وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَ المُسلمونَ على تَحريمِ شُربِ الخَمرِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وثبَتَ عن النبيِّ ﷺ تَحريمُ الخَمرِ بأخبارٍ تَبلغُ بمَجموعِها رُتبةَ التَّواتُرِ، وأجمَعَتِ الأمَّةُ على تَحريمِه (٢).
حَدُّ شارِبِ الخَمرِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ شَربَ الخَمرَ وهو مُسلمٌ عاقِلٌ بالغٌ مُختارٌ أنَّ عليهِ الحَدَّ، سَواءٌ شَربَ منها قَليلًا أو كَثيرًا، سَكِرَ أو لم يَسكرْ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ شَربَ الخَمرَ فاجلِدُوهُ، ثمَّ إنْ شَربَ فاجلِدوهُ، ثمَّ إنْ شَربَ فاجلِدوهُ، ثمَّ إنْ شَربَ فاقتُلوهُ» (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَ المُسلمونَ على تَحريمِ شُربِ الخَمرِ، وأجمَعُوا على وُجوبِ الحَدِّ على شارِبِها، سَواءٌ شَربَ قَليلًا أو كَثيرًا، وأجمَعُوا على أنه لا يُقتَلُ بشُربِها وإنْ تَكرَّرَ ذلك منه، هكذا حكَى الإجماعَ فيه التِّرمذيُّ وخَلائقُ، وحكَى القاضِي عِياضٌ ﵀ عن طائِفةٍ شاذَّةٍ أنهم قالوا: «يُقتلُ بعدَ جَلدِه أربَعَ مرَّاتٍ؛ للحَديثِ الوارِدِ في ذلكَ»، وهذا القَولُ باطلٌ مُخالِفٌ لإجماعِ الصَّحابةِ فمَن بعدَهم على أنه لا يُقتلُ وإنْ تكرَّرَ منه أكثَرَ مِنْ أربَعِ مرَّاتٍ، وهذا الحَديثُ مَنسوخٌ، قالَ جَماعةٌ: دَلَّ الإجماعُ
стр. 13802
على نَسخِه، وقالَ بعضُهم: نسَخَه قَولُه ﷺ : «لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا بإحدَى ثَلاثٍ: النَّفسُ بالنفسِ والثَّيبُ الزَّاني والتارِكُ لدِينِه المُفارِقُ للجَماعةِ» (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفقوا على أنَّ الخَمرَ حَرامٌ قَليلُها وكَثيرُها، وفيها الحَدُّ (٢).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: مَنْ شَربَ منها وهو مُسلمٌ عاقلٌ بالغٌ مُختارٌ .. وجَبَ عليه الحَدُّ، سواءٌ شَربَ منها قَليلًا أو كَثيرًا، سَكرَ أو لم يَسكرْ؛ لِما رَوى أبو هُريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ شَربَ الخَمرَ .. فاجلِدُوهُ، فإنْ عادَ .. فاجلِدوهُ، فإنْ عادَ .. فاجلِدوهُ، ثمَّ إنْ عادَ .. فاقتُلوهُ»، والقَتلُ في الرابِعةِ مَنسوخٌ؛ لِما رَوى قَبيصةُ بنُ ذُؤيبٍ: «أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ برَجلٍ شَربَ الخَمرَ فجلَدَه، فأُتِيَ به ثانيًا وقد شَربَ فجلَدَه، فأُتِيَ به ثالِثًا وقد شَربَ فجلَدَه، فأُتِيَ به رابعًا وقد شَربَ فجلَدَه ولم يَقتلْه» (٣)، وأجمَعَتِ الأمَّةُ على ذلكَ أيضًا (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعُوا على أنَّ قَليلَ الخمرِ مِنْ العِنبِ فيه مِنْ الحَدِّ مثلُ ما في كَثيرِها، ولا يُراعَى السُّكرُ فيها (٥).
стр. 13803
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: يُحَدُّ شارِبُها قَليلًا أو كَثيرًا؛ لإجماعِ الصَّحابةِ ﵃ على ذلكَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: يَجبُ الحَدُّ على مَنْ شَربَ قَليلًا مِنْ المُسكِرِ أو كَثيرًا، ولا نَعلمُ بينَهُم خِلافًا في ذلكَ في عَصيرِ العِنبِ غيرِ المَطبوخِ، واختَلفوا في سائرِها، فذهَبَ إمامُنا إلى التَّسويةِ بينَ عصيرِ العِنبِ وكلِّ مُسكِرٍ، وهو قَولُ الحَسنِ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وقَتادةَ والأوزاعِيِّ ومالِكٍ والشافِعيِّ، وقالَتْ طائفةٌ: لا يُحَدُّ إلا أنْ يَسكرَ، منهُم أبو وائلٍ والنخَعيُّ وكَثيرٌ مِنْ أهلِ الكُوفةِ وأصحابُ الرأيِ، وقالَ أبو ثَورٍ: مَنْ شَربَه مُعتقِدًا تَحريمَه حُدَّ، ومَن شَربَه مُتأوِّلًا فلا حَدَّ عليهِ؛ لأنه مُختلَفٌ فيهِ، فأشبَهَ النكاحَ بلا وليٍّ.
ولنا: ما رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «مَنْ شَربَ الخَمرَ فاجلِدُوهُ» رَواهُ أبو داودَ وغيرُه، وقد ثبَتَ أنَّ كلَّ مُسكِرٍ خَمرٌ، فيَتناولُ الحَديثُ قَليلَه وكثيرَه، ولأنه شَرابٌ فيه شِدةٌ مُطرِبةٌ، فوجَبَ الحَدُّ بقليلِه كالخَمرِ، والاختِلافُ فيه لا يَمنعُ وُجوبَ الحَدِّ فيها؛ بدَليلِ ما لو اعتَقدَ تَحريمَها، وبهذا فارَقَ النكاحَ بلا وليٍّ ونحوَه مِنْ المُختلَفِ فيه، وقد حَدَّ عُمرُ قُدامةَ بنَ مَظعونٍ وأصحابَه مع اعتِقادِهم حِلَّ ما شَرِبوهُ، والفَرقُ بينَ هذا وبينَ سائرِ المُختلَفِ فيه مِنْ وَجهينِ:
стр. 13804
أحَدُهما: أنَّ فِعلَ المُختلَفِ فيه هاهُنا داعِيةٌ إلى فِعلِ ما أُجمِعَ على تَحريمِه، وفِعلُ سائرِ المُختلَفِ فيه يصرفُ عن جِنسِه مِنْ المُجمَعِ على تَحريمِه.
الثاني: أنَّ السُّنةَ عن النبيِّ ﷺ قد استَفاضَتْ بتَحريمِ هذا المُختلَفِ فيه، فلمْ يَبْقَ فيه لأحَدٍ عُذرٌ في اعتقادِ إباحتِه، بخِلاِف غيرِه مُن المُجتهَداتِ، قالَ أحمَدُ بنُ القاسمِ: سَمعْتُ أبا عبدِ اللهِ يقولُ: في تَحريمِ المُسكِرِ عِشرونَ وجهًا عن النبيِّ ﷺ ، في بَعضِها: «كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ»، وبعضِها: «كلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ» (١).
