والشاهِدُ على مَشروعيةِ الشَّهادةِ قَولُه ﷺ : «شاهِداكَ أو يَمينُه»؛ فإنَّه خيَّرَه بينَ الشَّهادةِ وبينَ اليَمينِ.
وأمَّا الإِجماعُ:
فقالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ ﵀: لا خِلافَ بينَ الأُمةِ في تَعلُّقِ الحُكمِ بالشَّهادةِ (١).
وقالَ الإِمامُ الدَّميريُّ ﵀: ولا خِلافَ بينَ المُسلِمينَ فيها (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والأَصلُ في الشَّهاداتِ الكِتابُ والسُّنةُ والإِجماعُ (٣).
وقالَ الإِمامُ الزَّركَشيُّ ﵀: ولا نِزاعَ في مَشروعيةِ الشَّهادةِ والإِشهادِ (٤).
وأمَّا المَعقولُ:
فلأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى الشَّهادةِ لحُصولِ التَّجاحُدِ بينَ الناسِ، فوجَبَ الرُّجوعُ إليها لإِحياءِ حُقوقِ الناسِ وصَونِ العُقودِ عن التَّجاحُدِ، ولحِفظِ الأَموالِ على أَربابِها.
قالَ شُريحٌ: «القَضاءُ جَمرٌ، فنَحِّه عنكَ بعُودَينِ، يَعني: الشاهِدَينِ، وإنَّما الخَصمُ داءٌ والشُّهودُ شِفاءٌ فأفرِغِ الشِّفاءَ على الداءِ» (٥).
стр. 13897
حُكمُ أَداءِ الشَّهادةِ:
يَختلِفُ الحُكمُ في أَداءِ الشَّهادةِ بينَ أنْ يَكونَ حَقًّا للآدَميِّ وبينَ أنْ يَكونَ حَقًّا للهِ تَعالى.
أولاً: أَداءُ الشَّهادةِ وتَحمُّلُها في حُقوقِ الآدَميِّ:
اتَّفَق أهلُ العِلمِ على أنَّ تَحمُّلَ الشَّهادةِ -إنِ احتِيجَ إليه بأنْ خِيفَ ضَياعُ الحَقِّ من مالٍ أو غيرِه أو فيما يَحتاجُ إلى شَهادةٍ، كعَقدِ النِّكاحِ، وإلى أَدائِها في حُقوقِ الآدَميِّ- فَرضٌ كِفائيٌّ فيَلزمُ الشُّهودَ أَداؤُها ولا يَسعُهم كِتمانُها إذا طلَبَهم المُدَّعي لمَا فيه من تَضييعِ الحُقوقِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَولهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وإنَّما خَصَّ القَلبَ بالإِثمِ؛ لأنَّه مَوضعُ العِلمِ بها، ولأنَّ الشَّهادةَ أَمانةٌ فلزِمَ أَداؤُها كسائِرِ الأَماناتِ.
ولأنَّه إِضاعةٌ لحُقوقِ الناسِ فيَحرُمُ الامتِناعُ، إلا أنْ يَقومَ الحَقُّ بغيرِه؛ بأنْ يَكونَ هناك سِواه مَنْ يَقومُ الحَقُّ به، فيَجوزُ له الامتِناعُ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَضيعُ بامتِناعِه، ولأنَّها فَرضُ كِفايةٍ.
إذا ثبَتَ هذا فإنْ دُعيَ إلى تَحمُّلِ شَهادةٍ في نِكاحٍ أو دَينٍ أو غير ذلك لزِمَته الإِجابةُ، وإنْ كانَت عندَه شَهادةٌ فدُعيَ إلى أَدائِها لزِمَه ذلك، فإنْ قامَ بالفَرضِ في التَّحمُّلِ أو الأَداءِ اثنانِ سقَطَ عن الجَميعِ، وإنِ امتنَعَ الكُلُّ أثِموا.
стр. 13898
وإنَّما يأثَمُ المُمتنِعُ إذا لم يَكنْ عليه ضَررٌ في تَحمُّلِها أو أَدائِها، وكانَت شَهادتُه تَنفعُ، فإنْ كانَ عليه ضَررٌ في التَّحملِ أو الأَداءِ أو كانَ ممَّن لا تُقبلُ شَهادتُه أو يَحتاجُ إلى التَّبذُّلِ في التَّزكيةِ ونَحوِها لم يَلزَمْه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا ضَررَ ولا ضِرارَ» ولأنَّه لا يَلزمُه أنْ يَضرَّ نَفسَه لنَفعِ غيرِه، وإذا كانَ ممَّن لا تُقبلُ شَهادتُه لم يَجِبْ عليه؛ لأنَّ مَقصودَ الشَّهادةِ لا يَحصُلُ منه.
وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ، إلا أنَّ الشافِعيةَ والحَنابِلةَ اختَلَفوا فيما لو وُجدَ غيرُه ممَّن يَقومُ مَقامَه وامتنَعَ هو هل يأثَمُ أو لا؟ على وَجهَينِ:
أَحدُهما: يأثَمُ؛ لأنَّه قد تعيَّنَ بدُعائِه إليها، ولأنَّه مَنهيٌّ عن الامتِناعِ بقَولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولأنَّه إذا امتنَعَ فربَّما امتنَعَ غيرُه، فيُؤدِّيَ إلى الإِضرارِ بالمَشهودِ له.
والثانِي: لا يأثَمُ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ غيرَه يَقومُ مَقامَه فلم يَتعيَّنْ في حَقِّه كما لو لم يُدْعَ إليها.
وما لا تُشتَرطُ فيه الشَّهادةُ من العُقودِ كالبَيعِ والرَّهنِ والإِجارةِ وغيرِ ذلك من العُقودِ غيرِ النِّكاحِ -والرَّجعةِ على قَولٍ عندَ الشافِعيةِ- لا يَجبُ عليه أَداءُ الشَّهادةِ، ولا تَحمُّلُها في هذه العُقودِ التي لا تَحتاجُ إليها، ولكنْ يُستحَبُّ (١).
стр. 13899
ثانيًا: أَداءُ الشَّهادةِ في حُقوقِ اللهِ تَعالى:
اختَلفَ الفُقهاءُ في تَحمُّلِ الشَّهادةِ وأَدائِها في حُقوقِ اللهِ تَعالى، هل هي فَرضٌ كِفائيٌّ؟ أو جائِزٌ للإِنسانِ أنْ يَتحمَّلَها وجائِزٌ أنْ يَتركَها؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الشَّهادةَ في الحُدودِ كحَدِّ الزِّنا وحَدِّ الخَمرِ يُخيَّرُ فيها الشاهِدُ بينَ السَّتْرِ والإِظهارِ؛ لأنَّه بينَ حِسبتَينِ: إِقامةِ الحَدِّ والتَّوقِّي عن الهَتكِ؛ فإنْ ستَرَ فقد أحسَنَ، وإنْ أظهَرَ فقد أظهَرَ حَقًّا للهِ تَعالى، فلذلك خُيِّر فيها.
والسَّتْرُ أفضَلُ؛ لحَديثِ: «ومَن ستَرَ مُسلمًا ستَرَه اللهُ في الدُّنيا والآخِرةِ» (١)، ولأنَّ الإِظهارَ حَقٌّ للهِ تَعالى وهو غَنيٌّ عنه، ولأنَّ السَّتْرَ تَركُ كَشفِ الآدَميِّ وهو مُحتاجٌ إليه فكانَ أوْلى.
ولأنَّ حُقوقَ اللهِ مَبنيةٌ على المُسامَحةِ، ولا ضرَرَ في تَركِها على أحدٍ، والسَّتْرُ مَأمورٌ به، ولذلك اعتُبِرَ في الزِّنا أربَعةُ رِجالٍ وشُدِّدَ فيه على الشُّهودِ ما لم يُشدَّدْ على غيرِهم طلَبًا للسَّتْرِ.
إلا أنَّه يَجبُ أنْ يَشهدَ بالمالِ في السَّرقةِ؛ لأنَّ المالَ حَقُّ الآدَميِّ، فلا يَسعُه كِتمانُه.
стр. 13900
فيَقولُ: «أخَذَ»، ولا يَقولُ: «سرَقَ»؛ لأنَّ قَولَه: «أخَذَ» يُوجِبُ الضَّمانَ، ولأنَّ قَولَه: «سرَقَ» يُوجِبُ القَطعَ، وقد نُدبَ إلى السَّتْرِ فيما يُوجِبُ القَطعَ، وتَجبُ عليه الشَّهادةُ فيما يُوجِبُ الضَّمانَ، ولأنَّ في قَولِه: «أخَذَ» إِحياءً لحَقِّ المَسروقِ منه (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ تَحمُّلَ الشَّهادةِ في حُقوقِ اللهِ تَعالى فَرضُ كِفايةٍ (٢).
أخْذُ أُجرةٍ على تَحمُّلِ الشَّهادةِ وأَدائِها:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجوزُ أَخذُ الأُجرةِ على أَداءِ الشَّهادةِ ولا على تَحمُّلِها إذا لم يَكنْ عليه ضَررٌ بالأَداءِ والتَّحمُّلِ؛ فإنْ كانَ عليه ضَررٌ وتَعيَّنت عليه جازَ أَخذُ أُجرةِ مَركوبٍ، وكذا أَخذُ نَفقةٍ عند بعضِهم.
قالَ الحَنفيةُ: ليسَ للشاهِدِ أنْ يَطلُبَ أُجرةً على شَهادتِه من المَشهودِ له، فإذا طلَبَ الشاهِدُ أُجرةً فلا تُقبلُ شَهادتُه (٣).
وقالَ المالِكيةُ: الشاهِدُ إذا كانَ على مَسافةِ بريدَينِ فما دونَ ذلك وتعيَّنَ عليه الأَداءُ فإنَّه إذا انتفَعَ بشَيءٍ من المَشهودِ له على أَداءِ شَهادتِه يَكونُ ذلك
стр. 13901
رَشوةً قادِحةً في عَدالتِه؛ لأنَّه أخَذَ أجرًا على أَداءِ واجِبٍ عليه فهو بمَنزلةِ مَنْ أخَذَ أَجرًا على الصَّلاةِ وهو لا يَجوزُ.
أمَّا إنْ لم يَمتنِعْ ودفَعَ له المَشهودُ له شَيئًا من غيرِ طَلبٍ أو لم تَكنْ له دابَّةٌ وتَعسَّر عليه المَشيُ إلى مَحلِّ أَداءِ الشَّهادةِ فليسَ بجَرحٍ ويَجوزُ له في الثانيةِ أنْ يَنتفِعَ من المَشهودِ له بدابَّةٍ يَركَبُها إلى مَحلِّ أَداءِ الشَّهادةِ؛ لأنَّه حينَئذٍ قد سقَطَ عنه أَداؤُها، ولا يَكونُ ذلك قادِحًا في شَهادتِه.
أمَّا إذا كانَ الشاهِدُ بينَه وبينَ أَداءِ الشَّهادةِ مَسافةُ القَصرِ؛ فإنَّه لا يَلزمُه حينَئذٍ أنْ يَسيرَ إلى مَحلِّ أَداءِ الشَّهادةِ، بل يُؤدِّيها عندَ القاضِي الذي هو في بَلدِه، ويَكتُبُ بها إلى ذلك القاضِي الذي على مَسافةِ القَصرِ، ويَجوزُ للشاهِدِ حينَئذٍ أنْ يَنتفعَ من المَشهودِ له بدابَّةٍ يَركبُها إلى مَحلِّ أَداءِ الشَّهادةِ، وبنَفقةٍ له ولأهلِ بَيتِه مُدةَ ذَهابِه وإِيابِه من غيرِ تَحديدٍ؛ لأنَّه أخْذٌ عن شَيءٍ لا يَجبُ عليه (١).
