← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14071–14110 · переход к 14076.

стр. 14071

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا تَنازَعَ رَجلانِ في عَينٍ في يَدَيهِما فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّها مِلكُه دونَ صاحِبِه ولم تَكنْ لهما بيِّنةٌ حلَفَ كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه وجُعلَت بينَهما نِصفَينِ لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّ يدَ كلِّ واحِدٍ منهما على نِصفِها والقَولُ قَولُ صاحِبِ اليَدِ معَ يَمينِه. وإنْ نكَلا جَميعًا عن اليَمينِ فهي بينَهما أيضًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَستحِقُّ ما في يَدِ الآخَرِ بنُكولِه. وإنْ نكَلَ أحَدُهما وحلَفَ الآخَرُ قُضيَ له بجَميعِها؛ لأنَّه يَستحِقُّ ما في يَدِه بيَمينِه، وما في يَدِ صاحِبِه إمَّا بنُكولِه وإما بيَمينِه التي رُدَّت عليه عندَ نُكولِ صاحِبِه. وإنْ كانَت لأحَدِهما بيِّنةٌ دونَ الآخَرِ حُكمَ له بها، لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ أيضًا: وإذا كانَ في يدَيهما دارٌ فادَّعاها أحَدُهما كلَّها وادَّعى الآخَرُ نِصفَها ولا بيِّنةَ لهما فهي بينَهما نِصفانِ، نَصَّ عليه أَحمدُ وعلى مُدَّعي النِّصفِ اليَمينُ لصاحِبِه ولا يَمينَ على الآخَرِ؛ لأنَّ النِّصفَ المَحكومَ له به لا مُنازِعَ له فيه، ولا نَعلَمُ في هذا خِلافًا، إلا أنَّه حُكيَ عن ابنِ شُبْرُمةَ أنَّ لمُدَّعي الكلِّ ثَلاثةَ أَرباعِها؛ لأنَّ النِّصفَ له لا مُنازِعَ فيه، والنِّصفَ الآخَرَ يُقسَّمُ بينَهما على حَسَبِ دَعواهما فيه. ولنا: أنَّ يَدَ مُدَّعي النِّصفِ على ما يَدَّعيه فكانَ القَولُ قَولَه فيه معَ يَمينِه كسائِرِ الدَّعاوَى؛ فإنْ كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ بما يَدَّعيه فقد تعارَضَت

стр. 14072

بيِّنتاهما، فالنِّصفُ لمُدَّعي الكُلِّ والنِّصفُ الآخَرُ يَنبَني على الخِلافُ في أيِّ البَيِّنتَينِ تُقدَّمُ، وظاهِرُ المَذهبِ تَقديمُ بيِّنةِ المُدَّعي فتَكونُ الدارُ كلُّها لمُدَّعي الكلِّ، وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ وصاحبَيه، فإنْ كانَت الدارُ في يَدِ ثالِثٍ لا يَدَّعيها فالنِّصفُ لصاحِبِ الكلِّ لا مُنازِعَ له فيه، ويُقرَعُ بينَهما في النِّصفِ الآخَرِ، فمَن خرَجَت له القُرعةُ حلَفَ وكانَ له، وإنْ كانَ لكلِّ واحِدٍ بيِّنةٌ تَعارَضَتا وسَقَطتا وصارا كمَن لا بيِّنةَ لهما، وإنْ قُلنا: تُستَعمَلُ البَيِّنتانِ، أُقرِعَ بينَهما وقُدِّمَ من تَقعُ له القُرعةُ في أحَدِ الوَجهَينِ. والثانِي: يُقسَّمُ النِّصفُ المُختلَفُ فيه بينَهما فيَصيرُ لمُدَّعي الكلِّ ثَلاثةُ أرباعِها. فَصلٌ: فإنْ كانَت الدارُ في يَدِ ثَلاثةٍ ادَّعى أحَدُهم نِصفَها وادَّعى الآخَرُ ثُلثَها وادَّعى الآخَرُ سُدسَها فهذا اتِّفاقٌ منهم على كَيفيةِ مِلكِهم، وليسَ ههُنا اختِلافٌ ولا تَجاحُدٌ؛ فإنِ ادَّعى كلُّ واحِدٍ منهم أنَّ باقيَ الدارِ وَديعةٌ أو عاريةٌ معي، وكانَت لكلِّ واحِدٍ منهم بما ادَّعاه من المِلكِ بيِّنةٌ قُضيَ له به؛ لأنَّ بيِّنتَه تَشهَدُ له بما ادَّعاه، ولا مُعارِضَ لها، وإنْ لم تَكنْ لواحِدٍ منهما بيِّنةٌ حلَفَ كلُّ واحِدٍ منهما وأُقِرَّ في يَدِه ثُلثُها (١). الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ معَ كلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَت عَينٌ بيَدِ كلِّ واحِدٍ منهما وأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً وتَساوَيتا هل تَكونُ بينَهما نِصفَينِ أو حسَبَ ما يَدَّعيانِ أو يُقرَعُ بينَهما فمَن خرَجَت له القُرعةُ حلَفَ وأخَذَها؟

