (لا يَحكمُ بشاهَدتِهما حتى يَسألَهما هل كانا مع القَومِ أم لا؟ فإنْ قالا: «لا» حكَمَ لها، وإنْ قالا: «نعمْ» لم يَحكمْ؛ لأنَّ ما احتَملَ القَبولَ والرَّدَ لم يُحكمْ به مع الاحتمالِ)، وهذا ليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّ ظاهرَ العَدالةِ تَصرِفُ الشهادةَ إلى الصِّحةِ دونَ الفَسادِ، كما أنَّ الظاهرَ صِدقُهما وإنْ جازَ كَذبُهما، فلمْ يَجُزْ أنْ يُجعلَ الاحتمالُ طريقًا إلى رَدِّها إذا أوجَبَ الظاهرُ قَبولَهما (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا شَهدَ عَدلانِ على رَجلٍ أنه قطَعَ عليهِما الطريقَ وعلى فُلانٍ وأخَذَ مَتاعُهم لم تُقبلْ شَهادتُهما؛ لأنهُما صارَا خَصمَينِ له بقَطعِه عليهِما، وإنْ قالا: «نَشهدُ أنَّ هذا قطَعَ الطريقَ على فُلانٍ وأخَذَ مَتاعَه» قُبِلتْ شَهادتُهما ولم يَسألْهما الحاكِمُ: هل قطَعَ عليكُما معَه أم لا؟؛ لأنه لا يَسألُهما ما لم يَدَّعِ عليهِما. وإنْ عادَ المَشهودُ له فشَهدَ عليه أنه قطَعَ عليهِما الطريقَ وأخَذَ مَتاعَهما لم تُقبلْ شَهادتُه؛ لأنه صارَ عَدوًّا له بقَطعِه الطَّريقَ عليهِ، وإنْ شَهدَ شاهِدانِ «أنَّ هؤلاءِ عَرَضوا لنا في الطريقِ وقَطَعوها على فُلانٍ» قُبِلتْ شَهادتُهما؛ لأنه لم يَثبتْ كَونُهما خَصمينَ بما ذَكَراهُ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه إذا شَهدَ رَجلانِ مِنْ الرِّفقةِ تَجوزُ شَهادتُهما قالوا: تَجوزُ على المُحارِبينَ شَهادةُ مَنْ حارَبوهُ إنْ كانوا عُدولًا؛ إذ لا سَبيلَ

стр. 13761

إلى غيرِ ذلكَ، ولا تَجوزُ شَهادةُ أحَدٍ منهُم لنَفسِه، ويُقبلُ بعضُهم لبَعضٍ، وإذا شَهِدوا لأنفُسِهم مع الشهادةِ لغَيرِهم كقَولِهم: «أخَذَ مالَ رُفقائِنا ومالَنا» رُدَّتِ الشهادةُ، إلا أنْ يَكونَ مالُهم يَسيرًا فتَجوزُ لهم ولغَيرِهم، وأما شَهادةُ بعضِهم لبَعضٍ فصَحيحةٌ (١). سُقوطُ عُقوبةِ الحِرابةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُحاربينَ يَسقطُ عنهُم حَقُّ اللهِ إذا تابوا قبلَ القُدرةِ عليهِم؛ لقَولِه تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤]، أي: رَجَعوا عمَّا فَعَلوا فنَدِموا على ذلكَ وعَزَموا على أنْ لا يَفعَلوا مِثلَه في المُستقبَلِ. فدلَّتْ هذهِ الآيةُ الشريفةُ على أنَّ قاطعَ الطريقِ إذا تابَ قبلَ أنْ يُظفرَ به يَسقطُ عنه الحَدُّ، وتَوبتُه برَدِّ المالِ على صاحبِه إنْ كانَ أخَذَ المالَ لا غيرَ مع العَزمِ على أنْ لا يَفعلَ مِثلَه في المُستقبَلِ، ويَسقطُ عنه القَطعُ أصلًا، ويَسقطُ عنه القَتلُ حَدًّا. وكذلكَ إنْ أخَذَ المالَ وقتَلَ، حتى لم يَكنْ للإمامِ أنْ يَقتلَه، ولكنْ يَدفعُه إلى أولياءِ القَتيلِ ليَقتلُوه قِصاصًا.

стр. 13762

وإنْ لم يأخُذِ المالَ ولم يَقتلْ فتَوبتُه الندمُ على ما فعَلَ والعَزمُ على تَركِ مثلِه في المُستقبلِ، وهو أنْ يأتِيَ الإمامَ عن طَوعٍ واختيارٍ ويُظهِرَ التوبةَ عندَه، ويَسقطُ عنه الحَبسُ؛ لأنَّ الحَبسَ للتوبةِ وقد تابَ، فلا مَعنى للحَبسِ (١). وقالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ مَنْ تابَ منهُم قبلَ القُدرةِ عليه سقَطَ عنه حُقوقُ اللهِ، إلا أنَّ أبا إسحاقَ ذكَرَ في «التَّنبِيه» عن الشافِعيِّ أنَّ في سُقوطِ قَطعِ اليدِ عن قاطعِ الطريقِ قَولانِ: أحَدُهما: يَسقطُ قَطعُ اليدِ عنه كغيرِه مما يَسقطُ عنه، والقولُ الآخرُ: لا يَسقطُ قَطعُ اليدِ عنه خاصَّةً. واتَّفقوا على أنَّ حُقوقَ الآدميِّينَ مِنْ الأموالِ والأنفُسِ والجِراحِ يُؤخذُ بها المُحارِبونَ، إلى أنْ يُعفَى لهُم عنها (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ تابوا مِنْ قبلِ أنْ يُقدَرَ عليهم سقَطَتْ عنهم حُدودُ اللهِ تعالَى وأُخِذوا بحُقوقِ الآدميِّينَ مِنْ الأنفُسِ والجِراحِ والأموالِ، إلا أنْ يُعفَى لهم عنها، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ، وبه قالَ مالكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ وأبو ثَورٍ، والأصلُ في هذا قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤]، فعَلى هذا يَسقطُ عنهُم تَحتُّمُ القتلِ والصَّلبِ والقَطعِ والنفيِ، ويَبقَى عليهِم القِصاصُ في النَّفسِ والجِراحِ وغَرامةُ المالِ والديَةُ لِما لا قِصاصَ فيه.

стр. 13763

فأما إنْ تابَ بعدَ القُدرةِ عليه لم يَسقطْ عنه شَيءٌ مِنْ الحُدودِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، فأوجَبَ عليهِم الحَدَّ ثمَّ استَثنَى التائبِينَ قبلَ القُدرةِ، فمَن عَدَاهم يَبقى على قَضيةِ العُمومِ، ولأنه إذا تابَ قبلَ القُدرةِ فالظاهرُ أنها تَوبةُ إخلاصٍ، وبعدَها الظاهرُ أنها تَقيَّةٌ مِنْ إقامةِ الحَدِّ عليه، ولأنَّ في قَبولِ تَوبتِه وإسقاطِ الحَدِّ عنه قبلَ القُدرةِ تَرغيبًا في تَوبتِه والرجوعِ عن مُحارَبتِه وإفسادِه، فناسَبَ ذلك الإسقاطَ عنه، وأما بعدَها فلا حاجَةَ إلى تَرغيبِه؛ لأنه قد عجَزَ عن الفَسادِ والمُحارَبةِ (١). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: قولُه تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، استثنى التائبينَ قبلَ أنْ يُقدَرَ عليهِم، وأخبَرَ بسُقوطِ حقِّه عنهُم بقَولِه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤]. أما القِصاصُ وحُقوقُ الآدميِّينَ فلا تَسقطُ، ومَن تابَ بعدَ القُدرةِ فظاهرُ الآيةِ أنَّ التوبةَ لا تَنفعُ وتُقامُ الحُدودُ عليهِ كما تَقدَّمَ، وللشافِعيِّ قولٌ أنه يَسقطُ كلُّ حَدٍّ بالتوبةِ، والصَّحيحُ مِنْ مَذهبِه أنَّ ما تَعلَّقَ به حَقُّ الآدَميِّ قِصاصًا كانَ أو غيرَه فإنه لا يَسقطُ بالتوبةِ قبلَ القُدرةِ عليهِ، وقيلَ: «أرادَ بالاستِثناءَ المُشركَ إذا تابَ وآمَنَ قبلَ القُدرةِ عليهِ، فإنه تَسقطُ عنه الحُدودُ»، وهذا ضَعيفٌ؛ لأنه إنْ آمَنَ بعدَ القُدرةِ عليه لم يُقتلْ أيضًا بالإجماعِ.

