ورُويَ عن أَحمدَ رِوايةٌ ثالِثةٌ أنَّ شَهادتَه تُقبلُ إذا كانَ ابنَ عَشرٍ، قالَ ابنُ حامِدٍ: فعلى هذه الرِّوايةِ تُقبلُ شَهادتُهم في غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ، كالعَبيدِ، ورُويَ عن علِيٍّ ﵁ أنَّ شَهادةَ بعضِهم تُقبلُ على بعضٍ، ورُويَ ذلك عن شُرَيحٍ والحَسنِ والنَّخَعيِّ، قالَ إِبراهيمُ: كانوا يُجيزونَ شَهادةَ بعضِهم على بعضٍ فيما كانَ بينَهم، قالَ المُغيرةُ: وكانَ أَصحابُنا لا يُجيزونَ شَهادتَهم على رَجلٍ ولا على عَبدٍ.
ورَوى الإِمامُ أَحمدُ بإِسنادِه عن مَسروقٍ قالَ: «كُنا عندَ علِيٍّ فجاءَه خَمسةُ غِلمةٍ فقالوا: إنَّا كُنَّا سِتةَ غِلمةٍ نَتغاطُّ، فغرِقَ منا غُلامٌ، فشهِدَ الثَّلاثةُ على الاثنَينِ أنَّهما غَرَّقاه، وشهِدَ الاثنانِ على الثَّلاثةِ أنَّهم غَرَّقوه، فجعَلَ على الاثنَينِ ثَلاثةَ أَخماسِ الدِّيةِ، وجعَلَ على الثَّلاثةِ خُمسَيْها» وقَضى بنَحوِ هذا مَسروقٌ.
والمَذهبُ أنَّ شَهادتَهم لا تُقبلُ في شَيءٍ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقالَ : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والصَّبيُّ ممَّن لا يُرضَى، وقالَ : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فأخبَرَ بأنَّ الشاهِدَ الكاتِمَ لشَهادتِه آثِمٌ، والصَّبيُّ لا يَأثمُ فيَدلُّ على أنَّه ليسَ بشاهِدٍ، ولأنَّ الصَّبيَّ لا يَخافُ من مَأثَمِ الكَذبِ، فهذا لا يَزعُه عنه، ولا يَمنعُه منه، فلا تَحصُلُ الثِّقةُ بقَولِه، ولأنَّ مَنْ لا يُقبلُ قَولُه على نَفسِه في الإِقرارِ لا تُقبلُ شَهادتُه على غيرِه كالمَجنونِ، يُحقِّقُ هذا أنَّ الإِقرارَ أوسَعُ؛ لأنَّه يُقبلُ من الكافرِ والفاسِقِ والمَرأةِ ولا تَصحُّ الشَّهادةُ
стр. 13932
منهم، ولأنَّ من لا تُقبلُ شَهادتُه في المالِ لا تُقبلُ في الجِراحِ كالفاسِقِ، ومَن لا تُقبلُ شَهادتُه على مَنْ ليسَ بمِثلِه لا تُقبلُ على مِثلِه كالمَجنونِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: فَصلٌ: الطَّريقُ الخامِسَ عَشرَ: الحُكمُ بشَهادةِ الصِّبيانِ المُميِّزينَ:
وهذا مَوضعٌ اختَلفَ فيه الناسُ، فرَدَّتها طائِفةٌ مُطلَقًا، وهذا قَولُ الشافِعيِّ وأَبي حَنيفةَ، وأَحمدَ في إِحدى الرِّواياتِ عنه، وعنه رِوايةٌ ثانيةٌ: أنَّ شَهادةَ الصَّبيِّ المُميِّزِ مَقبولةٌ إذا وُجدَت فيه بَقيةُ الشُّروطِ، وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ: أنَّها تُقبلُ في جِراحِ بَعضِهم بعضًا، إذا أدَّوْها قبلَ تَفرُّقِهم، وهذا قَولُ مالِكٍ.
قالَ ابنُ حَزمٍ: صحَّ عن ابنِ الزُّبَيرِ، أنَّه قالَ: «إذا جِيءَ بهم عندَ المُصيبةِ جازَت شَهادَتُهم» قالَ ابنُ أَبي مُلَيكةَ: فأخَذَ القُضاةُ بقَولِ ابنِ الزُّبَيرِ.
وقالَ قَتادةُ عن الحَسنِ قالَ: قالَ علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ: «شَهادةُ الصَّبيِّ على الصَّبيِّ جائِزةٌ، وشَهادةُ العَبدِ على العَبدِ جائِزةٌ».
وقالَ مُعاويةُ: «شَهادةُ الصِّبيانِ على الصِّبيانِ جائِزةٌ، ما لم يَدخُلوا البُيوتَ فيُعلَّموا» وعن علِيٍّ مِثلُه أيضًا.
وقالَ ابنُ أَبي شَيبةَ: حَدَّثنا وَكيعٌ، حَدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ حَبيبِ بنِ أَبي ثابِتٍ، عن الشَّعبيِّ، عن مَسروقٍ: «أنَّ سِتةَ غِلمانٍ ذهَبوا يَسبَحونَ، فغرِقَ أَحدُهم، فشهِدَ ثَلاثةٌ على اثنَينِ أنَّهما أَغرَقاه، وشهِدَ اثنانِ على ثَلاثةٍ أنَّهم أَغرَقوه، فقَضى علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ على الثَّلاثةِ بخُمسَيِ الدِّيةِ، وعلى الاثنَينِ بثَلاثةِ أَخماسِها».
стр. 13933
وقالَ الثَّوريُّ: عن فِراسٍ، عن الشَّعبيِّ، عن مَسروقٍ: «أنَّ ثَلاثةَ غِلمانٍ شَهِدوا على أربَعةٍ، وشهِدَ الأربَعةُ على الثَّلاثةِ، فجعَلَ مَسروقٌ على الأربَعةِ ثَلاثةَ أَسباعِ الدِّيةِ، وعلى الثَّلاثةِ أربَعةَ أَسباعِ الدِّيةِ».
قالَ أَبو الزِّنادِ: «السُّنةُ أنْ يُؤخَذَ في شَهادةِ الصِّبيانِ بقَولِهم في الجِراحِ معَ أَيمانِ المُدَّعينَ».
وأَجازَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ شَهادةَ الصِّبيانِ بعضِهم على بعضٍ في الجِراحِ المُتقارِبةِ، فإذا بلَغَت النُّفوسُ قَضى بشَهادتِهم معَ أَيمانِ الطالِبينَ.
وقالَ رَبيعةُ: تُقبلُ شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ، ما لم يَتفرَّقوا.
وقالَ شُريحٌ: تُقبلُ شَهادتُهم إذا اتَّفَقوا، ولا تُقبلُ إذا اختَلَفوا، وكذلك قالَ أَبو بَكرِ بنُ حَزمٍ، وسَعيدُ بنُ المُسيِّبِ، والزُّهريُّ.
وقالَ وَكيعٌ عن ابنِ جُرَيجٍ، عن أَبي مُلَيكةَ: سألتُ ابنَ عَباسٍ وابنَ الزُّبَيرِ عن شَهادةِ الصِّبيانِ، فقالَ ابنُ عَباسٍ: إنَّما قالَ اللهُ : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وليسوا ممَّن نَرضَى.
وقالَ ابنُ الزُّبَيرِ: «هُمْ أحرَى إذا سُئِلوا عمَّا رَأوْا أنْ يَشهَدوا».
قالَ ابنُ أَبي مُلَيكةَ: ما رَأيتُ القُضاةَ أخَذوا إلا بقَولِ ابنِ الزُّبَيرِ.
قالَ المالِكيةُ: قد ندَبَ الشَّرعُ إلى تَعليمِ الصِّبيانِ الرَّميَ والثِّقافَ والصِّراعَ وسائِرَ ما يُدرِّبُهم على حَملِ السِّلاحِ والضَّربِ، والكَرِّ والفَرِّ، وتَصليبِ أَعضائِهم وتَقويةِ أَقدامِهم، وتَعليمِهم البَطشَ والحَميةَ والأَنَفةَ مِنْ العارِ ومِن الفِرارِ، ومَعلومٌ أنَّهم في غالِبِ أَحوالِهم يُخلَّوْنَ وأنفُسَهم في ذلك، وقد يَجني بعضُهم على بعضٍ، فلو لم نَقبَلْ قَولَ بعضِهم على بعضٍ لأُهدِرَت دِماؤُهم.
стр. 13934
وقد احتاطَ الشارِعُ بحَقِّ الدِّماءِ، حتى قبِلَ فيها اللَّوثَ واليَمينَ، وإنْ كانَ لم يَقبَلْ ذلك في دِرهمٍ واحِدٍ، وعلى قَبولِ شَهادتِهم تَواطَأتْ مَذاهبُ السَّلفِ الصالِحِ، فقالَ به علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ ومُعاويةُ بنُ أَبي سُفيانَ وعبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ، ومِن التابِعينَ: سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ، وعُروةُ بنُ الزُّبَيرِ، وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ، والشَّعبيُّ، والنَّخَعيُّ، وشُريحٌ، وابنُ أَبي لَيلَى، وابنُ شِهابٍ، وابنُ أَبي مُلَيكةَ، قالَ: ما أدرَكتُ القُضاةَ إلا وهُم يَحكُمونَ بقَولِ ابنِ الزُّبَيرِ وأَبي الزِّنادِ، وقالَ: هي السُّنةُ.
قالوا: وشَرطُ قَبولِ شَهادتِهم في ذلك: كَونُهم يَعقِلونَ الشَّهادةَ، وأنْ يَكونوا ذُكورًا أَحرارًا، مَحكومًا لهم بحُكمِ الإِسلامِ، اثنَينِ فصاعِدًا، مُتَّفقينَ غيرَ مُختلِفينَ، وأنْ يَكونَ ذلك قبلَ تَفرُّقِهم وتَخبيرِهم، ويَكونَ ذلك لبعضِهم على بعضٍ، ويَكونَ في القَتلِ والجِراحِ خاصَّةً، ولا تُقبلُ شَهادتُهم على كَبيرٍ أنَّه قتَلَ صَغيرًا، ولا على صَغيرٍ أنَّه قتَلَ كَبيرًا.
قالوا: ولو شَهِدوا، ثم رَجَعوا عن شَهادتِهم أُخذَ بالشَّهادةِ الأُولى، ولم يُلتَفَت إلى ما رَجَعوا إليه، قالوا: ولا خِلافَ عندَنا أنَّه لا يُعتبَرُ فيهم تَعديلٌ ولا تَجريحٌ.
قالوا: واختَلفَ أَصحابُنا في العَداوةِ والقَرابةِ: هل تَقدحُ في شَهادتِهم؟ على قَولَينِ، واختَلَفوا في جَريانِ هذا الحُكمِ هل هو في إِناثِهم، أو هو مُختصٌّ بالذُّكورِ فلا تُقبلُ فيه شَهادةُ الإِناثِ؟ على قَولَينِ (١).
стр. 13935
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يَكونَ مُتيقِّظًا حافِظًا:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يُشتَرطُ في الشاهِدِ أنْ يَكونَ مُتيقِّظًا حافِظًا لمَا يَشهَدُ به، فلا تُقبلُ شَهادةُ مُغفَّلٍ ولا مَعروفٍ بكَثرةِ غَلطٍ ونِسيانٍ؛ لأنَّ الثِّقةَ لا تَحصُلُ بقَولِه؛ لاحتِمالِ أنْ تَكونَ شَهادتُه ممَّا غلِطَ فيه وسَها، ولأنَّه رُبَّما شهِدَ على غيرِ من استُشهِدَ عليه، أو بغيرِ ما شهِدَ به، أو لغيرِ مَنْ أشهَدَه.
قالَ الحَنفيةُ: شَرطُ الرِّضا للشَّهادةِ أنْ يَكونَ الشاهِدُ مُتيقظًا حافِظًا لمَا يَسمَعُه مُتقِنًا لمَا يُؤدِّيه (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُشتَرطُ في الشاهِدِ أنْ يَكونَ غيرَ مُغفَّلٍ فلا تُقبلُ شَهادةُ المُغفَّلِ إلا في أمرٍ لا يُلبِسُ، كقَولِه: «رأيتُ هذا قتَلَ هذا، أو فَقَأ عَينَيْه أو قطَعَ يَدَيه» أو نَحوَ ذلك من الأَفعالِ، وكقَولِه: «سمِعتُ هذا طلَّقَ زَوجَتَه فُلانةَ، أو شتَمَ فُلانًا»، ونَحوَه مِنْ الأَقوالِ.
قالَ ابنُ عبدِ الحَكمِ: قد يَكونُ الرَّجلُ الخَيِّرُ الفاضِلُ ضَعيفًا لا يُؤمَنُ عليه لغَفلَتِه أنْ يُلبَّسَ عليه فلا تُقبلُ شَهادتُه إلا أنْ يَكونَ الأمرُ المَشهودُ فيه جَليًّا واضحًا بيِّنًا لا يُلبِسُ على أحدٍ، كقَولِه: «رأيتُ هذا يَقطَعُ يَدَ هذا»، ونَحوَ ذلك؛ فإنَّ شَهادةَ المُغفَّلِ تُقبلُ في مِثلِ ذلك.
وأمَّا البَليدُ فلا تَصحُّ شَهادتُه مُطلَقًا، والفَرقُ بينَ المُغفَّلِ والبَليدِ أنَّ المُغفَّلَ له مَلَكةٌ، أي: قُوةٌ مُنبِّهةٌ لكنْ لا يَستعمِلُها، وأنَّ البَليدَ ليسَ له مَلَكةٌ أَصلًا (٢).
стр. 13936
وقالَ الشافِعيةُ: يُشتَرطُ في الشاهِدِ أنْ يَكونَ ضابِطًا غيرَ مُغفَّلٍ لعَدمِ الوُثوقِ بقَولِه إلا إذا بيَّنَ السَّببَ، كإِقرارٍ، وزَمانَه ومَكانَه، قُبلَت منه حينَئذٍ، والغَلطُ اليَسيرُ لا يَقدحُ في الشَّهادةِ؛ لأنَّ أَحدًا مِنْ الناسِ لا يَسلَمُ، فمَن غلَبَ عليه الغَلطُ والنِّسيانُ لا تُقبلُ شَهادتُه، ومَن تعادَلَ غَلطُه وضَبطُه فهو كمَن غلَبَ عليه الغَلطُ.
ويُندبُ استِفصالُ شاهِدٍ رابَ الحاكِمَ فيه أمرٌ، كأكثَرِ العَوامِّ، ولو كانوا عُدولًا؛ فإنْ لم يُفصِّلْ لزِمَه البَحثُ عن حالِه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: يُشتَرطُ في الشاهِدِ أنْ يَكونَ حافِظًا مُتيقظًا حافِظًا لمَا يَشهدُ به، فلا تُقبلُ شَهادةُ مُغفَّلٍ ولا مَعروفٍ بكَثرةِ غَلطٍ ونِسيانٍ؛ لأنَّ الثِّقةَ لا تَحصُلُ بقَولِه؛ لاحتِمالِ أنْ تَكونَ شَهادتُه ممَّا غلِطَ فيه وسَها، ولأنَّه ربَّما شهِدَ على غيرِ مَنْ استُشهِدَ عليه أو بغيرِ ما شهِدَ به أو لغيرِ مَنْ أشهَدَه.
وتُقبلُ ممَّن يَقلُّ منه الغَلطُ والسَّهوُ؛ لأنَّ أَحدًا لا يَسلَمُ من الغَلطِ مَرةً والنِّسيانِ (٢).
стр. 13937
الشَّرطُ السادِسُ: العَدالةُ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يُشتَرطُ في الشاهِدِ العَدالةُ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولقَولِه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والرِّضا مُتوجِّهٌ إلى العَدلِ مُنتَفٍ عن الفاسِقِ.
وأمَّا التَّوقُّفُ عن شَهادةِ الفاسِقِ فلقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦]. والنَّبأُ: الخبَرُ. وكلُّ شَهادةٍ خَبَرٌ، وإنْ لم يَكنْ كلُّ خبَرٍ شَهادةً. ولقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ [السجدة: ١٨] فالمَنعُ من المُساواةِ إذا أوجَبَ قَبولَ العَدلِ أوجَبَ رَدَّ الفاسِقِ.
وعن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أَبيه عن جَدِّه مَرفوعًا: «لا تَجوزُ شَهادةُ خائِنٍ، ولا خائِنةٍ، ولا ذي غِمْرٍ على أَخيه» (١).
ونقَلَ عَددٌ كَبيرٌ من العُلماءِ الإِجماعَ على أنَّه يُشتَرطُ في الشَّهادةِ العَدالةُ وعَدمُ قَبولِ شَهادةِ الفاسِقِ.
قالَ الإِمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على رَدِّ شَهادةِ الفاسِقِ (٢).
وقالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: لا خِلافَ في رَدِّ شَهادةِ الفاسِقِ بالنَّصِّ (٣).
стр. 13938
وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أمَّا العَدالةُ؛ فإنَّ المُسلِمينَ اتَّفَقوا على اشتِراطِها في قَبولِ شَهادةِ الشاهِدِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
واختَلَفوا: ما العَدالةُ؟ فقالَ الجُمهورُ: هي صِفةٌ زائِدةٌ على الإِسلامِ، وهي أنْ يَكونَ مُلتزِمًا واجِباتِ الشَّرعِ ومُستَحباتِه، مُجتَنبًا المُحرَّماتِ والمَكروهاتِ، وقالَ أَبو حَنيفةَ: يَكفي في العَدالةِ ظاهِرُ الإِسلامِ وألَّا تُعلَمَ منه جَرحةٌ.
وسَببُ الخِلافِ -كما قُلنا-: تَردُّدُهم في مَفهومِ اسمِ العَدالةِ المُقابِلةِ للفِسقِ.
وذلك أنَّهم اتَّفَقوا على أنَّ شَهادةَ الفاسِقِ لا تُقبلُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]، الآيةَ.
ولم يَختَلِفوا في أنَّ الفاسِقَ تُقبلُ شَهادتُه إذا عُرفَت تَوبتُه إلا مَنْ كانَ فِسقُه من قبَلِ القَذفِ؛ فإنَّ أَبا حَنيفةَ يَقولُ: لا تُقبلُ شَهادتُه وإنْ تابَ.
والجُمهورُ يَقولونَ: تُقبلُ.
وسَببُ الخِلافِ: هل يَعودُ الاستِثناءُ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور: ٤، ٥] إلى أقرَبِ مَذكورٍ إليه أو على الجُملةِ، إلا ما خصَّصَه الإِجماعُ، وهو أنَّ التَّوبةَ لا تُسقِطُ عنه الحَدَّ (١).
стр. 13939
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ في اشتِراطِها؛ فإنَّ العَدالةَ تُشتَرطُ في سائِرِ الشَّهاداتِ فههُنا معَ مَزيدِ الاحتِياطِ أَولَى، فلا تُقبلُ شَهادةُ الفاسِقِ ولا مَستورِ الحالِ الذي لا تُعلمُ عَدالتُه لجَوازِ أنْ يَكونَ فاسِقًا (١).
وقالَ أيضًا: وأَجمَعوا على أنَّه يُشتَرطُ كَونُهم مُسلِمينَ عُدولًا ظاهِرًا وباطِنًا، وسَواءٌ كانَ المَشهودُ عليه مُسلمًا أو ذِمِّيًّا (٢).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: الفُقهاءُ مُتفِقونَ على أنَّه لو شهِدَ شاهِدٌ عندَ الحاكِمِ وكانَ قد استَفاضَ عنه نَوعٌ من أَنواعِ الفُسوقِ القادِحةِ في الشَّهادةِ فإنَّه لا يَجوزُ قَبولُ شَهادتِه، ويَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَجرَحَه بذلك وإنْ لم يَرَه (٣).
وقالَ أيضًا: وشَهادةُ الفاسِقِ مَردودةٌ بنَصِّ القُرآنِ واتِّفاقِ المُسلِمينَ، وقد يُجيزُ بعضُهم الأمثَلَ فالأمثَلَ من الفُساقِ عندَ الضَّرورةِ إذا لم يُوجَدْ عُدولٌ ونَحوُ ذلك.
وأمَّا قَبولُ شَهادةِ الفاسِقِ فهذا لم يَقُلْه أحدٌ مِنْ المُسلِمينَ (٤).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ورَدُّ شَهادةِ مَنْ عُرفَ بالكَذبِ، مُتَّفقٌ عليه بينَ الفُقهاءِ، وقالَ: والعَدلُ في كلِّ زَمانٍ ومَكانٍ وطائِفةٍ بحَسبِها، فيَكونُ الشاهِدُ في كلِّ قَومٍ مَنْ كانَ ذا عَدلٍ منهم، وإنْ كانَ لو كانَ في غيرِهم،
стр. 13940
لكانَ عَدلُه على وَجهٍ آخَرَ، وبهذا يُمكنُ الحُكمُ بينَ الناسِ، وإلا لو اعتُبِرَ في شُهودِ كلِّ طائِفةٍ، ألَّا يَشهدَ عليهم إلا مَنْ يَكونُ قائِمًا بأَداءِ الواجِباتِ، وتَركِ المُحرَّماتِ، كما كانَ الصَّحابةُ، لبطَلَت الشَّهاداتُ كلُّها، أو غالِبُها.
وقالَ: يَتوجَّهُ أنْ تُقبلَ شَهادةُ المَعروفينَ بالصِّدقِ، وإنْ لم يَكونوا مُلتزِمينَ للحُدودِ، عندَ الضَّرورةِ، مِثلَ الحَبسِ، وحَوادثِ البَدوِ، وأهلِ القَريةِ الذين لا يُوجدُ فيهم عَدلٌ، وله أُصولٌ، منها: شَهادةُ أهلِ الذِّمةِ، وشَهادةُ الصِّبيانِ والنِّساءِ، فيما لا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ، والشُّروطُ في القُرآنِ في التَّحمُّلِ لا الأَداءِ (١).
تَعريفُ العَدالةِ:
العَدالةُ عندَ عامةِ الفُقهاءِ تَكونُ في صَلاحِ الدِّينِ من أَداءِ الفَرائِضِ واجتِنابِ الكَبائرِ، والإِصرارِ على الصَّغائرِ واجتِنابِ خَوارمِ المُروءةِ، وهي الأُمورُ الدَّنيئةُ المُزريةُ مِنْ الأَفعالِ أو الأَقوالِ.
وليسَت العَدالةُ أنْ يُمحِّصَ الرَّجلُ الطاعةَ حتى لا يَشوبَها مَعصيةٌ إذ ذلك مُتعذَّرٌ لا يُقدَرُ عليه، لكنْ مَنْ كانَت الطاعةُ أكثَرَ حالِه وأغلَبَها وهو مُجتنِبٌ للكَبائرِ مُحافِظٌ على تَركِ الصَّغائرِ فهو العَدلُ.
قالَ الحَنفيةُ: تَفسيرُ العَدلِ: أنْ يَكونَ مُجتنِبًا للكَبائرِ ولا يَكونَ مُصرًّا على الصَّغائرِ، ويَكونَ صَلاحُه أكثَرَ من فَسادِه، وصَوابُه أكثَرَ من خَطئِه.
فتُقبلُ شَهادةُ مَنْ كانَت حَسناتُه أغلَبَ من سَيِّئاتِه إذا كانَ ممَّن يَجتنِبُ
стр. 13941
الكَبائرَ، وإنْ ألَمَّ بمَعصيةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ من دونِ الأَنبياءِ ﵈ لا يَخلو من ارتِكابِ خَطيئةٍ، فلو وقَعَت الشَّهادةُ على مَنْ لا ذَنبَ له أَصلًا لتَعذَّرَ وُجودُ ذلك في الدُّنيا، فسُومِحَ في ذلك، واعتُبِر الأغلَبُ.
وهذا هو حَدُّ العَدالةِ المُعتبَرةِ؛ إذْ لا بدَّ من تَوقِّي الكَبائرِ كلِّها، وبعدَ تَوقِّيها يُعتبَرُ الغالِبُ، فمَن كَثُرت مَعاصِيه أثَّر ذلك في شَهادتِه، ومَن نَدَرت منه المَعصيةُ قُبلَت شَهادتُه؛ لأنَّ في اعتِبارِ اجتِنابِ الكلِّ سَدًّا لبابِ الشَّهادةِ، وهو مَفتوحٌ إِحياءً للحُقوقِ.
وحاصِلُه: أنَّ كلَّ مَنْ ارتكَبَ كَبيرةً أو أصَرَّ على صَغيرةٍ؛ فإنَّه تَسقطُ عَدالتُه (١).
وقالَ المالِكيةُ: العَدالةُ المُحافَظةُ الدِّينيةُ على اجتِنابِ الكَذبِ والكَبائرِ، وعلى تَوقِّي الصَّغائرِ وأَداءِ الأَمانةِ وحُسنِ المُعامَلةِ، وليسَ معها بِدعةٌ.
وليسَت العَدالةُ أنْ يُمحِّصَ الرَّجلُ الطاعةَ حتى لا يَشوبَها مَعصيةٌ إذْ ذلك مُتعذَّرٌ لا يَقدِرُ عليه إلا الأَولياءُ والصِّدِّيقونَ، لكنْ مَنْ كانَت الطاعةُ أكثَرَ حالِه وأغلَبَها وهو مُجتنِبٌ للكَبائرِ مُحافِظٌ على تَركِ الصَّغائرِ فهو العَدلُ (٢).
стр. 13942
وقالَ الشافِعيةُ: العَدالةُ هي اجتِنابُ كلِّ كَبيرةٍ من أَنواعِ الكَبائرِ، واجتِنابُ الإِصرارِ على صَغيرةٍ أو صَغائرَ من نَوعٍ واحِدٍ أو أَنواعٍ، وأنْ يَكونَ ذا مُروءةٍ، وهي التَّخلُّقُ بأَفعالِ أَمثالِه غيرِ المُزريةِ في زَمانِه ومَكانِه؛ لاختِلافِ الأُمورِ العُرفيةِ بذلك غالِبًا (١).
وعرَّفَ الحَنابِلةُ العَدالةَ بأنَّها: استِواءُ أَحوالِ الشَّخصِ في دِينِه واعتِدالُ أَقوالِه وأَفعالِه، ويُعتبَرُ لها شَيئانِ:
أَحدُهما: الصَّلاحُ في الدِّينِ، وهو نَوعانِ: أَداءُ الفَرائضِ من صَلاةٍ ورَواتبِها وزَكاةٍ وصَومٍ وحَجٍّ وغيرِها، ولا تُقبلُ ممَّن يُداوِمُ على تَركِ الرَّواتبِ.
والنَّوعُ الثانِي: باجتِنابِ المُحرمِ بألَّا يأتِيَ كَبيرةً ولا يُدمنَ صَغيرةً.
والكَبيرةُ ما فيه حَدٌّ في الدُّنيا كالزِّنا وشُربِ الخَمرِ، أو فيه وَعيدٌ في الآخِرةِ كأكلِ مالِ اليَتيمِ والرِّبا وشَهادةِ الزُّورِ وعُقوقِ الوالِدَينِ ونَحوِها.
والصَّغيرةُ ما دونَ ذلك مِنْ المُحرَّماتِ.
والشَّيءُ الثانِي ممَّا يُعتبَرُ للعَدالةِ: استِعمالُ المُروءةِ الإِنسانيةِ بفِعلِ ما يُجمِّلُه ويُزيِّنُه عادةً كحُسنِ الخُلقِ والسَّخاءِ وبَذلِ الجاهِ وحُسنِ الجِوارِ ونَحوِ ذلك، وتَركِ ما يُدنِّسُه ويَعيبُه عادةً من الأُمورِ الدَّنيئةِ المُزريةِ به (٢).
стр. 13943
أَنواعُ الفِسقِ:
الفِسقُ نَوعانِ: فِسقٌ من جِهةِ الأَفعالِ وفِسقٌ من جِهةِ الاعتِقادِ.
النَّوعُ الأوَّلُ: فِسقٌ من جِهةِ الأَفعالِ:
اتَّفَق أهلُ العِلمِ كما تقدَّمَ على أنَّه يُشتَرطُ في الشاهدِ أنْ يَكونَ عَدلًا؛ فإنْ كانَ فاسِقًا بارتِكابِه كَبيرةً أو إِصرارِه على صَغيرةٍ أو كانَ يَلعَبُ بالنَّردِ أو الشِّطْرَنجِ على مالٍ أو يَفعَلُ غيرَ ذلك مِنْ كلِّ ما هو مُحرَّمٌ؛ فإنَّه لا تُقبلُ شَهادَتُه، قالَ ابنُ قُدامةَ: الفُسوقُ نَوعانِ: أَحدُهما من حيثُ الأَفعالُ، فلا نَعلمُ خِلافًا في رَدِّ شَهادتِه (١).
وللفُقهاءِ كَلامٌ كَثيرٌ في كلِّ مَذهبٍ فيما يُعدُّ من الأَشياءِ حَرامًا، والضابِطُ في هذا أنَّ كلَّ مَنْ ارتكَبَ كَبيرةً ولم يَتبْ منها أو أصَرَّ على صَغيرةٍ من قَولٍ أو فِعلٍ فهو مَردودُ الشَّهادةِ.
النَّوعُ الثانِي: الفِسقُ من جِهةِ الاعتِقادِ (قَبولُ شَهادةِ أهلِ البِدعِ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في الفِسقِ من جِهةِ الاعتِقادِ، وهُم أهلُ الأَهواءِ مِنْ المُبتدِعةِ هل تُقبلُ شَهادتُهم أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ أهلِ الأَهواءِ مُطلقًا.
قالَ المالِكيةُ: لا تُقبلُ شَهادةُ مُبتدعٍ كالخارِجيِّ والقَدَريِّ ولو كانَ عن تَأويلٍ غلِطَ فيه فلا فَرقَ بينَ المُتأوِّلِ والجاهِلِ الذي يُقلِّدُ غيرَه في ذلك، ولا يُعذَرُ بجَهلٍ (٢).
стр. 13944
وقالَ الحَنابِلةُ: لا تُقبلُ شَهادةُ فاسِقٍ من جِهةِ الاعتِقادِ، وهُم أهلُ البِدعِ، ولو اعتقَدَ أنَّه دِينُ حَقٍّ، فتُردُّ شَهادتُهم؛ لأنَّ ذلك أحدُ نَوعَيِ الفِسقِ فتُردُّ به الشَّهادةُ كالنَّوعِ الآخَرِ، ولأنَّ المُبتدِعَ فاسِقٌ فتُردُّ شَهادتُه للآيةِ، والمَعنى: فلو قلَّدَ في القَولِ بخَلقِ القُرآنِ أو نَفيِ رُؤيةِ اللهِ تَعالى في الآخِرةِ أو الرَّفضِ أو التَّجهُّمِ ونَحوِه كالتَّجسيمِ وخَلقِ العَبدِ أَفعالَه فسَقَ، ويُكفَّرُ مُجتهِدُهم الداعيةُ، قالَ المَجدُ: الصَّحيحُ أنَّ كلَّ بِدعةٍ كَفَّرنا فيها الداعيةَ فإنَّا نُفسِّقُ المُقلِّدَ فيها كمَن يَقولُ بخَلقِ القُرآنِ أو بأنَّ ألفاظَنا به مَخلوقةٌ أو أنَّ عِلمَ اللهِ مَخلوقٌ، أو أنَّ أَسماءَه مَخلوقةٌ أو أنَّه لا يُرَى في الآخِرةِ، أو يَسُبُّ الصَّحابةَ تَديُّنًا، أو أنَّ الإِيمانَ مُجردُ الاعتِقادِ، وما أشبَهَ ذلك، فمَن كانَ عالِمًا في شَيءٍ من هذه البِدعِ يَدعو إليه ويُناظِرُ عليه فهو مَحكومٌ بكُفرِه، نَصَّ أَحمدُ على ذلك في مَواضِعَ.
واختارَ المُوفَّقُ: لا يُكفَّرُ مُجتهِدُهم الدَّاعيةُ لقَولِ أَحمدَ للمُعتصِمِ: يا أَميرَ المُؤمِنينَ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى قَبولِ شَهادةِ أهلِ الأَهواءِ من أهلِ البِدعِ إذا كانوا مُجتنِبينَ للكَذبِ إلا الخَطابيةَ مِنْ الرافِضةِ؛ فإنَّهم يُصدِّقونَ مَنْ حلَفَ عندَهم بأنَّ له على فُلانٍ كذا، فيَشهَدونَ بذلك، يَعتقِدونَ بأنَّه صادِقٌ في دَعواه، نُسِبوا إلى ابنِ الخَطابِ، وهو رَجلٌ بالكُوفةِ يَعتقِدُ أنَّ عليًّا هو
стр. 13945
الإِلهُ الأكبَرُ، وجَعفَرًا الصادِقَ الإِلهُ الأصغَرُ، وقد قتَلَه الأميرُ عيسى بنُ موسى وصلَبَه.
ووَجهُ قَولِ قَبولِ شَهادتِهم أنَّه اختِلافٌ لم يُخرِجْهم عن الإِسلامِ، أشبَهَ الاختِلافَ في الفُروعِ، ولأنَّ فِسقَهم لا يَدلُّ على كَذِبِهم لكَونِهم ذَهَبوا إلى ذلك تَديُّنًا واعتِقادًا أنَّه الحَقُّ، ولم يَرتكِبوه عالِمينَ بتَحريمِه بخِلافِ فِسقِ الأَفعالِ (١).
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: ذهَبَ الناسُ مِنْ تَأويلِ القُرآنِ والأَحاديثِ، أو مَنْ ذهَبَ منهم، إلى أُمورٍ اختَلَفوا فيها، فتَبايَنوا فيها تَباينًا شَديدًا، واستحَلَّ فيها بعضُهم مِنْ بعضٍ ما تَطولُ حِكايتُه، وكانَ ذلك منهم مُتقادِمًا منه ما كانَ في عَهدِ السَّلفِ وبعدَهم إلى اليَومِ، فلم نَعلَمْ أحَدًا مِنْ سَلفِ هذه الأُمةِ يُقتَدى به ولا مِنْ التابِعينَ بعدَهم رَدَّ شَهادةَ أحَدٍ بتَأويلٍ، وإنْ خَطَّأه وضلَّلَه ورآه استحَلَّ فيه ما حُرِّمَ عليه، ولا رَدَّ شَهادةَ أحدٍ بشَيءٍ من التَّأويلِ كانَ له وَجهٌ يَحتمِلُه، وإنْ بلَغَ فيه استِحلالَ الدَّمِ والمالِ، أو ردَّ المُفرطَ من القَولِ، وذلك أنَّا وجَدنا الدِّماءَ أعظَمَ ما يُعصَى اللهُ تَعالى به بعدَ الشِّركِ ووَجَدنا مُتأوِّلينَ يَستحلُّونَها بوُجوهٍ، وقد رغَّبَ لهم نُظراؤُهم عنها
стр. 13946
وخالَفوهم فيها، ولم يَردُّوا شَهادتَهم بما رَأَوْا من خِلافِهم، فكلُّ مُستحِلٍّ بتَأويلٍ من قَولٍ أو غيرِه فشَهادتُه ماضيةٌ لا تُردُّ من خَطأٍ في تَأويلِه، وذلك أنَّه قد يَستحِلُّ مَنْ خالَفَه الخَطَأَ، إلا أنْ يَكونَ منهم من يُعرفُ باستِحلالِ شَهادةِ الزُّورِ على الرَّجلِ؛ لأنَّه يَراه حَلالَ الدَّمِ أو حَلالَ المالِ فتُردُّ شَهادتُه بالزُّورِ أو يَكونُ منهم مَنْ يَستحِلُّ أو يَرى الشَّهادةَ للرَّجلِ إذا وثِقَ به فيَحلِفُ له على حَقِّه ويَشهَدُ له بالبَتِّ ولم يَحضُرْه ولم يَسمَعْه، فتُردُّ شَهادتُه من قبَلِ استِحلالِه الشَّهادةَ بالزُّورِ، أو يَكونُ منهم مَنْ يُبايِنُ الرَّجلَ المُخالِفَ له مُبايَنةَ العَداوةِ له فتُردُّ شَهادتُه من جِهةِ العَداوةِ، فأيَّ هذا كانَ فيهم أو في غيرِهم ممَّن لا يُنسَبُ إلى هَوًى رَدَدتُ شَهادتَه، وأيُّهم سلِمَ من هذا أجَزتُ شَهادتَه.
وشَهادةُ مَنْ يَرى الكَذبَ شِركًا باللهِ، أو مَعصيةً له، يُوجِبُ عليها النارَ، أَولَى أنْ تَطيبَ النَّفسُ عليها مِنْ شَهادةِ مَنْ يُخفِّفُ المَأثمَ عليها، وكذلك إذا كانوا ممَّن يَشتِمُ قَومًا على وَجهِ تَأويلٍ في شَتمِهم لا على وَجهِ العَداوةِ، وذلك أنَّا إذا أجَزْنا شَهادتَهم على استِحلالِ الدِّماءِ كانَت شَهادتُهم بشَتمِ الرِّجالِ أَولَى ألَّا تُردَّ؛ لأنَّه مُتأوَّلٌ في الوَجهَينِ، والشَّتمُ أخَفُّ من القَتلِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: الفاسِقُ باعتِقادِه إذا كانَ مُتحفِّظًا في دِينِه؛ فإنَّ شَهادتَه مَقبولةٌ، وإنْ حكَمْنا بفِسقِه، كأهلِ البِدعِ والأَهواءِ الذين لا نُكفِّرُهم، كالرافِضةِ والخَوارجِ والمُعتزِلةِ ونَحوِهم، هذا مَنصوصُ الأئِمةِ.
стр. 13947
قالَ الشافِعيُّ: أَقبلُ شَهادةَ أهلِ الأَهواءِ بعضِهم على بعضٍ إلا الخَطابيةَ؛ فإنَّهم يَتديَّنونَ بالشَّهادةِ لمُوافِقيهم على مُخالِفيهم.
ولا رَيبَ أنَّ شَهادةَ مَنْ يَكفرُ بالذَّنبِ ويَعدُّ الكَذبَ ذَنبًا أَولَى بالقَبولِ ممَّن ليسَ كذلك، ولم يَزلِ السَّلفُ والخَلفُ على قَبولِ شَهادةِ هؤلاءِ ورِوايتِهم.
وإنَّما منَعَ الأئِمةُ -كالإِمامِ أَحمدَ بنِ حَنبَلٍ وأَمثالِه- قَبولَ رِوايةِ الداعي المُعلِنِ بِدعتَه وشَهادتِه، ومَنَعوا الصَّلاةَ خَلفَه هَجرًا له وزَجرًا ليَنكَفَّ ضَررُ بِدعتِه عن المُسلِمينَ، ففي قَبولِ شَهادتِه ورِوايتِه والصَّلاةِ خَلفَه واستِقضائِه وتَنفيذِ أَحكامِه رِضًا ببِدعتِه وإِقرارٌ له عليها وتَعريضٌ لقَبولِها منه.
قالَ حَربٌ: قالَ أَحمدُ: لا تَجوزُ شَهادةُ القَدَريةِ والرافِضةِ وكلِّ مَنْ دَعا إلى بِدعةٍ ويُخاصِمُ عليها.
وقالَ المَيمونِيُّ: قالَ أَبو عبدِ اللهِ في الرافِضةِ: لعَنَهم اللهُ، لا تُقبلُ شَهادتُهم ولا كَرامةَ لهم.
وقالَ إِسحاقُ بنُ مَنصورٍ: قُلتُ لأَحمدَ: كانَ ابنُ أَبي لَيلَى يُجيزُ شَهادةَ كلِّ صاحِبِ بِدعةٍ إذا كانَ عَدلًا فيهم، لا يَستحِلُّ شَهادةَ الزُّورِ.
قالَ أَحمدُ: ما تُعجِبُني شَهادةُ الجَهميةِ والرافِضةِ والقَدَريةِ والمُعلِنةِ.
وقالَ المَيمونِيُّ: سمِعتُ أَبا عبدِ اللهِ يَقولُ: مَنْ أخافُ عليه الكُفرَ -مِثلَ الرَّوافِضِ والجَهميةِ- لا تُقبلُ شَهادتُهم ولا كَرامةَ لهم.
وقالَ في رِوايةِ يَعقوبَ بنِ بَختانَ: إذا كانَ القاضِي جَهميًّا لا نَشهَدُ عندَه.
стр. 13948
وقالَ أَحمدُ بنُ الحَسنِ التِّرمذيُّ: قدِمتُ على أَبي عبدِ اللهِ فقالَ: ما حالُ قاضِيكم؟ لقد مُدَّ له في عُمرِه، فقُلتُ له: إنَّ للناسِ عِندي شَهاداتٍ صِرتُ إلى البِلادِ لا آمَنُ إذْ أشهَدُ عندَه أنْ يَفضَحَني. قالَ: لا تَشهَدْ عندَه. قُلتُ: يَسألُني مَنْ له عِندي شَهادةٌ. قالَ: لكَ ألَّا تَشهدَ عندَه.
قُلتُ: مَنْ كفَرَ بمَذهبِه كمَن يُنْكِرُ حُدوثَ العالَمِ وحَشرَ الأَجسادِ وعِلمَ الرَّبِّ تَعالى بجَميعِ الكائِناتِ وأنَّه فاعِلٌ بمَشيئتِه وإِرادتِه، فلا تُقبلُ شَهادتُه؛ لأنَّه على غيرِ الإِسلامِ، فأمَّا أهلُ البِدعِ المُوافِقونَ لأهلِ الإِسلامِ ولكنَّهم مُخالِفونَ في بعضِ الأُصولِ كالرافِضةِ والقَدريةِ والجَهميةِ وغُلاةِ المُرجِئةِ ونَحوِهم، فهؤلاءِ أَقسامٌ:
أَحدُها: الجاهِلُ المُقلِّدُ الذي لا بَصيرةَ له، فهذا لا يُكفَّرُ ولا يُفسَّقُ ولا تُردُّ شَهادتُه إذا لم يَكنْ قادِرًا على تَعلُّمِ الهُدى، وحُكمُه حُكمُ المُستَضعَفينَ من الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلدانِ الذين لا يَستَطيعونَ حِيلةً ولا يَهتَدونَ سَبيلًا، فأُولئكَ عَسى اللهُ أنْ يَعفوَ عنهم، وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفورًا.
القِسمُ الثانِي: المُتمكِّنُ من السُّؤالِ وطَلبِ الهِدايةِ ومَعرفةِ الحَقِّ ولكنْ يَتركُ ذلك اشتِغالًا بدُنياه ورياستِه ولَذَّتِه ومَعاشِه وغيرِ ذلك، فهذا مُفرِّطٌ مُستحِقٌّ للوَعيدِ آثِمٌ بتَركِ ما وجَبَ عليه من تَقوَى اللهِ بحَسَبِ استِطاعتِه، فهذا حُكمُه حُكمُ أَمثالِه من تارِكي بَعضِ الواجِباتِ؛ فإنْ غلَبَ ما فيه من البِدعةِ والهَوى على ما فيه من السُّنةِ والهُدى رُدَّت شَهادتُه، وإنْ غلَبَ ما فيه من السُّنةِ والهُدى قُبلَت شَهادتُه.
стр. 13949
القِسمُ الثالِثُ: أنْ يَسألَ ويَطلُبَ ويَتبيَّنَ له الهُدى ويَتركَه تَقليدًا وتَعصُّبًا أو بُغضًا أو مُعاداةً لأَصحابِه، فهذا أقَلُّ دَرجاتِه أنْ يَكونَ فاسِقًا، وتَكفيرُه مَحلُّ اجتِهادٍ وتَفصيلٍ؛ فإنْ كانَ مُعلِنًا داعيةً رُدَّت شَهادتُه وفتاويه وأَحكامُه معَ القُدرةِ على ذلك، ولم تُقبَلْ له شَهادةٌ ولا فَتوى ولا حُكمٌ إلا عندَ الضَّرورةِ كحالِ غَلبةِ هؤلاءِ واستِيلائِهم وكَونِ القُضاةِ والمُفتينَ والشُّهودِ منهم، ففي رَدِّ شَهادتِهم وأَحكامِهم إذْ ذاك فَسادٌ كَثيرٌ ولا يُمكنُ ذلك، فتُقبلُ للضَّرورةِ.
وقد نَصَّ مالِكٌ ﵀ على أنَّ شَهادةَ أهلِ البِدعِ كالقَدَريةِ والرافِضةِ ونَحوِهم لا تُقبلُ وإنْ صَلَّوْا صَلاتَنا واستَقبَلوا قِبلَتَنا.
قالَ اللَّخميُّ، وذلك لفِسقِهم، قالَ: ولو كانَ ذلك عن تَأويلٍ غلِطوا فيه.
فإذا كانَ هذا رَدَّهم لشَهادةِ القَدريةِ -وغَلطُهم إنَّما هو مِنْ تأويلِ القُرآنِ كالخَوارجِ- فما الظَّنُّ بالجَهميةِ الذين أخرَجَهم كَثيرٌ من السَّلفِ من الثِّنتَينِ والسَّبعينَ فِرقةً (١).
الحُكمُ إذا كانَ أغلَبُ الناسِ فُسَّاقًا:
قالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: وعلى هذا فإذا كانَ الناسُ فُساقًا كلُّهم إلا القَليلَ النادِرَ قُبلَت شَهادةُ بعضِهم على بعضٍ، ويُحكمُ بشَهادةِ الأمثَلِ من الفُساقِ فالأمثَلِ، هذا هو الصَّوابُ الذي عليه العَملُ، وإنْ أنكَرَه كَثيرٌ من الفُقهاءِ بألسِنتِهم كما أنَّ العَملَ على صِحةِ وِلايةِ الفاسِقِ ونُفوذِ أَحكامِه وإنْ
стр. 13950
أنكَروه بألسِنتِهم، وكذلك العَملُ على صِحةِ كَونِ الفاسِقِ وَليًّا في النِّكاحِ ووَصيًّا في المالِ.
والعَجبُ ممَّن يَسلبُه ذلك ويَردُّ الوِلايةَ إلى فاسِقٍ مِثلِه أو أفسَقَ منه.
فإنَّ العَدلَ الذي تَنتقِلُ إليه الوِلايةُ قد تَعذَّرَ وُجودُه وامتازَ الفاسِقُ القَريبُ بشَفقةِ القَرابةِ، والوَصيُّ باختيارِ المُوصي، وإِيثارِه على غيرِه، ففاسِقٌ عَيَّنه المُوصي أو امتازَ بالقَرابةِ أَولَى من فاسِقٍ ليسَ كذلك، على أنَّه إذا غلَبَ على الظَّنِّ صِدقُ الفاسِقِ قُبلَت شَهادتُه وحُكمَ بها، واللهُ سُبحانَه لم يَأمرْ برَدِّ خبَرِ الفاسِقِ فلا يَجوزُ رَدُّه مُطلَقًا بل يَتثبَّتُ فيه حتى يَتبيَّنَ هل هو صادِقٌ أو كاذِبٌ؛ فإنْ كانَ صادِقًا قُبلَ قَولُه وعُملَ به وفِسقُه عليه، وإنْ كانَ كاذِبًا رُدَّ خبَرُه ولم يُلتفَتْ إليه.
ولرَدِّ خَبَرِ الفاسِقِ وشَهادتِه مَأخَذانِ:
أَحدُهما: عَدمُ الوُثوقِ به؛ إذْ تَحمِلُه قِلةُ مُبالاتِه بدِينِه ونُقصانُ وَقارِ اللهِ في قَلبِه على تَعمُّدِ الكَذبِ.
الثانِي: هَجرُه على إِعلانِه بفِسقِه ومُجاهَرتِه به.
فقَبولُ شَهادتِه إِبطالٌ لهذا الغَرضِ المَطلوبِ شَرعًا.
فإذا عُلمَ صِدقُ لَهجةِ الفاسِقِ وأنَّه مِنْ أصدَقِ الناسِ وإنْ كانَ فِسقُه بغَيرِ الكَذبِ فلا وَجهَ لرَدِّ شَهادتِه، وقد استَأجرَ النَّبيُّ ﷺ هاديًا يَدلُّه على طَريقِ المَدينةِ وهو مُشرِكٌ على دِينِ قَومِه ولكنْ لمَّا وَثِقَ بقَولِه أمِنَه ودَفَع إليه راحِلتَه وقبِلَ دِلالَتَه.
стр. 13951
وقد قالَ أصبَغُ بنُ الفَرجِ: إذا شهِدَ الفاسِقُ عندَ الحاكِمِ وجَبَ عليه التَّوقُّفُ في القَضيةِ وقد يُحتَجُّ له بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦].
وحَرفُ المَسألةِ أنَّ مَدارَ قَبولِ الشَّهادةِ ورَدِّها على غَلَبةِ ظَنِّ الصِّدقِ وعَدمِه.
والصَّوابُ المَقطوعُ به أنَّ العَدالةَ تَتبعَّضُ فيَكونُ الرَّجلُ عَدلًا في شَيءٍ، فاسِقًا في شَيءٍ، فإذا تَبيَّن للحاكِمِ أنَّه عَدلٌ فيما شهِدَ به قبِلَ شَهادَتَه ولم يَضرُّه فِسقُه في غَيرِه.
ومَن عرَفَ شُروطَ العَدالةِ وعرَفَ ما عليه الناسُ تبيَّنَ له الصَّوابُ في هذه المَسألةِ واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ورَدُّ شَهادةِ مَنْ عُرفَ بالكَذبِ، مُتَّفقٌ عليه بينَ الفُقهاءِ، وقالَ: والعَدلُ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، وطائِفةٍ، بحَسَبِها، فيَكونُ الشاهِدُ في كُلِّ قَومٍ، مَنْ كانَ ذا عَدلٍ منهم، وإنْ كانَ لو كانَ في غَيرِهم، لَكانَ عَدلُه على وَجهٍ آخَرَ، وبهذا يُمكِنُ الحُكمُ بينَ الناسِ، وإلا لو اعتُبِرَ في شُهودِ كلِّ طائِفةٍ، ألَّا يَشهَدَ عليهم إلا مَنْ يَكونُ قائِمًا بأداءِ الواجِباتِ، وتَركِ المُحرَّماتِ، كما كانَ الصَّحابةُ، لَبطَلَت الشهاداتُ كلُّها، أو غالِبُها … يَتوَجَّه أنْ تُقبَلَ شَهادةُ المَعروفينَ بالصِّدقِ، وإنْ لم يَكونوا مُلتَزِمينَ للحُدودِ، عندَ الضَّرورةِ، مِثلَ الحَبسِ، وحَوادِثِ البَدوِ، وأهلِ القَريةِ الذين لا يُوجدُ فيهم
стр. 13952
عَدلٌ، وله أُصولٌ، منها: شَهادةُ أهلِ الذِّمةِ، وشَهادةُ الصِّبيانِ والنِّساءِ، فيما لا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ، والشُّروطُ في القُرآنِ في التَّحمُّلِ لا الأَداءِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا تَعذَّرَ وُجودُ العَدلِ المَوصوفِ بتلك الأَوصافِ أو تَعسَّرَ كما في زَمانِنا هذا اكتُفيَ بمَن لا يُعرَفُ كَذبُه للضَّرورةِ، وقيلَ: يُجبَرُ بزيادةِ العَددِ (٢).
الشَّرطُ السابِعُ: النُّطقُ (شَهادةُ الأخرَسِ):
اشتَرطَ الفُقهاءُ في الشاهِدِ أنْ يَكونَ ناطِقًا، واختَلفَ الفُقهاءُ في شَهادةِ الأخرَسِ إذا فُهمَت هل تُقبَلُ أو لا تُقبَلُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا تَصحُّ شَهادةُ الأخرَسِ وإنْ فُهمَت إشارَتُه؛ لأنَّ إشارَتَه أُقيمَت مَقامَ العِبارةِ في مَوضِعِ الضَّرورةِ، وهو في النِّكاحِ والطَّلاقِ؛ لأنَّها لا تُستَفادُ إلا من جِهتِه، ولا ضَرورةَ بنا إلى شَهادتِه؛ لأنَّها تَصحُّ من غَيرِه بالنُّطقِ فلا تَجوزُ بإِشارتِه كإِشارةِ الناطِقِ، يُحقِّقُه أنَّ الشَّهادةَ يُعتبَرُ فيها اليَقينُ، ولذلك لا يُكتَفَى بإيماءِ الناطِقِ، ولا يَحصُلُ اليَقينُ بالإِشارةِ، وإنَّما اكتُفيَ بإِشارتِه في أَحكامِه المُختَّصةِ به للضَّرورةِ، ولا ضَرورةَ ههنا، ولهذا لم يَجزْ أنْ يَكونَ حاكِمًا، ولأنَّ الحاكِمَ لا يَمضي حُكمُه إلا إذا وُجدَ حُكمُه بخَطِّه تَحتَ خَتمِه، ولم يُذكَرْ حُكمُه، والشاهِدُ لا يَشهَدُ برُؤيةِ خَطِّه فلَأنْ يَكونَ لا يُحكَمُ بخَطِّ غَيرِه أولَى.
стр. 13953
إلا أنَّ الحَنابِلةَ قالوا: تُقبَلُ منه إذا أَداها بخَطِّه لا بإِشارَتِه لدِلالةِ الخَطِّ على الأَلفاظِ.
وأمَّا الاستِدلالُ بإِشارةِ النَّبيِّ ﷺ فلا يَصحُّ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ قادِرًا على الكَلامِ وعُملَ بإشارَتِه في الصَّلاةِ، ولو شهِدَ الناطِقُ بالإِيماءِ والإشارةِ لم يَصحَّ إِجماعًا، فعُلمَ أنَّ الشَّهادةَ مُفارِقةٌ لغَيرِها من الأَحكامِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ إلى أنَّه تَصحُّ شَهادةُ الأخرَسِ إنْ فُهمَت إشارَتُه وأنَّها تَقومُ مَقامَ اللَّفظِ بالشَّهادةِ؛ لأنَّ الشَّهادةَ عِلمٌ يُؤدِّيه الشاهِدُ إلى الحاكِمِ، فإذا فُهمَ منه بطَريقٍ يُفهَمُ مِنْ مِثلِه قُبلَت، كالناطِقِ إذا أدَّاها بالصَّوتِ، ولأنَّه مَعنًى يَحتاجُ إلى النُّطقِ فيَقعُ الفَهمُ، فإذا تَعذَّرَ النُّطقُ جازَ أنْ تَقومَ الإِشارةُ مَقامَه إذا وقَعَ الفَهمُ بها، أصلُه الإِقرارُ والطَّلاقُ؛ لأنَّها تَقومُ مَقامَ نُطقِه في أَحكامِه مِنْ طَلاقِه ونِكاحِه وظِهارِه وإيلائِه، فكذلك في شَهادتِه ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أشارَ وهو جالِسٌ في الصَّلاةِ إلى الناسِ وهُم قيامٌ أنِ اجلِسوا، فجَلَسوا (٢).
стр. 13954
الشَّرطُ الثامِنُ: أنْ يَكونَ مُبصِرًا (شَهادةُ الأعمَى):
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا في شَهادةِ الأَعمى، فقالَ مالِكٌ وأَحمدُ: تَصحُّ فيما طَريقُة السَّماعُ كالنَّسَبِ والمَوتِ والمِلكِ المُطلَقِ، والوَقفِ والعِتقِ وسائِرِ العُقودِ كالنِّكاحِ والبَيعِ والصُّلحِ والإِجارةِ والإِقرارِ ونَحوِ ذلك، وسَواءٌ تَحمَّلَها وهو أَعمى، أو وهو بَصيرٌ ثم عَمِيَ. وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا تُقبلُ شَهادتُه أصلًا. وقالَ الشافِعيُّ: تُقبلُ شَهادتُه في أربَعةِ أَشياءَ، في ثَلاثةِ أَشياءَ، هي: طَريقةُ الاستِفاضةِ والتَّرجمةِ والضَّبطِ. ولا تُقبلُ شَهادتُه بالضَّبطِ حتى يَتعلَّقَ بإنسانٍ يَسمَعُ إقرارَه، ثم لا يَتركُه مِنْ يَدِه حتى يُؤدِّيَ شَهادتَه عليه، ولا يُقبَلُ فيما عدا ذلك (١).
стр. 13955
فصل في مَوانِعِ الشَّهادةِ
إذا تَوافَرَت شُروطُ الشَّهادةِ بأنْ كانَ الشاهِدُ مُسلِمًا حُرًّا عَدلًا بَصيرًا ناطِقًا؛ فإنَّ شَهادَتَه صَحيحةٌ إلا أنَّه قد يُوجَدُ مانِعٌ يَمنَعُ مِنْ قَبولِ شَهادتِه عندَ بَعضِ الفُقهاءِ كشَهادةِ أحدِ الزَّوجَينِ للآخَرِ، وأحَدِ الشَّريكَينِ لصاحِبِه والوَلدِ لأَبيه أو الوالِدِ لابنِه، وإنْ كانَ هناك عَداوةٌ دُنيَويةٌ بَينَهما، وبَيانُ هذا فيما يَلي:
المانِعُ الأولُ: شَهادةُ أحَدِ الزَّوجَينِ للآخَرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ شَهادةِ أحَدِ الزَّوجَينِ لصاحِبِه هل تُقبلُ شَهادتُه إذا تَوافَرَت فيه شُروطُ الشَّهادةِ أو لا تُقبلُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ أحَدِ الزَّوجَينِ للآخَرِ؛ لأنَّ الانتِفاعَ بينَهما مُتَّصلٌ عادةً فيَكونُ مُتَّهمًا؛ لأنَّ ما بينَهما مِنْ وَصلةِ الزَّوجيةِ يَكونُ تُهمةً في شَهادةِ كلِّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه، وبَيانُ ذلك أنَّ عَقدَ النِّكاحِ مَشروعٌ لهذا، وهو أنْ يَألفَ كلُّ واحِدٍ منهما صاحِبَه ويَميلَ إليه ويُؤثِرَه على غَيرِه، وإليه أشارَ اللهُ تَعالى في قَوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
стр. 13956
[الروم: ٢١]، فأخبَرَ تَعالى أنَّ سَبَبَ الزَّوجيةِ لسُكونِ نَفسِ كلِّ واحِدٍ من الزَّوجَينِ إلى الآخَرِ، وأنَّه طبَعَهما على التَّحابِّ والتَّوادِّ والحُنوِّ والرَّأفةِ والاتِّحادِ، فهو مَشروعٌ لمَعنَى الاتِّحادِ في القيامِ بمَصالِحِ المَعيشةِ، ولهذا جعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ أُمورَ ما في داخِلِ البَيتِ على فاطِمةَ ﵄، وأُمورَ ما في خارِجِ البَيتِ على علِيٍّ ﵁ وبهما تَقومُ مَصالِحُ المَعيشةِ، فكانا في ذلك كشَخصٍ واحِدٍ.
ولا يُقالُ هذا الاتِّحادُ بينَهما في حُقوقِ النِّكاحِ خاصَّةً؛ لأنَّ مَعنى الاتِّحادِ في حُقوقِ النِّكاحِ مُستحَقٌّ شَرعًا، وفيما وَراءَ ذلك ثابِتٌ عُرفًا فالظاهِرُ مَيلُ كلِّ واحِدٍ منهما إلى صاحِبِه وإِيثارُه على غَيرِه كما في الآباءِ والأولادِ بل أظهَرُ؛ فإنَّ الإِنسانَ قد يُعادي والدَيه لتَرضَى زَوجَتُه، وقد تَأخذُ المَرأةُ من مالِ أَبيها فتَدفَعُه إلى زَوجِها، والدَّليلُ عليه أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَعدُّ مَنفَعةَ صاحِبِه مَنفَعتَه، ويُعدُّ الزَّوجُ غَنيًّا بمالِ الزَّوجةِ، قيلَ في تَأويلِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٨]، أي بمالِ خَديجةَ ﵂، ولمَّا جاءَ إلى عُمرَ ﵁ رَجلٌ فقالَ: إنَّ عَبدي سرَقَ مِرآةَ امرَأتِي، فقالَ: «مالُكَ سرَقَ بَعضُه بَعضًا».
والدَّليلُ على أنَّ الزَّوجةَ بمَنزِلةِ الأَولادِ حُكمًا استِحقاقُ الإرثِ بها مِنْ غيرِ حَجبٍ بمَن هو أقرَبُ.
تَوضيحُ الفَرقِ ما قُلنا: إنَّ الزَّوجةَ بمَنزِلةِ الأصلِ للوِلادِ؛ فإنَّ الوِلادَ يَنشأُ مِنْ الزَّوجيةِ، والحُكمُ الثابِتُ للفَرعِ يَثبُتُ في الأصلِ، وإنِ انعَدَم ذلك المَعنى فيه، ولأنَّه إنْ كانَ الزَّوجُ الشاهِدَ فهو يَجرُّ إلى نَفسِه نَفعًا؛ لأنَّ قِيمةَ
стр. 13957
بُضعِ المَرأةِ المَملوكِ له يَزدادُ بيَسارِها، وإنْ كانَ الشاهِدُ المَرأةَ فنَفَقتُها تَزدادُ بيَسارِه.
ولِما رُويَ عن عُمرَ ﵁: «لا تَجوزُ شَهادةُ خَصمٍ ولا ظِنِّينٍ» (١). والظِّنِّينُ المُتَّهمُ، وذلك مَوجودٌ في الزَّوجَينِ في غالِبِ الطِّباعِ، بدَليلِ أنَّ العِلمَ المُتصَوَّرَ في النُّفوسِ بأنَّ الإنسانَ يُحبُّ نَفعَ زَوجتِه ويَهوَى هَواها ويَكرَهُ ضرَرَها، حتى إنَّه يَغضَبُ لها على أهلِه وأَقاربِه، ويَنتفِعُ بما لها، ويَنبَسِطُ فيه، ويَتحمَّلُ به، وإذا صحَّ ذلك كانَت هذه التُّهمةُ مانِعةً مِنْ قَبولِ شَهادةِ أحَدِهما للآخَرِ كالأبِ والابنِ.
وتَحريرُه قِياسًا أنْ يُقالَ؛ لأنَّها شَهادةٌ تَقوَى التُّهمةُ فيها، وأَسبابُها مِنْ الشاهِدِ والمَشهودِ له، فكانَت مَردودةً، أصلُه شَهادةُ الأبِ لابنِه، ولأنَّها شَهادةٌ يُجريها الشاهِدُ نَفعًا إلى نَفسِه، فلم تُقبَلْ كشَهادتِه على غَريمِه ولنَفسِه معه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ والإمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه تُقبلُ شَهادةُ أحدِ الزَّوجَينِ للآخَرِ؛ لعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾
стр. 13958
[البقرة: ٢٨٢]، وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولم يُفرِّقْ، فوجَبَ أنْ يَكونَ على عُمومِه.
ورَوى مُجالِدٌ عن الشَّعبيِّ عن سُوَيدِ بنِ غَفَلةَ أنَّ يَهوديًّا كانَ يَسوقُ امرَأةً على حِمارةٍ فنخَسَها فرَمَت بها، فوقَعَت عليها، فشهِدَ عليه زَوجُها وأَخوها بقَتلِها عندَ عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ وقبِلَ شَهادتَهما. وقتَلَه وصلَبَه. وقالَ سُوَيدُ بنُ غَفلةَ: إنَّه لأوَّلُ مَصلوبٍ صُلبَ بالشامِ. وليسَ لعُمرَ مُخالِفٌ في الصَّحابةِ معَ انتِشارِ القِصةِ، فثبَتَ أنَّه إِجماعٌ لا مُخالِفَ له.
ولأنَّ بينَهما صِلةً لا تُوجِبُ العِتقَ لم يُمنَعْ مِنْ قَبولِ الشَّهادةِ، كالعَشيرةِ، ولأنَّها حُرمةٌ حدَثَت عن صِلةٍ، فلم تَمنَعْ من قَبولِ الشَّهادةِ، كآباءِ الزَّوجَينِ وأَبنائِهما، ولأنَّه عَقدٌ على مَنفَعةٍ فلم يُوجِبْ رَدَّ الشَّهادةِ كالإجارةِ. ولأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ لم يَمنَعْ مِنْ قَبولِ الشَّهادةِ كالبَيعِ.
ولأنَّ الزَّوجيةَ قد تَكونُ سَببًا للتَّنافُرِ والعَداوةِ، وقد تَكونُ سَببًا للمَيلِ والإِيثارِ، فهي نَظيرُ الأُخوَّةِ أو دونَ الأُخوَّةِ؛ فإنَّها تَحتمِلُ القَطعَ، والأُخوَّةُ لا تَحتمِلُ.
ودَليلُ هذا الوَصفِ جَريانُ القِصاصِ بينَهما في الطَّريقينِ في النَّفسِ، وأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لا يُعتَقُ على صاحِبِه إذا ملَكَه، ولأنَّ هذه وَصلةٌ بينَهما باعتِبارِ عَقدٍ لا يُؤثِّرُ في المَنعِ مِنْ قَبولِ الشَّهادةِ كالصَّداقِ والإِظهارِ والإِختانِ، وهذا لأنَّ عَقدَ النِّكاحِ يُثبِتُ أَحكامًا مُشتَركةً بَينَهما، ففيما وَراءَ ذلك يَنْزِلُ كلُّ واحِدٍ منهما مِنْ صاحِبِه مَنزِلةَ الأجنَبيِّ كشَريكَيِ العِنانِ.
стр. 13959
وهذا عندَ الشافِعيةِ في غيرِ الشَّهادةِ عليها بالزِّنا؛ لأنَّ شَهادتَه دَعوى خِيانةٍ في حَقِّه، فلم تُقبَلْ كشَهادةِ المُودِعِ على المُودَعِ بالخِيانةِ في الوَديعةِ، ولأنَّه خَصمٌ لها فيما يَشهَدُ به، فلم تُقبَلْ كما لو شهِدَ عليها أنَّها جَنَتْ عليه.
وفي قَولٍ عندَهم: تُقبلُ شَهادةُ الزَّوجِ لها دونَ عَكسِه (١).
المانِعُ الثانِي: شَهادةُ الآباءِ والأبناءِ بَعضِهم لبَعضٍ:
شَهادةُ الآباءِ للأبناءِ وشَهادةُ الأبناءِ للآباءِ لا تَخلو من حالتَينِ:
الحالةُ الأولى: الشَّهادةُ لهم (أنْ يَشهَدَ كلُّ واحِدٍ منهما للآخَرِ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ شَهادةِ الآباءِ للأبناءِ وشَهادةِ الأبناءِ للآباءِ هل تُقبلُ أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ الوالِدِ لوَلدِه ولا لوَلدِ وَلدِه، وإنْ سفَلَ، وسَواءٌ في ذلك وَلدُ البَنينِ ووَلدُ البَناتِ، ولا تُقبلُ شَهادةُ الوَلدِ لوالِدِه ولا لوالِدتِه، ولا جَدِّه ولا جَدَّتِه مِنْ قبَلِ أبيه وأُمِّه، وإن عَلَوا، وسَواءٌ في ذلك الآباءُ والأُمَّهاتُ وآباؤُهم وأُمَّهاتُهم.
وعن عائِشةَ مَرفوعًا: «لا تَجوزُ شَهادةُ خائِنٍ ولا خائِنةٍ ولا مَجلودٍ حَدًّا
стр. 13960
ولا مَجلودةٍ ولا ذي غِمرٍ لأَخيه، ولا مُجرَّبِ شَهادةٍ ولا القانِعِ أهلَ البَيتِ لهم، ولا ظِنِّينٍ في وَلاءٍ ولا قَرابةٍ» (١).
والظِّنِّينُ: المُتَّهمُ، وكلٌّ مِنْ الوالِدَينِ والأَولادِ مُتَّهمٌ في حَقِّ الآخَرِ؛ لأنَّه يَميلُ إليه بطَبعِه، ولهذا قالَ النَّبيُّ ﷺ : «فاطِمةُ بَضعةٌ مِنِّي يَريبُني ما رابَها» (٢).
ولأنَّه مُتَّهمٌ في الشَّهادةِ لوَلدِه كتُهمةِ العَدُوِّ في الشَّهادةِ على عَدُوِّه، والخَبَرُ أخَصُّ من الآياتِ فتُخَصُّ به.
ولأنَّ نَفسَه كنَفسِه، ومالَه كمالِه، ولهذا قالَ ﵊ لأَبي مَعشَرٍ الدارِميِّ: «أنتَ ومالُكَ لأَبيك» (٣)، وقالَ ﷺ : «إنَّ أطيَبَ ما أكَلَ الرَّجلُ مِنْ كَسبِه، وإنَّ ولَدَه مِنْ كَسبِه» (٤)، ولهذا يُعتَقُ عليه إذا ملَكَه ويَستحِقُّ عليه النَّفَقةَ إذا احتاجَ، والآيةُ نَخصُّها بما ذَكَرناه.
ولأنَّه مَعلومٌ مِنْ طِباعِ الناسِ أنَّ الأبَ يُحِبُّ نَفعَ ابنِه وإيصالَ النَّفعِ ودَفعَ الضَّررِ عنه، ويُؤْثِرُ ذلك على نَفسِه حتى إنَّه ربما دَعاه أنْ يَشهَدَ له بالزُّورِ ويَركَبَ في أمرِه كلَّ مَحظورٍ فيُوصِلَه إلى النَّفعِ الذي يَبغي وُصولَه إليه، أو يُخلِّصَه مِنْ الضَّررِ الذي يُريدُ دَفعَه عنه، وقد نبَّهَ اللهُ تَعالى على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، وقالَ
стр. 13961
ﷺ : «فاطِمةُ بَضعةٌ مِنِّي يَريبُني ما يَريبُها»، وإذا ثبَتَ ذلك ثبَتَت التُّهمةُ فيه، فكانَت كشَهادتِه لنَفسِه (١).
وذهَبَ الإمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ والمُزنِيُّ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذِرِ -وهو عن عُمرَ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وداودَ وإسحاقَ- إلى أنَّ شَهادةَ الآباءِ للأَبناءِ وشَهادةَ الأَبناءِ للآباءِ تُقبَلُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فعَمَّ ولم يَخُصَّ، ولأنَّهم كغَيرِهم في العَدالةِ فكانوا كغَيرِهم في الشَّهادةِ، ولأنَّه عَدلٌ تُقبلُ شَهادتُه في غيرِ هذا المَوضعِ، فتُقبلُ شَهادتُه فيه كالأجنَبيِّ.
ورُويَ عن أَحمدَ ﵀ رِوايةٌ: تُقبلُ شَهادةُ الابنِ لأَبيه، ولا تُقبلُ شَهادةُ الأبِ له؛ لأنَّ مالَ الابنِ في حُكمِ مالِ الأبِ له أنْ يَتملَّكَه إذا شاءَ، فشهادَتُه له شَهادةٌ لنَفسِه أو يَجرُّ بها لنَفسِه نَفعًا، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «أنتَ ومالُكَ لأَبيك»، وقالَ: «إنَّ أطيَبَ ما أكَلَ الرَّجلُ مِنْ كَسبِه، وإنَّ أَولادَكم مِنْ أطيَبِ كَسبِكم، فكُلوا مِنْ أَموالِهم»، ولا يُوجَدُ هذا في شَهادةِ الابنِ لأَبيه.
стр. 13962
وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ تُقبلُ شَهادةُ كلِّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه فيما لا تُهمةَ فيه كالنِّكاحِ والطَّلاقِ والقِصاصِ والمالِ إذا كانَ مُستَغنًى عنه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لا يَنتفِعُ بما يَثبُتُ للآخَرِ من ذلك، فلا تُهمةَ في حَقِّه (١).
قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: المُختارُ عِندي أنَّ أصلَ الشَّريعةِ لا تَجوزُ شَهادةُ الوالِدِ للوَلدِ ولا الوَلدِ للوالِدِ لما بينَهما من البَضعيةِ، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّما فاطِمةُ بَضعةٌ مِنِّي يَريبُني ما رابَها ويُؤذينِي ما آذَاها»، وشَهادةُ الإِنسانِ لنَفسِه لا تَجوزُ إلا أنَّ مَنْ تَقدَّم قالَ: إنَّه كانَ يُسامِحُ فيه، وما رَوَى قَطُّ أحَدٌ أنَّه نُفِّذ قَضاءٌ بشَهادةِ وَلدٍ لوالِدِه ولا والِدٍ لوَلدِه، وإنَّما مَعنى المُسامَحةِ فيه أنَّهم كانوا لا يُصرِّحونَ برَدِّها ولا يُحذِّرونَ منها؛ لصَلاحِ الناسِ، فلما فَسَدوا وقَعَ التَّحذيرُ ونبَّهَ العُلماءُ على الأصلِ، فظَنَّ مَنْ تغافَلَ أو غفَلَ أنَّ الماضِينَ جوَّزوها، وما كانَ ذلك قَطُّ، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ مِنْ أطيَبِ ما أكَلَ الرَّجلُ مِنْ كَسبِه وإنَّ ولَدَه مِنْ كَسبِه»، وقد جعَلَه اللهُ جُزءًا منه في الإِسلامِ وتَبَعًا له في الإِيمانِ، فهو مُسلِمٌ بإِسلامِ أَبيه بإِجماعٍ، ومُسلِمٌ بإِسلامِ أُمِّه باختِلافٍ، ومالُه لأَبيه حَيًّا ومَيتًا، وهكذا في أُصولِ الشَّريعةِ ولا بَيانَ فَوقَ هذا (٢).
стр. 13963
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَشهدَ كلُّ واحِدٍ منهما على صاحِبِه:
نَصَّ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ شَهادةَ الآباءِ على الأَبناءِ وشَهادةَ الأَبناءِ على الآباءِ مَقبولةٌ إلا في قَولٍ للشافِعيةِ أنَّها لا تُقبَلُ شَهادةُ الوالِدِ على وَلدِه في الحُدودِ والقِصاصِ.
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأمَّا شَهادةُ كلِّ واحِدٍ منهما على صاحِبِه فمَقبولةٌ عندَ الجَميعِ، إلا ما رُويَ عن الشافِعيِّ في أحَدِ قَولَيه: أنَّها لا تُقبَلُ شَهادةُ الوالِدِ على وَلدِه في الحُدودِ والقِصاصِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا شَهادةُ أحَدِهما على صاحِبِه فتُقبَلُ، نَصَّ عليه أَحمدُ، وهذا قَولُ عامةِ أهلِ العِلمِ.
ولم أَجدْ عن أَحمدَ في الجامِعِ فيه خِلافًا، وذلك لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، فأمَرَ بالشَّهادةِ عليهم، ولو لم تُقبَلْ لَما أمَرَ بها، ولأنَّها إنَّما رُدَّت للتُّهمةِ في إِيصالِ النَّفعِ ولا تُهمةَ في شَهادتِه عليه، فوجَبَ أنْ تُقبلَ كشَهادةِ الأجنَبيِّ بل أَولَى؛ فإنَّ شَهادتَه لنَفسِه لمَّا رُدَّت للتُّهمةِ في إِيصالِ النَّفعِ إلى نَفسِه كانَ إِقرارُه عليه مَقبولًا.
وحَكى القاضِي في المُجرَّدِ رِوايةً أُخرى أنَّ شَهادةَ أحَدِهما لا تُقبَلُ على صاحِبِه؛ لأنَّ شَهادتَه له غيرُ مَقبولةٍ فلا تُقبَلُ عليه كالفاسِقِ.
стр. 13964
وقالَ بعضُ الشافِعيةِ: لا تُقبَلُ شَهادةُ الابنِ على أَبيه في قِصاصٍ ولا حَدِّ قَذفٍ؛ لأنَّه لا يُقتَلُ بقَتلِه، ولا يُحدُّ بقَذفِه، فلا يَلزَمُه ذلك.
والمَذهَبُ الأولُ لِما ذَكَرنا، ولأنَّه يُتَّهمُ ولا يُتَّهمُ عليه، فشَهادتُه عليه أبلَغُ في الصِّدقِ كإِقرارِه على نَفسِه (١).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ ﵀: وتُقبَلُ شَهادةُ الوالِدِ على وَلدِه في كلِّ شَيءٍ؛ لأنَّه لا يُتَّهمُ في ذلك. وتُقبَلُ شَهادةُ الوَلدِ على الوالِدِ في غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ، وهل تُقبَلُ شَهادتُه عليه في الحُدودِ والقِصاصِ؟ فيه وَجهانِ: ومِن أَصحابِنا مَنْ حَكاهما قَولَينِ:
أحدُهما: لا تُقبلُ؛ لأنَّ الأبَ لا يَلزَمُه الحَدُّ بقَذفِ الوَلدِ، ولا القِصاصُ بجِنايتِه عليه، فلم يَلزَمُه ذلك بقَولِه.
والثانِي: يَلزَمُه، وهو الأصَحُّ؛ لأنَّ التُّهمةَ لا تَلحَقُه بذلك، ولا يَمتنِعُ ألَّا يَلزَمَه ذلك بفِعلِه به، ويَلزَمَه بقَولِه. ألَا تَرى أنَّ الإِنسانَ لو قذَفَ نَفسَه أو قطَعَ عُضوًا من نَفسِه لم يَلزَمْه بذلك حَدٌّ ولا قِصاصٌ، ولو أقَرَّ على نَفسِه بما يُوجِبُ الحَدَّ أو القِصاصَ لزِمَه؟ (٢)
شَهادةُ الأخِ لأخيه وسائِرِ الأقاربِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على قَبولِ شَهادةِ الأخِ لأَخيه إذا كانَ عَدلًا، وكذا سائِرُ الأقارِبِ، كالعَمِّ وابنِ العَمِّ ومَن أشبَهَهم؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا
стр. 13965
شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيةَ، وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولم يُفرِّقْ.
ورُويَ عن عُمرَ وابنِ عُمرَ: أنَّهما قالا: تُقبَلُ شَهادةُ الأخِ لأَخيه في النَّسبِ، ولا مُخالِفَ لهما. ولأنَّه لو ملَكَه لم يُعتَقْ عليه، فقُبلَت شَهادتُه له، كابنِ العَمِّ.
وقد نقَلَ عَددٌ مِنْ أهلِ العِلمِ الإجماعَ على ذلك.
قالَ الإمامُ التِّرمِذيُّ ﵀: ولم يَختَلِفوا في شَهادةِ الأخِ لأَخيه أنَّها جائِزةٌ، وكذلك شَهادةُ كلِّ قَريبٍ لقَريبِه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ شَهادةَ الأخِ لأَخيه إذا كانَ عَدلًا جائِزةٌ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وممَّا اتَّفَقوا على إِسقاطِ التُّهمةِ فيه شَهادةُ الأخِ لأَخيه ما لم يَدفَعْ بذلك عن نَفسِه عارًا على ما قالَ مالِكٌ، وما لم يَكنْ مُنقطِعًا إلى أَخيه يَنالُ بِرَّه وصِلتَه (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: وشَهادةُ الأخِ لأَخيه جائِزةٌ.
وقالَ ابنُ المُنذِرِ: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ شَهادةَ الأخِ لأَخيه جائِزةٌ، رُويَ هذا عن ابنِ الزُّبَيرِ، وبه قالَ شُرَيحٌ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ والشَّعبيُّ
стр. 13966
والنَّخعيُّ والثَّوريُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأبو عُبَيدٍ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ.
وحُكيَ عن ابنِ المُنذِرِ عن الثَّوريِّ أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ كلِّ ذي رَحِمٍ مَحرَمٍ.
وعن مالِكٍ أنَّه لا تُقبلُ شَهادتُه لأَخيه إذا كانَ مُنقطِعًا إليه في صِلتِه وبِرِّه؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في حَقِّه.
وقالَ ابنُ المُنذِرِ: قالَ مالِكٌ: لا تَجوزُ شَهادةُ الأخِ لأَخيه في النَّسبِ، وتَجوزُ في الحُقوقِ.
ولنا: عُمومُ الآياتِ، ولأنَّه عَدلٌ غيرُ مُتَّهمٍ فتُقبلُ شَهادتُه له كالأجنَبيِّ، ولا يَصحُّ القياسُ على الوالِدِ والوَلدِ؛ لأنَّ بينَهما بَضعيةٌ وقَرابةٌ قَويةٌ بخِلافِ الأخِ.
فَصلٌ: وشَهادةُ العَمِّ وابنِه والخالِ وابنِه وسائِرِ الأَقارِبِ أَولَى بالجَوازِ؛ فإنَّ شَهادةَ الأخِ إذا أُجيزَت معَ قُربِه كانَت تَنبيهًا على شَهادةِ مَنْ هو أبعَدُ منه بطَريقِ الأَولَى (١).
وقالَ القاضِي عَبدُ الوَهابِ ﵀: تُقبلُ شَهادةُ الأخِ لأَخيه إلا فيما يُتَّهمُ له فيه، مِنْ دَفعِ عارٍ أو ما أشبَهَ ذلك، خِلافًا لمَن منَعَها؛ لأنَّه ليسَ بَينَ الأخَوينِ مِنْ الحُقوقِ مِنْ قُوةِ التُّهمةِ ما يَقتَضي رَدَّ الشَّهادةِ، فجازَت شَهادَتُه كالعَمِّ، ولأنَّها رَحمٌ لا يُستحَقُّ بها الإِرثُ معَ الأبِ كالعَمِّ (٢).
стр. 13967
المانِعُ الثالِثُ: شَهادةُ الصَّديقِ المُلاطِفِ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ الصَّديقَ إذا كانَ غيرَ مُلاطِفٍ لصَديقِه؛ فإنَّه تَجوزُ الشَّهادةُ له وعليه؛ لعُمومِ الأَدلةِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا في شَهادةِ الصَّديقِ المُلاطِفِ لصَديقِه إذا كانَ في بِرِّه وصِلتِه هل تُقبلُ أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وأكثَرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّها تُقبلُ ولا فَرقَ بَينَ الصَّديقِ المُلاطِفِ والصَّديقِ غيرِ المُلاطِفِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيةَ، وقَولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولم يُفرِّقْ.
ولأنَّه لا يُعتَقُ أحدُهما على الآخَرِ إذا ملَكَه، فقَلَّت شَهادتُه له، كما لو لم يَكنْ بينَهما مُهاداةٌ ولا مُلاطَفةٌ (١).
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وتُقبَلُ شَهادةُ أحَدِ الصَّديقَينِ لصاحِبِه في قَولِ عامةِ العُلماءِ إلا مالِكًا، قالَ: لا تُقبلُ شَهادةُ الصَّديقِ المُلاطِفِ؛ لأنَّه يَجرُّ إلى نَفسِه نَفعًا بها، فهو منهم، فلم تُقبَلْ شَهادَتُه كشَهادةِ العَدوِّ على عَدوِّه.
ولنا: عُمومُ أدِلةِ الشَّهادةِ وما قالَه يُبطِلُ شَهادةَ الغَريمِ للمَدينِ قبلَ الحَجْرِ، وإنْ كانَ ربَّما قَضاه دَينَه منه فجَرَّ إلى نَفسِه نَفعًا أعظَمَ ممَّا يُرجى ههُنا بَينَ الصَّديقَينِ.
стр. 13968
فأمَّا العَداوةُ فسَببُها مَحظورٌ، وفي الشَّهادةِ عليه شِفاءُ غَيظِه منه، فخالَفَت الصَّداقةَ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الصَّديقَ المُلاطِفَ -وهو الذي يَسرُّه ما يَسرُّك ويَضرُّه ما يَضرُّك- لا تُقبلُ شَهادتُه لصَديقِه إلا بشَرطِ أنْ يَكونَ بارِزًا في العَدالةِ، وألَّا يَكونَ في عيالِه يَأكلُ معهم ويَسكنُ عندَهم كأنَّه مِنْ أَفرادِهم؛ لما رُويَ مَرفوعًا: «لا تُقبلُ شَهادةُ خَصمٍ ولا ظِنِّينٍ» (٢).
ولأنَّ التُّهمةَ بينَهما مُقرَّرةٌ في العادةِ؛ لأنَّه مَعلومٌ أنَّ الإِنسانَ إذا كانَت بَينَه وبَينَ إِنسانٍ صَداقةٌ ومَودَّةٌ يَبَرُّه ويَصِلُه؛ فإنَّه يُحِبُّ جَرَّ النَّفعِ إليه ودَفعَ الضَّررِ عنه قياسًا، فنَقولُ: لأنَّها تُهمةٌ في العادةِ غالِبةٌ مُقرَّرةٌ بالطِّباعِ في مَحبةِ النَّفعِ ودَفعِ الضَّررِ كشَهادةِ الأبِ والابنِ.
ولأنَّ التُّهمةَ بالصَّداقةِ على الوَصفِ الذي ذكَرْناه في مُقابَلةِ التُّهمةِ بالعَداوةِ، فلمَّا كانَت العَداوةُ مُؤثِّرةً في مَنعِ الشَّهادةِ فكذلك الصَّداقةُ (٣).
وهو قَولُ ابنِ عَقيلٍ من الحَنابِلةِ، قالَ المَرداويُّ ﵀: قَولُه: وتُقبلُ شَهادةُ الصَّديقِ لصَديقِه، هذا المَذهبُ وعليه الأَصحابُ.
стр. 13969
إلا أنَّ ابنَ عَقيلٍ قالَ: تُردُّ شَهادةُ الصَّديقِ بصَداقةٍ مُؤكَّدةٍ، والعاشِقِ لمَعشوقِه؛ لأنَّ العِشقَ يُطيشُ (١).
المانِعُ الرابِعُ: العَداوةُ:
العَداوةُ على ضَربَينِ:
الضَّربُ الأولُ: العَداوةُ الدِّينيةُ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ العَداوةَ الدِّينيةَ -مِثلَ عَداوةِ المُسلِمينَ للكُفارِ وعَداوةِ أهلِ الحَقِّ لأهلِ الباطِلِ والبِدعِ وكذا مَنْ أبغَضَ الفاسِقَ لفِسقِه- لا تَمنَعُ قَبولَ الشَّهادةِ؛ لأنَّ الدِّينَ يَمنَعُه مِنْ ارتِكابِ مَحظورٍ في دِينِه.
الضَّربُ الثانِي: العَداوةُ الدُّنيَويةُ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ، مُتأخِّرو الحَنفيةِ، والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ عَدُوٍّ على عَدُوِّه، ولا تُقبلُ شَهادةُ العَدُوِّ على العَدُوِّ، وإنْ كانَ مَقبولَ الشَّهادةِ على غَيرِه؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في حَقِّ عَدوِّه ولا يُؤمَنُ أنْ تَحمِلَه عَداوتُه على إِلحاقِ ضَرَرٍ به بشَهادتِه، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَجوزُ شَهادةُ خائِنٍ ولا خائِنةٍ ولا ذي غِمرٍ على أخيه» (٢).
والغِمرُ: العَداوةُ، وهذا نَصٌّ. ولأنَّها شَهادةٌ تَقتَرِنُ بتُهمةٍ، فلم تُقبَلْ كشَهادةِ الوالِدِ للولَدِ.
стр. 13970
ولأنَّ المُعاداةَ لأجلِ الدُّنيا حَرامٌ، فمَن ارتَكبَها لا يُؤمَنُ مِنْ التَّقوُّلِ عليه، ولئلَّا يُتَّخذَ ذلك ذَريعةً إلى بُلوغِ غَرضِه مِنْ عَدُوِّه بالشَّهادةِ الباطِلةِ.
ولأنَّ التُّهمةَ بينَهما غالِبًا في الطِّباعِ، فكانَت مُؤثِّرةً في رَدِّ الشَّهادةِ كالتُّهمةِ بَينَ الأبِ والابنِ.
وإذا كانَ ذلك لم تُقبَلْ شَهادةُ المَقذوفِ على القاذِفِ، ولا المَغصوبِ منه على الغاصِبِ، ولا المَسروقِ منه على السارِقِ، ووَليِّ المَقتولِ على القاتِلِ، والزَّوجِ على امرَأتِه إذا زَنَت في فِراشِه، إلى نَظائرِ هذا.
والعَداوةُ التي تُرَدُّ بها الشَّهادةُ أنْ تَبلُغَ حَدًّا يَتمَنَّى فيه زَوالَ نِعمتِه ويَفرَحَ لمُصيبَتِه ويَحزَنَ لمَسرَّتِه، وذلك قد يَكونُ من الجانبَينِ، وقد يَكونُ مِنْ أحَدِهما فيُخَصُّ برَدِّ شَهادتِه على الآخَرِ.
وإذا منَعَت العَداوةُ من الشَّهادةِ على العَدُوِّ، لم تَمنَعْ من الشَّهادةِ له؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في الشَّهادةِ عليه، وغَيرُ مُتَّهَمٍ في الشَّهادةِ له؛ لأنَّ ما بعَثَ على العَداوةِ لا يَكونُ جَرحًا تَسقُطُ به الشَّهادةُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ ولا تُقبلُ شَهادةُ خَصمٍ ولا جارٍ على نَفسِه ولا دافِعٍ عنها.