مَشروعيَّةُ التَّعزيرِ:
ثَبتَتْ مَشروعيةُ التَّعزيرِ والتأديبِ بالكِتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأمةِ.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، فأجازَ للزَّوجِ أنْ يَضربَ زَوْجتَه للنُّشوزِ، والنشوزُ مَعصيةٌ، فدَلَّ على أنَّ كلَّ مَعصيةٍ لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ يَجوزُ الضربُ لأجْلِها (١).
وأمَّا السُّنةُ: فمِنها حَديثُ عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه «أنَّ رَجلًا مِنْ مُزَينةَ أتَى رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في حَريسةِ الجَبلِ؟ فقالَ: هي ومِثلُها والنَّكَالُ، وليسَ في شَيءٍ مِنْ الماشِيةِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ المُراحُ فبلَغَ ثَمنَ المِجَنِّ ففيهِ قَطعُ اليَدِ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في الثَّمرِ المُعلَّقِ؟ قالَ: هو ومِثلُه معه والنَّكالُ، وليسَ في شيءٍ مِنْ الثَّمرِ المُعلَّقِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ الجَرينُ، فما أُخذَ مِنْ الجَرينِ فبلَغَ ثمَنَ المِجنِّ ففيهِ القَطعُ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ» وفي رِوايةٍ: «ومَن خرَجَ بشَيءٍ منه فَعليهِ غَرامةُ مِثلَيهِ والعُقوبةُ» (٢).
стр. 13862
ولقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يُجلدُ فوقَ عَشرِ جَلَداتٍ إلا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ» (١).
وفي لَفظٍ: «لا عُقوبةَ فوقَ عَشرِ ضَرَباتٍ إلا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ» (٢)، فدَلَّ على أنه يَجوزُ ضَربُ عَشرِ جَلداتٍ في غيرِ الحُدودِ.
وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على مَشروعيةِ التعزيرِ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ التعزيرَ مَشروعٌ في كُلِّ مَعصيةٍ لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ، والمَعاصِي نَوعانِ: تَركُ واجِبٍ وفِعلُ مُحرَّمٍ، فمَن ترَكَ أداءَ الواجِبِ مع القُدرةِ عليه فهو عاصٍ مُستحِقٌّ للعُقوبةِ والتعزيرِ (٣).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: واتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ التعزيرَ مَشروعٌ في كلِّ مَعصيةٍ ليسَ فيها حَدٌّ، وهي نَوعانِ: تَركُ واجبٍ أو فِعلُ مُحرَّمٍ (٤).
وقالَ الإمامُ الدَّميريُّ ﵀: يُعزَّرُ في كلِّ مَعصيةٍ لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ بالإجماعِ، سواءٌ كانَ حقًّا للهِ تعالى أو لآدَميٍّ، وسواءٌ كانَتْ مُقدِّمةً لِما فيه حَدٌّ كمُباشَرةِ أجنَبيةٍ بغيرِ الوَطءِ وسَرقةِ ما لا قطْعَ فيهِ والسَّبِّ والإيذاءِ بغيرِ قَذفٍ، أو لم تَكنْ كشَهادةِ الزُّورِ والضربِ بغيرِ حقٍّ والتزويرِ وسائرِ المَعاصي (٥).
стр. 13863
هلِ التَّعزيرُ واجِبٌ أم مُباحٌ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا ارتَكبَ إنسانٌ مَعصيةً لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ، هل التَّعزيرُ يكونُ واجِبًا أم مُستحَبًّا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ التعزيرَ فيما شُرعَ فيه التعزيرُ واجِبٌ.
قالَ الحَنفيةُ: التعزيرُ فيما شُرعَ فيهِ التعزيرُ إذا رآهُ الإمامُ واجِبٌ، وسَببُ وُجوبِه ارتكابُ جِنايةٍ ليس لها حَدٌّ مُقدَّرٌ في الشرعِ، سَواءٌ كانَتِ الجِنايةُ على حَقِّ اللهِ كتَركِ الصلاةِ والصَّومِ ونحوِ ذلكَ، أو على حقِّ العبدِ بأنْ آذَى مُسلمًا بغيرِ حَقٍّ بفعلٍ أو بقَولٍ يَحتملُ الصِّدقَ والكَذبَ بأنْ قالَ له: «يا خَبيثُ، يا فاسِقُ، يا سارِقُ، يا فاجِرُ، يا كافِرُ، يا آكِلَ الرِّبا، يا شارِبَ الخَمرِ» ونحوَ ذلكِ.
فإنْ قالَ له: «يا كَلبُ، يا خِنزيرُ، يا حِمارُ، يا ثَورُ» ونحوَ ذلكَ لا يَجبُ عليه التعزيرُ؛ لأنَّ في النوعِ الأولِ إنما وجَبَ التعزيرُ لأنه ألحَقَ العارَ بالمَقذوفِ؛ إذ الناسُ بينَ مُصدِّقٍ ومُكذِّبٍ، فعُزِّرَ دفعًا للعارِ عنه، والقاذِفُ في النوعِ الثاني ألحَقَ العارَ بنَفسِه بقَذفِه غيرَه بما لا يُتصوَّرُ، فيَرجعُ عارُ الكَذبِ إليه لا إلى المَقذوفِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَجبُ على الإمامِ تَعزيرُ مَنْ قامَ بمَعصيةٍ، والمَعصيةُ إما أنْ تكونَ خالِصًا لحَقِّ اللهِ، وهي كُلُّ مَعصيةٍ ليسَ لأحدٍ إسقاطُها كالأكلِ في
стр. 13864
نهارِ رَمضانَ وتَأخيرِ الصلاةِ وطَرحِ النَّجاسةِ ونحوِها في طريقِ العامَّةِ، إلا أنْ يَجيءَ تائبًا فيَسقطُ التعزيرُ.
وإما أنْ تكونَ لحَقِّ آدَميٍّ، وهي كلُّ مَعصيةٍ للآدَميِّ حَقُّ إسقاطِها كالسَّبِّ والضربِ والإيذاءِ بوَجهٍ ما، وإنْ كانَ فيها حَقٌّ للهِ تعالى؛ لأنه ما مِنْ حَقِّ آدَميٍّ إلا وللهِ فيه حقٌّ؛ إذْ مِنْ حقِّ اللهِ على كلِّ مُكلَّفٍ تَركُ أذِيةِ غيرِه مِنْ المَعصومينِ، فلِهذا يَجبُ على الإمامِ تعزيرُه، ولا يَسقطُ إلا بعَفوِ صاحبِ الحَقِّ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: التعزيرُ واجِبٌ في كلِّ مَعصيةٍ لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ إذا رآهُ الإمامُ، كاستِمتاعٍ لا حَدَّ فيه كمُباشَرةٍ دونَ فَرجٍ، وكسَرقةٍ لا قطْعَ فيها لكَونِ المَسروقِ دونَ نصابٍ أو غيرَ مُحرزٍ، وكجِنايةٍ لا قَودَ فيها كصَفعٍ ووَكزٍ، وكإتيانِ المَرأةِ المَرأةَ والقذفِ بغيرِ الزنا ونحوِه كاللواطِ، وكنَهبٍ وغَصبٍ واختِلاسٍ وسَبِّ صَحابيٍّ وغيرِ ذلكَ مِنْ المُحرَّماتِ التي لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ، ومَن ترَكَ الواجباتِ فيُعزَّرُ فيها المُكلَّفُ وُجوبًا؛ لأنَّ المَعصيةَ تَفتقرُ إلى ما يَمنعُ مِنْ فِعلِها، فإذا لم يَجبْ فيها حَدٌّ ولا كفَّارةٌ وجَبَ أنْ يُشرعَ فيها التعزيرُ وليَتحققَ المانعُ مِنْ فِعلِها.
ويُعاقَبُ غيرُ المُكلَّفِ كالصَّبيِّ المُميِّزِ يُعاقَبُ على الفاحِشةِ تَعزيرًا بَليغًا.
стр. 13865
ولا يَحتاجُ في إقامتِه التَّعزيرَ إلى مُطالَبةٍ؛ لأنه مِنْ حُقوقِ اللهِ تعالَى، فلا يَحتاجُ في إقامتِه إلى مُطالَبةٍ؛ لأنه شُرعَ للتأديبِ، فللإمامِ إقامتُه إذا رآهُ، وله تَركُه إنْ جاءَ تائِبًا مُعتَرِفًا يَظهرُ منه الندَمُ والإقلاعُ؛ لِما رَوى ابنُ مَسعودٍ ﵁: «أنَّ رَجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: إني لَقيتُ امرأةً فأصَبْتُ منها ما دونَ أن أطَأَها، فقالَ: أصَلَّيتَ معنَا؟ قالَ: نعم، فتَلا عليهِ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]» (١)(٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ التعزيرَ غيرُ واجبٍ، بل هو مُباحٌ، ويَجوزُ للإمامِ تَركُه إذا كانَ لحَقِّ اللهِ ولم يَتعلَّقْ به حَقُّ آدَميٍّ، فإنْ تَعلَّقَ به وجَبَ.
وقيلَ: يَجوزُ تَركُه سَواءٌ كانَ لحَقِّ اللهِ تعالى أو لآدَميٍّ.
والدَّليلُ على أنه مُباحٌ وجائزٌ غيرُ واجِبٍ أنَّ النبيَّ ﷺ عفَى عن كثيرٍ مِنْ مُستحِقِّيه ولم يَعفُ عن واجِبٍ مِنْ الحُدودِ، وقالَ حِينَ سُئلَ العفوَ عن حَدٍّ: «لا عفَا اللهُ عنِّي إنْ عَفَوتُ»، فممَّا عفَا عنه مِنْ التعزيرِ أنه «أُتِيَ وقد حُظِرَ الغُلولُ برَجلٍ قد غَلَّ مِنْ الغَنيمةِ فلم يُعزِّرْه».