стр. 13764

وقيلَ: إنما لا يَسقطُ الحَدُّ عن المُحارِبينِ بعدَ القُدرةِ عليهم -واللهُ أعلَمُ- لأنهُم مُتهَمونَ بالكَذبِ في تَوبتِهم والتصنُّعِ فيها إذا نالَتْهم يَدُ الإمامِ، أو لأنه لمَّا قُدرَ عليهِم صارُوا بمَعرضٍ أنْ يُنكَّلَ بهم، فلمْ تُقبلْ تَوبتُهم، كالمُتلبِّسِ بالعذابِ مِنْ الأمَمِ قبلَنا، أو مَنْ صارَ إلى حالِ الغَرغرةِ فتابَ، فأما إذا تَقدَّمتْ تَوبتُهم القُدرةَ عليهِم فلا تُهمةَ وهي نافِعةٌ … فأما الشُّرَّابُ والزناةُ والسُّراقُ إذا تابُوا وأصلَحُوا وعُرفَ ذلكَ منهُم ثم رُفِعوا إلى الإمامِ فلا يَنبغِي له أنْ يَحُدَّهم، وإنْ رُفِعوا إليهِ فقالوا: «تُبْنا» لم يُتركُوا، وهُم في هذهِ الحالِ كالمُحارِبينَ إذا غُلِبوا، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وإذا تابَ قاطعُ الطريقِ .. نظَرْتَ: فإنْ تابَ بعَد قُدرةِ الإمامِ عليهِ .. لم يَسقطْ عنه شَيءٌ مما وجَبَ عليه مِنْ حُدودِ المُحارَبةِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤]، فشرَطَ في الغُفرانِ وفي سُقوطِ أحكامِ المُحارَبةِ عنهم أنْ تكونَ التوبةُ قبلَ القُدرةِ عليهِم، فدَلَّ على أنها إذا كانَتْ بعدَ القُدرةِ عليهم .. لم يُؤثِّرْ ذلكَ؛ لأنَّ المُحارِبَ إذا حصَلَ في قَبضةِ الإمامِ .. وجَبَ عليه إقامةُ الحَدِّ عليهِ، وإذا تابَ في هذه الحالِ .. فالظاهرُ أنه تابَ للتقيَّةِ مِنْ إقامةِ الحَدِّ عليه، فلمْ يَسقطْ. فأما إذا تابَ قبلَ قُدرةِ الإمامِ عليه .. فإنه تَسقطُ عنه الحُدودُ التي يَختصُّ وجوبُها بالمُحارَبةِ قَولًا واحدًا، وهي: قَطعُ الرِّجلِ وانحِتامُ القتلِ

стр. 13765

عليهِ والصَّلبُ؛ لقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤]. ولا تَسقطُ حُقوقُ الآدميِّينَ -وهو: حَدُّ القَذفِ وضَمانُ الأموالِ والقِصاصُ- بالتوبةِ بحالٍ، سَواءٌ كانَ مُحارِبًا أو غيرَ مُحاربٍ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ فيما أعلَمُ على أنَّ قاطعَ الطَّريقِ واللِّصَ ونحوَهما إذا رُفِعوا إلى وَليِّ الأمرِ ثم تابوا بعدَ ذلك لم يَسقطِ الحَدُّ عنهُم، بل تَجبُ إقامتُه وإنْ تابوا، فإنْ كانوا صادِقينَ في التوبةِ كانَ الحَدُّ كفَّارةً لهم، وكانَ تَمكينُهم مِنْ ذلكَ مِنْ تَمامِ التَّوبةِ بمَنزلةِ رَدِّ الحُقوقِ إلى أهلِها والتَّمكينِ مِنْ استِيفاءِ القِصاصِ في حُقوقِ الآدميِّينَ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: البابُ الرابعُ في مُسقِطِ الواجِبِ عنهُ مِنْ التوبةِ. وأما ما يُسقطُ الحَقَّ الواجِبَ عليه فإنَّ الأصلَ فيه قولُه تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]. واختُلفَ مِنْ ذلكَ في أربَعةِ مَواضعَ: أحَدُها: هل تُقبلْ تَوبتُه، والثاني: إنْ قُبِلتْ فما صِفةُ المُحارِبِ الذي تُقبلُ تَوبتُه، فإنَّ لأهلِ العِلمِ في ذلكَ قولَينِ:

стр. 13766

قولٌ: إنه تُقبلُ تَوبتُه، وهو أشهَرُ؛ لقَولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]. وقَولٌ: إنه لا تُقبلُ تَوبتُه، قالَ ذلكَ مَنْ قالَ: إنَّ الآيةَ لم تَنزلْ في المُحارِبينَ. وأما صِفةُ التَّوبةِ التي تُسقطُ الحُكمَ فإنهُم اختَلفُوا فيها على ثَلاثةِ أقوالٍ: أحَدُها: أنَّ تَوبتَه تكونُ بوَجهينِ: أحَدُهما: أنْ يَتركَ ما هو عليهِ وإنْ لم يَأتِ الإمامَ. والثَّاني: أنْ يُلقيَ سِلاحَه ويأتِيَ الإمامَ طائعًا، وهو مَذهبُ ابنِ القاسِمِ. والقولُ الثاني: أنَّ تَوبتَه إنما تكونُ بأنْ يَتركَ ما هو عليهِ ويَجلسَ في مَوضعِه ويَظهرَ لجِيرانِه، وإنْ أتَى الإمامَ قبلَ أنْ تَظهرَ تَوبتُه أقامَ عليهِ الحَدَّ، وهذا قَولُ ابنُ الماجشُونِ. والقَولُ الثالثُ: إنَّ تَوبتَه إنما تكونُ بالمَجيءِ إلى الإمامِ، وإنْ ترَكَ ما هو عليهِ لم يُسقطْ ذلكَ عنه حُكمًا مِنْ الأحكامِ إنْ أُخذَ قبلَ أنْ يأتِيَ الإمامَ، وتَحصيلُ ذلكَ هو أنَّ تَوبتَه قيلَ: إنها تكونُ بأنْ يأتِيَ الإمامَ قبلَ أنْ يُقدرَ عليهِ، وقيلَ: إنها تَكونُ إذا ظهَرَتْ تَوبتُه قبلَ القُدرةِ فقط، وقيلَ: تكونُ بالأمرَينِ جَميعًا. وأما صِفةُ المُحارِبِ الذي تُقبلُ تَوبتُه فإنهُم اختَلفوا فيها أيضًا على ثَلاثةِ أقوالٍ: أحَدُها: أنْ يَلحقَ بدارِ الحَربِ.

стр. 13767

والثاني: أنْ تكونَ له فِئةٌ. والثالثُ: كيفَما كانَتْ، له فئةٌ أو لم تَكنْ، لَحِقَ بدارِ الحربِ أو لم يَلحقْ. واختُلفَ في المُحارِبِ إذا امتَنعَ فأمَّنَه الإمامُ على أنْ يَنزلَ، فقيلَ: له الأمانُ ويَسقطُ عنه حَدُّ الحِرابةِ، وقيلَ: لا أمانَ له؛ لأنه إنما يُؤمَّنُ المُشركُ. وأما ما تُسقِطُ عنه التَّوبةُ فاختَلفوا في ذلكَ على أربَعةِ أقوالٍ: أحَدُها: أنَّ التوبةَ إنما تُسقِطُ عنه حَدَّ الحِرابةِ فقطْ، ويُؤخَذُ بما سِوى ذلكَ مِنْ حُقوقِ اللهِ وحُقوقِ الآدميِّينَ، وهو قَولُ مالكٍ. والقَولُ الثاني: أنَّ التوبةَ تُسقِطُ عنه حَدَّ الحِرابةِ وجَميعَ حُقوقِ اللهِ مِنْ الزِّنا والشَّرابِ والقَطعِ في السرقةِ، ويُتبعُ بحُقوقِ الناسِ مِنْ الأموالِ والدماءِ، إلا أنْ يَعفوَ أولياءُ المَقتولِ. والثالثُ: أنَّ التوبةَ تَرفعُ جَميعَ حُقوقِ اللهِ، ويُؤخَذُ بالدماءِ وفي الأموالِ بما وُجدَ بعَينِه في أيدِيهم، ولا تُتبعُ ذِمَمُهم. والقَولُ الرابعُ: أنَّ التوبةَ تُسقِطُ جَميعَ حُقوقِ اللهِ وحُقوقِ الآدميِّينَ مِنْ مالٍ ودَمٍ، إلا ما كانَ مِنْ الأموالِ قائِمَ العينِ بيَدِه (١). حُكمُ مَنْ تابَ مِنْ حَدِّ غيرِ الحِرابةِ: اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على مَنْ ارتَكبَ حَدًّا مِنْ حُدودِ اللهِ كالزنا واللِّواطِ والسَّرقةِ وشُربِ الخَمرِ ثم تابَ بعدَ القُدرةِ عليه أنه لا يَسقطُ عنه حَدٌّ مِنْ هذهِ الحُدودِ وتُقامُ عليهِ.