مِقدارُ حَدِّ شربِ الخَمرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في قَدرِ حَدِّ شُربِ الخَمرِ، هل هو أربَعونَ جَلدةً؟ أم ثَمانونَ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ حَدَّ شارِبِ الخَمرِ أربَعونَ جَلدةً، لا يَجوزُ أنْ ينقصَ منها، وما زادَ عليها إلى الثَّمانينَ تَعزيرٌ يَقِفُ على اجتِهادِ الإمامِ لا يَزيدُ عليها، ويَجوزُ أنْ ينقصَ منها؛ لِما رَواهُ مُسلمٌ عن حُضينِ بنِ المُنذِرِ أبي ساسَانَ قالَ: «شَهِدتُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ وأُتِيَ بالوَليدِ قد صلَّى الصُّبحَ رَكعتَينِ ثمَّ قالَ: أَزيدُكُم، فشَهدَ عليه رَجلانِ أحَدُهما حُمرانُ أنه شَربَ الخَمرَ، وشَهدَ آخَرُ أنه رآهُ يَتَقيأُ، فقالَ عُثمانُ: إنه لم يَتَقيأْ حتى شَربَها، فقالَ: يا عَليُّ قُمْ فاجلِدْهُ، فقالَ عَليٌّ: قُمْ يا حَسنُ فاجلِدْهُ، فقالَ
стр. 13805
الحَسنُ: وَلِّ حارَّها مَنْ تَولَّى قارَّها، فكأنهُ وجَدَ عليه، فقالَ: يا عبدَ اللهِ بنَ جَعفرٍ قُمْ فاجلِدهُ، فجلَدَهُ وعَليٌّ يَعُدُّ حتى بلَغَ أربَعينَ، فقالَ: أَمسِكْ، ثمَّ قالَ: جلَدَ النبيُّ ﷺ أربَعينَ، وجلَدَ أبو بَكرٍ أربَعينَ، وعُمرُ ثَمانينَ، وكلٌّ سُنةٌ، وهذا أحَبُّ إليَّ» (١).
وهذا حُجةٌ أنَّ النبيَّ ﷺ إنما جلَدَ أربَعينَ، وكذا أبو بَكرٍ وعليٌّ، وأما زِيادةُ عُمرَ ﵁ فهي تَعزيراتٌ، والتَّعزيرُ إلى رأيِ الإمامِ إنْ شاءَ فعَلَه وإنْ شاءَ ترَكَه بحَسبِ المَصلحةِ في فِعلِه وتَركِه، فرآهُ عُمرُ ففعَلَه، ولم يَرَهُ النبيُّ ﷺ ولا أبو بَكرٍ ولا عليٌّ فتَركوهُ، وهكذا يَقولُ الشافِعيُّ ﵁ أنَّ الزِّيادةَ إلى رأيِ الإمامِ، وأما الأربَعونَ فهي الحَدُّ المُقدَّرُ الذي لا بُدَّ منه، ولو كانَتِ الزيادةُ حَدًّا لم يَتركْها النبيُّ ﷺ ولا أبو بَكرٍ ﵁ ولم يَتركْها عليٌّ ﵁ بعدَ فِعلِ عُمرَ، ولهذا قالَ عليٌّ ﵁: «وكُلٌّ سُنةٌ» مَعناهُ: الاقتِصارُ على حَدِّ الخَمرِ سُنةٌ وضَمُّ التَّعزيرِ إليه سُنةٌ.
ومِن القِياسِ: أنه سَببٌ يُوجبٌ الحَدَّ، فوجَبَ أنْ يَختصَّ بعَددٍ لا يُشارِكُه غيرُه كالزِّنا والقَذفِ.
فإنْ قيلَ: فوجَبَ ألا يُقدَّرَ بأربَعينَ كالزنا والقَذفِ.
قيلَ: الحُدودُ مَوضوعةٌ على الاختلافِ في المِقدارِ؛ لاختِلافِها في الأسبابِ، فجازَ لنا اعتبارُ بعضِها ببَعضٍ في التفاضُلِ، ولم يَجُزِ اعتبارُ بعضِها
стр. 13806
ببَعضٍ في التماثُلِ، ولأنَّ الحُدودَ تَترتبُ بحَسبِ اختلافِ الإجرامِ، فما كانَ جُرمُه أغلَظَ كانَ حَدُّه أكثَرَ، ولأنَّ الزنا لمَّا غَلُظَ جُرمُه للاشتِراكِ فيه غَلُظَ حَدُّه، والقَذفُ لمَّا اختَصَّ كانَ حَدُّه أكثَرِ بالتعدِّي إلى واحِدٍ كانَ أخَفَّ مِنْ الزِّنا، والخَمرُ لمَّا اختَصَّ بواحدٍ لم يَتعدَّ عنهُ وجَبَ أنْ يكونَ أخَفَّ مِنْ القَذفِ.
وهذا إذا كانَ حُرًّا، وإنْ كانَ عَبدًا فالواجِبُ عليه عِشرونَ جَلدةً؛ لأنه حَدٌّ يَتبعَّضُ، فكانَ على النِّصفِ مِنْ الحُرِّ كالجَلدِ في الزنى …
قالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: فإنْ رَأى الإمامُ أنْ يَحُدَّ الحُرَّ أكثرَ مِنْ الأربَعينَ إلى الثمانينِ، وتَكونُ الزِّيادةُ على الأربَعينَ تَعزيرًا، أو يَحدَّ العبدَ أكثرَ مِنْ عِشرينَ إلى أربَعينَ، وتَكونُ الزِّيادةُ على العِشرينَ تَعزيرًا .. جازَ؛ لِما رَوى أبو وَبرةَ الكَلبيُّ قالَ: «أرسَلَني خالِدُ بنُ الوليدِ إلى عُمرَ، فأَتيتُه ومعَه عثمانُ وعليٌّ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ وطَلحةُ والزُّبيرُ، فقلتُ: إنَّ خالِدًا يَقرأُ عَليكَ السَّلامَ ويقولُ: إنَّ الناسَ قد انهَمَكوا في الخَمرِ وتَحاقَروا العُقوبةَ فيه؟ فقالَ عُمرُ: فما تَرَونَ؟ فقالَ عليٌّ: إنه إذا شَربَ .. سَكِرَ، وإذا سَكرَ .. هذَى، وإذا هذَى .. افتَرى، فيُحَدُّ حَدَّ المُفتَري، فقالَ عُمرُ: أَبلِغْ صاحِبَكَ ما قالَ، فجلَدَ خالِدُ ثَمانينَ، وجلَدَ عُمرُ ثَمانينَ، وكانَ عُمرُ ﵁ إذا أُتِيَ بالرجلِ المُنهمِكِ بالشُّربِ .. جلَدَه ثَمانينَ، وإذا أُتِيَ بالرجلِ الضعيفِ الذي كانَتْ منه الزلَّةُ .. جلَدَه أربَعينَ» (١).
стр. 13807
ويَدلُّ عليه قَولُ عليٍّ: «جلَدَ رَسولُ اللهِ ﷺ أربَعينَ، وأبو بَكرٍ أربعَينَ، وعُمرُ ثَمانينَ، وكِلاهُما سُنةٌ، وهذا أحَبُّ إليَّ»، ومعناهُ: الاقتِصارُ على حَدِّ الخَمرِ سُنةٌ وضَمُّ التَّعزيرِ إليه سُنةٌ.
فإنْ قيلَ: فالتَّعزيرُ لا يَبلغُ عندَكم أربَعينَ؟
قُلنا: لا يَجوزُ له أنْ يَبلغَ به الأربَعينَ على زلَّةٍ واحِدةٍ، فأمَّا إذا كانَتْ زَلَّاتٌ .. فلا يَمنعُ أنْ يُبلغَ به أربَعينَ، وهاهُنا منه زَلاتُ الهَذَيانِ والافتراءِ … (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ حَدَّ الحُرِّ إذا شَربَ الخَمرَ عالِمًا مُختارًا وكانَ مُسلمًا بالغًا ثَمانونَ جَلدةً، وإنْ كانَ عَبدًا فأربَعونَ؛ لأنهُ الذي استَقرَّ عليه إجماعُ الصَّحابةِ، وأنَّ فِعلَ النبيِّ ﷺ لم يَكنْ للتَّحديدِ، فعنْ أنسِ بنِ مالكٍ «أنَّ نَبيَّ اللهِ ﷺ جلَدَ في الخَمرِ بالجَريدِ والنِّعالِ، ثمَّ جلَدَ أبو بَكرٍ أربَعينَ، فلمَّا كانَ عُمرُ ودَنَا الناسُ مِنْ الرِّيفِ والقُرَى قالَ: ما تَرَونَ في جَلدِ الخَمرِ؟ فقالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ: أرَى أنْ تَجعلَها كأخَفِّ الحُدودِ ثَمانينَ، قالَ: فجلَدَ عُمرُ ثَمانينَ» (٢)، وكانَ بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ فاتَّفقُوا عليه، فكانَ إجماعًا.