والأَصلُ عندَ الشافِعيةِ أنَّه إنْ تعيَّنَ عليه فَرضُ تَحمُّلِ الشَّهادةِ أو أَدائِها لم يَجزْ له أنْ يَأخذَ على ذلك أُجرةً؛ لأنَّه فَرضٌ تَوجَّه عليه، فلا يَجوزُ أنْ يَأخذَ عليه أُجرةً، كالصَّلاةِ، فإنْ لم يَتعيَّنْ عليه فهل يَجوزُ له أنْ يَأخذَ عليه أُجرةً؟ فيه وَجهانِ:
أَحدُهما: يَجوزُ؛ لأنَّه وَثيقةٌ بالحَقِّ ولم يَتعيَّنْ عليه، فجازَ له أَخذُ الأُجرةِ عليها، ككِتابةِ الوَثيقةِ.
стр. 13902
والثانِي: لا يَجوزُ له ذلك؛ لأنَّ التُّهمةَ تَلحَقُه بأخْذِ العِوضِ (١).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ليسَ للشاهِدِ أَخذُ رِزقٍ لتَحمُّلِ الشَّهادةِ من الإِمامِ أو أحدِ الرَّعيةِ. وأمَّا أخْذُه من بَيتِ المالِ فهو كالقاضي، وتقدَّمَ تَفصيلُه، وإنْ قالَ ابنُ المَقَّريِّ: ليسَ له الأخْذُ مُطلَقًا، وقالَ غيرُه: له ذلك بلا تَفصيلٍ، وله بكلِّ حالٍ أَخذُ أُجرةٍ من المَشهودِ له على التَّحملِ، وإنْ تَعيَّنَ عليه إنْ دُعيَ له؛ فإنْ تحمَّلَ بمَكانِه فلا أُجرةَ له.
وليسَ له أَخذُ أُجرةٍ للأَداءِ، وإنْ لم يَتعيَّنْ عليه؛ لأنَّه فَرضٌ عليه، فلا يَستحِقُّ عِوضًا، ولأنَّه كَلامٌ يَسيرٌ لا أُجرةَ لمِثلِه.
وفارَقَ التَّحمُّلَ بأنَّ الأخْذَ للأَداءِ يُورِثُ تُهمةً قَويةً معَ أنَّ زَمنَه يَسيرٌ ولا تَفوتُ به مَنفعةٌ مُتقوَّمةٌ، بخِلافِ زَمنِ التَّحمُّلِ إلا إنْ دُعيَ من مَسافةِ عَدوَى فأكثَرَ فله نَفقةُ الطَّريقِ وأُجرةُ المَركوبِ، وإنْ لم يَركَبْ. نَعمْ لمَن في البَلدِ أَخذُ الأُجرةِ إنِ احتاجَ إليها، وله صَرفُ ما يُعطيه له المَشهودُ له إلى غيرِ النَّفقةِ والأُجرةِ، وكذا مَنْ أعطَى فَقيرًا شَيئًا ليَكسوَ به نَفسَه، فللفَقيرِ أنْ يَصرِفَه لغيرِ الكِسوةِ، ثم إنْ مَشى الشاهِدُ من بَلدٍ إلى بَلدٍ معَ قُدرتِه على الرُّكوبِ، قد تَنخرِمُ المُروءةُ فيَظهرُ امتِناعُه فيمَن هذا شأنُه، قالَه الإِسنَويُّ. قالَ الأذرَعيُّ: لا يَتقيَّدُ ذلك ببلدَينِ، بل قد يأتي في البَلدِ الواحِدِ، فيُعدُّ ذلك خَرمًا للمُروءةِ إلا أنْ تَدعوَ الحاجةُ إليه، أو يَفعلَه تَواضُعًا (٢).
стр. 13903
وقالَ الحَنابِلةُ: يَحرُمُ أَخذُ أُجرةٍ وجُعلٍ على تَحمُّلِ الشَّهادةِ وأَدائِها، ولو لم تَتعيَّنُ عليه؛ لأنَّ فَرضَ الكِفايةِ إذا قامَ به بَعضٌ وقَعَ منه فَرضًا، ولا يَجوزُ أَخذُ الجُعلِ عليه كصَلاةِ جِنازةٍ.
لكنْ إنْ عجَزَ الشاهِدُ عن المَشيِ أو تأذَّى به فله أَخذُ أُجرةِ مَركوبٍ من رَبِّ الشَّهادةِ، كالشاهِدِ في أخْذِ أُجرةٍ وجُعلِ مُزَكٍّ ومُعرِّفٍ ومُتَرجِمٍ ومُفتٍ ومُقيمِ حَدٍّ ومُقيمِ قَوَدٍ وحافِظِ مالِ بَيتِ المالِ ومُحتسِبٍ والخَليفةِ (١).
стр. 13904
شُروطُ مَنْ تُقبلُ شَهادتُه:
اشتَرطَ الفُقهاءُ شُروطًا فيمَن تُقبلُ شَهادتُه عندَ الحاكِمِ، وبَعضُ هذه الشُّروطِ لا بدَّ من تَوافُرِها في جَميعِ أَنواعِ الشَّهاداتِ، وبَعضُها يَجوزُ في نَوعٍ من الشَّهاداتِ دونَ بَعضٍ، كالذُّكورةِ مَثلًا، فتَجوزُ شَهادةُ النِّساءِ في الأَموالِ وما ليسَ بحَدٍّ، وأمَّا في جَميعِ الحُدودِ فلا تَصحُّ، وبَيانُ هذه الشُّروطِ فيما يَلي:
الشَّرطُ الأولُ: الإِسلامُ:
الأَصلُ في الشاهِدِ أنْ يَكونَ مُسلمًا لا كافِرًا، وشَهادةُ الكافِرِ لا تَخلو من حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَشهدَ على مُسلمٍ:
وهذه الحالةُ على ضَربَينِ:
الضَّربُ الأولُ: أنْ يَشهدَ على مُسلمٍ في غيرِ الوَصيةِ:
اتَّفَق أهلُ العِلمِ على أنَّه يُشتَرطُ في الشاهِدِ أنْ يَكونَ مُسلمًا إذا كانَ سيَشهَدُ على مُسلِمٍ في غيرِ الوَصيةِ فلا تَصحُّ شَهادةُ كافِرٍ على مُسلمٍ بالإِجماعِ في غيرِ الوَصيةِ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والكافِرُ ليسَ بعَدلٍ وليسَ مِنَّا، ولأنَّه أفسَقُ الفُسَّاقِ ويَكذِبُ على اللهِ تَعالى، فلا يُؤمَنُ الكَذبُ منه على خَلقِه، ولأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والكافِرُ ليسَ ممَّن نَرضى من الشُّهداءِ؛ لأنَّه
стр. 13905
ليسَ منَّا ولا مِنْ رِجالِنا، ولأنَّه إذا لم تُقبَلْ شَهادةُ الفُساقِ من المُسلِمينَ فأحرى ألَّا تَجوزَ شَهادةُ الكُفارِ على أحدٍ (١).
قالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ شهادَتَهم لا تُقبَلُ على مُسلمٍ (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الإِسلامُ فاتَّفَقوا على أنَّه شَرطٌ في القَبولِ، وأنَّه لا تَجوزُ شَهادةُ الكافِرِ (٣).
وقالَ الدَّميريُّ ﵀: الكافِرُ لا تَجوزُ شهادَتُه على المُسلمِ بإِجماعٍ (٤).
الضَّربُ الثانِي: أنْ يَشهَدَ على مُسلمٍ في الوَصيةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في شَهادةِ الكافِرِ إذا شهِدَ بوَصيةِ المُسافرِ الذي ماتَ في سَفرِه هل تُقبلُ أو لا؟
فذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا شهِدَ بوَصيةِ المُسافِرِ الذي ماتَ في سَفرِه شاهِدانِ من أهلِ الذِّمةِ قُبلَت شهادَتُهما إذا لم يُوجَدْ غيرُهما من المُسلِمينَ
стр. 13906
ويُستَحلَفانِ بعدَ العَصرِ ما خانا ولا كتَما ولا اشتَرَيا به ثَمنًا ولو كانَ ذا قْربى، ولا نَكتُمُ شَهادةَ اللهِ إنَّا إذًا لمِن الآثِمينَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، هذا نَصُّ الكِتابِ وقد قَضى به رَسولُ اللهِ ﷺ وأَصحابُه فرَوى ابنُ عَباسٍ قالَ: «خرَجَ رَجلٌ من بَني سَهمٍ معَ تَميمٍ الداريِّ وعَديِّ بن بَدَّاءٍ فماتَ السَّهميُّ بأرضٍ ليسَ بها مُسلمٌ، فلمَّا قدِما بتَركتِه فقدوا جامًا من فِضةٍ مُخوَّصًا من ذَهبٍ فأحلَفَهما رَسولُ اللهِ ﷺ ثم وُجدَ الجامُ بمَكةَ، فقالوا: ابتَعْناه من تَميمٍ وعَديٍّ، فقامَ رَجلانِ من أَوليائِه فحَلَفا ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] وإنَّ الجامَ لصاحِبِهما، قالَ: وفيهم نزَلَت هذه الآيةُ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] (١).
وعن الشَّعبيِّ «أنَّ رَجلًا من المُسلِمينَ حضَرَته الوَفاةُ بدَقُوقا ولم يَجدْ أحدًا من المُسلِمينَ يَشهَدُ على وَصيَّتِه فأشهَدَ رَجلَينِ من أهلِ الكِتابِ، فقدِما الكُوفةَ فأتَيا الأَشعَريَّ فأخبَراه وقدِما بتَرِكتِه ووَصيَّتِه فقالَ: الأَشعريُّ: هذا أمرٌ لم يَكنْ بعدَ الذي كانَ في عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فأحلَفَهما بعدَ العَصرِ ما خانا ولا كذَبا ولا بَدَّلا ولا كَتَما ولا غَيَّرا وإنَّها لَوَصيةُ الرَّجلِ وتَرِكتُه، فأمضى شَهادَتَهما» (٢).
стр. 13907
وحَملُ الآيةِ على أنَّه أَرادَ من غيرِ عَشيرَتِكم لا يَصحُّ؛ لأنَّ الآيةَ نزَلَت في قَضيةِ عَديٍّ وتَميمٍ بلا خِلافٍ بينَ المُفسِّرينَ وقد فسَّرَها بما قُلنا سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ والحَسَنُ وابنُ سِيرينَ وعُبَيدةُ وسَعيدُ بنُ جُبَيرٍ والشَّعبيُّ وسَلمانُ التَّيميُّ وغيرُهم، ودَلَّت عليه الأَحاديثُ التي رَويناها، ولأنَّه لو صحَّ ما ذَكَروه لم تَجِبِ الأَيمانُ؛ لأنَّ الشاهدَينِ من المُسلِمينَ لا قَسامةَ عليهم، ولأنَّ حَملَها على التَّحمُّلِ لا يَصحُّ؛ لأنَّه أمْرٌ بإِحلافِهم، ولا أَيمانَ في التَّحمُّلِ، ولأنَّ حَملَها على اليَمينِ لا يَصحُّ؛ لقَولِه : ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآيةَ، ولأنَّه عطَفَها على ذَوي العَدلِ من المُؤمِنينَ وهُما شاهِدانِ.