стр. 13768

قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ أنه مَنْ أصابَ ذَنبًا فيه حَدٌّ أنه لا تَرفعُه التوبةُ ولا يَجوزُ للإمامِ العَفوُ عنه إذا بلَغَه (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ فيما أعلَمُ على أنَّ قاطِعَ الطريقِ واللِّصَ ونحوَهما إذا رُفِعوا إلى وليِّ الأمرِ ثم تابوا بعدَ ذلكَ لم يَسقطِ الحَدُّ عنهم، بل تَجبُ إقامتُه وإنْ تابوا، فإنْ كانوا صادِقينَ في التوبةِ كانَ الحَدُّ كفَّارةِ لهُم، وكانَ تَمكينُهم مِنْ ذلكَ مِنْ تَمامِ التوبةِ بمَنزلةِ رَدِّ الحُقوقِ إلى أهلِها والتَّمكينِ مِنْ استِيفاءِ القِصاصِ في حُقوقِ الآدميِّينَ (٢). وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: الحُدودُ لا تَسقطُ بالتَّوبةِ بعدَ القُدرةِ اتفاقًا (٣). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو تابَ مِنْ الزنا أو القَذفِ أو السرقةِ أو شُربِ الخَمرِ قبلَ القُدرةِ عليه، هل يُقامُ عليه الحَدُّ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ حَدَّ السرقةِ فقطْ هو مَنْ يَسقطُ عنه إذا تابَ قبلَ القُدرةِ عليهِ، ويُؤاخَذُ بسائرِ الحُدودِ وإنْ تابَ منها قبلَ القُدرةِ عليهِ، فإذا تابَ السارقُ قبلَ أنْ يُظفَرَ به ورَدَّ المالَ إلى صاحبِه يَسقطُ عنه القَطعُ، بخِلافِ سائرِ الحُدودِ أنها لا تَسقطُ بالتوبةِ. والفَرقُ أنَّ الخُصومةَ شَرطٌ في السَّرقةِ الصُّغرَى والكُبرى؛ لأنَّ مَحلَّ الجِنايةِ خالِصُ حَقِّ العِبادِ، والخَصومةُ تَنتهِي بالتوبةِ، والتَّوبةُ تَمامُها برَدِّ

стр. 13769

المالِ إلى صاحبِه، فإذا وصَلَ المالُ إلى صاحبِه لم يَبْقَ له حَقُّ الخُصومةِ مع السارقِ، بخِلافِ سائرِ الحُدودِ، فإنَّ الخُصومةَ فيها ليسَتْ بشَرطٍ، فعَدمُها لا يَمنعُ مِنْ إقامةِ الحُدودِ، وفي حَدِّ القَذفِ وإنْ كانَتْ شَرطًا لكنَّها لا تَبطلُ بالتوبةِ؛ لأنَّ بُطلانَها برَدِّ المالِ إلى صاحبِه ولم يُوجَدْ. وقد رُويَ عن سيِّدِنا عَليٍّ ﵁ «أنه كتَبَ إليه عامِلُه بالبَصرةِ أنَّ حارِثةَ ابنَ زَيدٍ حارَبَ اللهَ ورَسولَه وسَعَى في الأرضِ فَسادًا، فكتَبَ إليهِ سَيدُنا عليٌّ ﵁ أنَّ حارِثةَ قد تابَ قبلَ أنْ تَقدرَ عليهِ، فلا تَتعرَّضْ له إلا بخَيرٍ». هذا إذا تابَ قاطِعُ الطريقِ قبلَ القُدرةِ عليهِ، فأما إذا تابَ بعدَما قُدرَ عليه بأنْ أُخِذَ ثم تابَ لا يَسقطُ عنه الحَدُّ؛ لأنَّ التوبةَ عن السرقةِ إذا أخَذَ المالَ برَدِّ المالِ على صاحبِه، وبعدَ الأخذِ لا يَكونُ رَدُّ المالِ، بل يَكونُ استِردادًا منه جبْرًا، فلا يَسقطُ الحَدُّ، وإذا لم يَأخُذِ المالَ فهو بعدَ الأخذِ مُتهَمٌ في إظهارِ التوبةِ، فلا تَتحققُ تَوبتُه (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ التَّوبةَ لا تُسقِطُ عنه أيَّ حَدٍّ مِنْ الحُدودِ، فإنَّ السارِقَ والقاذفَ والزانِيَ متى تابُوا ثم قامَتِ الشَّهادةُ عليهم أُقيمَتْ عليهم الحُدودُ، وحُجةُ أنَّ التَّوبةَ لا تُسقِطُ الحَدَّ قولُ النبيِّ ﷺ في المَرأةِ الجُهينيةِ: «لقد تابَتْ تَوبةً لو قُسِمتْ بينَ سَبعينَ مِنْ أهلِ المَدينةِ لَوَسعَتْهم، وهل وجدَتْ تَوبةً أفضَلَ مِنْ أنْ جادَتْ بنَفسِها للهِ تعالَى؟» (٢)، وقالَ في

стр. 13770

الغامِديةِ: «لقدْ تابَتْ تَوبةً لو تابَها صاحِبُ مَكْسٍ لَغُفرَ لهُ» (١)، فإقامَةُ الرسولِ ﷺ الحَدَّ على هاتَينِ مع تَوبتِهما دَليلٌ قاطعٌ على أنَّ سُقوطَ الحَدِّ بالتوبةِ إنما خُصَّ به المُحارِبونَ دونَ غيرِهم (٢). إلا أنَّ الإمامَ القُرطبيَّ ﵀ قالَ: فأما الشُّرَّابُ والزُّناةُ والسُّراقُ إذا تابوا وأصلَحُوا وعُرفَ ذلكَ منهُم ثم رُفِعوا إلى الإمامِ فلا يَنبغِي له أنْ يَحُدَّهم، وإنْ رُفِعوا إليه فقالوا: «تُبْنَا» لم يُتركُوا، وهُم في هذهِ الحالِ كالمُحارِبينَ إذا غُلِبوا، واللهُ أعلَمُ (٣). وذهَبَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في قَولٍ -وهو مَذهبُ المالِكيةِ والحَنفيةِ في غيرِ السرقةِ كما تَقدَّمَ- إلى أنَّ المُحارِبَ وغيرَ المُحارِبِ إذا فعَلَ ما يُوجِبُ حَدًّا لا يَختصُّ بالمُحارَبةِ كالزنا والقَذفِ وشُربِ الخَمرِ والسرقةِ ثمَّ تابَ أنه لا يَسقطُ عنه الحَدُّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقولِه تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقالَ ﷺ : «مَنْ شَربَ الخَمرَ .. فاجلِدُوهُ» (٤) ولمْ يُفرِّقْ بينَ أنْ يَتوبَ وبينَ أنْ لا يَتوبَ؛ ولأنه حَدٌّ لا يَختصُّ بالمُحارَبةِ، فلمْ يَسقطْ بالتَّوبةِ كحَدِّ القَذفِ.

стр. 13771

وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ -وإنْ رجَّحَه العَمرانِيُّ وقالَ: هو الأصَحُّ- والحَنابلةُ في القَولِ الثَّاني إلى أنَّ الحُدودَ تَسقطُ بالتوبةِ قبلَ القُدرةِ عليهِم. قالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وأما الحُدودُ التي تَجبُ لحَقِّ اللهِ تعالَى ولا يَختَصُّ وُجوبُها بالمُحارَبةِ كحَدِّ الزنى واللِّواطِ وحَدِّ الخَمرِ والسَّرقةِ .. فهلْ تَسقطُ بالتَّوبةِ عن المُحارِبِ وغيرِ المُحارِبِ؟ فيه قَولانِ: أحَدُهما: لا تَسقطُ بالتَّوبةِ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقَولِه تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقالَ ﷺ : «مَنْ شَربَ الخَمرَ .. فاجلِدُوه» ولمْ يُفرِّقْ بينَ أنْ يَتوبَ وبينَ أنْ لا يَتوبَ؛ ولأنه حَدٌّ لا يَختصُّ بالمُحارَبةِ، فلمْ يَسقطْ بالتَّوبةِ كحَدِّ القَذفِ. والثاني: يَسقطُ بالتَّوبةِ، وهو الأصَحُّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤]، فأخبَرَ أنَّ المُحارِبَ إذا تابَ قبلَ القُدرةِ عليهِ .. غُفرَ له جَميعُ ما كانَ منهُ، وقالَ تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] إلى قَولِه: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩]، فأخبَرَ أنه إذا تابَ وأصلَحَ .. فإنَّ اللهَ يَتوبُ عليهِ ويَغفرُ لهُ؛ والظاهِرُ أنه لا يَتعلقُ عليهِ شيءٌ بعدَ ذلكَ، وقالَ في الزِّنى:

стр. 13772

﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦]، وقالَ ﷺ : «التَّوبةُ تَجُبُّ ما قبْلَها» (١). ورُويَ: «أنَّ رَجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: أني أصَبْتُ حَدًّا فأَقِمْه عليَّ، فقالَ: أليسَ تَوضَّأتَ فصَلَّيتَ؟ فقالَ: بَلى، قالَ: فلا حَدَّ عليكَ» (٢)، فالظاهِرُ أنه إنَّما سقَطَ عنه الحَدُّ بصَلاحِ العَملِ، ولأنه حَدٌّ خالِصٌ للهِ، فسقَطَ بالتَّوبةِ كالحَدِّ الذي يَختصُّ بالمُحارَبةِ. فإذا قُلنا بهذا: فإنْ كانَتْ هذهِ الحُدودُ وجَبَتْ عليهِ في حالِ المُحاربَةِ .. سقَطَتْ عنه بالتَّوبةِ، ولا يُشترطُ عليه في سُقوطِ الحَدِّ مع التَّوبةِ إصلاحُ العَملِ، وإنْ كانَتْ وجَبَتْ عليه في غيرِ المُحارَبةِ .. لم تَسقطْ عنه حتَّى يَقرنَ مع التَّوبةِ إصلاحَ العَملِ. والفَرقُ بينَهُما: أنَّ المُحارِبَ مُظهِرٌ للمَعاصِي، فإذا تابَ .. فالظاهِرُ مِنْ حالِه أنه لم يَتُبْ تَقيَّةً، وإنما رجَعَ عمَّا كانَ عليه. وغيرُ المُحارِبِ غيرُ مُظهِرٍ