ولِما رَوى أبو وَبرةَ الكَلبيُّ قالَ: «أرسَلَني خالِدُ بنُ الوليدِ إلى عُمرَ، فأَتيتُه
стр. 13808
ومعَه عثمانُ وعليٌّ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ وطَلحةُ والزُّبيرُ، فقلتُ: إنَّ خالِدًا يَقرأُ عَليكَ السَّلامَ ويقولُ: إنَّ الناسَ قد انهَمَكوا في الخَمرِ وتَحاقَروا العُقوبةَ فيه؟ فقالَ عُمرُ: فما تَرَونَ؟ فقالَ عليٌّ: إنه إذا شَربَ .. سَكِرَ، وإذا سَكرَ .. هذَى، وإذا هذَى .. افتَرى، فيُحَدُّ حَدَّ المُفتَري، فقالَ عُمرُ: أَبلِغْ صاحِبَكَ ما قالَ، فجلَدَ خالِدُ ثَمانينَ، وجلَدَ عُمرُ ثَمانينَ، وكانَ عُمرُ ﵁ إذا أُتِيَ بالرجلِ المُنهمِكِ بالشُّربِ .. جلَدَه ثَمانينَ، وإذا أُتِيَ بالرجلِ الضعيفِ الذي كانَتْ منه الزلَّةُ .. جلَدَه أربَعينَ» (١)، فثبَتَ بهذا كلِّه أنَّ التَّوقيفَ في حَدِّ الخَمرِ على ثَمانينَ إنما كانَ في زَمنِ عُمرَ وانعِقاد إجماعِ الصحابةِ على ذلكَ، فلا تَجوزُ مُخالَفتُهم؛ لأنَّ إجماعَهم مَعصومٌ، كما أجمَعوا على مُصحَفِ عُثمانَ ومَنَعوا ممَّا عَداهُ، فانعَقدَ الإجماعُ على ذلك ولَزمَتِ الحُجةُ به.
ومِن الاعتبارِ: أنه حَدٌّ يَجبُ على الحُرِّ، فلمْ يَتقدَّرْ بالأربعينَ كالقَذفِ، ولأنَّ حَدَّ القَذفِ أخَفُّ وحَدَّ الشُربِ أغلَظُ؛ لِما في النفوسِ مِنْ الداعِي إليه وغَلبةِ الشهوةِ عليهِ، فكانَ إنْ لم يُزَدْ عليه فأَولى أنْ لا يُنقَصَ عنه، ولأنَّ الزيادةَ على الأربَعينَ لو كانَتْ تَعزيرًا لم يَجُزْ أنْ تَبلغَ أربعينَ؛ لأنَّ التعزيرَ لا يَجوزُ أنْ يكونَ مُساوِيًا للحَدِّ (٢).
стр. 13809
شُروطُ وُجوبِ الحَدِّ:
يُشترطُ لوُجوبِ الحَدِّ على مَنْ شَربَ الخمرَ أو المُسكِرَ عَدةُ شُروطٍ لا بُدَّ مِنْ تَوافرِها، وهي:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ مُكلَّفًا بالِغًا عاقِلاً:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الصَّبيَّ أو المَجنونَ إذا شَربَ الخَمرَ أو المُسكِرَ الذي يَجبُ به الحَدُّ أنه لا حَدَّ على واحِدٍ منهُما؛ لعَدمِ التكليفِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن المَجنونِ المَغلوبِ على عَقلِه حتى يَفيقَ، وعن النائمِ حتى يَستيقظَ، وعن الصبيِّ حتى يَحتلمَ» (١)(٢).
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكونَ مُسلِمًا:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ على المُفتَى به عندَهم والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ على أنه يُشترطُ فيمَن يُقامُ عليه حَدُّ الشُّربِ أنْ يكونَ مُسلِمًا، فإنْ كانَ ذمِّيًّا أو حَربيًّا أو مُعاهدًا فلا يُقامُ عليه الحَدُّ؛ لأنه لم يَلتزمْ بالذِّمةِ إلا ما يَتعلقُ بالآدَميينَ (٣).
стр. 13810
وذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ اختارَه الحَصكفيُّ إلى أنه يُقامُ عليه الحَدُّ؛ لأنَّ السُّكْرَ حَرامٌ في جَميعِ الأديانِ (١).
لكنْ قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: ولِي فيه نَظرٌ؛ فإنَّ الخَمرَ لم تكنْ مُحرَّمةً في صَدرِ الإسلامِ، وقد كانَ الصحابةُ يَشربونَها وربَّما سَكِروا منها كما جاءَ صَريحًا، فمِن ذلكَ ما في «الفَتْح» عن التِّرمذيِّ عن عليٍّ ﵁: «صنَعَ لنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ طَعامًا، فدعانا وسَقَانا مِنْ الخَمرِ، فأخَذَتِ الخَمرُ منَّا وحضَرَتِ الصلاةُ، فقدَّمونِي فقَرأتُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، قالَ: فأنزَلَ اللهُ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] الآيَة. اه فلو كانَ السُّكرُ حَرامًا لَزمَ تَفسيقَ الصَّحابةِ.
ثمَّ رأيتُ في تُحفةِ ابنِ حَجرٍ قالَ: وشَربَها المُسلمونَ أولَ الإسلامِ، قيلَ: استِصحابًا لِمَا كانَ قبلَ الإسلامِ.
والأصحُّ: أنه بوَحيٍّ، ثم قيلَ: المُباحُ الشُّربُ لا غَيبةُ العَقلِ؛ لأنه حَرامٌ في كُلِّ مِلةٍ، وزَيَّفَه المُصنِّفُ -يعني: النَّوويَّ-، وعليهِ: فالمُرادُ بقَولِهم بحُرمتِه في كلِّ مِلةٍ أنه باعتبارِ ما استَقرَّ عليهِ أمرُ ملَّتِنا. اه
وهذا مُؤيِّدٌ لِما بَحثتُه، لكنْ في جَوابِه الأخيرِ نَظرٌ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ أننا نُقِيمُ على الذميِّ الحَدَّ برِضاهُ بحُكمِنا (٣).
стр. 13811
الشَّرطُ الثالثُ: أنْ يَكونَ عالِمًا أنَّ كَثيرَها يُسكِرُ:
الحَدُّ إنما يَلزمُ مَنْ شَربَها عالِمًا أنَّ كَثيرَها يُسكِرُ، فأما غيرُه فلا حَدَّ عليه؛ لأنه غيرُ عالمٍ بتَحريمِها ولا قاصِدٍ إلى ارتِكابِ المَعصيةِ بها، فأشبَهَ مَنْ زُفَّتْ إليه غيرُ زَوجتِه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا قَولُ عامةِ أهلِ العِلمِ (١).
الشَّرطُ الرابعُ: أنْ يكونَ عالِمًا بالتَّحريمِ:
نَصَّ أكثرُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ وابنُ وَهبٍ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ مِنْ شُروطِ وُجوبِ الحَدِّ على شاربِ الخَمرِ أنْ يكونَ عالِمًا بالتحريمِ، على تَفصيلٍ عندَهم، فإنْ شَربَها ثم قالَ: «لم أعلَمْ أنها حَرامٌ» فإنْ كانَ ناشِئًا في بِلادِ المُسلمينَ فلا يُقبلُ قَولُه ويُقامُ عليهِ الحَدُّ ولا عُذرَ له في هذا، وأمَّا إذا كانَ كافرًا وأسلَمَ فشَربَ الخَمرَ أو كانَ ناشِئًا في بادِيةٍ ثمَّ قالَ: «لم أعلَمْ أنها حَرامٌ» فلا حَدَّ عليهِ عِندَهم، خِلافًا لمُعتمَدِ المَذهبِ عندَ المالِكيةِ وقَولٍ للشافِعيةٍ، وتَفصيلُ ذلكَ فيما يَلي:
قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ أنْ يكونَ شاربُ الخَمرِ عالِمًا بالحُرمةِ حَقيقةً أو حُكمًا بكونِه في دارِنا بأنْ يكونَ ناشِئًا فيها، وإذا أسلَمَ الحَربيُّ وجاءَ إلى دارِ الإسلامِ ثمَّ شَربَ الخمرَ قبلَ أنْ يَعلمَ أنها مُحرَّمةٌ عليهِ لم يُحَدَّ، وإنْ زنَى أو سَرقَ أُخذَ بالحَدِّ ولم يُعذَرْ بقولِه: «لم أعلَمْ».