стр. 14073

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً وتعارَضَت البَيِّنتانِ وقُسِّمَت العَينُ بينَهما نِصفَينِ؛ لحَديثِ أَبي هُرَيرةَ ﵁ «أنَّ رَجلَينِ ادَّعَيا دابةً فأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما شاهِدَينِ فقَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بينَهما نِصفَينِ» (١). ولما رَوى أَبو موسى ﵁ «أنَّ رَجلَينِ اختَصَما إلى رَسولِ اللهِ ﷺ في بَعيرٍ فأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما شاهِدَينِ فقَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بالبَعيرِ بينَهما نِصفَينِ» (٢). ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما داخِلٌ في نِصفِ العَينِ خارِجٌ عن نِصفِها تُقدَّمُ بيِّنةُ كلِّ واحِدٍ منهما فيما في يَدِه عندَ مَنْ يُقدِّمُ بيِّنةَ الداخِلِ، وفيما في يَدِ صاحِبِه عندَ مَنْ يُقدِّمُ بيِّنةَ الخارِجِ فيَستَويانِ على كلِّ واحِدٍ من القَولَينِ. اختُلفَ هل يَحلِفُ كلٌّ منهما على النِّصفِ المَحكومِ له به أو يَكونُ له من غيرِ يَمينٍ؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَحلِفُ؛ لأنَّ البَيِّنتَينِ لمَّا تعارَضَتا من غيرِ تَرجيحٍ وجَبَ إِسقاطُها كالخَبَرينِ إذا تعارَضا وتَساوَيا وإذا سقَطَا صارَ المُختلِفانِ كمَن لا بيِّنةَ لهما، ويَحلِفُ كلُّ واحِدٍ منهما على النِّصفِ المَحكومِ له به. وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في القَولِ الثانِي والحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الثانيةِ إلى أنَّ العَينَ تُقسَّمُ بينَهما من غيرِ يَمينٍ لخَبَرِ أَبي هُرَيرةَ ﵁

стр. 14074

«أنَّ رَجلَينِ ادَّعَيا دابةً فأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما شاهِدَينِ فقَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بها بينَهما نِصفَينِ» (١). ولم يَثبُتْ أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَلَّفَهما (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لو كانَت عَينٌ بيَدِ كلِّ واحِدٍ منهما وأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً وتَساوَيتا يُقرَعُ بينَهما فمَن خرَجَت قُرعتُه حلَفَ أنَّها لا حَقَّ للآخَرِ فيها، وكانَت اليَمينُ له كما لو كانَت في يَدِ غَيرِهما (٣). الزَّوجانِ إذا اختَلفَا في مَتاعِ البَيتِ: الزَّوجانِ إذا اختَلفَا في مَتاعِ البَيتِ أو في بَعضِه فقالَ كلُّ واحِدٍ منهما: جَميعُه لي، أو قالَ كلُّ واحِدٍ منهما: هذه العَينُ لي، فلا يَخلو من حالتَينِ:

стр. 14075

الحالةُ الأُولى: أنْ تَكونَ معَ أحَدِهما بيِّنةٌ لما يَدَّعيه: اتَّفَق أهلُ العِلمِ على أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفَا في مَتاعِ البَيتِ أو في بَعضِه فقالَ كلُّ واحِدٍ منهما: «جَميعُه لي»، أو قالَ كلُّ واحِدٍ منهما: «هذه العَينُ لي»، وكان معَ أحَدِهما بيِّنةٌ ثبَتَ له. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الزَّوجانِ إذا اختَلَفا في مَتاعِ البَيتِ أو في بَعضِه فقالَ كلُّ واحِدٍ منهما: «جَميعُه لي»، أو قالَ كلُّ واحِدٍ منهما: «هذه العَينُ لي»، وكانَت لأحَدِهما بيِّنةٌ ثبَتَ له بلا خِلافٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ مَنْ أقامَ بيِّنةً -أي من الزَّوجَينِ في مَتاعِ البَيتِ- في شَيءٍ أنَّه يُقضَى له به إذا حلَفَ أيضًا معَ بيِّنتِه (٢). الحالةُ الثانيةُ: ألَّا تَكونَ معَ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اختَلفَ الزَّوجانِ في مَتاعِ البَيتِ الذي يَسكُنانِ فيه فادَّعى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه له، ولا بيِّنةَ لأحَدِهما هل يَكونُ الحُكمُ فيه أنَّ ما يَصلُحُ للرَّجلِ يَكونُ للرَّجلِ وما يَصلُحُ للمَرأةِ يَكونُ للمَرأةِ وما يَصلُحُ لهما يَكونُ بينَهما أو يَحلِفانِ ويُقسَّمُ بينَهما سَواءٌ كانَ المَتاعُ يَصلُحُ للرِّجالِ دونَ النِّساءِ أو كانَ يَصلُحُ للنِّساءِ دونَ الرِّجالِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفَا في مَتاعِ البَيتِ فما يَصلُحُ للرِّجالِ فهو للرَّجلِ كالعِمامةِ والخُفِّ والكُتُبِ والقَوسِ والفَرَسِ والسِّلاحِ،

стр. 14076

وما يَصلُح للنِّساءِ فهو للمَرأةِ كالوِقايةِ والخَلخالِ والدُّملُجِ والخَرَزِ وثِيابِ الحَريرِ، وما يَصلُحُ لهما فهو للرَّجلِ كالسَّريرِ والحَصيرِ والآنيةِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الرَّجلَ يَتوَلَّى آلةَ البَيتِ ويَشتَريها، فكانَ أظهَرَ يَدًا منها، ولا فَرقَ بينَ ما إذا كانَ الاختِلافُ في حالِ قيامِ النِّكاحِ أو بعدَ الفُرقةِ. فإنْ ماتَ أحَدُهما واختَلفَ وَرثتُه معَ الآخَرِ فما يَصلُحُ للرِّجالِ والنِّساءِ فهو للباقِي منهما؛ لأنَّ اليَدَ للحَيِّ دونَ المَيتِ، وهذا قَولُ أَبي حَنيفةَ. وقالَ أَبو يُوسفَ: يُدفَعُ للمَرأةِ ما يُجهَّزُ به مِثلُها، والباقي للرَّجلِ معَ يَمينِه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ المَرأةَ تَأتي بالجَهازِ من بَيتِ أهلِها ثم فيما عَداه لا مُعارِضَ له لظاهِرِ يَدِه عليه، والطَّلاقُ والمَوتُ سَواءٌ. وقالَ مُحمدٌ: ما كانَ للرِّجالِ فهو للرَّجلِ، وما كانَ للنِّساءِ فهو للمَرأةِ، وما كانَ يَصلُحُ لهما فهو للرَّجلِ أو لوَرثتِه، والطَّلاقُ والمَوتُ سَواءٌ؛ لقيامِ الوارِثِ مَقامَ المُورِّثِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفَا في مَتاعِ البَيتِ الكائِنِ فيه سَواءٌ كانَ ذلك الاختِلافُ قبلَ البِناءِ أو بعدَه، كانَ قبلَ الطَّلاقِ أو بعدَه، كانا مُسلِمَينِ أو كافِرَينِ، حُرَّينِ أو عَبدَينِ، أو مُختلِفَينِ في العِصمةِ، أو بعدَ الفُرقةِ بلِعانٍ أو طَلاقٍ أو إِيلاءٍ أو فَسخٍ، ولا بيِّنةَ لواحِدٍ من الزَّوجَينِ؛ فإنَّه يُرجَعُ في ذلك لما هو العُرفُ، فما كانَ يَصلُحُ للنِّساءِ كالحُليِّ فالقَولُ قَولُها بيَمينٍ