стр. 13773

للمَعاصي، فإذا تابَ .. فالظاهِرُ أنه تابَ تقيَّةً، فلمْ يُحكمْ بصِحةِ تَوبتِه حتى يَقترنَ به إصلاحُ العَملِ، ويُشترطُ إصلاحُه للعَملِ مُدةً يُوثَقُ بتَوبتِه فيها. وأما قَطعُ اليَدِ لأخذِ المالِ في المُحارَبةِ .. فاختَلفَ أصحابُنا فيه: فقالَ أبو إسحاقَ: لا يَختصُّ بالمُحارَبةِ؛ لأنه لا يَجبُ إلا بأخذِ نِصابٍ، فهو كالقَطعِ في السرقةِ. وقالَ أبو عَليٍّ ابنُ أبي هُريرةَ وأبو عَليٍّ الطبَريُّ: يَختصُ بالمُحارَبةِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآيةَ، فعلَّقَ قطْعَ اليدِ والرِّجلِ بالمحارَبةِ، فدَلَّ على أنهُما يَختصَّانِ معًا بالمحارَبةِ، ولأنه وجَبَ لأخذِ المالِ مُجاهَرةً، وقَطعُ اليدِ في السرقةِ يَجبُ لأخذِ المالِ مِنْ حِرزِه على وجهِ الاستخفاءِ .. فكانَا مُختلِفينِ. فعَلى قولِ أبي إسحاقَ: إذا تابَ قاطعُ الطريقِ قبلَ القُدرةِ عليه .. هل يَسقطُ عنه قَطعُ اليدِ؟ على قَولينِ. وعلى قَولِ أبَوَي عليٍّ: يَسقطُ بالتَّوبةِ قبلَ القُدرةِ عليه قولًا واحدًا. هذا نَقلُ أصحابِنا العِراقيِّينَ، وقالَ المَسعوديُّ في «الإبانَةِ»: إذا تابَ قاطعُ الطريقِ قبلَ الظفَرِ به .. فالصَّحيحُ أنَّ ما كانَ حقًّا للهِ تعالَى كالقطعِ ونحوِه .. فإنه يَسقطُ، وما كانَ حقًّا لآدَميٍّ كانحِتامِ القِصاصِ .. لا يَسقطُ، وقيلَ: يَسقطُ القِصاصُ أيضًا، وليسَ بشَيءٍ، وإنْ تابَ بعدَ الظفَرِ به .. ففيهِ قَولانِ:

стр. 13774

أحَدُهما: حُكمُه حُكمُ ما لو تابَ قبلَ الظفَرِ به؛ لأنَّ ما يَسقطُ بتَوبةٍ أو غيرِها لا فرْقَ فيه قبلَ الظفَرِ بهِ أو بعدَ الظفرِ بهِ، كسُقوطِ قَطعِ السرقةِ الواجِبِ بالإقرارِ، وعَكسُه القِصاصُ. والثَّاني: لا يَسقطُ؛ لقَولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤]، قالَ: وعلى هذا خرَّجَ أصحابُنا وَجهينِ في حَدِّ الزنى والشُّربِ: هل يَسقطُ بالتوبةِ؟ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ: وإنْ تابَ مَنْ عليهِ حَدٌّ مِنْ غيرِ المُحارِبينَ وأصلَحَ ففيهِ رِوايتانِ: إحداهُما: يَسقطُ عنه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وذكَرَ حَدَّ السارِقِ ثم قالَ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٣٩]، وقالَ النبيُّ ﷺ : «التائِبُ مِنْ الذَّنبِ كمَن لا ذنْبَ لهُ» (٢)، ومَن لا ذنْبَ له لا حَدَّ عليهِ، وقالَ في ماعِزٍ لمَّا أُخبِرَ بهَربِه: «هلَّا تَركْتُموهُ يَتوبُ فيَتوبَ اللهُ عليهِ»، ولأنه خالِصَ حَقِّ اللهِ تعالَى، فيَسقطُ بالتوبةِ كحَدِّ المُحارِبِ. والرِّوايةُ الثانيةُ: لا يَسقطُ، وهو قَولُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأحَدُ قَولَي الشافِعيِّ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾

стр. 13775

[النور: ٢]، وهذا عامٌّ في التائِبينَ وغيرِهم، وقالَ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ولأنَّ النبيَّ ﷺ رجَمَ ماعِزًا والغامِديةَ، وقطَعَ الذي أقَرَّ بالسرقةِ، وقد جاؤُوا تائبِينَ يَطلبونَ التَّطهيرَ بإقامةِ الحَدِّ، وقد سَمَّى رَسولُ اللهِ ﷺ فِعلَهم تَوبةً، فقالَ في حَقِّ المَرأةِ، «لقَدْ تابَتْ تَوبةً لو قُسِمتْ على سِبعينَ مِنْ أهلِ المَدينةِ لَوَسعَتْهم». وجاءَ عَمرُو بنُ سَمُرةَ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: «يا رَسولِ اللهِ إني سَرَقتُ جَملًا لبَني فُلانٍ فطَهِّرنِي» (١). وقد أقامَ رَسولُ اللهِ ﷺ الحَدَّ عليهِم، ولأنَّ الحَدَّ كفَّارةٌ، فلمْ يَسقطْ بالتَّوبةِ ككفَّارةِ اليَمينِ والقَتلِ، ولأنه مَقدورٌ عليهِ، فلمْ يَسقطْ عنهُ الحَدُّ بالتوبةِ كالمُحارِبِ بعدَ القُدرةِ عليه. فإنْ قُلنا بسُقوطِ الحَدِّ بالتوبةِ فهل يَسقطُ بمُجرَّدِ التوبةِ؟ أو بها مع إصلاحِ العَملِ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما: يَسقطُ بمُجرَّدِها، وهو ظاهِرُ قولِ أصحابِنا؛ لأنها تَوبةٌ مُسقِطةٌ للحَدِّ، فأشبَهَتْ تَوبةَ المُحارِبِ قبلَ القُدرةِ عليه. والثَّاني: يُعتبَرُ إصلاحُ العَملِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وقالَ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٣٩]، فعَلى هذا القولِ يُعتبَرُ مُضيُّ مُدةٍ يُعلَمُ بها صِدقُ تَوبتِه وصَلاحُ نيَّتِه، وليسَتْ مُقدَّرةً بمُدةٍ مَعلومةٍ، وقالَ بعضُ

стр. 13776

أصحابِ الشافِعيِّ: «مُدةُ ذلكَ سَنةٌ»، وهذا تَوقيتٌ بغيرِ تَوقيفٍ فلا يَجوزُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: فَصلٌ: قِياسُ تَوبةِ التائبِ على تَوبةِ المُحارِبِ: وأما اعتِبارُ تَوبةِ المُحارِبِ قبلَ القُدرةِ عليه دونَ غيرِه فيُقالُ: أينَ في نُصوصِ الشارِعِ هذا التَّفريقُ؟ بل نَصُّه على اعتبارِ تَوبةِ المحارِبِ قبلَ القُدرةِ عليهِ إمَّا مِنْ بابِ التَّنبيهِ على اعتِبارِ تَوبةِ غَيرِه بطَريقِ الأَولى؛ فإنه إذا دفَعَتْ تَوبتُه عنه حَدَّ حِرابَه مع شِدةِ ضَررِها وتَعدِّيه فلَأنْ تَدفعَ التوبةُ ما دونَ حَدِّ الحِرابِ بطَريقِ الأَولى والأَحرى، وقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقالَ النبيُّ ﷺ : «التائِبُ مِنْ الذَّنبِ كمَن لا ذنْبَ لهُ» (٢)، واللهُ تعالَى جعَلَ الحُدودَ عُقوبةً لأربابِ الجَرائمِ، ورفَعَ العُقوبةَ عن التائبِ شَرعًا وقَدرًا، فليسَ في شَرعِ اللهِ ولا قَدَرِه عُقوبةُ تائبٍ ألبتَّةَ. وفي الصَّحيحينِ مِنْ حَديثِ أنسٍ قالَ: «كنتُ مع النبيِّ ﷺ فَجاءَ رَجلٌ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي أصَبْتُ حَدًّا فأَقِمْه عليَّ، قالَ: ولم يَسألْه عنهُ، فحضَرَتِ الصلاةُ فصَلَّى مع النبيِّ ﷺ ، فلما قضَى النبيُّ ﷺ الصلاةَ قامَ إليهِ الرَّجلُ فأعادَ قولَه، قالَ: أليسَ قد صَلَّيتَ مَعَنا؟ قالَ: نَعمْ، قالَ: فإنَّ اللهَ قد غفَرَ لكَ ذنْبَكَ» (٣)، فهذا لمَّا جاءَ