стр. 13812
وأما المَولودُ بدارِ الإسلامِ إذا شَربَ الخَمرَ وهو بالغٌ فعَليهِ الحَدُّ ولا يُصدَّقُ أنه لم يَعلمْ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو قَرُبَ إسلامُه فقالَ: «جَهِلتُ تَحريمَها» لم يُحَدَّ؛ لأنه قد يَخفى عليه ذلكَ، والحُدودُ تُدرأُ بالشبُهاتِ، وهذا ظاهرٌ في غيرِ مَنْ نشَأَ في بلادِ الإسلامِ.
أما مَنْ نَشأَ في بلادِ الإسلامِ وكانَ مُخالِطًا للمُسلمينَ وأسلَمَ ثم ادَّعى بعدَ ذلكَ أنه لا يَعلمُ أنها حَرامٌ على المُسلمينَ فقَولانِ في المَذهبِ:
أحَدُهما: لا يُقبلُ قولُه؛ لأنَّ الظاهرَ أنه يَعلمُ تَحريمَها على المُسلمينَ، وهو قَولُ الأذرعيِّ، واختارَه الدَّميريُّ وابنُ حَجرٍ والرَّمليُّ وغيرُهم.
والثاني: لا حَدَّ عليهِ ويُقبلُ قَولُه، اختارَه الخَطيبُ الشَّربينيُّ، قالَ: وظاهرُ كلامِ الأصحابِ الإطلاقُ، وهو الظاهِرُ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: مَنْ شَربَ الخَمرَ غيرَ عالِمٍ بتَحريمِها فلا حَدَّ عليه أيضًا؛ لأنَّ عُمرَ وعُثمانَ ﵄ قالا: «لا حَدَّ إلا على مَنْ عَلِمَه»، ولأنه غيرُ عالِمٍ بالتحريمِ، أشبَهَ مَنْ لم يَعلمْ أنها خَمرٌ، وإذا ادَّعى الجَهلَ بتَحريمِها نظَرْنا؛ فإنْ كانَ ناشئًا ببَلدِ الإسلامِ بينَ المُسلمينَ لم تُقبلْ دَعواهُ؛ لأنَّ هذا لا يكادُ
стр. 13813
يَخفى على مثلِه، فلا تُقبلُ دَعواهُ فيه، وإنْ كانَ حَديثَ عهدٍ بإسلامٍ أو ناشئًا ببادِيةٍ بَعيدةٍ عن البُلدانِ قُبِلَ منه؛ لأنه يَحتملُ ما قالَه (١).
وقالَ المالِكيةُ: مَنْ شَربَ الخَمرَ ممَّن لا يَعلمُ تَحريمَها كالأعجَميِّ الذي دخَلَ دارَ الإسلامِ ولا يَعرفُ أو لكَونِه بَدويًّا لم يَقرأِ الكِتابِ ولم يَعلمْه ومثلُه يَجهلُ ذلكَ فلا يُرفعُ عنه الحَدُّ بذلكَ؛ لأنَّ الإسلامَ فَشَا، فلا أحَدٌ يَجهلُ شيئًا مِنْ حُدودِه (٢).
حُكمُ مَنْ عَلِمَ تحريمَ شُربِها وجَهلَ وُجوبَ الحَدِّ:
نَصَّ فُقهاءُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ -وهو مُقتضَى كلامِ الحَنفيةِ- على أنَّ مَنْ عَلِمَ حُرمةَ الخَمرِ إلا أنه جَهِلَ وُجوبَ الحدِّ بشُربِها حُدَّ؛ لأنه إذا عَلِمَ بتَحريمِها كانَ الواجِبُ في حقِّه أنْ يَمتنعَ عنها (٣).
стр. 13814
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يكونَ طائِعًا غيرَ مُكرَهٍ:
نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ على أنَّ الإنسانَ إذا أُكرهَ على شُربِ الخَمرِ جازَ له شُربُها ولا يُقامُ عليه الحَدُّ ولا إِثمَ عليه، سَواءٌ أُكرهَ بالوَعيدِ والضَّربِ أو أُلجِئَ إلى شُربِها بأنْ يُفتَحَ فُوهُ وتُصَبَّ فيه؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عن أمَّتي الخَطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهوا عليهِ» (١)(٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يَجبُ عليه الحَدُّ (٣).
الشَّرطُ السادِسُ: أنْ لا يَكونَ مُضطرًّا إليها:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ مَنْ اضطُرَّ إلى شُربِ الخَمرِ لدَفعِ غصَّةٍ بها إذا لم يَجدْ مائعًا سواها جازَ له؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ في آيةِ التَّحريمِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا
стр. 13815
إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٥]، ولأنَّ إزالةَ الغصَّةِ بالخَمرِ واجِبةٌ إذا خافَ على نَفسِه الهَلاكَ ولم يَجدْ غيرَه؛ لأنَّ فيها صَونًا لإحياءِ النُّفوسِ.
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ مَنْ غصَّ بلُقمةٍ وخافَ الموتَ ولم يَجدْ ما يَدفعُها به سِوى الخمرَ فإنه يَجوزُ أنْ يَدفعَها بها (١).
إلا أنَّ الفُقهاءُ اختَلفوا هل يَجوزُ شُربُها لعَطشٍ مُهلِكٍ أو للجُوعِ؟ أم لا يَجوزُ؟ على تَفصيلٍ بينَهُم.
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنه يَجوزُ شُربُه الخَمرَ مِنْ أجلِ العَطشِ المُهلِكِ (٢).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على تَفصيلٍ عندَهم إلى أنه لا يَجوزُ شُربُ الخَمرِ للعَطشِ أو الجُوعِ.
قالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ شُربُ الخَمرِ لخَوفِ مَوتٍ بجُوعٍ أو عَطشٍ، وإنما جازَ شُربُ الخَمرِ لدَفعِ غصَّةٍ ولم يَجُزْ شُربُه لخَوفِ مَوتٍ بجُوعٍ أو عَطشٍ لزَوالِ الغصَّةِ بالخَمرِ تَحقيقًا أو ظنًّا قويًّا، بخِلافِ الجُوعِ والعَطشِ؛ فإنهُما لا يَزولانِ به بل يَزيدانِ؛ لِما في طَبعِه مِنْ الحَرارةِ والهَضمِ.
وفي قَولٍ اختارَه ابنُ العرَبيُّ وغيرُه أنه يَجوزُ شُربُ الخَمرِ للعَطشِ والجُوعِ إنْ رَدَّتْ عنه الجُوعَ والعطشَ؛ لأنها تُفيدُ تَخفيفَ ذلكَ على الجُملةِ ولو لَحظةً (٣).
стр. 13816
وقالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: لا يَجوزُ شُربُ الخَمرِ لعَطشٍ أو لجُوعٍ إذا لم يَنتهِ به الأمرُ إلى الهَلاكِ؛ لعُمومِ النهيِ، ولأنَّ بعضَها يَدعو إلى بَعضٍ، فإنْ انتَهى به الأمرُ إلى الهَلاكِ وجَبَ تَناولُها، كتَناولِ المَيتةِ للمُضطرِّ، ولا حَدَّ عليهِ في الحالتَينِ.