ورَوى أَبو عُبيدٍ في «الناسِخ والمَنسوخ» أنَّ ابنَ مَسعودٍ قَضى بذلك في زَمنِ عُثمانَ، قالَ أَحمدُ: أهلُ المَدينةِ ليسَ عندَهم حَديثُ أَبي موسى، فمِن أينَ يَعرِفونَه؟ فقد ثبَتَ هذا الحُكمُ بكِتابِ اللهِ وقَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ وقَضاءِ الصَّحابةِ به، وبعَملِهم بما ثبَتَ في الكِتابِ والسُّنةِ، فتعيَّنَ المَصيرُ إليه والعَملُ به سَواءٌ وافَقَ القياسَ أو خالَفَه (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ الكافرِ على المُسلمِ لا في سَفرٍ ولا في حَضرٍ، لا في وَصيةٍ ولا في غيرِها، وأنَّ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
стр. 13908
الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦] يُوجَدُ عنه جَوابانِ:
أَحدُهما: أنَّه مَنسوخٌ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
والثانِي: أنَّ المُرادَ من قوله : ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] أي: من غيرِ قَبيلتِكم، وهذا لأنَّ العَداوةَ بينَ القَبائلِ في الجاهِليةِ كانَت ظاهِرةً فبيَّنَ اللهُ تَعالى أنَّه لا مُعتبَرَ بها بعدَ الإِسلامِ، وأنَّ شَهادةَ بعضِهم على بَعضٍ مَقبولةٌ.
(ألَا تَرى) أنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] وذلك إنَّما يَكونُ في حَقِّ المُسلِمينَ الذين يُصلُّونَ، وقد صحَّ الحَديثُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تُقبلُ شَهادةُ أهلِ مِلةٍ على أهلِ مِلةٍ أُخرى إلا المُسلِمينَ؛ فإنَّ شَهادتَهم مَقبولةٌ على أهلِ المِللِ كلِّها» والمَعنى الذي لأجْلِه لا تُقبلُ شَهادتُهم علينا في سائِرِ الحُقوقِ انقِطاعُ وِلايتِهم عنَّا، وهذا المَعنى مَوجودٌ في الوَصيةِ، والمَعنى الذي لأجْلِه لا تُقبلُ شَهادتُهم على وَصيةِ المُسلمِ في غيرِ حالةِ السَّفرِ مَوجودٌ في حالةِ السَّفرِ (١).
стр. 13909
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَشهدَ الكُفارُ بَعضُهم على بعضٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ قَبولِ شَهادةِ أهلِ الكِتابِ بعضِهم على بَعضٍ هل تَجوزُ أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تَجوزُ شَهادةُ أهلِ الكِتابِ بعضِهم على بعضٍ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فمنَعَت هذه الآيةُ من قَبولِ شَهادتِهم من وَجهَينِ:
أَحدُهما: أنَّهم غيرُ عُدولٍ.
والثانِي: أنَّهم ليسوا مِنَّا.
وقالَ تَعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجر: ٦] والكافِرُ فاسِقٌ، فوجَبَ أنْ يُتثبَّتَ في خَبَرِه، والشَّهادةُ أغلَظُ من الخَبَرِ، فأوجَبَت التَّوقُّفَ عن شَهادتِه.
ولقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، نَفى اللهُ أنْ يَكونَ للكافِرينَ على المُؤمِنينَ سَبيلٌ، وفي قَبولِ شَهادةِ بَعضِهم على بعضٍ إِثباتُ السَّبيلِ للكافِرينَ على المُؤمِنينَ؛ لأنَّه يَجبُ على القاضِي القَضاءُ بشَهادتِهم وأنَّه مَنفيٌّ، ولأنَّ العَدالةَ شَرطُ قَبولِ الشَّهادةِ، ولأنَّ الفِسقَ مانِعٌ والكُفرَ رأسُ الفِسقِ، فكانَ أَولَى بالمَنعِ من القَبولِ.
ولمَا رَواه أَبو هُريرةَ مَرفوعًا: «لا تَجوزُ شَهادةُ مِلةٍ على مِلةٍ إلا شَهادةَ المُسلِمينَ؛ فإنَّها تَجوزُ على جَميعِ المِللِ» (١).
стр. 13910
ولأنَّ الفاسِقَ المُسلمَ أكمَلُ من الكافرِ العَدلِ، لصِحةِ العِباداتِ من الفاسِقِ، ولاستِحقاقِ المِيراثِ، وذلك لا يَصحُّ من الكافرِ، ولا يَستحِقُّ مِيراثَ مُسلمٍ، ثم كانَ الفِسقُ مانِعًا من قَبولِ الشَّهادةِ، فكانَ الكُفرُ أَولَى أنْ يَكونَ مانِعًا منها.
ويَتحرَّرُ لك من هذا الاستِدلالِ قِياسانِ:
أَحدُهما: أنَّ مَنْ لم تُقبَلْ شَهادتُه على المُسلمِ، لم تُقبَلْ شَهادتُه على غيرِ المُسلمِ كالفاسِقِ.
والثانِي: أنَّ مَنْ رُدَّت شَهادتُه بالفِسقِ رُدَّت شَهادتُه بالكُفرِ، كالشَّهادةِ على المُسلمِ، ولأنَّ الكَذبَ يَمنعُ من قَبولِ الشَّهادةِ، والكَذبُ على اللهِ تَعالى أعظَمُ من الكَذبِ على عِبادِه، ثم كانَت شَهادةُ مَنْ كذَبَ على الناسِ من المُسلِمينَ مَردودةً، والكافِرُ الكاذِبُ على اللهِ أَولَى أنْ تُردُّ شَهادتُه، وقد وصَفَ اللهُ تَعالى كَذِبَهم فقالَ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٥]، وقالَ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٣]. ويَتحرَّرُ من هذا الاستِدلالِ قِياسانِ:
أَحدُهما: أنَّ مَنْ كانَ مَوسومًا بالكَذبِ رُدَّت شَهادتُه، كالمُسلمِ.
والثانِي: أنَّ الكَذبَ إذا رُدَّت به شَهادةُ المُسلمِ، فأَولَى أنْ تُردَّ به شَهادةُ الكافِرِ، كالكَذبِ على الناسِ.
ولأنَّ نَقصَ الكُفرِ أغلَظُ من نَقصِ الرِّقِّ، لوَجهَينِ:
أَحدُهما: أنَّ نَقص الكُفرِ يَمنعُ من صِحةِ العِباداتِ، ولا يَمنعُ منها نَقصُ الرِّقِّ.
стр. 13911
والثانِي: أنَّ نَقصَ الكُفرِ يَمنعُ من قَبولِ الخَبَرِ، ولا يَمنعُ منه نَقصُ الرِّقِّ، ثم ثبَتَ باتِّفاقِنا واتَّفاقِ أَبي حَنيفةَ أنَّ نَقصَ الرِّقِّ يَمنعُ من قَبولِ الشَّهادةِ، فكانَ أَولَى أنْ يَمنعَ من قَبولِها نَقصُ الكُفرِ، ولهذه المَعاني منَعَ أَبو حَنيفةَ من قَبولِ شَهادةِ عَبدةِ الأَوثانِ اعتِبارًا بنَقصِ الكُفرِ، فكذلك أهلُ الكِتابِ.
ويَتحرَّرُ من هذا الاستِدلالِ قِياسانِ:
أَحدُهما: أنَّها شَهادةٌ يُمنعُ منها الرِّقُّ، فوجَبَ أنْ يُمنعَ منها الكُفرُ، قِياسًا على شَهادةِ الوَثنيِّ.
والثانِي: أنَّها شَهادةٌ يَمنعُ منها كُفرُ الوَثنيِّ، فوجَبَ أنْ يَمنعَ منها كُفرُ الكِتابيِّ كالشَّهادةِ على المُسلمِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ -وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القَيمِ- إلى أنَّه تُقبلُ شَهادةُ أهلِ الذِّمةِ بعضِهم على بعضٍ إذا كانوا عُدولًا في دِينِهم، وإنِ اختَلفَت مِللُهم، وهُم اليَهودُ والنَّصارى والمَجوسُ إذا ضُربَت عليهم الجِزيةُ وأُعطُوا الذِّمةَ، ولا تُقبلُ شَهادتُهم
стр. 13912
على المُسلمِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فقد تَضمَّنَت هذه الآيةُ الدِّلالةَ على جَوازِ شَهادةِ أهلِ الذِّمةِ بعضِهم على بعضٍ، وذلك لأنَّها قد اقتَضَت جَوازَ شَهاداتِهم على المُسلِمينَ، وهي على أهلِ الذِّمةِ أشَدُّ جَوازًا، فقد دَلَّت الآيةُ على جَوازِ شَهادتِهم على أهلِ الذِّمةِ في الوَصيةِ في السَّفرِ، ولمَّا نُسخَ منها جَوازُها على المُسلِمينَ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قَوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] بَقيَ بذلك جَوازُ شَهادةِ أهلِ الذِّمةِ عليهم، ونُسخَ بذلك قَولُه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] وبَقيَ حُكمُ دِلالَتِها في جَوازِها على أهلِ الذِّمةِ في الوَصيةِ في السَّفرِ، وإذا كانَ حُكمُها باقيًا في جَوازِها على أهلِ الذِّمةِ في الوَصيةِ في السَّفرِ، وفي مَنعِ جَوازِها على المُسلِمينَ اقتَضى ذلك جَوازَها عليهم في سائِرِ الحُقوقِ.
ولمَا رَواه جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أجازَ شَهادةَ أهلِ الكِتابِ بعضِهم على بعضٍ» (١).
ورَوى أَبو داودَ بإِسنادِه عن جابِرٍ قالَ: «جاءَت اليَهودُ برَجلٍ منهم وامرَأةٍ زَنَيا فقالَ النَّبيُّ ﷺ ائتُونِي بأعلَمِ رَجلَينِ منكم، فأتَوْه بابنَيْ
стр. 13913
صُورِيا فنَشَدَهما كيف تَجِدانِ أمرَ هذَينِ في التَّوراةِ؟ قالا: نَجدُ في التَّوراةِ: إذا شهِدَ أربَعةٌ أنَّهم رأَوْا ذكَرَه في فَرجِها مِثلَ المِيلِ في المُكحَلةِ رُجِما، قالَ: فما يَمنَعُكم أنْ تَرجُموهما؟ قالا: ذهَبَ سُلطانُنا وكرِهنا القَتلَ، فدَعا رَسولُ اللهِ ﷺ بالشُّهودِ، فجاؤُوا أربَعةٌ فشهِدوا أنَّهم رأَوْا ذكَرَه في فَرجِها مِثلَ المِيلِ في المُكحَلةِ فأمَرَ النَّبيُّ ﷺ برَجمِهما» (١).