стр. 13777

تائبًا بنَفسِه مِنْ غيرِ أنْ يُطلَبَ غفَرَ اللهُ له ولم يُقَمْ عليهِ الحَدُّ الذي اعتَرفَ بهِ، وهو أحَدُ القَولينِ في المَسألةِ، وهو إحدَى الرِّوايتينِ عن أحمَدَ، وهو الصَّوابُ. فإنْ قيلَ: فماعِزٌ جاءَ تائبًا والغامِديةُ جاءَتْ تائِبةً وأقامَ عليهِما الحَدَّ. قيلَ: لا رَيبَ أنهُما جاآ تائبَينِ، ولا رَيبَ أنَّ الحَدَّ أُقيمَ عليهِما، وبهِما احتَجَّ أصحابُ القَولِ الآخَرِ، وسألْتُ شَيخَنا عن ذلكَ فأجابَ بما مَضمونُه بأنَّ الحَدَّ مُطهِّرٌ وأنَّ التَوبةَ مُطهِّرةٌ، وهُما اختارَا التطهيرَ بالحَدِّ على التَّطهيرِ بمُجرَّدِ التوبةِ، وأبَيَا إلا أنْ يُطهَّرَا بالحَدِّ، فأجابَهُما النبيُّ ﷺ إلى ذلكَ، وأرشَدَ إلى اختيارِ التطهيرِ بالتوبةِ على التَّطهيرِ بالحَدِّ، فقالَ في حَقِّ ماعزٍ: «هلَّا تَركْتُموهُ يَتوبُ فيَتوبَ اللهُ عليهِ»، ولو تَعيَّنَ الحَدُّ بعدَ التوبةِ لَمَا جازَ تَركُه، بلِ الإمامُ مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَتركَه كما قالَ لصاحِبِ الحَدِّ الذي اعتَرفَ بهِ: «اذهَبْ فقدْ غفَرَ اللهُ لكَ»، وبينَ أنْ يُقيمَه كما أقامَه على ماعِزٍ والغامِديةِ لمَّا اختارَا إقامتَه وأبَيَا إلا التطهيرَ بهِ، ولذلكَ رَدَّهما النبيُّ ﷺ مِرارًا وهُما يَأبَيانِ إلا إقامتَهُ عليهِما، وهذا المَسلكُ وَسطٌ بينَ مَسلكِ مَنْ يَقولُ: لا تَجوزُ إقامَتُه بعدَ التوبةِ ألبتَّةَ، وبينَ مَسلكِ مَنْ يَقولُ: لا أثَرَ للتَّوبةِ في إسقاطِه ألبتَّةَ، وإذا تأمَّلْتَ السُّنةَ رَأيتَها لا تَدلُّ إلا على هذا القَولِ الوَسطِ، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 13778

رَدُّ الأموالِ التي أخَذَها المُحارِبونَ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ المُحارِبينَ إذا أخَذُوا مالًا وأُقيمَتْ فيهِم حُدودُ اللهِ تعالى وكانَتِ الأموالُ قائِمةً مَوجودةً رُدَّتْ إلى مالِكِها، ولصاحِبِه أنْ يأخُذَه أينَما وجَدَه، سَواءٌ وجَدَه في يَدِ المُحارِبِ أو في يَدِ مَنْ ملَّكَه المُحارِبُ ببَيعٍ أو هِبةٍ أو غيرِ ذلكَ. واختَلفوا فيما لو كانَتْ تالِفةً أو مَعدومةً، هل يَجبُ ضَمانُها أم لا؟ وهو على الخِلافِ السابقِ في آخِرِ مَسألةٍ في كِتابِ السرقةِ. فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يَجبُ ضَمانُها، ويَجبُ الضَّمانُ على الآخِذِ دُونَ الرِّدءِ؛ لأنَّ وُجودَ الضَّمانِ ليسَ بحَدٍ، فلا يَتعلَّقُ بغيرِ المُباشِرِ له كالغَصبِ والنَّهبِ، ولو تابَ المُحارِبونَ قبلَ القُدرةِ عليهم وتَعلَّقتْ بهم حُقوقُ الآدَميينَ مِنْ القِصاصِ والضَّمانِ لَاختَصَّ ذلكَ بالمُباشِرِ دونَ الرِّدءِ لذلكَ، ولو وجَبَ الضَّمانُ في السَّرقةِ لَتعلَّقَ بالمُباشِرِ دونَ الرِّدءِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه إذا تَغيَّرُ المالُ إلى الزِّيادةِ أو النُّقصانِ أو هلَكَتِ العَينُ أو استُهلِكتْ لا يَجبُ الضَّمانُ، لأنه لا يَجتمعُ الضَّمانُ والقَطعُ إذا هلَكَ المَسروقُ، وعن أبي حَنيفةَ أنه يَضمَنُ بالاستِهلاكِ (٢)، وقد تقدَّمَ قَولُ الحَنفيةِ مُفصَّلًا في كِتابِ السرقةِ.

стр. 13779

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ المُحارِبينَ إذا أخَذوا مالًا وأُقِيمَ عليهِم الحَدُّ ضَمِنوا المالَ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ ما أخَذوا باقِيًا أم لا، وسَواءٌ جاءَ المُحارِبُ تائبًا أم لا. ويُعتبَرُ كلُّ واحدٍ منهُم ضامِنًا للمالِ المأخوذِ بفِعلِه أو بفِعلِ صاحِبِه؛ لأنهُم كالحُمَلاءِ (الكُفَلاءِ)، فكلُّ مَنْ قُدرَ عليه منهُم أُخِذَ بجَميعِ ما أخَذَه هو وأصحابُه؛ لتَقوِّي بَعضِهم ببَعضٍ، ومَن دفَعَ أكثَرَ ممَّا أخَذَ يَرجعُ على صاحِبِه، وكذا اللُّصوصُ والغُصَّابُ والبُغاةُ، وإذا أُقيمَ على المُحارِبِ حَدٌّ مِنْ حُدودِه فيُتبَعُ بما أخَذَ بشَرطِ الإيسارِ مع الحِرابةِ إلى إقامِة الحَدِ، وإنْ لم يُقَمْ عليه حَدُّها بأنْ جاءَ تائبًا قبلَ القُدرةِ عليه اتبعَ مُطلَقًا كما مَرَّ في السارِقِ (١). وقد تَقدَّمَتِ المَسألةُ بالتَّفصيلِ في كِتابِ السَّرقةِ.

стр. 13780

كتاب الأشربة

стр. 13781

كتاب الأشربة تَعريفُ الأشرِبةِ: الأشرِبةُ: جَمعُ شَرابٍ، وهو اسمٌ في اللُّغةِ لكُلِّ ما يُشرَبُ مِنْ المائِعاتِ، حَرامًا كانَ أو حلالًا، والشَّرِّيبُ: المُولَعُ بالشَّرابُ، والشَّرْبُ -بفَتحِ الشِّينِ وسُكونِ الراءِ-: الجَماعةُ يَشربونَ الخَمرَ (١). والمَقصودُ هُنا بَيانُ حُكمِها، فهيَ في استِعمالِ أهلِ الشَّرعِ اسمٌ لِمَا هو حَرامٌ منه وكانَ مُسكرًا. فالشَّرابُ: هو كلُّ مائعٍ رَقيقٍ يُشرَبُ ولا يَتأتَّى فيه المَضغُ، مُحرَّمًا كانَ أو حَلالًا، وهي تُستخرَجُ مِنْ العِنبِ والزَّبيبِ والتَّمرِ والحُبوبِ، ومنها حَرامٌ ومنها حَلالٌ (٢).

стр. 13782

وهو في اصطِلاحِ الفُقهاءِ: ما يُسكِرُ مِنْ الشَّرابِ (١). أنواعُ الأشرِبةِ: الأشرِبةُ المُحرَّمةُ المُسكِرةُ عندَ الفُقهاءِ تُطلَقُ على نَوعينِ: النَّوعُ الأولُ: الخَمرُ. والنَّوعُ الثاني: ما عَدا الخَمرَ مِنْ الأشرِبةِ الأُخرى التي تُسكِرُ. وبَيانُ هذهِ الأنواعِ وحُكمُ كلٍّ منها فيما يلي: النَّوعُ الأولُ: الخَمرُ: الخَمرُ لُغةً: ما أسكَرَ مِنْ عَصيرِ العِنبِ، أو عامٌّ كالخَمرةِ وقد يُذكَّرُ، قالَ الفَيروزُ آبادِي: والعُمومُ أصَحُّ، لأنها حُرِّمتْ وما بالمَدينةِ خَمرُ عِنبٍ، وما كانَ شَرابُهم إلا البُسْرَ والتَّمرَ، سُمِّيتْ خَمرًا لأنها تَخمِرُ العقلَ وتَستُرُه، أو لأنها تُرِكتْ حتى أُدرِكتْ واختَمرَتْ، أو لأنها تُخامِرُ العَقلَ أي: تُخالِطُه (٢). والخَمرُ اصطِلاحًا: الخَمرُ عندَ الحَنفيةِ: هي عَصيرُ العِنبِ -أي ماؤُه- إذا تُركَ حتى غَلَى -أي صارَ يَفورُ- واشتَدَّ -أي قَوِيَ، وصارَ مُسكِراً- وقذَفَ -أي: رَمَى- بالزَّبَدِ -أي الرَّغوةِ، بَحيثُ لا يَبقَى شَيءٌ منها، فيَصفُوا ويَرِقُ-، وهذا في قَولِ أبي حَنيفةَ.