وفي وَجهٍ مُقابلَ الأصَحِّ: يَجوزُ شُربُها للجُوعِ والعَطشِ كما يَجوزُ شُربُ البَولِ والدمِ لذلكَ، وكما يُتداوَى بالنجاساتِ كلَحمِ الحيَّةِ والسَّرطانِ والمَعجونِ فيه خَمرٌ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ شَربَ الخَمرَ لعَطشٍ فإنْ كانَتْ مَمزوجةً بما يَروِي مِنْ العَطشِ أُبيحَتْ لدَفعِه عندَ الضرورةِ كما تُباحُ المَيتةُ عندَ المَخمصةِ وكإباحتِها لدَفعِ الغصَّةِ؛ لِما في حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ حُذافةَ «أنه أسَرَه الرُّومُ فحبَسَه طاغِيتُهم في بَيتٍ فيه ماءٌ مَمزوجٌ بخَمرٍ ولَحمُ خِنزيرٍ مَشويٌّ ليَأكلَه ويَشربَ الخَمرَ، وتَركَه ثلاثةَ أيامٍ فلمْ يَفعلْ، ثمَّ أخرَجوهُ حينَ خَشوا مَوتَه فقالَ: واللهِ لقدْ كانَ اللهُ أحَلَّه لي فإني مُضطرٌّ، ولكنْ لم أكُنْ لأشمتَكُم بدِينِ الإسلامِ».
وإنْ شَربَها صِرفًا أو مَمزوجةً بشيءٍ يَسيرٍ لا يَروِي مِنْ العَطشِ أو شَربَها للتداوي لم يُبَحْ له ذلكَ وعليهِ الحَدُّ (٢).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وكذلكَ الخَمرُ يُباحُ لدَفعِ الغصَّةِ بالاتفاقِ، ويُباحُ لدَفعِ العَطشِ في أحَدِ قَولَي العُلماءِ، ومَن لم يُبِحْها قالَ: «إنها لا تَدفعُ العطشَ»، وهذا مَأخذُ أحمَدَ، فحِينئذٍ فالأمرُ مَوقوفٌ على دفعِ العطشِ بها، فإنْ عَلِمَ أنها تَدفعُه أُبيحَتْ بلا رَيبٍ كما يُباحُ لَحمُ الخِنزيرِ لدَفعِ المَجاعةِ، وضَرورةُ العَطشِ الذي يَرى أنه يُهلكُه أعظَمُ مِنْ ضَرورةِ الجُوعِ، ولهذا يُباحُ شربُ النجاساتِ عندَ العَطشِ بلا نِزاعٍ، فإنِ اندَفعَ العطشُ وإلا فلا إباحةَ في شَيءٍ مِنْ ذلكَ (٣).
стр. 13817
الشَّرطُ السابعُ: هو خاصٌّ بمَذهبِ الحَنفيةِ:
زادَ الحَنفيةُ عدَّةَ شُروطٍ حتى لا يُقامَ الحَدُّ على شاربِ الخَمرِ ذكَرَها الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀ بقولِه: لا يُحدُّ للشربِ عَشرةٌ: ذمِّيٌّ على المَذهبِ، ومُرتدٌّ وإنْ شَربَ قبلَ رِدتِه وإنْ أسلَمَ بعدَ الشُّربِ، وصَبيٌّ، ومَجنونٌ، وأخرَسٌ، ومُكرَهٌ، ومُضطرٌّ لعَطشٍ مُهلِكٍ، ومُلتجِئٌ إلى الحرمِ، وجاهلٌ بالحُرمةِ حَقيقةً وحُكمًا، ومَن شَربَ في غيرِ دارِنا، وبه يُعلَمُ شُروطُ الحَدِّ هُنا (١).
كَيفيةُ ثُبوتِ حَدِّ شُربِ الخَمرِ:
نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ الحَدَّ لا يَجبُ إلا بعدَ ثُبوتِه، ويَثبتُ بأحَدِ أمرَينِ باتِّفاقِ العُلماءِ، وبثالِثٍ مُختلَفٍ فيه.
стр. 13818
أولاً: الإقرارُ بشُربِ الخَمرِ:
اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ أقَرَّ على نَفسِه مَرتينِ عندَ الإمامِ أنه شَربَ الخَمرَ المُسكِرَ ولم يَرجعْ عن إقرارِه فإنه يُقامُ عليه الحَدُّ بمُوجَبِ إقرارِه، فإنْ رجَعَ قُبلَ منه ولا يُقامُ عليه الحدُّ.
قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقوا أنه إنْ أقَرَّ مرَّتينِ كما قُلنا في إقرارِه بالزِّنا وثبَتَ أنه يُحَدُّ (١).
واختَلفُوا هل يُقبلُ إذا أقَرَّ مَرةً واحِدةً أم لا؟
فذهَبَ عامَّةُ أهلِ العِلمِ خِلافًا لأبي يُوسفَ إلى أنه يَكفي الإقرارُ مرَّةً واحِدةً، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ؛ لأنه حَدٌّ لا يَتضمنُ إتلافًا، فأشبَهَ حَدَّ القَذفِ، وإذا رجَعَ عن إقرارِه قُبلَ رُجوعُه؛ لأنه حَدٌّ للهِ سُبحانَه، فقُبلَ رُجوعِه فيه كسائرِ الحُدودِ، ولا يُعتبَرُ مع الإقرارِ وُجودُ رائحةٍ.
وحُكيَ عن أبي حَنيفةَ: «لا حَدَّ عليهِ إلا أنْ تُوجَدَ رائحةٌ»، ولا يَصحُّ؛ لأنه أحَدُ بيِّنتَي الشُربِ، فلمْ يُعتبَرْ معه وُجودُ الرائحةِ كالشهادةِ، ولأنه قد يُقِرُّ بعدَ زَوالِ الرائحةِ عنهُ، ولأنه إقرارٌ بحَدٍّ، فاكتُفيَ به كسائرِ الحُدودِ (٢).
стр. 13819
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفوا فيما إذا أقَرَّ بشُربِ الخَمرِ ولم يُوجَدْ منه رِيحٌ، فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمَدُ: لا يَلزمُه الحَدُّ، وقالَ مالكٌ: يَلزمُه الحَدُّ (١).
الثَّاني: البيِّنةُ: وهي شَهادةُ رَجلينِ عَدلينِ مُسلمَينِ:
اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ حَدَّ الشُربِ يَثبتُ برَجلينِ مُسلمَينِ عَدلينِ يَشهدانِ أنه شَربَ مُسكِرًا، ولا يَثبتُ بكافرَينِ ولا برَجلٍ وامرَأتينِ؛ لأنَّ البيِّنةَ ناقصةٌ.
قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقوا أنَّ عَدلينِ يُقبَلانِ في الخمرِ إذا ذكَرَا أنهُما رَأَياهُ يَشربُ خَمرًا إذا لم يَكنْ بينَ شَهادتِهما وشُربِه إلا أقَلُّ مِنْ شَهرٍ، وكذلكَ في شَهادةِ السرقةِ.
واختَلفوا في عَدلينِ شَهدَا على سَكرانَ بشُربِ الخمرِ ثمَّ لم يُؤْتَ به إلا بعدَ ذهابِ سُكرِه الحَدُّ أم لا (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأما البيِّنةُ فلا تَكونُ إلا رَجلينِ عَدلينِ مُسلمَينِ يَشهدانِ أنه مُسكِرٌ، ولا يَحتاجانِ إلى بَيانِ نوعِه؛ لأنه لا يَنقسمُ إلى ما يُوجِبُ الحَدَّ وإلى ما لا يُوجبُه، بخِلافِ الزنا؛ فإنه يُطلَقُ على الصَّريحِ وعلى دَواعيهِ، ولهذا قالَ النبيُّ ﷺ : «العَينانِ تَزنيانِ واليَدانِ تَزنيانِ والفَرجُ يُصدِّقُ ذلكَ أو يُكذبُه»، فلهذا احتاجَ الشاهِدانِ إلى تَفسيرِه، وفي
стр. 13820
مَسألتِنا لا يُسمَّى غيرُ المُسكِرِ مُسكرًا، فلمْ يَفتقرْ إلى ذِكرِ نَوعِه، ولا يَفتقرُ في الشهادةِ إلى ذِكرِ عدمِ الإكراهِ ولا ذِكرِ عِلمِه أنه مُسكرٌ؛ لأنَّ الظاهرَ الاختِيارُ والعِلمُ، وما عَداهُما نادرٌ بَعيدٌ، فلمْ يُحتَجْ إلى بَيانِه، ولذلكَ لم يُعتبَرْ ذلكَ في شيءٍ مِنْ الشهاداتِ، ولم يُعتبِرْه عُثمانُ في الشهادةِ على الوَليدِ ابنِ عُقبةَ، ولا اعتبَرَه عُمرُ في الشهادةِ على قُدامةَ بنِ مَظعونٍ، ولا في الشهادةِ على المُغيرةِ بنِ شُعبةَ، ولو شَهدَا بعِتقٍ أو طَلاقٍ لم يَفتقرْ إلى ذِكرِ الاختيارِ، كذا هاهُنا (١).
