ولأنه مُحرَّمٌ لعَينِه، فلمْ يُبَحْ للتداوِي كلَحمِ الخِنزيرِ، ولأنَّ الضَّرورةَ لا تَندفعُ به، فلم يُبَحْ كالتداوِي بها فيما لا تَصلحُ له، ولأنه وإنْ كانَتْ فيها مَنفعةٌ مِنْ طريقِ البَدنِ ففيها مَضرَّةٌ مِنْ طَريقِ الدينِ، والبارِي تَعالى قد حرَّمَها مع عِلمِه بها.
وصرَّحَ المالِكيةُ: أنه لا يَجوزُ ولو خافَ المَوتَ (١).
أما الشافِعيةُ في الأصَحِّ قالُوا: مَحلُّ الحُرمةِ إذا لم يَجدْ ما يَقومُ مَقامَها وإنْ لم يَنتهِ به الأمرُ إلى الهَلاكِ، فإنْ أُشفيَ عليهِ ولم يَجدْ غيرَها تَعيَّنَ شُربُها كما يَتعيَّنُ على المُضطرِّ أكلُ المَيتةِ، قالَ الدَّميريُّ ﵀: كذا نقَلَه الإمامُ عن إجماعِ الأصحابِ.
ولا حَدَّ على المُتَداوِي بالخَمرِ عندَ الشافِعيةِ (٢)، ويَجبُ عليه الحَدُّ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ (٣).
стр. 13827
وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: كلُّ شَرابٍ مُحرَّمٍ فلا يُباحُ شُربُه للتداوِي، حتَّى رُويَ عن مُحمدٍ أنَّ رَجلًا أتَى يَستأذنُه في شُربِ الخَمرِ للتداوِي قالَ: (إنْ كانَ في بَطنِكَ صَفراءُ فعَليكِ بماءِ السُّكَّرِ، وإنْ كانَ بكَ رُطوبةٌ فعَليكَ بماءِ العَسلِ، فهوَ أنفعُ لكَ)، ففي هذا إشارةٌ إلى أنه لا تَتحققُ الضرورةُ في الإصابةِ مِنْ الحَرامِ؛ فإنه يُوجَدُ مِنْ جِنسِه ما يكونُ حَلالًا والمَقصودُ يَحصلُ بهِ، وقد دَلَّ عليهِ قولُ النبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ لم يَجعلْ في رِجسٍ شِفاءً»، ولم يُرِدْ به نفيَ الشفاءِ أصلًا؛ فقدْ يُشاهَدُ ذلكَ ولا يجوزُ أنْ يقَعَ الخُلفُ في خبَرِ الشَّرعِ ﵊، ولكنَّ المُرادَ أنه لم يُعيِّنْ رِجسًا للشفاءِ على وَجهٍ لا يُوجَدُ مِنْ الحَلالِ ما يَعملُ عمَلَه أو يَكونُ أقوَى منه (١).
إلا أنَّ فُقهاءَ الحَنفيةِ قالوا: إنَّ الاستِشفاءَ بالمُحرَّمِ إنما لا يَجوزُ إذا لم يَعلمْ أنَّ فيه شِفاءً، أما إذا عَلِمَ أنَّ فيه شِفاءً وليسَ له دَواءٌ آخَرُ غيرَه فيَجوزُ الاستشفاءُ به؛ لأنَّ مُحمدًا ﵀ ذكَرَ في كِتابِ الأشرِبةِ: إذا خافَ الرَّجلُ على نَفسِه العطشَ ووجَدَ الخمرَ شَربَها إنْ كانَ يَدفعَ عطَشَه، لكنْ يَشربُ بقَدرِ ما يَرويهِ ويَدفعُ عطشَه، ولا يَشربُ للزيادةِ على الكِفايةِ.
وأما قولُ ابنِ مَسعودٍ ﵁: «إنَّ اللهَ تعالى لم يَجعلْ شِفاءَكُم فيما حرَّمَ عليكُم» يَجوزُ أنَّ عبدَ اللهِ قالَ ذلك في داءٍ عُرفَ له دواءٌ غيرُ المُحرَّمِ؛ لأنه حِينئذٍ يَستغني بالحَلالِ عن الحَرامِ، ويَجوزُ أنْ يقالَ: تُكشَفُ الحُرمةُ عندَ الحاجةِ، فلا يكونُ الشفاءُ في الحَرامِ وإنما يكونُ في الحَلالِ.
стр. 13828
ولو أنَّ مَريضًا أشارَ إليه الطَّبيبُ بشُربِ الخَمرِ فإنه يَنظرُ؛ إنْ كانَ يَعلمُ يَقينًا أنه يَصحُّ حَلَّ له التناوُلُ، وفي قَولٍ: أنه لا يَحلُّ له التناولُ (١).
وقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: قد وقَعَ الاختلافُ بينَ مَشايخِنا في التداوِي بالمُحرَّمِ، ففِي «النهايَة» عن «الذَّخيرَة»: الاستِشفاءُ بالحَرامِ يَجوزُ إذا عُلمَ أنَّ فيه شفاءً ولم يُعلمْ دَواءٌ آخَرُ. اه
وفي «فَتاوى قاضِيخان» مَعزيًّا إلى نَصرِ بنِ سلامٍ: معنَى قولِه ﵇: «إنَّ اللهَ لم يَجعلْ شِفاءَكُم فيما حرَّمَ عليكُم» إنما قالَ ذلكَ في الأشياءِ التي لا يَكونُ فيها شِفاءٌ، فأما إذا كانَ فيها شِفاءٌ فلا بأسَ به، ألَا تَرى أنَّ العَطشانَ يَحلُّ له شُربُ الخمرِ للضَّرورةِ. اه
وكذا اختارَ صاحِبُ «الهِدايَة» في التَّجنيسِ، فقالَ: إذا سالَ الدمُ مِنْ أنفِ إنسانٍ يَكتبُ فاتِحةَ الكتابِ بالدمِ على جَبهتِه وأنفِه يَجوزُ ذلكَ للاستِشفاءِ والمُعالَجةِ، ولو كتَبَ بالبولِ إنْ عَلِمَ أنَّ فيه شِفاءً لا بأسَ بذلكَ، لكنْ لم يُنقلْ؛ وهذا لأنَّ الحُرمةَ ساقِطةٌ عندَ الاستشفاءِ، ألَا تَرى أنَّ العَطشانَ يَجوزُ له شُربُ الخَمرِ والجائِعَ يَحلُّ له أكلُ المَيتةِ (٢).
وجاءَ في «الدُّر المُختَار»: اختُلفَ في التَّداوي بالمُحرَّمِ، وظاهِرُ المَذهبِ المَنعُ كما في رَضاع «البَحر»، لكنْ نقَلَ المُصنِّفُ ثَمَّةَ وهُنا عن «الحاوي»: وقيلَ: يُرخَّصُ إذا عُلِمَ فيه الشفاءُ ولم يُعلمْ دَواءٌ آخَرُ كما رُخَّصَ الخَمرُ للعَطشانِ، وعليهِ الفَتوى.
стр. 13829
وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: مَطلبٌ في التَّداوي بالمُحرَّمِ:
قولُه: (اختُلفَ في التَّداوِي بالمُحرَّمِ) ففي «النهايَة» عن «الذَّخيرَة»: يجوزُ إنْ عَلِمَ فيه شفاءً ولم يَعلمْ دَواءً آخَرَ.
وفي «الخانيَّة» في معنَى قولِه ﵊: «إنَّ اللهَ لم يَجعلْ شِفاءَكُم فيما حرَّمَ عليكُم» كما رَواهُ البخاريُّ: أنَّ ما فيهِ شِفاءٌ لا بأسَ بهِ كما يَحلُّ الخَمرُ للعَطشانِ في الضَّرورةِ، وكذا اختارَه صاحِبُ «الهدايَة» في التَّجنيسِ فقالَ: لو رَعَفَ فكتَبَ الفاتِحةَ بالدمِ على جَبهتِه وأنفِه جازَ للاستشفاءِ، وبالبَولِ أيضًا إنْ عَلِمَ فيه شفاءً لا بأسَ به، لكنْ لم يُنقلْ؛ وهذا لأنَّ الحُرمةَ ساقِطةٌ عندَ الاستِشفاءِ، كحِلِّ الخَمرِ والمَيتةِ للعَطشانِ والجائعِ. اه مِنْ «البَحْر».
وأفادَ سيدِي عبدُ الغنيِّ أنه لا يَظهرُ الاختِلافُ في كَلامِهم؛ لاتِّفاقِهم على الجَوازِ للضَّرورةِ، واشتَراطَ صاحِبُ «النِّهاية» العِلمَ لا يُنافيهِ اشتِراطُ مَنْ بعدَه الشفاءَ، ولذا قالَ والدِي في «شَرح الدُّرَر»: إنَّ قولَه: «لا للتَّداوِي» مَحمولٌ على المَظنونِ، وإلا فجَوازُه باليقينِ اتِّفاقٌ كما صرَّحَ به في «المُصفَّى». اه
أقولُ: وهو ظاهِرٌ موافِقٌ لِما مَرَّ في الاستِدلالِ لقَولِ الإمامِ، لكنْ قد عَلِمتَ أنَّ قولَ الأطباءِ لا يَحصلُ به العِلمُ، والظاهِرُ أنَّ التجربةَ يَحصلُ بها غلَبةُ الظَّنِّ دونَ اليقينِ، إلا أنْ يُريدُوا بالعِلمِ غَلبةَ الظنِّ، وهو شائعٌ في كَلامِهم، تأمَّلْ.
стр. 13830
قولُه: (وظاهِرُ المَذهبِ المَنعُ) مَحمولٌ على المَظنونِ كما عَلِمْته.
قولُه: (لكنْ نقَلَ المُصنِّفُ … إلَخ) مَفعولُ نقَلَ قولُه، وقيلَ: يُرخَّصُ إلَخ، والاستِدراكُ على إطلاقِ المَنعِ، وإذا قيَّدَ بالمَظنونِ فلا استِدراكَ.
ونَصُّ ما في «الحاوِي القُدسِي»: إذا سالَ الدمُ مِنْ أنفِ إنسانٍ ولا يَنقطعُ حتى يُخشَى عليهِ المَوتُ وقد علمَ أنه لو كتَبَ فاتحةَ الكتابِ أو الإخلاصَ بذلكَ الدمِّ على جَبهتِه يَنقطعُ فلا يُرخَّصُ له فيه، وقيلَ: يُرخَّصُ كما رُخِّصَ في شُربِ الخَمرِ للعَطشانِ وأكلِ المَيتةِ في المَخمصةِ، وهو الفَتوى. اه
قولُه: (ولم يَعلمْ دواءً آخَرَ) هذا المُصرَّحُ به في عِبارةِ «النِّهايَة» كما مَرَّ، وليسَ في عِبارةِ «الحاوي»، إلا أنه يُفادُ في قولِه: «كما رُخِّصَ إلخ»؛ لأنَّ حِلَّ الخَمرِ والمَيتةِ حيثُ لم يُوجَدْ ما يَقومُ مَقامَهما، أفادَه ط.
قالَ: ونقَلَ الحَمَويُّ أنَّ لحْمَ الخِنزيرِ لا يَجوزُ التداوِي به وإنْ تَعيَّنَ، واللهُ تعالى أعلَمُ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ -كما تَقدَّمَ- والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنه يَجوزُ شُربُ الخَمرِ للتداوِي كما يَجوزُ شُربُ البولِ والدمِ وسائرِ النَّجاساتِ للتداوِي (٢).
стр. 13831
حُكمُ شَرابِ الخَليطَينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ خَلطِ نَوعَينِ مِنْ الأشياءِ التي مِنْ شأنِها أنْ تَقبلَ الانتِباذَ كنَبذِ تَمرٍ مع زَبيبٍ أو بُسرٍ مع تَمرٍ أو رُطبٍ، هل هو حَرامٌ أم مَكروهٌ أم جائِزٌ؟
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه يُكرَهُ شُربُ شَرابِ مَخلوطَينِ كزَبيبٍ وتَمرٍ أو تينٍ أو مشمشٍ أو نحوِ ذلكَ، وذلكَ النهيُ في صُورتَينِ:
إحداهُما: أنْ يُخلَطَا عندَ الانتِباذِ بأنْ يُفضخَ التمرُ والعِنبُ مَثلًا وبعدَ هَرسِهما أو دَقِّهما معًا يُصَبُّ عليهِما الماءُ ويُتركانِ حتى يَصيرَ الماءُ حُلوًا.