стр. 14077

إذا لم تَكنْ فَقيرةً، وإلا لا يُقبَلْ قَولُها إلا بمِقدارِ صَداقِها، وما كانَ يَصلُحُ للرِّجالِ والنِّساءِ معًا أو للرِّجالِ فقط فالقَولُ للرَّجلِ بيَمينٍ؛ لأنَّ البَيتَ بَيتُه، وهي تابِعةٌ له فيه، والظاهِرُ فيما يَكونُ في بَيتِ الإِنسانِ أنَّه له إلا ما شهِدَ العُرفُ بأنَّ الأغلَبَ كَونُه للمَرأةِ ويَنبَغي أيضًا أنَّ الرَّجلَ لا يُقبلُ منه فيما لا يُشبِهُ أنَّه يَملِكُه لفَقرِه ممَّا هو للرَّجلِ عندَ التَّنازُعِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الزَّوجَينِ إذا اختَلفَا في مَتاعِ البَيتِ الذي يَسكُنانِ فيه، فادَّعى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه له، ولا بيِّنةَ لأحَدِهما فإنَّهما يَحلِفانِ فيَحلِفُ كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه على دَعواه، فإنْ حلَفا جَميعًا يُقسَّمُ بينَهما، سَواءٌ كانَ المَتاعُ يَصلُحُ للرِّجالِ دونَ النِّساءِ، كالسِّلاحِ، أو كانَ يَصلُحُ للنِّساءِ دونَ الرِّجالِ، كالحُليِّ، أو كانَ يَصلُحُ لهما، كالدَّنانيرِ والدَّراهمِ، وسَواءٌ كانَ في يَدَيهما من طَريقِ المُشاهَدةِ، أو في يَدَيهما من طَريقِ الحُكمِ، ويَدُ المُشاهَدةِ أنْ يَكونَ مَقبوضًا في يدَيهما، ويَدُ الحُكمِ أنْ يَكونَ في مِلكِهما. ولا يَختَصُّ الرِّجالُ بآلةِ الرِّجالِ. وسَواءٌ اختَلفَا في حالِ الزَّوجيةِ أو بعدَ البَينونةِ. وكذلك: إذا ماتا واختَلفَ وَرَثتُهما، أو مات أحَدُهما واختَلفَ الثانِي ووَرَثةُ المَيتِ. وبه قالَ ابنُ مَسعودٍ وعُثمانُ البَتِّيُّ. لأنَّهما تَساوَيا في ثُبوتِ اليَدِ على الشَّيءِ المُتنازَعِ فيه، فكان القَولُ قَولَهما فيه، كما لو تَنازَعا في الدارِ التي يَسكُنانها.

стр. 14078

ولأنَّ الرَّجلَ قد يَملِكُ مَتاعَ المَرأةِ وتَملِكُ المَرأةُ مَتاعَ الرَّجلِ؛ إذْ لو استُعمِلَت الظُّنونُ لحُكمِ في دَبَّاغٍ وعَطارٍ تَداعَيا عِطرًا ودِباغًا في يَدَيهما أنْ يَكونَ لكلٍّ ما يَصلُحُ له، وفيما لو تَنازَعَ مُوسِرٌ ومُعسِرٌ في لُؤلؤٍ أن يُجعَلَ للمُوسِرِ، ولا يَجوزُ الحُكمُ بالظُّنونِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إذا تَنازَعَ الزَّوجانِ في مَتاعِ البَيتِ حالَ الزَّوجيةِ أو بعدَ الفُرقةِ أو تَنازعَ وَرثَتُهما بعدَ مَوتِهما أو أحَدُهما ووَرثةُ الآخَرِ، ولا بيِّنةَ لهما، حُكمَ بما يَصلُحُ للرِّجالِ من ثِيابِهم وعَمائِمِهم وسِلاحِهم ونَحوِ ذلك للرَّجلِ وما يَصلُحُ للنِّساءِ من ثِيابِهنَّ ومَقانِعِهنَّ وحُليِّهنَّ ومَغازِلِهنَّ ونَحوِ ذلك للمَرأةِ، وما يَصلُحُ لهما من الفَرشِ والحُصرِ والآنيةِ ونَحوُ ذلك فهو بَينَهما؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ مَنْ يَصلُحُ له شَيءٌ فهو له، فرُجِّحَ قَولُه فيه كصاحِبِ اليَدِ، قالَ القاضِي: هذا إذا كانَت أيديهما عليه من طَريقِ الحُكمِ بأنْ يَكونَ في مَنزلِهما؛ فإنْ كانَ في يَدِ أحَدِهما المُشاهَدةِ فهو له، وإنْ كانَ في أيدِيهما فهو بَينَهما؛ لأنَّ اليَدَ المُشاهَدةَ أَقوى، فرُجِّحَ بها (٢). تَرجيحُ إِحدى البَيِّنتَينِ على الأُخرَى: اختَلفَ الفُقهاءُ في تَرجيحِ إِحدى البَيِّنتَينِ على الأُخرى، هل تَرجُحُ بكَثرةِ العَددِ أو لا؟ وهل تَرجُحُ بيِّنةُ مَنْ أَتى بشاهِدَينِ على مَنْ أَتى بشاهِدٍ