وقالَ له رَجلٌ وهو يَقسمُ الصَّدقاتِ: «اعدِلْ يا رَسولَ اللهِ، فتَمعَّرَ وجهُه وقالَ: ثَكلتْكَ أمُّكَ، إذا لم أعدِلْ فمَن يَعدلُ» ولم يَعزِّرْه، وفيه أنزَلَ اللهُ سُبحانَه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨].
стр. 13866
ولقَولِ النبيِّ ﷺ : «أَقيلُوا ذَوِي الهَيئاتِ عَثراتِهم إلا في الحُدودِ» (١).
ورُويَ: «أنَّ الزُّبيرَ ورَجلًا مِنْ الأنصارِ اختَصمَا إلى النبيِّ ﷺ في شِراجِ الحَرَّةِ -و (الحَرَّةُ): هي الأرضُ المُلبسةُ بالحَصى، و (الشِّراجُ): هي الساقِيةُ التي فيها الماءُ-، فقالَ النبيُّ ﷺ : «اسقِ يا زُبيرُ أرضَكُم، ثم أرسِلِ الماءَ إلى جارِكَ، فقالَ الأنصارِيُّ: أنْ كانَ ابنَ عمَّتِكَ يا رَسولَ اللهِ؟! فغَضبَ رَسولُ اللهِ ﷺ وقالَ: اسقِ يا زُبيرُ، ثمَّ احبِسِ الماءَ حتَّى تَبلغَ أُصولَ الجَدرِ» (٢).
فمَوضعُ الدَّليلِ: أنَّ الأنصارِيَّ اتهَمَ النبيَّ ﷺ أنه قَضَى للزبيرِ لأنه ابنُ عمَّتِه، وهذا يَستحقُّ به القَتلَ فَضلًا عن التعزيرِ، فتَركَ النبيُّ ﷺ تَعزيرَه.
وقيلَ: إنما أمَرَ النبيُّ ﷺ الزبيرَ أنْ يَسقيَ أرضَه إلى أنْ يَبلغَ الماءُ إلى الجَدْرِ، وذلكَ زائدٌ على ما تَستحقُّه مِنْ الشُّربِ تَعزيرًا للأنصارِيِّ حينَ قالَ ما قالَ، وكانَ ذلكَ حينَ كانَتِ العُقوباتُ في الأموالِ.
وكانَ قَولُ الأنصارِيِّ هذا يَقتضِي التعزيرَ، وإنما ترَكَ النبيُّ ﷺ تَعزيرَه على ما مَضَى، ولأنه ضَربٌ غيرُ مَحدودٍ، فلمْ يَكنْ واجبًا كضَربِ الزوجِ زوْجتَه، وكما لو غلَبَ على ظَنِّ الإمامِ أنه يُصلِحُه الضربُ وغيرُ الضربِ.
стр. 13867
ولأنه ضَربٌ غيرُ مَحدودِ الطَّرفينِ، فلمْ يكنْ واجِبًا كضَربِ المعلِّمِ والزوجِ …
ولو عفَى مُستحِقُّ التعزيرِ جازَ للإمامِ التعزيرُ في الأصَحِّ لحَقِّ اللهِ تعالى، وإنْ كانَ لا يُعزِّرُ بدونِ عفوٍ قبلَ مُطالبةِ المُستحِقِّ له؛ لأنَّ التعزيرَ أصلُه يَتعلقُ بنَظرِ الإمامِ، فلمْ يُؤثرْ فيه إسقاطُ غيرِه، ولأنَّ التعزيرَ غيرُ مَضبوطٍ؛ لأنه يَحصلُ بأنواعٍ شتَّى مِنْ ضَربٍ وصَفعٍ وتَوبيخٍ وحَبسٍ ونحوِ ذلكَ، ويَحصلُ بقليلِ هذهِ الأمورِ وكَثيرِها، ومُستحِقُّه لم يَستحقَّ نوعًا مُعيَّنًا مِنْ أنواعِ التعازيرِ ولا مِقدارًا مُعيِّنًا، بل استَحقَّ مَجهولًا، والإبراءُ مِنْ المَجهولِ باطلٌ.
والثاني مُقابلُ الأصحِّ: المَنعُ؛ لأنَّ المُستحِقَّ قد أسقَطَه (١).
إذا حدَثَ عن التَّعزيرِ تَلفٌ هل يُضمَنُ أم لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ ما تَلفَ بسَببِ التعزيرِ، هل هو مَضمونٌ أم لا؟
فمَن قالَ: «إنَّ التعزيرَ واجِبٌ» -وهُم الجُمهورُ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ- قالوا: لا يَضمنُ الإمامُ ما حدَثَ بسَببِ التعزيرِ؛ لأنَّ زواجِرَ الإمامِ غيرُ مَضمونةٍ عليه كالحُدودِ.
ومَن قالَ: «إنَّ التعزيرَ مُباحٌ وليسَ بواجِبٍ» -وهُم الشافِعيةُ- قالوا: إذا حدَثَ عنه التلفُ فالإمامُ ضامِنٌ له؛ لِما رُويَ «أنَّ عُمرَ ﵁ بعَثَ إلى
стр. 13868
امرأةٍ في شَيءٍ بلَغَه عنها رَسولًا فأسقَطَتْ، فقالَ لعُثمانَ وعبدِ الرَّحمنِ: ما تَقولانِ؟ فقالا: لا شيءَ عليكَ وإنما أنتَ مُؤدِّبٌ، فأقبَلَ على عليٍّ ﵁ فقالَ: ما تقولُ؟ فقالَ: إنْ كانَا ما اجتَهدَا فقدْ غَشَّا، وإنْ كانَا قد اجتَهدَا فقدْ أخطَأَا، عليكَ الدِّيةُ، فقالَ: عَزمْتُ عليكَ لا تَبرحُ حتى تَضربَها على قَومِكَ، يعني: على قُريشٍ؛ لأنهُم عاقِلتُه».
ورُويَ عن عليٍّ ﵁ أنه قالَ: «ما أحَدٌ أُقيمَ عليه الحدُّ فيَموتُ فأَجِدُ في نفسِي منه شيئًا، الحَقُّ قتَلَه، إلا شارِبَ الخَمرِ؛ فإنه رَأيٌ رَأيْناهُ بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فمَن ماتَ منه فَديتُه على عاقِلةِ الإمامِ، أو قالَ: في بَيتِ المالِ»، يعني: فيما زادَ على الأربَعينَ الذي رآهُ للمَصلحةِ اختيارًا، وتلكَ الزِّيادةُ تَعزيرٌ، ولأنه ضَربٌ غيرُ مَحدودِ الطَّرفينِ على فِعلٍ مُتقدِّمٍ، فوجَبَ أنْ يَتعلقَ به الضمانُ عندَ التلفِ كضَربِ الزوجِ والمعلِّمِ، ولا يَدخلُ عليه مَنْ دفَعَ إنسانًا عن نفسِه أو مالِه؛ لأنه ليسَ على فِعلِ مُتقدمٍ، فأمَّا الحُدودُ الواجِبةُ فلا يَتعلقُ بها ضَمانٌ؛ لِمَا عليه مِنْ استيفائِها، وإنَّ الضمانَ يَمنعُ الإقدامَ عليها، فإذا ثبَتَ وُجوبُ الضمانِ مِنْ التَّعزيرِ فعَلى مَنْ تكونُ الديَةُ؟ على قَولينِ:
أحَدُهما: على عاقِلةِ الإمامِ؛ لحَديثِ عُمرَ وقولِه لعَليٍّ: «عَزمْتُ عليكَ لا تَبرحُ حتى تَضربَها على قَومِكَ»، فعلى هذا تَكونُ الكفَّارةُ في مالِه.
والقَولُ الثاني: أنَّ الديَةَ في بيتِ المالِ؛ لأنه نائبٌ فيه عن كافَّةِ المُسلمينَ، فاقتَضَى أنْ يكونَ ما حدَثَ عنه مِنْ الضمانِ في بيتِ مالِهم، فعلى هذا في الكفَّارةِ وَجهانِ: أحَدُهما: في بيتِ المالِ أيضًا، والثَّاني: في مالِه، ويكونُ تأويلُ
стр. 13869
فِعلِ عُمرَ في تَحصيلِ الديَةِ لعَاقلتِه أنه لم يَكنْ في بيتِ المالِ مالٌ فعادَ إلى عاقلتِه، كما أنَّ مَنْ وجَبَتِ الديَةُ على عاقلتِه إذا عَدِموا جُعلَتْ في بيتِ المالِ (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ وجَبَ عليه الحَدُّ فجلَدَه الإمامُ أو جلَّادُه الحَدَّ الشرعيَّ فماتَ فلا ديَةَ فيه ولا كفَّارةَ، لا على الإمامِ ولا على جلَّادِه ولا في بيتِ المالِ.
وأما مَنْ ماتَ مِنْ التَّعزيرِ فمَذهبُنا وُجوبُ ضَمانِه بالديَةِ والكفَّارةِ، وفي مَحلِّ ضَمانِه قَولانِ للشافِعيِّ:
أصَحُّهما: تَجبُ ديَتُه على عاقِلةِ الإمامِ والكفَّارةُ في مالِ الإمامِ.
والثَّاني: تَجبُ الديَةُ في بيتِ المالِ، وفي الكفَّارةِ على هذا وَجهانِ لأصحابِنا: أحَدُهما: في بيتِ المالِ أيضًا، والثاني: في مالِ الإمامِ، هذا مَذهبُنا.
وقالَ جَماهيرُ العُلماءِ: لا ضَمانَ فيه لا على الإمامِ ولا على عاقِلتِه ولا في بيتِ المالِ، واللهُ أعلَمُ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا ماتَ مِنْ التَّعزيرِ لم يَجبْ ضَمانُه، وبهذا قالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ، وقالَ الشافِعيُّ: يَضمنُه؛ لقَولِ عليٍّ: «ليسَ أحَدٌ أقيمَ عليه الحَدُّ فيَموتُ فأَجدُ في نفسِي شيئًا، إنَّ الحَقَّ قتَلَه، إلا حَدَّ الخَمرِ؛ فإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يَسُنَّه لنا»، «وأشارَ على عُمرَ بضَمانِ التي أجهَضَتْ جَنينَها حينَ أرسَلَ إليها».