والصورةُ الثانيةُ: أنْ يُنبذَ كلُّ واحدٍ على حِدَتِه في إناءٍ، فإذا خرَجَ ماءُ كلٍّ يُخلَطانِ عندَ الشربِ.
ومَحلُّ الكَراهةِ حيثُ أمكَنَ الإسكارُ ولم يَحصلْ بالفعلِ، بأنْ طالَ زَمنُ النَّبذِ كاليَومِ والليلةِ فأعلَى، لا إنْ قَرُبَ الزمنُ فمُباحٌ، ولا إنْ دخَلَه الإسكارُ ولو ظنًّا فحَرامٌ نَجسٌ.
وفي قَولٍ عندَ المالِكيةِ أنه يَحرمُ خَلطُ شَرابينِ مُطلَقًا مِنْ الأشياءِ التي مِنْ شأنِها أنْ تَقبلَ الانتباذَ كالبُسرِ والرُّطبِ والتمرِ والزَّبيبِ وإنْ لم يَشتدَّ؛ لِما رَواهُ مسلمٌ في صَحيحِه عن جَابر بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ ﵄ «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى أنْ يُخلَطَ الزَّبيبُ والتَّمرُ، والبُسرُ والتَّمرُ»، وفي لَفظٍ: «نهَى أنْ يُنبذَ التَّمرُ والزَّبيبُ جَميعًا، ونهَى أنْ يُنبَذَ الرُّطبُ والبُسرُ جَميعًا»، وفي لَفظٍ: «لا تَجمعُوا بينَ الرُّطبِ والبُسرِ وبينَ الزَّبيبِ والتَّمرِ نَبيذًا»، وفي
стр. 13832
لفظ: «نهَى أنْ يُنبَذَ الزَّبيبُ والتَّمرُ جَميعًا، ونَهى أنْ يُنبذَ البُسرُ والرُّطبُ جَميعًا» (١).
وعَن أبي سَعيدٍ ﵁ «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن التَّمرِ والزَّبيبِ أنْ يُخلطَ بينَهُما، وعن التَّمرِ والبُسرِ أنْ يُخلطَ بينَهُما» (٢).
وعن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَربَ النَّبيذَ منكُم فلْيَشربْهُ زَبيبًا فَردًا أو تَمرًا فَردًا أو بُسرًا فَردًا»، وفي لَفظٍ: «نَهانا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نَخلطَ بُسرًا بتَمرٍ أو زَبيبًا بتَمرٍ أو زَبيبًا ببُسرٍ» (٣).
وعن أبي قَتادةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَنتَبذُوا الزَّهوَ والرُّطبَ جَميعًا، ولا تَنتَبذُوا الزَّبيبَ والتَّمرَ جَميعًا، وانتَبِذُوا كلَّ واحدٍ مِنهُما على حِدَتِه» (٤).
وفي المَذهبِ قَولانِ في علَّةِ هذا، هل هو تَعبُّديٌّ؟ أم مِنْ أجلِ الإسكارِ؟
قالَ ابنُ رُشدٍ: ظاهِرُ «المُوطَّأ» أنَّ النهيَ عن هذا تَعبُّدٌ لا لعلَّةٍ.
وقالَ ابنُ العَربيِّ: هذهِ المَسألةُ ما عَلِمتُ لها وَجهًا إلى الآنَ، فإنه إنْ كانَ المُحرَّمُ الإسكارَ فدَعْه يَخلطُه بما شاءَ ويَشربُه في الحالِ، وأما غيرُ ذلكَ فليسَ فيه إلا الاتِّباعِ، حتَّى إني رويتُ في ذلكَ مَسألتَينِ غَريبتينِ:
стр. 13833
الأُولى: أنَّ ابنَ القاسِمِ قالَ: لا يَجوزُ أنْ يُنبذَ البُسرُ المُذنَّبُ -وهو الذي بَدَا الإرطابُ في ذنَبِه-، وصدَقَ؛ لأنه مِنْ بابِ الخَليطينِ.
الثانيةُ: أنَّ مُحمدَ بنَ عبدِ الحَكمِ أجرَى النهيَ في الخَليطينِ على عُمومِه، حتى منَعَ منها في شَرابِ الطَّيبِ، وهذا جُمودٌ عَظيمٌ على الألفاظِ. انتهى (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا بأسَ بالخَليطينِ، وهو أنْ يُجمعَ ماءُ التَّمرِ وماءُ الزَّبيبِ أو الرُّطبِ أو البُسرِ المُجتمِعينِ ويُطبَخانِ أدنَى طَبخٍ، ويُعتبَرُ في طَبخِهما ذَهابُ الثُّلثينِ، ولا يُشترطُ الطبخُ؛ لِما رُويَ عن ابنِ زيادٍ أنه قالَ: سَقاني ابنُ عُمرَ ﵁ شَربةً ما كِدتُ أهتدِي إلى مَنزلي، فغَدوتُ إليه مِنْ الغَدِ فأخبَرتُه بذلكَ فقالَ: ما زِدناكَ على عَجوةٍ وزَبيبٍ» (٢).
وهذا نَوعٌ مَنْ الخَليطينِ وكانَ مَطبوخًا؛ لأنَّ المَرويَّ عنه حُرمةُ نَقيعِ الزَّبيبِ وهو النَّيءُ منه، وما رُويَ أنه ﷺ «نهَى عن الجَمعِ بينَ التَّمرِ والزَّبيبِ، والزَّبيبِ والرُّطبِ، والرُّطبِ والبُسرِ» مَحمولٌ على حالةِ الشِّدةِ، وكانَ ذلكَ في الابتداءِ في وَقتٍ كانَ بينَ المُسلمينَ ضِيقٌ وشِدةٌ في أمرِ الطعامِ؛ لئلَّا يَجمعَ بينَ الطَّعامينِ ويَتركَ جارَه جائِعًا، بل يأكلُ أحَدُهما
стр. 13834
ويُؤثِرُ بالآخرِ على جارِه، ثم لمَّا وسَّعَ اللهُ على عِبادِه النعِمَ أباحَ الجَمعَ بينَ النِّعمتينِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُكرهُ ولا يَحرمُ الخَليطانِ، كنَبيذِ تَمرٍ مع زَبيبٍ أو بُسرٍ مع تَمرٍ أو رُطبٍ؛ لِما رَواهُ مسلمٌ في صَحيحِه عن جَابر بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريُّ ﵄ «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى أنْ يُخلَطَ الزَّبيبُ والتَّمرُ، والبُسرُ والتَّمرُ»، وفي لَفظٍ: «نهَى أنْ يُنبذَ التَّمرُ والزَّبيبُ جَميعًا، ونهَى أنْ يُنبَذَ الرُّطبُ والبُسرُ جَميعًا»، وفي لَفظٍ: «لا تَجمعُوا بينَ الرُّطبِ والبُسرِ وبينَ الزَّبيبِ والتَّمرِ نَبيذًا»، وفي لفظ: «نهَى أنْ يُنبَذَ الزَّبيبُ والتَّمرُ جَميعًا، ونَهى أنْ يُنبذَ البُسرُ والرُّطبُ جَميعًا» (٢).
وعَن أبي سَعيدٍ ﵁ «أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن التَّمرِ والزَّبيبِ أنْ يُخلطَ بينَهُما، وعن التَّمرِ والبُسرِ أنْ يُخلطَ بينَهُما» (٣).
وعن أبي قَتادةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَنتَبذُوا الزَّهوَ والرُّطبَ جَميعًا، ولا تَنتَبذُوا الزَّبيبَ والتَّمرَ جَميعًا، وانتَبِذُوا كلَّ واحدٍ مِنهُما على حِدَتِه» (٤).
стр. 13835
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: هذهِ الأحاديثُ في النهيِ عن انتباذِ الخَليطينِ وشُربِهما، وهُمَا تَمرٌ وزَبيبٌ، أو تَمرٌ ورُطبٌ، أو تَمرٌ وبُسرٌ، أو رُطبٌ وبُسرٌ، أو زَهوٌ وواحِدٌ مِنْ هذهِ المَذكوراتِ ونحوِ ذلكَ، قالَ أصحابُنا وغَيرُهم مِنْ العُلماءِ: سَببُ الكَراهةِ فيه أنَّ الإسكارِ يَسرعُ إليهِ بسَببِ الخَلطِ قبلَ أنْ يَتغيرَ طَعمُه، فيَظنُّ الشاربُ أنه ليسَ مُسكِرًا ويَكونُ مُسكرًا، ومَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ أنَّ هذا النهيَ لكَراهةِ التَّنزيهِ، ولا يَحرمُ ذلكَ ما لم يَصِرْ مُسكِرًا، وبهذا قالَ جَماهيرُ العُلماءِ.
وقالَ بعضُ المالِكيةِ: هو حَرامٌ.
وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ في رِوايةٍ عنه: لا كَراهةَ فيه ولا بأسَ به؛ لأنَّ ما حَلَّ مُفرَدًا حَلَّ مُخلوطًا، وأنكَرَ عليه الجُمهورُ وقالوا: مُنابَذةٌ لصاحِبِ الشَّرعِ؛ فقدْ ثَبتَتِ الأحاديثُ الصَّحيحةُ الصريحةُ في النهيِ عنه، فإنْ لم يَكنْ حَرامًا كانَ مَكروهًا.
واختَلفَ أصحابُ مالِكٍ في أنَّ النهيَ هل يَختصُّ بالشُّربِ؟ أم يَعمُّه وغيرَه؟ والأصَحُّ التعميمُ، وأما خَلطُهما في الانتِباذِ بل في مَعجونٍ وغيرِه فلا بأسَ به، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُكرهُ الخَليطانِ، وهو أنْ يُنبذَ في الماءِ شَيئانِ؛ «لأنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن الخَليطينِ»، وقالَ أحمَدُ: الخَليطانِ حَرامٌ، وقالَ في الرَّجلِ يَنقعُ الزَّبيبَ والتَّمرَ الهِنديَّ والعُنَّابَ ونحوَه يَنقعُه غَدوةً
стр. 13836
ويَشربُه عَشيَّةً للدَّواءِ: أكرَهُه؛ لأنه نَبيذٌ، ولكنْ يَطبخُه ويَشربُه على المكانِ، وقد رَوى أبو داودَ بإسنادِه عن رَسولِ اللهِ ﷺ «أنه نهَى أنْ يُنبذَ البُسرُ والرُّطبُ جَميعًا، ونهَى أنْ يُنبذَ الزَّبيبُ والتَّمرُ جَميعًا»، وفي رِوايةٍ: «وانتَبِذْ كلَّ واحِدٍ على حِدَةٍ»، وعن أبي قتادةَ قالَ: «نهَى النبيُّ ﷺ أنْ يُجمعَ بينَ التَّمرِ والزَّهوِ، والتمرِ والزَّبيبِ، ولْيُنبذْ كلُّ واحِدٍ منهُما على حِدَةٍ» مُتفَقٌ عليه، قالَ القاضِي: يَعنِي أحمَدُ بقَولِه: «هو حَرامٌ» إذا اشتَدَّ وأسكَرَ، وإذا لم يُسكِرْ لم يَحرمْ، وهذا هو الصحيحُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وإنما نهَى النبيُّ ﷺ لعلَّةِ إسراعِه إلى السُّكْرِ المُحرَّمِ، فإذا لم يُوجَدْ لم يَثبُتِ التحريمُ، كما أنه ﵇ نهَى عن الانتباذِ في الأوعيَةِ المَذكورةِ لهذه العلَّةِ، ثم أمَرَهم بالشُّربِ فيها ما لم تُوجَدْ حَقيقةُ الإسكارِ، فقدْ دَلَّ على صحةِ هذا ما رُويَ عن عائِشةَ قالتْ: «كُنَّا نَنبذُ لرَسولِ اللهِ ﷺ فنأخُذُ قَبضةً مِنْ تَمرٍ وقَبضةً مِنْ زَبيبٍ فنَطرحُها فيه ثم نَصبُّ عليها الماءَ، فنَنبِذُه غَدوةً فيَشربُه عَشِيةً، ونَنبذُه عَشِيةً فيَشربُه غَدوةً» (١) رَواهُ ابنُ ماجةَ وأبو داودَ، فلمَّا كانتْ مُدةُ الانتباذِ قَريبةً وهي يَومٌ ولَيلةٌ لا يُتوهَّمُ الإسكارُ فيها لم يُكرهْ، فلو كانَ مَكروهًا لَمَا فُعلَ هذا في بيتِ النبيِّ ﷺ له، فعَلى هذا لا يُكرهُ ما كانَ في المُدةِ اليَسيرةِ، ويُكرهُ ما كانَ في مُدةٍ يُحتملُ إفضاؤُه إلى الإسكارِ، ولا يَثبتُ التحريمُ ما لم يُغْلَ أو تَمضيَ عليهِ ثلاثةُ أيامٍ (٢).