стр. 13783

وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ: لا يُشترطُ القَذفُ بالزَّبدِ، فإذا اشتَدَّ بحَيثُ صارَ مُسكِرًا صارَ خَمرًا وإنْ لم يَقذِفْ؛ لأنه يُسمَّى خَمرًا بدُونِه، وتَرتَّبَ عليه أحكامُ الخَمرِ، قذَفَ بالزَّبدِ أو لم يَقذِفْ به، لأنَّ الرُّكنَ فيها معنَى الإسكارِ، وذا يَحصلُ بدُونِ القَذفِ بالزَّبدِ؛ لأنَّ اللَّذةَ تَحصلُ بهِ، وهو المُؤثِّرُ في إيقاعِ العَداوةِ والصَدِّ عن الصَّلاةِ. وجهُ قَولِ أبي حَنيفةَ ﵀: أنَّ معنَى الإسكارِ لا يَتكامَلُ إلا بالقَذفِ بالزَّبدِ، فلا يَصيرُ خَمرًا بدُونِه؛ لأنَّ السكونَ أصلٌ في العَصيرِ، وما بَقيَ شَيءٌ مِنْ آثارِه فالحُكمُ له، وأحكامُ الشَّرعِ قَطعيَّةٌ، فلا يُحكَمُ بكونِه خَمرًا مع وُجودِ شيءٍ مِنْ آثارِ العَصيرِ؛ للمُغايَرةِ بينَهُما، ولأنَّ الثابِتَ لا يَزولُ إلا بيَقينٍ، فما بَقيَ شَيءٌ مِنْ آثارِ العَصيرِ لا يُتيقَّنُ بالخَمريَّةِ (١). وقالَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ: الخَمرُ تُطلَقُ على كُلِّ مُسكِرٍ، سَواءٌ أسْكَرَ قَليلُه أو كَثيرُه، سواءٌ اتُّخذَ مِنْ العِنبِ أو التمرِ أو الحِنطةِ أو الشعيرِ أو غيرِها، فكُلُّ شَرابٍ أسكَرَ كثيرُه فقَليلُه حَرامٌ مِنْ أيِّ شيءٍ كانَ، ويُسمَّى خَمرًا، وحُكمُه حُكمُ عَصيرِ العنبِ في تَحريمِه ووُجوبِ الحَدِّ على شاربِه؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «كلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ» (٢).

стр. 13784

وعنِ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «نزَلَ تَحريمُ الخَمرِ وإنَّ في المَدينةِ يَومئذٍ لَخَمسةَ أَشرِبةٍ ما فيها شَرابُ العِنبِ» (١). وعنِ الشَّعبيِّ عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: سَمعْتُ عُمرَ ﵁ على مِنبَرِ النبيِّ ﷺ يقولُ: «أمَّا بعدُ: أيُّها الناسُ إنه نزَلَ تَحريمُ الخَمرِ وهيَ من خَمسةٍ: مِنْ العِنبِ والتَّمرِ والعَسلِ والحِنطةِ والشَّعيرِ، والخَمرُ ما خامَرَ العَقلَ» (٢). قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: هذا البابُ رَدٌّ على الكُوفيِّينَ في قَولِهم: «إنَّ الخَمرَ مِنْ العِنبِ خاصَّةً، وإنَّ كُلَّ شرابٍ يُتخَذُ مِنْ غيرِه فغيرُ مُحرَّمٍ ما دُونَ السُّكْرِ منهُ»، قالَ المُهلَّبُ: وهذا التَّفسيرُ مِنْ عُمرَ مُقنِعٌ، ليسَ لأحدٍ أنْ يَتسوَّرَ فيَقولَ: «إنَّ الخَمرَ مِنْ العِنبِ وحْدَه»، فهَؤلاءِ أصحابُ النبيِّ وهمْ فُصَحاءُ العَربِ والفُقهاءُ عنِ اللهِ ورَسولِه قد فَسَّروا ما حَرَّمَه اللهُ وقالوا: إنَّ الخمْرَ مِنْ خَمسةِ أشياءَ، وقد أخبَرَ عمرُ بذلكَ حِكايةً عمَّا نزَلَ مِنْ القُرآنِ وتَفسيرًا للجُملةِ، وقالَ: «الخَمرُ ما خامَرَ العَقلَ»، وخطَبَ بذلكَ على مِنبَرِ النبيِّ ﵇ بحَضرةِ الصَّحابةِ مِنْ المُهاجرِينَ والأنصارِ وغيرِهم، ولم يُنكِرْه أحَدٌ منهُم فصارَ كالإجماعِ، وهذا ابنُ عُمرَ يَقولُ: «حُرِّمَتِ الخَمرُ وما بالمَدينةِ منها شَيءٌ» يَعنِي خَمرَ العِنبِ، وقالَ أنسٌ: «وما نَجدُ خَمرَ الأعنابِ إلا قَليلًا»، وممَّن رُويَ عنه مِنْ الصَّحابةِ أنَّ الخَمرَ يكونُ مِنْ غيرِ العِنبِ -

стр. 13785

وإنْ كانَ لا مُخالِفَ فيهِم- عُمرُ بنُ الخطَّابِ وعليُّ بنُ أبي طالِبٍ و أبو مُوسَى الأشعَريُّ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمرَ وأبو هُريرةَ وسَعدٌ وعائِشةُ، ومِن التابِعينَ سَعيدُ بنُ المُسيبِ وعُروةُ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ في تابِعي أهلِ المدينةِ، ومِن أهلِ الكُوفةِ ابنُ مَسعودٍ، رُويَ عنه في نَقيعِ التَّمرِ أنه خَمرٌ، وبه قالَ الشَّعبيُّ وابنُ أبي ليلَى والنخَعيُّ والحَسنُ البَصريُّ وعَبدُ اللهِ بنُ إدريسَ الأدويِّ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ وطَلحةُ بنُ مصرفٍ، كلُّهم قالوا: المُسكِرُ خَمرٌ، وهو قولُ مالكٍ والأوزاعِيِّ والثَّوريِّ وابنِ المُبارَكِ والشافعيِّ وأحمَدَ وإسحاقَ وعامَّةِ أهلِ الحَديثِ، ورَوى صَفوانُ بنُ محرزٍ قالَ: سَمعْتُ أبا مُوسَى على المِنبَرِ يَقولُ: «ألَا إنَّ خَمرَ أهلِ المَدينةِ البُسْرُ والتَّمرُ، وخَمرَ أهلِ فارِسٍ العِنبُ، وخَمرَ أهلِ اليَمنِ البِتعُ، وهو العَسلُ، وخَمرَ الحَبشةِ الإسكركَةُ، وهو الأرزُ»، قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: فإذا تَبيَّنَ أنَّ الخَمرَ يكونُ مِنْ هذا كلِّه وجَبَ أنْ يَجريَ كلُّه مَجرًى واحِدًا وألَّا نُفرِّقَ بينَ المُسكِرِ مِنْ العِنبِ والمُسكِرِ مِنْ غيرِه، والمزرُ يُصنَعُ مِنْ الشَّعيرِ، وهو الجعةُ أيضًا (١).

стр. 13786

النَّوعُ الثاني: الأشرِبةُ المُسكِرةُ الأُخرى: نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ الأشرِبةَ المُحرَّمةَ أربَعةُ أنواعٍ فقطْ، وما عَداها مُباحٌ، وهيَ: الأولُ: الخَمرُ: وهو عَصيرُ العِنبِ النِّيءِ إذا غَلَى واشتَدَّ وقذَفَ بالزَّبَدِ مِنْ دونِ أنْ يُطبَخَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، وقد تَقدَّمَ الكلامُ فيها. والثاني: العَصيرُ -أي: عَصيرُ العِنبِ- إذا طُبخَ حتى ذهَبَ أقَلُّ مِنْ ثُلثَيه، ويُسمَّى الطِّلاءَ والباذقَ. والثالثُ: السَّكَرُ: وهو نَقيعُ التَّمرِ النَّيءِ إذِ اشتَدَّ وغَلَى. والرابعُ: ونَقيعُ الزَّبيبِ النَّيءِ إذا غَلَى واشتَدَّ وقذَفَ بالزبدِ على الاختِلافِ بينَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ وبينَ أبي حَنيفةَ. ونَبيذُ التَّمرِ والزَّبيبِ إذا طُبخَ كلُّ واحدٍ منهُما أدنَى طَبخٍ -أي: حتى يَنضجَ- فهو حَلالٌ وإنِ اشتَدَّ إذا شَربَ منه ما يَغلبُ على ظَنِّه أنه لا يُسكِرُه مِنْ غيرِ لَهوٍ ولا طَربٍ، وهذا إذا شَربَه للتَّقوِّي في الطاعةِ أو لِاستِمراءِ الطعامِ أو للتَّداوي، وإلا فهو حَرامٌ بالإجماعِ. وكذلكَ عَصيرُ العِنبِ إذا طُبخَ فذهَبَ ثُلثاهُ حَلالٌ وإنِ اشتَدَّ إذا قصدَ به التَّقوِّي، وإنْ قصدَ التَّلهي فحَرامٌ. وحُرمةُ هذهِ الأشربةِ دُونَ الخمرِ؛ لأنَّ حُرمةَ الخَمرِ قطعيَّةٌ وهذه اجتِهاديةٌ.

