← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14001–14040 · переход к 14006.

стр. 14001

ولأنَّ هذه شَهادةٌ على عَورةٍ، تُقبلُ فيها شَهادةُ النِّساءِ مُنفَرِداتٍ كالوِلادةِ، ولأنَّه مَعنًى يُقبلُ فيه قَولُ النِّساءِ المُنفَرِداتِ يُقبلُ فيه شَهادةُ المَرأةِ والمُتبَرعةِ وغَيرِها على السَّواءِ، وغَيرُ المَرضِيةِ لا تُقبلُ. وعن الإمامِ أَحمدَ رِوايةٌ أُخرى: لا يُقبلُ إلا شَهادةُ امرأتَينِ؛ لأنَّ الرِّجالَ أَولَى من النِّساءِ، ولا يُقبلُ إلا شَهادةُ رَجلَينِ، فالنِّساءُ أوْلَى. وعن أَحمدَ رِوايةٌ ثالِثةٌ أنَّ شَهادةَ المَرأةِ الواحِدةِ مَقبولةٌ وتُستَحلَفُ معَ شَهادَتِها، وهو قَولُ ابنِ عَباسٍ وإِسحاقَ؛ لأنَّ ابنَ عَباسٍ قالَ في امرَأةٍ زَعَمت أنَّها أرضَعَت رَجلًا وأهلَه: «إنْ كانَت مَرضيةً استُحلِفَت وفارَقَ امرَأتَه، وإنْ كانَت كاذِبةً لم يَحُلِ الحَولُ حتى يَبيَضَّ ثَدياها». يَعني: يُصيبُها فيها بَرصٌ، عُقوبةً على كَذِبِها، وهذا لا يَقتَضيه قِياسٌ، ولا يَهتَدي إليه رأيٌ، فالظاهِرُ أنَّه لا يَقولُه إلا تَوقيفًا. ويُقبلُ فيه شَهادةُ المُرضِعةِ على فِعلِ نَفسِها لِما ذكَرْنا من حَديثِ عُقبةَ من أنَّ الأَمةَ السَّوداءَ قالَت: قد أرضَعتُكما، فقبِلَ النَّبيُّ ﷺ شَهادَتَها، ولأنَّه فِعلٌ لا يَحصُلُ لها به نَفعٌ مَقصودٌ ولا تَدفَعُ عنها به ضَررًا قُبلَت شَهادَتُها به كفِعلِ غَيرِها. ولا تُقبلُ الشَّهادةُ على الرَّضاعِ إلا مُفسَّرةً، فلو قالَت: أشهَدُ أنَّ هذا ابنُ هذه من الرَّضاعِ، لا تُقبلُ؛ لأنَّ الرَّضاعَ المُحرِّمَ يَختلِفُ الناسُ فيه، منهم مَنْ يُحرِّمُ بالقَليلِ، ومنهم مَنْ يُحرِّمُ بعدَ الحَولَينِ، فلزِمَ الشاهِدَ تَبيينُ كَيفيَّتِه ليَحكُمَ الحاكِمُ فيه باجتِهادِه.

стр. 14002

يَحتاجُ الشاهِدُ أنْ يَشهدَ بأنَّ هذا ارتضَعَ من ثَديِ هذه خَمسَ رَضعاتٍ مُتفرِّقاتٍ خَلُصَ اللَّبنُ فيهِنَّ إلى جَوفِه في الحَولَينِ. فإنْ قيلَ: خُلوصُ اللَّبنِ إلى جَوفِه لا طَريقَ له إلى مُشاهَدتِه، فكيف تَجوزُ الشَّهادةُ؟ قُلنا: إذا عُلِمَ أنَّ هذه المَرأةَ ذاتُ لَبنٍ، ورَأى الصَّبيَّ قد التقَمَ ثَديَها وحَرَّكَ فَمَه في الامتِصاصِ وحَلقَه في الاجتِراعِ حصَلَ ظَنٌّ يَقرُبُ إلى اليَقينِ أنَّ اللَّبنَ قد وصَلَ إلى جَوفِه، وما يَتعذَّرُ الوُقوفُ عليه بالمُشاهَدةِ اكتُفيَ فيه بالظاهِرِ، كالشَّهادةِ بالمِلكِ وثُبوتِ الدَّينِ في الذِّمةِ والشَّهادةِ على النَّسَبِ بالاستِفاضةِ. ولو قالَ الشاهِدُ: أدخَلَ رأسَه تَحتَ ثِيابِها والتقَمَ ثَديَها، لا يُقبلُ؛ لأنَّه قد يُدخِلُ رأسَه ولا يَأخذُ الثَّديَ، وقد يَأخذُ الثَّديَ ولا يَمُصُّ، فلا بدَّ من ذِكرِ ما يَدلُّ عليه. وإنْ قالَ: أشهَدُ إنَّ هذه أرضَعَت هذا، فالظاهِرُ أنَّه يَكفي في ثُبوتِ أصلِ الرَّضاعِ؛ لأنَّ المَرأةَ التي قالَت قد أرضَعتُكما، اكتُفيَ بقَولِها (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الشَّهادةُ على الرَّضاعِ؛ فإنَّ قَومًا قالوا: لا تُقبلُ فيه إلا شَهادةُ امرأتَينِ، وقَومًا قالوا: لا تُقبلُ فيه إلا شَهادةُ أربَعٍ، وبه قالَ الشافِعيُّ وعَطاءٌ، وقَومًا قالوا: تُقبلُ فيه شَهادةُ امرَأةٍ واحِدةٍ. والذين قالوا: تُقبلُ فيه شَهادةُ امرأتَينِ، منهم مَنْ اشتَرطَ في ذلك فُشوَّ

стр. 14003

قَولِهما بذلك قبلَ الشَّهادةِ، وهو مَذهبُ مالِكٍ وابنِ القاسِمِ، ومنهم مَنْ لم يَشتَرطْه وهو قَولُ مُطرِّفٍ وابنِ الماجِشونِ. والذين أجازوا أيضًا شَهادةً امرَأةٍ واحِدةٍ منهم مَنْ لم يَشتَرطْ فُشوَّ قَولِها قبلَ الشَّهادةِ، وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ -تَقدَّمَ أنَّه لا يَثبُتُ عندَه بشَهادةِ امرَأةٍ واحِدةٍ-، ومنهم مَنْ اشتَرطَ ذلك، وهي رِوايةٌ عن مالِكٍ، وقد رُويَ عنه أنَّه لا تَجوزُ فيه شَهادةُ أقَلَّ من اثنَتَينِ. والسَّببُ في اختِلافِهم كما يَلي: أمَّا بينَ الأربَعِ والاثنَتَينِ فاختِلافُهم في شَهادةِ النِّساءِ هل عَديلُ كلِّ رَجلٍ هو امرَأتانِ فيما ليسَ يُمكِنُ فيه شَهادةُ الرَّجلِ أو يَكفي في ذلك امرَأتانِ … وأمَّا اختِلافُهم في قَبولِ شَهادةِ المَرأةِ الواحِدةِ فمُخالَفةُ الأثَرِ الوارِدِ في ذلك للأصلِ المُجمَعِ عليه، أَعني أنَّه لا يُقبلُ من الرِّجالِ أقَلُّ من اثنَينِ وأنَّ حالَ النِّساءِ في ذلك إمَّا أنْ يَكونَ أضعَفَ من حالِ الرِّجالِ وإمَّا أنْ تَكونَ أَحوالُهنَّ في ذلك مُساويةً للرِّجالِ، والإِجماعُ مُنعَقِدٌ على أنَّه لا يُقضَى بشَهادةٍ واحِدةٍ. والأمرُ الوارِدُ في ذلك هو حَديثُ عُقبةَ بنِ الحارِثِ قالَ: «يا رَسولَ اللهِ إنِّي تَزوَّجتُ امرَأةً فأتَت امرَأةٌ فقالَت: قد أرضَعتُكما، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «كيف وقد قيلَ؟ دَعها عنك»، وحَمَل بَعضُهم هذا الحَديثَ على النَّدبِ جَمعًا بينَه وبينَ الأُصولِ، وهو أشبَهُ، وهي رِوايةٌ عن مالِكٍ (١).

стр. 14004

سادِسًا: الشَّهادةُ في النِّكاحِ والطَّلاقِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الشَّهادةِ على النِّكاحِ والطَّلاقِ هل تُقبلُ شَهادةُ النِّساءِ معَ الرِّجالِ في ذلك أو لا يُقبلُ إلا الرِّجالُ فقط؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ شَهادةَ النِّساءِ لا تُقبلُ في الحُدودِ والقِصاصِ، وما سِوى ذلك من الحُقوقِ يُقبلُ فيه رَجلانِ أو رَجلٌ وامرَأتانِ، سَواءٌ كانَ الحَقُّ مالًا أو غيرَ مالٍ، مِثلَ: النِّكاحِ والطَّلاقِ والوَكالةِ والوَصيةِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. جَعَل اللهُ لرَجلٍ وامرأتَينِ شَهادةً على الإطلاقِ؛ لأنَّه جعَلَهم من الشُّهداءِ، والشاهِدُ المُطلَقُ مَنْ له شَهادةٌ على الإطلاقِ فاقتَضَى أنْ يَكونَ لهم شَهادةٌ في سائِرِ الأَحكامِ إلا ما قُيِّد بدَليلٍ. ورُويَ عن سَيِّدِنا عُمرَ ﵁ «أنَّه أجازَ شَهادةَ النِّساءِ معَ الرِّجالِ في النِّكاحِ والفُرقةِ» ولم يُنقَلْ أنَّه أنكَرَ عليه مُنكِرٌ من الصَّحابةِ، فكانَ إِجماعًا منهم على الجَوازِ، ولأنَّ شَهادةَ رَجلٍ وامرأتَينِ في إظهارِ المَشهودِ به مِثلُ شَهادةِ رَجلَينِ لرُجحانِ جانِبِ الصِّدقِ فيها على جانِبِ الكَذِبِ بالعَدالةِ، لا أنَّها لم تُجعَلْ حُجةً فيما يُدرأُ بالشُّبهاتِ لنَوعِ قُصورٍ وشُبهةٍ فيها لما ذكَرْنا وهذه الحُقوقُ تَثبُتُ بدَليلٍ فيه شُبهةٌ (١).