стр. 13837
غَليانُ العَصيرِ:
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (والعَصيرُ إذا أتَتْ عليهِ ثَلاثةُ أيامٍ فقدْ حَرُمَ، إلا أنْ يُغلَى قبلَ ذلكَ فيَحرمُ).
أمَّا إذا غُلِيَ العَصيرُ كغَليانِ القِدرِ وقذَفَ بزَبدِه فلا خِلافَ في تَحريمِه، وإنْ أتَتْ عليه ثَلاثةُ أيامٍ ولم يُغْلَ فقالَ أصحابُنا: هو حَرامٌ، وقالَ أحمدُ: اشرَبْه ثلاثًا ما لم يُغْلَ، فإذا أتَى عليه أكثرُ مِنْ ثلاثةِ أيامٍ فلا تَشربْه، وأكثَرُ أهلِ العِلمِ يَقولونَ: هو مُباحٌ ما لم يُغْلَ ويُسكِرْ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «اشرَبُوا في كُلِّ وِعاءٍ، ولا تَشرَبوا مُسكرًا» (١) رواه أبو داودَ، ولأنَّ علَّةَ تَحريمِه الشِّدةُ المُطرِبةُ، وإنما ذلكَ في المُسكرِ خاصةً.
ولنا: ما روَى أبو داودَ بإسنادِه عن ابنِ عبَّاسٍ «أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُنبَذُ له الزَّبيبُ فيَشربُه اليومَ والغدَ وبعدَ الغدِ إلى مَساءِ الثالِثةِ، ثمَّ يَأمرُ به فيُسقَى الخَدمُ أو يُهْراقَ» (٢)، وروَى الشالَنجيُّ بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: «اشرَبُوا العَصيرَ ثَلاثًا ما لم يُغْلَ»، وقالَ ابنُ عُمرَ: «اشرَبْه ما لم يَأخُذْه شَيطانُه، قيلَ: وفي كَمْ يَأخذُه شَيطانُه؟ قالَ: في الثلاثِ» (٣).
ولأنَّ الشِّدةَ تَحصلُ في الثلاثِ غالبًا، وهي خَفيَّةٌ تَحتاجُ إلى ضابطٍ، فجازَ جَعلُ الثلاثِ ضابطًا لها.
стр. 13838
ويُحتملُ أنْ يَكونَ شُربُه فيما زادَ على الثلاثةِ إذا لم يُغْلَ مَكروهًا غيرَ مُحرَّمٍ؛ فإنَّ أحمَدَ لم يُصرِّحْ بتَحريمِه، وقالَ في مَوضعٍ: أكرَهُه؛ وذلكَ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَكنْ يَشربُه بعدَ ثَلاثٍ، وقالَ أبو الخطَّابِ: عندِي أنَّ كَلامَ أحمدَ في ذلكَ مَحمولٌ على عَصيرٍ الغالِبُ أنه يَتخمَّرُ في ثلاثةِ أيامٍ.
مَسألةٌ: قالَ: (وكَذلكَ النَّبيذ).
يعنِي: أنَّ النبيذَ مُباحٌ ما لم يُغْلَ أو تأتِيَ عليه ثَلاثةُ أيامٍ، والنبيذُ ما يُلقَى فيه تَمرٌ أو زَبيبٌ أو نحوُهما ليَحلوَ به الماءُ وتَذهبَ مُلوحتُه، فلا بأسَ به ما لم يُغْلَ أو تأتِيَ عليه ثلاثةِ أيامٍ؛ لِمَا روينَا عن ابنِ عباسٍ، وقالَ أبو هُريرةَ: «عَلِمتُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَصومُ، فتَحيَّنتُ فِطرَه بنَبيذٍ صَنعتُه في دُبَّاءٍ، ثمَّ أتيتُه به فإذا هو يَنِشُّ، فقالَ: اضرِبْ بهذا الحائِطَ، فإنَّ هذا شَرابُ مَنْ لا يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ» (١) رواهُ أبو داودَ؛ لأنه إذا بلَغَ ذلكَ صارَ مُسكِرًا، وكُلُّ مُسكرٍ حَرامٌ (٢).
حُكمُ استِعمالِ جَوزةِ الطِّيبِ والحَشيشِ والأفيونِ وسائرِ المُخدِّراتِ والمفتِّراتِ:
جَوزةُ الطِّيبِ مَعروفةٌ منذُ قَديمِ الزَّمانِ، وقد كانَتْ تُستخدمُ ثمارُها كنَوعٍ مِنْ «البَهاراتِ» التي تُعطِي للأكلِ رائِحةً زَكيةً، واستَخدمَها قُدماءُ
стр. 13839
المِصريينَ دَواءٌ لِآلامِ المَعدةِ وطَردِ الرِّيحِ، وارتفاعُ شَجرتِها حَوالي عَشرةِ أمتارٍ، وهي دائِمةُ الخُضرةِ، ولها ثِمارٌ شَبيهةٌ بالكُمَّثرَى، وعندَ نُضجِها يَتحولُ ثَمرُها إلى غِلافٍ صَلبٍ، وهذه الثمرةُ هي ما يُعرَفُ بجَوزةِ الطِّيبِ، ويَتمُّ زِراعتُها في المِناطقِ الاستِوائيةِ وفي الهِندِ وإندُونيسِيا وسَيلانَ، وتأثيرُها مُماثِلٌ لتأثيرِ الحَشيشِ، وفي حالِةِ تَناولِ جُرعاتِ زائدةٍ يُصابُ المَرءُ بطَنينٍ في الأُذنِ وإمساكٍ شَديدٍ وإعاقةٍ في التبوُّلِ وقَلقٍ وتَوتُّرٍ وهُبوطٍ في الجهازِ العصَبيِّ المَركزيِّ والذي قد يُؤدِّي إلى الوفاةِ.
أما عن حُكمِها وحُكمِ الحَشيشِ والأفيونِ فقدِ اختَلفَتْ آراءُ العُلماءِ فيها على قَولينِ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ إلى تَحريمِها مُطلَقًا القَليلِ منها والكَثيرِ، وحَكاهُ ابنُ حَجرٍ عن مُتأخِّري المالِكيةِ والشافِعيةِ، وعَدَّها الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ ﵀ مِنْ الكَبائرِ فقالَ: الكَبيرةُ السَّبعونَ بعدَ المائةِ: أكلُ المُسكِرِ الطاهِرِ كالحَشيشةِ والأفيونِ والشَّيكرانِ -بفَتحِ الشِّينِ المُعجَمةِ، وهو البَنجُ- وكالعَنبَرِ والزَّعفرانِ وجَوزةِ الطِّيبِ.
فهذهِ كلُّها مُسكِرةٌ كما صرَّحَ به النوويُّ في بعضِها وغيرُه في باقيها، ومُرادُهم بالإسكارِ هُنا تَغطيةُ العَقلِ، لا معَ الشِّدةِ المُطرِبةِ؛ لأنها مِنْ خُصوصيَّاتِ المُسكرِ المائعِ، وسيأتِي بَحثُه في بابِ الأشربةِ، وبما قرَّرْته في معنَى الإسكارِ في هذهِ المَذكوراتِ عُلِمَ أنه لا يُنافِي أنها تُسمَّى مُخدِّرةً، وإذا
стр. 13840
ثبَتَ أنَّ هذهِ كلَّها مُسكِرةٌ أو مخدِّرةٌ فاستِعمالُها كَبيرةٌ وفِسقٌ كالخَمرِ، فكُلُّ ما جاءَ في وَعيدِ شاربِها يأتي في مُستعملِ شَيءٍ مِنْ هذهِ المَذكوراتِ؛ لاشتِراكِهما في إزالةِ العَقلِ المَقصودِ للشارعِ بقاؤُه؛ لأنه الآلةُ للفَهمِ عن اللهِ تَعالى وعن رَسولِه، والمُتميِّزُ به الإنسانُ عن الحَيوانِ، والوَسيلةُ إلى إيثارِ الكَمالاتِ عن النَّقائصِ، فكانَ في تَعاطِي ما يُزيلُه وَعيدُ الخَمرِ الآتِي في بابِها، وقد ألَّفتُ كِتابًا سَميتهُ «تَحذِير الثِّقَات عن استِعمالِ الكُفتَةِ والقَاتِ» لمَّا اختَلفَ أهلُ اليَمنِ فيه وأرسَلُوا إليَّ ثَلاثِ مُصنَّفاتٍ اثنانِ في تَحريمِه وواحدٌ في حِلِّه، وطَلَبوا منِّي إبانةَ الحَقِّ فيهِما، فألَّفتُ ذلكَ الكتابَ في التَّحذيرِ عنهُما وإنْ لم أَجزِمْ بحُرمتِهما، واستَطردتُ فيه إلى ذِكرِ بقيَّةِ المُسكِراتِ والمُخدِّراتِ الجامِدةِ، وبَسطتُ في ذلكَ بعضَ البَسطِ.
ولا بُدَّ مِنْ ذِكرِ خُلاصةِ ذلكَ هُنا فنَقولُ: الأصلُ في تَحريمِ كلِّ ذلكَ ما رواهُ أحمَدُ في مُسنَدِه وأبو داودَ في سُننِه: «نهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عَنْ كلِّ مُسكِرٍ ومُفتِّرٍ» (١).
قالَ العُلماءُ: المُفترُ: كلُّ ما يُورثُ الفُتورَ والخَدَرَ في الأطرافِ، وهذهِ المَذكوراتُ كلُّها تُسكرُ وتُخدِّرُ وتُفترُ.
وحكَّى القَرافِيُّ وابنُ تَيميةَ الإجماعَ على تَحريمِ الحَشيشةِ، قالَ: ومَن استَحلَّها فقدْ كفَرَ.
стр. 13841
قالَ: وإنما لم يَتكلَّمْ فيها الأئمَّةُ الأربَعةُ لأنها لم تَكنْ في زَمنِهم، وإنما ظهَرَتْ في آخِرِ المِائةِ السادسةِ وأولِ المائةِ السابعةِ حينَ ظهَرتْ دولةُ التتارِ.
وذكَرَ الماوَرديُّ قَولًا أنَّ النباتَ الذي فيه شِدةٌ مُطرِبةٌ يجبُ فيه الحَدُّ، ثمَّ ما ذكَرتُه في الجوزةِ هو ما أفتَيتُ به فيها قَديمًا لمَّا وقَعَ فيها نِزاعٌ بينَ أهلِ الحَرمينِ ومِصرَ، وظَفرتُ فيها مِنْ النقلِ بعدَ الفَحصِ والتَّنقيرِ بما لم يَظفَروا به.
ولذا سُئلَ عنها جَمعٌ مُتأخِّرونَ فأبَدَوا فيها آراءً مُتخالِفةً بَحثًا مِنْ غيرِ نَقلٍ، فلمَّا عُرضَ عليَّ السُّؤالُ أجَبتُ فيها بالنقلِ الصريحِ والدليلِ الصَّحيحِ رادًّا على مَنْ خالَفَ ما ذكَرتُه وإنْ جَلَّتْ مَرتبتُه.