стр. 13787

ولا يُحَدُّ شارِبُها حتى يَسكَرَ، ولا يكفرُ مُستحِلُّها. ونَبيذُ العَسلِ-ويُسمَّى البِتعَ- والتِّينِ والحِنطةِ -ويُسمَّى المِزرَ- والشَّعيرِ والذُّرةِ حَلالٌ شَربهُ وإنْ لم يُطبخْ إذا شَربَه مِنْ غَيرِ لَهوٍ ولا طَربٍ، وإنما شَربَه للتَّقوِّي واستِمراءِ الطَّعامِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «الخَمرُ مِنْ هاتَينِ الشَّجَرتَينِ: النَّخلةِ والعِنَبةِ» (١)، والمُرادُ بَيانُ الحُكمِ، ولأنَّ قَليلَه لا يَدعو إلى كَثيرِه. واختُلفَ هل يُحَدُّ إذا سَكِرَ منه أم لا؟ فذهَبَ الإمامُ مُحمدُ بنُ الحَسنِ إلى أنه يُحَدُّ إذا سَكِرَ منه، ويقعُ طلاقُه عندَه، وقيلَ: هو الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ في بَعضِ البلادِ يَجتمعُ الفُسَّاقُ عليه اجتِماعَهم على الخَمرِ وفَوقَه. وعندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ: إذا شَربَ نَبيذَ الحُبوبِ والحَلاواتِ بشَرطِه حَلالٌ، ولا يُحَدُّ السكرانُ منه، ولا يَقعُ طَلاقُه (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ كلَّ شَرابٍ أسكَرَ كَثيرُه فإنَّ قليلَه حَرامٌ، ويَجرِي عليهِ حُكمُ الخَمرِ في التحريمِ والنَّجاسةِ والحَدِّ، سَواءٌ كانَ نَيئًا أو مَطبوخًا، وهو قَولُ أكثرِ الصَّحابةِ.

стр. 13788

واستَدلُّوا على هذا بعِدَّةِ أدلَّةٍ، مِنها: ١ - قولُ النبيِّ ﷺ : «كلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ» (١). ٢ - وعنِ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «نزَلَ تَحريمُ الخَمرِ وإنَّ في المَدينةِ يَومئذٍ لَخَمسةَ أَشرِبةٍ ما فيها شَرابُ العِنبِ» (٢). ٣ - وعنِ الشَّعبيِّ عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: سَمعْتُ عُمرَ ﵁ على مِنبَرِ النبيِّ ﷺ يقولُ: «أمَّا بعدُ: أيُّها الناسُ إنه نزَلَ تَحريمُ الخَمرِ وهيَ من خَمسةٍ: مِنْ العِنبِ والتَّمرِ والعَسلِ والحِنطةِ والشَّعيرِ، والخَمرُ ما خامَرَ العَقلَ» (٣). ٤ - وعن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن البِتعِ فقالَ: «كلُّ شَرابٍ أسكَرَ فهو حَرامٌ» (٤). والبِتعُ نَبيذُ العَسلِ. ٥ - وعن أبي مُوسى ﵁ قالَ: «بَعثَني النبيُّ ﷺ أنا ومُعاذَ بنَ جَبلٍ إلى اليَمنِ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ إنَّ شَرابًا يُصنَعُ بأرضِنا يُقالُ له المِزرُ مِنْ الشَّعيرِ، وشَرابٌ يُقالُ له: البِتعُ مِنْ العَسلِ؟ فقالَ: «كلُّ مُسكرٍ حَرامٌ» (٥).

стр. 13789

٦ - وعن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ، ما أسكَرَ الفَرَقُ (١) مِنه فمِلءُ الكَفِّ منه حَرامٌ» (٢). ٧ - وعن مَرْثدِ بنِ عبدِ اللهِ اليَزنِيِّ عن دَيلمٍ الحِميَريِّ قالَ: سَألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ: «يا رَسولَ اللهِ إنَّا بأَرضٍ بارِدةٍ نُعالِجُ بها عَملًا شَديدًا وإنَّا نتَّخِذُ شَرابًا مِنْ هذا القَمحِ نَتَقوَّى به على أعمالِنا وعلى بَردِ بِلادِنا، قالَ: هل يُسكِرُ؟ قلتُ: نعمْ، قالَ: فاجتَنِبوهُ، قالَ: ثُمَّ جِئتُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ فقلتُ له مِثلَ ذلك، فقالَ: هل يُسكِرُ: قلتُ: نعمْ، قالَ: فاجتَنِبوهُ، قلتُ: إنَّ الناسَ غَيرُ تارِكِيه، قالَ: فإنْ لم يَتركُوهُ فاقتُلوهُم» (٣). وغيرُها الكَثيرُ مِنْ الأحاديثِ الثابتةِ الصَّحيحةِ التي تُبيِّنُ أنَّ كلَّ ما أسكَرَ كثيرُه فإنَّ قليلَه حَرامٌ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفي هذهِ الأحاديثِ التي ذكَرَها مُسلمٌ تَصريحٌ بتَحريمِ جَميعِ الأنبِذةِ المُسكِرةِ، وأنها كلَّها تُسمَّى خَمرًا، وسواءٌ في

стр. 13790

ذلكَ الفَضِيخُ ونَبيذُ التَّمرِ والرُّطبِ والبُسْرُ والزبيبُ والشَّعيرُ والذُّرةُ والعَسلُ وغيرُها، وكلُّها مُحرَّمةٌ وتُسمَّى خَمرًا، هذا مَذهبُنا، وبه قالَ مالكٌ وأحمَدُ والجَماهيرُ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ. وقالَ قَومٌ مِنْ أهلِ البَصرةِ: إنَّما يَحرمُ عَصيرُ العِنبُ ونَقيعُ الزَّبيبِ النَّيءِ، فأما المَطبوخُ منهُما والنَّيءُ والمَطبوخُ ممَّا سِواهُما فحَلالٌ ما لم يُشرَبْ ويُسكِرْ. قالَ أبو حَنيفةَ: إنما يَحرمُ عَصيرُ ثَمراتِ النَّخلِ والعَنبِ، قالَ: فسُلافةُ العِنبِ يَحرمُ قَليلُها وكثيرُها، إلا أنْ يُطبخَ حتى يَنقصُ ثُلثاها، وأما نَقيعُ التَّمرِ والزَّبيبِ فقالَ: يَحِلُّ مَطبوخُهما وإنْ مَسَّتْه النارُ شَيئًا قَليلًا، مِنْ غيرِ اعتبارٍ لحَدٍّ كما اعتبَرَ في سُلافةِ العِنبِ، قالَ: والنَّيءُ منه حَرامٌ، قالَ: ولكنه لا يُحَدُّ شارِبُه، هذا كلُّه ما لم يُشرَبْ ويُسكِرْ، فإنْ أسكَرَ فهو حَرامٌ بإجماعِ المُسلمينَ. واحتَجَّ الجُمهورُ بالقُرآنِ والسُّنةِ، أمَّا القُرآنُ: فهو أنَّ اللهَ تعالى نَبَّهَ على أنَّ عِلةَ تَحريمِ الخَمرِ كونُها تَصدُّ عن ذِكرِ اللهِ وعن الصلاةِ، وهذه العِلةُ مَوجودةٌ في جَميعِ المُسكِراتِ، فوجَبَ طَردُ الحُكمِ في الجَميعِ. فإنْ قيلَ: إنما يَحصلُ هذا المَعنَى في الإسكارِ، وذلكَ مُجمَعٌ على تَحريمِه. قُلنا: قد أجمَعُوا على تَحريمِ عَصيرِ العِنبِ وإنْ لم يُسكرْ، وقد عَلَّلَ اللهُ سُبحانَه تَحريمَه كما سبَقَ، فإذا كانَ ما سِواهُ في مَعناهُ وجَبَ طَردُ الحُكمِ في الجَميعِ، ويَكونُ التَّحريمُ للجِنسِ المُسكِرِ، وعُلِّلَ بما يَحصلْ مِنْ الجِنسِ في العادةِ.

стр. 13791

قالَ المازِنِيُّ: هذا الاستِدلالُ آكَدُ مِنْ كلِّ ما يُستدلُّ بهِ في هذه المَسألةِ، قالَ: ولنا في الاستدلالِ طَريقٌ آخَرُ، وهو أنْ يَقولَ: إذا شَربَ سُلافةَ العِنبِ عندَ اعتِصارِها وهي حُلوةٌ لم تُسكِرْ، فهي حَلالٌ بالإجماعِ، وإنِ اشتَدَّتْ وأسكَرَتْ حَرُمتْ بالإجماعِ، فإنْ تَخلَّلتْ مِنْ غيرِ تَخليلِ آدَميٍّ حَلَّتْ، فنظَرْنا إلى مُستبدَلِ هذه الأحكامِ وتَجدُّدِها عندَ تَجددِ الصِّفاتِ وتَبدُّلِها فأشعَرَنا ذلكَ بارتباطِ هذه الأحكامِ بهذهِ الصِّفةِ، وقامَ ذلكَ مَقامَ التَّصريحِ بذلكَ بالنطقِ، فوجَبَ جَعلُ الجَميعِ سَواءً في الحُكمِ، وأنَّ الإسكارَ هو عِلةُ التحريمِ، هذه إحدَى الطَّريقتَينِ في الاستدلالِ لمَذهبِ الجُمهورِ. والثانيةُ: الأحادِيثُ الصَّحيحةُ الكَثيرةُ التي ذكَرَها مُسلمٌ وغيرُه، كقَولِه ﷺ : «كُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ»، وقولِه: «نَهَى عن كُلِّ مُسكِرٍ»، وحَديثِ: «كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ»، وحَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄ الذي ذكَرَه مُسلمٌ هنا في آخِرِ كِتابِ الأشرِبةِ: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ»، وفي رِوايةٍ له: «كلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ خَمرٍ حَرامٌ»، وحَديثِ النهيِّ عن كلِّ مُسكرٍ أسكَرَ عن الصَّلاةِ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: كلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ قليلُه وكَثيرُه، وهو خَمرٌ حُكمُه حُكمُ عَصيرِ العِنبِ في تَحريمِه ووُجوبِ الحَدِّ على شاربِه، ورُويَ تَحريمُ ذلكَ عن عُمرَ وعليٍّ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عُمرَ وأبي هُريرةَ وسَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ وأُبَيِّ بنِ كَعبٍ وأنسٍ وعائشةَ ﵃، وبه قالَ عطاءٌ