стр. 13870
ولنَا: إنها عُقوبةٌ مَشروعةٌ للرَّدعِ والزَّجرِ، فلم يَضمنْ مَنْ تَلفَ بها كالحَدِّ، وأما قَولُ عليٍّ في ديَةِ مَنْ قتَلَه حَدُّ الخَمرِ فقدْ خالَفَه غيرُه مِنْ الصَّحابةِ فلم يُوجِبوا شَيئًا به، ولم يَعملْ به الشافِعيُّ ولا غيرُه مِنْ الفُقهاءِ، فكيفَ يُحتَجُّ به مع تَركِ الجميعِ له؟! وأما قولُه في الجَنينِ فلا حُجةَ لهم فيه؛ فإنَّ الجَنينَ الذي تَلفَ لا جِنايةَ منه ولا تَعزيرَ عليهِ، فكيفَ يَسقطُ ضَمانُه؟! ولو أنَّ الإمامَ حَدَّ حامِلًا فأتَلفَ جَنينَها ضَمِنَه مع أنَّ الحَدَّ مُتفَقٌ عليه بينَنا، على أنه لا يَجبُ ضَمانُ المَحدودِ إذا أُتلِفَ به.
وليسَ على الزَّوجِ ضَمانُ الزوجةِ إذا تَلفَتْ مِنْ التأديبِ المَشروعِ في النُّشوزِ، ولا على المعلِّمِ إذا أدَّبَ صَبيَّه الأدبَ المَشروعَ، وبه قالَ مالكٌ، وقالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ: يَضمنُ، ووَجهُ المَذهبَينِ ما تقدَّمَ في التي قبْلَها.
قالَ الخلَّالُ: إذا ضرَبَ المعلِّمُ ثَلاثًا كما قالَ التابِعونَ وفُقهاءُ الأمصارِ وكانَ ذلك ثَلاثًا فليسَ بضامنٍ، وإنْ ضرَبَه ضَربًا شَديدًا مثلُه لا يكونُ أدَبًا للصبيِّ ضَمِنَ؛ لأنه قد تَعدَّى في الضربِ، قالَ القاضي: وكذلكَ يَجيءُ على قياسِ قَولِ أصحابِنا إذا ضرَبَ الأبُ أو الجَدُّ الصبيَّ تأديبًا فهلَكَ، أو الحاكِمُ أو أمينُه أو الوصيُّ عليهِ تأديبًا، فلا ضَمانَ عليهم كالمعلِّمِ (١).
وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينِيُّ ﵀: اختَلفوا فيمَن ماتَ مِنْ التعزيرِ، فقالَ الشافِعيُّ: عَقلُه على عاقِلةِ الإمامِ وعليه الكفَّارةُ، وقيلَ: على بيتِ المالِ، وجُمهورُ العُلماءِ على أنه لا يَجبُ شيءٌ على أحَدٍ (٢).
стр. 13871
مَنْ له حَقُّ التَّعزيرِ؟
الأصلُ أنَّ تَعزيرَ غيرِ الزَّوجةِ وغيرِ الأبناءِ والمُتعلِّمِ إنما يَكونُ للإمامِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، ويَجوزُ للزوجِ أنْ يُعزِّرَ زوجتَه، وللأبِ أنْ يُعزِّرَ ابنَه، وللمُعلمِ أنْ يُؤدِّبَ صَبيَّه الأدبَ المَشروعَ، وهذا كلُّه مَحلُّ اتفاقٍ بينَ الفُقهاءِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل يَجوزُ لصاحِبِ الحقِّ أنْ يَقيمَه أم لا؟
فذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الذي يُقِيمُ التعزيرَ هو الإمامُ أو نائبُه؛ لأنَّ صاحِبَ الحَقِّ قد يُسرفُ فيه غَلطًا، بخِلافِ القصاصِ؛ لأنه مُقدَّرٌ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: ما كانَ حَقَّ اللهِ يَملكُه الإنسانُ وإنْ لم يَكنْ مُحتسبًا؛ لأنه مِنْ بابِ إزالةِ المُنكرِ باليدِ، والشارعُ ولَّى كلَّ أحَدٍ ذلكَ، فلا يُقيمُه غيرُ الحاكِمِ إلا حالَ قيامِ المَعصيةِ، وأما بعدَه فليسَ إلا للحاكِمِ.
وما كانَ حَقَّ العبدِ يَتوقفُ على الدَّعوى، لا يُقيمُه إلا الحاكِمُ أو مَنْ حُكمُه فيهِ.
وقيلَ: لصاحِبِ الحقِّ إقامتُه كالقصاصِ، وقيلَ: للإمامِ؛ لأنَّ صاحِبَ الحَقِّ قد يُسرفُ فيه غَلطًا (٢).
стр. 13872
بأيِّ شَيءٍ يكونُ التَّعزيرُ؟
نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ التعزيرَ يكونُ بجَلدٍ وضَربٍ وتَوبيخٍ وحَبسٍ، وللعُلماءِ تَفصيلٌ في ذلكَ، وبَيانُه فيما يلي:
أولاً: الجَلدُ والضَّربُ:
اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على جَوازِ التعزيرِ بالجَلدِ.
إلا أنهُم اختَلفُوا في مِقدارِه:
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يَبلغُ في التَّعزيرِ أربَعينَ جَلدةً، فأكثرُه عندَهم تِسعةٌ وثَلاثونَ سَوطًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ بلَغَ حَدًّا في غيرِ حَدٍّ فهو مِنْ المُعتدينَ» (١).
والأربَعونَ حَدٌّ في العَبيدِ في القَذفِ، فيُنقَصُ عنه سَوطٌ، وهذا بَيانُ أقصَى التعزيرِ، فأما فيما دونَ ذلكَ الرأيُ إلى الإمامِ يُعزِّرُه بقَدرِ ما يَعلمُ أنه يَنزجرُ به؛ لأنَّ ذلك يَختلفُ باختلافِ أحوالِ الناسِ وباختِلافِ جَرائمِهم.
وأما قَولُ النبيِّ ﷺ : «لا يُجلدُ فوقَ عَشرِ جلَدَاتٍ إلا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ» (٢) فمَنسوخٌ بعَملِ الصَّحابةِ على خِلافِه مِنْ غيرِ نَكيرٍ، أو مَحمولٌ على الأَولويةِ ونحوِها بعدَ ثبوتِ العَملِ بخِلافِه (٣).
стр. 13873
وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ وزَفرُ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه يَجوزُ للإمامِ أنْ يَبلغَ في التعزيرِ إلى خَمسةٍ وسَبعينَ سَوطًا، وقيلَ: تِسعٍ وسَبعينَ، لِما رُويَ مَرفوعًا: «مَنْ بلَغَ حَدًّا في غيرِ حَدٍّ فهو مِنْ المُعتدينَ» (١).
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: والحاصِلُ أنه لا خِلافَ بينَ أصحابِنا ﵃ أنه لا يَبلغُ التعزيرُ الحَدَّ؛ لِما رُويَ عنه ﵊ أنه قالَ: «مَنْ بلَغَ حَدًّا في غيرِ حَدٍّ فهو مِنْ المُعتدينَ»، إلا أنَّ أبا يُوسفَ ﵀ صرَفَ الحَدَّ المَذكورَ في الحَديثِ على الأحرارِ، وزعَمَ أنه الحَدُّ الكاملُ لا حَدَّ المَماليكِ؛ لأنَّ ذلكَ بعضُ الحَدِّ وليس بحَدٍّ كاملٍ، ومُطلَقُ الاسمِ يَنصرفُ إلى الكاملِ في كُلِّ بابٍ، ولأنَّ الأحرارَ هم المَقصودونَ في الخِطابِ وغيرُهم مُلحَقٌ بهم فيه.
ثمَّ قالَ في روايةٍ: يُنْقَصُ منها سَوطٌ، وهو الأقيَسُ؛ لأنَّ ترْكَ التبليغِ يَحصلُ به.
وفي رِوايةٍ قالَ: يُنتقَصُ منها خَمسةٌ، ورُويَ ذلك أثَرًا عن سيِّدِنا عليٍّ ﵁ أنه قالَ: «يُعزَّرُ خَمسةً وسَبعينَ».
стр. 13874
قالَ أبو يُوسفَ ﵀: فقلَّدتُه في نُقصانِ الخَمسةِ واعتَبرتُ عنه أدنَى الحُدودِ. ورُويَ عنه أنه قالَ: أخَذتُ كل نوعٍ مِنْ بابِه وأخَذتُ التعزيرَ في اللَّمسِ والقُبلةِ مِنْ حَدِّ الزِّنا، والقَذفَ بغيرِ الزنا مِنْ حَدِّ القذفِ؛ ليَكونَ إلحاقَ كلَّ نوعٍ ببابِه.
وأبو حَنيفةَ صرَفَه إلى حَدِّ المَماليكِ وهو أربَعونَ؛ لأنه ذكَرَ حَدًّا مُنكَّرًا، فيَتناولُ حَدًّا ما، وأربَعونَ حَدٌّ كاملٌ في المَماليكِ، فيَنصرفُ إليه، ولأنَّ في الحَملِ على هذا الحَدِّ أخذًا بالثقةِ والاحتياطِ؛ لأنَّ اسمَ الحدِّ يَقعُ على النوعينِ.