ومُحصَّلُ السؤالِ: هل قالَ أحَدٌ مِنْ الأئمَّةِ أو مُقلِّدِيهم بتَحريمِ أكلِ جَوزةِ الطِّيبِ؟ وهل لبَعضِ طَلبةِ العلمِ الآنَ الإفتاءُ بتَحريمِ أكلِها وإنْ لم يَطَّلعْ على نَقلٍ بهِ؟ فإنْ قلتُم: «نَعمْ» فهل يَجبُ الانقيادُ لفَتواهُ؟
ومُحصلُ الجَوابِ الذي أجَبتُ به عن ذلكَ السُّؤالِ الذي صرَّحَ به الإمامُ المُجتهِدُ شيخُ الإسلامِ ابنُ دَقيقٍ العيدُ أنها -أعني الجَوزةَ- مُسكِرةٌ، ونقَلَه عنه المُتأخِّرونَ مِنْ الشافِعيةِ والمالِكيةِ واعتَمَدوه، وناهِيكَ بذلكَ، بل بالَغَ ابنُ العِمادِ فجعَلَ الحَشيشةَ مَقيسةً على الجَوزةِ المَذكورةِ؛ وذلكَ أنه لمَّا حكَى عن القَرافِيِّ نَقلًا عن بَعضِ فُقهاءِ عصرِه أنه فرَّقَ في إسكارِ الحَشيشةِ بينَ كونِها وَرقًا أخضَرَ فلا إسكارَ فيها، بخِلافِها بعدَ التَّحميصِ فإنها تُسكِرُ، قالَ: والصوابُ أنه لا فرْقَ؛ لأنها مُلحَقةٌ بجَوزةِ الطِّيبِ
стр. 13842
والزَّعفرانِ والعنبَرِ والأفيونِ والبَنجِ، وهو مِنْ المُسكِراتِ المُخدِّراتِ، ذكَرَ ذلكَ ابنُ القَسطلانِيِّ في تكريمِ المَعيشةِ. انتهى
فتأمَّلْ تَعبيرَه بالصَّوابِ وجعْلَه الحَشيشةَ التي أجمَعَ العُلماءُ على تَحريمِها مَقيسةً على الجَوزةِ تَعلمْ أنه لا مِريةَ في تَحريمِ الجوزةِ؛ لإسكارِها أو تَخديرِها.
وقد وافَقَ المالِكيةُ والشافِعيةُ على إسكارِها الحَنابلةَ، فنَصَّ إمامُ مُتأخِّريهِم ابنُ تَيميةَ وتَبِعوه على أنها مُسكِرةٌ، وهو قَضيةُ كلامِ بعضِ أئمَّةِ الحَنفيةِ.
ففِي «فَتاوَى المِرغِيناني» منهم: المُسكِرُ مِنْ البَنجِ ولَبنِ الرِّماكِ -أي أَناثى الخيلِ- حَرامٌ ولا يُحَدُّ شاربُه، قالَه الفَقيهُ أبو حَفصٍ ونَصَّ عليهِ شَمسُ الأئمَّةِ السَّرخسيُّ. انتهى
وقد عَلِمْت مِنْ كَلامِ ابنِ دَقيقٍ العيدِ وغيرِه أنَّ الجَوزةَ كالبنجِ، فإذا قالَ الحَنفيةُ بإسكارِه لَزمَهم القولُ بإسكارِ الجَوزةِ، فثبَتَ بما تَقرَّرَ أنها حَرامٌ عندِ الأئمَّةِ الأربَعةِ الشافِعيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ بالنصِّ والحَنفيةِ بالاقتضاءِ؛ لأنها إمَّا مُسكرةٌ أو مُخدِّرةٌ، وأصلُ ذلكَ في الحَشيشةِ المَقيسةِ على الجَوزةِ على ما مرَّ.
والذي ذكَرَه الشيخُ أبو إسحاقَ في كِتابِه «التَّذكرَة» والنوويُّ في «شَرْح المُهذَّب» وابنُ دَقيقٍ العيدُ أنها مُسكرةٌ.
قالَ الزَّركشيُّ: ولا يُعرفُ فيه خِلافٌ عِندَنا، وقد يَدخلُ في حَدِّهم السَّكرانُ بأنه الذي اختَلَّ كَلامُه المَنظومُ وانكَشفَ سِرُّه المَكتومُ، أو الذي
стр. 13843
لا يَعرفُ السماءَ مِنْ الأرضِ ولا الطُّولَ مِنْ العَرضِ، ثم نقَلَ عن القَرافِيِّ أنه خالَفَ في ذلكَ، فنفَى عنها الإسكارَ وأثبَتَ لها الإفسادَ، ثمَّ رَدَّ عليهِ وأطالَ في تَخطئتِه وتَغليطِه.
وممَّن نَصَّ على إسكارِها أيضًا العُلماءُ بالنباتِ مِنْ الأطباءِ، وإليهِم المَرجعُ في ذلكَ، وكذلكَ ابنُ تَيميةَ، وتَبعَه مَنْ جاءَ بعدَه مِنْ مُتأخِّري مَذهبِه.
والحَقُّ في ذلكَ خِلافُ الإطلاقينِ: إطلاقِ الإسكارِ وإطلاقِ الإفسادِ؛ وذلكَ أنَّ الإسكارَ يُطلَقُ ويُرادُ به مُطلَقُ تَغطيةِ العَقلِ، وهذا إطلاقٌ أعَمُّ، ويُطلَقُ ويُرادُ به تَغطيةُ العَقلِ مع نَشوةٍ وطَربٍ، وهذا إطلاقٌ أخَصُّ، وهو المُرادُ مِنْ الإسكارِ حيثُ أُطلِقَ.
فعَلى الإطلاقِ الأولِ بينَ المُسكرِ والمُخدِّرِ عُمومٌ مُطلَقٌ؛ إذْ كلُّ مُخدِّرٌ مُسكِرٌ وليسَ كلُّ مُسكرٍ مُخدِّرًا، فإطلاقُ الإسكارِ على الحَشيشةِ والجَوزةِ ونحوِهما المَرادُ منه التَّخديرُ، ومَن نَفاهُ عن ذلكَ أرادَ به معناهُ الأخَصَّ.
وتَحقيقُه أنَّ مِنْ شأنِ السُّكْرِ بنحوِ الخَمرِ أنه يَتولدُ عنه النَّشوةُ والنَّشاطُ والطَّربُ والعَربدةُ والحَميةُ، ومِن شأنِ السُّكرِ بنحوِ الحَشيشةِ والجَوزةِ أنه يَتولدُ عنه أضدادُ ذلكَ مِنْ تَخديرِ البدنِ وفُتورِه ومِن طُولِ السُّكوتِ والنَّومِ وعَدمِ الحَميةِ، وبقَولِي: «مِنْ شأنِه فيهِما» يُعلَمُ رَدُّ ما أورَدَه الزَّركشيُّ على القَرافِيِّ مِنْ أنَّ بعضَ شَرَبةِ الخَمرِ يُوجَدُ فيه ما ذُكرَ في نحوِ الحَشيشةِ، وبعضَ أكَلةِ نحوِ الحَشيشةِ يُوجدُ فيه ما ذُكرَ في الخَمرِ.
стр. 13844
ووَجهُ الردِّ أنَّ ما نِيطَ بالمَظنةِ لا يُؤثرُ فيه خُروجِ بعضِ الأفرادِ، كما أنَّ القَصرَ في السفرِ لمَّا نِيطَ بمَظنةِ المَشقةِ جازَ وإنْ لم تُوجَدِ المَشقةُ في كَثيرٍ مِنْ جُزئياتِه، فاتضَحَ بذلكَ أنه لا خِلافَ بينَ مَنْ عبَّرَ في نحوِ الحَشيشةِ بالإسكارِ ومَن عبَّرَ بالتخديرِ والإفسادِ، والمُرادُ به إفسادٌ خاصٌّ هو ما سبَقَ، فاندفَعَ به قَولُ الزركشيِّ: «إنَّ التعبيرَ به يَشملُ الجُنونَ والإغماءَ؛ لأنهُما مُفسِدانِ للعَقلِ أيضًا»، فظهَرَ بما تقرَّرَ صِحةُ قولِ الفَقيهِ المَذكورِ في السؤالِ إنها مُخدِّرةٌ وبُطلانُ قولِ مَنْ نازَعَه في ذلكَ، لكنْ إنَ كانَ لجَهلِه عُذرَ.
وبعدَ أنْ يَطلعَ على ما ذكَرْناه عن العُلماءِ متى زعَمَ حِلَّها أو عدَمَ تَخديرِها وإسكارِها يُعزَّرُ التعزيرَ البليغَ الزاجِرَ له ولأمثالِه، بل قالَ ابنُ تَيميةَ وأقَرَّه أهلُ مَذهبِه: مَنْ زعَمَ حِلَّ الحَشيشةِ كفَرَ.
فلْيَحذَرِ الإنسانُ مِنْ الوُقوعِ في هذهِ الوَرطةِ عند أئمَّةِ هذا المَذهبِ المُعظَّمِ.
وعَجيبٌ ممَّن خاطَرَ باستِعمالِ الجَوزةِ مع ما ذكَرْناهُ فيها مِنْ المَفاسدِ والإثمِ لأغراضِه الفاسِدةِ، على أنَّ تلك الأغراضَ تَحصلُ جَميعُها بغيرِها، فقدْ صرَّحَ رَئيسُ الأطباءِ ابنُ سِينا في قَانونِه بأنه يَقومُ مَقامَها وَزنُها ونِصفُ وَزنِها مِنْ السُّنبلِ، فمَن كانَ يَستعملُ منها قَدرًا ما ثُمَّ استَعملَ وزنَه ونِصفَ وزنِه مِنْ السُّنبلِ حصَلتْ له جَميعُ أغراضِه مع السَّلامةِ مِنْ الإثمِ والتعرُّضِ لعِقابِ اللهِ ، على أنَّ فيها بعضَ مَضارَّ بالرِّئةِ ذكَرَها بعضُ الأطباءِ، وقد خَلا السُّنبلُ عن تلكَ المَضارِّ، فقدْ حصَلَ به مَقصودُها، وزادَ
стр. 13845
عليهِ بالسَّلامةِ مِنْ مَضارِّها الدُّنيويةِ والأُخرَويةِ، واللهُ أعلَمُ بالصَّوابِ. انتهى جَوابِي في الجَوزةِ وهو مُشتمِلٌ على النفائسِ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: والحَشيشةُ المُسكرةُ حَرامٌ، ومَن استَحلَّ السُّكْرَ منها فقدْ كفَرَ، بل في أصَحِّ قولَي العُلماءِ أنها نَجسةٌ كالخَمرِ، والخَمرُ كالبولِ، والحَشيشةُ كالعَذرةِ، ويَجبُ فيه الحَدُّ، وإنما تَوقَّفَ بعضُ الفُقهاءِ في الحدِّ لأنه ظَنَّ أنها تُغطِي العَقلَ كالبَنجِ فيُعزِّرُه، والصَّحيحُ أنها تُسكرُ، وإنما كانَتْ مُسكرةً بخِلافِ البنجِ وجَوزةِ الطِّيبِ لأنها تُسكرُ بالاستِحالةِ كالخَمرِ يُسكرِ بالاستِحالةِ أيضًا، فالبنجِ يُغيِّبُ العقلَ ويُسكرُ بعدَ الاستحالةِ كجَوزةِ الطِّيبِ، ومَن ظَنَّ أنَّ الحَشيشةَ لا تُسكرُ وإنما تُغيِّبُ العقلَ بلا لذَّةٍ لم يَعرفْ حَقيقةَ أمرِها؛ فإنه لولا ما فيها مِنْ اللذَّةِ لم يَتناولْها، بخِلافِ البنجِ ونحوِه، والشارعُ اكتفَى في المُحرَّماتِ التي لا تَشتهيها النُّفوسُ كالدمِ بالزاجِرِّ الطَّبيعيِ، فجعَلَ العُقوبةَ عليها التعزيرَ، وأما ما تَشتهيهُ النُّفوسُ فقدْ جعَلَ الزاجرَ الشَّرعيَّ كالزاجرِ الطَّبيعيِّ وهو الحَدُّ، والحَشيشةُ مِنْ هذا البابِ (٢).