الثالثُ: وُجودُ رائحةِ الخَمرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حَدِّ شُربِ الخَمرِ، هل يَثبتُ بوُجودِ رائحةِ الخَمرِ مِنْ فِيهِ أم لا يَثبتُ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه إنْ شَهدَ شاهِدانِ أنَّ رائِحةَ فمِه خَمرٌ فإنه يُحَدُّ، وكذلكَ يُحدُّ لو شَهدَ عليه عَدلانِ بأنَّ رائِحةَ فَمِه رائحةُ مُسكِرٍ وشَهدَ عدلانِ آخَرانِ أنه ليسَ برائحةِ مُسكرٍ؛ لأنَّ الشهادةَ المُثبِتةَ تُقدَّمُ على النافيةِ، وهذه الشهادةُ مُثبِتةٌ.
لِما رواهُ الإمامُ مالكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن السائِبِ بنِ يَزيدَ أنه أخبَرَه «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ خرَجَ عليهِم فقالَ: إني وَجدْتُ مِنْ فُلانٍ ريحَ شَرابٍ فزعَمَ
стр. 13821
أنه شَرابُ الطِّلاءِ، وأنا سائلٌ عمَّا شَربَ، فإنْ كانَ يُسكِرُ جَلدتُه، فجلَدَه عمرُ الحَدَّ تامًّا» (١)، ولأنَّ الرائحةَ تَدلُّ على شُربِه، فجَرَى مَجرى الإقرارِ (٢).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وغيرُهم إلى أنه لا يَثبتُ حَدُّ شُربِ الخَمرِ بوُجودِ رائحةِ الخَمرِ مِنْ فيهِ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وليسَ له بالرائحةِ عِلمٌ مُتحقِّقٌ، فلمْ يَجُزْ أنْ يُحكَمَ بهِ، ولأنه يَجوزُ أنْ يكونَ قد تَمضمضَ بالخَمرِ ثمَّ مَجَّها ولم يَشربْها، فلمْ تُدرَكْ رائِحتُها مِنْ فمِه على شُربِها، ولأنه ربَّما أُكرِهَ على شُربِها، ولأن رائحةَ الخَمرِ مُشتركةٌ يَجوزُ أنْ يُوجَدَ مثلُها في أكلِ النَّبقِ وبَعضِ الفَواكِه، فلمْ يُقطَعْ به عليها، ولأنَّ رائحةَ الخَمرِ قد تُوجَدُ في كثيرٍ مِنْ الأشرِبةِ المُباحةِ كشَرابِ التفاحِ والسَّفرجلِ ورُبوبِ الفَواكهِ، فلمْ يَجُزْ أنْ يُقطعَ بالرائحةِ عليها إذا شُوهدَتْ؛ لأنَّ مُشاهدةَ جِسمِها يَنفي عنها ظُنونَ الاشتباهِ، وفي هذا دليلٌ وانفصالٌ، وإذا احتُملَ ذلكَ لم يَجبِ الحَدُّ الذي يُدرأُ بالشبُهاتِ، وحَديثُ عُمرَ حُجةٌ لنا؛ لأنه لم يَحُدَّه بوُجودِ الرائحةِ، ولو وجَبَ ذلكَ لَبادرَ إليه عُمرُ ﵁ (٣).
стр. 13822
تَقيُّؤُ الخَمرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن وُجدَ سَكرانَ أو تَقيَّأَ الخَمرَ، هل يُقامُ عليهِ الحَدُّ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ وُجدَ سَكرانَ أو تَقيَّأَ الخمرَ فإنه يُحَدُّ، أو شَهدَ عليه عَدلٌ واحدٌ بُشربِها وآخَرُ أنه تَقايَأَها؛ لِما رواهُ مُسلمٌ عن حُضينِ بنِ المُنذِرِ أبي ساسَانَ قالَ: «شَهِدتُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ وأُتِيَ بالوَليدِ قد صلَّى الصُّبحَ رَكعتَينِ ثمَّ قالَ: أَزيدُكُم، فشَهدَ عليه رَجلانِ أحَدُهما حُمرانُ أنه شَربَ الخَمرَ، وشَهدَ آخَرُ أنه رآهُ يَتَقيأُ، فقالَ عُثمانُ: إنه لم يَتَقيأْ حتى شَربَها، فقالَ: يا عَليُّ قُمْ فاجلِدْهُ، فقالَ عَليٌّ: قُمْ يا حَسنُ فاجلِدْهُ، فقالَ الحَسنُ: وَلِّ حارَّها مَنْ تَولَّى قارَّها، فكأنهُ وجَدَ عليه، فقالَ: يا عبدَ اللهِ بنَ جَعفرٍ قُمْ فاجلِدهُ، فجلَدَهُ وعَليٌّ يَعُدُّ حتى بلَغَ أربَعينَ، فقالَ: أَمسِكْ، ثمَّ قالَ: جلَدَ النبيُّ ﷺ أربَعينَ، وجلَدَ أبو بَكرٍ أربَعينَ، وعُمرُ ثَمانينَ، وكلٌّ سُنةٌ، وهذا أحَبُّ إليَّ» (١)، وهذا بمَحضرٍ مِنْ عُلماءِ الصحابةِ وسادَتِهم ولم يُنكَرْ فكانَ إجماعًا، ولأنه يَكفي في الشهادةِ عليه أنه شَربَها، ولا يَتقيَّؤُها أو لا يَسكرُ منها حتى يَشربَها (٢).
стр. 13823
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في الرِّوايةِ الثانيةِ إلى أنه لا حَدَّ عليهِ؛ لاحتمالِ أنْ يكونَ مُكرَهًا أو لم يَعلمْ أنها تُسكِرُ، والحَدُّ يُدرأُ بالشبهةِ (١).
كَيفيةُ إقامةِ الحَدِّ على شارِبِ الخَمرِ وصِفتُه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في كَيفيةِ ضَربِ المَحدودِ في الخَمرِ، هل يُضرَبُ بالأيدِي والنِّعالِ وأطرافِ الثِّيابِ؟ أم يُجلَدُ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ وبعضُ الحَنابلةِ إلى أنه يُضرَبُ بالنِّعالِ والأيدِي وأطرافِ الثيابِ؛ لحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ «أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ برَجلٍ قد شَربَ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : اضرِبوهُ، قالَ: فمِنَّا الضارِبُ بيَدِه ومِنَّا الضارِبُ بنَعلِه والضاربُ بثَوبِه، فلما انصرَفَ قالَ بعضُ القومِ: أخزَاكَ اللهُ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : لا تَقولوا هكذا، لا تُعِينُوا عليه الشيطانَ، ولكنْ قُولوا: رَحِمَكَ اللهُ» (٢).
ولأنَّ حَدَّ الخَمرِ لمَّا كانَ أخَفَّ مِنْ غيرِه في العَددِ وجَبَ أنْ يَكونَ أخَفَّ مِنْ غيرِه في الصِّفةِ (٣).