فلو حمَلْناهُ على ما قالَه أبو حَنيفةَ يَقعُ الأمنُ عن وَعيدِ التبليغِ؛ لأنه لا يَبلغُ، ولو حمَلْناهُ على ما قالَه أبو يُوسفَ لا يَقعُ الأمنُ عنه؛ لاحتِمالِ أنه أرادَ به حَدَّ المَماليكِ، فيَصيرُ مُبلَّغًا غيرَ الحَدِّ فيَلحقُه الوَعيدُ، فكانَ الاحتياطُ فيما قالَه أبو حَنيفةَ ﵀ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ التعزيرَ ربَّما كانَ أكثَرَ مِنْ الحُدودِ إذا أدَّى الإمامَ اجتهادُه إلى ذلكَ لعِظمِ الجُرمِ، حتى لو أدَّى إلى المَوتِ فلا إثْمَ عليه ولا ديَةَ إذا لم يَقصدْ ذلكَ، وإنما قصَدَ التشديدَ فيما يَقتضي التَّشديدَ كسَبِّ الصحابةِ وآلِ البيتِ ونحوِ ذلكَ فأدَّى إلى الهَلاكِ،
стр. 13875
وقد رُويَ عن مالكٍ أنه أمَرَ بضَربِ شَخصٍ وُجدَ مع صبيٍّ فوقَ ظَهرِ مَسجدٍ وقد جَرَّدَه وضَمَّه إلى صَدرِه أربعَمائةِ سَوطٍ فانتَفخَ وماتَ ولم يَستعظمْ ذلكَ.
فإنْ ظَنَّ عدَمَ السلامةِ أو شَكَّ مُنعَ تأديبُه بما يَتأتَّى إلى النَّفسِ، فإنْ فعَلَ ضَمِنَ في النفسِ قَودًا إنْ جزَمَ بعَدمِ السلامةِ أو ظنَّ عدَمَها، وإنْ شَكَّ في السَّلامةِ وعَدمِها فالدَّيةُ على عاقلتِه (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في وَجهٍ وأشهَبُ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه لا يَجوزُ الزيادةُ على عَشرِ جَلداتٍ في التعزيرِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يُجلدُ فوقَ عَشرِ جَلَداتٍ إلا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ» (٢)، وفي لَفظٍ: «لا عُقوبةَ فوقَ عَشرِ ضَرَباتٍ إلا في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ» (٣).
وللحاكِمِ نقصُه عن عَشرةٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قدَّرَ أكثرَه ولم يُقدِّرْ أقلَّه، فيُرجعُ فيه إلى اجتهادِ الحاكِمِ بحسبِ حالِ الشخصِ.
إلا إذا وَطئَ أمَةً له فيها شِركٌ، فيُعزَّرُ بمِائةِ سَوطٍ إلا سَوطًا؛ لِما رَوى سَعيدُ بنُ المُسيبِ عن عُمرَ ﵁ في أمَةٍ بينَ رَجلينِ وَطئَها أحَدُهما: «يُجلَدُ الحَدَّ إلا سَوطًا»، وليُنقَصْ عن حدِّ الزنى.
стр. 13876
وإذا شَربَ مُسكِرًا نهارَ رَمضانَ فيُعزَّرُ بعِشرينَ مع الحَدِّ؛ لِما رَوى أحمَدُ «أنَّ عَليًّا أُتِيَ بالنَّجاشيِّ قد شَربَ خَمرًا في رَمضانَ، فجلَدَه الحدَّ وعِشرينَ سَوطًا، لفِطرِه في رَمضانَ» (١)(٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في احتِمالٍ لكَلامِ الإمامِ أحمَدَ والخِرقيِّ ذكَرَه ابنُ قُدامةَ أنه لا يَبلغُ بكلِّ جِنايةٍ حَدًّا مَشروعًا في جنسِها، ويجوزُ أنْ يزيدَ على حَدِّ غيرِ جنسِها، فعلى هذا ما كانَ سَببُه الوطءَ جازَ أنْ يَجلدَ مائةً إلا سَوطًا؛ ليَنقصَ عن حَدِّ الزنا، وما كانَ سَببُه غيرَ الوطءِ لم يَبلغْ به أدنَى الحُدودِ (٣).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يَبلغُ به عِشرينَ سَوطًا؛ لأنها حَدُّ العَبدِ (٤).
ثانِيًا: الحَبسُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يجوزُ للإمامِ التعزيرُ بالحَبسِ؛ لأنَّ المَقصودَ الرَّدعُ، وهو حاصلٌ بذلكَ، فيجوزُ له أنْ يَحبسَ مَنْ ارتَكبَ مَعصيةً في
стр. 13877
حَقِّ اللهِ أو في حَقِّ العَبدِ، فيُنزَلونَ فيه على حَسبِ مَنازلِهم وبحَسبِ ذُنوبِهم، فمنهُم مَنْ يُحبسُ يومًا، ومنهم مَنْ يُحبسُ أكثرَ منه إلى غايةٍ غيرِ مُقدَّرةٍ بقَدرِ ما يُؤدِّي الاجتهادُ إليها ويَرى المُصلحةَ فيها.
واتَّفقُوا أيضًا على أنَّ للإمامِ أنْ يَجمعَ بين الضربِ والحَبسِ؛ لأنَّ التعزيرَ مَوقوفٌ إلى رأيِ الإمامِ، والمَقصودُ منه الردعُ والزجرُ، فإذا رَأى أنه لا يَرتدعُ بالضَّربِ حبَسَه أيضًا، فيَجوزُ له أنْ يَحبسَ العاصيَ بعدَ الضربِ فيَجمعَ بينَ حَبسِه وضَربِه؛ لأنه صَلحَ تَعزيرًا، وقد ورَدَ به الشرعُ في الجُملةِ حتى جازَ أنْ يَكتفيَ به، فجازَ أنْ يُضَمَّ إليه، ويجوزُ أنْ يَحبسَه في بيتِه وفي السِّجنِ حَسبَ ما يَراهُ الإمامُ، ولا يَزيدُ عن سَنةٍ عندَ الشافِعيةِ (١).
ثالِثًا: التَّوبيخُ واللَّومُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يَجوزُ التعزيرُ بالتوبيخِ واللومِ باللسانِ؛ لأنَّ ذلكَ يُفيدُ الردعَ والزجرِ عن الجَريمةِ، وأنْ يُنادَى عليه بذَنبِه.
قالَ الحَنفيةُ: يَجوزُ التعزيرُ بالكَلامِ العَنيفِ، وبالصَّفعِ على العُنقِ، وفَركِ الأُذنِ، وبنَظرِ القاضي له بوَجهٍ عَبوسٍ، وبشَتمٍ غيرِ القَذفِ (٢).
стр. 13878
وقالَ المالِكيةُ: التعزيرُ يكونُ بالحَبسِ والضربِ بالدُّرةِ والقَضيبِ والعصَا، وضَربِ القفَا بالأكُفِّ مُجردًا، واللومِ والتَّوبيخِ، وبالإقامةِ مِنْ المَجلسِ والمَحافلِ، وأنْ تُنزعَ عِمامتُه مِنْ على رأسِه.
ابنُ شاسٍ: كانوا يُعاقِبونَ الرَّجلَ على قَدرِه وقَدرِ جِنايتِه، منهُم مَنْ يُضرَبُ، ومنهم مِنْ يُحبَسُ، ومنهم مَنْ يُقامُ واقفًا على قَدميهِ في المَحافلِ، ومنهم مَنْ تُنزعُ عِمامتُه، ومنهم مَنْ يُحَلُّ إزارُه.
قالَ ابنُ عَرفةَ: وممَّا جرَى به عملٌ مِنْ أنواعِ التعزيرِ ضربُ القفَا مُجرَّدًا عن ساترٍ بالأكُفِّ.
وقالَ عِياضٌ: وحَلَفَ رَجلٌ بالطلاقِ في مَجلسِ سَحنُونٍ، فأمَرَ سَحنونٌ بصَفعِ قَفاهُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: يَجوزُ التَّعزيرُ بحَبسٍ ونَفيٍ أو ضَربٍ أو صَفعٍ بالكفِّ أو تَوبيخٍ باللسانِ وبالإعراضِ عنه، وللإمامِ أنْ يَقتصرَ على التوبيخِ إنْ رآهُ مَصلحةً، وله إشهارُه في الناسِ زِيادةً على النَّكالِ، وهذا مَحثوثٌ عليه في شَهادةِ الزُّورِ، فيُشهَّرُ على بابِ المَسجدِ وفي سُوقِه وقَبيلتِه، ويُنادَى عليه: «هذا شاهِدُ زُورٍ فاعرِفوهُ».
وله أنْ يُجرِّدَ المُعزَّرَ مِنْ ثيابِه ما سِوى العَورةَ.
ويَجوزُ تَسويدُ وَجهِه في أصَحِّ الوَجهينِ (٢).
стр. 13879
وقالَ الحَنابلةُ: يَجوزُ التعزيرُ بالتَّوبيخِ بالكَلامِ وبتَسويدِ وَجهِه وإقامتهِ مِنْ المَجلسِ وبالنَّيلِ مِنْ عِرضِه كقَولِ الحاكِمِ له: «يا ظالِمُ، يا مُعتَدي» حَسبَما يراهُ، وبالعزلِ عن الوِلايةِ، وأنْ يُنادَى عليه بذَنبِه ويُطافَ به مع ضَربِه، قالَ أحمَدُ في شاهِدِ الزُّورِ: فيه عن عُمرَ: «يُضربُ ظَهرُه ويُحلَقُ رأسُه ويُسخَّمُ وَجهُه ويُطافُ به ويُطالُ حَبسُه» (١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ﵀ في «الاختِيارَات»: إذا كانَ المَقصودُ دفْعَ الفسادِ ولم يَندفعْ إلا بالقَتلِ قُتلَ، وحِينئذٍ فمَن تكرَّرَ منه جِنسُ الفَسادِ ولم يَرتدعْ بالحُدودِ المقدَّرةِ بل استَمرَّ على الفَسادِ؛ فهو كالصائلِ الذي لا يَندفعُ إلا بالقَتلِ، فيُقتلُ (٢).
رابِعًا: الصَّفعُ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه يَجوزُ التعزيرُ بالصَّفعِ، وهو الضَّربُ بمَجمعِ الكَفِّ على القفَا والعُنقِ.
стр. 13880
وذكَرَ أبو اليُسرِ والسَّرخسيُّ مِنْ الحَنفيةِ أنه لا يُباحُ التعزيرُ بالصفعِ وهو الضربُ على القَفا؛ لأنه مِنْ أعلَى ما يكونُ مِنْ الاستِخفافِ، فيُصانُ عنه أهلُ الغَفلةِ (١).