وسُئلَ ﵀ عمَّن يأكلُ الحَشيشةَ ما يَجبُ عليه؟
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، هذه الحَشيشةُ الصلبةُ حرامٌ، سَواءٌ سَكِرَ منها أو لم يَسكرْ، والسكْرُ منها حَرامٌ باتفاقِ المُسلمينَ، ومَن استَحلَّ ذلكَ وزعَمَ أنه
стр. 13846
حلالٌ فإنه يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ مُرتدًّا لا يُصلَّى عليه ولا يُدفنُ في مَقابرِ المُسلمينَ، وأما إنِ اعتَقدَ ذلكَ قُربةً وقالَ: «هي لُقَيمةُ الذِّكرِ والفِكرِ، وتُحرِّكُ العزمَ الساكِنَ إلى أشرَفِ الأماكنِ، وتَنفعُ في الطريقِ» فهو أعظَمُ وأكبَرُ؛ فإنَّ هذا مِنْ جِنسِ دِينِ النَّصارى الذين يَتقربونَ بشُربِ الخَمرِ، ومِن جِنسِ مَنْ يَعتقدُ الفَواحشَ قُربةً وطاعةً، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٨]، ومَن كانَ يَستحلُّ ذلكَ جاهِلًا، وقد سُمعَ بعضُ الفقهاءِ يقولُ:
حَرَّمُوها مِنْ غيرِ عَقلٍ ونَقلٍ وحَرامٌ تَحريمُ غير الحَرامِ
فإنه ما يَعرفُ اللهَ ورَسولَه وأنها مُحرَّمةٌ والسُّكْرَ منها حَرامٌ بالإجماعِ، وإذا عرَفَ ذلك ولم يُقرَّ بتحريمِ ذلك فإنه يَكونُ كافرًا مُرتدًّا كما تَقدمَ، وكلُّ ما يُغيِّبُ العَقلَ فإنه حَرامٌ وإنْ لم تَحصلْ به نَشوةٌ ولا طَربٌ، فإنْ تَغيُّبَ العَقلِ حرامٌ بإجماعِ المُسلمينَ.
وأما تَعاطِي (البَنجِ) الذي لم يُسكرْ ولم يُغيِّبِ العَقلَ ففيهِ التعزيرُ، وأمَّا المُحقِّقونَ مِنْ الفُقهاءِ فعَلِموا أنها مُسكرةٌ، وإنما يَتناولُها الفُجَّارُ؛ لِمَا فيها مِنْ النَّشوةِ والطربِ، فهي تُجامِعُ الشرابَ المُسكرَ في ذلكَ، والخَمرُ تُوجبُ الحَركةَ والخُصومةَ، وهذه تُوجبُ الفُتورَ والذلةَ، وفيها مع ذلكَ مِنْ فَسادِ المِزاجِ والعَقلِ وفَتحِ بابِ الشَّهوةِ وما تُوجبُه مِنْ الدِّياثةِ ممَّا هي مِنْ شَرِّ الشَّرابِ المُسكرِ وإنما حَدثَتْ في الناسِ بحُدوثِ التتارِ.
стр. 13847
وسُئلَ ﵀ عمَّا يَجبُ على آكِلِ الحَشيشةِ ومَن ادَّعى أنَّ أكْلَها جائِزٌ حَلالٌ مُباحٌ؟
فأجابَ: أكلُ هذهِ الحَشيشةِ الصلبةِ حَرامٌ، وهي مِنْ أخبَثِ الخَبائثِ المُحرَّمةِ، وسواءٌ أكلَ قَليلًا أو كَثيرًا، لكنَّ الكثيرَ المُسكرَ منها حَرامٌ باتفاقِ المُسلمينِ، ومَن استَحلَّ ذلكَ فهو كافِرٌ يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ كافِرًا مُرتدًا لا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه ولا يُدفنُ بينَ المُسلمينَ، وحُكمُ المُرتدِّ شَرٌّ مِنْ حُكمِ اليهوديِّ والنصرانِيِّ، سواءٌ اعتَقدَ أنَّ ذلكَ يَحِلُّ للعامةِ أو للخاصةِ الذين يَزعمونَ أنها لُقمةُ الفِكرِ والذِّكرِ، وأنها تُحرِّكُ العزمَ الساكِنَ إلى أشرَفِ الأماكنِ، وأنهُم لذلكَ يَستعملونَها (١).
والقَولُ الثانِي وعليهِ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ وكَثيرٌ مِنْ الشافِعيةِ كالرَّمليِّ وغيرِه: أنه يُباحُ القَليلُ منها ويَحرمُ الكَثيرُ.
قالَ الإمامُ الحَصكَفيُّ الحَنفيُّ ﵀: (ويَحرمُ أكلُ البَنجِ والحَشيشةِ) هي وَرقُ القُنَّبِ (والأفيونِ)؛ لأنه مُفسِدٌ للعَقلِ ويَصدُّ عن ذِكرِ اللهِ وعن الصَّلاةِ، (لكنْ دونَ حُرمةِ الخَمرِ، فإنْ أكَلَ شيئًا مِنْ ذلكَ لا حَدَّ عليهِ وإنْ سَكِرَ) منه، (بل يُعَزَّرُ بما دُونَ الحَدِّ)، كذا في «الجَوهرَة» (٢).
стр. 13848
وكذا تَحرمُ جَوزةُ الطِّيبِ، لكنْ دُونَ حُرمةِ الحَشيشةِ، قالَه المُصنِّفُ.
ونقلَ عن الجامِعِ وغيرِه أنَّ مَنْ قالَ بحِلِّ البَنجِ والحَشيشةِ فهو زِنديقٌ مُبتدعٌ، بل قالَ نجمُ الدِّينِ الزَّاهديُّ: إنه يَكفرُ ويُباحُ قَتلُه.
قلتُ: ونقَلَ شَيخُنا النجمُ الغزِّيُّ الشافِعيُّ في شَرحِه على مَنظومِة أبيهِ البدرِ المُتعلِّقةِ بالكبائرِ والصَّغائرِ عن ابنِ حَجرٍ المَكيِّ أنه صرَّحَ بتَحريمِ جَوزةِ الطِّيبِ بإجماعِ الأئمَّةِ الأربَعةِ وأنها مُسكرةٌ …
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قولُه: (ويَحرمُ أكلُ البَنجِ) هو بالفَتحِ نَباتٌ يُسمَّى في العرَبيةِ شَيكَرانِ، يُصدِّعُ ويُسبِتُ ويُخلِّطُ العقلَ كما في «التَّذكرَة» للشيخِ داودَ.
زادَ في «القامُوس»: وأخبَثُه الأحمَرُ ثم الأسوَدُ، وأسلَمُه الأبيَضُ، وفيه: السَّبتُ: يومُ الأسبوعِ، والرَّجلُ الكَثيرُ النومِ، والمُسبِتُ: الذي لا يَتحرَّكُ.
وفي القُهستانِيِّ: هو أحَدُ نَوعَي شَجرِ القنبِ حَرامٌ؛ لأنه يُزيلُ العَقلَ، وعليهِ الفَتوى، بخِلافِ نَوعٍ آخَرَ منه فإنه مُباحٌ كالأفيونِ؛ لأنه وإنِ اختَلَّ العَقلُ به لا يَزولُ، وعليه يُحمَلُ ما في «الهِدايَة» وغيرِها مِنْ إباحةِ البَنجِ كما في «شَرح اللُّباب». اه
أقولُ: هذا غيرُ ظاهِرٍ؛ لأنَّ ما يُخِلُّ العقلَ لا يجوزُ أيضًا بلا شُبهةٍ، فكيفَ يُقالُ: إنه مُباحٌ؟ بل الصَّوابُ أنَّ مُرادَ صاحِبِ «الهِدايَة» وغيرِه إباحةُ قليلِه للتَّداوي ونحوِه، ومَن صرَّحَ بحُرمتِه أرادَ به القَدرَ المُسكرَ منهُ، يَدلُّ عليهِ ما في «غَايَة البَيان» عن شَرح شيخِ الإسلامِ: أكلُ قليلِ السَّقمُونيَا والبَنجِ مُباحٌ للتداوي، وما زادَ على ذلكَ إذا كانَ يَقتلُ أو يُذهبُ العقلَ حَرامٌ. اه
стр. 13849
فهذا صَريحٌ فيما قُلناهُ مُؤيِّدٌ لِما سبَقَ بحَثْناهُ مِنْ تَخصيصِ ما مرَّ مِنْ أنَّ ما أسكَرَ كثيرُه حَرُمَ قليلُه بالمائِعاتِ، وهكذا يَقولُ في غيرِه مِنْ الأشياءِ الجامِدةِ المُضرَّةِ في العقلِ أو غيرِه: يَحرمُ تَناولُ القَدرِ المُضرِّ منها دُونَ القليلِ النافعِ؛ لأنَّ حُرمتَها ليسَتْ لعَينِها، بل لضَررِها، وفي أولِ طَلاقِ «البَحر»: مَنْ غابَ عَقلُه بالبنجِ والأفيونِ يَقعُ طلاقُه إذا استَعملَه للَّهوِ وإدخالِ الآفاتِ قَصدًا؛ لكَونِه مَعصيةً، وإنْ كانَ للتداوِي فلا؛ لعَدمِها، كذا في «فَتح القَدير»، وهو صَريحٌ في حُرمةِ البنجِ والأفيونِ لا للدَّواءِ، وفي «البزَّازيَّة»: والتَّعليلُ يُنادِي بحُرمتِه لا للدَّواءِ. اه كَلامُ «البَحر».
وجعَلَ في «النَّهر» هذا التَّفصيلَ هو الحَقَّ.
والحاصِلُ أنَّ استِعمالَ الكثيرِ المُسكرِ منه حَرامٌ مُطلَقًا كما يَدلُّ عليه كَلامُ «الغايَة»، وأما القَليلُ فإنْ كانَ للهوِ حَرُمَ، وإنْ سَكِرَ منه يَقعُ طَلاقُه؛ لأنَّ مَبدأَ استِعمالِه كانَ مَحظورًا، وإنْ كانَ للتداوِي وحصَلَ منه إسكارٌ فلا، فاغتَنمْ هذا التَّحريرَ المُفرَدَ.
بَقيَ هنا شَيءٌ لم أَرَ مَنْ نبَّهَ عليه عندَنا، وهو أنه إذا اعتَادَ أكْلَ شيءٍ مِنْ الجامِداتِ التي لا يَحرمُ قَليلُها ويُسكرُ كَثيرُها حتى صارَ يأكُلُ منها القَدرَ المُسكرَ ولا يُسكرُه -سَواءٌ أسكَرَه في ابتداءِ الأمرِ أو لا- فهلْ يَحرمُ عليهِ استِعمالُه نَظرًا إلى أنه يُسكرُ غيرَه أو إلى أنه قد أسكَرَه قبلَ اعتِيادِه؟ أم لا يَحرمُ نَظرًا إلى أنه طاهرٌ مُباحٌ والعلَّةُ في تَحريمِه الإسكارُ ولم يُوجَدْ بعدَ الاعتيادِ، وإنْ كانَ فِعلُه الذي أسكَرَه قبْلَه حَرامًا كمَن اعتادَ أكْلَ شيءٍ مَسمومٍ حتى صارَ يأكلُ ما هو قاتِلٌ عادةً ولا يَضرُّه كما بلَغَنا عن بَعضِهم؟ فلْيُتأمَّلْ.
стр. 13850
نعمْ صرَّحَ الشافِعيةُ بأنَّ العِبرةَ لِما يُغيِّبُ العقلَ بالنظرِ لغالِبِ الناسِ بلا عادَةٍ.
قولُه: (وهي وَرقُ القنبِ) قالَ ابنُ البيطارِ: ومِن القنبِ الهنديِّ نوعٌ يُسمَّى بالحَشيشةِ يُسكرُ جِدًّا إذا تَناولَ منه يَسيرًا قدْرَ دِرهمٍ، حتى أنَّ مَنْ أكثَرَ منه أخرَجَه إلى حَدِّ الرُّعونةِ، وقد استَعملَه قَومٌ فاختَلَّتْ عُقولُهم، وربَّما قتَلَتْ، بل نقَلَ ابنُ حَجرٍ عن بَعضِ العُلماءِ أنَّ في أكلِ الحَشيشةِ مِائةً وعِشرينَ مَضرةً دِينيةً ودُنيويةً، ونقَلَ عن ابنِ تيميةَ أنَّ مَنْ قالَ بحِلِّها كفَرَ، قالَ: وأقَرَّه أهلُ مَذهبِه. اه وسَيأتي مثلُه عندَنا.