стр. 14005

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ ما ليسَ بمالٍ وليسَ المَقصودُ منه المالَ ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ كالنِّكاحِ والرَّجعةِ والطَّلاقِ والعِتاقِ والوَكالةِ والوَصيةِ إليه، وقَتلِ العَمدِ والحُدودِ، سِوى حَدِّ الزِّنا لا يَثبُتُ إلا بشاهِدَينِ ذَكرَينِ ولا يُقبلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ ولا النِّساءِ معَ الرِّجالِ لقوله في الرَّجعةِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولِما رَوى ابنُ مَسعودٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهِدَيْ عَدلٍ». وقالَ في الوَصيةِ: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فنَصَّ على شَهادةِ الرِّجالِ، فلم يَجزْ أنْ يُقبلَ فيه شَهادةُ النِّساءِ كالزِّنا. ورَوى مالِكٌ عن عَقيلٍ عن ابنِ شِهابٍ قالَ: «مَضَت السُّنةُ من رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه لا يَجوزُ شَهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ، ولا في النِّكاحِ، ولا في الطَّلاقِ» وقِسْنا عليها كلَّ ما لا يُقصَدُ به المالُ ويَطَّلعُ عليه الرِّجالُ. ولأنَّ الحُقوقَ ضَربانِ: حُقوقُ اللهِ تَعالى، وحُقوقُ الآدَميِّينَ، فلمَّا وقَعَ الفَرقُ في حُقوقِ اللهِ تَعالى بيَّنَ أعلاها وأَدناها في العَددِ، فأَعلاها الزِّنا، وأَدناها الخَمرُ، وجَبَ أنْ يَقعَ الفَرقُ في حُقوقِ الآدَميِّينَ بينَ أَعلاها وأَدناها في الجِنسِ، فأَعلاها حُقوقُ الأَبدانِ، وأَدناها حُقوقُ الأَموالِ. ولأنَّ شَهادةَ النِّساءِ حُجةٌ ضَرورةً؛ لأنَّها جُعلَت حُجةً في بابِ الدِّياناتِ

стр. 14006

عندَ عَدمِ الرِّجالِ ولا ضَرورةَ في الحُقوقِ التي ليسَت بمالٍ؛ لاندِفاعِ الحاجةِ فيها بشَهادةِ الرِّجالِ، ولهذا لم تُجعَلْ حُجةً في بابِ الحُدودِ والقِصاصِ، وكذا لم تُجعَلْ حُجةً بانفِرادِهِنَّ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ (١). وعن الإمامِ أَحمدَ رِوايةٌ في النِّكاحِ والرَّجعةِ والعِتقِ أنَّه يُقبلُ فيه شَهادةُ رَجلٍ وامرأتَينِ (٢). سابِعًا: ما يُقبلُ فيه شاهِدٌ ويَمينٌ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الشَّهادةِ بالشاهِدِ واليَمينِ بأنْ يَحلِفَ صاحِبُ الحَقِّ معَ شاهِدِه ويَستحِقَّ حَقَّه هل يُقبلُ أو لا يُقبلُ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ كلَّ حَقٍّ يَثبُتُ بالشاهِدِ والمَرأتَينِ يَثبُتُ بالشاهِدِ واليَمينِ فيَحلِفُ صاحِبُ الحَقِّ معَ شاهِدِه ويَستحِقُّ حَقَّه؛ فإنْ نكَلَ وأبَى أنْ يَحلِفَ حلَفَ المَطلوبُ، فإنْ حلَفَ سقَطَ عنه ذلك الحَقُّ، وإنْ أبَى أنْ يَحلِفَ ثبَتَ عليه الحَقُّ لصاحِبِه وإنَّما يَكونُ ذلك في الأَموالِ خاصةً، ولا يَقعُ ذلك في شَيءٍ من الحُدودِ ولا في نِكاحٍ ولا في طَلاقٍ ولا في سَرقةٍ ولا في فِريةٍ.

стр. 14007

والدَّليلُ على جَوازِه ما رَواه أَبو هُرَيرةَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى باليَمينِ معَ الشاهِدِ» (١). وعن جابِرٍ ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى باليَمينِ معَ الشاهِدِ» (٢). وعن ابنِ عَباسٍ ﵁ قالَ: «قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بالشاهِدِ واليَمينِ» (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀ بعدَما ذَكَر عَددًا من الأَحاديثِ في هذا: وإنَّما ذكَرْنا في هذا البابِ الآثارَ المَرفوعةَ لا غَيرُ، ولو ذكَرْنا الأَسانيدَ عمَّن قَضى بذلك من الصَّحابةِ والتابِعينَ وعُلماءِ المُسلِمينَ لطالَ ذلك، وممَّن رُويَ عنه القَضاءُ باليَمينِ معَ الشاهِدِ مَنصوصًا عليه من الصَّحابةِ أَبو بَكرٍ وعُمرُ وعُثمانُ وعلِيٌّ وأُبيُّ بنُ كَعبٍ وعَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ وإنْ كانَ في الأَسانيدِ عنهم ضَعفٌ؛ فإنَّا لم نَذكُرْهم على سَبيلِ الحُجةِ؛ لأنَّ الحُجةَ قد لزِمَت بالسُّنةِ الثابِتةِ ولا تَحتاجُ السُّنةُ إلى مَنْ يُتابِعُها؛ لأنَّ مَنْ خالَفَها مَحجوجٌ بها، ولم يأتِ عن أحَدٍ من الصَّحابةِ أنَّه أنكَرَ اليَمينَ معَ الشاهِدِ، بل جاءَ عنهم القَولُ به، وعلى القَولِ به جُمهورُ التابِعينَ بالمَدينةِ سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ وأَبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ والقاسِمُ بنُ مُحمدٍ وعُروةُ وسالِمٌ وأَبو بَكرِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ وعُبَيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ وخارِجةُ بنُ زَيدٍ وسُليمانُ بنُ

стр. 14008

يَسارٍ وعلِيُّ بنُ حُسَينٍ وأبو جَعفَرٍ مُحمدُ بنُ علِيٍّ وأبو الزِّنادِ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ، ولم يُختَلفْ عن واحِدٍ من هؤلاءِ في ذلك إلا عُروةَ؛ فإنَّه اختُلفَ فيه عنه، وكذلك اختُلِفَ فيه عن ابنِ شِهابٍ فقالَ مَعمَرٌ: سألتُ الزُّهريَّ عن اليَمينِ معَ الشاهِدِ، فقالَ: هذا شَيءٌ أحدَثَه الناسُ لا بدَّ من شَهيدَينِ، وقد رُويَ عنه أنَّه أوَّلَ ما وَلي القَضاءَ حكَمَ بشاهِدٍ ويَمينٍ، وبه قالَ مالِكٌ وأَصحابُه والشافِعيُّ وأَتباعُه وأَحمدُ بنُ حَنبَلٍ وإِسحاقُ بنُ راهَويهِ وأبو عُبَيدٍ وأبو ثَورٍ وداودُ بنُ علِيٍّ وجَماعةُ أهلِ الأثَرِ، وهو الذي لا يَجوزُ عِندي خِلافُه لتَواتُرِ الآثارِ به عن النَّبيِّ، ﷺ وقد عمِلَ أهلُ المَدينةِ به قَرنًا بعدَ قَرنٍ، وقالَ مالِكٌ ﵀: يُقضى باليَمينِ معَ الشاهِدِ في كلِّ البُلدانِ، ولم يحتجَّ في مُوطَّئِهِ لمَسألةٍ غَيرِها، ولم يُختَلفْ عنه في القَضاءِ باليَمينِ معَ الشاهِدِ، ولا عن أحَدٍ من أَصحابِه بالمَدينةِ ومِصرَ وغَيرِهما ولا يَعرِفُ المالِكيُّونَ في كلِّ بَلدٍ غيرِ ذلك من مَذهَبِهم إلا عندَنا بالأندَلسِ؛ فإنَّ يَحيى بنَ يَحيى ترَكَه وزَعَم أنَّه لم يَرَ اللَّيثَ بنَ سَعدٍ يُفتي به، ولا يَذهَبُ إليه، وخالَفَ يَحيى مالِكًا في ذلك معَ خِلافِه السُّنةَ والعَملَ بدارِ الهِجرةِ، وقد كانَ مالِكٌ يَقولُ: لا يُقضَى بالعُهدةِ في الرَّقيقِ إلا بالمَدينةِ خاصَّةً، أو على مَنْ اشتُرِطَت عليه ويَقضي باليَمينِ معَ الشاهِدِ الواحِدِ في كلِّ بَلَدٍ، وقد أفرَدَ الشافِعيُّ ﵀ لذلك كِتابًا بيَّنَ فيه الحُجةَ على مَنْ رَدَّه، وأكثَرَ من ذلك أَصحابُه، وقالَ أَبو حَنيفةَ وأَصحابُه والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ: لا يُقضى باليَمينِ معَ الشاهِدِ الواحِدِ، وهو قَولُ عَطاءٍ والحَكمِ بنِ عُتَيبةَ وطائِفةٍ، وزعَمَ عَطاءٌ أن أوَّلَ مَنْ قَضى به عَبدُ المَلكِ بنُ مَروانَ، وهذا غَلطٌ، وظَنٌّ لا

стр. 14009

يُغني من الحَقِّ شَيئًا، وليسَ مَنْ نَفى وجهِلَ كمَن أثبَتَ وعلِمَ، وقد ذكَرْنا مَنْ سَمَّينا من الصَّحابةِ والتابِعينَ وليسَ فيهم مَنْ يَدَعُ عِلمَه لعَبدِ المَلِكِ بنِ مَروانَ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأكثَرُ أهلِ العِلمِ يَرَونَ ثُبوتَ المالِ لمُدَّعيه بشاهِدٍ ويَمينٍ، رُويَ ذلك عن أَبي بَكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ وعلِيٍّ ﵃، وهو قَولُ الفُقهاءِ السَّبعةِ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والحَسنِ وشُرَيحٍ وإياسٍ وعَبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ وأبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ ويَحيى بنِ يَعمُرَ ورَبيعةَ ومالِكٍ وابنِ أَبي لَيلى وأبي الزِّنادِ والشافِعيِّ. وقالَ الشَّعبيُّ والنَّخَعيُّ وأَصحابُ الرأيِ والأَوزاعيُّ لا يُقضى بشاهِدٍ ويَمينٍ، وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: مَنْ قَضى بالشاهِدِ واليَمينِ نَقَضتُ حُكمَه؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فمَن زادَ في ذلك فقد زادَ في النَّصِّ، والزِّيادةُ في النَّصِّ نَسخٌ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «البَيِّنةُ على المُدَّعي واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» فحصَرَ اليَمينَ في جانِبِ المُدَّعَى عليه، كما حصَرَ البَيِّنةَ في جانِبِ المُدَّعي. ولنا: ما رَوى سُهيلٌ عن أبيه عن أَبي هُرَيرةَ قالَ: «قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ باليَمينِ معَ الشاهِدِ الواحِدِ» رَواه سَعيدُ بنُ مَنصورٍ في سُنَنِه

стр. 14010

والأئِمةُ من أهلِ السُّننِ والمَسانيدِ، قالَ التِّرمذيُّ: هذا حَديثٌ حَسنٌ غَريبٌ، وفي البابِ عن علِيٍّ وابنِ عَباسٍ وجابِرٍ ومَسروقٍ، وقالَ النِّسائيُّ: إِسنادُ حَديثِ ابنِ عَباسٍ في اليَمينِ معَ الشاهِدِ إِسنادٌ جَيدٌ. ولأنَّ اليَمينَ تُشرعُ في حَقِّ مَنْ ظهَرَ صِدقُه وقَويَ جانِبُه، ولذلك شُرعَت في حَقِّ صاحِبِ اليَدِ لقُوةِ جَنبتِه بها، وفي حَقِّ المُنكِرِ لقُوةِ جَنبتِه؛ فإنَّ الأصلَ بَراءةُ ذِمتِه، والمُدَّعي ههُنا قد ظهَرَ صِدقُه فوجَبَ أنْ تُشرعَ اليَمينُ في حَقِّه ولا حُجةَ لهم في الآيةِ؛ لأنَّها دَلَّت على مَشروعيةِ الشاهِدَينِ، والشاهِدِ والمَرأتَينِ، ولا نِزاعَ في هذا، وقَولُهم: إنَّ الزِّيادةَ في النَّصِّ نَسخٌ غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّ النَّسخَ: الرَّفعُ والإِزالةُ، والزِّيادةُ في الشَّيءِ تَقريرٌ له لا رَفعٌ، والحُكمُ بالشاهِدِ واليَمينِ لا يَمنَعُ الحُكمَ بالشاهِدَينِ ولا يَرفَعُه، ولأنَّ الزِّيادةَ لو كانَت مُتَّصِلةً بمزيدٍ عليه لم تَرفَعْه ولم تَكنْ نَسخًا، وكذلك إذا انفَصَلت عنه، ولأنَّ الآيةَ وارِدةٌ في التَّحمُّلِ دونَ الأَداءِ، ولهذا قالَ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والنِّزاعُ في الأداءِ، وحَديثُهم ضَعيفٌ، وليسَ هو للحَصرِ بدَليلِ أنَّ اليَمينَ تُشرعُ في حَقِّ المُودَعِ إذا ادَّعى رَدَّ الوَديعةِ وتَلفَها، وفي حَقِّ الأُمناءِ لظُهورِ جِنايَتِهم، وفي حَقِّ المُلاعِنِ وفي القَسامةِ، وتُشرَعُ في حَقِّ البائِعِ والمُشتَري إذا اختَلفَا في الثَّمنِ والسِّلعةُ قائِمةٌ. وقَولُ مُحمدٍ في نَقضِ قَضاءِ مَنْ قَضى بالشاهِدِ واليَمينِ يَتضمَّنُ القَولَ بنَقضِ قَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ والخُلفاءِ الذين قَضَوا به، وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]،