стр. 14079

ويَمينٍ؟ وهل تَرجُحُ بيِّنةُ أحَدِهما بزِيادةِ العَدالةِ أو لا تَرجُحُ؟ وبَيانُ ذلك في ثَلاثِ مَسائِلَ: المَسألةُ الأُولى: تَرجيحُ إِحدى البَيِّنتَينِ بزِيادةِ العَددِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اختَلفَ اثنانِ في شَيءٍ وأتى كلُّ واحِدٍ منهما ببَيِّنةٍ إلا أنَّ بيِّنةَ أحَدِهما أكثَرُ من الآخَرِ، كأنْ أَتى أحَدُهما بشاهِدَينِ والآخَرُ بأربَعةٍ أو أكثَرَ هل تَرجُحُ بيِّنةُ مَنْ أَتى بأكثَرَ أو تَتساوَيانِ ولا عِبرةَ بكَثرةِ الشُّهودِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا كانَت بيِّنةُ أحَدِهما شاهِدَينِ وبَيِّنةُ الآخَرِ أربَعةً أو أكثَرَ؛ فإنَّهما مُتعارِضتانِ ولا تَرجُحُ بكَثرةِ العَددِ؛ لأنَّ عَددَ الشُّهودِ أمرٌ مُقدَّرٌ في الشَّرعِ، وما قُدِّرَ في الشَّرعِ لا يَدخلُ الاجتِهادُ فيه كالدِّيةِ لمَّا قُدِّرَت في الشَّرعِ لم يَجُزْ أنْ يَدخُلَ فيها الاجتِهادُ، باختِلافِ المَقتولِ في الطُّولِ والعَرضِ والقِصرِ. وذهَبَ عبدُ المَلكِ بنُ الماجِشونِ ومُطرِّفٌ من المالِكيةِ -وهو رِوايةٌ عن مالِكٍ- والشافِعيةُ في قَولٍ حُكيَ عن الشافِعيِّ في القَديمِ، وهو قَولٌ مُخرَّجٌ عندَ الحَنابِلةِ إلى أنَّه تَرجُحُ البَيِّنةُ بكَثرةِ عَددِ الشُّهودِ؛ لأنَّ أحَدَ الخَبَرينِ يَرجُحُ بذلك، فكذلك الشَّهادةُ؛ لأنَّها خبَرٌ، ولأنَّ الشَّهادةَ إنَّما اعتُبِرَت لغَلبةِ الظَّنِّ بالمَشهودِ به، وإذا كثُرَ العَددُ أو قوِيَت العَدالةُ كانَ الظَّنُّ به أَقوى (١).

стр. 14080

المَسألةُ الثانيةُ: تَرجيحُ بيِّنةِ مَنْ أَتى بشاهِدَينِ أو رَجلٍ وامرأتَينِ على مَنْ أَتى بشاهِدٍ ويَمينٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أقامَ أحَدُ الخَصمَينِ شاِهدَينِ وأَتى الآخَرُ بشاهِدٍ وأرادَ أنْ يَحلِفَ معه، أو بشاهِدٍ وامرأتَينِ هل تُقدَّمُ بيِّنةُ مَنْ معَه شاهِدانِ على بيِّنةِ مَنْ معَه شاهِدٌ ويَمينٌ أو شاهِدٌ وامرَأتانِ أو لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في وَجهٍ رجَّحَه ابنُ قُدامةَ إلى أنَّ بيِّنةَ مَنْ أَتى بشاهِدَينِ تُقدَّمُ على بيِّنةِ مَنْ أقامَ شاهِدًا وأرادَ أنْ يَحلِفَ معه، أو شاهدًا وامرأتَينِ ويُقضَى له؛ لأنَّها بيِّنةٌ مُجمَعٌ عليها، والشاهِدانِ واليَمينُ مُختَلفٌ فيها، ولأنَّ اليَمينَ قَولُه لنَفسِه، والبَيِّنةُ الكامِلةُ شَهادةُ الأجنَبيَّينِ فيَجبُ تَقديمُها كتَقديمِها على يَمينِ المُنكِرِ. وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تَرجُحُ بيِّنةُ مَنْ معَه شاهِدانِ على مَنْ معَه شاهِدٌ ويَمينٌ أو شاهِدٌ وامرَأتانِ؛ لأنَّهما مُتساوِيانِ في إِثباتِ المالِ (١).