стр. 13824
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ حَدَّ الخمرِ يكونُ بالضربِ بالسَّوطِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إذا شَربَ الخمرَ فاجلِدوهُ»، والجَلدُ إنما يُفهَمُ من إطلاقِه الضربُ بالسَّوطِ، ولأنه أمَرَ بجَلدِه كما أمَرَ تعالَى بجَلدِ الزاني، فكانَ بالسوطِ مِثلَه، والخُلفاءُ الراشِدونَ ضَرَبوا بالسِّياطِ وكذلكَ غيرُهم، فكانَ إجماعًا، فأما حَديثُ أبي هُريرةَ فكانَ في بَدءِ الأمرِ ثمَّ جلَدَ النبيُّ ﷺ واستَقرَّتِ الأمورُ، فقدْ صَحَّ «أنَّ النبيَّ ﷺ جلَدَ أربَعينَ، وجلَدَ أبو بَكرٍ أربَعينَ، وجلَدَ عُمرُ ثمانينَ، وجلَدَ عليٌّ الوليدَ بنَ عُقبةَ أربعينَ»، وفي حَديثِ جَلدِ قُدامةَ حينَ شَربَ أنَّ عمرَ قالَ: «ائتُوني بسَوطٍ، فَجاءَه أسلَمُ مَولاهُ بسَوطٍ دَقيقٍ صَغيرٍ، فأخَذَه عُمرُ فمسَحَه بيَدِه ثمَّ قالَ لأسلَمَ: أنا أحدِّثُكَ إنكَ ذكَرْتَ قَرابتَه لأهلِكَ، ائْتِني بسَوطٍ غيرِ هذا، فأتاهُ به تامًّا، فأمَرَ عمرُ بقُدامةَ فجُلدَ».
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا ثبَتَ هذا فإنَّ السَّوطَ يكونُ وسَطًا، لا جَديدًا فيَجرحُ، ولا خَلقًا فيَقلُّ ألَمُه؛ لِما رُويَ «أنَّ رَجلًا اعتَرفَ عندَ رَسولِ اللهِ ﷺ بالزنا، فدَعا له رسولُ اللهِ ﷺ بسَوطٍ، فأُتِيَ بسَوطٍ مَكسورٍ، فقالَ: فَوقَ هذا، فأُتِيَ بسَوطٍ جَديدٍ لم تُكسَرْ ثَمرتُه، فقالَ: بيْنَ هذَينِ» رواهُ مالكٌ عن زيدِ بنِ أسلَمَ مُرسَلًا، ورُويَ عن أبي هُريرةَ مُسنَدًا، وقد رُويَ عن عليٍّ ﵁ أنه قالَ: «ضَربٌ بينَ ضَربَينِ وسَوطٌ بينَ سَوطينِ»، وهكذا الضَّربُ يكونُ وسَطًا، لا شَديدٌ فيَقتلُ، ولا ضَعيفٌ فلا يَردعُ، ولا يَرفعُ باعَه كلَّ الرفعِ، ولا يَحطُّه فلا يُؤلمُ، قالَ
стр. 13825
أحمَدَ: لا يُبدِي إبْطَه في شيءٍ مِنْ الحُدودِ، يعني: لا يُبالِغُ في رفعِ يدِه؛ فإنَّ المَقصودَ أدَبُه لا قَتلُه (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: وإنْ رَأى إمامٌ أو نائبُه الضَّربَ في حَدِّ شُربِ مُسكرٍ بجَريدٍ أو بنِعالٍ فله ذلكَ، وبأيدٍ أيضًا؛ لحَديثِ أبي هُريرةَ السابقِ (٢).
حُكمُ التَّداوي بالخَمرِ وبالمُحرَّماتِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التداوي بالخَمرِ، هل يَجوزُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ إلى أنه يَحرمُ التداوِي بالخَمرِ؛ لِما رواهُ مُسلمٌ وغيرُه عن عَلقمةَ بنِ وائلٍ عن أبيه وائلٍ الحَضرَميِّ «أنَّ طارِقَ بنَ سُويدٍ الجُعفيَّ سَألَ النبيَّ ﷺ عن الخَمرِ فنَهاهُ أو كَرِهَ أنْ يَصنعَها، فقالَ: إنَّما أَصنعُها للدَّواءِ، فقالَ: إنه ليسَ بدَواءٍ ولكنَّه داءٌ» (٣).
وعن عاصمٍ عن أبي وائلٍ قالِ: اشتَكى رَجلٌ منَّا فنُعِتَ له السُّكْرُ، فأتَينا عبدَ اللهِ فسَألناهُ فقالَ: «إنَّ اللهَ لم يَجعلْ شِفاءَكُم فيما حرَّمَ عَليكم» (٤).
стр. 13826
ولأنه مُحرَّمٌ لعَينِه، فلمْ يُبَحْ للتداوِي كلَحمِ الخِنزيرِ، ولأنَّ الضَّرورةَ لا تَندفعُ به، فلم يُبَحْ كالتداوِي بها فيما لا تَصلحُ له، ولأنه وإنْ كانَتْ فيها مَنفعةٌ مِنْ طريقِ البَدنِ ففيها مَضرَّةٌ مِنْ طَريقِ الدينِ، والبارِي تَعالى قد حرَّمَها مع عِلمِه بها.
وصرَّحَ المالِكيةُ: أنه لا يَجوزُ ولو خافَ المَوتَ (١).
أما الشافِعيةُ في الأصَحِّ قالُوا: مَحلُّ الحُرمةِ إذا لم يَجدْ ما يَقومُ مَقامَها وإنْ لم يَنتهِ به الأمرُ إلى الهَلاكِ، فإنْ أُشفيَ عليهِ ولم يَجدْ غيرَها تَعيَّنَ شُربُها كما يَتعيَّنُ على المُضطرِّ أكلُ المَيتةِ، قالَ الدَّميريُّ ﵀: كذا نقَلَه الإمامُ عن إجماعِ الأصحابِ.
ولا حَدَّ على المُتَداوِي بالخَمرِ عندَ الشافِعيةِ (٢)، ويَجبُ عليه الحَدُّ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ (٣).
стр. 13827
وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: كلُّ شَرابٍ مُحرَّمٍ فلا يُباحُ شُربُه للتداوِي، حتَّى رُويَ عن مُحمدٍ أنَّ رَجلًا أتَى يَستأذنُه في شُربِ الخَمرِ للتداوِي قالَ: (إنْ كانَ في بَطنِكَ صَفراءُ فعَليكِ بماءِ السُّكَّرِ، وإنْ كانَ بكَ رُطوبةٌ فعَليكَ بماءِ العَسلِ، فهوَ أنفعُ لكَ)، ففي هذا إشارةٌ إلى أنه لا تَتحققُ الضرورةُ في الإصابةِ مِنْ الحَرامِ؛ فإنه يُوجَدُ مِنْ جِنسِه ما يكونُ حَلالًا والمَقصودُ يَحصلُ بهِ، وقد دَلَّ عليهِ قولُ النبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ لم يَجعلْ في رِجسٍ شِفاءً»، ولم يُرِدْ به نفيَ الشفاءِ أصلًا؛ فقدْ يُشاهَدُ ذلكَ ولا يجوزُ أنْ يقَعَ الخُلفُ في خبَرِ الشَّرعِ ﵊، ولكنَّ المُرادَ أنه لم يُعيِّنْ رِجسًا للشفاءِ على وَجهٍ لا يُوجَدُ مِنْ الحَلالِ ما يَعملُ عمَلَه أو يَكونُ أقوَى منه (١).
إلا أنَّ فُقهاءَ الحَنفيةِ قالوا: إنَّ الاستِشفاءَ بالمُحرَّمِ إنما لا يَجوزُ إذا لم يَعلمْ أنَّ فيه شِفاءً، أما إذا عَلِمَ أنَّ فيه شِفاءً وليسَ له دَواءٌ آخَرُ غيرَه فيَجوزُ الاستشفاءُ به؛ لأنَّ مُحمدًا ﵀ ذكَرَ في كِتابِ الأشرِبةِ: إذا خافَ الرَّجلُ على نَفسِه العطشَ ووجَدَ الخمرَ شَربَها إنْ كانَ يَدفعَ عطَشَه، لكنْ يَشربُ بقَدرِ ما يَرويهِ ويَدفعُ عطشَه، ولا يَشربُ للزيادةِ على الكِفايةِ.