стр. 14011

والقَضاءُ بما قَضى به مُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ﷺ أَولَى من قَضاءِ مُحمدِ ابنِ الحَسنِ المُخالِفِ له. فَصلٌ: قالَ القاضِي: يَجوزُ أنْ يَحلِفَ على ما لا تَسوغُ الشَّهادةُ عليه، مِثلَ أنْ يَجدَ بخَطِّه دَينًا له على إِنسانٍ وهو يَعرِفُ أنَّه لا يَكتُبُ إلا حَقًّا، ولم يَذكُرْه أو يَجدْ في كُتبِ أَبيه بخَطِّه دَينًا له على إِنسانٍ، وهو يَعرِفُ من أَبيه الأمانةَ، وأنَّه لا يَكتُبُ إلا حَقًّا فله أنْ يَحلِفَ عليه ولا يَجوزُ أنْ يَشهدَ به، ولو أخبَرَه بحَقِّ أَبيه ثِقةٌ فسكَنَ إليه جازَ أنْ يَحلِفَ عليه، ولم يَجزْ له أنْ يَشهدَ به، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، والفَرقُ بينَ اليَمينِ والشَّهادةِ من وَجهَينِ أحَدُهما أنَّ الشَّهادةَ لغَيرِه فيُحتمَلُ أنَّ مَنْ له الشَّهادةُ قد زوَّرَ على خَطِّه ولا يُحتمَلُ هذا فيما يَحلِفُ عليه؛ لأنَّ الحَقَّ إنَّما هو للحالِفِ فلا يُزوِّرُ أحَدٌ عليه. الثانِي: أنَّ ما يَكتُبُه الإِنسانُ من حُقوقِه يَكثُرُ فيَنسَى بَعضَه بخِلافِ الشَّهادةِ. فَصلٌ: وكلُّ مَوضعٍ قُبِلَ فيه الشاهِدَ واليَمينَ فلا فَرقَ بَينَ كَونِ المُدَّعي مُسلِمًا أو كافِرًا عَدلًا أو فاسِقًا رَجلًا أو امرأةً، نَصَّ عليه أَحمدُ؛ لأنَّ مَنْ شُرِعت في حَقِّه اليَمينُ لا يَختَلِفُ حُكمُه باختِلافِ هذه الأَوصافِ كالمُنكرِ إذا لم تَكنْ بيِّنةٌ. فَصلٌ: قالَ أَحمدُ: مَضَت السُّنةُ أنْ يُقضَى باليَمينِ معَ الشاهِدِ الواحِدِ؛ فإنْ أبَى أنْ يَحلفَ استُحلِفَ المَطلوبُ، وهذا قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ، ويُروَى عن أَحمدَ؛ فإنْ أبَى المَطلوبُ أنْ يَحلِفَ ثبَتَ الحَقُّ عليه (١).

стр. 14012

قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: الحُكمُ بالشاهِدِ واليَمينِ، هو مَذهبُ فُقهاءِ الحَديثِ كلِّهم، ومَذهبُ فُقهاءِ الأَمصارِ، ما خَلا أَبا حَنيفةَ وأَصحابَه (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يُحكَمُ بالشاهِدِ واليَمينِ ولا بدَّ من شاهِدَينِ أو شاهِدٍ وامرأتَينِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وهذا يُوجِبُ بُطلانَ القَولِ بالشاهِدِ واليَمينِ، وذلك لأنَّ قَولَه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] يَتضمَّنُ الإِشهادَ على عُقودِ المُدايَناتِ التي ابتَدَأ في الخِطابِ بذِكرِها ويَتضمَّنُ إقامَتَها عندَ الحاكِمِ ويَلزَمُ الحاكِمَ الأخْذُ بها لاحتِمالِ اللَّفظِ للحالَينِ، ولأنَّ الإِشهادَ على العَقدِ إنَّما الغَرضُ فيه إِثباتُه عندَ التَّجاحُدِ، فقد تَضمَّنَ لا مَحالةَ استِشهادَ الشاهِدَينِ أو الرَّجلِ والمَرأتَينِ على العَقدِ عندَ الحاكِمِ وإِلزامَه الحُكمَ به، وإذا كانَ كذلك فظاهِرُ اللَّفظِ يَقتَضي الإيجابَ؛ لأنَّه أمرٌ، وأوامِرُ اللهِ على الوُجوبِ، فقد ألزَمَ اللهُ الحاكِمَ الحُكمَ بالعَددِ المَذكورِ، كقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ولم يَجزْ الاقتِصارُ على ما دونَ العَددِ المَذكورِ، كذلك العَددُ المَذكورُ للشَهادةِ غيرُ جائِزٍ الاقتِصارُ فيه على ما دونَه، وفي تَجويزِ أقَلَّ منه مُخالَفةُ الكِتابِ كما لو أجازَ مُجيزٌ أنْ يَكونَ حَدُّ القَذفِ سَبعينَ، أو حَدُّ الزِّنا تِسعينَ، كانَ مُخالِفًا للآيةِ.

стр. 14013

وأيضًا قد انتَظَمَت الآيةُ شَيئَينِ من أمرِ الشُّهودِ أحَدُهما العَددُ، والآخَرُ الصِّفةُ، وهي أنْ يَكونوا أَحرارًا مَرضيِّينَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلَمَّا لم يَجزْ إِسقاطُ الصِّفةِ المَشروطةِ لهم والاقتِصارُ على ما دونَها لم يَجزْ إِسقاطُ العَددِ؛ إذْ كانَت الآيةُ مُقتَضيةً لاستِيفاءِ الأمرَينِ في تَنفيذِ الحُكمِ بها، وهو العَددُ والعَدالةُ والرِّضا فغَيرُ جائِزٍ إِسقاطُ واحِدٍ منهما، والعَددُ أَولَى بالاعتِبارِ من العَدالةِ والرِّضا؛ لأنَّ العَددَ مَعلومٌ من جِهةِ اليَقينِ، والعَدالةُ إنَّما نُثبِتُها من طَريقِ الظاهِرِ، لا من طَريقِ الحَقيقةِ، فلمَّا لم يَجزْ إِسقاطُ العَدالةِ المَشروطةِ من طَريقِ الظاهِرِ لم يَجزْ إِسقاطُ العَددِ المَعلومِ من جِهةِ الحَقيقةِ واليَقينِ. وأيضًا فلمَّا أرادَ اللهُ الاحتياطَ في إِجازةِ شَهادةِ النِّساءِ أوجَبَ شَهادةَ المَرأتَينِ وقالَ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم قالَ: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فنَفَى بذلك أَسبابَ التُّهمةِ والرَّيبِ والنِّسيانِ، وفي مَضمونِ ذلك ما يَنفي قَبولَ يَمينِ الطالِبِ والحُكمَ له بشاهِدٍ واحِدٍ لما فيه من الحُكمِ بغَيرِ ما أُمِر به من الاحتِياطِ والاستِظهارِ ونَفيِ الرِّيبةِ والشَّكِّ، وفي قَبولِ يَمينِه أعظَمُ الرَّيبِ والشَّكِّ وأكبَرُ التُّهمةِ، وذلك خِلافُ مُقتَضى الآيةِ. ويَدلُّ على بُطلانِ الشاهِدِ واليَمينِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقد عَلِمنا أنَّ الشاهِدَ الواحِدَ غيرُ مَقبولٍ، ولا مُرادٍ بالآيةِ، ويَمينُ الطالِبِ لا يَجوزُ أنْ يَقعَ عليها إثمُ الشاهِدِ، ولا يَجوزُ أنْ

стр. 14014

يَكونَ رَضيَ فيما يَدَّعيه لنَفسِه فالحُكمُ بشاهِدٍ واحِدٍ ويَمينِه مُخالِفٌ للآيةِ من هذه الوُجوهِ ورافِعٌ لما قُصِدَ به من أمرِ الشَّهاداتِ من الاحتِياطِ والوَثيقةِ على ما بيَّنَ اللهُ في هذه الآيةِ وقُصِدَ به من المَعاني المَقصودةِ بها، ويَدلُّ عليه قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «البَيِّنةُ على المُدَّعي واليَمينُ على المُدَّعَى عليه»، وفَرقٌ بينَ اليَمينِ والبَيِّنةِ، فغيرُ جائِزٍ أنْ تَكونَ اليَمينُ بيِّنةً؛ لأنَّه لو جازَ أنْ تُسمَّى اليَمينُ بيِّنةً لَكان بمَنزِلةِ قَولِ القائِلِ: البيِّنةُ على المُدَّعي، والبيِّنةُ على المُدَّعَى عليه، وقَولُه: البَيِّنةُ اسمٌ للجِنسِ فاستَوعَبَ ما تَحتَها، فما مِنْ بيِّنةٍ إلا وهي التي على المُدَّعي، فإذًا لا يَجوزُ أنْ يَكونَ عليه اليَمينُ، وأيضًا لمَّا كانَت البَيِّنةُ لَفظًا مُجمَلًا قد يَقعُ على مَعانٍ مُختلِفةٍ واتَّفَقوا على أنَّ الشاهِدَينِ والشاهِدَ والمَرأتَينِ مُرادونَ بهذا الخبَرِ، وأنَّ الاسمَ يَقعُ عليهم صارَ كقَولِه: الشاهِدانِ أو الشاهِدُ والمَرأتانِ على المُدَّعي، فغيرُ جائِزٍ الاقتِصارُ على ما دونَهم (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا القَضاءُ باليَمينِ معَ الشاهِدِ؛ فإنَّهم اختَلَفوا فيه. فقال مالِكٌ والشافِعيُّ وأَحمدُ وداودُ وأبو ثَورٍ والفُقهاءُ السَّبعةُ المَدَنيُّونَ وجَماعةٌ: يُقضَى باليَمينِ معَ الشاهِدِ في الأَموالِ. وقالَ أَبو حَنيفةَ والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ وجُمهورُ أهلِ العِراقِ: لا يُقضَى باليَمنِ معَ الشاهِدِ في شَيءٍ، وبه قالَ اللَّيثُ من أَصحابِ مالِكٍ.