стр. 14081

المَسالةُ الثالِثةُ: تَرجيحُ إِحدى البيِّنتَينِ بزِيادةِ العَدالةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بيِّنةً عادِلةً إلا أنَّ بيِّنةَ أحَدِهما أعلَمُ وأعَفُّ وأشهَرُ في العَدالةِ، هل تُقدَّمُ على بيِّنةِ الآخَرِ أو لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيُّ في قَولٍ إلى أنَّه إذا أقامَ بيِّنةً أنَّه مِلكُه وأقامَ الآخَرُ بيِّنةً أنَّه مِلكُه، وزادَت إِحداهما في العَدالةِ على الأُخرى؛ فإنَّها تُقدَّمُ على غَيرِها. والفَرقُ بينَ زِيادةِ العَدالةِ فتُرجَّحُ، وبينَ زِيادةِ العَددِ فلا تُرجَّحُ أنَّ المَقصودَ من القَضاءِ قَطعُ النِّزاعِ، ومَزيدُ العَدالةِ أَقوى في التَّعذُّرِ من زِيادةِ العَددِ؛ إذْ كلُّ واحِدٍ من الخَصمَينِ يُمكِنُه زِيادةُ العَددِ في الشُّهودِ بخِلافِ العَدالةِ. وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ -وهو مَذهبُ «المُدوَّنة» - والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ البَيِّنةَ التي فيها زِيادةُ العَدالةِ لا تُقدَّمُ ولا تُرجَّحُ على بيِّنةِ الآخَرِ فيما تَعارَضَتا فيه؛ لأنَّهما مُتساوِيتانِ في العَدالةِ المُعتبَرةِ فكانَتا مُتعارِضتَينِ كما لو استَوَيا في العَدالةِ. إلا أنَّ الحَنفيةَ قالوا: الشَّهادةُ العادِلةُ تَترجَّحُ على المَستورةِ بالعَدالةِ؛ لأنَّها صِفةُ الشَّهادةِ (١). إذا تَداعَيا جِدارًا بَينَ دارَيهما: إذا تَنازَعَ رَجلانِ في جِدارٍ بينَ دارَيهما؛ فإنْ كانَ لأحَدِهما بيِّنةٌ دونَ الآخَرِ قُضيَ لصاحِبِ البَيِّنةِ، وإنْ لم يَكنْ لأحَدِهما بيِّنةٌ اختَلفَ الفُقهاءُ فيه.

стр. 14082

فقالَ المالِكيةُ: إذا كانَ جِدارٌ بينَ دارَينِ لرَجلَينِ وتَنازَعا في مِلكِه يُحكَمُ به لمَن يَشهَدُ العُرفُ بأنَّه له، بأنْ كانَ له تأثيرٌ يَشهَدُ العُرفُ بأنَّه يَفعَلُه المالِكُ حُكمَ له به، وذلك كتَعاقُدِ القُمُطِ والرُّبُطِ ووُجوهِ الآجُرِّ وغَيرِ ذلك، فالقُمُطُ هي ما تُشَدُّ بها الحِيطانُ من الجِصِّ وشِبهِه، والعُقودُ هي الخُشُبُ التي تُجعَلُ في أركانِ الحِيطانِ لتَشُدَّها؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ورُويَ عن جاريةَ بنِ ظُفرٍ أنَّ أخَوَينِ كانَ بينَهما حِظارٌ وَسطَ دارٍ فماتا وتَرَك كلُّ واحِدٍ منهما عَقِبًا فادَّعى عَقِبُ كلِّ واحِدٍ منهما أنَّ الحِظارَ له دونَ صاحِبِه فاختَصَما إلى النَّبيِّ ﷺ فأرسَلَ معهما حُذيفةَ بنِ اليَمانِ فقَضى بالحِظارِ لمَن وَجَدَ مَعاقِدَ القُمُطِ تَليه ثم رجَعَ إلى النَّبيِّ ﷺ فأخبَرَه بذلك فقالَ: «أصَبتَ» أو «أحسَنتَ» (١). ولأنَّ العُرفَ والعادةَ أَصلانِ يُرجَعُ إليها في التَّنازُعِ إذا لم يَكنْ أصلٌ يُرجَعُ إليه سِواهما، كالنَّقدِ والسَّيرِ والحَمولةِ، فكذلك في مَسألَتِنا إذا كانَ العُرفُ جاريًا بأنَّ هذه الأَشياءَ يَفعَلُها المالِكُ في مِلكِه حُكمَ به لمَن يَشهَدُ له العُرفُ؛ فإنْ لم يَشهَدِ العُرفُ لأحَدِهما حُكِمَ بأَحكامِ التَّداعي (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّه لا تُرجَّحُ الدَّعوى لمَن يَكونُ الدَّواخِلُ له.