خامِسًا: النَّفيُ:
نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه يَجوزُ التعزيرُ بالنفيِ والإبعادِ -والخُروجِ مِنْ الحارةِ وبَيعِ مِلكِه عليه كأهلِ الفُسوقِ المُضرِّينَ بالجيرانِ كما يقولُ المالِكيةُ- فيمَن تَعدَّتْ ذُنوبُه إلى اجتذابِ غيرِه إليها واستِضرارِه بها؛ لأنه ﷺ نفَى المُخنَّثَ، ونفَى عمرُ ﵁ نصرَ بنَ الحجَّاجِ مِنْ المَدينةِ ومِن وَطنِه إلى البَصرةِ لمَّا سَمعَ تَشبيبَ النساءِ به وتَشبُّهَه بهنَّ، وكانَ أولًا قد أمَرَ بأخذِ شَعرِه ليُزيلَ جَمالَه الذي كانَ يَفتنُ به النِّساءَ، فلمَّا رآهُ بعد ذلكَ مِنْ أحسَنِ الناسِ وَجنتينِ غمَّه ذلك، فنفاهُ إلى البَصرةِ، فهذا لم يَصدرْ منه ذَنبٌ ولا فاحِشةٌ يُعاقَبُ عليها، لكنْ كانَ في النساءِ مَنْ يُفتَنُ به، فأمَرَ بإزالةِ جَمالِه الفاتنِ، فإنَّ انتِقالَه عن وَطنِه ممَّا يُضعِفُ همَّتَه وبدَنَه ويعلمُ أنه مُعاقَبٌ، وهذا مِنْ بابِ التفريقِ بينَ الذينِ يُخافُ عليهم الفاحِشةُ والعِشقُ قبلَ وُقوعِه، وليسَ مِنْ بابِ المُعاقَبةِ، وقد كانَ عُمرُ يَنفي في الخمرِ إلى خيبَرَ زِيادةً في عُقوبةِ شاربِها.
стр. 13881
قالَ الماوَرديُّ ﵀: واختُلفَ في غايةِ نفيِه وإبعادِه، فظاهِرُ مَذهبِ الشافعيِّ: أنه يُقدَّرُ الأكثَرُ بما دُونَ السَّنةِ ولو بيَومٍ؛ لئلا يَصيرَ مُساوِيًا لتَغريبِ السَّنةِ في الزنا، وظاهرُ مَذهبِ مالكٍ: أنه يَجوزُ أنْ يُزادَ فيه على السَّنةِ بما يَرى أسبابَ الاستِقامةِ (١).
سادِسًا: التَّعزيرُ بأخذِ المالِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التعزيرِ بالمالِ، هل يجوزُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ التعزيرُ بالمالِ.
قالَ الحَنفيةُ في المَذهبِ: لا يَجوزُ التعزيرُ بأخذِ المالِ.
ورُويَ عن أبي يُوسفَ أنَّ التعزيرَ مِنْ السُّلطانِ بأخذِ المالِ جائزٌ إنْ رَأى القاضي ذلكَ أو الوالي جازَ، ومِن جُملةِ ذلكَ رَجلٌ لا يَحضرُ الجَماعةَ يَجوزُ تَعزيرُه بأخذِ المالِ.
ومعنَى التعزيرِ بأخذِ المالِ على القَولِ به إمساكُ شَيءٍ مِنْ مالِه عنهُ مُدةً ليَنزجرَ ثم يُعيدُه الحاكمُ إليه، لا أنْ يَأخذَه الحاكمُ لنَفسِه أو لبيتِ المالِ كما يَتوهَّمُه الظلَمةُ؛ إذ لا يَجوزُ لأحدٍ مِنْ المُسلمينَ أخذُ مالِ أحدٍ بغيرِ سَببٍ شرعيٍّ.
стр. 13882
وفي «المُجتبَى» لم يذكرْ كَيفية الأخذِ، وأرَى أنْ يَأخذَها فيُمسِكَها؛ فإنْ أَيِسَ مِنْ توبتِه يَصرفُها إلى ما يرَى.
وفي «شَرح الآثارِ»: التعزيرُ بالمالِ كانَ في ابتِداءِ الإسلامِ ثم نُسخَ. اه
والحاصِلُ أنَّ المَذهبَ عَدمُ التعزيرِ بأخذِ المالِ (١).
وقالَ الدُّسوقيُّ المالِكيُّ ﵀: لا يَجوزُ التعزيرُ بأخذِ المالِ إجماعًا، وما رُويَ عن الإمامِ أبي يُوسفَ صاحبِ أبي حَنيفةَ مِنْ أنه جوَّزَ للسلطانِ التعزيرَ بأخذِ المالِ فمَعناهُ كما قالَ البزَّازيُّ مِنْ أئمَّةِ الحَنفيةِ أنْ يُمسِكَ المالَ عندَه مُدةً ليَنزجرَ ثم يُعيدَه إليه، لا أنه يَأخذُه لنَفسِه أو لبيتِ المالِ كما يَتوهَّمُه الظلَمةُ؛ إذ لا يَجوزُ أخذُ مالِ مُسلمٍ بغيرِ سَببٍ شَرعيٍّ، أي كشِراءٍ أو هِبةٍ (٢).
وجاءَ في «حاشِية عُميرةَ»: ولا يَجوزُ على الجَديدِ بأخذِ المالِ (٣)، أي: التَّعزيرُ بأخذِ المالِ.
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يَحرمُ تَعزيرٌ بأخذِ مالٍ أو إتلافِه؛ لأنَّ الشرعَ لم يَرِدْ بشيءٍ مِنْ ذلكَ عمَّن يُقتدَى به، ولأنَّ الواجِبَ أدَبُه، والأدبُ لا يكونُ بالإتلافِ (٤).
стр. 13883
وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ -كما تَقدَّمَ- والشافِعيةُ في القَديمِ والحَنابلةُ في قَولٍ وهو اختِيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القيمِ إلى أنه يَجوزُ التعزيرُ بالمالِ.
قالَ الإمامُ عليُّ بنُ خَليلٍ الطَّرابلسيُّ الحَنفيُّ ﵀: (مَسألةٌ): يَجوزُ التعزيرُ بأخذِ المالِ، وهو مَذهبُ أبي يُوسفَ، وبه قالَ مالكٌ، ومَن قالَ: «إنَّ العَقوبةَ الماليةَ مَنسوخةٌ» فقدْ غَلطَ على مَذاهبِ الأئمَّةِ نَقلًا واستِدلالًا، وليسَ بسَهلٍ دعوَى نَسخِها.
وفِعلُ الخُلفاءِ الراشِدينَ وأكابرِ الصحابةِ لها بعدَ موتِه ﷺ مُبطِلٌ لدَعوى نَسخِها، والمُدَّعونَ للنسخِ ليسَ معهُم سُنةٌ ولا إجماعٌ يُصحِّحُ دَعواهُم، إلا أنْ يقولَ أحَدُهم: «مَذهبُ أصحابِنا لا يُجوِّزُ»، فمَذهبُ أصحابِه عندَه عَياءٌ على القَبولِ والردِّ (١).
وحكَى الإمامُ ابنُ فَرحونٍ اليَعمُريُّ المالِكيُّ أنَّ المالِكيةَ يُجوِّزونَ التعزيرَ بالمالِ، فقالَ ﵀: والتعزيرُ بالمالِ قالَ به المالِكيةُ فيه، ولهم تَفصيلٌ ذكَرتُ منه في كِتابِ الحِسبةِ طرَفًا، فمِن ذلكَ: سُئلَ مالكٌ عن اللَّبنِ المَغشوشِ أيُهراقُ؟ قالَ: لا، ولكنْ أرَى أنْ يُتصدقَ به إذا كانَ هو الذي غَشَّه، وقالَ في الزَّعفرانِ والمِسكِ المَغشوشِ مثلَ ذلكَ، قَليلًا أو كَثيرًا، وخالَفَه ابنُ القاسِمِ في الكَثيرِ وقالَ: يُباعُ المِسكُ والزَّعفرانِ على مَنْ لا يُغَشُّ به ويُتصدقُ بالثمنِ أدبًا للغاشِّ (٢).
стр. 13884
وقالَ الإمامُ الدَّميريُّ الشافِعيُّ ﵀: وفي القَديمِ: يجوزُ التعزيرُ بالمالِ (١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: والتعزيرُ بالمالِ سائغٌ إتلافًا وأخذًا، وهو جارٍ على أصلِ أحمَدَ؛ لأنه لم يَختلفْ أصحابُه أنَّ العُقوباتِ في الأموالِ غيرُ مَنسوخةٍ كلَّها، وقولُ الشيخِ أبي مُحمدٍ المَقدسيِّ: «ولا يَجوزُ أخذُ مالِ المُعزَّرِ» فإشارةٌ منه إلى ما يَفعلُه الوُلاةُ الظلَمةُ (٢).
وممَّا احتَجَّ به مَنْ أجازَ التعزيرَ بالمالِ قولُ النبيِّ ﷺ : «في كُلِّ سائِمةِ إبِلٍ في أربَعينَ بِنتُ لَبونٍ، ولا يُفرَّقُ إبِلٌ عن حِسابِها، مَنْ أعطَاها مُؤتَجِرًا -قالَ ابنُ العَلاءِ (راوِي الحَديثِ): مُؤتَجِرًا بها- فله أجْرُها، ومَن منَعَها فإنَّا آخِذُوها وشَطْرَ مالِه عَزْمةً مِنْ عَزَماتِ رَبِّنا ليسَ لآلِ مُحمدٍ منها شيءٌ» (٣).
قالَ الحافِظُ شَمسُ الدِّينِ ابنُ القيِّمِ ﵀ في «حاشِية ابنِ القيِّمِ على سُننِ أبي داودَ»: قولُه: «فإنَّا آخِذُوها وشَطْرَ مالِه» أكثَرُ العلماءِ على أنَّ الغُلولَ في الصَّدقةِ والغَنيمةِ لا يُوجبُ غَرامةً في المالِ، وقالوا: كانَ هذا في أولِ الإسلامِ ثم نُسخَ.