стр. 14015

وسَببُ الخِلافِ في هذا البابِ تَعارُضُ السَّماعِ. أمَّا القائِلونَ به؛ فإنَّهم تَعلَّقوا في ذلك بآثارٍ كَثيرةٍ، منها حَديثُ ابنِ عَباسٍ وحَديثُ أَبي هُرَيرةَ وحَديثُ زَيدِ بنِ ثابِتٍ وحَديثُ جابِرٍ إلا أنَّ الذي خرَّجَ مُسلِمٌ منها حَديثُ ابنِ عَباسٍ، ولَفظُه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَضى باليَمينِ معَ الشاهِدِ» أخرَجَه مُسلِمٌ ولم يُخرِّجْه البُخاريُّ. وأمَّا مالِكٌ؛ فإنَّما اعتمَدَ مُرسَلَه في ذلك عن جَعفَرِ بنِ مُحمدٍ عن أَبيه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَضى باليَمينِ معَ الشاهِدِ؛ لأنَّ العَملَ عندَه بالمَراسيلِ واجِبٌ. وأمَّا السَّماعُ المُخالِفُ لها فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قالوا: وهذا يَقتَضي الحَصرَ فالزِّيادةُ عليه نَسخٌ، ولا يُنسَخُ القُرآنُ بالسُّنةِ غيرِ المُتَواتِرةِ، وعندَ المُخالِفِ أنَّه ليسَ بنَسخٍ، بل زيادةٌ لا تُغيِّرُ حُكمَ المَزيدِ. وأمَّا السُّنةُ فما خرَّجَه البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن الأشعَثِ بنِ قَيسٍ قالَ: «كانَ بَيني وبينَ رَجلٍ خُصومةٌ في شَيءٍ فاختَصَمنا إلى النَّبيِّ ﵊ فقالَ: شاهِداك أو يَمينُه، فقُلتُ: إذَنْ يَحلِفُ ولا يُبالي، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ يَقتطِعُ بها مالَ امرِئٍ مُسلِمٍ هو فيها فاجِرٌ لَقيَ اللهَ وهو عليه غَضبانُ» قالوا: فهذا منه ﵊ حَصرٌ للحُكمِ ونَقضٌ لحُجةِ كلِّ واحِدٍ من الخَصمَينِ ولا يَجوزُ عليه ﷺ ألَّا يَستَوفِيَ أَقسامَ الحُجةِ للمُدَّعي.

стр. 14016

والذين قالوا باليَمينِ معَ الشاهِدِ هُمْ على أصلِهم في أنَّ اليَمينَ هي حُجةُ أقوَى المُتداعِيَينِ شُبهةً، وقد قَويَت هنا حُجةُ المُدَّعي بالشاهِدِ كما قَويَت في القَسامةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه لا يَصحُّ الحُكمُ بالشاهِدِ واليَمينِ فيما عَدا الأَموالِ. وحُقوقِها. ثم اختَلَفوا في الأَموالِ بحُقوقِها هل يَصحُّ فيها الحُكمُ بالشاهِدِ واليَمينِ أو لا؟ فقالَ مالِكٌ وأَحمدُ والشافِعيُّ: يَجوزُ. وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا يَجوزُ (٢). هل تُقبلُ شَهادةُ امرأتَينِ معَ اليَمينِ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ الذين يَقولونَ بالشاهِدِ واليَمينِ هل يُقضَى باليَمينِ معَ المَرأتَينِ أو لا يُقضَى به إلا معَ الشاهِدِ الذَّكرِ؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَجوزُ القَضاءُ بالمَرأتَينِ معَ اليَمينِ؛ لأنَّ المَرأتَينِ قد أُقيمَتا مَقامَ الرَّجلِ في الأَموالِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فإذا جازَ أنْ يُحكَمَ بشَهادةِ الرَّجلِ معَ اليَمينِ؛ جازَ أنْ يُحكَمَ بشَهادةِ المَرأتَينِ معَ اليَمينِ ولأنَّهما أُجريَتا مُجرَى شَهادةِ المالِ كالشاهِدِ الواحِدِ. ولأنَّه سَببٌ يُؤثِّرُ في الحُكمِ قَويَت به حُجةُ المُدَّعي؛ فجازَ أنْ يَحلِفَ معه، أصلُه الشاهِدُ الواحِدُ (٣).

стр. 14017

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ امرأتَينِ ويَمينُ المُدَّعي؛ لأنَّ البيِّنةَ على المالِ إذا خَلَت من رَجلٍ لم تُقبَلْ، كما لو شهِدَ أربَعُ نِسوةٍ لم يُقبَلْنَ؛ لأنَّ النِّساءَ لا تُقبلُ شَهادَتهُنَّ في ذلك مُنفَرِداتٍ. وما ذَكَروه يَبطُلُ بهذه الصُّورةِ؛ فإنَّهما لو أُقيمَتا مَقامَ رَجلٍ مِنْ كلِّ وَجهٍ لكَفى أربَعُ نِسوةٍ مَقامَ رَجلَينِ ولقُبلَ في غيرِ الأَموالِ شَهادةُ رَجلٍ وامرأتَينِ، ولأنَّ شَهادةَ المَرأتَينِ ضَعيفةٌ تَقوَّتْ بالرَّجلِ، واليَمينُ ضَعيفةٌ، فيُضَمُّ ضَعيفٌ إلى ضَعيفٍ فلا يُقبلُ (١). قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: الحُكمُ بشَهادةِ امرأتَينِ ويَمينِ المُدَّعي في الأَموالِ وحُقوقِها: وهذا مَذهبُ مالِكٍ، وأحَدُ الوَجهَينِ في مَذهبِ الإمامِ أحمدَ، حَكاه شَيخُنا واختارَه، وظاهِرُ القُرآنِ وظاهِرُ السُّنةِ يَدُلانِ على صِحةِ هذا القَولِ؛ فإنَّ اللهَ سُبحانَه أقامَ المَرأتَينِ مَقامَ الرَّجلِ، والنَّبيُّ ﷺ قالَ في الحَديثِ الصَّحيحِ: «أليسَ شَهادةُ المَرأةِ مِثلَ نِصفِ شَهادةِ الرَّجلِ؟ قُلنَ: بلى»، فهذا يَدلُّ بمَنطوقِه على أنَّ شَهادتَها وَحدَها على النِّصفِ، وبمَفهومِه على أنَّ شَهادتَها معَ مَثيلَتِها كشَهادةِ الرَّجلِ، وليسَ في القُرآنِ ولا في السُّنةِ ولا في الإِجماعِ ما يَمنعُ من ذلك، بل القياسُ الصَّحيحُ يَقتَضيه؛ فإنَّ المَرأتَينِ إذا قامَتا مَقامَ الرَّجلِ -إذا كانَتا معه- قامَتا مَقامَه، وإنْ لم تَكونا معه؛ فإنَّ قَبولَ شَهادَتِهما لم يَكنْ لمَعنى الرَّجلِ، بل لمَعنًى فيهما، وهو

стр. 14018

العَدالةُ، وهذا مَوجودٌ فيما إذا انفَرَدتا، وإنَّما يُخشَى من سُوءِ ضَبطِ المَرأةِ وَحدَها وسُوءِ حِفظِها، فقُوِّيَت بامرَأةٍ أُخرى (١). اشتِراطُ لَفظِ الشَّهادةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ اشتِراطِ لَفظِ الشَّهادةِ هل يُشتَرطُ في الشاهِدِ أنْ يَقولَ: «أشهَدُ»، أو لا يُشتَرطُ ويَكونُ المَدارُ على ما يَدلُّ على حُصولِ عِلمِ الشاهِدِ بما شهِدَ، ك «رأيتُ كذا وسمِعتُ كذا»؟ ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تُقبلُ الشَّهادةُ إلا بلَفظِ الشَّهادةِ، فلا تُقبلُ بغَيرِها من الأَلفاظِ كلَفظِ الإِخبارِ والإِعلامِ ونَحوِهما، وإنْ كانَ يُؤدِّي مَعنى الشَّهادةِ تَعبُّدًا غيرَ مَعقولِ المَعنى. فيَقولُ «أشهَدُ» أو «شهِدتُ»، فلا يَكفي «أنا شاهِدٌ» بكذا؛ لأنَّه إِخبارٌ عما اتَّصَفَ به، كقَولِه: «أنا مُتحمِّلٌ شَهادةً على فُلانٍ بكذا». أو «لا أعلَمُ» أو «أتحقَّقُ» أو «أعرِفُ» أو «أتيَقَّنُ»؛ لأنَّه لم يأتِ بالفِعلِ المُشتَقِّ من لَفظِ الشَّهادةِ. أو «أشهَدُ بما وَضَعتُ به خَطِّي» لما فيه من الإِجمالِ، والإِبهامِ، وفي «النُّكت»: القَولُ بالصِّحةِ أوْلَى. لكنْ لو قالَ مَنْ تَقدَّمَه غَيرُه بالشَّهادةِ: «بذلك أشهَدُ، أو كذلك أشهَدُ» صحَّ لاتِّضاحِ مَعناه (٢).

стр. 14019

قال الإمامُ الرَّمليُّ ﵀: إنَّما تَعيَّنَ في أداءِ الشَّهادةِ لَفظُ «أشهَدُ» دونَ غَيرِه من الأَلفاظِ الدالةِ على تَحقيقِ الشَّيءِ لمُوافَقتِه الكِتابَ والسُّنةَ، فكانَ كالإِجماعِ على تَعيُّنِه، ولأنَّ الشَّهادةَ اسمٌ من المُشاهَدةِ وهي الاطِّلاعُ على الشَّيءِ عِيانًا وإنَّما تَعيَّنَ المُضارِعُ؛ لأنَّه مَوضوعٌ للإِخبارِ في الحالِ، ولأنَّه قد استُعمِلَ في القَسمِ نَحوَ: «أشهَدُ باللهِ لقد كانَ كذا»، أي أُقسِمُ، فتَضمَّنَ لَفظُ «أشهَدُ» مَعنى المُشاهَدةِ والقَسمِ والإِخبارِ في الحالِ، فكأنَّ الشاهِدَ قالَ: «أُقسِمُ باللهِ وأنا الآنَ أُخبِرُ به» وهذه المَعاني مَفقودةٌ في غَيرِه من الأَلفاظِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ، وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القَيمِ، إلى أنَّه لا يُشتَرطُ لَفظُ «أشهَدُ»، وإنَّما المَدارُ على ما يَدلُّ على حُصولِ عِلمِ الشاهِدِ بما شهِدَ، ك «رأيتُ كذا، وسمِعتُ كذا، أو أتحَقَّقُ أنَّ لهذا عندَ هذا كذا»، فلا يُشتَرطُ لأدائِها صيغةٌ مُعيَّنةٌ؛ لأنَّه لا يُعرَفُ عن صَحابيٍّ، ولا تابِعيٍّ اشتِراطُ لَفظِ الشَّهادةِ، وفي الكِتابِ والسُّنةِ إِطلاقُ لَفظِ الشَّهادةِ على الخبَرِ المُجرَّدِ. قالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: لا يُشتَرطُ في الشَّهادةِ التَّلفُّظُ بلَفظِ «أشهَدُ» وهذا أصَحُّ الرِّواياتِ عن أَحمدَ في الدَّليلِ، وإنْ كانَ الأشهَرُ عندَ

стр. 14020

أَصحابِه الاشتِراطَ، وهو مَذهبُ مالِكٍ، قالَ شَيخُنا: ولا يُعرَفُ عن أحَدٍ من الصَّحابةِ والتابِعينَ اشتِراطُ لَفظِ الشَّهادةِ، وقد قالَ ابنُ عَباسٍ: شهِدَ عِندي رِجالٌ مَرضيُّونَ وأَرضاهم عِندي عُمرُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن الصَّلاةِ بعدَ العَصرِ وبعدَ الصُّبحِ، ومَعلومٌ أنَّهم لم يَتلَفَّظوا له بلَفظِ «أشهَدُ»، إنَّما كانَ مُجرَّدَ إِخبارٍ، وفي حَديثِ ماعِزٍ: فلمَّا شهِدَ على نَفسِه أربَعَ شَهاداتٍ رجَمَه، وإنَّما كانَ كَلامُه منه مُجرَّدَ إِخبارٍ عن نَفسِه، وهو إِقرارٌ، وكذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقَولُه: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وقَولُه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦] وقَولُه: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١]، وقَولُه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] إلى أَضعافِ ذلك ممَّا ورَدَ في القُرآنِ والسُّنةِ مِنْ إِطلاقِ لَفظِ الشَّهادةِ على الخَبَرِ المُجرَّدِ عن لَفظِ «أشهَدُ». وقد تَنازَعَ الإمامُ أَحمدُ وعلِيُّ بنُ المَدينيِّ في الشَّهادةِ للعَشرةِ بالجَنةِ فقالَ علِيٌّ: أقولُ: هُمْ في الجَنةِ، ولا أقولُ: أشهَدُ إنَّهم في الجَنةِ، فقالَ الإمامُ أَحمدُ: مَتى قُلتَ: هُمْ في الجَنةِ، فقد شَهِدتَ، وهذا تَصريحٌ منه بأنَّه لا يُشتَرطُ في الشَّهادةِ لَفظُ «أشهَدُ»، وحَديثُ أَبي قَتادةَ مِنْ أبيَنِ الحُجَجِ في ذلك (١).