فدَلَّ على قَبولِ شَهادةِ أهلِ الذِّمةِ، بعضِهم على بعضٍ؛ لأنَّ الزانيَينِ لم يُقِرَّا ولم يَشهَدْ عليهما المُسلِمونَ؛ فإنَّهم لم يَحضُروا زِناهما والنَّبيُّ ﷺ في هذه القِصةِ دَعا بالشُّهودِ فجاؤُوا أربَعةٌ فشهِدوا أنَّهم رأَوْا ذكَرَه في فَرجِها مِثلَ المِيلِ في المُكحَلةِ.
وفي بعضِ طُرقِ هذا الحَديثِ: فجاءَ أربَعةٌ منهم، وفي بعضِها: فقالَ لليَهودِ: «ائتُوني بأربَعةٍ منكم».
ولأنَّهم إذا قبِلوا عَقدَ الذِّمةِ؛ فإنَّ لهم ما للمُسلِمينَ وعليهم ما على المُسلِمينَ، وللمُسلمِ على المُسلمِ شَهادةٌ، فكذا للذِّميِّ على الذِّميِّ، فظاهِرُه يَقتَضي أنْ يَكونَ للذِّميِّ على المُسلمِ شَهادةٌ كالمُسلمِ إلا أنَّ ذلك صارَ مَخصوصًا من عُمومِ النَّصِّ.
ولأنَّ الحاجةَ مسَّت إلى صِيانةِ حُقوقِ أهلِ الذِّمةِ ولا تَحصلُ الصِّيانةُ إلا أنْ يَكونَ لبَعضِهم على بعضٍ شَهادةٌ، ولا شَكَّ أنَّ الحاجةَ إلى صِيانةِ حُقوقِهم ماسَّةٌ؛ لأنَّهم إنَّما قبِلوا عَقدَ الذِّمةِ لتَكونَ دِماؤُهم كدِمائِنا وأَموالُهم كأَموالِنا.
стр. 13914
والدَّليلُ على أنَّ الصيانةَ لا تَحصلُ إلا أنْ يَكونَ لبعضِهم على بعضٍ شَهادةٌ؛ لأنَّ هذه المُعاملاتِ تَكثُرُ فيما بينَهم، ولأنَّ المُسلِمينَ لا يَحضُرونَ مُعاقَداتِهم ليَتحَمَّلوا حَوادِثَهم، فلو لم يَكنْ لبعضِهم على بعضٍ شَهادةٌ لضاعَت حُقوقُهم عندَ الجُحودِ والإِنكارِ فدَعَت الحاجةُ إلى الصِّيانةِ بالشَّهادةِ.
ولأنَّ الكُفرَ لا يُنافي الوِلايةَ؛ لأنَّ الكافِرَ يَلي على أَطفالِه وعلى نِكاحِ بَناتِه، فكانَ أَولَى ألَّا يُمنعَ من الشَّهادةِ؛ لأنَّها أخَفُّ شُروطًا من الوِلايةِ. ولأنَّ مَنْ كانَ عَدلًا من أهلِ دِينِه قُبلَت شَهادتُه كالمُسلِمينَ.
ولأنَّه فِسقٌ على وَجهِ التأويلِ، فلم يَمنَعْ من قَبولِ الشَّهادةِ كأهلِ البَغيِ.
وعن عُمرَ وعلِيٍّ ﵄ في ذِميَّينِ دِينًا قالا: «يُدفَعانِ إلى أهلِ دِينِهما ليَحكُمَ بينَهما» ومِن ضَرورةِ جَوازِ حُكمِ بعضِهم على بعضٍ، والسَّلفُ ﵏ كانوا مُجمِعينَ على هذا حتى قالَ يَحيَى بنُ أكثَمَ ﵀: «تَتبَّعتُ أَقاويلَ السَّلفِ فلم أجِدْ أحَدًا منهم لم يُجوِّزْ شَهادةَ أهلِ الذِّمةِ بعضِهم على بعضٍ إلا أنِّي رأيتُ لرَبيعةَ فيه قَولَينِ».
والمَعنى فيه أنَّ الكافِرَ من أهلِ الوِلايةِ، فيَكونُ من أهلِ الشَّهادةِ كالمُسلمِ.
وبَيانُ الوَصفِ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، والمُرادُ منه الوِلايةُ دونَ المُوالاةِ؛ فإنَّه مَعطوفٌ على قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢].
стр. 13915
والدَّليلُ عليه أنَّها تَصحُّ الأنكِحةُ فيما بينَهم، ولا نِكاحَ إلا بوَليٍّ، والمُسلمُ إذا خطَبَ إلى كِتابيٍّ ابنَتَه الصَّغيرةَ فزوَّجَها به جازَ النِّكاحُ، ولأنَّ الكافرَ من أهلِ الوِلايةِ على نَفسِه ومالِه على الإِطلاقِ، فيَكونُ من أهلِ الوِلايةِ على غيرِه عندَ وُجودِ شَرطِ تَعدِّي وِلايتِه إلى الغيرِ، والشَّهادةُ نَوعُ وِلايةٍ، فإذا ثبَتَت الأَهليةُ للوِلايةِ ثبَتَت الأَهليةُ للشَهادةِ، ثم المَقبولُ تَرجُّحُ جانِبِ الصِّدقِ، وذلك في انزِجارِه عمَّا يَعتقِدُه حَرامًا في دِينِه، والكافرُ مُنزجِرٌ عن ذلك، فتُقبَلُ شَهادتُه، واسمُ العَدالةِ والرِّضاءِ ثبَتَ في حَقِّ الكافرِ في المُعامَلاتِ بصِفةِ الأَمانةِ، فقد وصَفَه اللهُ تَعالى بذلك في قوله : ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥]، ولا يُقالُ: إنَّهم أظهَروا الكُفرَ عِنادًا كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]؛ لأنَّ هذا كانَ في الأَحبارِ الذين كانوا على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ حتى تَواطَؤوا على كِتمانِ بَعثِ رَسولِ اللهِ ﷺ ونُبوَّتِه فلا شَهادةَ لأُولئك عندَنا، فأمَّا مَنْ سِواهم فيَعتَقِدونَ الكُفرَ؛ لأنَّ عندَهم أنَّ الحَقَّ ما هم عليه، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، وقالَ ٥: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وبهذا التَّحقيقِ يَتبيَّنُ أنَّ فِسقَهم فِسقُ اعتِقادٍ، وقد بَيَّنَّا أنَّ هذا لا يُمكِّنُ تُهمةَ الكَذبِ في الشَّهادةِ، وإنَّما لا تُقبلُ شَهادتُهم على المُسلِمينَ لانقِطاعِ وِلايتِهم عن المُسلِمينَ، وإنَّما لا تُقبلُ شَهادةُ العَبدِ والصَّبيِّ لانعِدامِ الأَهليةِ والوِلايةِ، وبه يَتبيَّنُ أنَّ أثَرَ الرِّقِّ فَوقَ تأثيرِ الكُفرِ في حُكمِ الوِلايةِ ثم هم يُعادونَ المُسلِمينَ بسَببٍ باطِلٍ فيَحمِلُهم ذلك على التَّقوِّي على المُسلِمينَ؛
стр. 13916
فلهذا لا تُقبلُ شَهادتُهم على المُسلِمينَ، وأمَّا المُرتدُّ فلا وِلايةَ له على أحَدٍ.
قالَ السَّرخَسيُّ ﵀: ومِن أَصحابِنا ﵏ مَنْ يَقولُ: في قَبولِ شَهادةِ بعضِهم على بعضٍ ضَرورةٌ، ولأنَّ المُسلِمينَ قَلَّما يَحضُرونَ مُعامَلاتِ أهلِ الذِّمةِ -خُصوصًا الأَنكِحةَ والوَصايا-، فلو لم تَجزْ شَهادةُ بَعضِهم على بَعضٍ في ذلك أدَّى إلى إِبطالِ حُقوقِهم، وقد أُمِرنا بمُراعاةِ حُقوقِهم ودَفعِ ظُلمِ بعضِهم عن بعضٍ؛ فلهذه الضَّرورةِ قبِلْنا شَهادةَ بعضِهم على بعضٍ كما قبِلنا شَهادةَ النِّساءِ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، ولا تَتحقَّقُ هذه الضَّرورةُ في شَهادَتِهم على المُسلِمينَ ولا في شَهادتِهم على شَهادةِ المُسلمِ أو على قَضاءِ قاضٍ مُسلمٍ (١).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وقد استدَلَّ مَنْ جوَّزَ شَهادةَ أهلِ الذِّمةِ بعضِهم على بعضٍ بهذه الآيةِ التى في سُورةِ المائِدةِ، وهي قَولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآيةَ، ثم قالَ مَنْ أخَذَ بظاهِرِ هذه الآيةِ من أهلِ الكُوفةِ: دَلَّت هذه الآيةُ على قَبولِ شَهادةِ أهلِ الذِّمةِ على المُسلِمينَ، فيَكونُ في ذلك تَنبيهٌ ودِلالةٌ على قَبولِ شَهادةِ بعضِهم على بعضٍ
стр. 13917
بطَريقِ الأَولَى، ثم نَسخُ الظاهِرِ لا يُوجِبُ نَسخَ الفَحوَى والتَّنبيهِ، وهذه الآيةُ هي الدَّليلُ في نُصوصِ الإِمامِ أَحمدَ وغيرِه من أئِمةِ الحَديثِ المُوافِقينَ للسَّلفِ في العَملِ بهذه الآيةِ وما يُوافِقُها من الحَديثِ أَوجَهُ وأقوَى؛ فإنَّ مَذهبَه قَبولُ شَهادةِ أهلِ الذِّمةِ على المُسلِمينَ في الوَصيةِ في السَّفرِ؛ لأنَّه مَوضعُ ضَرورةٍ، فإذا جازَت شَهادَتُهم لغيرِهم فعلى بعضِهم أشَدُّ جَوازًا.
ولهذا يَجوزُ في الشَّهادةِ للضَّرورةِ ما لا يَجوزُ في غيرِها كما تُقبلُ شَهادةُ النِّساءِ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ حتى نَصَّ أَحمدُ على قَبولِ شَهادَتَينِ في الحُدودِ التى تَكونُ في مَجامعِهنَّ الخاصةِ مِثلَ الحَماماتِ والعَرصاتِ ونَحوِ ذلك، فالكُفارُ الذين لا يَختلِطُ بهم المُسلِمونَ أَولَى أنْ تُقبَلَ شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ إذا حَكَمنا بينَهم واللهُ أمَرَنا أنْ نَحكُمَ بينَهم، والنَّبيُّ ﷺ رجَمَ الزانيَينِ من اليَهودِ من غيرِ سَماعِ إِقرارٍ منهما، ولا شَهادةِ مُسلمٍ عليهما، ولولا قَبولُ شَهادةِ بعضِهم على بعضٍ لم يَجزْ ذلك، واللهُ أعلَمُ (١).
الشَّرطُ الثانِي: الحُريةُ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ شَهادةَ العَبيدِ في الحُدودِ غيرُ جائِزةٍ، واختَلَفوا في غيرِ الحُدودِ هل تُقبلُ أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّها لا تُقبلُ مُطلَقًا؛ لقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ﴾
стр. 13918
[البقرة: ٢٨٢]، ثم عطَفَ عليه قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] دَلَّ ذلك على أنَّه يُشتَرطُ الحُريةُ، وذلك لمَا في فَحوَى الخِطابِ من الدِّلالةِ من وَجهَينِ، أَحدُهما قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قَولِه تَعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وذلك في الأَحرارِ دونَ العَبيدِ، والدَّليلُ عليه أنَّ العَبدَ لا يَملِكُ عُقودَ المُدايَناتِ، وإذا أقَرَّ بشَيءٍ لم يَجزْ إِقرارُه إلا بإِذنِ مَولاه، والخِطابُ إنَّما تَوجَّهَ إلى مَنْ يَملِكُ ذلك على الإِطلاقِ من غيرِ إِذنِ الغيرِ، فدَلَّ ذلك على أنَّ مِنْ شَرطِ هذه الشَّهادةِ الحُريةَ.