стр. 14083

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تُرجَّحُ الدَّعوَى بكَونِ الدَّواخِلِ إلى أحَدِهما والخَوارِجِ ووُجوهِ الآجُرِّ والحِجارةِ، ولا بكَونِ الآجُرَّةِ الصَّحيحةِ ممَّا يَلي مِلكَ أحَدِهما، وأَقطاعِ الآجُرِّ إلى مِلكِ الآخَرِ، ولا بمَعاقِدِ القُمُطِ في الخُصِّ، يَعني عَقدَ الخُيوطِ التي يُشَدُّ بها الخُصُّ، وبهذا قالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ. وقالَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ: يُحكَمُ به لمَن إليه وَجهُ الحائِطِ ومَعاقِدُ القُمُطِ لمَا رَوى نَمرُ بنُ حارِثةَ التَّميميُّ عن أَبيه «أنَّ قَومًا اختَصَموا إلى النَّبيِّ ﷺ في خُصٍّ فبعَثَ حُذيفةَ بنَ اليَمانِ ليَحكُمَ بينَهم، فحكَمَ به لمَن يَليه مَعاقِدُ القُمُطِ، ثم رجَعَ إلى النَّبيِّ ﷺ فأخبَرَه فقالَ: «أصَبتَ وأحسَنتَ» (١) رَواه ابنُ ماجَه، ورُويَ نَحوُه عن علِيٍّ ولأنَّ العُرفَ جارٍ بأنَّ مَنْ بَنى حائِطًا جُعِلَ وَجهُ الحائِطِ إليه. ولنا: عُمومُ قَولِه ﵇: «البَيِّنةُ على المُدَّعي واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ»، ولأنَّ وَجهَ الحائِطِ ومَعاقِدَ القُمُطِ إذا كانا شَريكَينِ فيه لا بدَّ من أنْ يَكونَ إلى أحَدِهما؛ إذْ لا يُمكِنُ كَونُه إليهما جَميعًا فبطَلَت دِلالَتُه كالتَّزويقِ، ولأنَّه يُرادُ للزِّينةِ فأشبَهَ التَّزويقَ، وحَديثُهم لا يُثبِتُه أهلُ النَّقلِ، وإِسنادُه مَجهولٌ، قالَه ابنُ المُنذِرِ، قالَ الشالَنجيُّ: ذكَرتُ هذا الحَديثَ لأحمدَ فلم يُقنِعْه، وذكَرتُه لإِسحاقَ بنِ راهَويهِ فقالَ: ليسَ هذا حَديثًا، ولم يُصحِّحْه، وحَديثُ علِيٍّ فيه مَقالٌ، وما ذكَروه من العُرفِ ليسَ بصَحيحٍ؛ فإنَّ العادةَ