стр. 14021

وقالَ الإمامُ الدُّسوقيُّ ﵀: وهل يُشتَرطُ في تَأديةِ الشَّهادةِ لَفظُ «أشهَدُ» بخُصوصِه أو لا يُشتَرطُ؟ قَولانِ، والأظهَرُ منهما عَدمُ الاشتِراطِ، وإنَّما المَدارُ فيها على ما يَدلُّ على حُصولِ عِلمِ الشاهِدِ بما شهِدَ به، ك «رأيتُ كذا وسمِعتُ كذا، أو أتحَقَّقُ أنَّ لهذا عندَ هذا كذا» فلا يُشتَرطُ لأدائِها صِيغةٌ مُعَيَّنةٌ» (١). الشَّهادةُ على الشَّهادةِ: الشَّهادةُ على الشَّهادةِ جائِزةٌ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: بإِجماعِ العُلماءِ، وبه يَقولُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ، قالَ أَبو عُبَيدٍ: أجمَعَت العُلماءُ مِنْ أهلِ الحِجازِ والعِراقِ على إِمضاءِ الشَّهادةِ على الشَّهادةِ في الأَموالِ، ولأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إليها؛ فإنَّها لو لم تُقبَلْ لبَطَلَت الشَّهادةُ على الوَقفِ، وما يَتأخَّرُ إِثباتُه عندَ الحاكِمِ، ثم يَموتُ شُهودُه، وفي ذلك ضَررٌ على الناسِ ومَشقةٌ شَديدةٌ، فوجَبَ أنْ تُقبلَ كشَهادةِ الأصلِ (٢). وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّها تُقبلُ في الأَموالِ وما يُقصَدُ به المالُ (٣). واختَلَفوا هل تُقبلُ في الحُدودِ أو لا؟ وقد بيَّنَ ذلك الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀ حيثُ قالَ: قالَ مالِكٌ في إِحدى الرِّوايتَينِ: تُقبلُ في كلِّ شَيءٍ من الأَحكامِ من حُقوقِ اللهِ وحُقوقِ الآدَميِّينَ.

стр. 14022

وعن أَحمدَ رِوايةٌ أُخرى: تُقبلُ في حُقوقِ الآدَميِّينَ ولا تُقبلُ في حُقوقِ اللهِ. وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا تَجوزُ في العُقوباتِ سَواءٌ كانَت للهِ أو لآدَميِّينَ، وتُقبلُ فيما عَدا ذلك. وقالَ الشافِعيُّ: تُقبلُ في حُقوقِ الآدَميِّينَ قَولًا واحِدًا. وهل تُقبلُ في حُقوقِ اللهِ كحَدِّ الزِّنا والسَّرقةِ وشُربِ الخَمرِ؟ قَولانِ، أظهَرُهما: أنَّها لا تُقبلُ. واختَلَفوا في شُهودِ الفَرعِ هل يَجوزُ أنْ يَكونَ فيهم شاهِدٌ؟ فقالَ أَبو حَنيفةَ: يَجوزُ. وقالَ أَحمدُ ومالِكٌ والشافِعيُّ: لا يَجوزُ. واختَلَفوا في عَددِ شُهودِ الفَرعِ أيضًا. فقالَ أَبو حَنيفةَ ومالِكٌ وأَحمدُ: يَجوزُ فيه شَهادةُ اثنَينِ كلُّ واحِدٍ منهما على شاهِدَيِ الأصلِ. وللشافِعيِّ قَولانِ، أحَدُهما: مِثلُ هذا، والثانِي: يَحتاجُ إلى أنْ يَكونَ أربَعةً، فيَكونَ على كلِّ شاهِدٍ من شُهودِ الأصلِ شاهِدٌ. واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ شَهادةُ شُهودِ الفَرعِ معَ وُجودِ شُهودِ الأصلِ، إلا أنْ يَكونَ ثَم عُذرٌ يَمنعُ شُهودَ الأصلِ من مَرضٍ أو غَيبةٍ تُقصَرُ فيها الصَّلاةُ. وعن أَحمدَ رِوايةٌ أُخرى: لا تُقبلُ شَهادةُ شُهودِ الفَرعِ إلا بعدَ مَوتِ شُهودِ الأصلِ (١).

стр. 14023

حُكمُ رُجوعِ الشُّهودِ: اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ الشُّهودَ إذا رَجَعوا عن المَشهودِ به قبلَ الحُكمِ؛ فإنَّه لا يُحكَمُ بشَهادتِهم. قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا فيما إذا شهِدَ شاهدانِ بالمالِ، ثم رَجَعا بعدَ الحُكمِ. فقالَ أَبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ في القَديمِ وأَحمدُ: عليهما الغُرمُ. وقالَ الشافِعيُّ في الجَديدِ: لا شَيءَ عليهما. واتَّفَقوا على أنَّه لا يَنقُضُ الحُكمَ الذي حُكِمَ شَهادتُهما. واتَّفَقوا على أنَّه إذا رجَعَ الشُّهودُ عن المَشهودِ به قبلَ الحُكمِ؛ فإنَّه لا يُحكَمُ بشَهادتِهم (١). واختَلَفوا فيما إذا رجَعَ الشُّهودُ بعدَ استِيفاءِ القِصاصِ وقالوا: «تَعمَّدنا»، أو جاءَ المَشهودُ بقَتلِه حَيًّا. فقالَ أَبو حَنيفةَ: لا قَوَدَ عليهما وعليهما الدِّيةُ مُغلَّظةً. وقالَ أَحمدُ والشافِعيُّ: عليهما القِصاصُ. وقالَ مالِكٌ: يَجبُ القِصاصُ، وهو المَشهورُ عنه. واتَّفَقوا على أنَّهم إذا رَجَعوا بعدَ استِيفاءِ القِصاصِ وقالَوا: أخطأنا، أنَّه لا يَجبُ عليهم القِصاصُ، وإنَّما تَجِبُ الدِّيةُ (٢).

стр. 14024

فصل في المَلاهي المَلاهي والمَعازِفُ والأَصواتُ المُكتَسَبةُ بالآلاتِ على ثَلاثةِ أضرُبٍ: ضَربٌ مُحرَّمٌ وضَربٌ مَكروهٌ وضَربٌ مُباحٌ، وللفُقهاءِ تَفصيلٌ في ذلك بَيانُه فيما يَلي: الضَّربُ الأولُ: المُحرَّمُ: نَصَّ عامةُ الفُقهاءِ على أنَّ ضَربَ الأَوتارِ والناياتِ والمَزاميرِ والعُودِ والطُّنبورِ والمَعزَفةِ والرَّبابِ ونَحوِها حَرامٌ؛ لما رَواه التِّرمذيُّ عن علِيٍّ ﵁ أنَّه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا فعَلَت أُمَّتي خَمسَ عَشرةَ خَصلةً حَلَّ بها البَلاءُ، فقيل: وما هُنَّ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: إذا كانَ المَغنَمُ دُولًا، والأَمانةُ مَغنَمًا والزَّكاةُ مَغرَمًا، وأطاعَ الرَّجلُ زَوجَتَه وعَقَّ أُمَّه وبَرَّ صَديقَه وجَفا أَباه، وارتَفَعت الأَصواتُ في المَساجِدِ، وكانَ زَعيمُ القَومِ أرذَلَهم، وأُكرِمَ الرَّجلُ مَخافةَ شَرِّه، وشُربَت الخُمورُ، ولُبسَ الحَريرُ واتُّخِذَت القَيناتُ والمَعازِفُ، ولعَنَ آخِرُ هذه الأُمةِ أوَّلَها فليَرتَقِبوا عندَ ذلك رِيحًا حَمراءَ أو خَسفًا ومَسخًا» (١).

стр. 14025

وعن أَبي أُمامةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ بَعثَني رَحمةً وهُدًى للعالَمينَ وأمَرَني أنْ أمحَقَ المَزاميرَ والكَفَّاراتِ، يَعني البَرابِطَ والمَعازِفَ والأَوثانَ التي كانَت تُعبَدُ في الجاهِليةِ، وأقسَمَ رَبِّي ٥ بعِزتِه لا يَشرَبُ عَبدٌ من عَبيدي جَرعةً من خَمرٍ إلا سَقيتُه مَكانَها من حَميمِ جَهنمَ مُعذَّبًا أو مَغفورًا له، ولا يَسقيها صَبيًّا صَغيرًا إلا سَقَيتُه مَكانَها من حَميمِ جَهنَمَ مُعذَّبًا أو مَغفورًا له، ولا يَدَعُها عَبدٌ من عَبيدي من مَخافَتي إلا سَقَيتُها إياه من حَظيرةِ القُدسِ، ولا يَحِلُّ بَيعُهنَّ ولا شِراؤُهنَّ ولا تَعليمُهنَّ ولا تِجارةٌ فيهِنَّ وأَثمانُهنَّ حَرامٌ للمُغنياتِ» (١). وما رَواه البُخاريُّ عن شَيخِه هِشامِ بنِ عَمارٍ قالَ: وقالَ هِشامُ بنُ عَمارٍ حدَّثَنا صَدقةُ بنُ خالِدٍ حدَّثَنا عَبدُ الرَّحمنِ بنُ يَزيدَ بنِ جابِرٍ حَدَّثنا عَطيةُ بنُ قَيسٍ الكِلابيُّ حَدَّثنا عَبدُ الرَّحمنِ بنُ غُنمٍ الأشعَريُّ قالَ: حدَّثَني أَبو عامِرٍ أو أَبو مالِكٍ الأشعَريُّ، واللهِ ما كذَبَني، سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «لَيَكونَنَّ من أُمَّتي أقوامٌ يَستحِلُّونَ الحِرَ والحَريرَ والخَمرَ والمَعازِفَ وليَنزِلَنَّ أَقوامٌ إلى جَنبِ عَلمٍ يَروحُ عليهم بسارِحةٍ لهم يَأتِيهم، يَعني الفَقيرَ، لحاجةٍ فيَقولونَ: ارجِعْ إلينا غَدًا، فيُبيِّتُهم اللهُ ويَضعُ العَلمَ ويَمسَخُ آخَرينَ قِردةً وخَنازيرَ إلى يَومِ القيامةِ» (٢). بَيانُ أَقوالِ الفُقهاءِ في حُكمِ هذا النَّوعِ.