والمَعنى الآخَرُ من دِلالةِ الخِطابِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فظاهِرُ هذا اللَّفظِ يَقتَضي الأَحرارَ، كقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] يَعني الأَحرارَ، ألَا تَرى أنَّه عطَفَ عليه قَولَه تَعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فلم يَدخُلِ العَبيدُ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وفي ذلك دَليلٌ على أنَّ مِنْ شَرطِ هذه الشَّهادةِ الحُريةَ، وأنَّ شَهادةَ العَبدِ غيرُ جائِزةٍ؛ لأنَّ أوامِرَ اللهِ تَعالى على الوُجوبِ، وقد أمَرَ باستِشهادِ الأَحرارِ، فلا يَجوزُ غيرُهم، فغيرُ جائِزٍ لأحَدٍ إِسقاطُ شَرطِ الحُريةِ؛ لأنَّه لو جازَ ذلك لجازَ إِسقاطُ العَددِ، وفي ذلك دَليلٌ على أنَّ الآيةَ قد تضَمَّنت بُطلانَ شَهادةِ العَبيدِ (١).
стр. 13919
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ شَهادةَ العَبيدِ تُقبلُ في غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ.
قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ شَهادةَ العَبيدِ لا تَصحُّ على الإِطلاقِ إلا أَحمدَ؛ فإنَّه أجازَها فيما عَدا الحُدودَ والقِصاصَ على المَشهورِ من مَذهبِه (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الحُريةُ؛ فإنَّ جُمهورَ فُقهاءِ الأَمصارِ على اشتِراطِها في قَبولِ الشَّهادةِ، وقالَ أهلُ الظاهِرِ: تَجوزُ شَهادةُ العَبدِ؛ لأنَّ الأصلَ إنَّما هو اشتِراطُ العَدالةِ، والعُبوديةُ ليسَ لها تَأثيرٌ في الرَّدِّ إلا أنْ يَثبُتَ ذلك من كِتابِ اللهِ أو سُنةٍ أو إِجماعٍ، وكأنَّ الجُمهورَ رأَوْا أنَّ العُبوديةَ أثَرٌ من أثَرِ الكُفرِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ لها تأثيرٌ في رَدِّ الشَّهادةِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: وتَجوزُ شَهادةُ العَبدِ في كلِّ شَيءٍ إلا في الحُدودِ، وتَجوزُ شَهادةُ الأَمةِ فيما تَجوزُ فيه شَهادةُ النِّساءِ.
الكَلامُ في هذه المَسألةِ في فُصولٍ ثَلاثةٍ:
أَحدُها: في قَبولِ شَهادةِ العَبدِ فيما عَدا الحُدودَ والقِصاصَ، فالمَذهبُ أنَّها مَقبولةٌ، رُويَ ذلك عن علِيٍّ وأنَسٍ ﵄.
قالَ أنَسٌ: «ما علِمتُ أنَّ أحَدًا رَدَّ شَهادةَ العَبدِ» وبه قالَ عُروةُ وشُرَيحٌ وإِياسٌ وابنُ سِيرينَ والبَتِّيُّ وأَبو ثَورٍ وداودُ وابنُ المُنذرِ.
стр. 13920
وقالَ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ والحَسنُ ومالِكٌ والأَوزاعيُّ والثَّوريُّ وأَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَبو عُبَيدٍ: لا تُقبلُ شَهادتُه؛ لأنَّه غيرُ ذي مُروءةٍ، ولأنَّها مَبنيةٌ على الكَمالِ لا تَتبعَّضُ، فلم يَدخُلْ فيها العَبدُ، كالمِيراثِ.
وقالَ الشَّعبيُّ والنَّخعيُّ والحَكمُ: تُقبلُ في الشَّيءِ اليَسيرِ.
ولنا: عُمومُ آياتِ الشَّهادةِ وهو داخِلٌ فيها؛ فإنَّه مِنْ رِجالِنا، وهو عَدلٌ تُقبلُ رِوايتُه وفُتياه وأَخبارُه الدِّينيةُ.
ورَوى عُقبةُ بنُ الحارِثِ قالَ: تزوَّجتُ أُمَّ يَحيى بِنتَ أَبي إِهابٍ فجاءَت أَمةٌ سَوداءُ فقالَت: قد أرضَعتُكما، فذَكَرتُ ذلك لرَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: «وكيف وقد زعَمَتْ ذلك؟» مُتَّفقٌ عليه، وفي رِوايةِ أَبي داودَ: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّها لكاذِبةٌ، قالَ: «وما يُدريك وقد قالَت ما قالَت؟ دَعْها عنك»، ولأنَّه عَدلٌ غيرُ مُتَّهمٍ تُقبلُ شَهادتُه كالحُرِّ.
ولا نُسلِّمُ بأنَّه غيرُ ذي مُروءةٍ؛ فإنَّه كالحُرِّ يَنقسِمُ إلى مَنْ له مُروءةٌ ومَن لا مُروءةَ له، وقد يَكونُ منهم الأُمراءُ والعُلماءُ والصالِحونَ والأَتقياءُ.
سُئلَ إِياسُ بنُ مُعاويةَ عن شَهادةِ العَبيدِ فقالَ: أنا أرُدُّ شَهادةَ عبدِ العَزيزِ بنِ صُهَيبٍ، وكانَ منهم زِيادُ بنُ أَبي زيادٍ مَولى ابنِ عَباسٍ من العُلماءِ الزُّهادِ، وكانَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ يَرفَعُ قَدرَه ويُكرِمُه، ومنهم عِكرِمةُ مَولى ابنِ عَباسٍ، أحدُ العُلماءِ الثِّقاتِ، وكَثيرٌ من العُلماءِ المَوالي كانوا عَبيدًا أو أَبناءَ عَبيدٍ لم يَحدُثْ فيهم بالإِعتاقِ إلا الحُريةُ، والحُريةُ لا تُغيرُ طَبعًا ولا تُحدِثُ عِلمًا ولا مُروءةً، ولا يُقبلُ منهم إلا مَنْ كانَ ذا مُروءةٍ، ولا يَصحُّ
стр. 13921
قِياسُ الشَّهادةِ على المِيراثِ؛ فإنَّ المِيراثَ خِلافةٌ للمَوروثِ في مالِه وحُقوقِه، والعَبدُ لا تُمكِنُه الخِلافةُ؛ لأنَّ ما يَصيرُ إليه يَملِكُه سيِّدُه فلا يُمكِنُ أنْ يَخلُفَ فيه المِيراثَ، ولأنَّ المِيراثَ يَقتَضي التَّمليكَ، والعَبدُ لا يَملِكُ، ومَبنى الشَّهادةِ على العَدالةِ التي هي مَظِنةُ الصِّدقِ وحُصولِ الثِّقةِ من القَولِ، والعَبدُ أهلٌ لذلك، فوجَبَ أنْ تُقبلَ شَهادتُه.
الفَصلُ الثانِي: أنَّ شَهادتَه لا تُقبلُ في الحَدِّ، وفي القِصاصِ احتِمالانِ:
أَحدُهما: تُقبلُ شَهادتُه فيه؛ لأنَّه حَقُّ آدَميٍّ لا يَصحُّ الرُّجوعُ عن الإِقرارِ به فأشبَهَ الأَموالَ.
والثانِي: لا تُقبلُ؛ لأنَّه عُقوبةٌ بَدنيةٌ تُدرأُ بالشُّبهاتِ فأشبَهَ الحَدَّ، وذكَرَ الشَّريفُ وأَبو الخَطابِ في العُقوباتِ كلِّها من الحُدودِ والقِصاصِ رِوايتَينِ، إِحداهُما: تُقبلُ؛ لمَا ذكَرْنا، ولأنَّه رَجلٌ عَدلٌ فتُقبلُ شَهادتُه فيها كالحُرِّ.
والثانيةُ: لا تُقبلُ، وهو ظاهِرُ المَذهبِ؛ لأنَّ الاختِلافَ في قَبولِ شَهادتِه في الأَموالِ نَقصٌ وشُبهةٌ فلم تُقبَلْ شَهادتُه فيما يُدرأُ بالشُّبهاتِ، ولأنَّه ناقِصُ الحالِ فلم تُقبَلْ شَهادتُه في الحَدِّ والقِصاصِ كالمَرأةِ (١).
الشَّرطُ الثالِثُ: العَقلُ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يُشتَرطُ في الشاهِدِ أنْ يَكونَ عاقِلًا، فلا تُقبلُ شَهادةُ مَجنونٍ بالإِجماعِ؛ لأنَّه لا حُكمَ لقَولِه في شَيءٍ ما، ولأنَّه إذا لم تُقبَلْ شَهادتُه على نَفسِه فعلى غيرِه أَولَى.
стр. 13922
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه لا شَهادةَ للمَجنونِ في حالِ جُنونِه.
وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه من أهلِ العِلمِ على أنَّ الذي يُجَنُّ ويُفيقُ إذا شهِدَ في حالِ إِفاقتِه التي يَعقِلُ فيها فشَهادتُه مَقبولةٌ إنْ كانَ عَدلًا (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تُقبلُ شَهادةُ مَنْ ليسَ بعاقِلٍ إِجماعًا، قالَه ابنُ المُنذرِ.
وسَواءٌ ذهَبَ عَقلُه بجُنونٍ أو سُكرٍ أو طُفوليةٍ، وذلك لأنَّه ليسَ بمُحصِّلٍ، ولا تَحصُلُ الثِّقةُ بقَولِه، ولأنَّه لا يَأثمُ بكَذبِه ولا يَتحرَّزُ هو منه (٢).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: أمَّا المَجنونُ الذي رُفعَ عنه القَلمُ فلا يَصحُّ شَيءٌ من عِبادتِه باتِّفاقِ العُلماءِ … ولا تَصحُّ عُقودُه باتِّفاقِ العُلماءِ، فلا يَصحُّ بَيعُه ولا شِراؤُه ولا نِكاحُه ولا طَلاقُه ولا إِقرارُه ولا شَهادتُه (٣).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: لا تُقبلُ شَهادةُ مَجنونٍ بالإِجماعِ (٤).
الشَّرطُ الرابِعُ: البُلوغُ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ المُسلمَ إذا كانَ بالِغًا عاقِلًا حُرًّا عَدلًا؛ فإنَّه تُقبلُ شَهادتُه إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا في مَسألةٍ، وهي:
стр. 13923
شَهادةُ الصِّبيانِ بعضِهم على بعضٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ شَهادةِ الصِّبيانِ بعضِهم على بعضٍ هل تَجوزُ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه تَجوزُ شَهادةُ الصِّبيانِ بعضِهم على بعضٍ في الجِراحِ والشِّجاجِ، ولا تَجوزُ على غيرِهم وإنَّما تَجوزُ فيما بينَهم من الجِراحِ وَحدَها قبلَ أنْ يَتفرَّقوا أو يُخبَّبوا أو يُعلَّموا، فإذا افتَرَقوا فلا شَهادةَ لهم إلا أنْ يَكونَ أشهَدَ على شهادَتِهم العُدولُ قبلَ أنْ يَتفرَّقوا غيرَهم، وإنَّما تَجوزُ شَهادةُ الأَحرارِ الذُّكورِ منهم، ولا تَجوزُ شَهادةُ الجَوارِي مِنْ الصِّبيانِ.
ولا تَجوزُ شَهادةُ الأَحرارِ الذُّكورِ منهم إلا حيثُ لا يَحضُرُها البالِغونَ؛ لأنَّه لا ضَرورةَ إليهم إذا حضَرَها الرِّجالُ، وإنَّما تَجوزُ شَهادتُهم في الجِراحِ والشِّجاجِ ما لم يَفتَرِقوا أو يُخبَّبوا أو تَختلِفَ أَقوالُهم، مِثلَ أنْ يَشهدَ منهم صِبيانٌ على صَبيٍّ أنَّه شَجَّ صَبيًّا، ويَشهدَ آخَرانِ أنَّ غيرَه من الصِّبيانِ شَجَّه تلك الشَّجةَ بعينِها، وإنِ افتَرَقوا لم تُقبَلْ لهم شَهادةٌ إلا أنْ يشهدَ الرِّجالُ العُدولُ على شَهادَتِهم قبلَ أنْ يَفتَرِقوا.
ولا تُقبلُ شَهادَتُهم على رَجلٍ أنَّه شَجَّ صَبيًّا، ولا على صَبيٍّ أنَّه شَجَّ رَجلًا، ولو اجتمَعَ سِتةُ صِبيانٍ فأغرَقوا صَبيًّا منهم في الماءِ فماتَ فشهِدَ منهم اثنانِ على ثَلاثةٍ أنَّهم أغرَقوه، وشهِدَ الثَّلاثةُ على الاثنَينِ أنَّهما أغرَقاه، كانَت الدِّيةُ على عَواقِلِهم أَخماسًا، فكانَ خُمسُ الدِّيةِ على عاقِلةِ كلِّ صَبيٍّ منهم؛ لأنَّه يَدرَأُ عن نَفسِه، ولا تُقبلُ شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ.
стр. 13924
ولا خِلافَ أنَّه لا يُحلَفُ معَ شَهادةِ الصَّبيِّ الواحِدِ في شَيءٍ من جِراحِ الخَطأِ ولا قَتلِ الخَطأِ.
والدَّليلُ على قَبولِ شَهادتِهم إِجماعُ الصَّحابةِ؛ لأنَّه مَرويٌّ عن علِيٍّ، وابنِ الزُّبَيرِ، ومُعاويةَ، ولا مُخالِفَ لهم، ورُويَ أنَّ عليًّا ﵁ كانَ يَأخذُ بأولِ شَهادةِ الصِّبيانِ، ورُويَ عن ابنِ الزُّبَيرِ مِثلُه، وعن مُعاويةَ أنَّه كانَ يُجيزُ شَهادةَ بعضِهم على بعضٍ ما لم يَدخُلوا البُيوتَ فيُعلَّموا.
عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي مُلَيكةَ قالَ: أرسَلتُ إلى ابنِ عَباسٍ ﵄ أسألُه عن شَهادةِ الصِّبيانِ، فقالَ: قالَ اللهُ : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وليسوا ممَّن نَرضَى، قالَ: فأرسَلتُ إلى ابنِ الزُّبَيرِ أسألُه فقالَ: بالحَريِّ إنْ سُئِلوا أنْ يُصدَّقوا، قالَ: فما رأيتُ القَضاءَ إلا على ما قالَ ابنُ الزُّبَيرِ» (١). فكانَ إِجماعًا، ولأنَّ الشَّهادةَ مُعتبَرةٌ بحالِ الضَّرورةِ، كما أُجيزَت شَهادةُ النِّساءِ المُنفرِداتِ في الوِلادةِ؛ لأنَّها حالةٌ لا يَحضُرُها الرِّجالُ، كذلك اجتِماعُ الصِّبيانِ في لَعِبِهم، وما يَتعاطَونَ مِنْ رَميِهم لا يَكادُ يَحضُرُهم الرِّجالُ، فجازَ للضَّرورةِ أنْ تُقبلَ شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ قبلَ افتِراقِهم، لانتِفاءِ التُّهمةِ عنهم، ولم يَجزْ بعدَ افتِراقِهم لتَوجُّهِ التُّهمةِ إليهم.
فالضَّرورةُ تَدعو إلى قَبولِها؛ لأنَّا لو لم نَقبَلْها لأدَّى إلى أُمورٍ مَمنوعةٍ، إمَّا أنْ نَمنعَهم ما نُدِبْنا إلى تَعليمِهم إياه وتَدريبِهم عليه مِنْ الحَربِ والصِّراعِ، وما جَرى مَجرى ذلك؛ لأنَّهم لا بدَّ أنْ يَخلوا بأنفُسِهم لمَا
стр. 13925
يَتعاطَوْنه مِنْ ذلك، وقد يَكونُ بينَهم الجِراحُ، وذلك غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّ أحدًا لا يَمنعُه؛ أو أنْ يُجيزَه فتَنهدِرَ دِماؤُهم، فذلك أيضًا غيرُ صَحيحٍ، وأنْ يَحضُرَ معهم رِجالٌ يَحفَظونَهم، وفي ذلك ضيقٌ ومَشقةٌ، وأنْ يُؤخَذوا بأنْ يَفعَلوا مِنْ ذلك ما لا يُؤدِّي إلى جِراحٍ ولا قَتلٍ، فذلك ما لا يَنضبِطُ للبالِغينَ فَضلًا على الصِّبيانِ، فلمَّا بطَلَ كلُّ هذا وجَبَ قَبولُ شَهادتِهم، ولا يَلزمُ على هذا تَخريقُ الثِّيابِ ولا غيرُه؛ لأنَّ الأَموالَ أخفَضُ رُتبةً مِنْ الدِّماءِ، كما لم يُحكَمْ فيها بالقَسامةِ معَ اللَّوثِ، ولأنَّه إذا تَفرَّقوا خُبِّبوا ولُقِّنوا وتَعلَّموا الكَذبَ (١).
ورَوى الإِمامُ مالِكٌ عن هِشامِ بنِ عُروةَ «أنَّ عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ كانَ يَقضي بشَهادةِ الصِّبيانِ فيما بينَهم من الجِراحِ».
قالَ مالِكٌ: الأمْرُ المُجمَعُ عليه عندَنا أنَّ شَهادةَ الصِّبيانِ تَجوزُ فيما بينَهم من الجِراحِ، ولا تَجوزُ على غيرِهم، وإنَّما تَجوزُ شَهادَتُهم فيما بينَهم من الجِراحِ وَحدَها، ولا تَجوزُ في غيرِ ذلك إذا كانَ ذلك قبلَ أنْ يَتفرَّقوا أو يُخبَّبوا أو يُعلَّموا؛ فإنِ افتَرَقوا فلا شَهادةَ لهم، إلا أنْ يَكونوا قد أشهَدوا العُدولَ على شَهادَتِهم قبلَ أنْ يَفتَرِقوا (٢).
стр. 13926
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: قُلتُ: أرأيتَ قَولَ مالِكٍ: يَجوزُ شَهادةُ الصِّبيانِ بعضِهم على بعضٍ ما لم يَتفرَّقوا أو يَدخُلْ بينَهم كَبيرٌ أو يُخبَّبوا في أيِّ شَيءٍ كانَ ذلك؟ (فقالَ) في الجِراحاتِ والقَتلِ: إذا شهِدَ فيه اثنانِ فصاعِدًا قبلَ أنْ يَتفرَّقا، وكانَ ذلك صِبيانٌ كلُّهم، ولا تَجوزُ فيه شَهادةُ واحِدٍ، ولا تَجوزُ شَهادةُ الإِناثِ أيضًا من الصِّبيانِ في الجِراحاتِ فيما بينَهم، ولا تَجوزُ شَهادةُ الصِّبيانِ لكَبيرٍ إنْ كانوا شَهِدوا له على صَبيٍّ أو على كَبيرٍ، وليسَ في الصِّبيانِ قَسامةٌ فيما بينَهم من بعضِهم لبعضٍ إلا أنْ يَقتلَ رَجلٌ كَبيرٌ صَبيًّا ويَشهدَ رَجلٌ على قَتلِه فتَكونَ القَسامةُ على ما يَشهدُ به الشاهِدُ من عَمدٍ أو خَطإٍ.
(قالَ سحنُونٌ): وقد قالَ غيرُ واحِدٍ من كِبارِ أَصحابِ مالِكٍ أنَّه لا تَجوزُ شَهادتُهم في القَتلِ ولا تَجوزُ شَهادةُ الإِناثِ، وقد قالَ كَبيرٌ من أَصحابِ مالِكٍ، وهو المَخزوميُّ أنَّ الإِناثَ يُجَزْنَ، وأنَّ شَهادةَ الصِّبيانِ في القَتلِ جائِزةٌ.
(قالَ سحنُونٌ): قالَ ابنُ نافِعٍ وغيرُه في الصَّبيِّ يَشهدُ عليه صِبيانٌ أنَّه ضرَبَ صَبيًّا أو جرَحَه ثم نَزا في جُرحِه فماتَ، فإنَّ أَولياءَ الدَّمِ يُقسِمونَ: لمِن ضَربِه ماتَ ويَستحِقُّونَ الدِّيةَ (وذكَرَ ابنُ وَهبٍ) أنَّ علِيَّ بنَ أَبي طالِبٍ وشُرَيحًا وعبدَ اللهِ وعُروةَ بنَ الزُّبَيرِ وابنَ قُسَيطٍ وأَبا بَكرِ بنَ حَزمٍ ورَبيعةَ كانوا يُجيزونَ شَهادةَ الصِّبيانِ فيما بينَهم ما لم يَتفرَّقوا ويَنقَلِبوا إلى أَهليهم أو يَختَلِفوا، ويُؤخَذُ بأولِ أَقوالِهم (١).
стр. 13927
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ البُلوغَ شَرطٌ في صِحةِ الشَّهادةِ، فلا تَجوزُ شَهادةُ الصِّبيانِ بحالٍ من الأَحوالِ لا في مالٍ ولا في جِراحٍ، واستدَلُّوا على عَدمِ جَوازِها بما يَلي:
بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وذلك خِطابٌ للرِّجالِ البالِغينَ؛ لأنَّ الصِّبيانَ لا يَملِكونَ عُقودَ المُدايَناتِ، وكذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، لم يَدخُلْ فيه الصَّبيُّ؛ لأنَّ إِقرارَه لا يَجوزُ، وكذلك بقَولِه : ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، لا يَصحُّ أنْ يَكونَ خِطابًا للصَّبيِّ؛ لأنَّه ليسَ من أهلِ التَّكليفِ ليَلحَقَه الوَعيدُ، ثم بقَولِه : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وليسَ الصِّبيانُ من رِجالِنا، ولمَّا كانَ ابتِداءُ الخِطابِ بذِكرِ البالِغينَ كانَ قَولُه : ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] عائِدًا عليهم، ثم إنَّ قَولَه : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يَمنعُ أيضًا جَوازَ شَهادةِ الصَّبيِّ، وكذلك قَولُه : ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، هو نَهيٌ، وللصَّبيِّ أنْ يَأبى إِقامةَ الشَّهادةِ، وليسَ للمُدَّعي إِحضارُه لها، ثم إنَّ قَولَه : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، غيرُ جائِزٍ أنْ يَكونَ خِطابًا للصِّغارِ، فلا يَلحَقُهم المَأثَمُ بكِتمانِها.