واستَدلَّ الشافِعيُّ على نَسخِه بحَديثِ البراءِ بنِ عازِبٍ فيما أفسَدَتْ ناقتُه، فلم يُنقلْ عن النبيِّ ﷺ أنه أضعَفَ الغُرمَ، بل نُقلَ فيها حُكمُه بالضَّمانِ فقطْ.
стр. 13885
وقالَ بعضُهم: يُشبهُ أنْ يكونَ هذا على سَبيلِ التوعُّدِ؛ ليَنتهيَ فاعلُ ذلكَ.
وقالَ بعضُهم: «إنَّ الحقَ يُستوفَى منه غيرَ مَتروكٍ عليه وإنْ تَلفَ شَطرُ مالِه، كرَجلٍ كانَ له ألفُ شاةٍ فتَلفَتْ حتى لم يبْقَ له إلا عِشرونَ، فإنه يُؤخذُ منه عَشرُ شياهٍ لصَدقةِ الألفِ وهو شَطرُ مالِه الباقي أو نِصفُه» وهو بعيدٌ؛ لأنه لم يَقلْ: إنَّا آخِذُوا شطْرَ مالِه.
وقالَ إبراهيمُ الحَربيُّ: «إنما هو: وشَطْر مالِه»، أي جَعلُ مالِه شَطرينِ ويَتخيَّرُ عليه المُصدقُ فيَأخذُ الصَّدقةَ مِنْ خيرِ النِّصفينِ عَقوبةً لمَنعِه الزكاةَ، فأما ما لا يَلزمُه فلا.
قالَ الخطَّابيُّ: ولا أعرفُ هذا الوجهَ. هذا آخِرُ كلامِه.
وقالَ بظاهرِ الحَديثِ الأوزاعيُّ والإمامُ أحمَدُ وإسحاقُ بنُ راهويهِ على ما فُصِّلَ عنهم، وقالَ الشافعيُّ في القَديمِ: مَنْ منَعَ زكاةَ مالِه أُخذَتْ منه وأُخذَ شَطرُ مالِه عُقوبةً على منعِه، واستَدلَّ بهذا الحَديثِ، وقالَ في الجَديدِ: لا يُؤخذُ منه إلا الزكاةُ لا غيرُ، وجعَلَ هذا الحَديثَ مَنسوخًا وقالَ: كانَ ذلكَ حينَ كانَتِ العُقوباتِ في المالِ ثم نُسخَتْ. هذا آخِرُ كلامِه.
ومَن قالَ: «إنْ بهزَ بنَ حَكيمٍ ثقةٌ» احتاجَ إلى الاعتذارِ عن هذا الحَديثِ بما تقدَّمَ، فأما مَنْ قالَ: «لا يُحتجُّ بحَديثِه» فلا يَحتاجُ إلى شَيءٍ مِنْ ذلكَ، وقد قالَ الشافعيُ في بهزٍ: «ليسَ بحُجةٍ»، فيَحتملُ أنْ يكونَ ظهَرَ له ذلكَ منه بعدَ اعتذارِه عن الحَديثِ أو أجابَ عنه على تَقديرِ الصِّحةِ، وقالَ أبو حاتمٍ الرازيُّ في بهزِ بن حَكيمٍ: هو شَيخٌ يُكتبُ حَديثُه ولا يُحتجُّ به، وقالَ البُستيُّ: كان يُخطِئُ كثيرًا.
стр. 13886
فأما الإمامُ أحمَدُ وإسحاقُ فَهمُا يَحتجَّانِ به ويَرويانِ عنه، وترَكَه جَماعةٌ مِنْ أئمَّتِنا، ولولا حَديثُه: «فإنَّا آخِذُوها وشَطْرَ مالِه عَزْمةً مِنْ عَزَماتِ رَبِّنا» لَأدخَلْناهُ في الثقاتِ، وهو ممَّن استُخيرَ اللهُ فيه فجعَلَ روايتَه لهذا الحَديثِ مانعةً مِنْ إدخالِه في الثِّقاتِ. تمَّ كَلامُه.
وقد قالَ عليُّ بنُ المَديني: حَديثُ بهزِ بنِ حكيمٍ عن أبيه عن جَدِّه صَحيحٌ.
وقالَ الإمامُ أحمَدُ: بهزُ بنُ حكيمٍ عن أبيه عن جَدَّه صَحيحٌ، وليسَ لمَن رَدَّ هذا الحديثَ حُجةٌ، ودعوَى نَسخِه دَعوى باطلةٌ؛ إذ هي دَعوى ما لا دَليلَ عليه.
وفي ثُبوتِ شَرعيةِ العُقوباتِ الماليةِ عدَّةُ أحاديثَ عن النبيِّ ﷺ لم يَثبتْ نَسخُها بحُجةٍ، وعَمِلَ بها الخُلفاءُ بعدَه، وأما مُعارَضتُه بحَديثِ البَراءِ في قصةِ ناقتِه ففي غايةِ الضَّعفِ؛ فإنَّ العُقوبةَ إنما تسوغُ إذا كانَ المُعاقَبُ مُتعدِّيًا بمنعِ واجبٍ أو ارتكابِ مَحظورٍ، وأما ما تَولَّدَ مِنْ غيرِ جِنايتِه وقَصدِه فلا يُسوِّغُ أحدٌ عُقوبتَه عليه، وقولُ مَنْ حمَلَ ذلك على سَبيلِ الوَعيدِ دونَ الحَقيقةِ في غايةِ الفَسادِ يُنزَّهُ عن مثلِه كلامُ النبيِّ ﷺ ، وقولُ مَنْ حمَلَه على أخذِ الشطرِ الباقي بعدَ التلفِ باطِلٌ؛ لشدَّةِ مُنافَرتِه وبُعدِه عن مَفهومِ الكلامِ، ولقَولِه: «فإنَّا آخِذُوها وشَطْرَ مالِه».
وقولُ الحَربيِّ: «إنه وشَطرُ بوَزنِ شُغل» في غايةِ الفَسادِ ولا يَعرفُه أحدٌ مِنْ أهلِ الحَديثِ، بل هو مِنْ التَّصحيفِ، وقولُ ابنِ حبَّانَ: «لولا حَديثُه هذا
стр. 13887
لَأدخَلْناهُ في الثِّقاتِ» كلامٌ ساقِطٌ جِدًّا؛ فإنه إذا لم يَكنْ لضَعفِه سَببٌ إلا روايتَه هذا الحَديثَ وهذا الحَديثُ إنما رُدَّ لضَعفِه كانَ هذا دَورًا باطِلًا، وليسَ في رِوايتِه لهذا ما يُوجِبُ ضعْفَه؛ فإنه لم يُخالِفْ فيه الثقاتِ.
وهذا نَظيرُ رَدِّ مَنْ رَدَّ حديثَ عبدِ الملكِ بنِ أبي سُليمانَ بحَديثِ جابرٍ في شُفعةِ الجِوارِ، وضعَّفَه بكَونِه روَى هذا الحديثَ، وهذا غيرُ مُوجِبٍ للضَّعفِ بحالٍ، واللهُ أعلَمُ (١).
التَّعزيرُ بقَطعِ طَرفٍ أو كَسرِ عَظمٍ:
نَصَّ عامةُ الفُقهاءِ على أنه لا يَجوزُ التَّعزيرُ بقَطعِ طَرفٍ ولا جَرحِه، ولا تَعمُّدِ كَسرِ عَظمٍ وإتلافِ عُضوٍ (٢).
التَّعزيرُ بحَلقِ الشَّعرِ واللِّحيةِ:
نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه لا يَجوزُ التعزيرُ بحَلقِ اللحيةِ.
قالَ الشافِعيةُ: يَجوزُ التعزيرِ بحَلقِ رأسٍ لمَن يَكرهُه، ولا يَجوزُ بحَلقِ لِحيةٍ وإنْ قُلنَا بالأصَحِّ أنه يُكرَهُ حَلقُها لنَفسِه مِنْ نَفسِه، وحَلقُ رأسِ المَرأةِ كاللِّحيةِ (٣).
стр. 13888
وقالَ الحَنابلةُ: يَحرمُ التعزيرُ بحَلقِ لِحيتِه؛ لِما فيه مِنْ المُثلةِ (١).
وهذا مُقتضَى كَلامِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ، إلا أنني لم أَقفْ لهم على قَولٍ.
سُقوطُ التَّعزيرِ بالتَّوبةِ:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الإنسانَ إذا فعَلَ مَعصيةً للهِ تعالَى ثم جاءَ تائبًا إلى اللهِ فإنه لا يُعزَّرُ؛ لِما رواهُ ابنُ مَسعودٍ ﵁ «أنَّ رَجلًا أصابَ مِنْ امرَأةٍ قُبلةً، فأتَى النبيَّ ﷺ فأخبَرَه، فأنزَلَ اللهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فقال الرَّجلُ: يا رَسولَ اللهِ ألِيَ هذا؟ قالَ: لجَميعِ أمَّتِي كُلِّهم» (٢).
وفي رِوايةٍ لمُسلمٍ: «أنَّ رَجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فذكَرَ أنهُ أصابَ مِنْ امرَأةٍ إمَّا قُبلةً أو مَسًّا بيَدٍ أو شَيئًا دُونَ الفاحِشةِ» (٣).
والمُرادُ بالمَسِّ الجِماعُ، ومعناهُ: استَمتعتُ بها بالقُبلةِ والمُعانَقةِ وغيرِهما مِنْ جَميعِ أنواعِ الاستِمتاعِ إلا الجَماعَ (٤).
وعن عائِشةَ ﵂ أنها قالَتْ: «جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: احتَرَقتُ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لِمَ؟ قالَ: وَطِئتُ امرَأتي في رَمضانَ نهارًا، قالَ: تَصدَّقْ تَصدَّقْ، قالَ: ما عِندي شيءٌ، فأمَرَهُ
стр. 13889
أنْ يَجلسَ، فَجاءَهُ عَرَقانِ فيهما طَعامٌ، فأمَرَهُ رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يَتصدَّقَ بهِ» (١).
وقالَ الإمامُ البُخاريُّ ﵀: بَاب مَنْ أصابَ ذَنبًا دونَ الحَدِّ فأخبَرَ الإمامَ فلا عُقوبةَ عليه بعدَ التوبةِ إذا جاءَ مُستفتِيًا، قالَ عطاءٌ: لمْ يُعاقِبْه النبيُّ ﷺ ، وقالَ ابنُ جُريجٍ: ولم يُعاقِبِ الذي جامَعَ في رَمضانَ، ولم يُعاقِبْ عُمرُ صاحِبَ الظَّبيِ، وفيه عن أبي عُثمانَ عن ابنِ مَسعودٍ عن النبيِّ ﷺ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ أنه مَنْ أصابَ ذنبًا فيه حَدٌّ أنه لا تَرفعُه التوبةُ، ولا يَجوزُ للإمامِ العفوُ عنه إذا بلَغَه، ومِن التوبةِ عندَهم أنْ يطهرَ ويكفرَ بالحدِّ، إلا الشافِعيَّ ذكَرَ عنه ابنُ المُنذِرِ أنه قالَ: إذا تابَ قبلَ أنْ يُقامَ عليهِ الحَدُّ سقَطَ عنه.
فأما مَنْ أصابَ ذَنبًا دونَ الحدِّ ثم جاءَ تائبًا فتَوبتُه تُسقطُ عنه العُقوبةَ، وليسَ للسُّلطانِ الاعتِراضُ عليه، بل يُؤكِّدُ بصيرتَه في التوبةِ ويأمرُه بها ليَنتشرَ ذلكَ فيَتوبَ المُذنبُ، ألَا ترَى أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا فَهِمَ من المُواقِعِ أهلَه في رَمضانَ الندمَ على فِعلِه مِنْ صُورةِ فزَعِه وقولِه: «احتَرقْتُ» لم يُعاقِبْه النبيُّ ﷺ ولا أنَّبَه، بل أعطاهُ ما يُكفِّرُ به، وأما حَديثُ أبي عُثمانَ عن ابنِ مَسعودٍ الذي أشارَ إليه البُخاريُّ ولم يَذكرْه فهو أبيَنُ شيءٍ في هذا البابِ (٣).
стр. 13890
وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينيُّ ﵀: ولا عُقوبةَ عليه بعدَ التوبةِ، يعني: يَسقطُ عنه ما أصابَ مِنْ الذُّنوبِ الذي لا حَدَّ له، وليسَ للإمامِ الاعتِراضُ عليهِ، بل يُؤكِّدُ بَصيرتَه في التوبةِ ويأمرُه بها ليَنتشرَ ذلكَ فيَتوبَ المُذنبُ (١).
وهذا إذا كانَتِ المَعصيةُ في حُقوقِ اللهِ، أما في حُقوقِ العَبدِ فلا يَجوزُ إلا بإسقاطِ مَنْ له الحَقُّ.
قالَ المالِكيةُ: التعزيرُ المُتمحِّضُ لحَقِّ اللهِ تعالَى يَسقطُ عن مُستحِقِّه إذا جاءَ تائبًا، بخِلافِ التعزيرِ لحَقِّ الآدَميِّ؛ فإنه لا يَسقطُ بذلكَ إلا إذا عَفى صاحِبُ الحقِّ عنه (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: للإمامِ إقامةُ التَّعزيرِ إذا رآهُ، وله تَركُه إنْ جاءَ تائبًا مُعتَرِفًا يَظهرُ منه النَّدمُ والإقلاعُ؛ لِما رَوى ابن مَسعودٍ ﵁: «أنَّ رَجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: إني لَقيتُ امرأةً فأصَبتُ منها ما دونَ أنْ أطَأَها، فقالَ: أصَلَّيتَ معَنا؟ قالَ نعمْ، فتَلا عليهِ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]» (٣).
وإنْ كانَ لحَقِّ آدَميٍّ فطَلبَه لَزمَه إجابتُه، ولا يَسقطُ إلا بعَفوِ صاحبِ الحَقِّ (٤).
стр. 13891
وقالَ الشافِعيةُ: التعزيرُ غيرُ واجِبٍ، بل هو مُباحٌ، ويَجوزُ للإمامِ تركُه إذا كانَ لحَقِّ اللهِ ولم يَتعلقْ به حَقُّ آدَميٍّ، فإنْ تَعلقَ به وجَبَ، وقيلَ: يَجوزُ تركُه سَواءٌ كانَ لحَقِّ اللهِ تعالَى أو لآدَميٍّ (١).
ما يُخالِفُ فيه التَّعزيرُ الحَدَّ:
يُخالِفُ التَّعزيرُ الحَدَّ مِنْ ثَلاثةِ وُجوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التعزيرَ يَختلفُ باختِلافِ الناسِ، فتَعزيرُ ذَوِي الهَيئاتِ أخَفُّ، ويَستوونَ في الحَدِّ.
والثاني: أنَّ التعزيرَ تَجوزُ الشَّفاعةُ فيه والعفوُ، بل يُستحبَّانِ، والحَدُّ لا يَجوزُ الشفاعةُ فيه.
والثالِثُ: التالِفُ بالتعزيرِ مَضمونٌ عندَ الشافِعيةِ خِلافًا للجُمهورِ إذا لم يَتعدَّ في التَّعزيرِ، والتالِفُ بالحَدِّ غيرُ مَضمونٍ بالإجماعِ، وقد تَقدَّمَ بالتَّفصيلِ (٢).
стр. 13892
كتاب الشهادة
تَعريفُ الشَّهادةِ:
الشَّهاداتُ: جَمعُ شَهادةٍ، والشَّهادةُ مَصدَرُ شهِدَ يَشهَدُ شَهادةً، فهو شاهِدٌ.
قالَ الجَوهَريُّ: الشَّهادةُ: خَبَرٌ قاطِعٌ، والمُشاهَدةُ: المُعايَنةُ، والشَّهادةُ: تَحمُّلُ الشَّهادةِ وأَداؤُها، بمَعنى المَشهودِ به، فهو مَصدَرٌ بمَعنى المَفعولِ، فالشَّهادةُ تُطلَقُ على التَّحمُّلِ، تَقولُ: شهِدتُ، بمَعنى: تَحمَّلتُ، وعلى الأَداءِ تَقولُ: شهِدتُ عندَ الحاكِمِ بشَهادةٍ، أي: أدَّيتُها، وعلى المَشهودِ به تَقولُ: تَحمَّلتُ شَهادةً، بمَعنى المَشهودِ به (١).
الشَّهادةُ اصطِلاحًا:
الشَّهادةُ في اصطِلاحِ الفُقهاءِ يُقصَدُ بها: الإِخبارُ بحَقٍّ للغيرِ على
стр. 13893
الغيرِ، فكلُّ مَنْ أخبَرَ بحَقٍّ لغيرِه على غيرِه فهو شاهِدٌ، وأمَّا من أخبَرَ بحَقٍّ عليه لغيرِه فهو إِقرارٌ، ومَن أخبَرَ بحَقٍّ له على غيرِه فهي دَعْوى.
قالَ الحَنفيةُ: الشَّهادةُ عِبارةٌ عن إِخبارٍ بحَقٍّ للغيرِ على آخَرَ، ناشِئٍ عن يَقينٍ لا عن حُسبانٍ وتَخمينٍ مَشروطٍ في مَجلِسِ القَضاءِ، وفي لَفظِ الشَّهادةِ.
وقيلَ: هي الإِخبارُ عن كَونِ ما في يَدِ غيرِه لغيرِه، فكلُّ مَنْ أخبَرَ بأنَّ ما في يَدِ غيرِه لغيرِه فهو شاهِدٌ (١).
وقالَ المالِكيةُ: الشَّهادةُ إِخبارُ عَدلٍ حاكِمًا بما علِمَ -لا عن ظَنٍّ وشَكٍّ-ولو بأمرٍ عامٍّ ليَحكُمَ بمُقتَضاه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: الشَّهادةُ: إِخبارُ الشَّخصِ بحَقٍّ على غيرِه بلَفظٍ خاصٍّ بأنْ تَكونَ عندَ قاضٍ بشَرطِه (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: الشَّهادةُ هي الإِخبارُ بما علِمَه الشاهِدُ بلَفظٍ خاصٍّ، ك: «شهِدتُ أو أشهَدُ» (٤).
وقالَ ابنُ عَباسٍ: «سُئلَ النَّبيُّ ﷺ عن الشَّهادةِ، فقالَ: هل تَرى الشَّمسَ؟ فقالَ: نَعَمْ، قالَ: على مِثلِها فاشهَدْ، أو دَعْ» (١).
وعن أَبي وائِلٍ قالَ: قالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ ﵁: مَنْ حلَفَ على يَمينٍ يَستحِقُّ بها مالًا وهو فيها فاجِرٌ لَقيَ اللهَ وهو عليه غَضبانُ، فأنزَلَ اللهُ تَصديقَ ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فقرَأَ إلى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧]، ثم إنَّ الأشعَثَ بنَ قَيسٍ خرَجَ إلينا فقالَ: ما يُحدِّثُكم أَبو عبدِ الرَّحمنِ؟ قالَ: فحَدَّثناه، قالَ: فقالَ: صدَقَ، لفِيَّ واللهِ أُنزِلَت، كانَت بَيني وبينَ رَجلٍ خُصومةٌ في بِئرٍ فاختَصَمنا إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «شاهِداكَ أو يَمينُه»، قُلتُ: إنَّه إذًا يَحلِفُ ولا يُبالي، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ يَستحِقُّ بها مالًا هو فيها فاجِرٌ لَقيَ اللهَ وهو عليه غَضبانُ»، فأنزَلَ اللهُ تَصديقَ ذلك ثم اقتَرَأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ (٢).