стр. 13792

وطاوسٌ ومُجاهدٌ والقاسِمُ وقَتادةُ وعُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ومالكٌ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأبو عُبيدٍ وإسحاقُ (١). وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: ما عَدا الخمرَ مِنْ الأشرِبةِ المُسكِرةِ كعَصيرِ العِنبِ المَطبوخِ ونَبيذِ التمرِ والزَّبيبِ والذُّرةِ والشعيرِ وغيرِ ذلكَ .. فيَحرمُ قَليلُها وكَثيرُها ويَجبُ بشُربِها الحَدُّ، وبه قالَ عُمرُ وعليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمرَ وأبو هُريرةَ وسَعدُ ابنُ أبي وقَّاصٍ وابنُ مَسعودٍ وعائِشةُ ﵃، ومِن الفُقهاءِ مالكٌ والأوزاعِيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ. وقالَ أبو حَنيفةَ: (الأشرِبةُ على أربعِ أضرُبٍ: أحَدُها: الخَمرُ، وهو عَصيرُ العِنبِ إذا اشتَدَّ وقذَفَ زبَدَه، فيَحرمُ قليلُه وكَثيرُه ويَجبُ على شاربِه الحَدُّ، ولم يَشترطْ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ أنَّ يَقذفَ زبَدَه، وقالا: إذا اشتَدَّ وغلَى .. كانَ خَمرًا. والثاني: المَطبوخُ مِنْ عَصيرِ العِنبِ، فإذا ذهَبَ أقلُّ مِنْ ثُلثَيهِ .. فهو حَرامٌ، ولا حَدَّ على شاربِه إلا إذا سَكِرَ، وإنْ ذهَبَ ثُلثاهُ .. فهو حَلالٌ، إلا ما أسكَرَ منهُ، وإنْ طبَخَه عِنبًا .. ففيهِ رِوايتانِ: إحداهُما: أنه يَجري مَجرىَ عَصيرِه. والمَشهورُ: أنه حَلالٌ وإنْ لم يَذهبْ ثُلثاهُ.

стр. 13793

الثالِثُ: نَقيعُ التَّمرِ والزبيبِ، فإنْ طُبخَ بالنارِ .. فهو مُباحٌ، ولا حَدَّ على شاربِه إلا إذا أسكرَ، فيَحرمُ القَدرُ الذي يُسكِرُ وفيه الحَدُّ، وإنْ لم تَمسَسْه النارُ .. فهو حَرامٌ، ولا حَدَّ على شاربِه إلا إذا أسكرَ. الرابعُ: نَبيذُ الحِنطةِ والذُّرةِ والشعيرِ والأرزِ والعَسلِ ونحوِ ذلكَ .. فهو حَلالٌ، سَواءٌ كانَ نَيئًا أو مَطبوخًا، إلا أنه يَحرمُ المُسكِرُ منه، ولا حَدَّ على شاربِه سَكِرَ أو لم يَسكرْ). دَليلُنا: ما رَوى النُّعمانُ بنُ بَشيرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ مِنْ العِنبِ خَمرًا، وإنَّ مِنْ التمرِ خَمرًا، وإنَّ مِنْ العَسلِ خَمرًا، وإنَّ مِنْ البُرِّ خَمرًا، وإنَّ مِنْ الشعيرِ خَمرًا» (١). ورَوى أبو هُريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «الخَمرُ مِنْ هاتَينِ الشَّجرتينِ: النَّخلَةِ والعِنَبةِ» (٢). ورَوى ابنُ عُمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وكلُّ خَمرٍ حَرامٌ» (٣). ورُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «حُرِّمَتِ الخَمرةُ بعَينِها، والمُسكِرُ مِنْ كلِّ شَرابٍ» (٤).

стр. 13794

ورُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «ما أسكَرَ كَثيرُه .. فقَليلُه حَرامٌ» (١). ورَوتْ عائِشةُ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «ما أسكَرُ الفَرَقُ منهُ .. فمِلءُ الكَفِّ منه حَرامٌ» (٢)، و (الفَرْقُ) بسُكونِ الراءِ: مِكيالٌ يَسعُ مِائةً وعِشرينَ رَطلًا، وبنَصبِ الراءِ: يَسعُ سِتةَ عشَرَ رَطلًا، والخبَرُ رُويَ بنَصبِ الراءِ. ولأنَّ اللهَ تعالَى حرَّمَ الخَمرَ ونبَّهَ على المعنَى الذي حرَّمَها لأجْلِه، وهو أنَّ الشَّيطانَ يُوقِعُ فيها العَداوةَ والبَغضاءَ ويَصدُّ بها عن ذِكرِ اللهِ وعن الصلاةِ، وهذه المَعاني مَوجودةٌ في هذه الأشرِبةِ، فوجَبَ أنْ يكونَ حُكمُها حُكمُ الخَمرِ في التَّحريمِ والحَدِّ. إذا ثبَتَ هذا: فاختَلفَ أصحابُنا في هذه الأشربةِ، هل يَقعُ عليها اسمُ الخَمرِ؟ فمِنهُم مَنْ قالَ: يَقعُ عليها اسمُ الخَمرِ؛ لقَولِه ﷺ : «إنَّ مِنْ التمرِ خَمرًا، وإنَّ مِنْ العَسلِ خَمرًا، وإنَّ مِنْ الشَّعيرِ خَمرًا، وإنَّ مِنْ البُرِّ خَمرًا»، ورُويَ عن عُمرَ وأبي مُوسَى الأشعَريِّ ﵄ أنهُما قالا: «الخَمرُ ما خامَرَ العَقلَ»، فعَلى هذا: يُحتَجُّ على تَحريمِ هذا الأشرِبةِ بالآيةِ. وقالَ أكثَرُ أصحابِنا: لا يَقعُ عليها اسمُ الخَمرِ؛ لقَولِه ﷺ : «حُرِّمَتِ الخَمرةُ بعَينِها، والمُسكِرُ مِنْ كلِّ شَرابٍ»، فلو كانَ اسمُ الخَمرِ

стр. 13795

يُطلَقُ على هذه المُسكِراتِ .. لاكتُفيَ بقولِه: «حُرِّمَتِ الخَمرةُ بعَينِها»، فعَلى هذا: لا يَدلُّ على تَحريمِ هذه الأشرِبةِ إلا السُّنةُ والقِياسُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: الذي يَستحِلُّ الشَّرابَ المُسكِرَ زاعِمًا أنه ليسَ خَمرًا مع عِلمِه أنَّ مَعناهُ معنَى الخَمرِ ومَقصودَه مَقصودُه وعمَلَه عَملُه أفسَدُ تأويلًا؛ فإنَّ الخَمرَ اسمٌ لكُلِّ شَرابٍ مُسكِرٍ كما دلَّتْ عليه النُّصوصُ الصَّحيحةُ الصريحةُ، وقد جاءَ هذا الحَديثُ عن النبيِّ صلَّى اللهُ تعالَى عليهِ وآلِه وسلَّمَ مِنْ وُجوهٍ أُخرَى. مِنها: ما رَواهُ النَّسائيُّ عنه ﷺ : «يَشربُ ناسٌ مِنْ أمَّتي الخَمرَ يُسمُّونَها بغيرِ اسمِها»، وإسنادُه صَحيحٌ. ومنها: ما رواه ابنُ ماجَه عن عُبادةَ بنِ الصامِتِ يَرفعُه: «يَشربُ ناسٌ مِنْ أمَّتي الخمرَ يُسمُّونَها بغيرِ اسمِها»، ورَواهُ الإمامُ أحمَدُ ولَفظُه: «لَيَستحِلَّنَّ طائفةٌ مِنْ أمَّتي الخمرَ». ومنها: ما رواهُ ابنُ ماجَه أيضًا مِنْ حَديثِ أبي أُمامةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَذهبُ اللَّيالي والأيامُ حتى تَشربَ طائِفةٌ مِنْ أمَّتي الخمرَ يُسمُّونَها بغيرِ اسمِها». فهؤلاءِ إنما شَرِبوا الخَمرَ استِحلالًا لمَّا ظَنُّوا أنَّ المُحرَّمَ مُجردُ ما وقَعَ عليهِ اللفظُ، وأنَّ ذلكَ اللفظَ لا يَتناولُ ما استَحلُّوهُ (٢).
следующие страницы →