وأما قولُ ابنِ مَسعودٍ ﵁: «إنَّ اللهَ تعالى لم يَجعلْ شِفاءَكُم فيما حرَّمَ عليكُم» يَجوزُ أنَّ عبدَ اللهِ قالَ ذلك في داءٍ عُرفَ له دواءٌ غيرُ المُحرَّمِ؛ لأنه حِينئذٍ يَستغني بالحَلالِ عن الحَرامِ، ويَجوزُ أنْ يقالَ: تُكشَفُ الحُرمةُ عندَ الحاجةِ، فلا يكونُ الشفاءُ في الحَرامِ وإنما يكونُ في الحَلالِ.
стр. 13828
ولو أنَّ مَريضًا أشارَ إليه الطَّبيبُ بشُربِ الخَمرِ فإنه يَنظرُ؛ إنْ كانَ يَعلمُ يَقينًا أنه يَصحُّ حَلَّ له التناوُلُ، وفي قَولٍ: أنه لا يَحلُّ له التناولُ (١).
وقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: قد وقَعَ الاختلافُ بينَ مَشايخِنا في التداوِي بالمُحرَّمِ، ففِي «النهايَة» عن «الذَّخيرَة»: الاستِشفاءُ بالحَرامِ يَجوزُ إذا عُلمَ أنَّ فيه شفاءً ولم يُعلمْ دَواءٌ آخَرُ. اه
وفي «فَتاوى قاضِيخان» مَعزيًّا إلى نَصرِ بنِ سلامٍ: معنَى قولِه ﵇: «إنَّ اللهَ لم يَجعلْ شِفاءَكُم فيما حرَّمَ عليكُم» إنما قالَ ذلكَ في الأشياءِ التي لا يَكونُ فيها شِفاءٌ، فأما إذا كانَ فيها شِفاءٌ فلا بأسَ به، ألَا تَرى أنَّ العَطشانَ يَحلُّ له شُربُ الخمرِ للضَّرورةِ. اه
وكذا اختارَ صاحِبُ «الهِدايَة» في التَّجنيسِ، فقالَ: إذا سالَ الدمُ مِنْ أنفِ إنسانٍ يَكتبُ فاتِحةَ الكتابِ بالدمِ على جَبهتِه وأنفِه يَجوزُ ذلكَ للاستِشفاءِ والمُعالَجةِ، ولو كتَبَ بالبولِ إنْ عَلِمَ أنَّ فيه شِفاءً لا بأسَ بذلكَ، لكنْ لم يُنقلْ؛ وهذا لأنَّ الحُرمةَ ساقِطةٌ عندَ الاستشفاءِ، ألَا تَرى أنَّ العَطشانَ يَجوزُ له شُربُ الخَمرِ والجائِعَ يَحلُّ له أكلُ المَيتةِ (٢).
وجاءَ في «الدُّر المُختَار»: اختُلفَ في التَّداوي بالمُحرَّمِ، وظاهِرُ المَذهبِ المَنعُ كما في رَضاع «البَحر»، لكنْ نقَلَ المُصنِّفُ ثَمَّةَ وهُنا عن «الحاوي»: وقيلَ: يُرخَّصُ إذا عُلِمَ فيه الشفاءُ ولم يُعلمْ دَواءٌ آخَرُ كما رُخَّصَ الخَمرُ للعَطشانِ، وعليهِ الفَتوى.
стр. 13829
وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: مَطلبٌ في التَّداوي بالمُحرَّمِ:
قولُه: (اختُلفَ في التَّداوِي بالمُحرَّمِ) ففي «النهايَة» عن «الذَّخيرَة»: يجوزُ إنْ عَلِمَ فيه شفاءً ولم يَعلمْ دَواءً آخَرَ.
وفي «الخانيَّة» في معنَى قولِه ﵊: «إنَّ اللهَ لم يَجعلْ شِفاءَكُم فيما حرَّمَ عليكُم» كما رَواهُ البخاريُّ: أنَّ ما فيهِ شِفاءٌ لا بأسَ بهِ كما يَحلُّ الخَمرُ للعَطشانِ في الضَّرورةِ، وكذا اختارَه صاحِبُ «الهدايَة» في التَّجنيسِ فقالَ: لو رَعَفَ فكتَبَ الفاتِحةَ بالدمِ على جَبهتِه وأنفِه جازَ للاستشفاءِ، وبالبَولِ أيضًا إنْ عَلِمَ فيه شفاءً لا بأسَ به، لكنْ لم يُنقلْ؛ وهذا لأنَّ الحُرمةَ ساقِطةٌ عندَ الاستِشفاءِ، كحِلِّ الخَمرِ والمَيتةِ للعَطشانِ والجائعِ. اه مِنْ «البَحْر».
وأفادَ سيدِي عبدُ الغنيِّ أنه لا يَظهرُ الاختِلافُ في كَلامِهم؛ لاتِّفاقِهم على الجَوازِ للضَّرورةِ، واشتَراطَ صاحِبُ «النِّهاية» العِلمَ لا يُنافيهِ اشتِراطُ مَنْ بعدَه الشفاءَ، ولذا قالَ والدِي في «شَرح الدُّرَر»: إنَّ قولَه: «لا للتَّداوِي» مَحمولٌ على المَظنونِ، وإلا فجَوازُه باليقينِ اتِّفاقٌ كما صرَّحَ به في «المُصفَّى». اه
أقولُ: وهو ظاهِرٌ موافِقٌ لِما مَرَّ في الاستِدلالِ لقَولِ الإمامِ، لكنْ قد عَلِمتَ أنَّ قولَ الأطباءِ لا يَحصلُ به العِلمُ، والظاهِرُ أنَّ التجربةَ يَحصلُ بها غلَبةُ الظَّنِّ دونَ اليقينِ، إلا أنْ يُريدُوا بالعِلمِ غَلبةَ الظنِّ، وهو شائعٌ في كَلامِهم، تأمَّلْ.
стр. 13830
قولُه: (وظاهِرُ المَذهبِ المَنعُ) مَحمولٌ على المَظنونِ كما عَلِمْته.
قولُه: (لكنْ نقَلَ المُصنِّفُ … إلَخ) مَفعولُ نقَلَ قولُه، وقيلَ: يُرخَّصُ إلَخ، والاستِدراكُ على إطلاقِ المَنعِ، وإذا قيَّدَ بالمَظنونِ فلا استِدراكَ.
ونَصُّ ما في «الحاوِي القُدسِي»: إذا سالَ الدمُ مِنْ أنفِ إنسانٍ ولا يَنقطعُ حتى يُخشَى عليهِ المَوتُ وقد علمَ أنه لو كتَبَ فاتحةَ الكتابِ أو الإخلاصَ بذلكَ الدمِّ على جَبهتِه يَنقطعُ فلا يُرخَّصُ له فيه، وقيلَ: يُرخَّصُ كما رُخِّصَ في شُربِ الخَمرِ للعَطشانِ وأكلِ المَيتةِ في المَخمصةِ، وهو الفَتوى. اه
قولُه: (ولم يَعلمْ دواءً آخَرَ) هذا المُصرَّحُ به في عِبارةِ «النِّهايَة» كما مَرَّ، وليسَ في عِبارةِ «الحاوي»، إلا أنه يُفادُ في قولِه: «كما رُخِّصَ إلخ»؛ لأنَّ حِلَّ الخَمرِ والمَيتةِ حيثُ لم يُوجَدْ ما يَقومُ مَقامَهما، أفادَه ط.
قالَ: ونقَلَ الحَمَويُّ أنَّ لحْمَ الخِنزيرِ لا يَجوزُ التداوِي به وإنْ تَعيَّنَ، واللهُ تعالى أعلَمُ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ -كما تَقدَّمَ- والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنه يَجوزُ شُربُ الخَمرِ للتداوِي كما يَجوزُ شُربُ البولِ والدمِ وسائرِ النَّجاساتِ للتداوِي (٢).