стр. 14026

قالَ الحَنفيةُ: تُرَدُّ شَهادةُ مَنْ يَلعَبُ الطُّنبورَ؛ لأنَّه من اللَّهوِ المَحظورِ. قالَ ابنُ عابدينَ: قَولُه: (وكُرِهَ كلُّ لَهوٍ) أي كلُّ لَعِبٍ وعَبثٍ، فالثَّلاثةُ بمَعنًى واحِدٍ، كما في شَرحِ التَّأويلاتِ، والإِطلاقُ شامِلٌ لنَفسِ الفِعلِ واستِماعِه، كالرَّقصِ والسُّخريةِ والتَّصفيقِ وضَربِ الأَوتارِ من الطُّنبورِ والبَرابِطِ والرَّبابِ والقانونِ والمِزمارِ والصَّنجِ والبُوقِ؛ فإنَّها كلَّها مَكروهةٌ؛ لأنَّها زِيُّ الكُفارِ، واستِماعُ ضَربِ الدُّفِّ والمِزمارِ وغيرِ ذلك حَرامٌ، وإنْ سَمِعَ بَغتةً يَكونُ مَعذورًا ويَجبُ أنْ يَجتهِدَ ألَّا يَسمَعَ (١). وقالَ المالِكيةُ: الآلاتُ ذاتُ الأَوتارٍ كالعُودِ والطُّنبورِ والمَعازِفِ والمِزمارِ؛ حَرامٌ، وأطلَقَ مُحمدُ بنُ عبدِ الحَكمِ أنَّ سَماعَ العُودِ مَكروهٌ، وقد يُريدُ به الحُرمةَ، ولمَّا كانَ ذلك يُقارِنُ غالِبًا شُربَ الخَمرِ ويَبعَثُ عليها؛ انسَحَبَ عليه حُكمُ التَّحريمِ. قالَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ: سَماعُ العُودِ جَرحةٌ إلا أنْ يَكونَ في صَنيعٍ لا شُربَ فيه؛ فلا يَجرَحُ، وإنْ كُرِهَ على كلِّ حالٍ. وقالَ في «أسهَلِ المَدارِكِ»: وسَماعُ العُودِ حَرامٌ على الأصَحِّ إلا في عُرسٍ أو صَنيعٍ ليسَ فيه شَرابٌ مُسكِرٌ؛ فإنَّه يُكرَهُ فقط، وغَيرُ العُودِ من بَقيةِ الآلاتِ التي يُلعَبُ بها يَجري فيها ما في العُودِ. اه (٢).

стр. 14027

وقالَ الشافِعيةُ: ويَحرُمُ استِعمالُ آلةٍ أو اتِّخاذُها من شِعارِ الشَّرَبةِ -جَمعُ شارِبٍ، وهم القَومُ المُجتَمِعونَ على الشَّرابِ الحَرامِ، واستِعمالُ الآلةِ هو الضَّربُ بها- كطُنبورٍ وعُودٍ وصَنجٍ -وهو كما قالَ الجَوهَريُّ: صُفرٌ يُضرَبُ بَعضُها على بَعضٍ، وتُسمَّى الصَّفَّاقتَينِ؛ لأنَّهما من عادةِ المُخنَّثينَ- ومِزمارٍ عِراقيٍّ -وهو ما يُضرَبُ به معَ الأوتارِ- ويَحرُمُ استِماعُها؛ لأنَّه يُطرِبُ، ولقَولِه ﷺ : «ليَكونَنَّ من أُمَّتي أَقوامٌ يَستَحِلُّونَ الخَزَّ والحَريرَ والمَعازِفَ»، قالَ الجَوهَريُّ: وغَيرُه المَعازِفُ آلاتُ اللَّهوِ، ومن المَعازِفِ الرَّبابُ والجُنكُ. وأمَّا اليَراعُ، وهو الشَّبَّابةُ، سُمِّيَت بذلك لخُلُوِّ جَوفِها، فلا تَحرُمُ في الأصَحِّ؛ لأنَّه يُنشِّطُ على السَّيرِ في الأصَحِّ. وفي مُقابِلِ الأصَحِّ تَحريمُه. وقالَ السُّبكيُّ: السَّماعُ على الصُّورةِ المَعهودةِ مُنكَرٌ وضَلالةٌ، وهو مِنْ أَفعالِ الجَهَلةِ والشَّياطينِ، ومَن زعَمَ أنَّ ذلك قُربةٌ فقد كذَبَ وافتَرى على اللهِ ، ومَن قالَ: إنَّه يَزيدُ في الذَّوقِ فهو جاهِلٌ أو شَيطانٌ، ومَن نسَبَ السَّماعَ إلى رَسولِ اللهِ يُؤدَّبُ أدَبًا شَديدًا ويَدخُلُ في زُمرةِ الكاذِبينَ عليه ﷺ ، ومَن كذَبَ عليه مُتعمِّدًا فليَتبَوَّأْ مَقعَدَه من النارِ، وليسَ هذا طَريقةُ أَولياءِ اللهِ تَعالى وحِزبِه وأَتباعِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، بل طَريقةُ أهلِ اللَّهوِ واللَّعبِ والباطِلِ، ويُنكَرُ على هذا باللِّسانِ واليَدِ والقَلبِ.

стр. 14028

ومَن قالَ مِنْ العُلماءِ بإِباحةِ السَّماعِ فذاك حيثُ لا يَجتَمِعُ فيه دُفٌّ وشَبَّابةٌ ولا رِجالٌ ونِساءٌ ولا مَنْ يَحرُمُ النَّظرُ إليه (١). وقالَ الإمامُ العِمرانِيُّ ﵀: أمَّا الأصواتُ المُكتَسَبةُ بالآلاتِ: فعلى ثَلاثةِ أضرُبٍ: ضَربٌ مُحرَّمٌ، وضَربٌ مَكروهٌ، وضَربٌ مُباحٌ. فأمَّا (الضَّربُ المُحرَّمُ) فهو الآلةُ التي تُطرِبُ من غيرِ غِناءٍ؛ كالعِيدانِ، والطَّنابيرِ، والطُّبولِ، والمَزاميرِ، والمَعازِفِ، والناياتِ، والرَّبابِ، وما أشبَهَها؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]. قالَ ابنُ عَباسٍ: «هو الغِناءُ وشِراءُ المُغنِّياتِ والمَلاهي». ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «تُمسَخُ أُمةٌ من أُمَّتي بشُربِهم الخَمرَ، وضَربِهم الكُوبةَ والمَعازِفَ». ورَوى علِيٌّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا ظهَرَ في أُمِّتي خَمسَ عَشرةَ خَصلةً … حَلَّ بهم البَلاءُ: إذا كانَت الغَنيمةُ دُولًا، والأَمانةُ مَغنَمًا، والزَّكاةُ مَغرَمًا، وأطاعَ الرَّجلُ زَوجتَه، وعَقَّ أُمَّه، وأطاعَ صَديقَه، وجَفا أباه، وارتَفَعت الأَصواتُ في المَساجِدِ، وكانَ زَعيمُ القَومِ أرذَلَهم، وأُكرِمَ الرَّجلُ مَخافةَ شَرِّه، ولَبِسوا الحَريرَ، وشَرِبوا الخُمورَ، واتَّخَذوا القَيناتِ، والمَعازِفَ، ولعَنَ آخِرُ الأُمةِ أوَّلَها … فليَرتَقِبوا عندَ ذلك رِيحًا حَمراءَ وخَسفًا ومَسخًا».

стр. 14029

ورُويَ: أنَّ ابنَ عُمرَ كانَ يَسيرُ راكِبًا في طَريقٍ ومعه نافِعٌ، فسمِعَ مِزمارَ راعٍ، فأدخَلَ أُصبُعَيه في أُذُنَيه، وعَدَلَ عن الطَّريقِ وقالَ: هكذا رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ صنَعَ، ثم جعَلَ يَقولُ لنافِعٍ: أتَسمَعُ يا نافِعُ؟ حتى قالَ: لا أسمَعُ، فرجَعَ ابنُ عُمرَ إلى الطَّريقِ. والمُستحَبُّ لمَن سمِعَ ذلك أنْ يَفعَلَ كما فعَلَ ابنُ عُمرَ؛ فإنْ سمِعَ ذلك من غيرِ أنْ يَقصِدَ إلى سَماعِه لم يأثَمْ بذلك؛ لأنَّ ابنَ عُمرَ لم يُنكِرْ على نافِعٍ سَماعَه لذلك. وأمَّا رَدُّ الشَّهادةِ بذلك فإنْ أكثَرَ من ذلك رُدَّت شَهادتُه، وإنْ كانَ نادِرًا من أَفعالِه، لم تُرَدَّ شَهادتُه؛ لأنَّه من الصَّغائرِ، ففَرقٌ فيه بينَ القَليلِ والكَثيرِ (١). وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: المَلاهي هي على ثَلاثةِ أضرُبٍ: مُحرَّمٌ، وهو ضَربُ الأَوتارِ والناياتِ والمَزاميرِ كلِّها والعُودِ والطُّنبورِ والمَعزَفةِ والرَّبابِ ونَحوِها، فمَن أدامَ استِماعَها رُدَّت شَهادَتُه؛ لأنَّه يُروَى عن علِيٍّ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إذا ظهَرَت في أُمَّتي خَمسَ عَشرةَ خَصلةً حَلَّ بهم البَلاءُ، فذكَرَ فيها إِظهارَ المَعازِفِ والمَلاهي». وقالَ سَعيدٌ: ثنا فَرَجُ بنُ فَضالةَ عن علِيِّ بنِ يَزيدَ عن القاسِمِ عن أَبي أُمامةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ بَعَثَني رَحمةً للعالَمينَ

стр. 14030

وأمَرَني بمَحقِ المَعازِفِ والمَزاميرِ، لا يَحِلُّ بَيعُهنَّ ولا شِراؤُهنَّ ولا تَعليمُهُنَّ ولا التِّجارةُ فيهِنَّ، وثَمَنُهنَّ حَرامٌ، يَعني الضارِباتِ». ورَوى نافِعٌ قالَ: «سمِعَ ابنُ عُمرَ مِزمارًا، قالَ: فوضَعَ أُصبُعَيه في أُذُنَيه ونَأى عن الطَّريقِ وقالَ لي: يا نافِعُ، هل تَسمَعُ شَيئًا؟ قالَ: فقُلتُ: لا، قالَ: فرفَعَ أُصبُعَيه من أُذُنَيه، وقالَ: كُنْتُ معَ النَّبيِّ ﷺ فسمِعَ مِثلَ هذا فصنَعَ مِثلَ هذا»، رَواه الخَلَّالُ في جامِعِه من طَريقَينِ، ورَواه أَبو داودَ في سُنَنِه وقالَ: حَديثٌ مُنكَرٌ. وقد احتَجَّ قَومٌ بهذا الخبَرِ على إباحةِ المِزمارِ وقالَوا: لو كانَ حَرامًا لمنَعَ النَّبيُّ ﷺ ابنَ عُمرَ مِنْ سَماعِه ومَنَعَ ابنُ عُمرَ نافِعًا من استِماعِه ولأنكَرَ على الزامِرِ بها. قُلنا: أمَّا الأولُ فلا يَصحُّ؛ لأنَّ المُحرَّمَ استِماعُها دونَ سَماعِها، والاستِماعُ غيرُ السَّماعِ، ولهذا فَرَّقَ الفُقهاءُ في سُجودِ التِّلاوةِ بينَ السامِعِ والمُستمِعِ ولم يُوجِبوا على مَنْ سمِعَ شَيئًا مُحرَّمًا سَدَّ أُذُنَيه وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] ولم يَقُلْ: سَدُّوا آذانَهم، والمُستمِعُ هو الذي يَقصِدُ السَّماعَ ولم يُوجَدْ هذا من ابنِ عُمرَ وإنَّما وُجِدَ منه السَّماعُ، ولأنَّ بالنَّبيِّ ﷺ حاجةً إلى مَعرفةِ انقِطاعِ الصَّوتِ عنه؛ لأنَّه عدَلَ عن الطَّريقِ وسَدَّ أُذُنَيه فلم يَكنْ ليَرجِعَ إلى الطَّريقِ ولا ليَرفعَ أُصبُعَيه عن أُذُنَيه حتى يَنقطِعَ الصَّوتُ عنه فأُبيحَ للحاجةِ. وأمَّا الإِنكارُ فلعَلَّه كانَ في أولِ الهِجرةِ حين لم يَكُنِ الإِنكارُ واجِبًا أو قبلَ إِمكانِ الإِنكارِ لكَثرةِ الكُفارِ وقِلةِ أهلِ الإِسلامِ.