قولُه: (والأفيونُ) هو عُصارةُ الخَشْخاشِ يُكرِبُ ويُسقِطُ الشَّهوتينِ إذا تُمُوديَ عليهِ، ويَقتلُ إلى دِرهمَينِ، ومتَى زادَ أكلُه على أربعةِ أيامٍ وَلاءً اعتادَه بحيثُ يُفضي تَركُه إلى مَوتِه؛ لأنه يَخرِقُ الأغشِيةَ خُروقًا لا يَسدُّها غيرُه. كذا في «تَذكرة داوُدَ».
قولُه: (لأنه مُفسِدٌ للعَقلِ) حتَّى يَصيرَ للرَّجلِ فيه خَلاعةٌ وفَسادٌ «جَوهَرة».
قولُه: (وإنْ سَكِرَ)؛ لأنَّ الشرعَ أوجَبَ الحَدَّ بالسُّكْرِ مِنْ المَشروبِ لا المأكولِ، «إتقاني».
قولُه: (كذا في الجَوهَرة) الإشارةٌ إلى قَولِه: ويَحرمُ أكلُ البَنجِ إلخ.
قولُه: (وكذا تَحرمُ جَوزةُ الطِّيبِ) وكذا العنبَرُ والزَّعفرانُ كما في «الزَّواجِر» لابنِ حَجرٍ المكِّيِّ، وقالَ: فهذه كلُّها مُسكِرةٌ، ومُرادُهم بالإسكارِ
стр. 13851
هُنا تَغطيةُ العَقلِ، لا مع الشِّدةِ المُطرِبةِ؛ لأنها مِنْ خُصوصياتِ المُسكرِ المائعِ، فلا يُنافي أنها تُسمَّى مُخدِّرةً، فما جاءَ في الوَعيدِ على الخَمرِ يأتِي فيها؛ لاشتِراكِهما في إزالةِ العَقلِ المَقصودِ للشارعِ بَقاؤُه. اه
أقولُ: ومثلُه زَهرُ القُطنِ؛ فإنه قَويُّ التَّفريحِ يَبلغُ الإسكارَ كما في «التَّذكرَة»، فهذا كلُّه ونَظائرُه يَحرمُ استِعمالُ القَدرِ المُسكرِ منه دُونَ القليلِ كما قدَّمْناهُ، فافهَمْ.
ومثلُه بل أَولى البُرْشُ وهو شَيءٌ مُركَّبٌ مِنْ البَنجِ والأفيونِ وغيرِهما، ذكَرَ في «التَّذكرة» أنَّ إدمانَه يُفسدُ البَدنَ والعَقلَ ويُسقطُ الشَّهوتينِ ويُفسدُ اللونَ ويُنقصُ القُوى ويُنهكُ، وقد وقَعَ به الآنَ ضَررٌ كَثيرٌ. اه
قولُه: (قالَه المُصنِّفُ) وعِبارتُه: ومثلُ الحَشيشةِ في الحُرمةِ جَوزةُ الطِّيبِ، فقدْ أفتَى كَثيرٌ مِنْ عُلماءِ الشافِعيةِ بحُرمتِها، وممَّن صرَّحَ بذلكَ منهُم ابنُ حَجرٍ نَزيلُ مكَّةَ في فَتاواهِ والشَّيخُ كَمالُ الدِّينِ بنُ أبي شَريفٍ في رِسالةٍ وضَعَها في ذلكَ، وأفتَى بحُرمتِها الأقصرَاويُّ مِنْ أصحابِنا، وقَفتُ على ذلكَ بخَطِّه الشريفِ، لكنْ قالَ: حُرمتُها دُونَ حُرمةِ الحَشيشِ، واللهُ أعلَمُ. اه
أقولُ: بل سيَذكرُ الشارحُ حُرمتَها عن المَذاهبِ الأربعةِ (١).
وقالَ الإمامُ الطَّحْطاويُّ ﵀: ونقلَ أنَّ جَوزةَ الطِّيبِ تَحرمُ، لكنْ دونَ حُرمةِ الحَشيشةِ، وصرَّحَ ابنُ حَجرٍ المكيُّ بتَحريمِ جَوزةِ الطِّيبِ
стр. 13852
بإجماع الأئمَّةِ الأربَعةِ. اه، ولعلَّ حِكايةَ الإجماعِ مَحمولةٌ على حالَةِ السُّكرِ، أما القَليلُ منها ومِن كلِّ مُسكرٍ ما عَدا الخَمرَ ونحوَه فتَعاطيهِ لا يَحرمُ عندَ الإمامِ، والثاني: إذا لم يسكرْ (١).
وذكَرَ الحطَّابُ المالِكيُّ ﵀: قالَ في «التَّوضِيح»: فائِدةٌ تَنفعُ الفَقيهَ يَعرفُ بها الفرقَ بينَ المُسكرِ والمُفسِدِ والمُرقدِ، فالمُسكرُ: ما غيَّبَ العقلَ دونَ الحواسِّ مع نَشوةٍ وفَرحٍ، والمُفسِدُ: ما غيَّبَ العقلَ دونَ الحَواسِّ لا مع نَشوةٍ وفَرحٍ كعَسلِ البَلادِرِ، والمُرقدُ: ما غيَّبَ العقلَ والحواسَّ كالسَّيْكَرانِ.
ويَنبنِي على الإسكارِ ثَلاثةُ أحكامٍ دونَ الأخيرَينِ: الحَدُّ والنَّجاسةُ وتَحريمُ القليلِ، إذا تَقررَ ذلكَ فللمُتأخِّرينَ في الحشيشةِ قولانِ: هل هي مِنْ المُسكراتِ أو مِنْ المُفسداتِ؟ مع اتِّفاقِهم على المنعِ مِنْ أكلِها، فاختارَ القَرافِيُّ أنها مِنْ المُخدِّراتِ، قالَ: لأني لم أرَهُم يَميلونَ إلى القِتالِ والنُّصرةِ، بل عليهِم الذلَّةُ والمَسكنةُ، وربَّما عرَضَ لهم البُكاءُ.
وكانَ شَيخُنا الشهيرُ بعبدِ اللهِ المَنوفِيِّ يَختارُ أنها مِنْ المُسكراتِ؛ لأنَّا رَأَينا مَنْ يَتعاطاها يَبيعُ أموالَه لأجْلِها، ولولا أنَّ لهم فيها طَربًا لَمَا فَعَلوا ذلكَ، يُبيِّنُ ذلك أنَّا لا نَجدُ أحَدًا يَبيعُ دارَه ليَأكلَ بها سَيْكرانًا، وهو واضحٌ. انتَهى كلامُ «التَّوضيح».
стр. 13853
ولَفظُ القَرافِيِّ في الحَشيشةِ أنها مُفسِدةٌ لا مُسكرةٌ، وبهذا الفرقِ يَندفعُ ما أورَدَه بَعضُهم على قَولِه: «إلا المُسكرَ» مِنْ شُمولِه للنباتِ المُغيِّبِ للعقلِ كالبنجِ والسيكرانِ، فإنها مُفسداتٌ أو مُرقداتٌ لا مُسكراتٌ.
وذكَرَ البُرزليُّ عن القَرافِيِّ في الحَشيشةِ ثَلاثةَ أقوالٍ: ثالثُها بالفرقِ بينَ أنْ تُحمَّسَ فتكونُ نَجسةً وفيها الحَدُّ، وقبلْ أنْ تُحمسَ فلا حَدَّ ولا نَجاسةَ، واختارَ القَرافِيُّ في الفرقَ المُوفِي أربَعينَ أنه لا حَدَّ فيها، وإنما فيها التعزيرُ الزاجِرُ عن المُلابَسةِ، قالَ: ولا تَبطلُ الصلاةُ بحَملِها.
ثم ذكَرَ أنَّ الأفيونَ مِنْ المُفسِداتِ، وقالَ: مَنْ صلَّى به أو بالبنجِ لم تَفسدْ صَلاتُه إجماعًا، وكذا غيرُه مِنْ المُفسداتِ، قالَ: كأنْ يَتناولَ مِنْ الأفيونِ والبَنجِ والسيكرانِ ما لا يَصلُ إلى التأثيرِ في العقلِ والحواسِّ. انتهى
قلتُ: فعَلى هذا يَجوزُ لمَن ابتُليَ بأكلِ الأفيونِ وصارَ يَخافُ على نفسِه الموتَ مِنْ تركِه أنْ يَستعملَ منه القَدرَ الذي لا يُؤثِّرُ في عقلِه وحواسِّه، ويَسعَى في تَقليلِ ذلك وقَطعِه جهْدَه، ويَجبُ عليه أنْ يَتوبَ ويَندمَ على ما مضَى، واللهُ أعلَمُ.
فَرعٌ: قالَ ابنُ فَرحونٍ: وأما العَقاقيرُ الهِنديةُ فإنْ أُكلَتْ لِما تُؤكلُ له الحَشيشةُ امتَنعَ أكلُها، وإنْ أُكلَتْ للهَضمِ وغيرِه مِنْ المَنافعِ لم تَحرمْ، ولا يَحرمُ منها إلا ما أفسَدَ العَقلَ.
وذكَرَ قبلَ هذا أنَّ الجَوزةَ وكَثيرَ الزَّعفرانِ والبَنجِ والسَّيكرانِ مِنْ المُفسِداتِ، قليلُها جائزٌ وحُكمُها الطهارةُ.
стр. 13854
ثمَّ قالَ الحطَّابُ ﵀: وقالَ البُرزليُّ: أجازَ بعضُ أئمَّتِنا أكْلَ القليلِ مِنْ جَوزةِ الطِّيبِ لتَسخينِ الدِّماغِ، واشتَرطَ بعضُهم أنْ تُخلطَ مع الأدويةِ، والصَّوابُ العُمومُ. انتَهى …
(فَرعٌ): مُقتضَى ما تقدَّمَ جَوازُ بيعِ هذه الأشياءِ مِنْ الأفيونِ والبنجِ والجَوزةِ ونحوِها، ولم أَرَ فيه نصًّا صَريحًا، والظاهرُ أنْ يُقالَ في ذلكَ كما قالَ ابنُ رُشدٍ في المِذْرِ على القَولِ بحُرمةِ أكلِه: إنْ كانَ فيه مَنفعةٌ غيرُ الأكلِ جازَ بيعُه ممَّن يَصرفُه في غيرِ الأكلِ ويُؤمَنُ أنْ يَبيعَه ممَّن يأكلُه، وكذلكُ يُقالُ في هذهِ الأشياءِ وفي سائرِ المَعاجينِ المُغيِّبةِ للعَقلِ: يَجوزُ بيعُ ذلكَ لمَن لا يَستعملُ منه القَدرَ المُغيِّبَ للعَقلِ ويُؤمَنُ أنْ يَبيعَه ممَّن يَستعملُ ذلكَ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ العَدويُّ ﵀: قالَ البُرزليُّ: ومِن هُنا أجازَ بعضُ أئمَّتِنا أكْلَ يَسيرِ جَوزةِ الطيبِ لتَسخينِ الدِّماغِ، واشتَرطَ بعضُهم خلْطَها بالأدويةِ لا وحْدَها، والصَّوابُ العُمومُ كما قالَ الأولُ. اه
ويَجوزُ أنْ يَتناولَ مِنْ الأفيونِ والبَنجِ والسَّيكرانِ ما لا يَصلُ إلى التأثيرِ في العَقلِ والحواسِّ. اه
وحِينئذٍ فيَجوزُ لمَن ابتُليَ بأكلِ الأفيونِ ويَخافُ مِنْ تَركِه على نفسِه الموتَ استِعمالُ القَليلِ غيرِ المؤثِّرِ في عَقلِه أو حواسِّه، ويسعَى في تَقليلِه وقَطعِه جهْدَه، ويَجبُ عليه التوبةُ والنَّدمُ على ما مَضَى (٢).