ولمَّا لم يَجزْ أنْ يَلحقَه ضَمانٌ بالرُّجوعِ دَلَّ على أنَّه ليسَ من أهلِ الشَّهادةِ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ صَحَّت شَهادتُه لزِمَه الضَّمانُ عندَ الرُّجوعِ.
وأمَّا إِجازةُ شَهادتِهم في الجِراحِ خاصَّةً، وقبلَ أنْ يَتفرَّقوا ويَجيئُوا؛ فإنَّه
стр. 13928
تَحكُّمٌ بلا دِلالةٍ، وتَفرقةٌ بينَ مَنْ لا فَرقَ فيه في أثَرٍ ولا نَظرٍ؛ لأنَّ في الأُصولِ أنَّ كلَّ من جازَت شهادَتُه في الجِراحِ جازَت في غيرِها.
وأمَّا اعتِبارُ حالِهم قبلَ أنْ يَتفرَّقوا ويَجيئُوا؛ فإنَّه لا مَعنى له؛ لأنَّه جائِزٌ أنْ يَكونَ هؤلاءِ الشُّهودُ هُمْ الجُناةَ ويَكونَ الذي حمَلَهم على الشَّهادةِ الخَوفَ من أنْ يُؤخَذوا به، وهذا مَعلومٌ من عادةِ الصِّبيانِ إذا كانَ منهم جِنايةٌ يُحيلُها الصَّبيُّ على غيرِه خَوفًا من أنْ يُؤخَذَ بها.
وأيضًا شرَطَ اللهُ في الشَّهادةِ العَدالةَ وأوعَدَ شاهِدَ الزُّورِ ما أوعَدَه به، ومنَعَ من قَبولِ شَهادةِ الفُساقِ ومَن لا يَزعُ عن الكَذبِ احتِياطًا لأمرِ الشَّهادةِ، فكيف تَجوزُ شَهادةُ مَنْ هو غيرُ مَأخوذٍ بكَذبِه وليسَ له حاجِزٌ يَحجِزُه عن الكَذبِ، ولا حَياءٌ يَردَعُه، ولا مُروءةٌ تَمنعُه، وقد يَضرِبُ الناسُ المَثلَ بكَذبِ الصِّبيانِ فيَقولونَ: هذا أكذَبُ من صَبيٍّ، فكيف يَجوزُ قَبولُ شَهادةِ مَنْ هذا حالُه؛ فإنْ كانَ إنَّما اعتُبِرَ حالُهم قبلَ تَفرُّقِهم وقبلَ أنْ يُعلِّمَهم غيرُهم؛ لأنَّه لا يَتعمَّدُ الكَذبَ دونَ تَلقينِ غيرِه فليسَ ذلك كما ظُنَّ؛ لأنَّهم يَتعمَّدونَ الكَذبَ من غيرِ مانِعٍ يَمنعُهم، وهم يَعرِفونَ الكَذبَ كما يَعرِفونَ الصِّدقَ إذا كانوا قد بَلَغوا الحَدَّ الذي يَقومونَ فيه بمَعنى الشَّهادةِ والعِبارةِ عما شهِدوا، وقد يَتعمَّدونَ الكَذبَ لأَسبابٍ عارِضةٍ، منها خَوفُهم مِنْ أنْ تُنسَبَ إليهم الجِنايةُ أو القَصدُ للمَشهودِ عليه بالمَكروهِ، ولمَعانٍ غيرِ ذلك مَعلومةٍ من أَحوالِهم، فليسَ لأحَدٍ أنْ يَحكُمَ لهم بصِدقِ الشَّهادةِ قبلَ أنْ يَتفرَّقوا، كما لا يُحكمُ لهم بذلك بعدَ التَّفرُّقِ، وعلى أنَّه لو كانَ كذلك وكانَ العِلمُ حاصِلًا بأنَّهم لا يَكذِبونَ ولا يَتعمَّدونَ شَهادةَ الزُّورِ فيَنبَغي أنْ تُقبلَ
стр. 13929
شَهادةُ الإِناثِ كما تُقبلُ شَهادةُ الذُّكورِ وأنْ تُقبلَ شَهادةُ الواحِدِ كما تُقبلُ شَهادةُ الجَماعةِ، فإذا اعتُبِرَ العَددُ في ذلك وما يَجبُ اعتِبارُه في الشَّهادةِ مِنْ اختِصاصِها في الجِراحِ بالذُّكورِ دونَ الإِناثِ فواجِبٌ أنْ يُستَوفَى لها سائِرُ شُروطِها من البُلوغِ والعَدالةِ، ومن حيثُ أَجازوا شَهادةَ بعضِهم على بعضٍ فواجِبٌ إِجازتُها على الرِّجالِ؛ لأنَّ شَهادةَ بعضِهم على بعضٍ ليسَت بآكَدَ منها على الرِّجالِ؛ إذ هُمْ في حُكمِ المُسلِمينَ عندَ قائِلِ هذا القَولِ.
ولأنَّ اللهَ أمَرَنا بأنْ نَقبَلَ شَهادةَ مَنْ نَرضَى من الشُّهداءِ، وهؤلاءِ ليسوا ممَّن نَرضَى مِنْ الشُّهداءِ وإنَّما أمَرَنا اللهُ بأنْ نَقبلَ شَهادةَ مَنْ نَرضَى، ومَن قبِلْنا شَهادتَه قبِلْناها حين يَشهَدُ بها في المَوقفِ الذي يَشهدُ بها فيه، وبعدَه وفي كلِّ حالٍ.
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ، عن الصَّبيِّ حتى يَحتلِمَ، وعن النائِمِ حتى يَنتبِهَ، وعن المَجنونِ حتى يُفيقَ» (١). فلمَّا كانَ القَلمُ مَرفوعًا عنه في حَقِّ نَفسِه إذا أقَرَّ، كانَ أَولَى أنْ يُرفَعَ في حَقِّ غيرِه، إذا شهِدَ.
ولأنَّ الشَّهادةَ في الأَموالِ أخَفُّ منها في الدِّماءِ، وهي غيرُ مَقبولةٍ منهم في الأَموالِ، فأَولَى ألَّا تُقبلَ في الدِّماءِ.
ولأنَّه لو جازَ لأجْلِ اعتِزالِهم عن الرِّجالِ أنْ تُقبلَ شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ، لجازَ لأجْلِ اجتِماعِ النِّساءِ في الحَمَّاماتِ والأَعراسِ، أنْ تُقبلَ شَهادةُ بعضِهِنَّ على بعضٍ، وهي لا تُقبلُ معَ الضَّرورةِ معَ جَوازِ قَبولِهنَّ معَ الرِّجالِ
стр. 13930
في الأَموالِ، فالصِّبيانُ الذين لا تُقبلُ شَهادتُهم معَ الرِّجالِ أَولَى ألَّا تُقبَلَ في الانفِرادِ، وبه يَبطُلُ استِدلالُهم. وقَضاءُ ابنِ الزُّبَيرِ معَ خِلافِ ابنِ عَباسٍ يَمنعُ من انعِقادِ الإِجماعِ.
والقياسُ معَ ابنِ عَباسٍ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ لم تُقبَلْ شَهادتُه في الأَموالِ لم تُقبَلْ في الجِراحِ، كالفَسقةِ (١).
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا تُقبلُ شَهادةُ صَبيٍّ لم يَبلُغْ بحالٍ، يُروَى هذا عن ابنِ عَباسٍ، وبه قالَ القاسِمُ وسالِمٌ وعَطاءٌ ومَكحولٌ وابنُ أَبي لَيلَى والأَوزاعيُّ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وإِسحاقُ وأَبو عُبَيدةَ وأَبو ثَورٍ وأَبو حَنيفةَ وأَصحابُه.
وعن أَحمدَ ﵀ رِوايةٌ أُخرى أنَّ شَهادتَهم تُقبلُ في الجِراحِ إذا شهِدوا قبلَ الافتِراقِ عن الحالةِ التي تَجارَحوا عليها، وهذا قَولُ مالِكٍ؛ لأنَّ الظاهِرَ صِدقُهم وضَبطُهم؛ فإنْ تَفرَّقوا لم تُقبَلْ شَهادتُهم؛ لأنَّه يَحتمِلُ أنْ يُلقَّنوا، قالَ ابنُ الزُّبَيرِ: «إنْ أُخِذوا عندَ مُصابِ ذلك فبالحَريِّ أنْ يَعقِلوا ويَحفَظوا» وعن الزُّهريِّ أنَّ شهادَتَهم جائِزةٌ ويُستحلَفُ أَولياءُ المَشجوجِ، وذكَرَه عن مَروانَ.
стр. 13931
ورُويَ عن أَحمدَ رِوايةٌ ثالِثةٌ أنَّ شَهادتَه تُقبلُ إذا كانَ ابنَ عَشرٍ، قالَ ابنُ حامِدٍ: فعلى هذه الرِّوايةِ تُقبلُ شَهادتُهم في غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ، كالعَبيدِ، ورُويَ عن علِيٍّ ﵁ أنَّ شَهادةَ بعضِهم تُقبلُ على بعضٍ، ورُويَ ذلك عن شُرَيحٍ والحَسنِ والنَّخَعيِّ، قالَ إِبراهيمُ: كانوا يُجيزونَ شَهادةَ بعضِهم على بعضٍ فيما كانَ بينَهم، قالَ المُغيرةُ: وكانَ أَصحابُنا لا يُجيزونَ شَهادتَهم على رَجلٍ ولا على عَبدٍ.
ورَوى الإِمامُ أَحمدُ بإِسنادِه عن مَسروقٍ قالَ: «كُنا عندَ علِيٍّ فجاءَه خَمسةُ غِلمةٍ فقالوا: إنَّا كُنَّا سِتةَ غِلمةٍ نَتغاطُّ، فغرِقَ منا غُلامٌ، فشهِدَ الثَّلاثةُ على الاثنَينِ أنَّهما غَرَّقاه، وشهِدَ الاثنانِ على الثَّلاثةِ أنَّهم غَرَّقوه، فجعَلَ على الاثنَينِ ثَلاثةَ أَخماسِ الدِّيةِ، وجعَلَ على الثَّلاثةِ خُمسَيْها» وقَضى بنَحوِ هذا مَسروقٌ.
