← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 13966–14005 · переход к 13971.

стр. 13966

والنَّخعيُّ والثَّوريُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأبو عُبَيدٍ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ. وحُكيَ عن ابنِ المُنذِرِ عن الثَّوريِّ أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ كلِّ ذي رَحِمٍ مَحرَمٍ. وعن مالِكٍ أنَّه لا تُقبلُ شَهادتُه لأَخيه إذا كانَ مُنقطِعًا إليه في صِلتِه وبِرِّه؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في حَقِّه. وقالَ ابنُ المُنذِرِ: قالَ مالِكٌ: لا تَجوزُ شَهادةُ الأخِ لأَخيه في النَّسبِ، وتَجوزُ في الحُقوقِ. ولنا: عُمومُ الآياتِ، ولأنَّه عَدلٌ غيرُ مُتَّهمٍ فتُقبلُ شَهادتُه له كالأجنَبيِّ، ولا يَصحُّ القياسُ على الوالِدِ والوَلدِ؛ لأنَّ بينَهما بَضعيةٌ وقَرابةٌ قَويةٌ بخِلافِ الأخِ. فَصلٌ: وشَهادةُ العَمِّ وابنِه والخالِ وابنِه وسائِرِ الأَقارِبِ أَولَى بالجَوازِ؛ فإنَّ شَهادةَ الأخِ إذا أُجيزَت معَ قُربِه كانَت تَنبيهًا على شَهادةِ مَنْ هو أبعَدُ منه بطَريقِ الأَولَى (١). وقالَ القاضِي عَبدُ الوَهابِ ﵀: تُقبلُ شَهادةُ الأخِ لأَخيه إلا فيما يُتَّهمُ له فيه، مِنْ دَفعِ عارٍ أو ما أشبَهَ ذلك، خِلافًا لمَن منَعَها؛ لأنَّه ليسَ بَينَ الأخَوينِ مِنْ الحُقوقِ مِنْ قُوةِ التُّهمةِ ما يَقتَضي رَدَّ الشَّهادةِ، فجازَت شَهادَتُه كالعَمِّ، ولأنَّها رَحمٌ لا يُستحَقُّ بها الإِرثُ معَ الأبِ كالعَمِّ (٢).

стр. 13967

المانِعُ الثالِثُ: شَهادةُ الصَّديقِ المُلاطِفِ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ الصَّديقَ إذا كانَ غيرَ مُلاطِفٍ لصَديقِه؛ فإنَّه تَجوزُ الشَّهادةُ له وعليه؛ لعُمومِ الأَدلةِ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا في شَهادةِ الصَّديقِ المُلاطِفِ لصَديقِه إذا كانَ في بِرِّه وصِلتِه هل تُقبلُ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وأكثَرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّها تُقبلُ ولا فَرقَ بَينَ الصَّديقِ المُلاطِفِ والصَّديقِ غيرِ المُلاطِفِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيةَ، وقَولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولم يُفرِّقْ. ولأنَّه لا يُعتَقُ أحدُهما على الآخَرِ إذا ملَكَه، فقَلَّت شَهادتُه له، كما لو لم يَكنْ بينَهما مُهاداةٌ ولا مُلاطَفةٌ (١). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وتُقبَلُ شَهادةُ أحَدِ الصَّديقَينِ لصاحِبِه في قَولِ عامةِ العُلماءِ إلا مالِكًا، قالَ: لا تُقبلُ شَهادةُ الصَّديقِ المُلاطِفِ؛ لأنَّه يَجرُّ إلى نَفسِه نَفعًا بها، فهو منهم، فلم تُقبَلْ شَهادَتُه كشَهادةِ العَدوِّ على عَدوِّه. ولنا: عُمومُ أدِلةِ الشَّهادةِ وما قالَه يُبطِلُ شَهادةَ الغَريمِ للمَدينِ قبلَ الحَجْرِ، وإنْ كانَ ربَّما قَضاه دَينَه منه فجَرَّ إلى نَفسِه نَفعًا أعظَمَ ممَّا يُرجى ههُنا بَينَ الصَّديقَينِ.

стр. 13968

فأمَّا العَداوةُ فسَببُها مَحظورٌ، وفي الشَّهادةِ عليه شِفاءُ غَيظِه منه، فخالَفَت الصَّداقةَ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الصَّديقَ المُلاطِفَ -وهو الذي يَسرُّه ما يَسرُّك ويَضرُّه ما يَضرُّك- لا تُقبلُ شَهادتُه لصَديقِه إلا بشَرطِ أنْ يَكونَ بارِزًا في العَدالةِ، وألَّا يَكونَ في عيالِه يَأكلُ معهم ويَسكنُ عندَهم كأنَّه مِنْ أَفرادِهم؛ لما رُويَ مَرفوعًا: «لا تُقبلُ شَهادةُ خَصمٍ ولا ظِنِّينٍ» (٢). ولأنَّ التُّهمةَ بينَهما مُقرَّرةٌ في العادةِ؛ لأنَّه مَعلومٌ أنَّ الإِنسانَ إذا كانَت بَينَه وبَينَ إِنسانٍ صَداقةٌ ومَودَّةٌ يَبَرُّه ويَصِلُه؛ فإنَّه يُحِبُّ جَرَّ النَّفعِ إليه ودَفعَ الضَّررِ عنه قياسًا، فنَقولُ: لأنَّها تُهمةٌ في العادةِ غالِبةٌ مُقرَّرةٌ بالطِّباعِ في مَحبةِ النَّفعِ ودَفعِ الضَّررِ كشَهادةِ الأبِ والابنِ. ولأنَّ التُّهمةَ بالصَّداقةِ على الوَصفِ الذي ذكَرْناه في مُقابَلةِ التُّهمةِ بالعَداوةِ، فلمَّا كانَت العَداوةُ مُؤثِّرةً في مَنعِ الشَّهادةِ فكذلك الصَّداقةُ (٣). وهو قَولُ ابنِ عَقيلٍ من الحَنابِلةِ، قالَ المَرداويُّ ﵀: قَولُه: وتُقبلُ شَهادةُ الصَّديقِ لصَديقِه، هذا المَذهبُ وعليه الأَصحابُ.

стр. 13969

إلا أنَّ ابنَ عَقيلٍ قالَ: تُردُّ شَهادةُ الصَّديقِ بصَداقةٍ مُؤكَّدةٍ، والعاشِقِ لمَعشوقِه؛ لأنَّ العِشقَ يُطيشُ (١). المانِعُ الرابِعُ: العَداوةُ: العَداوةُ على ضَربَينِ: الضَّربُ الأولُ: العَداوةُ الدِّينيةُ: اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ العَداوةَ الدِّينيةَ -مِثلَ عَداوةِ المُسلِمينَ للكُفارِ وعَداوةِ أهلِ الحَقِّ لأهلِ الباطِلِ والبِدعِ وكذا مَنْ أبغَضَ الفاسِقَ لفِسقِه- لا تَمنَعُ قَبولَ الشَّهادةِ؛ لأنَّ الدِّينَ يَمنَعُه مِنْ ارتِكابِ مَحظورٍ في دِينِه. الضَّربُ الثانِي: العَداوةُ الدُّنيَويةُ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ، مُتأخِّرو الحَنفيةِ، والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ عَدُوٍّ على عَدُوِّه، ولا تُقبلُ شَهادةُ العَدُوِّ على العَدُوِّ، وإنْ كانَ مَقبولَ الشَّهادةِ على غَيرِه؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في حَقِّ عَدوِّه ولا يُؤمَنُ أنْ تَحمِلَه عَداوتُه على إِلحاقِ ضَرَرٍ به بشَهادتِه، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَجوزُ شَهادةُ خائِنٍ ولا خائِنةٍ ولا ذي غِمرٍ على أخيه» (٢). والغِمرُ: العَداوةُ، وهذا نَصٌّ. ولأنَّها شَهادةٌ تَقتَرِنُ بتُهمةٍ، فلم تُقبَلْ كشَهادةِ الوالِدِ للولَدِ.

стр. 13970

ولأنَّ المُعاداةَ لأجلِ الدُّنيا حَرامٌ، فمَن ارتَكبَها لا يُؤمَنُ مِنْ التَّقوُّلِ عليه، ولئلَّا يُتَّخذَ ذلك ذَريعةً إلى بُلوغِ غَرضِه مِنْ عَدُوِّه بالشَّهادةِ الباطِلةِ. ولأنَّ التُّهمةَ بينَهما غالِبًا في الطِّباعِ، فكانَت مُؤثِّرةً في رَدِّ الشَّهادةِ كالتُّهمةِ بَينَ الأبِ والابنِ. وإذا كانَ ذلك لم تُقبَلْ شَهادةُ المَقذوفِ على القاذِفِ، ولا المَغصوبِ منه على الغاصِبِ، ولا المَسروقِ منه على السارِقِ، ووَليِّ المَقتولِ على القاتِلِ، والزَّوجِ على امرَأتِه إذا زَنَت في فِراشِه، إلى نَظائرِ هذا. والعَداوةُ التي تُرَدُّ بها الشَّهادةُ أنْ تَبلُغَ حَدًّا يَتمَنَّى فيه زَوالَ نِعمتِه ويَفرَحَ لمُصيبَتِه ويَحزَنَ لمَسرَّتِه، وذلك قد يَكونُ من الجانبَينِ، وقد يَكونُ مِنْ أحَدِهما فيُخَصُّ برَدِّ شَهادتِه على الآخَرِ. وإذا منَعَت العَداوةُ من الشَّهادةِ على العَدُوِّ، لم تَمنَعْ من الشَّهادةِ له؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في الشَّهادةِ عليه، وغَيرُ مُتَّهَمٍ في الشَّهادةِ له؛ لأنَّ ما بعَثَ على العَداوةِ لا يَكونُ جَرحًا تَسقُطُ به الشَّهادةُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ ولا تُقبلُ شَهادةُ خَصمٍ ولا جارٍ على نَفسِه ولا دافِعٍ عنها.

стр. 13971

أمَّا الخَصمُ فهو نَوعانِ: أحَدُهما: كلُّ مَنْ خاصَمَ في حَقٍّ لا تُقبلُ شَهادتُه فيه كالوَكيلِ لا تُقبلُ شَهادتُه فيما هو وَكيلٌ فيه، والوَصيِّ فيما هو وَصيٌّ فيه، والشَّريكِ فيما هو شَريكٌ فيه، والمُضارِبِ بمالٍ أو حَقٍّ لمُضارَبِه، ولو غصَبَ الوَديعةَ من المُودَعِ وطالَبَ بها لم تُقبَلْ شَهادتُه فيها، وكذلك ما أشبَهَ هذا؛ لأنَّه خَصمٌ فيه فلم تُقبَلْ شَهادتُه به كالمالِكِ. والثانِي: العَدوُّ، فشَهادتُه غيرُ مَقبولةٍ على عَدوِّه في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، رُويَ ذلك عن رَبيعةَ والثَّوريِّ وإِسحاقَ ومالِكٍ والشافِعيِّ، ويُريدُ بالعَداوةِ ههُنا العَداوةَ الدُّنيَويةَ، مِثلَ أنْ يَشهدَ المَقذوفُ على القاذِفِ والمَقطوعُ عليه الطَّريقُ على القاطِعِ، والمَقتولُ وَليُّه على القاتِلِ، والمَجروحُ على الجارِحِ، والزَّوجُ يَشهَدُ على امرَأتِه بالزِّنا، فلا تُقبلُ شَهادتُه؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفسِه بعَداوتِه لها لإِفسادِها فِراشَه. فأمَّا العَداوةُ في الدِّينِ كالمُسلمِ يَشهَدُ على الكافِرِ أو المُحِقِّ من أهلِ السُّنةِ يَشهَدُ على مُبتدِعٍ فلا تُرَدُّ شَهادتُه؛ لأنَّ العَدالةَ بالدِّينِ، والدِّينُ يَمنَعُه من ارتِكابِ مَحظورِ دِينِه. وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا تَمنَعُ العَداوةُ الشَّهادةَ؛ لأنَّها لا تُخِلُّ بالعَدالةِ فلا تَمنَعُ الشَّهادةَ كالصَّداقةِ. ولنا: ما رَوى عَمرُو بنُ شُعَيبٍ عن أَبيه عن جَدِّه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَجوزُ شَهادةُ خائِنٍ ولا خائِنةٍ ولا زانٍ ولا زانيةٍ ولا ذي غِمرٍ على أخيه» رَواه أَبو داودَ، والغِمرُ: الحِقدُ، ولأنَّ العَداوةَ تُورِثُ التُّهمةَ

стр. 13972

فتَمنَعُ الشَّهادةَ كالقَرابةِ القَريبةِ، وتُخالِفُ الصَّداقةَ؛ فإنَّ في شَهادةِ الصَّديقِ لصَديقِه بالزُّورِ نَفعَ غَيرِه بمَضرَّةِ نَفسِه وبَيعَ آخرَتِه بدُنيا غَيرِه، وشَهادةُ العَدُوِّ على عَدُوِّه يُقصَدُ بها نَفعُ نَفسِه بالتَّشفِّي من عَدوِّه فافتَرَقا. فإنْ قيلَ: فلِمَ قبِلتُم شَهادةَ المُسلِمينَ على الكُفارِ معَ العَداوةِ؟ قُلنا: العَداوةُ ههُنا دِينيةٌ، والدِّينُ لا يَقتَضي شَهادةَ الزُّورِ ولا أنْ يَتركَ دِينَه بمُوجِبِ دِينِه (١). وذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ في المَنصوصِ عنه إلى أنَّ شَهادةَ العَدوِّ على عَدوِّه تُقبلُ. لكنَّ مُتأخِّري الحَنفيةِ قالوا: إنَّ شَهادةَ العَدوِّ على عَدوِّه لا تُقبلُ إذا كانَت لأمرٍ دُنيَويٍّ وتُقبَلُ إذا كانَت لأمرٍ دِينيٍّ. قالَ الإمامُ الموصليُّ ﵀: (ولا شَهادةُ العَدوِّ إنْ كانَت العَداوةُ بسَببِ الدُّنيا)؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ عليه الكَذبُ (وتُقبَلُ إنْ كانَت بسَببِ الدِّينِ)؛ لأنَّه لا يَكذِبُ لدِينِه كأهلِ الأَهواءِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ نَجيمٍ ﵀: قَولُه: (والعُدوِّ، إنْ كانَت عَداوةً دُنيويةً)، أي: لم تُقبَلْ شَهادةُ العَدوِّ لأجْلِ الدُّنيا؛ لأنَّ المُعاداةَ لأجلِها حَرامٌ، فمَن ارتَكَبها لا يُؤمَنُ مِنْ التَّقوُّلِ عليه. قيَّدَ بكَونِها دُنيويةً للاحتِرازِ عمَّا إذا كانَت دِينيةً؛ فإنَّها لا تَمنَعُ؛ لأنَّها

стр. 13973

تَدُلُّ على كَمالِ دِينِه وعَدالتِه، وهذا لأنَّ المُعاداةَ قد تَكونُ واجِبةً بأنْ رَأى فيه مُنكَرًا شَرعًا ولم يَنْتَهِ بنَهيِه بدَليلِ قَبولِ شَهادةِ المُسلِمِ على الكافِرِ معَ ما بينَهما من العَداوةِ الدِّينيةِ، والمَقتولِ وَليُّه على القاتِلِ، والمَجروحِ على الجارِحِ، والزَّوجِ على امرَأتِه بالزِّنا، ذكَرَه ابنُ وَهبانَ. وفي خِزانةِ المُفتينَ: والعَدوُّ مَنْ يَفرَحُ بحُزنِه ويَحزَنُ لفَرحِه، وقيلَ: يُعرَفُ بالعُرفِ. اه. ومِثالُ العَداوةِ الدُّنيويةِ أنْ يَشهَدَ المَقذوفُ على القاذِفِ، والمَقطوعُ عليه الطَّريقُ على القاطِعِ، وفي إِدخالِ الزَّوجِ هنا نَظرٌ، فقد صرَّحوا بقَبولِ شَهادتِه عليها بالزِّنا إلا إذا قذَفَها أولًا، وإنَّما المَنعُ مُطلَقًا قَولُ الشافِعيِّ، وفي بَعضِ الفَتاوَى: وتُقبلُ شَهادةُ الصَّديقِ لصَديقِه. اه. ثم اعلَمْ أنَّ المُصرَّحَ به في غالِبِ كُتبِ أَصحابِنا، والمَشهورَ على ألسِنةِ فُقهائِنا ما ذكَرَه المُصنِّفُ من التَّفصيلِ، ونُقلَ في القُنيةِ أنَّ العَداوةَ بسَببِ الدُّنيا لا تَمنَعُ ما لم يَفسُقْ بسَببِها أو يَجلِبْ مَنفَعةً أو يَدفَعْ بها عن نَفسِه مَضرَّةً، وهو الصَّحيحُ، وعليه الاعتِمادُ، وما في الواقِعاتِ وغَيرِها اختيارُ المُتأخِّرينَ، وأمَّا الرِّوايةُ المَنصوصُ عليها فبخِلافِها. وفي كَنزِ الرُّؤوسِ شَهادةُ العَدُوِّ على عَدُوِّه لا تُقبلُ؛ لأنَّه مُتَّهمٌ. وقالَ أَبو حَنيفةَ: تُقبلُ إذا كانَ عَدلًا. قال أُستاذُنا: وهو الصَّحيحُ، وعليه الاعتِمادُ؛ لأنَّه إذا كانَ عَدلًا تُقبلُ شَهادتُه، وإنْ كانَ بينَهما عَداوةٌ بسَببِ أمرِ الدُّنيا. اه.

стр. 13974

واختارَها ابنُ وَهبانَ ولم يَتعَقَّبْه ابنُ الشِّحنةِ لكنَّ الحَديثَ شاهِدٌ لما عليه المُتأخِّرونَ كما رَواه أَبو داودَ مَرفوعًا: «لا تَجوزُ شَهادةُ خائِنٍ ولا خائِنةٍ ولا زانٍ ولا زانيةٍ ولا ذي غِمرٍ على أَخيه»، والغِمرُ: الحِقدُ. ويُمكِنُ حَملُه على ما إذا كانَ غيرَ عَدلٍ بدَليلِ أنَّ الحِقدَ فِسقٌ، للنَّهيِ عنه (١). وقالَ الحَصكَفيُّ: (والعَدُوُّ لا تُقبلُ شَهادَتُه على عَدوِّه إذا كانَت دُنيويةً) (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ عابدينَ ﵀: ولكنْ بَقيَ ههُنا تَحقيقُ تَوفيقٍ، وهو أنَّه ذَكَر في القُنيةِ أنَّ العَداوةَ الدُّنيويةَ لا تَمنَعُ قَبولَ الشَّهادةِ ما لم يَفسُقْ بها، وأنَّه الصَّحيحُ، وعليه الاعتِمادُ، وأنَّ ما في المُحيطِ والواقِعاتِ من أنَّ شَهادةَ العَدوِّ على عَدوِّه لا تُقبلُ اختِيارُ المُتأخِّرينَ، والرِّوايةُ المَنصوصُ عليها تُخالِفُها، وأنَّه مَذهبُ الشافِعيِّ، وقالَ أَبو حَنيفةَ: تُقبلُ إذا كانَ عَدلًا، وفي المَبسوطِ: إنْ كانَت دُنيويةً فهذا يُوجِبُ فِسقَه فلا تُقبلُ شَهادَتُه. اه مُلخَّصًا. والحاصِلُ أنَّ في المَسألةِ قَولَينِ مُعتمدَينِ: أحَدُهما: عَدمُ قَبولِها على العَدُوِّ، وهذا اختيارُ المُتأخِّرينَ، وعليه صاحِبُ «الكَنز» و «المُلتَقَى»، ومُقتَضاه أنَّ العِلةَ العَداوةُ لا الفِسقُ وإلا لم تُقبَلْ على غيرِ العَدُوِّ أيضًا، وعلى هذا لا يَصحُّ قَضاءُ العَدوِّ على عَدوِّه أيضًا.

стр. 13975

ثانيهما: أنَّها تُقبلُ إلا إذا فسَقَ بها، واختاره ابنُ وَهبانَ وابنُ الشِّحنةِ، وإذا قُبلَت فبالضَّرورةِ يَصحُّ قَضاءُ العَدوِّ على عَدوِّه إذا كانَ عَدلًا، فلذا اختارَ الشَّيخانِ صِحتَه، وبه عُلِمَ أنَّ مَنْ يَقولُ بقَبولِ شَهادةِ العَدوِّ العَدلِ يَقولُ بصِحةِ قَضائِه، ومَن لا فلا، وما ذكَرَه الناصِحيُّ لا يُعارِضُ كَلامَ الشَّيخَينِ لاختِلافِ المَناطِ، فاغتَنِمْ هذا التَّحقيقَ ودَعِ التَّلفيقَ (١).

стр. 13976

فصل في مَراتِبِ الشَّهادةِ والعَدَدِ الذي تَنعَقِدُ به الشَّهادةُ على مَراتِبَ، فمنها ما يُشتَرطُ له أربَعةُ شُهودٍ، ومنها ما يُشتَرطُ له شاهِدانِ، ومنها ما يَكفي فيه شاهِدٌ ويَمينٌ، ومنها ما يُقبلُ فيه الرِّجالُ فقط، ومنها ما يُقبلُ فيه النِّساءُ، وبَيانُ ذلك فيما يَلي: أولاً: ما يُقبلُ فيه أربَعةُ شُهودٍ (وهو حَدُّ الزِّنا) فقط: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يُشتَرطُ في شُهودِ الزِّنا أنْ يَكونوا أربَعةً من أَحرارِ المُسلِمينَ، عُدولًا، ويَصِفوه بأنْ يَقولوا: رَأينا ذكَرَه في فَرجِها كالمِروَدِ في المُكحَلةِ والرِّشا في البِئرِ. وإذا لم تَتوافَرْ هذه الشُّروطُ يُقامُ عليه الحَدُّ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]. وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤]. وعن أَبي هُرَيرةَ أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ قالَ لرَسولِ اللهِ ﷺ : أرأيتَ

стр. 13977

إنْ وَجدتُ معَ امرأتِي رَجلًا أأُمهِلُه حتى آتِيَ بأربَعةِ شُهداءَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «نَعمْ» (١). وذلك لأنَّ اللهَ تَعالى يُحبُّ السَّتْرَ على عِبادِه، وفي اشتِراطِ الأربَعةِ يَتحقَّقُ مَعنى السَّتْرِ؛ إذْ وُقوفُ الأربَعةِ على هذه الفاحِشةِ في غايةٍ مِنْ النُّدرةِ. وقد نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ من العُلماءِ الإِجماعَ على هذا. قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولم أعلَمِ الناسَ اختَلَفوا في ألَّا يُقامَ الحَدُّ في الزِّنا بأقَلَّ من أربَعةِ شُهداءَ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعوا على أنَّ الشَّهادةَ على الزِّنا أربَعةٌ، لا يُقبَلُ أقَلُّ منهم (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: فأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ البَيِّنةَ في الزِّنا تَكونُ أربَعةَ شُهداءَ، يَكونونَ رِجالًا عُدولًا يَشهَدونَ بالصَّريحِ من الزِّنا لا بالكِنايةِ، وبالرُّؤيةِ كذلك والمُعايَنةِ (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: فأمَّا وُجوبُ قَبولِ أربَعةٍ في الزِّنا فبنَصِّ القُرآنِ، ولا خِلافَ فيه (٥).

стр. 13978

وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ ﵀: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وهذا حُكمٌ ثابِتٌ بإِجماعٍ من الأُمةِ. فشَرطُ غايةِ الشَّهادةِ في غايةِ المَعصيةِ لأعظَمِ الحُقوقِ حُرمةً، وتَعديدُ الشُّهودِ بأربَعةٍ حُكمٌ ثابِتٌ في التَّوراةِ والإِنجيلِ والقُرآنِ، رَوى أَبو داودَ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: «جاءَت اليَهودُ برَجلٍ وامرَأةٍ قد زَنَيا فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «ائتُونِي بأعلَمِ رَجلَينِ منكم»، فأتَوْه بابنَيْ صُورِيا فنشَدَهما اللهَ: «كيف تَجِدانِ أمرَ هذَينِ في التَّوراةِ؟»، قالا: نَجدُ في التَّوراةِ: «إذا شهِدَ أربَعةٌ أنَّهم رأوا ذكَرَه في فَرجِها مِثلَ المِيلِ في المُكحَلةِ رُجِما»، قالَ: «فما يَمنَعُكما أنْ تَرجُموهما؟»، قالا: ذهَبَ سُلطانُنا وكرِهْنا القَتلَ، فدَعا رَسولُ اللهِ ﷺ بالشُّهودِ فجاؤوا وشهِدوا أنَّهم رَأوا ذكَرَه في فَرجِها مِثلَ المِيلِ في المُكحَلةِ، فأمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ فرَجَمَهما» (١) (٢). وقالَ القاضِي عِياضٌ ﵀: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنَّه لا يُقبَلُ في الزِّنا أقَلُّ مِنْ أربَعةٍ (٣). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ البَيِّنةَ التي يَثبُتُ بها الزِّنا أنْ يَشهدَ له أربَعةٌ عُدولٌ رِجالٌ ويَصِفونَ حَقيقةَ الزِّنا (٤).

стр. 13979

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعوا على أنَّ البَيِّنةَ تَكونُ أربَعةَ شُهداءَ، يَكونونَ ذُكورًا عُدولًا، هذا إذا شَهِدوا على الزِّنا نَفسِه، ولا يُقبلُ دونَ الأربَعةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّه لا يُقبلُ في الزِّنا أقَلُّ مِنْ أربَعةِ شُهودٍ، وقد نَصَّ اللهُ تَعالى عليه (٢). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: الحُكمُ بأربَعةِ رِجالٍ أَحرارٍ وذلك في حَدِّ الزِّنا واللِّواطِ، أمَّا الزِّنا فبالنَّصِّ والإِجماعِ، وأمَّا اللِّواطُ فقالت طائِفةٌ: هو مَقيسٌ عليه في نِصابِ الشَّهادةِ كما هو مَقيسٌ عليه في الحَدِّ. وقالَت طائِفةٌ: بل هو داخِلٌ في مُسمَّى الزِّنا؛ لأنَّه وَطءٌ في فَرجٍ مُحرَّمٍ، وهذا لا تَعرِفُه العَربُ، فقالَ هؤلاءِ: هو داخِلٌ في مُسمَّى الزِّنا شَرعًا (٣). إذا لم يَكتمِلْ عَددُ شُهودِ الزِّنا: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إنْ شهِدَ أقَلُّ من أربَعةٍ لا تُقبَلُ شَهادتُهم، وهم قَذَفةٌ يُحدُّونَ جَميعًا حَدَّ القَذفِ إذا طلَبَ المَشهودُ عليه ذلك؛ «لأنَّ أَبا بَكرةَ، ونافِعَ بنَ الحارِثِ، وشِبلَ بنَ مَعبِدٍ شَهِدوا على المُغيرةِ بنِ شُعبةَ بالزِّنا عندَ عُمرَ بنِ الخَطابِ، ولمَّا لم يُصرِّحْ زِيادٌ بذلك، بل قالَ: رأيتُ أمرًا

стр. 13980

قَبيحًا، فرِحَ عُمرُ وحمِدَ اللهَ، ولم يُقمِ الحَدَّ عليه، وكان بمَحضَرٍ من الصَّحابةِ، ولم يُنكَرْ» (١). فدَرَأ عنه عُمرُ الحَدَّ؛ لأنَّه لم يُصرِّحْ بالقَذفِ، وضرَبَ الثَّلاثةَ حَدَّ القَذفِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا لم تَكمُلْ شُهودُ الزِّنا فعليهم الحَدُّ في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهم مالِكٌ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ، وذكَرَ أَبو الخَطابِ فيهم رِوايتَينِ وحُكيَ عن الشافِعيِّ فيهم قَولانِ، أحَدُهما: لا حَدَّ عليهم؛ لأنَّهم شُهودٌ، فلم يَجِبْ عليهم الحَدُّ، كما لو كانوا أربَعةً أحَدُهم فاسِقٌ. ولنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وهذا يُوجِبُ الجَلدَ على كلِّ رامٍ لَم يَشهَدْ بما قالَ أربَعةٌ ولأنَّه إِجماعُ الصَّحابةِ؛ فإنَّ عُمرَ جلَدَ أَبا بَكرةَ وصاحِبَيه حين لم يُكمِلِ الرابِعُ شَهادتَه بمَحضَرٍ من الصَّحابةِ فلم يُنكِرْه أحَدٌ. ورَوى صالِحٌ في مَسائِلِه بإِسنادِه عن أَبي عُثمانَ النَّهديِّ قالَ: «جاءَ رَجلٌ إلى عُمرَ فشهِدَ على المُغيرةِ بنِ شُعبةَ، فتغيَّرَ لَونُ عُمرَ، ثم جاءَ آخَرُ فشهِدَ، فتغيَّرَ لَونُ عُمرَ، ثم جاءَ آخَرُ فشهِدَ، فاستَكبَرَ ذلك عُمرُ، ثم جاء شابٌّ يَخطُرُ بيَدَيه، فقالَ عُمرُ: ما عِندَك يا سَلحَ العُقابِ؟ وصاحَ به عُمرُ صَيحةً فقالَ أَبو عُثمانَ: واللهِ لقد كِدتُ يُغشَى علَيَّ، فقالَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، رأيت أمرًا قَبيحًا، فقالَ: الحَمدُ للهِ الذي لم يُشمِتِ الشَّيطانَ بأَصحابِ مُحمدٍ ﷺ ، قالَ: فأمَرَ بأولئك النَّفَرِ فجُلِدوا».

стр. 13981

وفي رِوايةٍ أنَّ عُمرَ لمَّا شُهِدَ عندَه على المُغيرةِ شهِدَ ثَلاثةٌ وبَقيَ زيادٌ، فقالَ عُمرُ: «أَرى شابًّا حَسنًا وأَرجو ألَّا يَفضَحَ اللهُ على لِسانِه رَجلًا من أَصحابِ مُحمدٍ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: يا أميرُ، رَأيتُ استًا تَنبو ونَفَسًا يَعلو ورَأيتُ رِجلَيها فَوقَ عُنقِه كأنَّهما أُذُنا حِمارٍ، ولا أدْري ما وَراءَ ذلك، فقالَ عُمرُ: اللهُ أكبَرُ، وأمَرَ بالثَّلاثةِ فضُرِبوا». وقَولُ عُمرَ: يا سَلحَ العُقابِ معناه أنَّه يُشبِهُ سَلحَ العُقابِ الذي يَحرِقُ كلَّ شَيءٍ أصابَه، وكذلك تُوقَعُ العُقوبةُ بأحَدِ الفَريقَينِ لا مَحالةَ، إنْ كَمُلَت شَهادَتُه حُدَّ المَشهودُ عليه، وإنْ لم تَكمُلْ حُدَّ أَصحابُه؛ فإنْ قيلَ: فقد خالَفَهم أَبو بَكرةَ وأَصحابُه الذين شهِدوا، قُلنا: لم يُخالِفوا في وُجوبِ الحَدِّ عليه إنَّما خالَفوهم في صِحةِ ما شَهِدوا به، ولأنَّه رامٍ بالزِّنا لم يأتِ بأربَعةِ شُهداءَ، يَجبُ عليه الحَدُّ كما لو لم يأتِ بأحَدٍ. فَصلٌ: وإنْ اكتَمَلوا أربَعةً غيرَ مَرضيِّينَ أو كانَ واحِدٌ منهم كالعَبيدِ والفُساقِ والعُميانِ ففيهم ثَلاثُ رِواياتٍ: إِحداها: عليهم الحَدُّ، وهو قَولُ مالِكٍ، قالَ القاضِي: هذا الصَّحيحُ؛ لأنَّها شَهادةٌ لم تَكمُلْ، فوجَبَ الحَدُّ على الشَّهادةِ كما لو كانوا ثَلاثةً. والثانِيةُ: لا حَدَّ عليهم، وهو قَولُ الحَسنِ والشَّعبيِّ وأَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ هؤلاءِ قد جاؤُوا بأربَعةِ شُهداءَ فدَخلوا في عُمومِ الآيةِ؛ لأنَّ عَددَهم قد كمُلَ، ورَدَّ الشَّهادةَ لمَعنًى غيرِ تَفريطِهم، فأشبَهَ ما لو شهِدَ أربَعةٌ مَستورونَ ولم تَثبُتْ عَدالَتُهم ولا فِسقُهم.

стр. 13982

الثالِثةُ: إنْ كانوا عُميانًا أو بَعضُهم جُلِدوا، وإنْ كانوا عَبيدًا أو فُساقًا، فلا حَدَّ عليهم، وهو قَولُ الثَّوريِّ وإِسحاقَ؛ لأنَّ العُميانَ مَعلومٌ كَذِبُهم؛ لأنَّهم شَهِدوا بما لم يَروْه يَقينًا، والآخَرونَ يَجوزُ صِدقُهم، وقد اكتَملَ عَددُهم فأشبَهوا مَستوري الحالِ. وقالَ أَصحابُ الشافِعيِّ: إنْ كانَ رَدُّ الشَّهادةِ لمَعنًى ظاهِرٍ كالعَمى والرِّقِّ والفِسقِ الظاهِرِ ففيهم قَولانِ، وإنْ كانَ لمَعنًى خَفيٍّ فلا حَدَّ عليهم؛ لأنَّ ما يَخفَى يَخفَى على الشُّهودِ فلا يَكونُ ذلك تَفريطًا منهم، بخِلافِ ما يَظهَرُ، وإنْ شهِدَ ثَلاثةُ رِجالٍ وامرَأتانِ حُدَّ الجَميعُ؛ لأنَّ شَهادةَ النِّساءِ في هذا البابِ كعَدَمِها، وبهذا قالَ الثَّوريُّ وأَصحابُ الرأيِ، وهذا يُقوِّي رِوايةَ إِيجابِ الحَدِّ على الأوَّلينَ ويُنبِّهُ على إِيجابِ الحَدِّ فيما إذا كانوا عُميانًا أو أحَدُهم؛ لأنَّ المَرأتَينِ يُحتمَلُ صِدقُهما، وهُما من أهلِ الشَّهادةِ في الجُملةِ، والأَعمى كاذِبٌ يَقينًا، وليسَ من أهلِ الشَّهادةِ على الأَفعالِ، فوُجوبُ الحَدِّ عليهم وعلى مَنْ معَهم أولَى (١). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ: فإنْ شهِدَ على الزِّنا أقَلُّ من أربَعةٍ لم تُقبَلْ شَهادَتُهم لنُقصانِ العَددِ المَشروطِ، وهل يُحدُّونَ حَدَّ القَذفِ؟ قالَ أَصحابُنا: يُحدُّونَ. وقالَ الشافِعيُّ ﵀: إذا جاؤوا مَجيءَ الشُّهودِ لم يُحدُّوا. وعلى هذا الخِلافِ إذا شهِدَ ثَلاثةٌ وقالَ الرابِعُ: رَأيتُهما في لِحافٍ واحِدٍ، ولم يَزِدْ عليه يُحَدُّ الثَّلاثةُ عندَنا، ولا حَدَّ على الرابِعِ؛ لأنَّه لم

стр. 13983

يَقذِفْ، إلا إذا كانَ قالَ في الابتِداءِ: أشهَدُ إنَّه قد زَنى، ثم فسَّرَ الزِّنا بما ذُكرَ فحينَئذٍ يُحدُّ. وَجهُ قَولِ الشافِعيِّ ﵀ أنَّهم إذا جاؤوا مَجيءَ الشُّهودِ كانَ قَصدُهم إِقامةَ الشَّهادةِ حِسبةً للهِ تَعالى لا القَذفَ، فلم يَكنْ جِنايةً فلم يَكنْ قَذفًا. ولنا: ما رُويَ أنَّ ثَلاثةً شَهِدوا على المُغيرةِ بالزِّنا فقامَ الرابِعُ وقالَ: «رأيتُ أَقدامًا باديةً ونَفَسًا عاليًا وأمْرًا مُنكَرًا ولا أعلَمُ ما وَراءَ ذلك، فقالَ سَيِّدُنا عُمرُ ﵁: الحَمدُ للهِ الذي لم يَفضَحْ رَجلًا من أَصحابِ مُحمدٍ، وحَدَّ الثَّلاثةَ»، وكانَ ذلك بمَحضَرٍ من الصَّحابةِ الكِرامِ ﵃ ولم يُنقَلْ أنَّه أنكَرَ عليه مُنكِرٌ، فيَكونُ إِجماعًا، ولأنَّ المَوجودَ من الشُّهودِ كَلامُ قَذفٍ حَقيقةً؛ إذ القَذفُ هو النِّسبةُ إلى الزِّنا، وقد وُجدَ من الشُّهودِ حَقيقةً فيَدخُلونَ تحتَ آيةِ القَذفِ، إلا أنا اعتَبَرنا تَمامَ عَددِ الأربَعِ إذا جاؤوا مَجيءَ الشُّهودِ فقد قَصَدوا إِقامةَ الحِسبةِ واجِبًا حقًّا للهِ تَعالى، فخرَجَ كَلامُهم عن كَونِه قَذفًا وصارَ شَهادةً شَرعًا، فعندَ النُّقصانِ بَقيَ قَذفًا حَقيقةً فيُوجِبُ الحَدَّ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه إذا لم يَكتمِلْ عَددُ شُهودِ الزِّنا أربَعةً؛ فإنَّهم قَذَفةٌ يُحدُّونَ إلا ما رُويَ عن الشافِعيِّ في أحَدِ قَولَيه من أنَّهم لا يُحدُّونَ (٢).

стр. 13984

ثانيًا: ما يُقبَلُ فيه شاهِدانِ من الرِّجالِ: اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ جَميعَ الحُدودِ والقِصاصِ غيرَ حَدِّ الزِّنا يُقبلُ فيها شَهادةُ رَجلَينِ عَدلَينِ من المُسلِمينَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّه تُقبلُ على القَتلِ شَهادةُ شاهِدَينِ عَدلَينِ ويُحكَمُ بشَهادَتِهما (١). قالَ أيضًا: وأجمَعوا على أنَّ قَطعَ يَدِ السارِقِ إذا شهِدَ عليه بالسَّرقةِ: شاهِدانِ، عَدلانِ، مُسلِمانِ، حُرَّانِ، ووَصَفا ما يَجبُ فيه القَطعُ، ثم عادَ، يُقطَعُ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه تَثبُتُ جَميعُ الحُقوقِ ما عَدا الزِّنا بشاهِدَينِ عَدلَينِ ذَكرَينِ ما خَلا الحَسنَ البَصريَّ؛ فإنَّه قالَ: لا تُقبَلُ بأقَلَّ من أربَعةِ شُهداءَ تَشبيهًا بالرَّجمِ، وهذا ضَعيفٌ؛ لقَولِه سُبحانَه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٣). وقالَ أيضًا: واتَّفَقوا على أنَّ السَّرقةَ تَثبُتُ بشاهِدَينِ عَدلَينِ (٤). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: ما يُقبلُ فيه شاهِدانِ لا امرَأةَ فيهما، وهو ما سِوى الزِّنا من حُدودِ اللهِ تَعالى، كالقَطعِ في السَّرقةِ، وحَدِّ الحِرابةِ،

стр. 13985

والجَلدِ في الخَمرِ والقَتلِ في الرِّدةِ، وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ. وقالَ الحَسنُ البَصريُّ: كُلُّ ما أوجَبَ القَتلَ لا أقبَلُ فيه أقَلَّ من أربَعةٍ كالزِّنا، وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ الزِّنا مُختلِفٌ، فبَعضُه يُوجِبُ الرَّجمَ، وبَعضُه يُوجِبُ الجَلدَ، والشَّهادةُ فيهما واحِدةٌ، فوجَبَ أنْ يُخالِفَ ما عَداه فيما يُوجِبُ القَتلَ، ولا يُوجِبُه في ذلك أنْ تَكونَ البَيِّنةُ فيه واحِدةً (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الحُدودُ والقِصاصُ لا يُقبَلُ فيها إلا شَهادةُ رَجُلَينِ إلا ما رُويَ عن عَطاءٍ وحَمادٍ أنَّهما قالا: يُقبَلُ فيه رَجلٌ وامرَأتانِ قِياسًا على الشَّهادةِ في الأَموالِ. ولنا: أنَّ هذا ما يُحتاطُ لدَرئِه وإِسقاطِه، ولهذا يَندَرِئُ بالشُّبهاتِ ولا تَدعو الحاجةُ إلى إِثباتِه، وفي شَهادةِ النِّساءِ شُبهةٌ بدَليلِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وأنَّه لا تُقبلُ شَهادَتهنَّ وإنْ كَثُرنَ ما لم يَكنْ معَهنَّ رَجلٌ، فوجَبَ ألَّا تُقبلَ شَهادَتهنَّ فيه، ولا يَصحُّ قياسُ هذا على المالِ؛ لِما ذكَرْنا من الفَرقِ، وبهذا الذي ذكَرْنا قال سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ والشَّعبيُّ والنَّخَعيُّ وحَمادٌ والزُّهريُّ ورَبيعةُ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأبو عُبَيدٍ وأبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ، واتَّفَق هؤلاءِ وغَيرُهم على أنَّها تَثبُتُ بشَهادةِ رَجلَينِ ما خَلا الزِّنا إلا الحَسنَ؛ فإنَّه قالَ: الشَّهادةُ على القَتلِ كالشَّهادةِ على الزِّنا؛ لأنَّه يَتعلَّقُ به إِتلافُ النَّفسِ فأشبَهَ الزِّنا. ولنا: أنَّه أحَدُ نَوعَيِ القِصاصِ فأشبَهَ القِصاصَ في الطَّرفِ، وما ذكَرَه من

стр. 13986

الوَصفِ لا أثَرَ له؛ فإنَّ الزِّنا المُوجِبَ للحَدِّ لا يَثبُتُ إلا بأربَعةٍ. ولأنَّ حَدَّ الزِّنا حَقٌّ للهِ تَعالى يُقبَلُ الرُّجوعُ عن الإِقرارِ به (١). وقالَ الإمامُ الزَّركَشيُّ ﵀: ولا نِزاعَ عندَنا فيما نَعلَمُه أنَّه لا يُقبَلُ في ذلك إلا شَهادةُ رَجلَينِ، فلا مَدخَلَ للنِّساءِ في ذلك، وهو قَولُ العامةِ؛ لأنَّ شَهادةَ النِّساءِ فيها شُبهةٌ، لتَطرُّقِ الخَطأِ والنِّسيانِ إليها، كما شهِدَ له النَّصُّ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وذلك ممَّا يَندَرِئُ بالشُّبهةِ، فوجَبَ ألَّا يُقبلَ فيه ذلك (٢). شَهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ: اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ وغَيرُهم على أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ والقِصاصِ، بل الشَّهادةُ فيهما قاصِرةٌ على الرِّجالِ فقط؛ لما رُويَ عن الزُّهريِّ قالَ: «مضَت السُّنةُ من رَسولِ اللهِ ﷺ والخَليفَتينِ مِنْ بَعدِه، ألَّا تَجوزَ شَهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ» (٣). وقد نقَلَ الإجماعَ على ذلك جَماعةٌ من أهلِ العِلمِ. قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: لم أعلَمْ أحَدًا من أهلِ العِلمِ خالَفَ في أنَّه لا يَجوزُ في الزِّنا إلا الرِّجالُ (٤).

стр. 13987

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعَ المُسلِمونَ جَميعًا على أنَّ شَهادَتَهُنَّ في الحُدودِ غيرُ مَقبولةٍ (١). وقالَ الإمامُ المَروَزيُّ ﵀: وأجمَعوا على أنَّه لا تَجوزُ شَهادتُهنَّ في الحُدودِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: وأجمَعَ أكثَرُ العُلماءِ على أنَّ شَهادتَهنَّ لا تَجوزُ في الحُدودِ والقِصاصِ (٣). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ شَهادةَ النِّساءِ في الحُدودِ غيرُ مَقبولةٍ إلا ما حُكيَ عن عَطاءٍ وحَمادِ بنِ أَبي سُليمانَ أنَّ شَهادةَ النِّساءِ في الحُدودِ مَقبولةٌ كالأَموالِ، وهذا فاسِدٌ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولأنَّ حُدودَ اللهِ تَعالى تُدرأُ بالشُّبهاتِ فكانَت الشَّهادةُ فيها أغلَظَ من الشَّهادةِ في غَيرِها ممَّا لا يُدرأُ بالشُّبهاتِ، كما أنَّ الزِّنا لمَّا كانَ أغلَظَ من السَّرقةِ لتَعدِّيه إلى اثنَينِ واختِصاصِه بإِسقاطِ نَسبِ الوالِدِ كانَت الشَّهادةُ فيه أغلَظَ منها فيما عَداه (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ النِّساءَ لا تُقبلُ شَهادتُهنَّ في الحُدودِ والقِصاصِ (٥).

стр. 13988

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أمَّا النَّظرُ في العَددِ والجِنسِ؛ فإنَّ المُسلِمينَ اتَّفَقوا على أنَّه لا يَثبُتُ الزِّنا بأقَلَّ من أربَعةٍ عُدولٍ ذُكورٍ … واختَلفوا في قَبولِهما في الحُدودِ، فالذي عليه الجُمهورُ أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ لا معَ رَجلٍ ولا مُفرَداتٍ، وقالَ أهلُ الظاهِرِ: تُقبَلُ إذا كانَ معهن رَجلٌ، وكانَ النِّساءُ أكثَرَ من واحِدةٍ في كلِّ شَيءٍ على ظاهِرِ الآيةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أنْ يَكونوا رِجالًا كلُّهم، ولا تُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ بحالٍ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا إلا شَيئًا يُروَى عن عَطاءٍ وحَمادٍ أنَّه يُقبلُ فيه ثَلاثةُ رِجالٍ وامرَأتانِ، وهو شُذوذٌ لا يُعوَّلُ عليه؛ لأنَّ لَفظَ الأربَعةِ اسمٌ لعَدَدِ المَذكورينَ ويَقتَضي أنْ يُكتَفَى فيه بأربَعةٍ. ولا خِلافَ في أنَّ الأربَعةَ إذا كانَ بَعضُهم نِساءً لا يُكتفَى بهم، وإنَّ أقَلَّ مِنْ خَمسةٍ يُجزِئُ، وهذا خِلافُ النَّصِّ، ولأنَّ في شَهادتِهنَّ شُبهةٌ لتَطرُّقِ الضَّلالِ إليهِنَّ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والحُدودُ تُدرأُ بالشُّبهاتِ (٢). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: وأمَّا اتِّفاقُهم على مَنعِها في الحُدودِ والقِصاصِ فلقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٣).

стр. 13989

ثالِثًا: ما يُقبلُ فيه رَجلٌ وامرَأتانِ (الدُّيونُ والأَموالُ): أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يُقبلُ في الدُّيونِ والأَموالِ شَهادةُ رَجلٍ وامرأتَينِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وهو مَذكورٌ في سِياقِ المُدايَناتِ بالأجَلِ فتُقبلُ فيها. وكذا الشَّهادةُ في السَّرقةِ تُقبلُ في حَقِّ المالِ من رَجلٍ وامرأتَينِ، ولا يُقبلُ في حَقِّ القَطعِ إلا رَجلانِ، فلو شهِدَ رَجلٌ وامرَأتانِ بالسَّرقةِ ثبَتَ المالُ دونَ القَطعِ. قال الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ شَهادةَ النِّساءِ جائِزةٌ معَ الرِّجالِ في الدَّينِ والأَموالِ (١). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا الشَّهادةُ على الأَموالِ فالذُّكورةُ ليسَت فيها بشَرطٍ، والأُنوثةُ ليسَت بمانِعةٍ بالإِجماعِ، فتُقبلُ فيها شَهادةُ النِّساءِ معَ الرِّجالِ؛ لقَولِ اللهِ ﵎ في بابِ المُدايَنةِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٢).

стр. 13990

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه تَثبُتُ الأَموالُ بشاهِدٍ عَدلٍ ذَكَرٍ وامرأتَينِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ في أنَّ المالَ يَثبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ معَ الرِّجالِ، وقد نَصَّ اللهُ تَعالى على ذلك في كِتابِه بقَولِه سُبحانَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قَولِه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على القَولِ به (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: اتَّفَق المُسلِمونَ على أنَّه يُقبَلُ في الأَموالِ رَجلٌ وامرَأتانِ، وكذلك تَوابِعُها من البَيعِ والأجَلِ فيه والخيارِ فيه والرَّهنِ والوَصيةِ للمُعيَّنِ وهِبتِه والوَقفِ عليه وضَمانِ المالِ وإتلافِه ودَعوى رِقِّ مَجهولِ النَّسبِ وتَسميةِ المَهرِ وتَسميةِ عِوضِ الخُلعِ يُقبَلُ في ذلك رَجلٌ وامرَأتانِ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: ولا خِلافَ على أنَّ المالَ يَثبُتُ بشَهادةِ النِّساءِ معَ الرِّجالِ للنَّصِّ (٤).

стр. 13991

رابِعًا: قَبولُ شَهادةِ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ شَهادةَ النِّساءِ تُقبلُ فيما لا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ، كالوِلادةِ والحَيضِ والبَكارةِ وعُيوبِ النِّساءِ وما يُخفُونَ على الرِّجالِ غالِبًا، وقد نقَلَ عَددٌ من العُلماءِ الإجماعَ على ذلك. قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: الوِلادةُ وعُيوبُ النِّساءِ مما لم أعلَمْ مُخالِفًا لَقيتُه في أنَّ شَهادةَ النِّساءِ فيه جائِزةٌ لا رَجلَ مَعهُنَّ (١). قالَ الماوَرديُّ ﵀ بعدَ أنْ ذكَرَ كَلامَ الإمامِ الشافِعيِّ ﵀: أمَّا الوِلادةُ فلا اختِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّه يَجوزُ أنْ تُقبلَ فيها شَهادةُ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ، وإنَّما اختَلَفوا في عِلةِ الجَوازِ، فعندَ الشافِعيِّ أنَّه ممَّا لا يَحضُرُه الرِّجالُ، وعندَ أَبي حَنيفةَ أنَّه ممَّا لا يُباشِرُه إلا النِّساءُ. وأمَّا الشَّهادةُ فيما سِوى ذلك من أحوالِ أبدانِهِنَّ، فتَنقَسِمُ ثَلاثةَ أقسامٍ: أحَدُها: ما اتَّفَقوا على جَوازِ شَهادةِ النِّساءِ المُنفَرِداتِ فيه، وهو ما حَرُمَ على ذَوي المَحارِمِ تَعمُّدُ النَّظرِ إليه فيما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ، سَواءٌ كانَ في الفَرجِ كالقَرنِ، والرَّتقِ، أو كانَ ممَّا عَداه من بَرصٍ أو غَيرِه، تَعليلًا عندَ الشافِعيِّ بأنَّه لا يُشاهِدُه الرِّجالُ، وتَعليلًا عندَ أَبي حَنيفةَ بأنَّه لا يُباشِرُه إلا النِّساءُ، فإنْ قيلَ: فهي عَورةٌ من المَرأةِ تَحرُمُ على الرِّجالِ والنِّساءِ، فلِمَ جَوَّزتُم فيها شَهادةَ النِّساءِ معَ مُشارَكتِهِنَّ للرِّجالِ في التَّحريمِ؟ قيلَ: لأنَّها في حُقوقِ الرِّجالِ أغلَظُ تَحريمًا منها في حُقوقِ النِّساءِ؛ لأنَّ تَحريمَها في الرِّجالِ مُختَّصٌّ بمَعنَيَينِ: أحَدُهما: سَتْرُ العَورةِ، والآخَرُ: قَطعُ الشَّهوةِ.

стр. 13992

وتَحريمُها في النِّساءِ مُختَصٌّ بمَعنًى واحِدٍ، وهو سَتْرُ العَورةِ، فلَمَّا دَعَت الضَّرورةُ فيه إلى الشَّهادةِ أُبيحَت لأخَفِّ الجِنسَينِ حَظرًا. والقِسمُ الثانِي: ما لا يُقبلُ فيه إلا الرِّجالُ دونَ النِّساءِ، وهو ما لم يَكنْ من عَوراتِ أَبدانِهنَّ كالوَجهِ والكَفَّينِ، فلا يُقبلُ في عُيوبِه إلا شَهادةُ الرِّجالِ دونَ النِّساءِ إِجماعًا، لخُروجِه عن العَورةِ في حُقوقِ الرِّجالِ والنِّساءِ، فلم تَدْعُ الضَّرورةُ فيه إلى انفِرادِ النِّساءِ. والقِسمُ الثالِثُ: ما اختُلفَ فيه، وهو فيما كانَ عَورةً معَ الأجانِبِ، ولم يَكنْ عَورةً معَ ذَوي المَحارِمِ، كالذي عَلا عن السُّرةِ وانحَدَرَ عن الوَجهِ والكَفَّينِ، ومنه الرَّضاعُ من الثَّديَينِ، فمَذهَبُ مالِكٍ أنَّه يَجوزُ أنْ يُقبلَ فيه شَهادةُ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ، لتَحريمِه على الأجانِبِ، وعندَ أَبي حَنيفةَ لا يُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ، لإِباحَتِه لذَوي المَحارِمِ، وقد مَضَت هذه المَسألةُ في الرَّضاعِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه تَجوزُ شَهادتُهنَّ مُنفَرِداتٍ في الحَيضِ والوِلادةِ، والاستِهلالِ وعُيوبِ النِّساءِ، وما لا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ من عَورتِهِنَّ للضَّرورةِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه تُقبلُ شَهادتُهنَّ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ كالوِلادةِ والرَّضاعِ والبَكارةِ وعُيوبِ النِّساءِ، وما يَخفَى على الرِّجالِ غالِبًا.

стр. 13993

ثم اختَلَفوا في العَددِ الذي يُعتبَرُ منهُنَّ. وقالَ أَبو حَنيفةَ وأَحمدُ: تُقبلُ شَهادةُ امرَأةٍ عَدلٍ فيه. وقالَ مالِكٌ: لا يُقبلُ أقَلُّ من شاهِدٍ عَدلٍ وامرأتَينِ تَتَّصِفانِ بالعَدلِ. وعن أَحمدَ مِثلُه. وقالَ الشافِعيُّ: لا يُقبلُ أقَلُّ من أربَعِ نِسوةٍ عَدلاتٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا شَهادةُ النِّساءِ مُفرَداتٍ -أعني النِّساءَ دونَ الرِّجالِ- فهي مَقبولةٌ عندَ الجُمهورِ في حُقوقِ الأَبدانِ التي لا يَطَّلِعُ عليها الرِّجالُ غالِبًا، مِثلَ الوِلادةِ والاستِهلالِ وعُيوبِ النِّساءِ، ولا خِلافَ في شَيءٍ من هذا إلا في الرَّضاعِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلَمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في قَبولِ شَهادةِ النِّساءِ المُفرَداتِ في الجُملةِ (٣). خامِسًا: العَددُ في الشَّهادةِ على الرَّضاعِ: اتَّفَق الفُقهاءُ على إثباتِ الرَّضاعِ بالشَّهادةِ، إلا أنَّهم اختَلَفوا في العَددِ الذي يُشتَرطُ في الشَّهادةِ بالرَّضاعِ، وهل للرِّجالِ مَدخَلٌ في هذه الشَّهادةِ أو لا؟ وهل تُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا تُقبلُ في الرَّضاعِ شَهادةُ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ من غيرِ أنْ يَكونَ معهُنَّ رَجلٌ، فلا تُقبلُ في الشَّهادةِ على الرَّضاعِ امرَأةٌ واحِدةٌ،

стр. 13994

أجنَبيةً كانَت أو أُمَّ أحَدِ الزَّوجَينِ، ولا يُفرَّقُ بينَهما بقَولِها، ويَسعُه المُقامُ معها حتى يَشهَدَ على ذلك رَجلانِ أو رَجلٌ وامرَأتانِ عُدولٌ، ولا يُقبلُ على الرَّضاعِ أقَلُّ من ذلك، ولا شَهادةُ النِّساءِ بانفِرادِهنَّ؛ لأنَّ الرَّضاعَ ممَّا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ؛ لأنَّ ذا الرَّحِمِ المَحرَمِ يَنْظُرُ إلى الثَّديِ، وهو مَقبولُ الشَّهادةِ في ذلك، ولأنَّ الحُرمةَ كما تَحصُلُ بالإرِضاعِ من الثَّديِ تَحصُلُ بالإِيجارِ من القارورةِ، وذلك يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ فلا تُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ وَحدَهنَّ. وحُجَّتُنا في ذلك حَديثُ عُمرَ ﵁ قالَ: «لا يُقبلُ في الرَّضاعِ إلا شَهادةُ رَجلَينِ أو رَجلٍ وامرأتيَنِ»، وكان ذلك بمَحضَرٍ من الصَّحابةِ، ولم يَظهَرِ النَّكيرُ من أحَدٍ، فيَكونُ إِجماعًا، ولأنَّ هذا بابٌ ممَّا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ فلا يُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ على الانفِرادِ كالمالِ، وإنَّما قُلنا ذلك لأنَّ الرَّضاعَ ممَّا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ، أمَّا ثَديُ الأَمةِ فلأنَّه يَجوزُ للأجانِبِ النَّظرُ إليه، وأمَّا ثَديُ الحُرةِ فيَجوزُ لمَحارِمِها النَّظرُ إليه، فثبَتَ أنَّ هذه شَهادةٌ ممَّا يَطَّلعُ عليه الرِّجالُ فلا يُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ على الانفِرادِ؛ لأنَّ قَبولَ شَهادَتِهنَّ بانفِرادِهنَّ في أُصولِ الشَّرعِ للضَّرورةِ، وهي ضَرورةُ عَدمِ اطِّلاعِ الرِّجالِ على المَشهودِ به، فإذا جازَ الاطِّلاعُ عليه في الجُملةِ لم تَتحقَّقِ الضَّرورةُ. فإذا شهِدوا بذلك فُرِّقَ بينَهما؛ فإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ فلا مَهرَ لها، وإنْ كانَ بعدَه فلها الأقَلُّ من المُسمَّى ومن مَهرِ المِثلِ، وليسَ لها في العِدةِ نَفقةٌ ولا سُكنى. فإنْ شهِدَت امرَأةٌ على الرَّضاعِ فالأفضَلُ للزَّوجِ أنْ يُفارِقَها؛ لحَديثِ عُقبةَ بنِ الحارِثِ، قالَ: تَزوَّجتُ امرأةً، فجاءَتنا امرَأةٌ سَوداءُ، فقالَت:

стр. 13995

أرضَعتُكما، فأتَيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقُلتُ: تَزوَّجتُ فُلانةَ بِنتَ فُلانٍ، فجاءَتنا امرَأةٌ سَوداءُ، فقالَت لي: إنِّي قد أرضَعتُكما، وهي كاذِبةٌ، فأعرَضَ عني، فأتَيتُه مِنْ قبَلِ وَجهِه، قُلتُ: إنَّها كاذِبةٌ، قالَ: «كيف بها وقد زعَمَت أنَّها قد أرضَعَتكما؟ دَعَها عنك» (١). وفي لَفظٍ للنَّسائيِّ (٢): فأتَيتُه من قبَلِ وَجهِه، فقُلتُ: إنَّها كاذِبةٌ، فقالَ: «كيف وقد زعَمَت أنَّها قد أرضَعَتكما؟ خَلِّ سَبيلَها»؛ فإنَّما أمَرَه النَّبيُّ ﷺ على طَريقِ التَّنزُّهِ، ألَا تَرى أنَّه أعرَضَ عنه أولًا وثانيًا، ولو وجَبَ التَّفريقُ لَما أعرَضَ عنه، ولأمَرَه بالتَّفريقِ في أولِ سُؤالِه، فلَمَّا لم يَفعَلْ دَلَّ على أنَّه أرادَ به التَّنزُه. ورُويَ أنَّ رَجلًا تَزوَّجَ امرَأةً فجاءَت امرَأةٌ فزعَمَت أنَّها أرضَعَتهما، فسألَ الرَّجلُ علِيًّا ﵁ فقالَ: هي امرأتُك ليسَ أحَدٌ يُحرِّمُها عليك؛ فإنْ تَنزَّهتَ فهو أفضَلُ، وسألَ ابنَ عَباسٍ ﵁ فقالَ له مِثلَ ذلك، ولأنَّه يَحتمِلُ أنْ تَكونَ صادِقةً في شَهادَتِها، فكانَ الاحتِياطُ هو المُفارَقةَ. فإذا فارَقَها فالأفضَلُ له أنْ يُعطيَها نِصفَ المَهرِ إنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ بها؛ لاحتِمالِ صِحةِ النِّكاحِ لاحتِمالِ كَذِبِها في الشَّهادةِ، والأفضَلُ لها ألَّا تَأخذَ شَيئًا منه لاحتِمالِ فَسادِ النِّكاحِ لاحتِمالِ صِدقِها في الشَّهادةِ، وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ فالأفضَلُ للزَّوجِ أنْ يُعطيَها كَمالَ المَهرِ والنَّفقةِ والسُّكنَى لاحتِمالِ جَوازِ النِّكاحِ، والأفضَلُ لها أنْ تَأخذَ الأقَلَّ من مَهرِ مِثلِها ومن

стр. 13996

المُسمَّى وألَّا تَأخذَ النَّفقةَ والسُّكنَى لاحتِمالِ الفَسادِ وإنْ لم يُطلِّقْها فهو في سَعةٍ من المُقامِ معها؛ لأنَّ النِّكاحَ قائِمٌ في الحُكمِ. وكذا إذا شهِدَت امرَأتانِ أو رَجلٌ وامرَأةٌ أو رَجلانِ غيرُ عَدلَينِ أو رَجلٌ وامرَأتانِ غيرُ عُدولٍ؛ لما قُلنا. وإذا شهِدَ رَجلانِ عَدلانِ أو رَجلٌ وامرَأتانِ وفُرِّقَ بينَهما، فإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ بها فلا شَيءَ لها؛ لأنَّه تَبيَّنَ أنَّ النِّكاحَ كانَ فاسِدًا وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ بها يَجبُ لها الأقَلُّ من المُسمَّى ومِن مَهرِ المِثلِ ولا تَجبُ النَّفقةُ والسُّكنَى في سائِرِ الأنكِحةِ الفاسِدةِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الرَّضاعَ يَثبُتُ بينَ الزَّوجَينِ بشَهادةِ رَجلَينِ عَدلَينِ ولا خِلافَ في ذلك، ويَثبُتُ أيضًا بشَهادةِ رَجلٍ وامرَأةٍ إذا كانَ ذلك فاشيًا قبلَ العَقدِ من قَولِهما، ويَثبُتُ أيضًا بشَهادةِ امرأتَينِ إنْ كانَ فاشيًا قبلَ العَقدِ على المَشهورِ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ وقالَ سحنُونٌ ومُطرِّفٌ وابنُ الماجِشونِ: يَثبُتُ الرَّضاعُ بشَهادةِ المَرأتَينِ معَ عَدمِ الفُشوِّ إذا كانَتا عَدلَتينِ، وسَواءٌ كانَتا أُمهاتِهما أو أجنَبيَّتينِ؛ لأنَّ هذا من الأمرِ الذي لا يَطَّلعُ عليه غالِبًا إلا النِّساءُ؛ فإنْ لم يَكنْ ذلك فاشيًا قبلَ العَقدِ؛ فإنَّه لا يَثبُتُ، فشَرطُ الفُشوِّ قَيدٌ في المَسألتَينِ، وأمَّا الرَّجلُ معَ المَرأتَينِ فلا يُشتَرطُ الفُشوُّ في ذلك.

стр. 13997

وهل تُشتَرطُ عَدالةُ الرَّجلِ والمَرأةِ وعَدالةُ المَرأتَينِ معَ الفُشوِّ أو لا تُشتَرطُ معه؟ فيه تَردُّدٌ والراجِحُ أنَّه لا تُشتَرطُ العَدالةُ معَ الفُشوِّ. ويَثبُتُ الرَّضاعُ بينَ الزَّوجَينِ بشَهادةِ رَجلَينِ عَدلَينِ اتِّفاقًا، فَشا أو لا، ولا يَثبُتُ بشَهادةِ امرَأةٍ ولو فَشا قبلَ العَقدِ، ولو كانَت عَدلةً. ويُستحَبُّ التَّنزُّهُ في كلِّ شَهادةٍ لا تُوجِبُ فِراقًا بأنْ كانَت شَهادةَ امرَأةٍ واحِدةٍ سَواءٌ كانَت أُمَّ أحَدِهما أو أجنَبيةً أو كانَت شَهادةَ رَجلٍ وَحدَه ولو كانَ عَدلًا أو كانَت شَهادةَ امرأتَينِ ولم يَكنْ فُشوٌّ قبلَ العَقدِ، ومَعنى التَّنزُّهِ ألَّا يَتزوَّجَها إنْ لم تَكنْ زَوجةً، أو أنْ يُطلِّقَها إنْ كانَت زَوجةً (١). وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: في الشَّهادةِ على الرَّضاعةِ. (قُلتُ): أَرأيتَ امرَأةً شهِدَت أنَّها أرضَعَت رَجلًا وامرَأتَه أيُفرَّقُ بينَهما في قَولِ مالِكٍ أو لا؟ (قال): قالَ مالِكٌ: يُقالُ للزَّوجِ: تَنزَّهْ عنها، إنْ كُنْتَ تَثقُ بناحيتِها، فلا أَرى أنْ يُقيمَ عليها، ولا يُفرِّقُ القاضِي بينَهما بشَهادتِها وإنْ كانَت عَدلةً، (قُلتُ): أَرأيتَ لو أنَّ امرأتَينِ شهِدَتا على رَضاعِ رَجلٍ وامرَأتِه أيُفرَّقُ بينَ الرَّجلِ وامرَأتِه في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: نَعمْ، يُفرَّقُ بينَهما إذا كانَ قد فَشا وعُرفَ من قَولِهما قبلَ هذا المَوضِعِ، (قُلتُ): أرأيتَ إنْ كانَ لم يَفشُ ذلك من قَولِهما؟ (قال): قالَ مالِكٌ: لا أَرى أنْ يُقبَلَ قَولُهما إذا لم يَفشُ ذلك من قَولِهما قبلَ نِكاحِهما عندَ الأَهلينَ والجِيرانِ،

стр. 13998

(قُلتُ): أرَأيتَ إنْ كانَت المَرأتانِ اللَّتانِ شهِدَتا على الرَّضاعِ أُمَّ الزَّوجِ وأُمَّ المَرأةِ؟ (قالَ): لا يُقبلُ قَولُهما إلا أنْ يَكونَ ذلك قد عُرفَ من قَولِهما وفَشا قبلَ النِّكاحِ، (قُلتُ): فهؤلاءِ والأجنَبياتُ سَواءٌ في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): نَعمْ في رَأيي، (قُلتُ): أرأيتَ إنْ شهِدَت امرَأةٌ وَاحِدةٌ أنَّها أرضَعَتهما جَميعًا الزَّوجَ والمَرأةَ، وقد عُرفَ ذلك من قَولِها قبلَ النِّكاحِ، (قالَ): لا يُفرِّقُ القاضِي بينَهما في رَأيي وإنَّما يُفرِّقُ في المَرأتَينِ؛ لأنَّهما حينَ كانَتا امرأتَينِ تمَّت الشَّهادةُ، فأمَّا المَرأةُ الواحِدةُ فلا يُفرَّقُ بشهادَتِها، ولكِنْ يُقالُ للزَّوجِ: تَنزَّهْ عنها فيما بينَك وبينَ خالِقِك، (قُلتُ): أرأيتَ لو أنَّ رَجلًا خطَبَ امرَأةً فقالَت امرَأةٌ: قد أرضَعتُكما، أيُنهَى عنها في قَولِ مالِكٍ، وإنْ تَزوَّجَها فُرِّقَ بينَهما؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: يُنهى عنها على وَجهِ الاتِّقاءِ لا على وَجهِ التَّحريمِ؛ فإنْ تَزوَّجَها لم يُفرِّقِ القاضِي بينَهما (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الرَّضاعَ يَثبُتُ بشَهادةِ رَجلَينِ أو رَجلٍ وامرأتَينِ؛ لأنَّ كلَّ ما يُقبلُ فيه النِّساءُ الخُلَّصُ يُقبلُ فيه الرِّجالُ، وبأربَعِ نِسوةٍ لاختِصاصِ النِّساءِ بالاطِّلاعِ عليه غالِبًا كالوِلادةِ، ولا يَثبُتُ بأقَلَّ من أربَعةِ نِسوةٍ؛ إذ كلُّ امرأتَينِ بمَثابةِ رَجلٍ. ومَحلُّ قَبولِ شَهادةِ النِّساءِ إذا كانَ النِّزاعُ في الارتِضاعِ من الثَّديِ، أمَّا إذا كانَ في الشُّربِ أو الإيجارِ من ظَرفٍ فلا تُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ المُتمَحِّضاتِ؛ لأنَّهُنَّ لا اختِصاصَ لهُنَّ بالاطِّلاعِ عليه، ولكنْ يُقبَلْنَ في أنَّ لَبنَ الإناءِ لَبنُ فُلانةَ؛ لأنَّ الرِّجالَ لا يَطَّلعونَ على الحَلبِ غالِبًا.

стр. 13999

والإِقرارُ بالرَّضاعِ شَرطُه رَجُلانِ، ولا يَثبُتُ بغَيرِهما لاطِّلاعِ الرِّجالِ عليه غالِبًا. وتُقبلُ في الرَّضاعِ شَهادةُ المُرضِعةِ معَ غَيرِها إنْ لم تَطلُبْ أُجرةً عن رَضاعِها، ولا ذَكَرَت فِعلَها، بل شهِدَت أنَّ بينَهما رَضاعًا مُحرِّمًا؛ لأنَّها لا تَجرُّ بهذه الشَّهادةِ نَفعًا ولا تَدفَعُ ضَررًا، وكذا إنْ ذكَرَت فِعلَها، فقالَت: أرضَعتُه؛ فإنَّها تُقبلُ، بخِلافِ ما إذا طلَبَت الأُجرةَ؛ فإنَّها لا تُقبلُ؛ لأنَّها مُتَّهَمةٌ. والأصَحُّ أنَّه لا يَكفي في الشَّهادةِ بالإِرضاعِ أنْ يُقالَ: بينَهما رَضاعٌ مُحرِّمٌ، بل يَجبُ معَ ذلك ذِكرُ وَقتِ وُقوعِ الإِرضاعِ، وهو قبلَ الحَولَينِ في الرَّضيعِ، وبعدَ تِسعِ سِنينَ في المُرضِعةِ، وذِكرُ العَددِ، وهو خَمسُ رَضعاتٍ، ولا بدَّ أنْ يَقولَ: مُتفرِّقاتٍ؛ لأنَّ غالِبَ الناسِ يَجهَلونَ أنَّ الانتِقالَ مِنْ ثَديٍ إلى ثَديٍ، أو قَطعَ الرَّضيعِ للَّهوِ وتَنفُّسٍ ونَحوِهما وعَودَه رَضعةٌ واحِدةٌ. وكذا يَجبُ ذِكرُ وُصولِ اللَّبنِ جَوفَه في كلِّ رَضعةٍ. وفي مُقابِلِ الأصَحِّ أنَّه يَكفي بينَهما رَضاعٌ مُحرِّمٌ. وإنْ لم يَتمَّ نِصابُ الشَّهادةِ، كأنْ شهِدَت امرَأةٌ واحِدةٌ أو اثنَتانِ أو ثَلاثٌ بالرَّضاعِ استُحِبَّ للزَّوجِ أنْ يُطلِّقَها، ويُكرَهُ له المُقامُ معَها (١).

стр. 14000

وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الرَّضاعَ يَثبُتُ بشَهادةِ امرَأةٍ واحِدةٍ مَرضيةٍ على فِعلِها بأنْ شَهِدَت أنَّها أرضَعَته خَمسًا في الحَولَينِ أو شهِدَت امرَأةٌ مَرضِيةٌ على فِعلِ غَيرِها بأنْ شهِدَت أنَّ فُلانةَ أرضَعَتْه خَمسًا في الحَولَينِ. أو شهِدَ بذلك رَجلٌ واحِدٌ، ثبَتَ الرَّضاعُ بذلك، ولا يَمينَ على المَشهودِ له، ولا على الشاهِدةِ، لما رَوى عُقبةُ بنُ الحارِثِ قالَ: «تَزوَّجتُ امرَأةً فجاءَتنا امرَأةٌ سَوداءُ، فقالَت: أرضَعتُكما، فأتَيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقُلتُ: تَزوَّجتُ فُلانةَ بِنتَ فُلانٍ، فجاءَتنا امرَأةٌ سَوداءُ، فقالَت لي: إنِّي قد أرضَعتُكما، وهي كاذِبةٌ، فأعرَضَ عَني، فأتَيتُه مِنْ قبَلِ وَجهِه، قُلتُ: إنَّها كاذِبةٌ، قالَ: كيف بها وقد زعَمَت أنَّها قد أرضَعَتكما؟ دَعها عنك» (١). وفي لَفظٍ للنَّسائيِّ (٢): «فأتَيتُه مِنْ قبَلِ وَجهِه، فقُلتُ: إنَّها كاذِبةٌ، فقالَ: «كيف وقد زعَمَت أنَّها قد أرضَعَتكما؟ خَلِّ سَبيلَها». وهذا يَدلُّ على الاكتِفاءِ بالمَرأةِ الواحِدةِ. وقالَ الزُّهريُّ: فُرِّقَ بينَ أهلِ أبياتٍ في زَمنِ عُثمانَ بشَهادةِ امرَأةٍ واحِدةٍ. وقالَ الأَوزاعيُّ: فَرَّقَ عُثمانُ بينَ أربَعةٍ وبينَ نِسائِهم بشَهادةِ امرَأةٍ في الرَّضاعِ. وقالَ الشَّعبيُّ: كانَت القُضاةُ تُفرِّقُ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ بشَهادةِ امرَأةٍ واحِدةٍ في الرَّضاعِ.

стр. 14001

ولأنَّ هذه شَهادةٌ على عَورةٍ، تُقبلُ فيها شَهادةُ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ كالوِلادةِ، ولأنَّه مَعنًى يُقبلُ فيه قَولُ النِّساءِ المُنفَرِداتِ يُقبلُ فيه شَهادةُ المَرأةِ والمُتبَرعةِ وغَيرِها على السَّواءِ، وغَيرُ المَرضِيةِ لا تُقبلُ. وعن الإمامِ أَحمدَ رِوايةٌ أُخرى: لا يُقبلُ إلا شَهادةُ امرأتَينِ؛ لأنَّ الرِّجالَ أَولَى من النِّساءِ، ولا يُقبلُ إلا شَهادةُ رَجلَينِ، فالنِّساءُ أوْلَى. وعن أَحمدَ رِوايةٌ ثالِثةٌ أنَّ شَهادةَ المَرأةِ الواحِدةِ مَقبولةٌ وتُستَحلَفُ معَ شَهادَتِها، وهو قَولُ ابنِ عَباسٍ وإِسحاقَ؛ لأنَّ ابنَ عَباسٍ قالَ في امرَأةٍ زَعَمت أنَّها أرضَعَت رَجلًا وأهلَه: «إنْ كانَت مَرضيةً استُحلِفَت وفارَقَ امرَأتَه، وإنْ كانَت كاذِبةً لم يَحُلِ الحَولُ حتى يَبيَضَّ ثَدياها». يَعني: يُصيبُها فيها بَرصٌ، عُقوبةً على كَذِبِها، وهذا لا يَقتَضيه قِياسٌ، ولا يَهتَدي إليه رأيٌ، فالظاهِرُ أنَّه لا يَقولُه إلا تَوقيفًا. ويُقبلُ فيه شَهادةُ المُرضِعةِ على فِعلِ نَفسِها لِما ذكَرْنا من حَديثِ عُقبةَ من أنَّ الأَمةَ السَّوداءَ قالَت: قد أرضَعتُكما، فقبِلَ النَّبيُّ ﷺ شَهادَتَها، ولأنَّه فِعلٌ لا يَحصُلُ لها به نَفعٌ مَقصودٌ ولا تَدفَعُ عنها به ضَررًا قُبلَت شَهادَتُها به كفِعلِ غَيرِها. ولا تُقبلُ الشَّهادةُ على الرَّضاعِ إلا مُفسَّرةً، فلو قالَت: أشهَدُ أنَّ هذا ابنُ هذه من الرَّضاعِ، لا تُقبلُ؛ لأنَّ الرَّضاعَ المُحرِّمَ يَختلِفُ الناسُ فيه، منهم مَنْ يُحرِّمُ بالقَليلِ، ومنهم مَنْ يُحرِّمُ بعدَ الحَولَينِ، فلزِمَ الشاهِدَ تَبيينُ كَيفيَّتِه ليَحكُمَ الحاكِمُ فيه باجتِهادِه.

стр. 14002

يَحتاجُ الشاهِدُ أنْ يَشهدَ بأنَّ هذا ارتضَعَ من ثَديِ هذه خَمسَ رَضعاتٍ مُتفرِّقاتٍ خَلُصَ اللَّبنُ فيهِنَّ إلى جَوفِه في الحَولَينِ. فإنْ قيلَ: خُلوصُ اللَّبنِ إلى جَوفِه لا طَريقَ له إلى مُشاهَدتِه، فكيف تَجوزُ الشَّهادةُ؟ قُلنا: إذا عُلِمَ أنَّ هذه المَرأةَ ذاتُ لَبنٍ، ورَأى الصَّبيَّ قد التقَمَ ثَديَها وحَرَّكَ فَمَه في الامتِصاصِ وحَلقَه في الاجتِراعِ حصَلَ ظَنٌّ يَقرُبُ إلى اليَقينِ أنَّ اللَّبنَ قد وصَلَ إلى جَوفِه، وما يَتعذَّرُ الوُقوفُ عليه بالمُشاهَدةِ اكتُفيَ فيه بالظاهِرِ، كالشَّهادةِ بالمِلكِ وثُبوتِ الدَّينِ في الذِّمةِ والشَّهادةِ على النَّسَبِ بالاستِفاضةِ. ولو قالَ الشاهِدُ: أدخَلَ رأسَه تَحتَ ثِيابِها والتقَمَ ثَديَها، لا يُقبلُ؛ لأنَّه قد يُدخِلُ رأسَه ولا يَأخذُ الثَّديَ، وقد يَأخذُ الثَّديَ ولا يَمُصُّ، فلا بدَّ من ذِكرِ ما يَدلُّ عليه. وإنْ قالَ: أشهَدُ إنَّ هذه أرضَعَت هذا، فالظاهِرُ أنَّه يَكفي في ثُبوتِ أصلِ الرَّضاعِ؛ لأنَّ المَرأةَ التي قالَت قد أرضَعتُكما، اكتُفيَ بقَولِها (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الشَّهادةُ على الرَّضاعِ؛ فإنَّ قَومًا قالوا: لا تُقبلُ فيه إلا شَهادةُ امرأتَينِ، وقَومًا قالوا: لا تُقبلُ فيه إلا شَهادةُ أربَعٍ، وبه قالَ الشافِعيُّ وعَطاءٌ، وقَومًا قالوا: تُقبلُ فيه شَهادةُ امرَأةٍ واحِدةٍ. والذين قالوا: تُقبلُ فيه شَهادةُ امرأتَينِ، منهم مَنْ اشتَرطَ في ذلك فُشوَّ

стр. 14003

قَولِهما بذلك قبلَ الشَّهادةِ، وهو مَذهبُ مالِكٍ وابنِ القاسِمِ، ومنهم مَنْ لم يَشتَرطْه وهو قَولُ مُطرِّفٍ وابنِ الماجِشونِ. والذين أجازوا أيضًا شَهادةً امرَأةٍ واحِدةٍ منهم مَنْ لم يَشتَرطْ فُشوَّ قَولِها قبلَ الشَّهادةِ، وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ -تَقدَّمَ أنَّه لا يَثبُتُ عندَه بشَهادةِ امرَأةٍ واحِدةٍ-، ومنهم مَنْ اشتَرطَ ذلك، وهي رِوايةٌ عن مالِكٍ، وقد رُويَ عنه أنَّه لا تَجوزُ فيه شَهادةُ أقَلَّ من اثنَتَينِ. والسَّببُ في اختِلافِهم كما يَلي: أمَّا بينَ الأربَعِ والاثنَتَينِ فاختِلافُهم في شَهادةِ النِّساءِ هل عَديلُ كلِّ رَجلٍ هو امرَأتانِ فيما ليسَ يُمكِنُ فيه شَهادةُ الرَّجلِ أو يَكفي في ذلك امرَأتانِ … وأمَّا اختِلافُهم في قَبولِ شَهادةِ المَرأةِ الواحِدةِ فمُخالَفةُ الأثَرِ الوارِدِ في ذلك للأصلِ المُجمَعِ عليه، أَعني أنَّه لا يُقبلُ من الرِّجالِ أقَلُّ من اثنَينِ وأنَّ حالَ النِّساءِ في ذلك إمَّا أنْ يَكونَ أضعَفَ من حالِ الرِّجالِ وإمَّا أنْ تَكونَ أَحوالُهنَّ في ذلك مُساويةً للرِّجالِ، والإِجماعُ مُنعَقِدٌ على أنَّه لا يُقضَى بشَهادةٍ واحِدةٍ. والأمرُ الوارِدُ في ذلك هو حَديثُ عُقبةَ بنِ الحارِثِ قالَ: «يا رَسولَ اللهِ إنِّي تَزوَّجتُ امرَأةً فأتَت امرَأةٌ فقالَت: قد أرضَعتُكما، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «كيف وقد قيلَ؟ دَعها عنك»، وحَمَل بَعضُهم هذا الحَديثَ على النَّدبِ جَمعًا بينَه وبينَ الأُصولِ، وهو أشبَهُ، وهي رِوايةٌ عن مالِكٍ (١).

стр. 14004

سادِسًا: الشَّهادةُ في النِّكاحِ والطَّلاقِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الشَّهادةِ على النِّكاحِ والطَّلاقِ هل تُقبلُ شَهادةُ النِّساءِ معَ الرِّجالِ في ذلك أو لا يُقبلُ إلا الرِّجالُ فقط؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ شَهادةَ النِّساءِ لا تُقبلُ في الحُدودِ والقِصاصِ، وما سِوى ذلك من الحُقوقِ يُقبلُ فيه رَجلانِ أو رَجلٌ وامرَأتانِ، سَواءٌ كانَ الحَقُّ مالًا أو غيرَ مالٍ، مِثلَ: النِّكاحِ والطَّلاقِ والوَكالةِ والوَصيةِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. جَعَل اللهُ لرَجلٍ وامرأتَينِ شَهادةً على الإطلاقِ؛ لأنَّه جعَلَهم من الشُّهداءِ، والشاهِدُ المُطلَقُ مَنْ له شَهادةٌ على الإطلاقِ فاقتَضَى أنْ يَكونَ لهم شَهادةٌ في سائِرِ الأَحكامِ إلا ما قُيِّد بدَليلٍ. ورُويَ عن سَيِّدِنا عُمرَ ﵁ «أنَّه أجازَ شَهادةَ النِّساءِ معَ الرِّجالِ في النِّكاحِ والفُرقةِ» ولم يُنقَلْ أنَّه أنكَرَ عليه مُنكِرٌ من الصَّحابةِ، فكانَ إِجماعًا منهم على الجَوازِ، ولأنَّ شَهادةَ رَجلٍ وامرأتَينِ في إظهارِ المَشهودِ به مِثلُ شَهادةِ رَجلَينِ لرُجحانِ جانِبِ الصِّدقِ فيها على جانِبِ الكَذِبِ بالعَدالةِ، لا أنَّها لم تُجعَلْ حُجةً فيما يُدرأُ بالشُّبهاتِ لنَوعِ قُصورٍ وشُبهةٍ فيها لما ذكَرْنا وهذه الحُقوقُ تَثبُتُ بدَليلٍ فيه شُبهةٌ (١).

стр. 14005

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ ما ليسَ بمالٍ وليسَ المَقصودُ منه المالَ ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ كالنِّكاحِ والرَّجعةِ والطَّلاقِ والعِتاقِ والوَكالةِ والوَصيةِ إليه، وقَتلِ العَمدِ والحُدودِ، سِوى حَدِّ الزِّنا لا يَثبُتُ إلا بشاهِدَينِ ذَكرَينِ ولا يُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ ولا النِّساءِ معَ الرِّجالِ لقوله في الرَّجعةِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولِما رَوى ابنُ مَسعودٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهِدَيْ عَدلٍ». وقالَ في الوَصيةِ: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فنَصَّ على شَهادةِ الرِّجالِ، فلم يَجزْ أنْ يُقبلَ فيه شَهادةُ النِّساءِ كالزِّنا. ورَوى مالِكٌ عن عَقيلٍ عن ابنِ شِهابٍ قالَ: «مَضَت السُّنةُ من رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه لا يَجوزُ شَهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ، ولا في النِّكاحِ، ولا في الطَّلاقِ» وقِسْنا عليها كلَّ ما لا يُقصَدُ به المالُ ويَطَّلعُ عليه الرِّجالُ. ولأنَّ الحُقوقَ ضَربانِ: حُقوقُ اللهِ تَعالى، وحُقوقُ الآدَميِّينَ، فلمَّا وقَعَ الفَرقُ في حُقوقِ اللهِ تَعالى بيَّنَ أعلاها وأَدناها في العَددِ، فأَعلاها الزِّنا، وأَدناها الخَمرُ، وجَبَ أنْ يَقعَ الفَرقُ في حُقوقِ الآدَميِّينَ بينَ أَعلاها وأَدناها في الجِنسِ، فأَعلاها حُقوقُ الأَبدانِ، وأَدناها حُقوقُ الأَموالِ. ولأنَّ شَهادةَ النِّساءِ حُجةٌ ضَرورةً؛ لأنَّها جُعلَت حُجةً في بابِ الدِّياناتِ
следующие страницы →