стр. 13855
وقالَ الشيخُ مُحمدُ عليش ﵀: وأمَّا المُفسِدُ -ويُسمَّى المُخدِّرَ أيضًا-: وهو ما يُغيِّبُ العقلَ وحْدَه بلا نَشوةٍ ولا طَربٍ، ومنه الحَشيشةُ على المُعتمَدِ والأفيونُ والبرشُ وجَوزةُ الطِّيبِ، والمُرقدِ: وهو ما يُغيِّبُ العَقلَ والحواسَّ، ومنه البنجُ والدَّاتُورةُ فطاهِرانِ داخِلانِ في المُستثنَى منه، واستِعمالُ قليلِهما الذي لا يُغيِّبُ العقلَ جائزٌ، وكثيرُهما الذي يُغيبُه مُحرَّمٌ ومُوجِبٌ للأدبِ بما يَردعُ المُستعمِلَ مِنْ ضَربٍ أو غيرِه (١).
وجاءَ في «حاشِية إعانَة الطَّالِبينَ»: (قولُه: وخرَجَ بالمائعِ نحوُ البَنجِ والحَشيشِ) أي: والأفيونُ وجَوزةُ الطِّيبِ والعنبَرُ والزَّعفرانُ، فهذهِ كلُّها طاهِرةٌ؛ لأنها جامِدةٌ وإنْ كانَ يَحرمُ تَناولُ القَدرِ المُسكرِ منها (٢).
و (سُئلَ الإمامُ الرَّمليُّ ﵀ عن أكلِ جَوزِ الطِّيبِ هل يَجوزُ أو لا؟
(فأجابَ): نعمْ يَجوزُ إنْ كانَ قَليلًا، ويَحرمُ إنْ كانَ كَثيرًا (٣).
وقالَ مُحمدٌ شَمسُ الحَقِّ العَظيمُ آبادِي ﵀: وأما الجَوزُ الطِّيبُ والبَسباسةُ والعودُ الهِنديُّ فهذهِ كلها ليسَ فيها سُكْرٌ أيضًا، وإنما في بَعضِها التفتيرُ وفي بعضِها التخديرُ، ولا ريْبَ أنَّ كلَّ ما أسكَرَ كثيرُه فقليلُه حَرامٌ، سواءٌ كانَ مُفرَدًا أو مُختلطًا بغيرِه، وسَواءٌ كانَ يَقوَى على الإسكارِ بعدَ الخَلطِ أو لا يَقوى، فكلِّ هذه الأشياءِ الستَّةِ ليسَ مِنْ جِنسِ المُسكِراتِ قَطعًا، بل بعضُها ليسَ مِنْ جِنسِ المُفتِّراتِ ولا المُخدِّراتِ على التحقيقِ،
стр. 13856
وإنما بعضُها مِنْ جِنسِ المُفتِّراتِ على رأيِ البعضِ، ومِن جِنسِ المَضارِّ على رأيِ البعضِ، فلا يَحرمُ قليلُه سَواءٌ يُؤكلُ مُفرَدًا أو يُستهلكُ في الطعامِ أو في الأدويةِ.
نعمْ أنْ يُؤكلَ المِقدارُ الزائدُ الذي يَحصلُ به التفتيرُ لا يَجوزُ أكلُه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عن كلِّ مُفتِّرٍ، ولم يَقلْ: إنَّ كلَّ ما أفتَرَ كَثيرُه فقَليلُه حَرامٌ، فنقولُ على الوَجهِ الذي قالَه ولا نُحدِثُ مِنْ قِبلِي شَيئًا، فالتحريمُ للتفتيرِ لا لنَفسِ المُفتِّرِ، فيجوزُ قليلُه الذي لا يُفتِّرُ (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأما التداوِي بالجِماعِ فلا يُبيحُه الشرعُ بوجهٍ ما، وأما التداوِي بالضَّمِّ والقُبلةِ فإنْ تَحققَّ الشِّفاءَ به كانَ نَظيرَ التداوِي بالخَمرِ عندَ مَنْ يُبيحُه، بل هذا أسهَلُ مِنْ التداوِي بالخَمرِ؛ فإنَّ شُربَه مِنْ الكبائِرِ، وهذا الفعلُ مِنْ الصغائرِ (٢).
حُكمُ التدرُّجِ في تَركِ المحرَّماتِ:
نَصَّ عامَّةُ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على أنَّ الإنسانَ إذا ابتُليَ بالأفيونِ والمُخدِّراتِ وغيرِها وإذا ترَكَها هلَكَ جازَ له أنْ يَتدرَّجَ في تَركِها ولا يَتركَها مرَّةَ واحدةً.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: خاتِمةٌ: سُئلَ ابنُ حَجرٍ المَكيُّ عمَّن ابتُليَ بأكلِ نحوِ الأفيونِ وصارَ إنْ لم يَأكلْ منه هلَكَ؟ فأجابَ: إنْ علِمَ ذلكَ قَطعًا
стр. 13857
حَلَّ له، بل وجَبَ؛ لاضطِرارِه إلى إبقاءِ رُوحِه، كالمَيتةِ لمُضطرٍّ، ويَجبُّ عليه التَّدريجُ في تَنقيصِه شيئًا فشَيئًا حتى يَزولَ تَولُّعُ المَعدةِ به مِنْ غيرِ أنْ تَشعرْ، فإنْ تركَ ذلكَ فهو آثِمٌ فاسِقٌ. اه مُلخَّصًا.
قالَ الرمليُّ: وقواعِدُنا لا تُخالفُه (١).
وسُئلَ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ ﵁ عمَّن ابتُليَ بأكلِ نحوِ الأفيونِ وصارَ إنْ لم يَأكلْ منه هلَكَ، هل يُباحُ له حِينئذٍ أكلُه أم لا؟
فأجابَ عَفَا اللهُ ﵎ عنه بقَولِه: إذا علِمَ عِلمًا قَطعيًّا بقولِ الأطبَّاءِ أو التَّجربةِ الصحيحةِ الصادقةِ أنه لا دافِعَ لخَشيةِ هَلاكِه إلا أكلُه مِنْ نحوِ الأفيونِ القدْرَ الذي اعتادُه أو قَريبًا منه حَلَّ له أكلُه، بل وجَبَ عليهِ؛ لأنه مُضطرٌّ إليه في بَقاءِ رُوحِه، فهو حينَئذٍ كالمَيتةِ في حَقِّ المُضطرِّ إليها بخُصوصِها، وقد صرَّحَ بذلكَ جَماعةٌ مع وُضوحِه، نعمْ أشارَ شيخُ الإسلامِ الحافظُ ابنُ حَجرٍ العَسقلانِيُّ إلى شيءٍ حَسنٍ يَتعيَّنُ اعتِمادُه، وهو أنه يَجبُ على مُتَعاطي ذلكَ السعيُ في قَطعِه بالتَّدريجِ، بأنْ يُقلِّلَ مما اعتادَه كلَّ يَومٍ قدْرَ سِمسمةٍ؛ فإنَّ نقْصَها لا يَضرُّه قَطعًا، فإذا استَمرَّ على ذلكَ لم تَمْضِ إلا مُدةٌ قليلةٌ وقد زالَ تَولُّعُ المَعدةِ به ونَسيتْه مِنْ غيرِ أنْ تَشعرَ ولا تَستضِرَّ لفَقدِه، فبِهذا أمكَنَ زَوالُه وقَطعُه، فهو وَسيلةٌ إلى إزالةِ ذلك المُحرَّمِ في ذاتِه وإنْ وجَبَ تَعاطيهِ؛ لأنَّ الوُجوبَ لِعارضٍ لا يُنافِي الحُرمةَ الذاتيةَ، كما أنَّ تَناولَ المُضطرِّ للمَيتةِ واجبٌ في حقِّه لعُروضِ الاضطرارِ مع بقائِها في حَدِّ
стр. 13858
ذاتِها على وَصفِ الحُرمةِ الذاتِيِّ لها، وما كانَ وَسيلةً إلى إزالةِ المُحرَّمِ يكونُ واجِبًا، فوجَبَ فِعلُ هذا التَّدريجِ، ومَن ترَكَ ذلك فهو عاصٍ آثِمٌ فاسِقٌ مَردودُ الشهادةِ، ولا عُذرَ له في دَوامِ تَعاطيهِ إنْ أوجَبْناهُ عليه في الحالة الراهِنةِ لبَقاءِ رُوحِه، فتأمَّلْ ذلكَ؛ فإنَّ كثيرِينَ مِنْ المُخذولينِ بالابتلاءِ بهذه الخَصلةِ القَبيحةِ الشنيعةِ يَتمسَّكونَ بدَوامِ ما هُمْ عليه مِنْ المَقتِ والمَسخِ المَعنويِّ بأنهم نشَؤُوا فيهِ وتمكَّنَ منهم، فصارَ تَعاطيهِ واجبًا عليهِم، وجَوابُ ذلكَ أنه كلامُ حَقٍّ أريدَ به باطِلٌ؛ لأنَّا نقولُ لهم: لَئِنْ سلَّمْنا لكُم ما قُلتموهُ هو لا يَمنعُ أنه يَجبُ عليكُم السعيُ في قَطعِه وزَوالِ ضَررِه ومَسخِه لأبدانِكُم وأَدْيانِكم وعُقولِكم ومَحصولِكم، ولقدْ أخبَرَني بعضُ العارِفينَ أنه يُمكِنُ قَطعُ الأفيُونِ في سَبعةِ أيامٍ بدَواءٍ بَرَّه بعضُ الأطباءِ، بل أخبَرَني بعضُ طَلبةِ العِلمِ الصُّلحاءِ: إنه كانَ مُبتلًى منه في كلِّ يَومٍ بمِقدارٍ كَثيرٍ فَساءَه حالُه وتَعطَّلَ عليه عَقلُه وأدرَكَ أنه المَسخُ الأكبَرُ والقاتِلُ الأكبَرُ والمُزيلُ لكُلِّ أنَفةٍ ومُروءةٍ وأدبٍ ورِياسةٍ والمُحصِّلُ لكلِّ ذِلةٍ ورَذيلةٍ وبِذلةٍ ورَثاثةٍ وخَساسةٍ، قالَ: فذهَبتُ إلى المُلتزَمِ الشريفِ وابتهَلْتُ إلى اللهِ بقَلبٍ حَزينٍ ودُموعٍ وأنينٍ وحُرقةٍ صادقةٍ وتَوبةٍ ناصِحةٍ، وسألتُ اللهَ ﵎ أنْ يَمنعَ ضرَرَ فَقدِه عنِّي، ثم ذهَبتُ إلى زَمزمَ وشَربتُ منها بنيَّةِ تَركِه وكِفايةِ ضَررِ فَقدِه، فلمْ أَعُدْ إليه بعدَ ذلكَ، ولم أَجدْ لفَقدِه ضَررًا بوَجهٍ مُطلَقًا. اه
وصدقَ في ذلكَ وبَرَّ؛ فإنَّ شغَفَ النُّفوسِ عندَ فَقدِه وظُهورَ عَلاماتِ الضررِ عليها إنَّما هو لعَدمِ خُلوصِ نَباتِها وفَسادِ طَويَّاتِها وبقاءِ كَمينِ
стр. 13859
تَشوُّفِها إليه وتَعويلِها عليه، فلم تَجدْ حِينئذٍ ما يَسدُّ مَحلَّه مِنْ الكَبدِ، فيَعظمُ ضَررُ فَقدِه حينئذٍ، وأما مَنْ عزَمَ عَزمًا صادقًا على تَركِه وتَوسَّلَ إليه في ذلك بصِدقِ نيَّةٍ وإخلاصِ طَويَّةٍ فلا يَجدُ لتَركِه ألمًا بحَولِ اللهِ تعالى وقوَّتِه (١).