стр. 13896
والشاهِدُ على مَشروعيةِ الشَّهادةِ قَولُه ﷺ : «شاهِداكَ أو يَمينُه»؛ فإنَّه خيَّرَه بينَ الشَّهادةِ وبينَ اليَمينِ.
وأمَّا الإِجماعُ:
فقالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ ﵀: لا خِلافَ بينَ الأُمةِ في تَعلُّقِ الحُكمِ بالشَّهادةِ (١).
وقالَ الإِمامُ الدَّميريُّ ﵀: ولا خِلافَ بينَ المُسلِمينَ فيها (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والأَصلُ في الشَّهاداتِ الكِتابُ والسُّنةُ والإِجماعُ (٣).
وقالَ الإِمامُ الزَّركَشيُّ ﵀: ولا نِزاعَ في مَشروعيةِ الشَّهادةِ والإِشهادِ (٤).
وأمَّا المَعقولُ:
فلأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى الشَّهادةِ لحُصولِ التَّجاحُدِ بينَ الناسِ، فوجَبَ الرُّجوعُ إليها لإِحياءِ حُقوقِ الناسِ وصَونِ العُقودِ عن التَّجاحُدِ، ولحِفظِ الأَموالِ على أَربابِها.
قالَ شُريحٌ: «القَضاءُ جَمرٌ، فنَحِّه عنكَ بعُودَينِ، يَعني: الشاهِدَينِ، وإنَّما الخَصمُ داءٌ والشُّهودُ شِفاءٌ فأفرِغِ الشِّفاءَ على الداءِ» (٥).
стр. 13897
حُكمُ أَداءِ الشَّهادةِ:
يَختلِفُ الحُكمُ في أَداءِ الشَّهادةِ بينَ أنْ يَكونَ حَقًّا للآدَميِّ وبينَ أنْ يَكونَ حَقًّا للهِ تَعالى.
أولاً: أَداءُ الشَّهادةِ وتَحمُّلُها في حُقوقِ الآدَميِّ:
اتَّفَق أهلُ العِلمِ على أنَّ تَحمُّلَ الشَّهادةِ -إنِ احتِيجَ إليه بأنْ خِيفَ ضَياعُ الحَقِّ من مالٍ أو غيرِه أو فيما يَحتاجُ إلى شَهادةٍ، كعَقدِ النِّكاحِ، وإلى أَدائِها في حُقوقِ الآدَميِّ- فَرضٌ كِفائيٌّ فيَلزمُ الشُّهودَ أَداؤُها ولا يَسعُهم كِتمانُها إذا طلَبَهم المُدَّعي لمَا فيه من تَضييعِ الحُقوقِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَولهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وإنَّما خَصَّ القَلبَ بالإِثمِ؛ لأنَّه مَوضعُ العِلمِ بها، ولأنَّ الشَّهادةَ أَمانةٌ فلزِمَ أَداؤُها كسائِرِ الأَماناتِ.
ولأنَّه إِضاعةٌ لحُقوقِ الناسِ فيَحرُمُ الامتِناعُ، إلا أنْ يَقومَ الحَقُّ بغيرِه؛ بأنْ يَكونَ هناك سِواه مَنْ يَقومُ الحَقُّ به، فيَجوزُ له الامتِناعُ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَضيعُ بامتِناعِه، ولأنَّها فَرضُ كِفايةٍ.
إذا ثبَتَ هذا فإنْ دُعيَ إلى تَحمُّلِ شَهادةٍ في نِكاحٍ أو دَينٍ أو غير ذلك لزِمَته الإِجابةُ، وإنْ كانَت عندَه شَهادةٌ فدُعيَ إلى أَدائِها لزِمَه ذلك، فإنْ قامَ بالفَرضِ في التَّحمُّلِ أو الأَداءِ اثنانِ سقَطَ عن الجَميعِ، وإنِ امتنَعَ الكُلُّ أثِموا.
стр. 13898
وإنَّما يأثَمُ المُمتنِعُ إذا لم يَكنْ عليه ضَررٌ في تَحمُّلِها أو أَدائِها، وكانَت شَهادتُه تَنفعُ، فإنْ كانَ عليه ضَررٌ في التَّحملِ أو الأَداءِ أو كانَ ممَّن لا تُقبلُ شَهادتُه أو يَحتاجُ إلى التَّبذُّلِ في التَّزكيةِ ونَحوِها لم يَلزَمْه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا ضَررَ ولا ضِرارَ» ولأنَّه لا يَلزمُه أنْ يَضرَّ نَفسَه لنَفعِ غيرِه، وإذا كانَ ممَّن لا تُقبلُ شَهادتُه لم يَجِبْ عليه؛ لأنَّ مَقصودَ الشَّهادةِ لا يَحصُلُ منه.
وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ، إلا أنَّ الشافِعيةَ والحَنابِلةَ اختَلَفوا فيما لو وُجدَ غيرُه ممَّن يَقومُ مَقامَه وامتنَعَ هو هل يأثَمُ أو لا؟ على وَجهَينِ:
أَحدُهما: يأثَمُ؛ لأنَّه قد تعيَّنَ بدُعائِه إليها، ولأنَّه مَنهيٌّ عن الامتِناعِ بقَولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولأنَّه إذا امتنَعَ فربَّما امتنَعَ غيرُه، فيُؤدِّيَ إلى الإِضرارِ بالمَشهودِ له.
والثانِي: لا يأثَمُ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ غيرَه يَقومُ مَقامَه فلم يَتعيَّنْ في حَقِّه كما لو لم يُدْعَ إليها.
وما لا تُشتَرطُ فيه الشَّهادةُ من العُقودِ كالبَيعِ والرَّهنِ والإِجارةِ وغيرِ ذلك من العُقودِ غيرِ النِّكاحِ -والرَّجعةِ على قَولٍ عندَ الشافِعيةِ- لا يَجبُ عليه أَداءُ الشَّهادةِ، ولا تَحمُّلُها في هذه العُقودِ التي لا تَحتاجُ إليها، ولكنْ يُستحَبُّ (١).
стр. 13899
ثانيًا: أَداءُ الشَّهادةِ في حُقوقِ اللهِ تَعالى:
اختَلفَ الفُقهاءُ في تَحمُّلِ الشَّهادةِ وأَدائِها في حُقوقِ اللهِ تَعالى، هل هي فَرضٌ كِفائيٌّ؟ أو جائِزٌ للإِنسانِ أنْ يَتحمَّلَها وجائِزٌ أنْ يَتركَها؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الشَّهادةَ في الحُدودِ كحَدِّ الزِّنا وحَدِّ الخَمرِ يُخيَّرُ فيها الشاهِدُ بينَ السَّتْرِ والإِظهارِ؛ لأنَّه بينَ حِسبتَينِ: إِقامةِ الحَدِّ والتَّوقِّي عن الهَتكِ؛ فإنْ ستَرَ فقد أحسَنَ، وإنْ أظهَرَ فقد أظهَرَ حَقًّا للهِ تَعالى، فلذلك خُيِّر فيها.
والسَّتْرُ أفضَلُ؛ لحَديثِ: «ومَن ستَرَ مُسلمًا ستَرَه اللهُ في الدُّنيا والآخِرةِ» (١)، ولأنَّ الإِظهارَ حَقٌّ للهِ تَعالى وهو غَنيٌّ عنه، ولأنَّ السَّتْرَ تَركُ كَشفِ الآدَميِّ وهو مُحتاجٌ إليه فكانَ أوْلى.
ولأنَّ حُقوقَ اللهِ مَبنيةٌ على المُسامَحةِ، ولا ضرَرَ في تَركِها على أحدٍ، والسَّتْرُ مَأمورٌ به، ولذلك اعتُبِرَ في الزِّنا أربَعةُ رِجالٍ وشُدِّدَ فيه على الشُّهودِ ما لم يُشدَّدْ على غيرِهم طلَبًا للسَّتْرِ.
إلا أنَّه يَجبُ أنْ يَشهدَ بالمالِ في السَّرقةِ؛ لأنَّ المالَ حَقُّ الآدَميِّ، فلا يَسعُه كِتمانُه.
стр. 13900
فيَقولُ: «أخَذَ»، ولا يَقولُ: «سرَقَ»؛ لأنَّ قَولَه: «أخَذَ» يُوجِبُ الضَّمانَ، ولأنَّ قَولَه: «سرَقَ» يُوجِبُ القَطعَ، وقد نُدبَ إلى السَّتْرِ فيما يُوجِبُ القَطعَ، وتَجبُ عليه الشَّهادةُ فيما يُوجِبُ الضَّمانَ، ولأنَّ في قَولِه: «أخَذَ» إِحياءً لحَقِّ المَسروقِ منه (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ تَحمُّلَ الشَّهادةِ في حُقوقِ اللهِ تَعالى فَرضُ كِفايةٍ (٢).
أخْذُ أُجرةٍ على تَحمُّلِ الشَّهادةِ وأَدائِها:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجوزُ أَخذُ الأُجرةِ على أَداءِ الشَّهادةِ ولا على تَحمُّلِها إذا لم يَكنْ عليه ضَررٌ بالأَداءِ والتَّحمُّلِ؛ فإنْ كانَ عليه ضَررٌ وتَعيَّنت عليه جازَ أَخذُ أُجرةِ مَركوبٍ، وكذا أَخذُ نَفقةٍ عند بعضِهم.
قالَ الحَنفيةُ: ليسَ للشاهِدِ أنْ يَطلُبَ أُجرةً على شَهادتِه من المَشهودِ له، فإذا طلَبَ الشاهِدُ أُجرةً فلا تُقبلُ شَهادتُه (٣).
وقالَ المالِكيةُ: الشاهِدُ إذا كانَ على مَسافةِ بريدَينِ فما دونَ ذلك وتعيَّنَ عليه الأَداءُ فإنَّه إذا انتفَعَ بشَيءٍ من المَشهودِ له على أَداءِ شَهادتِه يَكونُ ذلك