стр. 14031

فإنْ قيلَ: فهذا الخبَرُ ضَعيفٌ؛ فإنَّ أَبا داودَ رَواه وقالَ: هو حَديثٌ مُنكَرٌ. قُلنا: قد رَواه الخَلَّالُ بإِسنادِه من طَريقَينِ، فلعَلَّ أَبا داودَ ضَعَّفه؛ لأنَّه لم يَقعْ له إلا من أحَدِ الطَّريقَينِ (١). الضَّربُ الثانِي: المَكروهُ: نَصَّ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابِلةُ على أنَّ الضَّربَ بالقَضيبِ مَكروهٌ وليسَ بحَرامٍ. قال الشافِعيةُ: الضَّربُ بالقَضيبِ الذي يَزيدُ الغِناءَ طَرَبًا، ولا يُطرِبُ بانفِرادِه مَكروهٌ وليسَ بحَرامٍ؛ لأنَّه تابِعٌ للغِناءِ، فلمَّا كانَ الغِناءُ مَكروهًا غيرَ مُحرَّمٍ، فكذلك ما يَتبَعُه (٢). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: الضَّربُ بالقَضيبِ مَكروهٌ إذا انضَمَّ إليه مُحرَّمٌ أو مَكروهٌ كالتَّصفيقِ والغِناءِ والرَّقصِ وإنْ خَلا عن ذلك كلِّه لم يُكرَهْ؛ لأنَّه ليسَ بآلةٍ ولا يُطرِبُ ولا يُسمَعُ مُنفرِدًا بخِلافِ المَلاهي (٣). وذهَبَ الحَنفيةُ -وهو وَجهٌ للشافِعيةِ وللحنابِلةِ- إلى أنَّ الضَّربَ بالقَضيبِ والاستِماعَ له حَرامٌ (٤).

стр. 14032

الضَّربُ الثالِثُ: المُباحُ وهو ضَربُ الدُّفِّ: اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على إِباحةِ ضَربِ الدُّفِّ في الأَعراسِ والنِّكاحِ، لما رَواه خالِدُ بنُ ذَكوانَ قالَ: قالَت الرُّبَيعُ بِنتُ مُعوِّذِ بنِ عَفراءَ: جاءَ النَّبيُّ ﷺ فدخَلَ حينَ بُنيَ علَيَّ فجلَسَ على فِراشي كمَجلِسِك مِنِّي فجَعَلتْ جُوَيرياتٌ لنا يَضرِبْن بالدُّفِّ ويَندُبْنَ مَنْ قُتِل من آبائي يَومَ بَدرٍ إذْ قالَت إحداهُنَّ: وفينا نَبيٌّ يَعلَمُ ما في غَدٍ، فقالَ: دَعي هذه وقُولي بالذي كُنْتِ تَقولينَ» (١). وعن عائِشةَ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «أعلِنوا هذا النِّكاحَ واضرِبوا عليه بالغِربالِ» (٢). أي: بالدُّفِّ. وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «فَصلُ ما بَينَ الحَلالِ والحَرامِ الدُّفُّ والصَّوتُ في النِّكاحِ» (٣). واختَلَفوا هل يُباحُ في غيرِ النِّكاحِ كالكَتَّانِ والعِيدِ وقُدومِ الغائِبِ أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وهو مُقابِلُ الأصَحِّ عندَ المالِكيةِ إلى أنَّه يُباحُ الضَّربُ بالدُّفِّ في العُرسِ والخِتانِ وقُدومِ الغائِبِ والعِيدِ ونَحوِها في كلِّ ما فيه سُرورٌ؛ لما رُويَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا رجَعَ من بَعضِ مَغازيه جاءَت جاريةٌ سَوداءُ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي

стр. 14033

نَذَرتُ إنْ رَدَّك اللهُ سالِمًا أنْ أضرِبَ على رأسِكَ بالدُّفِّ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنْ نَذَرتِ فافعَلي وإلا فلا»، قالَت: إنِّي كُنْتُ نَذَرتُ، فقعَدَ رَسولُ اللهِ ﷺ فضرَبَت بالدُّفِّ» (١). ولو كانَ مَكروهًا لم يأمُرْها به، وإنْ كانَ مَنذورًا. وذهَبَ المالِكيةُ في الأصَحِّ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُكرهُ في غيرِ عُرسٍ كالخِتانِ والوِلادةِ؛ لأنَّه يُروَى عن عُمرَ ﵁ «أنَّه كانَ إذا سمِعَ صَوتَ الدُّفِّ بعَثَ فنظَرَ؛ فإنْ كانَ في وَليمةٍ سكَتَ، وإنْ كانَ في غَيرِها عمَدَ بالدِّرةِ». وهذا بالنِّسبةِ للنِّساءِ، وأمَّا الضَّربُ به للرِّجالِ فمَكروهٌ على كلِّ حالٍ عندَ الحَنابِلةِ وأصبَغَ من المالِكيةِ، وقَولٌ للشافِعيةِ؛ لأنَّه إنَّما كانَ يَضرِبُ به النِّساءُ والمُخنَّثونَ المُتشبِّهونَ بهِنَّ، ففي ضَربِ الرِّجالِ به تَشبُّهٌ بالنِّساءِ، وقد لعَنَ النَّبيُّ ﷺ المُتشبِّهينَ من الرِّجالِ بالنِّساءِ. ولم يُجوَّزْ للرِّجالِ عندَ المالِكيةِ وجُمهورِ الشافِعيةِ (٢).

стр. 14034

حُكمُ الغِناءِ بدونِ الآلاتٍ المُحرَّمةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الغِناءِ -بدونِ الآلاتٍ المُحرَّمةِ- هل هو مُباحٌ أو مَكروهٌ؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّ الغِناءَ إذا كانَ مَصحوبًا بآلةٍ مُحرَّمةٍ كالطُّنبورِ والمِزمارِ والعُودِ فإنَّه حَرامٌ، إلا قَولًا للشافِعيةِ بأنَّه مَكروهٌ. فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الغِناءَ -بدونِ الآلاتٍ المُحرَّمةِ- مَكروهٌ وليسَ بحَرامٍ ولا مُباحٍ. قال الحَنفيةُ: تُردُّ شَهادةُ مَنْ يُغنِّي للناسِ؛ لأنَّه يَجمَعُ الناسَ على الكَبيرةِ، واختُلفَ فيما لو كانَ لإزالةِ الوَحشةِ عن نَفسِه من غيرِ أنْ يُسمِعَ غَيرَه على قَولَينِ: أحَدُهما: أنَّه لا يَجوزُ. والثانِي: وهو الصَّحيحُ أنَّه يَجوزُ لإِزالةِ الوَحشةِ عن نَفسِه. ورُويَ أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ جاءَ إلى بَيتِ عُمرَ ﵁، فسمِعَ عُمرَ يَترنَّمُ في بَيتِه، فدَعاه فخرَجَ إليه عُمرُ خَجِلًا، فقالَ له: أسمِعتَني يا عبدَ الرَّحمنِ؟ قالَ: نَعمْ، قالَ له: إنا إذا خَلَونا قُلنا ما يَقولُ الناسُ، أتَدري ما كُنْتُ أقولُ؟ قالَ: لا، قالَ: إنِّي قُلتُ: لم يَبْقَ من شَرفِ العُلا إلا التَّعرُّضُ للحُتوفِ فلأرمِيَنَّ بمُهجَتي بَينَ الأسِنةِ والسُّيوفِ ومنهم مَنْ جوَّزَه في عُرسٍ، أو وَليمةٍ، ومنهم من جوَّزَه ليَستَفيدَ به نَظمَ

стр. 14035

القَوافي وفَصاحةَ اللِّسانِ، ومنهم من كرِهَه مُطلَقًا، ومنهم مَنْ أباحَه مُطلَقًا. ولا تُقبلُ شَهادةُ مُغنِّيةٍ ولو لنَفسِها؛ لأنَّها مُرتكِبةٌ حَرامًا لحُرمةِ رَفعِ صَوتِها خُصوصًا معَ الغِناءِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «نُهيتُ عن صَوتَينِ أحمَقَينِ فاجِرَينِ صَوتٍ عندَ نَغمةِ لَهوٍ ولَعِبٍ، ومَزاميرِ شَيطانٍ وصَوتٍ عندَ مُصيبةِ لَطمِ وُجوهٍ وشَقِّ جُيوبٍ» (١). وقالَ بُرهانُ الدِّينِ ابنُ مازةَ ﵀: ومنهم مَنْ قالَ: إنْ كانَ يَتغَنَّى ليَستفيدَ به نَظمَ القَوافِي، ويَصيرَ فَصيحَ اللِّسانِ فلا بأسَ به، ومنهم مَنْ قالَ: إذا كانَ وَحدَه فغَنَّى لدَفعِ الوَحشةِ عن نَفسِه فلا بأسَ به، وبه أخَذَ شَمسُ الأئِمةِ السَّرخَسيُّ، وإنَّما المَكروهُ على قَولِ هذا القائِلِ ما يَكونُ على سَبيلِ اللَّهوِ، وذكَرَ شَيخُ الإسلامِ أنَّ جَميعَ ذلك مَكروهٌ عندَ عُلمائِنا، ويُحتَجُّ بظاهِرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [الأحزاب: ٦] جاء في التَّفسيرِ أنَّ المُرادَ منه الغِناءُ، وحَديثُ البَراءِ بنِ مالِكٍ مَحمولٌ على أنَّه كانَ يُنشِدُ الشِّعرَ المُباحَ، يَعني الشِّعرَ الذي فيه الوَعظُ والحِكمةُ؛ وهذا لأنَّ الغِناءَ كما يُطلَقُ على الغِناءِ المَعروفِ يُطلَقُ على غَيرِه، قالَ ﵇: «مَنْ لم يَتغَنَّ بالقُرآنِ فليسَ مِنَّا». قُلنا: وإِنشادُ ما هو مُباحٌ من الأَشعارِ لا بأسَ به، وإذا كانَ في الشِّعرِ صِفةُ المَرأةِ إنْ كانَت امرَأةً بعَينِها وهي حَيةٌ يُكرهُ، وإنْ كانَت مَيتةً لا يُكرهُ، وإنْ كانَت امرَأةً وَسيمةً لا يُكرهُ؛ هذه الجُملةُ من شَرحِ «السِّير الكَبير».

стр. 14036

وفي «فَتاوى أهلِ سَمَرقَندَ» استِماعُ صَوتِ المَلاهي كالضَّربِ بالقَصَبِ، وغَيرِ ذلك من المَلاهي، حَرامٌ، وقد قالَ ﵇: «استِماعُ المَلاهي مَعصيةٌ، والجُلوسُ عليها فِسقٌ، والتَّلذُّذُ بها من الكُفرِ» وهكذا خرَجَ على وَجهِ التَّشديدِ بعِظَمِ الذَّنبِ؛ قالوا: إلا أنْ يُسمِعَ نَفسَه فيَكونَ مَعذورًا، والواجِبُ على كلِّ أحَدٍ أنْ يَجتهِدَ حتى لا يَسمعَ (١). وقالَ المالِكيةُ: الغِناءُ إنْ كانَ بغَيرِ آلةٍ فهو مَكروهٌ، ولا يَقدَحُ في الشَّهادةِ بالمَرَّةِ الواحِدةِ، بل لا بدَّ من تَكرُّرِه، وفي «المُدوَّنة» تُردُّ شَهادةُ المُغنِّي والمُغنِّيةِ والنائِحِ والنائِحةِ إذا عُرِفوا بذلك. المازِريُّ: وأمَّا الغِناءُ بآلةٍ فإنْ كانَت ذاتَ أَوتارٍ كالعُودِ والطُّنبورِ فمَمنوعٌ، وكذلك المِزمارُ. قالَ الحَطابُ: والظاهِرُ عندَ بَعضِ العُلماءِ أنَّ ذلك يُلحَقُ بالمُحرَّماتِ، وإنْ كانَ مُحمدٌ أطلَقَ في سَماعِ العُودِ أنَّه مَكروهٌ، وقد يُريدُ بذلك التَّحريمَ. ونَصَّ مُحمدُ بنُ عبدِ الحَكَمِ على أنَّ سَماعَ العُودِ تُردُّ به الشَّهادةُ، قالَ: إلا أنْ يَكونَ ذلك في عُرسٍ أو صَنيعٍ ليسَ معَه شَرابٌ يُسكِرُ؛ فإنَّه لا يَمنَعُ من قَبولِ الشَّهادةِ، قالَ: وإنْ كانَ ذلك مَكروهًا على كلِّ حالٍ وقد يُريدُ بالكَراهةِ التَّحريمَ، كما قَدَّمنا، انتَهى ونقَلَه ابنُ عَرَفةَ أيضًا (٢).

стр. 14037

وقالَ الإمامُ الدِّرديرُ ﵀: وسَماعُ غِناءٍ مُتكرِّرٍ بالمَدِّ بغَيرِ آلةٍ؛ لإِخلالِ سَماعِه بالمُروءةِ، وهو مَكروهٌ، إذا لم يَكنْ بقَبيحٍ ولا حُملَ عليه، ولا بآلةٍ وإلا حرُمَ. قالَ الإمامُ الدُّسوقيُّ ﵀: قَولُه: (وهو مَكروهٌ إذا لم يَكنْ بقَبيحٍ) أي: بكَلامٍ قَبيحٍ، ولا حُملَ عليه، أي: على القَبيحِ، كتَعلُّقٍ بامرَأةٍ أو بأمرَدَ، ولا بآلةٍ، أي: كعُودٍ وقانونٍ، وقَولُه: وإلا حرُمَ، أي: وإلا بأنْ تَخلَّفَ شَرطٌ من الشُّروطِ الثَّلاثةِ كانَ سَماعُه وكذا فِعلُه حَرامًا ولو في عُرسٍ على المُعتمَدِ، وهل تُردُّ به الشَّهادةُ سَواءٌ كانَ مَكروهًا أو حَرامًا ولو مَرةً في السَّنةِ وهو ما في «لتت» أو لا بدَّ من التَّكرارِ في السَّنةِ وهو ما يُفيدُه المَوَّاقُ وهو المُعتمَدُ خِلافًا لما في «عبق» كذا قرَّرَ شَيخُنا العَدويُّ. وحاصِلُ ما في «عبق» أنَّ الغِناءَ إنْ حُملَ على تَعلُّقٍ بمُحرَّمٍ كامرَأةٍ وأمرَدَ حرُمَ فِعلًا وسَماعًا تَكرَّرَ أو لا، بآلةٍ أو لا، كانَ في عُرسٍ أو صَنيعٍ كوِلادةٍ وخِتانٍ وقُدومٍ من سَفَرٍ وعَقدِ نِكاحٍ، أو كانَ في غَيرِها، ومتى لم يُحمَلْ على مُحرَّمٍ جازَ بعُرسٍ وصَنيعٍ سَواءٌ كانَ بآلةٍ أو غَيرِها سَماعًا وفِعلًا تَكرَّرَ أو لا، لا بغَيرِ عُرسٍ وصَنيعٍ، فيُمنَعُ إنْ تَكرَّرَ سَواءٌ كانَ بآلةٍ أو غَيرِها، فِعلًا وسَماعًا، وإنْ لم يَتكرَّرْ كُرهَ سَماعًا، وهل كذا فِعلًا أو يُمنَعُ؟ خِلافٌ. اه. ولكنَّ المُعتمَدَ -كما قالَ شَيخُنا- أنَّه متى كانَ بكَلامٍ قَبيحٍ أو يُحمَلُ على قَبيحٍ أو كانَ بآلةٍ كانَ حَرامًا سَواءٌ كانَ بعُرسٍ أو صَنيعٍ أو غَيرِهما تَكرَّرَ أو لا، فِعلًا أو سَماعًا، وإنْ لم يَكنْ بقَبيحٍ، ولم يُحمَلْ عليه ولم يَكنْ بآلةٍ،

стр. 14038

فالكَراهةُ سَواءٌ كانَ بعُرسٍ أو صَنيعٍ أو غَيرِهما، تَكرَّرَ أو لا، فِعلًا أو سَماعًا تُردُّ به الشَّهادةُ إذا تَكرَّرَ في السَّنةِ كانَ بآلةٍ أو بغَيرِها على ما للمَوَّاقِ. وفي «بن» عن ابنِ عَرفةَ قالَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ: سَماعُ العُودِ جَرحةٌ إلا أنْ يَكونَ في صَنيعٍ لا شُربَ فيه فلا يُجرَحُ وإنْ كُرهَ على كلِّ حالٍ. اه. وهو ضَعيفٌ كما قالَ شَيخُنا (١). وقالَ الشافِعيةُ: يُكرهُ الغِناءُ إذا كانَ بلا آلةٍ من المَلاهي المُحرَّمةِ، وهو رَفعُ الصَّوتِ بالشِّعرِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [الأحزاب: ٦]، قالَ ابنُ مَسعودٍ: هو -واللهِ- الغِناءُ. ويُكرهُ استِماعُه كذلك. أمَّا معَ الآلةِ فحَرامانِ، واستِماعُه بلا آلةٍ من الأجنَبيةِ أشَدُّ كَراهةً؛ فإنْ خِيفَ من استِماعِه منها أو من أمرَدَ فِتنةٌ فحَرامٌ قَطعًا. قالَ الإمامُ العِمرانِيُّ ﵀: أمَّا الغِناءُ -وهو: التَّغَنِّي بالأَلحانِ-؛ فإنْ لم يَكنْ معَه آلةٌ مُطرِبةٌ فهو مَكروهٌ عِندَنا، غيرُ مُحرَّمٍ ولا مُباحٍ. قالَ الشافِعيُّ: (وهو مَكروهٌ يُشبِهُ الباطِلَ). وبه قالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ. وذهَبَ سَعيدُ بنُ إِبراهيمَ الزُّهريُّ وعُبَيدُ اللهِ بنُ الحُسَينِ العَنبَريُّ إلى: أنَّه مُباحٌ؛ لما رُويَ «عن عائِشةَ ﵂ أنَّها قالَت: دخَلَ علَيَّ أَبو بَكرٍ وعِندي جاريَتانِ تُغنِّيانِ، فقالَ: مَزمورُ الشَّيطانِ -ورُويَ: مِزمارُ الشَّيطانِ-

стр. 14039

في بَيتِ رَسولِ اللهِ ﷺ ؟! فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «دَعهُما؛ فإنَّها أيامُ عِيدٍ» (١). ولولا أنَّه مُباحٌ لما أقَرَّهما النَّبيُّ ﷺ . ورُويَ عن عُمرَ ﵁ أنَّه قالَ: (الغِناءُ من زادِ الراكِبِ). وعن عُثمانَ أنَّه كانَ عندَه جارِيتانِ تُغنيانِ، فلمَّا كانَ وَقتُ السَّحَرِ قالَ لهما: (أمسِكا؛ فإنَّ هذا وَقتُ الاستِغفارِ). دَليلُنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾ [الحج: ٣٠]. قالَ مُحمدُ -ابنُ الحَنفيةِ-: هو الغِناءُ. وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] قالَ ابنُ مَسعودٍ: (لَهوُ الحَديثِ: هو الغِناءُ). وقالَ ابنُ عَباسٍ: (لَهوُ الحَديثِ: هو الغِناءُ وأشباهُهُ)، وشِراءُ المُغنياتِ والمَلاهي. ورَوى ابنُ مَسعودٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الغِناءُ يُنبِتُ النِّفاقَ في القَلبِ كما يُنبِتُ الماءُ البَقلَ» (٢). ورَوى أَبو أُمامةَ الباهِليُّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن بَيعِ المُغنياتِ وشِرائِهنَّ، وثَمَنهُنَّ حَرامٌ»، فحصَلَ الإِجماعُ على أنَّ ثَمَنهُنَّ لا يَحرُمُ، وأقَلُّ ما في هذه الأخبارِ أنَّها تَقتَضي الكَراهةَ. ورُويَ: (أنَّ رَجلًا سألَ ابنَ عَباسٍ عن الغِناءِ: أحَلالٌ هو؟ قالَ: لا، قالَ: أحَرامٌ هو؟ قالَ: لا،

стр. 14040

قالَ: فما هو؟ قالَ: إذا كانَ يَومُ القيامةِ وجمَعَ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ أيَكونُ الغِناءُ معَ الحَقِّ؟ قالَ: لا، قالَ: فإذا لم يَكنْ معَ الحَقِّ كانَ معَ الباطِلِ؟ قالَ: لا، قالَ: أفتَيتَ نَفسَك). وهذا تَصريحٌ منه أنَّه ليسَ بمُباحٍ. وأمَّا الأَخبارُ التي استدَلُّوا بها على إباحَتِه: فإنَّها لا تَدُلُّ على أنَّه مُباحٌ، بدَليلِ ما ذكَرْناه، بل تَدُلُّ على أنَّه غيرُ مُحرَّمٍ، وعلى أنا نَحمِلُها على نَشيدِ الأَعرابِ دونَ التَّغَنِّي بالأَلحانِ التي تُطرِبُ. إذا ثبَتَ هذا: فإنِ اتَّخَذَ الرَّجلُ الغِناءَ صِناعةً يَغشاه الناسُ في مَنزِلهِ ليَسمَعوه أو يَستَدعوه إلى مَنازِلِهم ليُسمِعَهم ذلك رُدَّت شَهادتُه؛ لأنَّ ذلك سَفهٌ وتَركُ مُروءةٍ. وإنْ كانَ لا يَسعَى إليه، بل يَترنَّمُ لنَفسِه، ولا يُغنِّي للناسِ، لم تُردَّ شَهادتُه بذلك؛ لأنَّ مُروءَتَه لا تَذهَبَ بذلك. وإنِ اتَّخَذَ الرَّجلُ غُلامًا مُغنِّيًا أو جاريةً مُغنِّيةً؛ فإنْ كانَ يَدعو الناسَ إلى سَماعِهما رُدَّت شَهادَتُه بذلك؛ لأنَّ ذلك سَفهٌ وتَركُ مُروءةٍ، والجاريةُ أشَدُّ كَراهيةً من الغُلامِ؛ لأنَّه دَناءةٌ. وأمَّا سامِعُ الغِناءِ فإنْ كانَ يَغشَى بُيوتَ المُغنِّينَ أو يَستَدعيهم إلى بَيتِه ليُغنُّوا له؛ فإنْ كانَ في خُفيةٍ لم تُردَّ شَهادتُه لذلك؛ لأنَّ مُروءَتَه لا تَسقُطُ بذلك. وإنْ أكثَرَ من ذلك رُدَّت شَهادَتُه بذلك؛ لأنَّ ذلك سَفَهٌ. قالَ ابنُ الصَّباغِ: ولم يُفرِّقْ أَصحابُنا بَينَ سَماعِ الغِناءِ من الرَّجلِ وبَينَ سَماعِه من المَرأةِ، ويَنبَغي أنْ يَكونَ سَماعُ الغِناءِ من المَرأةِ الأجنَبيةِ أشَدَّ
следующие страницы →