والمَذهبُ أنَّ شَهادتَهم لا تُقبلُ في شَيءٍ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقالَ : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والصَّبيُّ ممَّن لا يُرضَى، وقالَ : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فأخبَرَ بأنَّ الشاهِدَ الكاتِمَ لشَهادتِه آثِمٌ، والصَّبيُّ لا يَأثمُ فيَدلُّ على أنَّه ليسَ بشاهِدٍ، ولأنَّ الصَّبيَّ لا يَخافُ من مَأثَمِ الكَذبِ، فهذا لا يَزعُه عنه، ولا يَمنعُه منه، فلا تَحصُلُ الثِّقةُ بقَولِه، ولأنَّ مَنْ لا يُقبلُ قَولُه على نَفسِه في الإِقرارِ لا تُقبلُ شَهادتُه على غيرِه كالمَجنونِ، يُحقِّقُ هذا أنَّ الإِقرارَ أوسَعُ؛ لأنَّه يُقبلُ من الكافرِ والفاسِقِ والمَرأةِ ولا تَصحُّ الشَّهادةُ
стр. 13932
منهم، ولأنَّ من لا تُقبلُ شَهادتُه في المالِ لا تُقبلُ في الجِراحِ كالفاسِقِ، ومَن لا تُقبلُ شَهادتُه على مَنْ ليسَ بمِثلِه لا تُقبلُ على مِثلِه كالمَجنونِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: فَصلٌ: الطَّريقُ الخامِسَ عَشرَ: الحُكمُ بشَهادةِ الصِّبيانِ المُميِّزينَ:
وهذا مَوضعٌ اختَلفَ فيه الناسُ، فرَدَّتها طائِفةٌ مُطلَقًا، وهذا قَولُ الشافِعيِّ وأَبي حَنيفةَ، وأَحمدَ في إِحدى الرِّواياتِ عنه، وعنه رِوايةٌ ثانيةٌ: أنَّ شَهادةَ الصَّبيِّ المُميِّزِ مَقبولةٌ إذا وُجدَت فيه بَقيةُ الشُّروطِ، وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ: أنَّها تُقبلُ في جِراحِ بَعضِهم بعضًا، إذا أدَّوْها قبلَ تَفرُّقِهم، وهذا قَولُ مالِكٍ.
قالَ ابنُ حَزمٍ: صحَّ عن ابنِ الزُّبَيرِ، أنَّه قالَ: «إذا جِيءَ بهم عندَ المُصيبةِ جازَت شَهادَتُهم» قالَ ابنُ أَبي مُلَيكةَ: فأخَذَ القُضاةُ بقَولِ ابنِ الزُّبَيرِ.
وقالَ قَتادةُ عن الحَسنِ قالَ: قالَ علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ: «شَهادةُ الصَّبيِّ على الصَّبيِّ جائِزةٌ، وشَهادةُ العَبدِ على العَبدِ جائِزةٌ».
وقالَ مُعاويةُ: «شَهادةُ الصِّبيانِ على الصِّبيانِ جائِزةٌ، ما لم يَدخُلوا البُيوتَ فيُعلَّموا» وعن علِيٍّ مِثلُه أيضًا.
وقالَ ابنُ أَبي شَيبةَ: حَدَّثنا وَكيعٌ، حَدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ حَبيبِ بنِ أَبي ثابِتٍ، عن الشَّعبيِّ، عن مَسروقٍ: «أنَّ سِتةَ غِلمانٍ ذهَبوا يَسبَحونَ، فغرِقَ أَحدُهم، فشهِدَ ثَلاثةٌ على اثنَينِ أنَّهما أَغرَقاه، وشهِدَ اثنانِ على ثَلاثةٍ أنَّهم أَغرَقوه، فقَضى علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ على الثَّلاثةِ بخُمسَيِ الدِّيةِ، وعلى الاثنَينِ بثَلاثةِ أَخماسِها».
стр. 13933
وقالَ الثَّوريُّ: عن فِراسٍ، عن الشَّعبيِّ، عن مَسروقٍ: «أنَّ ثَلاثةَ غِلمانٍ شَهِدوا على أربَعةٍ، وشهِدَ الأربَعةُ على الثَّلاثةِ، فجعَلَ مَسروقٌ على الأربَعةِ ثَلاثةَ أَسباعِ الدِّيةِ، وعلى الثَّلاثةِ أربَعةَ أَسباعِ الدِّيةِ».
قالَ أَبو الزِّنادِ: «السُّنةُ أنْ يُؤخَذَ في شَهادةِ الصِّبيانِ بقَولِهم في الجِراحِ معَ أَيمانِ المُدَّعينَ».
وأَجازَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ شَهادةَ الصِّبيانِ بعضِهم على بعضٍ في الجِراحِ المُتقارِبةِ، فإذا بلَغَت النُّفوسُ قَضى بشَهادتِهم معَ أَيمانِ الطالِبينَ.
وقالَ رَبيعةُ: تُقبلُ شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ، ما لم يَتفرَّقوا.
وقالَ شُريحٌ: تُقبلُ شَهادتُهم إذا اتَّفَقوا، ولا تُقبلُ إذا اختَلَفوا، وكذلك قالَ أَبو بَكرِ بنُ حَزمٍ، وسَعيدُ بنُ المُسيِّبِ، والزُّهريُّ.
وقالَ وَكيعٌ عن ابنِ جُرَيجٍ، عن أَبي مُلَيكةَ: سألتُ ابنَ عَباسٍ وابنَ الزُّبَيرِ عن شَهادةِ الصِّبيانِ، فقالَ ابنُ عَباسٍ: إنَّما قالَ اللهُ : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وليسوا ممَّن نَرضَى.
وقالَ ابنُ الزُّبَيرِ: «هُمْ أحرَى إذا سُئِلوا عمَّا رَأوْا أنْ يَشهَدوا».
قالَ ابنُ أَبي مُلَيكةَ: ما رَأيتُ القُضاةَ أخَذوا إلا بقَولِ ابنِ الزُّبَيرِ.
قالَ المالِكيةُ: قد ندَبَ الشَّرعُ إلى تَعليمِ الصِّبيانِ الرَّميَ والثِّقافَ والصِّراعَ وسائِرَ ما يُدرِّبُهم على حَملِ السِّلاحِ والضَّربِ، والكَرِّ والفَرِّ، وتَصليبِ أَعضائِهم وتَقويةِ أَقدامِهم، وتَعليمِهم البَطشَ والحَميةَ والأَنَفةَ مِنْ العارِ ومِن الفِرارِ، ومَعلومٌ أنَّهم في غالِبِ أَحوالِهم يُخلَّوْنَ وأنفُسَهم في ذلك، وقد يَجني بعضُهم على بعضٍ، فلو لم نَقبَلْ قَولَ بعضِهم على بعضٍ لأُهدِرَت دِماؤُهم.
стр. 13934
وقد احتاطَ الشارِعُ بحَقِّ الدِّماءِ، حتى قبِلَ فيها اللَّوثَ واليَمينَ، وإنْ كانَ لم يَقبَلْ ذلك في دِرهمٍ واحِدٍ، وعلى قَبولِ شَهادتِهم تَواطَأتْ مَذاهبُ السَّلفِ الصالِحِ، فقالَ به علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ ومُعاويةُ بنُ أَبي سُفيانَ وعبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ، ومِن التابِعينَ: سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ، وعُروةُ بنُ الزُّبَيرِ، وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ، والشَّعبيُّ، والنَّخَعيُّ، وشُريحٌ، وابنُ أَبي لَيلَى، وابنُ شِهابٍ، وابنُ أَبي مُلَيكةَ، قالَ: ما أدرَكتُ القُضاةَ إلا وهُم يَحكُمونَ بقَولِ ابنِ الزُّبَيرِ وأَبي الزِّنادِ، وقالَ: هي السُّنةُ.
قالوا: وشَرطُ قَبولِ شَهادتِهم في ذلك: كَونُهم يَعقِلونَ الشَّهادةَ، وأنْ يَكونوا ذُكورًا أَحرارًا، مَحكومًا لهم بحُكمِ الإِسلامِ، اثنَينِ فصاعِدًا، مُتَّفقينَ غيرَ مُختلِفينَ، وأنْ يَكونَ ذلك قبلَ تَفرُّقِهم وتَخبيرِهم، ويَكونَ ذلك لبعضِهم على بعضٍ، ويَكونَ في القَتلِ والجِراحِ خاصَّةً، ولا تُقبلُ شَهادتُهم على كَبيرٍ أنَّه قتَلَ صَغيرًا، ولا على صَغيرٍ أنَّه قتَلَ كَبيرًا.
قالوا: ولو شَهِدوا، ثم رَجَعوا عن شَهادتِهم أُخذَ بالشَّهادةِ الأُولى، ولم يُلتَفَت إلى ما رَجَعوا إليه، قالوا: ولا خِلافَ عندَنا أنَّه لا يُعتبَرُ فيهم تَعديلٌ ولا تَجريحٌ.
قالوا: واختَلفَ أَصحابُنا في العَداوةِ والقَرابةِ: هل تَقدحُ في شَهادتِهم؟ على قَولَينِ، واختَلَفوا في جَريانِ هذا الحُكمِ هل هو في إِناثِهم، أو هو مُختصٌّ بالذُّكورِ فلا تُقبلُ فيه شَهادةُ الإِناثِ؟ على قَولَينِ (١).
стр. 13935
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يَكونَ مُتيقِّظًا حافِظًا:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يُشتَرطُ في الشاهِدِ أنْ يَكونَ مُتيقِّظًا حافِظًا لمَا يَشهَدُ به، فلا تُقبلُ شَهادةُ مُغفَّلٍ ولا مَعروفٍ بكَثرةِ غَلطٍ ونِسيانٍ؛ لأنَّ الثِّقةَ لا تَحصُلُ بقَولِه؛ لاحتِمالِ أنْ تَكونَ شَهادتُه ممَّا غلِطَ فيه وسَها، ولأنَّه رُبَّما شهِدَ على غيرِ من استُشهِدَ عليه، أو بغيرِ ما شهِدَ به، أو لغيرِ مَنْ أشهَدَه.
قالَ الحَنفيةُ: شَرطُ الرِّضا للشَّهادةِ أنْ يَكونَ الشاهِدُ مُتيقظًا حافِظًا لمَا يَسمَعُه مُتقِنًا لمَا يُؤدِّيه (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُشتَرطُ في الشاهِدِ أنْ يَكونَ غيرَ مُغفَّلٍ فلا تُقبلُ شَهادةُ المُغفَّلِ إلا في أمرٍ لا يُلبِسُ، كقَولِه: «رأيتُ هذا قتَلَ هذا، أو فَقَأ عَينَيْه أو قطَعَ يَدَيه» أو نَحوَ ذلك من الأَفعالِ، وكقَولِه: «سمِعتُ هذا طلَّقَ زَوجَتَه فُلانةَ، أو شتَمَ فُلانًا»، ونَحوَه مِنْ الأَقوالِ.
قالَ ابنُ عبدِ الحَكمِ: قد يَكونُ الرَّجلُ الخَيِّرُ الفاضِلُ ضَعيفًا لا يُؤمَنُ عليه لغَفلَتِه أنْ يُلبَّسَ عليه فلا تُقبلُ شَهادتُه إلا أنْ يَكونَ الأمرُ المَشهودُ فيه جَليًّا واضحًا بيِّنًا لا يُلبِسُ على أحدٍ، كقَولِه: «رأيتُ هذا يَقطَعُ يَدَ هذا»، ونَحوَ ذلك؛ فإنَّ شَهادةَ المُغفَّلِ تُقبلُ في مِثلِ ذلك.
وأمَّا البَليدُ فلا تَصحُّ شَهادتُه مُطلَقًا، والفَرقُ بينَ المُغفَّلِ والبَليدِ أنَّ المُغفَّلَ له مَلَكةٌ، أي: قُوةٌ مُنبِّهةٌ لكنْ لا يَستعمِلُها، وأنَّ البَليدَ ليسَ له مَلَكةٌ أَصلًا (٢).