وقالَ الحطَّابُ ﵀: يَجوزُ لمَن ابتُليَ بأكلِ الأفيونِ وصارَ يَخافُ على نَفسِه الموتَ مِنْ تَركِه أنْ يَستعملَ منه القدْرَ الذي لا يُؤثرُ في عَقلِه وحواسِّه، ويَسعَى في تَقليلِ ذلكَ وقَطعِه جهْدَه، ويَجبُ عليه أنْ يَتوبَ ويَندمَ على ما مضَى، واللهُ أعلَمُ (٢).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأما التداوِي بالجِماعِ فلا يُبيحُه الشرعُ بوجهٍ ما، وأما التداوِي بالضَّمِّ والقُبلةِ فإنْ تَحققَّ الشِّفاءَ به كانَ نَظيرَ التداوِي بالخَمرِ عندَ مَنْ يُبيحُه، بل هذا أسهَلُ مِنْ التداوِي بالخَمرِ؛ فإنَّ شُربَه مِنْ الكبائِرِ، وهذا الفعلُ مِنْ الصغائرِ (٣).
стр. 13860
كتاب التعزير وما لا حد فيه
التَّعزيرُ لغةً: التأديبُ والمَنعُ، يُقالُ: عَزَّرْتهُ وعَزَرْتهُ: إذا مَنَعْتهُ، ومنه سُمِّيَ التأديبُ الذي دُونَ الحَدِّ: تَعزيرًا؛ لأنه يَمنعُ الجانِيَ مِنْ مُعاوَدةِ الذنبِ، وقالَ السَّعديُّ: يُقالُ: عَزرْتهُ: وَقرْتهُ، وأيضًا أَدَّبْته، وهو مِنْ الأضدادِ.
قالَ الأنبارِيُّ في «الأضْدَاد»: و «عَزَّرْت» حَرفٌ مِنْ الأضدادِ، يُقالُ: عَزَّرْت الرَّجلَ: إذا أَدَّبْته وعَنَّفْته وَلُمْتهُ، ومنه قَولُ الفُقهاءِ: يَجبُ عليهِ التَّعزيزُ، ويقالُ: عَزَّرْت الرَّجلَ: إذا عَظَّمْته وكَرَّمْته.
وشَرعًا: تَأديبٌ على ذَنبٍ لا حَدَّ فيهِ، مُشتَقٌّ مِنْ العَزْرِ بمَعنى الرَّدعِ والزَّجرِ (١).
стр. 13861
مَشروعيَّةُ التَّعزيرِ:
ثَبتَتْ مَشروعيةُ التَّعزيرِ والتأديبِ بالكِتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأمةِ.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، فأجازَ للزَّوجِ أنْ يَضربَ زَوْجتَه للنُّشوزِ، والنشوزُ مَعصيةٌ، فدَلَّ على أنَّ كلَّ مَعصيةٍ لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ يَجوزُ الضربُ لأجْلِها (١).
وأمَّا السُّنةُ: فمِنها حَديثُ عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه «أنَّ رَجلًا مِنْ مُزَينةَ أتَى رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في حَريسةِ الجَبلِ؟ فقالَ: هي ومِثلُها والنَّكَالُ، وليسَ في شَيءٍ مِنْ الماشِيةِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ المُراحُ فبلَغَ ثَمنَ المِجَنِّ ففيهِ قَطعُ اليَدِ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في الثَّمرِ المُعلَّقِ؟ قالَ: هو ومِثلُه معه والنَّكالُ، وليسَ في شيءٍ مِنْ الثَّمرِ المُعلَّقِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ الجَرينُ، فما أُخذَ مِنْ الجَرينِ فبلَغَ ثمَنَ المِجنِّ ففيهِ القَطعُ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ» وفي رِوايةٍ: «ومَن خرَجَ بشَيءٍ منه فَعليهِ غَرامةُ مِثلَيهِ والعُقوبةُ» (٢).
стр. 13862
ولقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يُجلدُ فوقَ عَشرِ جَلَداتٍ إلا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ» (١).
وفي لَفظٍ: «لا عُقوبةَ فوقَ عَشرِ ضَرَباتٍ إلا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ» (٢)، فدَلَّ على أنه يَجوزُ ضَربُ عَشرِ جَلداتٍ في غيرِ الحُدودِ.
وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على مَشروعيةِ التعزيرِ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ التعزيرَ مَشروعٌ في كُلِّ مَعصيةٍ لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ، والمَعاصِي نَوعانِ: تَركُ واجِبٍ وفِعلُ مُحرَّمٍ، فمَن ترَكَ أداءَ الواجِبِ مع القُدرةِ عليه فهو عاصٍ مُستحِقٌّ للعُقوبةِ والتعزيرِ (٣).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: واتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ التعزيرَ مَشروعٌ في كلِّ مَعصيةٍ ليسَ فيها حَدٌّ، وهي نَوعانِ: تَركُ واجبٍ أو فِعلُ مُحرَّمٍ (٤).
وقالَ الإمامُ الدَّميريُّ ﵀: يُعزَّرُ في كلِّ مَعصيةٍ لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ بالإجماعِ، سواءٌ كانَ حقًّا للهِ تعالى أو لآدَميٍّ، وسواءٌ كانَتْ مُقدِّمةً لِما فيه حَدٌّ كمُباشَرةِ أجنَبيةٍ بغيرِ الوَطءِ وسَرقةِ ما لا قطْعَ فيهِ والسَّبِّ والإيذاءِ بغيرِ قَذفٍ، أو لم تَكنْ كشَهادةِ الزُّورِ والضربِ بغيرِ حقٍّ والتزويرِ وسائرِ المَعاصي (٥).
стр. 13863
هلِ التَّعزيرُ واجِبٌ أم مُباحٌ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا ارتَكبَ إنسانٌ مَعصيةً لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ، هل التَّعزيرُ يكونُ واجِبًا أم مُستحَبًّا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ التعزيرَ فيما شُرعَ فيه التعزيرُ واجِبٌ.
قالَ الحَنفيةُ: التعزيرُ فيما شُرعَ فيهِ التعزيرُ إذا رآهُ الإمامُ واجِبٌ، وسَببُ وُجوبِه ارتكابُ جِنايةٍ ليس لها حَدٌّ مُقدَّرٌ في الشرعِ، سَواءٌ كانَتِ الجِنايةُ على حَقِّ اللهِ كتَركِ الصلاةِ والصَّومِ ونحوِ ذلكَ، أو على حقِّ العبدِ بأنْ آذَى مُسلمًا بغيرِ حَقٍّ بفعلٍ أو بقَولٍ يَحتملُ الصِّدقَ والكَذبَ بأنْ قالَ له: «يا خَبيثُ، يا فاسِقُ، يا سارِقُ، يا فاجِرُ، يا كافِرُ، يا آكِلَ الرِّبا، يا شارِبَ الخَمرِ» ونحوَ ذلكِ.
فإنْ قالَ له: «يا كَلبُ، يا خِنزيرُ، يا حِمارُ، يا ثَورُ» ونحوَ ذلكَ لا يَجبُ عليه التعزيرُ؛ لأنَّ في النوعِ الأولِ إنما وجَبَ التعزيرُ لأنه ألحَقَ العارَ بالمَقذوفِ؛ إذ الناسُ بينَ مُصدِّقٍ ومُكذِّبٍ، فعُزِّرَ دفعًا للعارِ عنه، والقاذِفُ في النوعِ الثاني ألحَقَ العارَ بنَفسِه بقَذفِه غيرَه بما لا يُتصوَّرُ، فيَرجعُ عارُ الكَذبِ إليه لا إلى المَقذوفِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَجبُ على الإمامِ تَعزيرُ مَنْ قامَ بمَعصيةٍ، والمَعصيةُ إما أنْ تكونَ خالِصًا لحَقِّ اللهِ، وهي كُلُّ مَعصيةٍ ليسَ لأحدٍ إسقاطُها كالأكلِ في
стр. 13864
نهارِ رَمضانَ وتَأخيرِ الصلاةِ وطَرحِ النَّجاسةِ ونحوِها في طريقِ العامَّةِ، إلا أنْ يَجيءَ تائبًا فيَسقطُ التعزيرُ.
وإما أنْ تكونَ لحَقِّ آدَميٍّ، وهي كلُّ مَعصيةٍ للآدَميِّ حَقُّ إسقاطِها كالسَّبِّ والضربِ والإيذاءِ بوَجهٍ ما، وإنْ كانَ فيها حَقٌّ للهِ تعالى؛ لأنه ما مِنْ حَقِّ آدَميٍّ إلا وللهِ فيه حقٌّ؛ إذْ مِنْ حقِّ اللهِ على كلِّ مُكلَّفٍ تَركُ أذِيةِ غيرِه مِنْ المَعصومينِ، فلِهذا يَجبُ على الإمامِ تعزيرُه، ولا يَسقطُ إلا بعَفوِ صاحبِ الحَقِّ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: التعزيرُ واجِبٌ في كلِّ مَعصيةٍ لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ إذا رآهُ الإمامُ، كاستِمتاعٍ لا حَدَّ فيه كمُباشَرةٍ دونَ فَرجٍ، وكسَرقةٍ لا قطْعَ فيها لكَونِ المَسروقِ دونَ نصابٍ أو غيرَ مُحرزٍ، وكجِنايةٍ لا قَودَ فيها كصَفعٍ ووَكزٍ، وكإتيانِ المَرأةِ المَرأةَ والقذفِ بغيرِ الزنا ونحوِه كاللواطِ، وكنَهبٍ وغَصبٍ واختِلاسٍ وسَبِّ صَحابيٍّ وغيرِ ذلكَ مِنْ المُحرَّماتِ التي لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ، ومَن ترَكَ الواجباتِ فيُعزَّرُ فيها المُكلَّفُ وُجوبًا؛ لأنَّ المَعصيةَ تَفتقرُ إلى ما يَمنعُ مِنْ فِعلِها، فإذا لم يَجبْ فيها حَدٌّ ولا كفَّارةٌ وجَبَ أنْ يُشرعَ فيها التعزيرُ وليَتحققَ المانعُ مِنْ فِعلِها.
ويُعاقَبُ غيرُ المُكلَّفِ كالصَّبيِّ المُميِّزِ يُعاقَبُ على الفاحِشةِ تَعزيرًا بَليغًا.
стр. 13865
ولا يَحتاجُ في إقامتِه التَّعزيرَ إلى مُطالَبةٍ؛ لأنه مِنْ حُقوقِ اللهِ تعالَى، فلا يَحتاجُ في إقامتِه إلى مُطالَبةٍ؛ لأنه شُرعَ للتأديبِ، فللإمامِ إقامتُه إذا رآهُ، وله تَركُه إنْ جاءَ تائِبًا مُعتَرِفًا يَظهرُ منه الندَمُ والإقلاعُ؛ لِما رَوى ابنُ مَسعودٍ ﵁: «أنَّ رَجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: إني لَقيتُ امرأةً فأصَبْتُ منها ما دونَ أن أطَأَها، فقالَ: أصَلَّيتَ معنَا؟ قالَ: نعم، فتَلا عليهِ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]» (١)(٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ التعزيرَ غيرُ واجبٍ، بل هو مُباحٌ، ويَجوزُ للإمامِ تَركُه إذا كانَ لحَقِّ اللهِ ولم يَتعلَّقْ به حَقُّ آدَميٍّ، فإنْ تَعلَّقَ به وجَبَ.
وقيلَ: يَجوزُ تَركُه سَواءٌ كانَ لحَقِّ اللهِ تعالى أو لآدَميٍّ.
والدَّليلُ على أنه مُباحٌ وجائزٌ غيرُ واجِبٍ أنَّ النبيَّ ﷺ عفَى عن كثيرٍ مِنْ مُستحِقِّيه ولم يَعفُ عن واجِبٍ مِنْ الحُدودِ، وقالَ حِينَ سُئلَ العفوَ عن حَدٍّ: «لا عفَا اللهُ عنِّي إنْ عَفَوتُ»، فممَّا عفَا عنه مِنْ التعزيرِ أنه «أُتِيَ وقد حُظِرَ الغُلولُ برَجلٍ قد غَلَّ مِنْ الغَنيمةِ فلم يُعزِّرْه».
وقالَ له رَجلٌ وهو يَقسمُ الصَّدقاتِ: «اعدِلْ يا رَسولَ اللهِ، فتَمعَّرَ وجهُه وقالَ: ثَكلتْكَ أمُّكَ، إذا لم أعدِلْ فمَن يَعدلُ» ولم يَعزِّرْه، وفيه أنزَلَ اللهُ سُبحانَه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨].