← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14036–14075 · переход к 14041.

стр. 14036

وفي «فَتاوى أهلِ سَمَرقَندَ» استِماعُ صَوتِ المَلاهي كالضَّربِ بالقَصَبِ، وغَيرِ ذلك من المَلاهي، حَرامٌ، وقد قالَ ﵇: «استِماعُ المَلاهي مَعصيةٌ، والجُلوسُ عليها فِسقٌ، والتَّلذُّذُ بها من الكُفرِ» وهكذا خرَجَ على وَجهِ التَّشديدِ بعِظَمِ الذَّنبِ؛ قالوا: إلا أنْ يُسمِعَ نَفسَه فيَكونَ مَعذورًا، والواجِبُ على كلِّ أحَدٍ أنْ يَجتهِدَ حتى لا يَسمعَ (١). وقالَ المالِكيةُ: الغِناءُ إنْ كانَ بغَيرِ آلةٍ فهو مَكروهٌ، ولا يَقدَحُ في الشَّهادةِ بالمَرَّةِ الواحِدةِ، بل لا بدَّ من تَكرُّرِه، وفي «المُدوَّنة» تُردُّ شَهادةُ المُغنِّي والمُغنِّيةِ والنائِحِ والنائِحةِ إذا عُرِفوا بذلك. المازِريُّ: وأمَّا الغِناءُ بآلةٍ فإنْ كانَت ذاتَ أَوتارٍ كالعُودِ والطُّنبورِ فمَمنوعٌ، وكذلك المِزمارُ. قالَ الحَطابُ: والظاهِرُ عندَ بَعضِ العُلماءِ أنَّ ذلك يُلحَقُ بالمُحرَّماتِ، وإنْ كانَ مُحمدٌ أطلَقَ في سَماعِ العُودِ أنَّه مَكروهٌ، وقد يُريدُ بذلك التَّحريمَ. ونَصَّ مُحمدُ بنُ عبدِ الحَكَمِ على أنَّ سَماعَ العُودِ تُردُّ به الشَّهادةُ، قالَ: إلا أنْ يَكونَ ذلك في عُرسٍ أو صَنيعٍ ليسَ معَه شَرابٌ يُسكِرُ؛ فإنَّه لا يَمنَعُ من قَبولِ الشَّهادةِ، قالَ: وإنْ كانَ ذلك مَكروهًا على كلِّ حالٍ وقد يُريدُ بالكَراهةِ التَّحريمَ، كما قَدَّمنا، انتَهى ونقَلَه ابنُ عَرَفةَ أيضًا (٢).

стр. 14037

وقالَ الإمامُ الدِّرديرُ ﵀: وسَماعُ غِناءٍ مُتكرِّرٍ بالمَدِّ بغَيرِ آلةٍ؛ لإِخلالِ سَماعِه بالمُروءةِ، وهو مَكروهٌ، إذا لم يَكنْ بقَبيحٍ ولا حُملَ عليه، ولا بآلةٍ وإلا حرُمَ. قالَ الإمامُ الدُّسوقيُّ ﵀: قَولُه: (وهو مَكروهٌ إذا لم يَكنْ بقَبيحٍ) أي: بكَلامٍ قَبيحٍ، ولا حُملَ عليه، أي: على القَبيحِ، كتَعلُّقٍ بامرَأةٍ أو بأمرَدَ، ولا بآلةٍ، أي: كعُودٍ وقانونٍ، وقَولُه: وإلا حرُمَ، أي: وإلا بأنْ تَخلَّفَ شَرطٌ من الشُّروطِ الثَّلاثةِ كانَ سَماعُه وكذا فِعلُه حَرامًا ولو في عُرسٍ على المُعتمَدِ، وهل تُردُّ به الشَّهادةُ سَواءٌ كانَ مَكروهًا أو حَرامًا ولو مَرةً في السَّنةِ وهو ما في «لتت» أو لا بدَّ من التَّكرارِ في السَّنةِ وهو ما يُفيدُه المَوَّاقُ وهو المُعتمَدُ خِلافًا لما في «عبق» كذا قرَّرَ شَيخُنا العَدويُّ. وحاصِلُ ما في «عبق» أنَّ الغِناءَ إنْ حُملَ على تَعلُّقٍ بمُحرَّمٍ كامرَأةٍ وأمرَدَ حرُمَ فِعلًا وسَماعًا تَكرَّرَ أو لا، بآلةٍ أو لا، كانَ في عُرسٍ أو صَنيعٍ كوِلادةٍ وخِتانٍ وقُدومٍ من سَفَرٍ وعَقدِ نِكاحٍ، أو كانَ في غَيرِها، ومتى لم يُحمَلْ على مُحرَّمٍ جازَ بعُرسٍ وصَنيعٍ سَواءٌ كانَ بآلةٍ أو غَيرِها سَماعًا وفِعلًا تَكرَّرَ أو لا، لا بغَيرِ عُرسٍ وصَنيعٍ، فيُمنَعُ إنْ تَكرَّرَ سَواءٌ كانَ بآلةٍ أو غَيرِها، فِعلًا وسَماعًا، وإنْ لم يَتكرَّرْ كُرهَ سَماعًا، وهل كذا فِعلًا أو يُمنَعُ؟ خِلافٌ. اه. ولكنَّ المُعتمَدَ -كما قالَ شَيخُنا- أنَّه متى كانَ بكَلامٍ قَبيحٍ أو يُحمَلُ على قَبيحٍ أو كانَ بآلةٍ كانَ حَرامًا سَواءٌ كانَ بعُرسٍ أو صَنيعٍ أو غَيرِهما تَكرَّرَ أو لا، فِعلًا أو سَماعًا، وإنْ لم يَكنْ بقَبيحٍ، ولم يُحمَلْ عليه ولم يَكنْ بآلةٍ،

стр. 14038

فالكَراهةُ سَواءٌ كانَ بعُرسٍ أو صَنيعٍ أو غَيرِهما، تَكرَّرَ أو لا، فِعلًا أو سَماعًا تُردُّ به الشَّهادةُ إذا تَكرَّرَ في السَّنةِ كانَ بآلةٍ أو بغَيرِها على ما للمَوَّاقِ. وفي «بن» عن ابنِ عَرفةَ قالَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ: سَماعُ العُودِ جَرحةٌ إلا أنْ يَكونَ في صَنيعٍ لا شُربَ فيه فلا يُجرَحُ وإنْ كُرهَ على كلِّ حالٍ. اه. وهو ضَعيفٌ كما قالَ شَيخُنا (١). وقالَ الشافِعيةُ: يُكرهُ الغِناءُ إذا كانَ بلا آلةٍ من المَلاهي المُحرَّمةِ، وهو رَفعُ الصَّوتِ بالشِّعرِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [الأحزاب: ٦]، قالَ ابنُ مَسعودٍ: هو -واللهِ- الغِناءُ. ويُكرهُ استِماعُه كذلك. أمَّا معَ الآلةِ فحَرامانِ، واستِماعُه بلا آلةٍ من الأجنَبيةِ أشَدُّ كَراهةً؛ فإنْ خِيفَ من استِماعِه منها أو من أمرَدَ فِتنةٌ فحَرامٌ قَطعًا. قالَ الإمامُ العِمرانِيُّ ﵀: أمَّا الغِناءُ -وهو: التَّغَنِّي بالأَلحانِ-؛ فإنْ لم يَكنْ معَه آلةٌ مُطرِبةٌ فهو مَكروهٌ عِندَنا، غيرُ مُحرَّمٍ ولا مُباحٍ. قالَ الشافِعيُّ: (وهو مَكروهٌ يُشبِهُ الباطِلَ). وبه قالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ. وذهَبَ سَعيدُ بنُ إِبراهيمَ الزُّهريُّ وعُبَيدُ اللهِ بنُ الحُسَينِ العَنبَريُّ إلى: أنَّه مُباحٌ؛ لما رُويَ «عن عائِشةَ ﵂ أنَّها قالَت: دخَلَ علَيَّ أَبو بَكرٍ وعِندي جاريَتانِ تُغنِّيانِ، فقالَ: مَزمورُ الشَّيطانِ -ورُويَ: مِزمارُ الشَّيطانِ-

стр. 14039

في بَيتِ رَسولِ اللهِ ﷺ ؟! فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «دَعهُما؛ فإنَّها أيامُ عِيدٍ» (١). ولولا أنَّه مُباحٌ لما أقَرَّهما النَّبيُّ ﷺ . ورُويَ عن عُمرَ ﵁ أنَّه قالَ: (الغِناءُ من زادِ الراكِبِ). وعن عُثمانَ أنَّه كانَ عندَه جارِيتانِ تُغنيانِ، فلمَّا كانَ وَقتُ السَّحَرِ قالَ لهما: (أمسِكا؛ فإنَّ هذا وَقتُ الاستِغفارِ). دَليلُنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾ [الحج: ٣٠]. قالَ مُحمدُ -ابنُ الحَنفيةِ-: هو الغِناءُ. وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] قالَ ابنُ مَسعودٍ: (لَهوُ الحَديثِ: هو الغِناءُ). وقالَ ابنُ عَباسٍ: (لَهوُ الحَديثِ: هو الغِناءُ وأشباهُهُ)، وشِراءُ المُغنياتِ والمَلاهي. ورَوى ابنُ مَسعودٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الغِناءُ يُنبِتُ النِّفاقَ في القَلبِ كما يُنبِتُ الماءُ البَقلَ» (٢). ورَوى أَبو أُمامةَ الباهِليُّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن بَيعِ المُغنياتِ وشِرائِهنَّ، وثَمَنهُنَّ حَرامٌ»، فحصَلَ الإِجماعُ على أنَّ ثَمَنهُنَّ لا يَحرُمُ، وأقَلُّ ما في هذه الأخبارِ أنَّها تَقتَضي الكَراهةَ. ورُويَ: (أنَّ رَجلًا سألَ ابنَ عَباسٍ عن الغِناءِ: أحَلالٌ هو؟ قالَ: لا، قالَ: أحَرامٌ هو؟ قالَ: لا،

стр. 14040

قالَ: فما هو؟ قالَ: إذا كانَ يَومُ القيامةِ وجمَعَ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ أيَكونُ الغِناءُ معَ الحَقِّ؟ قالَ: لا، قالَ: فإذا لم يَكنْ معَ الحَقِّ كانَ معَ الباطِلِ؟ قالَ: لا، قالَ: أفتَيتَ نَفسَك). وهذا تَصريحٌ منه أنَّه ليسَ بمُباحٍ. وأمَّا الأَخبارُ التي استدَلُّوا بها على إباحَتِه: فإنَّها لا تَدُلُّ على أنَّه مُباحٌ، بدَليلِ ما ذكَرْناه، بل تَدُلُّ على أنَّه غيرُ مُحرَّمٍ، وعلى أنا نَحمِلُها على نَشيدِ الأَعرابِ دونَ التَّغَنِّي بالأَلحانِ التي تُطرِبُ. إذا ثبَتَ هذا: فإنِ اتَّخَذَ الرَّجلُ الغِناءَ صِناعةً يَغشاه الناسُ في مَنزِلهِ ليَسمَعوه أو يَستَدعوه إلى مَنازِلِهم ليُسمِعَهم ذلك رُدَّت شَهادتُه؛ لأنَّ ذلك سَفهٌ وتَركُ مُروءةٍ. وإنْ كانَ لا يَسعَى إليه، بل يَترنَّمُ لنَفسِه، ولا يُغنِّي للناسِ، لم تُردَّ شَهادتُه بذلك؛ لأنَّ مُروءَتَه لا تَذهَبَ بذلك. وإنِ اتَّخَذَ الرَّجلُ غُلامًا مُغنِّيًا أو جاريةً مُغنِّيةً؛ فإنْ كانَ يَدعو الناسَ إلى سَماعِهما رُدَّت شَهادَتُه بذلك؛ لأنَّ ذلك سَفهٌ وتَركُ مُروءةٍ، والجاريةُ أشَدُّ كَراهيةً من الغُلامِ؛ لأنَّه دَناءةٌ. وأمَّا سامِعُ الغِناءِ فإنْ كانَ يَغشَى بُيوتَ المُغنِّينَ أو يَستَدعيهم إلى بَيتِه ليُغنُّوا له؛ فإنْ كانَ في خُفيةٍ لم تُردَّ شَهادتُه لذلك؛ لأنَّ مُروءَتَه لا تَسقُطُ بذلك. وإنْ أكثَرَ من ذلك رُدَّت شَهادَتُه بذلك؛ لأنَّ ذلك سَفَهٌ. قالَ ابنُ الصَّباغِ: ولم يُفرِّقْ أَصحابُنا بَينَ سَماعِ الغِناءِ من الرَّجلِ وبَينَ سَماعِه من المَرأةِ، ويَنبَغي أنْ يَكونَ سَماعُ الغِناءِ من المَرأةِ الأجنَبيةِ أشَدَّ

стр. 14041

كَراهةً من سَماعِه من الرِّجالِ أو من جارِيَتِه أو زَوجتِه أو من ذاتِ رَحمٍ مَحرَمٍ؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ الافتِتانُ بصَوتِها وإنْ كانَ صَوتُها ليسَ بعَورةٍ، كما أنَّ وَجهَها ليسَ بعَورةٍ ولا يَجوزُ له النَّظرُ إليه (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في إِباحةِ الغِناءِ -أي: بدونِ آلاتٍ- وحَظرِه، فأباحَه أكثَرُ أهلِ الحِجازِ وحَظَرَه أكثَرُ أهلِ العِراقِ. وكرِهَه الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ ومالِكٌ في أصَحِّ ما نُقلَ عنهم، فلم يُبيحوه على الإطلاقِ ولم يَحظُروه على الإطلاقِ، فتَوسَّطوا فيه بالكَراهةِ بينَ الحَظرِ والإِباحةِ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يُكرهُ الغِناءُ، وهو رَفعُ الصَّوتِ بالشِّعرِ على وَجهٍ مَخصوصٍ بلا آلةِ لَهوٍ كعُودٍ وطُنبورٍ ونَحوِهما ويُكرهُ استِماعُه إلا من أجنَبيةٍ، فيَحرُمُ التَّلذُّذُ به، وكذا يَحرُمُ معَ آلةِ لَهوٍ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: واختَلفَ أَصحابُنا في الغِناءِ فذهَبَ أَبو بَكرٍ الخَلَّالُ وصاحِبُه أَبو بَكرٍ عَبدُ العَزيزِ إلى إباحَتِه، وقالَ أَبو بَكرٍ عَبدُ العَزيزِ: والغِناءُ والنَّوحُ مَعنًى واحِدٌ مُباحٌ ما لم يَكنْ معَه مُنكَرٌ ولا فيه طَعنٌ، وكانَ الخَلَّالُ يَحمِلُ الكَراهةَ من أَحمدَ على الأَفعالِ المَذمومةِ لا على القَولِ بعَينِه.

стр. 14042

ورُويَ عن أَحمدَ أنَّه سمِعَ عندَ ابنةِ صالِحٍ قَوَّالًا فلم يُنكِرْ عليه، وقالَ له صالِحٌ: يا أبَهْ أليسَ كُنْتَ تَكرَهُ هذا؟ فقالَ: إنَّه قيلَ لي: إنَّهم يَستَعمِلونَ المُنكَرَ. وممَّن ذهَبَ إلى إباحَتِه من غيرِ كَراهةٍ سَعدُ بنُ إبراهيمَ وكَثيرٌ من أهلِ المَدينةِ والعَنبَريُّ؛ لمَا رُويَ عن عائِشةَ ﵂ قالَت: «كانَت عِندي جارِيتانِ تُغنِّيانِ فدخَلَ أَبو بَكرٍ فقالَ: مَزمورُ الشَّيطانِ في بَيتِ رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : دَعْهما؛ فإنَّها أيامُ عِيدٍ» مُتَّفقٌ عليه. وعن عُمرَ ﵁ أنَّه قالَ: الغِناءُ زادُ الراكِبِ، واختارَ القاضِي أنَّه مَكروهٌ غيرُ مُحرَّمٍ وهو قَولُ الشافِعيِّ، قالَ: هو من اللَّهوِ المَكروهِ، وقالَ أَحمدُ: الغِناءُ يُنبِتُ النِّفاقَ في القَلبِ لا يُعجِبُني. وذهَبَ آخَرونَ من أصحابِنا إلى تَحريمِه، قالَ أَحمدُ فيمَن ماتَ وخلَّفَ ولَدًا يَتيمًا وجاريةً مُغنيةً فاحتاجَ الصَّبيُّ إلى بَيعِها تُباعُ ساذَجةً، قيلَ له: إنَّها تُساوي مُغنيةً ثَلاثينَ ألفًا وتُساوي ساذَجةً عِشرينَ دينارًا، قالَ: لا تُباعُ إلا على أنَّها ساذَجةٌ. واحتَجُّوا على تَحريمِه بما رُويَ عن ابنِ الحَنفيةِ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾ [الحج: ٣٠] قالَ: الغِناءُ، وقالَ ابنُ عَباسٍ وابنُ مَسعودٍ في قَوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [الأحزاب: ٦] قالَا: هو الغِناءُ.

стр. 14043

وعن أَبي أُمامةَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى عن شِراءِ المُغنِّياتِ وبَيعِهِنَّ والتِّجارةِ فيهِنَّ، وأكلُ أَثمانِهِنَّ حَرامٌ»، أخرَجَه التِّرمِذيُّ وقالَ: لا نَعرِفُه إلا من حَديثِ علِيِّ بنِ يَزيدَ، وقالَ: تكلَّمَ فيه أهلُ العِلمِ ورَوى ابنُ مَسعودٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الغِناءُ يُنبِتُ النِّفاقَ في القَلبِ» والصَّحيحُ أنَّه مِنْ قَولِ ابنِ مَسعودٍ. وعلى كلِّ حالٍ مَنْ اتَّخَذَ الغِناءَ صِناعةً يُؤتَى له ويأتي له، أو اتَّخَذ غُلامًا أو جاريةً مُغنِّيَينِ يَجمَعُ عليهما الناسُ فلا شَهادةَ له؛ لأنَّ هذا عندَ مَنْ لم يُحرِّمْ سَفهٌ ودَناءةٌ وسُقوطُ مُروءةٍ، ومَن حرَّمَه فهو معَ سَفَهِه عاصٍ مُصِرٌّ مُتظاهِرٌ بفُسوقِه، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ، وإنْ كانَ لا يَنسُبُ نَفسَه إلى الغِناءِ وإنَّما يَترنَّمُ لنَفسِه ولا يُغنِّي للناسِ، أو كانَ غُلامُه وجاريَتُه إنَّما يُغنِّيانِ له، انبَنَى هذا على الخِلافِ فيه، فمَن أباحَه أو كَرِهَه لم يَرُدَّ شَهادتَه، ومَن حرَّمَه قالَ: إنْ داوَمَ عليه رُدَّت شَهادَتُه كسائِرِ الصَّغائِرِ، وإنْ لم يُداوِمْ عليه لم تُرَدَّ شَهادتُه، وإنْ فعَلَه مَنْ يَعتقِدُ حِلَّه فقياسُ المَذهبِ أنَّه لا تُرَدُّ شَهادَتُه بما لا يُشتهَرُ به منه كسائِرِ المُختلَفِ فيه من الفُروعِ، ومَن كانَ يَغشَى بُيوتَ الغِناءِ أو يَغشاه المُغنُّونَ للسَّماعِ مُتظاهِرًا بذلك وكَثُرَ منه رُدَّت شَهادَتُه في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّه سَفَهٌ ودَناءةٌ، وإنْ كانَ مُعتبَرًا به فهو كالمُغنِّي لنَفسِه على ما ذُكِرَ من التَّفصيلِ فيه (١).

стр. 14044

أخْذُ الأُجرةِ على الغِناءِ والمَعازِفِ: نَصَّ فُقهاءُ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ -وهو أيضًا مُقتَضى كَلامِ المالِكيةِ- على أنَّه يَحرُمُ الاكتِسابُ بالغِناءِ والمَعازِفِ ولا يَطيبُ أخْذُه. قالَ الإمامُ ابنُ عابدينَ ﵀: وفي المُنتَقَى امرَأةٌ نائِحةٌ أو صاحِبةُ طَبلٍ أو زَمرٍ اكتَسَبت مالًا رَدَّته على أَربابِه إنْ عَلِموا وإلا تَتصدَّقْ به، وإنْ من غيرِ شَرطٍ فهو لها. قالَ الإمامُ الأُستاذُ: لا يَطيبُ والمَعروفُ كالمَشروطِ. قُلتُ: وهذا ممَّا يَتعيَّنُ الأخْذُ به في زَمانِنا؛ لعِلمِهم بأنَّهم لا يَذهَبونَ إلا بأجرٍ ألبَتةَ (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: ويُمنَعُ من التَّكسُّبِ بالكَهانةِ واللَّهوِ ويُؤدَّبُ عليه الآخِذُ والمُعطي (٢). وقالَ القاضِي أَبو يَعلَى الفَرَّاءُ الحَنبَليُّ ﵀: ويُمنَعُ من التَّكسُّبِ بالكَهانةِ واللَّهوِ، ويُؤدَّبُ عليه الآخِذُ والمُعطي (٣).

стр. 14045

كتاب الدعاوى والبينات

стр. 14046

كتاب الدعاوى والبينات أولاً: تَعريفُ الدَّعوَى: الدَّعاوِي «بكَسرِ الواوِ وفَتحِها»: جَمعُ دَعوَى كحُبلَى وحَبالَى، وذِفْرَى وذَفارَى، تَقولُ: ادَّعَيتُ على فُلانٍ كذا، ادِّعاءً، والاسمُ، الدَّعوَى: وهي طَلبُ الشَّيءِ زاعِمًا مِلكَه. فالدَّعوَى في اللُّغةِ الطَّلبُ، قالَ تَعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]، أي: يَطلُبونَ … وسُمِّيت دَعوَى؛ لأنَّ المُدَّعيَ يَدعو صاحِبَه إلى مَجلِسِ الحُكمِ، ليَخرُجَ من دَعواه. وهي في الشَّرعِ عِبارةٌ عن قَولٍ يَطلُبُ به الإنسانُ إثباتَ حَقٍّ له على غَيرِه في مَجلِسِ القاضِي أو الحاكِمِ. ويُقالُ: كلُّ مَنْ شهِدَ على ما في يَدِ غَيرِه لنَفسِه فهو مُدَّعٍ.

стр. 14047

وكلُّ مَنْ شهِدَ أنَّ ما في يَدِ نَفسِه لنَفسِه فهو مُنكِرٌ. وكلُّ مَنْ شهِدَ أنَّ ما في يَدِ غَيرِه لغَيرِه فهو شاهِدٌ. وكلُّ من شهِدَ أنَّ ما في يَدِ نَفسِه لغَيرِه فهو مُقِرٌّ. وعرَّفَها الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ. قال الحَنفيةُ: الدَّعوَى في الشَّرعِ: إِخبارٌ من الشَّخصِ بحَقٍّ له على غَيرِه عندَ الحاكِمِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: إِخبارٌ عن وُجوبِ حَقٍّ للمُخبَرِ على غَيرِه عندَ حاكِمٍ أو مُحكَّمٍ أو سَيِّدٍ أو ذي شَوكةٍ إذا تَصدَّى لفَصلِ الأُمورِ بَينَ أهلِ مَحَلَّتِه ليُلزِمَه به (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: إِضافةُ الإِنسانِ إلى نَفسِه استِحقاقَ شَيءٍ في يَدِ غَيرِه، أو في ذِمتِه (٣). ثانيًا: تَعريفُ البَيِّناتِ: والبَيِّناتُ: جَمعُ بيِّنةٍ، صِفةٌ من بانَ يَبينُ فهو بيِّن، والأُنثَى بيِّنةٌ، أي: واضِحةٌ، وهو صِفةٌ لمَحذوفٍ، أي: الدِّلالةُ البَيِّنةُ أو العَلامةُ؛ فإنْ قيلَ له:

стр. 14048

بيِّنةٌ، أي: عَلامةٌ واضِحةٌ على صِدقِه، وهي الشاهِدانِ والثَّلاثةُ والأربَعةُ، ونَحوُها من البَيِّناتِ. فالبَيِّنةُ من البَيانِ، وهو الكَشفُ والإظهارُ، والبَيِّنةُ في الشَّرعِ تُظهِرُ صِدقَ المُدَّعي وتَكشِفُ الحَقَّ. وسُمِّيَ الشُّهودُ بيِّنةً؛ لأنَّ بهم يَتبيَّنُ الحَقُّ (١). الفَرقُ بينَ المُدَّعي والمُدَّعَى عليه: الدَّعوى لا تَحصُلُ إلا مِنْ مُدَّعٍ على مُدَّعًى عليه؛ فمَعرِفةُ الفَرقِ بينَهما من أهَمِّ ما يُبنَى عليه مَسائِلُ الدَّعوى؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «البَيِّنةُ على المُدَّعي واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ»، فلا بدَّ من مَعرفتِهما. وقد تَعدَّدَت عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ كلٍّ من المُدَّعي والمُدَّعَى عليه. قالَ الحَنفيةُ: المُدَّعي: مَنْ لا يُجبَرُ على الخُصومةِ إذا تَرَكها. والمُدَّعَى عليه: مَنْ يُجبَرُ عليها إذا تَرَكها، ويُسمَّى المُنكِرَ. وقيلَ: المُدَّعي مَنْ يُضيفُ إلى نَفسِه ما ليسَ بثابِتٍ، والمُدَّعَى عليه مَنْ يَتمسَّكُ بما هو ثابِتٌ بظاهِرِ اليَدِ، فلو ادُّعيَ على رَجلٍ دَينٌ فادَّعى الوَفاءَ والبَراءةَ صارَ مُدَّعيًا لدَعواه ما ليسَ بثابِتٍ، وهو فَراغُ ذِمتِه بعدَ اتِّفاقِهما على الشَّغلِ.

стр. 14049

وقيلَ: المُدَّعي مَنْ لا يَستحِقُّ إلا بحُجةٍ كالخارِجِ، والمُدَّعى عليه مَنْ يَستحِقُّ بقَولِه من غيرِ حُجةٍ كذي اليَدِ. وقيلَ: المُدَّعي مَنْ يُضيفُ ما عندَ غَيرِه إلى نَفسِه، والمُدَّعى عليه: ما يُضيفُ ما عِندَه إلى نَفسِه، وجَميعُ العِباراتِ مُتقارِبةٌ. قالَ الموصليُّ: ويَنبَغي أنْ يُحقَّقَ ذلك ويُعرَفَ بالمَعنى لا بالصُّورةِ؛ فإنَّ المُودِعَ إذا ادَّعى إِيصالَ الوَديعةِ؛ فإنَّه مُدَّعٍ صُورةً مُنكِرٌ مَعنًى حتى لو ترَكَ لا يُتركُ، والفَقيهُ إذا أمعَنَ النَّظرَ وأنعَمَ الفِكرَ ظهَرَ له ذلك بتَوفيقِ اللهِ (١). وقالَ شَيخي زادَه ﵀: وقيلَ: المُدَّعي مَنْ لا حُجةَ له عليه، والمُدَّعَى عليه خِلافُ هذا، لذا يُقالُ لمُسيلِمةَ الكَذابِ مُدَّعي النُّبوةِ، ولا يُقالُ لرَسولِنا ﵊. وقيلَ: المُدَّعي مَنْ لا يَستحِقُّ إلا ببَيِّنةٍ، والمُدَّعَى عليه مَنْ يَكونُ مُستحِقًّا بلا حُجةٍ؛ إذْ بقَولِه: «هو لي»، يَكونُ له على ما كانَ ما لم يُثبِتِ المُدَّعي استِحقاقَه. قيلَ: المُدَّعي مَنْ يَلتَمِسُ خِلافَ الظاهِرِ، وهو الأمرُ الحادِثُ والمُدَّعى عليه مَنْ يَتمسَّكُ بالظاهِرِ كالعَدمِ الأصليِّ، انتَهى.

стр. 14050

إذْ لا يَعرِضُ على مَنْ له اليَدُ حَقُّ المُدَّعي بمُجرَّدِ دَعواه، كما لا يَعرِضُ الوُجودُ على العَدمِ الأصليِّ فلم يَلزَمْ عليه ما قالَ بعضُ الفُضلاءِ، ومنهم مَنْ قالَ: المُدَّعي مَنْ يَلتمِسُ خِلافَ الظاهِرِ، ولا يَلزَمُ أنْ يَكونَ أمرًا حادِثًا، والمُدَّعَى عليه مَنْ يَتمسَّكُ بالظاهِرِ ولا يَلزَمُ أنْ يَكونَ عَدَمًا أصليًّا. انتَهى لأنَّ المُرادَ بالأمرِ الحادِثِ كَونُه مُحتاجًا إلى الدَّليلِ في ظُهورِه ووُجودِه وبالعَدمِ الأصليِّ عَدمُ كَونِه مُحتاجًا إليه أصلًا، فالمُودَعُ الذي يَدَّعي رَدَّ الوَديعةِ إلى المُودِعِ لا يَكونُ مُدَّعيًا حَقيقةً، وكذا لا يَكونُ المُودِعُ بإِنكارِه الرَّدَّ مُنكِرًا حَقيقةً؛ لأنَّه بإِنكارِه يَدَّعي شَغلَ ذِمةِ المُودَعِ مَعنًى، وكذا المُودَعُ بادِّعائِه الرَّدَّ يُنْكِرُ الشَّغلَ مَعنًى ليُفرِغَ ذِمتَه عن الضَّمانِ فيُجبَرُ على الخُصومةِ فيما أنكَرَه مَعنًى من الضَّمانِ لكَونِه مُدَّعًى عليه فيُصدَّقُ قَولُه معَ اليَمينِ؛ إذِ الاعتِبارُ للمَعاني دونَ الصُّورِ كما في شَرحِ الوِقايةِ لابنِ الشَّيخِ (١). وقالَ المالِكيةُ: المُدَّعي هو مَنْ تَجرَّدَت دَعواه عن أمرٍ يُصدِّقُه، أو كانَ أضعَفَ المُتداعيَينِ أمرًا في الدِّلالةِ على الصِّدقِ، أو اقتَرَن بها ما يُوهِنُها عادةً، وذلك كالخارجِ عن مَعهودٍ، والمُخالِفِ لأصلٍ، وشِبهِ ذلك. ومَن تَرجَّحَ جانِبُه بشَيءٍ من ذلك فهو المُدَّعَى عليه. فإذا ادَّعَى أحَدُهما ما يُخالِفُ العُرفَ، وادَّعَى الآخَرُ ما يُوافِقُه، فالأولُ المُدَّعي.

стр. 14051

وكذلك كلُّ من ادَّعَى وَفاءَ ما عليه أو رَدَّ ما عندَه من غيرِ أمرٍ يُصدِّقُ دَعواه؛ فإنَّه مُدَّعٍ، إلا المُودَعَ إذا ادَّعَى رَدَّ الوَديعةِ؛ فإنَّه يُصدَّقُ لتَرجُّحِ جانِبِه بالاعتِرافِ له بالأَمانةِ (١). وقالَ ابنُ جُزيٍّ ﵀: الفَرقُ بينَ المُدَّعي والمُدَّعَى عليه، وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ «مَنْ عرَفَ المُدَّعي والمُدَّعَى عليه لم يَلتَبِسْ عليه ما يَحكَمُ بَينَهما، قالَ: والمُدَّعي هو مَنْ يَقولُ: قد كانَ كذا، والمُدَّعَى عليه هو مَنْ يَقولُ: «لم يَكنْ»، وقالَ غَيرُه: المُدَّعي هو الطالِبُ والمُدَّعَى عليه هو المَطلوبُ، وقيلَ: المُدَّعي هو الذي دَعا صاحِبَه إلى الحُكمِ والمُدَّعَى عليه هو المَدعُوُّ، وقالَ المُحقِّقونَ: المُدَّعي هو مَنْ كانَ قَولُه أضعَفَ لخُروجِه عن مَعهودٍ أو لمُخالَفةِ أصلٍ، والمُدَّعى عليه هو مَنْ تَرجَّحَ قَولُه بعادةٍ أو مُوافَقةِ أصلٍ أو قَرينةٍ فالأصلُ كمَن له مالٌ على رَجُلٍ فضعُفَ قَولُ الطالِبِ، وهو مُدَّعٍ، وتَرجَّحَ قَولُ المَطلوبِ، وهو المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ الذِّمةِ فلو كانَ الحَقُّ ثابِتًا وقالَ: «قد دَفَعتُه» صارَ مُدَّعيًا؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةٌ من الذِّمةِ من الدَّفعِ، ولأنَّ الأصلَ بَقاؤُه عندَه؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ ما كانَ على ما كانَ إلا إنْ كانَ عُرفٌ يَقتَضي خِلافَ ذلك أو قَرينةٌ كمَن حازَ شَيئًا ثم ادَّعاه غَيرُه، فتَرجَّحَ قَولُ مَنْ حازَه فهو المُدَّعى عليه وضَعُفَ قَولُ الآخَرِ فهو مُدَّعٍ، فعلى هذا البَيِّنةُ على مَنْ ضعُفَ قَولُه، واليَمينُ على مَنْ قَويَ (٢).

стр. 14052

وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ: المُدَّعي مَنْ يُخالِفُ قَولُه الظاهِرَ وهو بَراءةُ الذِّمةِ. والمُدَّعى عليه مَنْ يُوافِقُ قَولُه الظاهِرَ. ومُقابِلُ الأظهَرِ: المُدَّعي مَنْ لو سكَتَ خُلِّيَ ولم يُطالَبْ بشَيءٍ. والمُدَّعى عليه مَنْ لا يُخلَّى ولا يَكفيه السُّكوتُ. فإذا ادَّعَى زَيدٌ دَينًا في ذِمةِ عَمرٍو فأنكَرَ فزَيدٌ يُخالِفُ قَولُه الظاهِرَ مِنْ بَراءةِ عَمرٍو ولو سكَتَ تُركَ وعَمرٌو يُوافِقُ قَولُه الظاهِرَ ولو سكَتَ لم يُتْرَكْ فهو مُدَّعًى عليه، وزَيدٌ مُدَّعٍ على القَولَينِ ولا يَختلِفُ مُوجِبُهما غالِبًا. وقد يَختلِفُ كما لو أسلَمَ زَوجانِ قبلَ وَطءٍ فقالَ الزَّوجُ: «أسلَمنا مَعًا فالنِّكاحُ بَينَنا باقٍ»، وقالَت الزَّوجةُ: «أسلَمنا مُرتَّبًا فلا نِكاحَ بَينَنا»، فهو على الأظهَرِ مُدَّعٍ؛ لأنَّ وُقوعَ الإِسلامَينِ معًا خِلافُ الظاهِرِ، وهي مُدَّعًى عليها لمُوافقةِ قَولِها الظاهِرَ، فتُصدَّقُ بيَمينِها، وعلى الثانِي هي مُدَّعيةٌ، وهو مُدَّعًى عليه؛ لأنَّها لو سكتَت تُرِكت، وهو لا يُتْرَكُ لو سكَتَ لزَعمِها انفِساخَ النِّكاحِ. فعلى الأولِ تَحلِفُ الزَّوجةُ ويَرتَفِعُ النِّكاحُ، وعلى الثانِي يَحلِفُ الزَّوجُ ويَستمِرُّ النِّكاحُ. وقد يُقالُ: إنَّما جُعلَ اليَمينُ في جانِبِه على القَولِ الأولِ؛ لأنَّه لمَّا كانَ الأصلُ بَقاءَ العِصمةِ قَويَ جانِبُه فكانَ هو المُصدَّقَ بيَمينِه كما أنَّ المُدَّعَى عليه لمَّا كانَ الأصلُ بَراءةَ ذِمتِه قَوي جانِبُه فكانَ هو المُصدَّقَ بيَمينِه.

стр. 14053

ولو قالَ لها: «أسلَمتِ قَبلي، فلا نِكاحَ بَينَنا ولا مَهرَ لك»، وقالَت: «بل أسلَمنا معًا»، صُدِّقَ في الفُرقةِ بلا يَمينٍ وفي المَهرِ بيَمينِه على الأظهَرِ؛ لأنَّ الظاهِرَ معَه، وصُدِّقَت بيَمينِها على الثاني؛ لأنَّها لا تُتركُ بالسُّكوتِ؛ لأنَّ الزَّوجَ يَزعُمُ سُقوطَ المَهرِ، فإذا سكَتَت ولا بيِّنةَ جُعلَت ناكِلةً وحلَفَ هو وسقَطَ المَهرُ. والأمينُ في دَعوى الرَّدِّ مُدَّعٍ على الأظهَرِ؛ لأنَّه يَزعُمُ الرَّدَّ الذي هو خِلافُ الظاهِرِ، لكنَّه يُصدَّقُ بيَمينِه؛ لأنَّه أثبَتَ يَدَه لغَرضِ المالِكِ، وقد ائتَمَنه فلا يَحسُنُ تَكليفُه بيِّنةَ الرَّدِّ. وأمَّا على القَولِ الثانِي فهو مُدَّعًى عليه؛ لأنَّ المالِكَ هو الذي لو سكَتَ تُركَ، وفي التَّحالُفِ كلٌّ من الخَصمَينِ مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه لاستِوائِهما (١). وقالَ الحَنابِلةُ: المُدَّعي: من يُطالِبُ غَيرَه بحَقٍّ. والمُدَّعَى عليه: المُطالَبُ -بفَتحِ اللَّامِ-؛ أي: الذي يَطلُبُه غَيرُه بحَقٍّ يَذكُرُ استِحقاقَه عليه. ويُقالُ أيضًا: المُدَّعي: مَنْ إذا ترَكَ تُركَ، والمُدَّعَى عليه: مَنْ إذا ترَكَ لا يُتركُ، بل يُقالُ له: «إنْ أجَبتَ؛ وإلا جَعلتُك ناكِلًا وقَضَيتُ عليكَ». وقد يَكونُ كلُّ واحِدٍ منهما مُدَّعيًا ومُدَّعًى عليه بأنْ يَختلِفا في العَقدِ فيَدَّعيَ كلُّ واحِدٍ منهما أنَّ الثَّمنَ غيرُ الذي ذكَرَه صاحِبُه (٢).

стр. 14054

ثَمرةُ الفائِدةِ المُتَرتِّبةِ على التَّمييزِ بينَ المُدَّعي والمُدَّعى عليه: تَظهَرُ ثَمرةُ الفائِدةِ من مَعرِفةِ كلٍّ من المُدَّعي من المُدَّعَى عليه في تَعيينِ الطَّرفِ الذي سَيكونُ عليه عِبءُ إقامةِ البَيِّنةِ، والطَّرفِ الذي ليسَ عليه إلا اليَمينُ عندَ عَدمِ وُجودِ بيِّنةٍ تَشهَدُ للطَّرفِ الأولِ، فإذا عرَفَ القاضِي المُدَّعي من المُدَّعَى عليه تَبيَّنَ له الأمرُ ولم يَبقَ عليه إلا أنْ يُطبِّقَ القَواعدَ الشَّرعيةَ المَعروفةَ في البَيِّناتِ والتَّرجيحِ، ومن أجلِ ذلك رُويَ عن سَعيدِ بنُ المُسيِّبِ أنَّه قالَ: «أيُّما رَجلٍ عرَفَ المُدَّعي من المُدَّعَى عليه لم يَلتبِسْ عليه ما يَحكُمُ به بينَهما، فالمُدَّعي أنْ يَقولَ الرَّجلُ: «قد كانَ»، والمُدَّعَى عليه أنْ يَقولَ: «لم يَكنْ». قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ ﵀: فوَجهُ مَعرِفةِ الفَصلِ في الحُكمِ بينَ المُتداعِيَينِ تَمييزُ المُدَّعي الذي يُكلَّفُ إِقامةَ البَيِّنةِ على دَعواه، ولا يُمكَّنُ من اليَمينِ، من المُدَّعَى عليه الذي يُمكَّنُ من اليَمينِ ولا يُكلَّفُ إِقامةَ البَيِّنةِ بالوُقوفِ على العِلةِ المُفرِّقةِ بينَهما المُوجِبةِ لتَبدئةِ المُدَّعَى عليه باليَمينِ دونَ المُدَّعي؛ إذ قد يَكونُ القَولُ قَولَ المُدَّعي إذا كانَ في مَعنى المُدَّعَى عليه، وتَكونُ على المُدَّعَى عليه إِقامةُ البَيِّنةِ إذا كانَ في مَعنى المُدَّعي؛ لأنَّ المُدَّعَى عليه لم يَكنِ القَولُ قَولَه من أجلِ أنَّه مُدَّعًى عليه، ولأنَّ المُدَّعي لم يُكلَّفْ إِقامةَ البَيِّنةِ على دَعواه من أجلِ أنَّه مُدَّعٍ؛ إذ ليسَت الأَحكامُ للأَسماءِ، إنَّما هي للمَعاني. فالمَعنى الذي من أجلِه كانَ القَولُ قَولَ المُدَّعى عليه هو أنَّ له سَبَبًا يَدلُّ على صِدقِه دونَ المُدَّعي في مُجرَّدِ دَعواه، وهو كَونُ السِّلعةِ بيَدِه، إنْ

стр. 14055

كانَت الدَّعوى في شَيءٍ بعَينِه، أو كَونُ ذِمتِه بَريئةً على الأصلِ في بَراءةِ الذِّممِ إنْ كانَت الدَّعوى فيما في ذِمتِه. والمَعنى الذي من أجلِه وجَبَ على المُدَّعي إِقامةُ البَيِّنةِ على دَعواه هو مُجرَّدُ دَعواه من سَبَبٍ يَدلُّ على صِدقِه فيما يَدَّعيه؛ فإنْ كانَ له سَبَبٌ يَدلُّ على تَصديقِ قَولِه أقوى من سَبَبِ المُدَّعَى عليه، كالشاهِدِ الواحِدِ، أو الرَّهنِ، أو ما أشبَهَ ذلك من إِرخاءِ السِّتْرِ، وجَبَ أنْ يَبدأَ باليَمينِ دونَ المُدَّعَى عليه؛ فإنْ لم يَكنْ لواحِدٍ منهما سَببٌ يَدلُّ على صِدقِه كالسِّلعةِ يَتداعيانِها وليسَت بيَدِ واحِدٍ منهما، أو كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما سَببٌ مُكافِئٌ لسَببِ صاحِبِه لا مَزيةَ له عليه، كتَكافُؤِ البَيِّنةِ وليسَت السِّلعةُ في يَدِ واحِدٍ منهما، لم يَبدَأْ أحَدُهما باليَمينِ دونَ صاحِبِه، ووجَبَ أنْ يَحلِفا جَميعًا ويُقسِّما السِّلعةَ بَينَهما. والأصلُ في هذا أنَّ المَبدأَ باليَمينِ من المُتداعيَينِ هو مَنْ كانَ منهما أشبَهَ بالدَّعوَى بسَببٍ يَدلُّ على تَصديقِه، كانَ المُدَّعي أو المُدَّعى عليه؛ لأنَّ المُدَّعي والمُدَّعى عليه مُتداعيانِ في الحَقيقةِ، مِثالُ ذلك: أنَّ مَنْ ادَّعى دارًا في يَدِ رَجلٍ هُما مُتداعيانِ فيها؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَدَّعيها لنَفسِه دونَ صاحِبِه فيَستَويانِ في الدَّعوى، وفضَلَه الذي في يَدِه الدارُ باليَدِ، فكانَ أشبَهَ بالدَّعوَى، فجُعلَ القَولُ قَولَه لهذا المَعنى، لا من أجلِ كَونِه مُدَّعًى عليه. فَصلٌ: وقَولُ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ ﵁: «أيُّما رَجلٍ عرَفَ المُدَّعي من المُدَّعَى عليه لم يَلتبِسْ عليه ما يَحكُمُ به بَينَهما، فالمُدَّعي أنْ يَقولَ الرَّجلُ:

стр. 14056

«قد كانَ»، والمُدَّعَى عليه أنْ يَقولَ الرَّجلُ: «لم يَكنْ»، ليسَ على عُمومِه في كلِّ مَوضِعٍ، وإنَّما يَصحُّ إذا تَجرَّدَت دَعوى المُدَّعي في قَولِه: «قد كانَ»، من سَببٍ يَدلُّ على تَصديقِ دَعواه؛ فإنْ كانَ له سَببٌ يَدلُّ على تَصديقِ دَعواه أَقوى من سَبَبِ المُدَّعَى عليه القائِلِ: «لم يَكنْ»، بَرئَ عليه باليَمينِ. مِثالُ ذلك: مَنْ حازَ شَيئًا مُدةً تَكونُ فيه الحيازةُ عامِلةً في وَجهِ المُدَّعَى فادَّعَى الشِّراءَ، كانَ القَولُ قَولَه معَ يَمينِه في ذلك، وهو مُدَّعٍ يَقولُ: «قد كانَ»، والمُدَّعَى عليه يَقولُ: لم يَكنْ، وكذلك المُودَعُ يَدَّعي رَدَّ الوَديعةِ، القَولُ قَولُه وهو مُدَّعٍ، يَقولُ: «قد كانَ»، والمودِعُ: يَقولُ: «لم يَكنْ»، ومِثلُ هذا كَثيرٌ. فَصلٌ: يَتبيَّنُ بهذا الذي قُلناه أنَّ قَولَ النَّبيِّ ﷺ : «البَيِّنةُ على مَنْ ادَّعى واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» عامٌّ في جَميعِ الدَّعاوَى من الأَموالِ والدِّماءِ وغَيرِ ذلك، وخاصٌّ فيما تَجرَّدَت دَعواه من المُتداعِيَينِ عن سَببٍ يَدلُّ على صِدقِ قَولِه، واللهُ أعلَمُ. فَصلٌ: وهذه جُملةٌ لا اختِلافَ بَينَ أحَدٍ من أهلِ العِلمِ فيها، وما يُوجدُ من الاختِلافِ بَينَهم في التَّداعي ليسَ بخارِجٍ عن هذا الأصلِ، إنَّما هو اختِلافُهم في قُوةِ السَّببِ الدالِّ على تَصديقِ أحَدِ المُتداعِيَينِ وضَعفِه على ما يُؤدِّيه الاجتِهادُ إلى كلِّ واحِدٍ منهم (١).

стр. 14057

مَشروعيةُ الدَّعوَى: الأصلُ في التَّداعي من كِتابِ اللهِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ [النمل: ٦٤]، وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]؛ فوجَبَ بهذا على كلِّ مَنْ ابتَدَأ قَولًا وابتَدَعَ مَذهبًا أنْ يأتِيَ بالدَّليلِ على صِدقِ قَولِه، والبُرهانِ على صِحةِ مَذهبِه، وعلى مَنْ ادَّعى على أحَدٍ دَعوَى في مالٍ أو دَمٍ أو عِرضٍ أو غيرِ ذلك، أنْ يأتِيَ بالبَيِّنةِ على دَعواه، وقد بَيَّنَ ذلك النَّبيُّ ﷺ ، بعُمومِ قَولِه: «البَيِّنةُ على المُدَّعي واليَمينُ على المُدَّعَى عليه» (١). وفي حَديثِ ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لو يُعطَى الناسُ بدَعواهم لادَّعى ناسٌ دِماءَ رِجالٍ وأَموالَهم، ولكنَّ اليَمينَ على المُدَّعَى عليه» (٢). ولما رُويَ: «أنَّ رَجلَينِ اختَصَما إلى النَّبيِّ ﷺ حَضرَميٌّ وكِندِيٌّ-، فقالَ الحَضرَميُّ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ هذا غلَبَني على أرضٍ لي، فقالَ الكِندِيُّ: هي أَرضي وفي يَدي، ليسَ له فيها حَقٌّ، فقالَ النَّبيُّ

стр. 14058

ﷺ للحَضرَميِّ: «ألك بيِّنةٌ؟» فقالَ: لا، قالَ: «فلك يَمينُه» (١). وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ وهو فيها فاجِرٌ ليقَتطِعَ بها مالَ امرِئٍ مُسلِمٍ لَقيَ اللهَ وهو عليه غَضبانُ»، قالَ: فقالَ الأشعَثُ بنُ قَيسٍ: فِيَّ واللهِ كانَ ذلك، كانَ بَيني وبينَ رَجلٍ من اليَهودِ أرضٌ، فجحَدَني، فقَدَّمتُه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالَ لي رَسولُ اللهِ ﷺ : «ألكَ بيِّنةٌ»، قالَ: قُلتُ: لا، قالَ: فقالَ لليَهوديِّ: «احلِفْ»، قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إذًا يَحلِفُ ويَذهَبُ بمالي، قالَ: فأنزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧] (٢). قالَ أَبو بَكرِ بنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ البَيِّنةَ على المُدَّعي واليَمينَ على المُدَّعَى عليه، ومعنى قَولِه: «البَيِّنةُ على المُدَّعِي» أي يَستحِقُّ بها، إلا أنَّها واجِبةٌ عليه، يُؤخَذُ بها، ومَعنى قَولِه: «اليَمينُ على المُدَّعَى عليه» أي: يَبرَأُ بها، إلا أنَّها واجِبةٌ يُؤخَذُ بها على كلِّ حالٍ، كما زعَمَ بعضُ مَنْ أوجَبَ على مَنْ لم يَحلِفْ -إذا وجَبَت عليه اليَمينُ- الحَبسَ. وفي هذا الخبَرِ من البَيانِ أنَّ الحاكِمَ يَبدأُ فيَسألُ المُدَّعيَ البَيِّنةَ. وفي قَولِه للمُدَّعي: «ليس لك منه إلا ذلك» دَليلٌ على أنَّ البَراءةَ تَقعُ له مِنْ دَعوى صاحِبِه إذا حلَفَ.

стр. 14059

وفي قَولِه في الخَبَرِ الذي ذكَرْناه قيلَ: هو رَجلٌ فاجِرٌ لا يُبالي ما حلَفَ عليه، بَيانٌ على أنَّه لا تَباعةَ للخَصمِ على خَصمِه فيما خاطَبَه به مِنْ مِثلِ هذا وشِبهِه (١). الحُكمُ إذا تَداعَيا عَينًا: المُدَّعي والمُدَّعى عليه إذا تَداعَيا عَينًا لم يَخلُ ذلك من أربَعِ حالاتٍ: الحالةُ الأولى: أنْ يَدَّعيا عَينًا ليسَت في يَدِ أحَدٍ منهما: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَداعَيا عَينًا في يَدِ غَيرِهما أو تَداعَيا عَينًا لا يَدَ لأحَدِهما عليها، فهذا لا يَخلو من صُورٍ: الصُّورةُ الأولى: ألَّا يُقِرَّ لواحِدٍ منها بها ولا بيِّنةَ لهما: لا خِلافَ بَينَ الفُقهاءِ على أنَّ الرَّجلَينِ إذا تداعَيا عَينًا في يَدِ ثالِثٍ ولا بيِّنةَ لهما فأنكَرَها فالقَولُ قَولُه معَ يَمينِه، قالَ ابنُ قُدامةَ: بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٢). الصُّورةُ الثانية: أنْ يَدَّعيا عَينًا في يَدِ ثالِثٍ واعتَرفَ أنَّه لا يَملِكُها: إذا ادَّعَيا عَينًا في يَدِ ثالِثٍ واعتَرفَ أنَّه لا يَملِكُها، وقالَ: لا أعرِفُ صاحِبَها، أو قالَ: هي لأحَدِكما لا أعرِفُه عَينًا فهذا لا يَخلو من ثَلاثةِ أضْرُبٍ: الضَّربُ الأولُ: أنْ يَكونَ معَ أحَدِهما بيِّنةٌ دونَ الآخَرِ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّهما إذا تَداعَيا عَينًا وأقامَ أحَدُهما بيِّنةً قُضيَ بها لصاحِبِ البَيِّنةِ سَواءٌ كانَت العَينُ في يَدِ صاحِبِ البَيِّنةِ أو في يَدِ المُدَّعي

стр. 14060

الآخَرِ أو في يَدِ ثالِثٍ أو لا يدَ لأحَدٍ عليها؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «البَيِّنةُ على المُدَّعي، واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا إنْ كانَت لأحَدِهما بيِّنةٌ حُكِمَ بها بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٢). الضَّربُ الثانِي: أنْ يَكونَ معَ كُلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ: فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّهما لو تَداعَيا عَينًا بيَدِ ثالِثٍ وهو مُنكِرٌ غيرُ مُعتَرِفٍ بها لنَفسِه أو لأحَدِهما أو ليسَت بيَدِ أحَدٍ وكانَ معَ كُلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ تَسقُطُ البَيِّنتانِ ويَكونُ كما لو لم تَكنْ معهما بيِّنةٌ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدةٍ من البَيِّنتَينِ أثبَتَت المِلكَ لمَن شهِدَت له، ولا يُمكِنُ أنْ يَكونَ الشَّيءُ مِلكًا لاثنَينِ في حالةٍ واحِدةٍ، ولا مَزيةَ لإِحداهما -البَيِّنتَينِ- فسقَطَتا؛ ولأنَّهما أوقَعَتا إِشكالًا في حَقِّ المالِكِ منهما فسقَطَتا كما لو شهِدَت البَيِّنةُ بمِلكِ عَينٍ لأحَدِ الرَّجلَينِ لا بعَينِه. إلا أنَّهم اختَلَفوا في الواجِبِ حُصولُه. فقالَ الشافِعيةُ: يَحلِفُ كلُّ واحِدٍ منهما يَمينًا (٣).

стр. 14061

وقالَ الحَنابِلةُ: يُقرَعُ بينَهما، فمَن خرَجَت له القُرعةُ حلَفَ أنَّها له، وسُلِّمَت إليه، كما لو لم يَكنْ لواحِدٍ منهما بيِّنةٌ وهو مَرويٌّ عن ابنِ عُمرَ وابنِ الزُّبَيرِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُقضَى بها لهما نِصفَينِ إذا ادَّعَيا ذلك مِلكًا مُطلَقًا أو كانَ تارِيخُهما واحِدًا؛ لما رُويَ عن أَبي مُوسى أنَّ «رَجلَينِ ادَّعَيا بَعيرًا على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فبعَثَ كلُّ واحِدٍ منهما بشاهِدَينِ فقسَمَه رَسولُ اللهِ ﷺ بينَهما نِصفَينِ» (٢). وعن أَبي هُرَيرةَ ﵁ «أنَّ رَجلَينِ ادَّعَيا دابَّةً فأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما شاهِدَينِ فقَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بينَهما نِصفَينِ» (٣). ولأنَّ البَيِّنةَ حُجةٌ كاليَدِ، ولو كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما يَدٌ لقُسِمَت العَينُ بينَهما، فكذلك إذا كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ. ولأنَّهما استَوَيا في سَبَبِ الاستِحقاقِ، وهو قابِلٌ للاشتِراكِ فيَستَويانِ في الاستِحقاقِ كالمُوصَى لهما، بأنْ أوصَى لكلِّ واحِدٍ منهما بالثُّلثِ؛ فإنَّه

стр. 14062

يُقسَّمُ الثُّلثُ بينَهما نِصفَينِ، وكذا الغَريمانِ في التَّركةِ بخِلافِ النِّكاحِ؛ لأنَّه لا يَقبَلُ الاشتِراكَ فتَعيَّنَ التَّهاتُرُ، ولأنَّ البَيِّناتِ من حُججِ الشَّرعِ يَجبُ العَملُ بها ما أمكَنَ، وقد أمكَنَ هنا؛ لأنَّ الأَيديَ قد تَتوالَى في عَينٍ واحِدةٍ في أَوقاتٍ مُختلِفةٍ فيَعتمِدُ كلُّ فَريقٍ ما شاهَدَ من السَّببِ المُطلَقِ للشَهادةِ وهو اليَدُ فيُحكَمُ بالتَّنصيفِ بينَهما ولا يَجوزُ التَّرجيحُ بكَونِ الشُّهودِ أعدَلَ لحُصولِ المَقصودِ بالكلِّ وهو الامتِناعُ عن الكَذبِ، وكذا لا يَجوزُ التَّرجيحُ بكَثرةِ العَددِ؛ لأنَّ التَّرجيحَ يَكونُ بقُوةٍ في الدَّليلِ لا بكَثرَتِه (١). وقَولُ المالِكيةِ كقَولِ الحَنفيةِ، إلا أنَّهم قالوا: تُقسَّمُ بينَهما بعدَ التَّحالُفِ على قَدرِ دَعواهما؛ لأنَّهما حُجتانِ تَعارَضَتا لو انفَردَ أحَدُ المُتداعِيَينِ بها لحُكمَ له بالمِلكِ، فوجَبَ إذا تَعارَضتا أنْ يُقسَّمَ الشَّيءُ بينَهما، أصلُه اليَدُ، ولأنَّهما قد تَساوَيا في سَببِ الاستِحقاقِ والشَّيءُ مما يَصحُّ فيه الاشتِراكُ فوَجَبَ القَضاءُ به لهما. وقالَ أشهَبُ وسحنُونٌ والقاضِي عبدُ الوَهابِ: يُقسَّمُ بينَهما بالسَّويةِ حتى لو ادَّعى أحَدُهما نِصفَه والآخَرُ كلَّه (٢).

стр. 14063

وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُوقَفُ الأمرُ إلى أنْ يَصطَلِحا؛ لأنَّ أحَدَهما صادِقٌ في الباطِنِ والآخَرَ كاذِبٌ، ويُرجَى انكِشافُ الصادِقِ منهما، فوجَبَ التَّوقُّفُ إلى أنْ نَتبيَّنَ الصادِقَ، كما لو زوَّجَ المَرأةَ وَليَّانِ لها برَجلَينِ وسبَقَ أحَدُهما وأُشكِلَ السابِقُ. وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُقرَعُ بينَهما، فمَن خرَجَت له القُرعةُ حُكِمَ له بالعَينِ؛ لما رَوى سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ: «أنَّ قَومًا اختَصَموا إلى النَّبيِّ ﷺ وتَساوَت بيِّناتُهم في العَدالةِ والعَددِ، فأسهَمَ النَّبيُّ ﷺ بَينَهم، وقَضى للذي خرَجَ له السَّهمُ»، ولأنَّ المُدَّعِيَينِ قد تَساوَيا في الدَّعوى والبَيِّنةِ فأقرَعَ بينَهما، كما لو أعتَقَ رَجلٌ في مَرضِ مَوتِه عَبيدًا لا يَخرُجونَ من ثُلثِه. وهل يَحلِفُ مَنْ خرَجَت له القُرعةُ؟ فقال الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ: يَحلِفُ؛ لأنَّ القُرعةَ ضَعيفةٌ، فرجَحَت باليَمينِ ورجَحَت بهما البَيِّنةُ، فيَكونانِ بمَجموعِهما قائِمَين مَقامَ اليَدِ التي تَترجَّحُ بها إِحدى البَيِّنتَينِ. وقالَ الشافِعيةُ في القَولِ الثانِي: لا يَجبُ عليه أنْ يَحلِفَ، وهو الأصَحُّ؛ لأنَّ البَيِّنةَ تَرجَّحَت بالقُرعةِ؛ لأنَّ كلَّ دَليلَينِ تَقابَلا ووُجِدَ معَ أحَدِهما تَرجيحٌ قُدِّمَ ولم يُطلَبْ تَرجيحٌ آخَرُ، كما لو كانَ معَ إِحدى البَيِّنتَينِ يَدٌ (١).

стр. 14064

الضَّربُ الثالِثُ: ألَّا يَكونَ معَ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَداعَيا عَينًا بيَدِ ثالِثٍ أو ليسَت بيَدِ أحَدٍ وليسَ معَ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ هل يُقرَعُ بينَهما فمَن خرَجَت قُرعتُه حلَفَ لصاحِبِه وسُلِّمَت إليه، أم تُقسَّمُ بينَهما؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ العَينَ تُقسَّمُ بينَهما كما لو كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّه يُقرَعُ بينَهما فمَن خرَجَت له القُرعةُ حلَفَ أنَّها له وسُلِّمَت إليه؛ لما رَوى أَبو هُرَيرةَ ﵁ أنَّ رَجلَينِ اختَصَما في مَتاعٍ إلى النَّبيِّ ﷺ ليسَ لواحِدٍ منهما بيِّنةٌ، فقالَ النَّبيُّ: ﷺ «استَهِما على اليَمينِ ما كانَ، أحَبَّا ذلك أو كَرِها» (٢). ولأنَّهما تَساوَيا ولا بيِّنةَ لهما فيُقرَعُ بينَهما كالزَّوجتَينِ إذا أرادَ الزَّوجُ السَّفرَ بإِحداهُما (٣). الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَدَّعيا عَينًا في يَدِ أحَدِهما: إذا ادَّعَى رَجلانِ عَينًا وهي في يَدِ أحَدِهما فهذا لا يَخلو من صُورتَينِ: الصُّورةُ الأُولى: أنْ يُقيمَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً: اختَلفَ الفُقهاءُ في العَينِ إذا كانَت في يَدِ أحَدِهما وادَّعاها شَخصٌ آخَرُ وأقامَ بيِّنةً أنَّها له، وأقامَ من هي في يَدِه بيِّنةً أنَّها له، لمَن تَكونُ؟ هل لصاحِبِ اليَدِ ويُسمَّى الداخِلَ، أو للخارِجِ وهي من ليسَت في يَدِه؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ العَينَ إذا كانَت في يَدِ شَخصٍ ثم ادَّعاها شَخصٌ آخَرُ

стр. 14065

وأتى كلُّ واحِدٍ منهما ببَيِّنةٍ قُدِّمَت بيِّنةُ مَنْ هي في يَدِه ويُسمَّى الداخِلَ؛ لما رَواه الإمامُ الشافِعيُّ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵁ «أنَّ رَجلَينِ تَداعَيا دابَّةً فأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما البَيِّنةَ أنَّها دابَّتُه نَتَجَها فقَضى بها رَسولُ اللهِ ﷺ للذي هي في يَده» (١)؛ لأنَّهما استَوَيا في إِقامةِ البَيِّنةِ وتَرجَّحَت بيِّنتُه بيَدِه فقُدِّمَت، والسِّرُّ في ذلك أنَّ الحُجَّتَينِ لمَّا تَعارَضَتا تَساقَطَتا فبَقيَ المَتاعُ في يَدِ صاحِبِ القَبضِ لعَدمِ ما يَقتَضي رَدَّه، أو نَقولُ: اعتضَدَت إِحدى البَيِّنتَينِ بالدَّليلِ الظاهِرِ، وهو القَبضُ، فرجَحَت (٢). قالَ الدَّميريُّ ﵀: وبه قَضى شُرَيحٌ وإليه ذهَبَ أكثَرُ العُلماءِ. وقيلَ: لا يَقضي له إلا أنْ يَحلِفَ؛ لأنَّ البَيِّنتينِ تَعارَضَتا فسقَطَتا وبَقيَت اليَدُ، وهي لا يُقضَى بها من غيرِ يَمينٍ … ولا يُشتَرطُ في بيِّنةِ صاحِبِ اليَدِ أنْ يُبيِّنَ سبَبَ المِلكِ من شِراءٍ أو إرثٍ أو نَحوِه ولا يُشتَرطُ أنْ يَحلِفَ معَ بيِّنتِه (٣). قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإذا تَنازَعَ الرَّجلانِ المالَ فانظُرْ أيَّهما كانَ أَقوى سَببًا فيما يَتنازَعانِ فيه فاجعَلْه له، فإذا استَوى سَبَباهُما فليسَ واحِدٌ

стр. 14066

منهما بأحَقَّ به من الآخَرِ، وهُما فيه سَواءٌ، فإذا تَنازَعا المالَ فهما مُستَويانِ في الدَّعوى؛ فإنْ كانَ ما يَتنازَعانِ فيه في يَدِ أحَدِهما فللذي هو في يَدَيه سَببٌ أقوى من سَببِ الذي ليسَ هو في يدَيه، فهو له معَ يَمينِه إذا لم تَقمْ لواحِدٍ منهما بيِّنةٌ؛ فإنْ أقامَ الذي ليسَ في يدَيه بيِّنةً بدَعواه قيلَ للذي هو في يدَيه البَيِّنةُ العادِلةُ التي لا تَجُرُّ إلى نَفسِها بشَهادَتِها ولا تَدفَعُ عنها إذا كانَت للمُدَّعي أقوَى من كَينونةِ الشَّيءِ في يَدِكَ من قِبَلِ أنَّ كَينونَتَه في يَدِكَ قد تَكونُ وأنتَ غيرُ مالِكٍ فهو للذي أقامَ البَيِّنةَ بفَضلِ قُوةِ سَببِه على سَببِك؛ فإنْ أقاما معًا البَيِّنةَ عليه قيلَ: قد استَوَيتُما في الدَّعوى واستَوَيتُما في البَيِّنةِ وللذي هو في يدَيه سبَبٌ بكَينونَتِه في يَدِه هو أَقوى من سَببِك فهو له بفَضلِ قُوةِ سَببِه، وهذا مُعتدِلٌ على أصلِ القياسِ، لو لم يَكنْ فيه سُنةٌ وفيه سُنةٌ بمِثلِ ما قُلنا. (أخبَرَنا الرَّبيعُ) قالَ: أخبَرَنا الشافِعيُّ قالَ: أخبَرَنا ابنُ أَبي يَحيى عن إِسحاقَ بنِ أَبي فَروةَ عن عُمرَ بنِ الحَكَمِ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ «أنَّ رَجلَينِ تَداعَيا دابَّةً فأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما البَيِّنةَ أنَّها دابَّتُه نَتَجَها، فقَضى بها رَسولُ اللهِ ﷺ للذي هي في يَدِه»، وهذا قَولُ كلِّ مَنْ حفِظتُ عنه ممَّن لَقيتُ في النِّتاجِ وفيما لا يَكونُ إلا مَرةً (١). وقالَ الإمامُ العِمرانِيُّ ﵀: وإنِ ادَّعَيا عَينًا في يَدِ أحَدِهما، وأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً حُكمَ بها لصاحِبِ اليَدِ. وبه قالَ شُرَيحٌ، والنَّخَعيُّ، والحَكمُ، ومالِكٌ، وأَبو ثَورٍ.

стр. 14067

وقالَ أَبو حَنيفةَ: (إذا أقامَ المُدَّعي البَيَّنةَ، ثم أرادَ المُدَّعى عليه أنْ يُقيمَ البَيِّنةَ في مُقابَلتِه نُظِرَت: فإنْ كانَت تَشهَدُ بمِلكٍ مُطلَقٍ أو بمِلكٍ مُضافٍ إلى سَببٍ يَتكرَّرُ ذلك السَّببُ؛ مِثلَ أنْ تَكونَ الدَّعوَى في آنيةٍ تُسبَكُ وتُصاغُ ثانيًا وثالِثًا، أو في ثَوبِ كَتَّانٍ أو صُوفٍ يُنقَضُ ثم يُنسَجُ لم تُسمَعْ بيِّنتُه. وإنْ كانَت بيِّنتُه تَشهَدُ بمِلكٍ مُضافٍ إلى سَببٍ لا يَتكرَّرُ؛ مِثلَ أنْ تَكونَ الدَّعوَى في الدابَّةِ وشهِدَت بيِّنةُ المُدَّعي أنَّ الدابَّةَ له نَتَجَت في مِلكِه، وشهِدَت بيِّنةُ المُدَّعى عليه أنَّها له نتَجَت في مِلكِه فههنا بيِّنةُ الذي لا يَدَ له عليها أَولَى من بيِّنةِ صاحِبِ اليَدِ). وقالَ أَحمدُ: (بَيِّنةُ مَنْ لا يَدَ له أَولَى بكلِّ حالٍ). دَليلُنا: ما رُويَ: «أنَّ رَجلَينِ اختَصَما إلى النَّبيِّ ﷺ في دابَّةٍ، وأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً أنَّها له نتَجَت في مِلكِه، فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ الدابةَ لمَن هي في يَدِه». ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما معَه بيِّنةٌ، ومع أحَدِهما تَرجيحٌ باليَدِ قُدِّمَت بيِّنتُه، كالخَبَرينِ إذا تَعارَضا ومع أحَدِهما تَرجيحٌ (١). وجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: في الرَّجلَينِ يَدَّعيانِ السِّلعةَ وهي في يَدِ أحَدِهما ويُقيمانِ جَميعًا البَيِّنةَ: (قُلتُ): أرأيتَ لو أنَّ سِلعةً في يَدِ رَجلٍ ادَّعى رَجلٌ أنَّها له، وأقامَ البَيِّنةَ وادَّعَى الذي هي في يَدِه أنَّها له، وأقامَ البَيِّنةَ، لمَن هي؟ (قالَ): للذي هي في يَدِه عندَ مالِكٍ إذا تَكافأت البَيِّنتانِ في العَدالةِ (قال ابنُ القاسِمِ): وعليه اليَمينُ (٢).

стр. 14068

وقالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: (دابةٌ في يَدِ رَجلٍ ادَّعاها آخَرُ أنَّها دابَّتُه نتَجَها عندَه وأقامَ البَيِّنةَ على ذلك وأقامَ ذو اليَدِ البَيِّنةَ على مِثلِ ذلك قُضيَ بها لذي اليَدِ استِحسانًا) وفي القياسِ يُقضى بها للخارِجِ وهو قَولُ ابنِ أَبي لَيلى ﵀، ووَجهُه أنَّ مَقصودَ كلِّ واحِدٍ منهما إِثباتُ المِلكِ حتى لا يَصيرَ خَصمًا إلا بدَعوى المِلكِ لنَفسِه، وفيما هو المَقصودُ ب «بَيِّنةُ ذي اليَدِ لا تُعارِضُ بيِّنةَ الخارجِ» كما بَيَّنَّا في دَعوى المِلكِ المُطلَقِ ولا فَرقَ بينَهما؛ فإنَّ إِقامةَ البَيِّنةِ على المِلكِ المُطلَقِ تُوجِبُ الاستِحقاقَ من الأصلِ، كإِقامةِ البَيِّنةِ على النِّتاجِ، إلا أنَّا استَحسَنَّا للأثَرِ، وهو ما رَواه أَبو حَنيفةَ ﵀ عن الهَيثَمِ عن رَجُلٍ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵁ «أنَّ رَجلًا ادَّعَى ناقةً بينَ يدَي رَسولِ اللهِ ﷺ على رَجلٍ وأقامَ البَيِّنةَ أنَّها ناقَتُه نَتَجَها وأقامَ ذو اليَدِ البَيِّنةَ أنَّها دابَّتُه نَتَجَها فقَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بها للذي هي في يَدِه». ولأنَّ يَدَ ذي البَيِّنةِ لا تَدلُّ على أولَويةِ المِلكِ؛ فهو يُثبِتُ ببَيِّنتِه ما ليسَ بثابِتٍ، فوجَبَ بظاهِرِ يَدِه فوجَبَ قَبولُ البَيِّنةِ ثم تَترجَّحُ بيَدِه بخِلافِ المِلكِ المُطلَقِ؛ فإنَّ هناك لا يَثبُتُ ببَيِّنتِه إلا ما هو ثابِتٌ له بظاهِرِ يدِه فوجَبَ قَبولُ بيِّنتِه (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ العَينَ إذا كانَت بيَدِ أحَدِهما وكانَ لكلٍّ منهما بيِّنةٌ سُمعَت بيِّنةُ المُدَّعي وهو الخارِجُ، وحُكمَ له بها لحَديثِ:

стр. 14069

«البَيِّنةُ على المُدَّعي، واليَمينُ على المُدَّعى عليه» (١) وفي لَفظٍ: «واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» (٢). ولحَديثِ: «شاهِداكَ أو يَمينُه». وعن ابنِ عَباسٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى باليَمينِ على المُدَّعَى عليه» مُتَّفقٌ عليه. لكنْ لو أقامَ الخارِجُ بيِّنةً، أنَّها مِلكُه، وأقامَ الداخِلُ بيِّنةً أنَّه اشتِراها منه، قُدِّمَت بيِّنةُ الداخِلِ هنا؛ لما معَها مِنْ زيادةِ العِلمِ لشَهادَتِها بأمرٍ حدَثَ على المِلكِ خَفيٍّ على الأُولى، كما لو ادَّعى بدَينٍ وأقامَ به بيِّنةً، فقالَ المُدَّعَى عليه: أبرأنِي، وأقامَ بيِّنةً بذلك: قُدِّمَت، لما معَها من زيادةِ العِلمِ. أو أقامَ أحَدُهما بيِّنةً، أنَّه اشتِراها من فُلانٍ، وأقامَ الآخَرُ بيِّنةً كذلك، عُمِلَ بأسبَقِهما تاريخًا لإِثباتِها أنَّه اشتِراها من مالِكِها، ولمُصادَفةِ التَّصرُّفِ الثانِي مِلكَ غَيرِه، فوجَبَ بُطلانُه؛ فإنْ لم يُعلَمِ التاريخُ، أو اتَّفَق: تَساقَطَتا؛ لتَعارُضِهما وعَدمِ المُرجِّحِ (٣). الصُّورةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ البَيِّنةُ معَ المُدَّعي: نَصَّ عامةُ الفُقهاءِ على أنَّ العَينَ إذا كانَت بيَدِ رَجلٍ وادَّعى آخَرُ أنَّها له وأَتى ببَيِّنةٍ على ذلك ولم يأتِ صاحِبُ اليَدِ ببَيِّنةٍ؛ فإنَّها تَكونُ للذي أَتى ببَيِّنةٍ

стр. 14070

لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «البَيِّنةُ على المُدَّعي، واليَمينُ على من أنكَرَ» (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا إنْ كانَت لأحَدِهما بيِّنةٌ حُكمَ بها بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٢). وقالَ الإمامُ العِمرانِيُّ ﵀: وإنْ تَداعَيا عَينًا وأقامَ أحَدُهما بيِّنةً، قُضيَ بها لصاحِبِ البَيِّنةِ، سَواءٌ كانَت العَينُ في يَدِ صاحِبِ البَيِّنةِ أو في يَدِ المُدَّعي الآخَرِ أو في يَدِ ثالِثٍ أو لا يَدَ لأحَدٍ عليها؛ لقَولِه ﷺ : «البَيِّنةُ على المُدَّعي، واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» (٣)، فبَدَأ بالحُكمِ بالبَيِّنةِ، فدَلَّ على أنَّها أَقوى حُجةً، وهذا قد أقامَ البَيِّنةَ فحُكمَ له بها (٤). الحالةُ الثالِثةُ: أنْ يَدَّعيا عَينًا في أيدِيهما: إذا تَنازَعَ رَجلانِ عَينًا في أيدِيهما فهذا لا يَخلو من حالاتٍ: الحالةُ الأُولى: ألَّا يَكونَ معَ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ: إذا تَنازَعَ رَجلانِ عَينًا في يَدَيْهما فادَّعى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّها مِلكُه دونَ صاحِبِه ولم تَكنْ لهما بيِّنةٌ، حلَفَ كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه، وجُعلَت بينَهما نِصفَينِ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ، وكذا إذا نكَلا جَميعًا عن اليَمينِ.

стр. 14071

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا تَنازَعَ رَجلانِ في عَينٍ في يَدَيهِما فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّها مِلكُه دونَ صاحِبِه ولم تَكنْ لهما بيِّنةٌ حلَفَ كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه وجُعلَت بينَهما نِصفَينِ لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّ يدَ كلِّ واحِدٍ منهما على نِصفِها والقَولُ قَولُ صاحِبِ اليَدِ معَ يَمينِه. وإنْ نكَلا جَميعًا عن اليَمينِ فهي بينَهما أيضًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَستحِقُّ ما في يَدِ الآخَرِ بنُكولِه. وإنْ نكَلَ أحَدُهما وحلَفَ الآخَرُ قُضيَ له بجَميعِها؛ لأنَّه يَستحِقُّ ما في يَدِه بيَمينِه، وما في يَدِ صاحِبِه إمَّا بنُكولِه وإما بيَمينِه التي رُدَّت عليه عندَ نُكولِ صاحِبِه. وإنْ كانَت لأحَدِهما بيِّنةٌ دونَ الآخَرِ حُكمَ له بها، لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ أيضًا: وإذا كانَ في يدَيهما دارٌ فادَّعاها أحَدُهما كلَّها وادَّعى الآخَرُ نِصفَها ولا بيِّنةَ لهما فهي بينَهما نِصفانِ، نَصَّ عليه أَحمدُ وعلى مُدَّعي النِّصفِ اليَمينُ لصاحِبِه ولا يَمينَ على الآخَرِ؛ لأنَّ النِّصفَ المَحكومَ له به لا مُنازِعَ له فيه، ولا نَعلَمُ في هذا خِلافًا، إلا أنَّه حُكيَ عن ابنِ شُبْرُمةَ أنَّ لمُدَّعي الكلِّ ثَلاثةَ أَرباعِها؛ لأنَّ النِّصفَ له لا مُنازِعَ فيه، والنِّصفَ الآخَرَ يُقسَّمُ بينَهما على حَسَبِ دَعواهما فيه. ولنا: أنَّ يَدَ مُدَّعي النِّصفِ على ما يَدَّعيه فكانَ القَولُ قَولَه فيه معَ يَمينِه كسائِرِ الدَّعاوَى؛ فإنْ كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ بما يَدَّعيه فقد تعارَضَت

стр. 14072

بيِّنتاهما، فالنِّصفُ لمُدَّعي الكُلِّ والنِّصفُ الآخَرُ يَنبَني على الخِلافُ في أيِّ البَيِّنتَينِ تُقدَّمُ، وظاهِرُ المَذهبِ تَقديمُ بيِّنةِ المُدَّعي فتَكونُ الدارُ كلُّها لمُدَّعي الكلِّ، وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ وصاحبَيه، فإنْ كانَت الدارُ في يَدِ ثالِثٍ لا يَدَّعيها فالنِّصفُ لصاحِبِ الكلِّ لا مُنازِعَ له فيه، ويُقرَعُ بينَهما في النِّصفِ الآخَرِ، فمَن خرَجَت له القُرعةُ حلَفَ وكانَ له، وإنْ كانَ لكلِّ واحِدٍ بيِّنةٌ تَعارَضَتا وسَقَطتا وصارا كمَن لا بيِّنةَ لهما، وإنْ قُلنا: تُستَعمَلُ البَيِّنتانِ، أُقرِعَ بينَهما وقُدِّمَ من تَقعُ له القُرعةُ في أحَدِ الوَجهَينِ. والثانِي: يُقسَّمُ النِّصفُ المُختلَفُ فيه بينَهما فيَصيرُ لمُدَّعي الكلِّ ثَلاثةُ أرباعِها. فَصلٌ: فإنْ كانَت الدارُ في يَدِ ثَلاثةٍ ادَّعى أحَدُهم نِصفَها وادَّعى الآخَرُ ثُلثَها وادَّعى الآخَرُ سُدسَها فهذا اتِّفاقٌ منهم على كَيفيةِ مِلكِهم، وليسَ ههُنا اختِلافٌ ولا تَجاحُدٌ؛ فإنِ ادَّعى كلُّ واحِدٍ منهم أنَّ باقيَ الدارِ وَديعةٌ أو عاريةٌ معي، وكانَت لكلِّ واحِدٍ منهم بما ادَّعاه من المِلكِ بيِّنةٌ قُضيَ له به؛ لأنَّ بيِّنتَه تَشهَدُ له بما ادَّعاه، ولا مُعارِضَ لها، وإنْ لم تَكنْ لواحِدٍ منهما بيِّنةٌ حلَفَ كلُّ واحِدٍ منهما وأُقِرَّ في يَدِه ثُلثُها (١). الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ معَ كلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَت عَينٌ بيَدِ كلِّ واحِدٍ منهما وأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً وتَساوَيتا هل تَكونُ بينَهما نِصفَينِ أو حسَبَ ما يَدَّعيانِ أو يُقرَعُ بينَهما فمَن خرَجَت له القُرعةُ حلَفَ وأخَذَها؟

стр. 14073

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً وتعارَضَت البَيِّنتانِ وقُسِّمَت العَينُ بينَهما نِصفَينِ؛ لحَديثِ أَبي هُرَيرةَ ﵁ «أنَّ رَجلَينِ ادَّعَيا دابةً فأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما شاهِدَينِ فقَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بينَهما نِصفَينِ» (١). ولما رَوى أَبو موسى ﵁ «أنَّ رَجلَينِ اختَصَما إلى رَسولِ اللهِ ﷺ في بَعيرٍ فأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما شاهِدَينِ فقَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بالبَعيرِ بينَهما نِصفَينِ» (٢). ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما داخِلٌ في نِصفِ العَينِ خارِجٌ عن نِصفِها تُقدَّمُ بيِّنةُ كلِّ واحِدٍ منهما فيما في يَدِه عندَ مَنْ يُقدِّمُ بيِّنةَ الداخِلِ، وفيما في يَدِ صاحِبِه عندَ مَنْ يُقدِّمُ بيِّنةَ الخارِجِ فيَستَويانِ على كلِّ واحِدٍ من القَولَينِ. اختُلفَ هل يَحلِفُ كلٌّ منهما على النِّصفِ المَحكومِ له به أو يَكونُ له من غيرِ يَمينٍ؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَحلِفُ؛ لأنَّ البَيِّنتَينِ لمَّا تعارَضَتا من غيرِ تَرجيحٍ وجَبَ إِسقاطُها كالخَبَرينِ إذا تعارَضا وتَساوَيا وإذا سقَطَا صارَ المُختلِفانِ كمَن لا بيِّنةَ لهما، ويَحلِفُ كلُّ واحِدٍ منهما على النِّصفِ المَحكومِ له به. وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في القَولِ الثانِي والحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الثانيةِ إلى أنَّ العَينَ تُقسَّمُ بينَهما من غيرِ يَمينٍ لخَبَرِ أَبي هُرَيرةَ ﵁

стр. 14074

«أنَّ رَجلَينِ ادَّعَيا دابةً فأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما شاهِدَينِ فقَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بها بينَهما نِصفَينِ» (١). ولم يَثبُتْ أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَلَّفَهما (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لو كانَت عَينٌ بيَدِ كلِّ واحِدٍ منهما وأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً وتَساوَيتا يُقرَعُ بينَهما فمَن خرَجَت قُرعتُه حلَفَ أنَّها لا حَقَّ للآخَرِ فيها، وكانَت اليَمينُ له كما لو كانَت في يَدِ غَيرِهما (٣). الزَّوجانِ إذا اختَلفَا في مَتاعِ البَيتِ: الزَّوجانِ إذا اختَلفَا في مَتاعِ البَيتِ أو في بَعضِه فقالَ كلُّ واحِدٍ منهما: جَميعُه لي، أو قالَ كلُّ واحِدٍ منهما: هذه العَينُ لي، فلا يَخلو من حالتَينِ:

стр. 14075

الحالةُ الأُولى: أنْ تَكونَ معَ أحَدِهما بيِّنةٌ لما يَدَّعيه: اتَّفَق أهلُ العِلمِ على أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفَا في مَتاعِ البَيتِ أو في بَعضِه فقالَ كلُّ واحِدٍ منهما: «جَميعُه لي»، أو قالَ كلُّ واحِدٍ منهما: «هذه العَينُ لي»، وكان معَ أحَدِهما بيِّنةٌ ثبَتَ له. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الزَّوجانِ إذا اختَلَفا في مَتاعِ البَيتِ أو في بَعضِه فقالَ كلُّ واحِدٍ منهما: «جَميعُه لي»، أو قالَ كلُّ واحِدٍ منهما: «هذه العَينُ لي»، وكانَت لأحَدِهما بيِّنةٌ ثبَتَ له بلا خِلافٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ مَنْ أقامَ بيِّنةً -أي من الزَّوجَينِ في مَتاعِ البَيتِ- في شَيءٍ أنَّه يُقضَى له به إذا حلَفَ أيضًا معَ بيِّنتِه (٢). الحالةُ الثانيةُ: ألَّا تَكونَ معَ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اختَلفَ الزَّوجانِ في مَتاعِ البَيتِ الذي يَسكُنانِ فيه فادَّعى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه له، ولا بيِّنةَ لأحَدِهما هل يَكونُ الحُكمُ فيه أنَّ ما يَصلُحُ للرَّجلِ يَكونُ للرَّجلِ وما يَصلُحُ للمَرأةِ يَكونُ للمَرأةِ وما يَصلُحُ لهما يَكونُ بينَهما أو يَحلِفانِ ويُقسَّمُ بينَهما سَواءٌ كانَ المَتاعُ يَصلُحُ للرِّجالِ دونَ النِّساءِ أو كانَ يَصلُحُ للنِّساءِ دونَ الرِّجالِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفَا في مَتاعِ البَيتِ فما يَصلُحُ للرِّجالِ فهو للرَّجلِ كالعِمامةِ والخُفِّ والكُتُبِ والقَوسِ والفَرَسِ والسِّلاحِ،
следующие страницы →