стр. 14084

جَعلُ وَجهِ الحائِطِ إلى خارِجٍ ليَراه الناسُ كما يَلبَسُ الرَّجلُ أحسَنَ أثوابِه ويَجعَلُ أعلَاها الظاهِرَ للناسِ ليَرَوْه فيَتزيَّنُ به فلا دَليلَ فيه. فَصلٌ: ولا تُرجَّحُ الدَّعوى بالتَّزويقِ والتَّحسينِ ولا بكَونِ أحَدِهما له على الآجُرِّ سُترةٌ غيرُ مَبنيةٍ عليه؛ لأنَّه ممَّا يُتسامَحُ به، ويُمكِنُ إِحداثُه (١). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا فيما إذا تَنازَعَ نَفسانِ في جِدارٍ بَينَ دارٍ لهما هل يُحكَمُ به منها لمَن إليه الدَّواخِلُ والخَوارِجُ، وهو صِحاحُ الآجُرِّ ومَعاقِدُ القُمُطِ أو لا؟ فقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَحمدُ: لا يُحكَمُ بذلك، ويَكونُ بينَهما. وقالَ مالِكٌ: إذا كانَ لأحَدِهما تأثيرٌ يَشهَدُ العُرفُ بأنَّه فَعَله المالِكُ حُكمَ له به معَ يَمينِه، وذلك كمَعاقِدِ القُمُطِ والرُّبُطِ ووُجوهِ الآجُرِّ (٢). إذا تَنازَعَ اثنانِ في جِدارٍ بينَهما لأحَدِهما عليه خَشَبٌ والآخَرُ لا شَيءَ له: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَنازَعَ نَفسانِ في جِدارٍ بينَ دارٍ لهما، وكانَ لأحَدِهما عليه خَشبٌ أو جُذوعٌ دونَ الآخَرِ لمَن يُحكَمُ؟ قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا فيما إذا تَنازَعَ رَجلانِ جِدارًا بينَ دارَينِ لأحَدِهما عليه جُذوعٌ هل يُحكَمُ به لمَن له عليه الجُذوعُ أو يَكونُ بينَهما.

стр. 14085

فقالَ أَبو حَنيفةَ: إنْ كانَ عليه ثَلاثةُ جُذوعٍ فصاعِدًا، أو جِذعانِ رُجِّحَت دَعواه بذلك وقُضيَ له به، وإنْ كانَ له عليه جِذعٌ واحِدٌ لم يُرجَّحْ، وهو بينَهما. وقالَ مالِكٌ: يُرجَّحُ دَعوى صاحِبِ الخَشبِ ويُقضَى له به سَواءٌ كانَ قَليلًا أو كَثيرًا، ولو كانَ له جِذعٌ واحِدٌ رُجِّحَت دَعواه. وقالَ الشافِعيُّ وأَحمدُ: لا تَأثيرَ لصاحِبِ الخُشبِ ولا تُرجَّحُ دَعواه على الإِطلاقِ، ويَكونُ الحائِطُ بينَهما مُناصَفةً (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا تَداعَى نَفسانِ جِدارًا مَعقودًا ببِناءِ كلِّ واحِدٍ منهما، تَحالَفا، وكان بَينَهما، وكذلك إنْ كانَ مَحلولًا من بِنائِهما، وإنْ كانَ مَعقودًا ببِناءِ أحَدِهما كانَ له معَ يَمينِه. وجُملةُ ذلك أنَّ الرَّجلَينِ إذا تَداعَيا حائِطًا بينَ مِلكَيهما وتَساوَيا في كَونِه مَعقودًا ببِنائِهما معًا وهو أنْ يَكونَ مُتَّصِلًا بهما اتِّصالًا لا يُمكِنُ إِحداثُه بعدَ بِناءِ الحائِطِ مِثلَ اتِّصالِ البِناءِ بالطِّينِ كهذه الحَظائِرِ التي لا يُمكِنُ إِحداثُ اتِّصالِ بَعضِها ببَعضٍ أو تَساوَيا في كَونِه مَحلولًا من بِنائِهما أو غيرَ مُتَّصِلٍ ببِنائِهما الاتِّصالَ المَذكورَ، بل بينَهما شَقٌّ مُستَطيلٌ، كما يَكونُ بينَ الحائِطَينِ اللذَينِ أُلصِقَ أحَدُهما بالآخَرِ فهما سَواءٌ في الدَّعوى. فإنْ لم يَكنْ لواحِدٍ منهما بيِّنةٌ تَحالَفا فيَحلِفُ كلُّ واحِدٍ منهما على نِصفِ الحائِطِ أنَّه له، ويُجعَلُ بينَهما نِصفَينِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَدُه على نِصفِ الحائِطِ لكَونِ الحائِطِ في أيدِيهما.

стр. 14086

وإنْ حلَفَ كلُّ واحِدٍ منهما على جَميعِ الحائِطِ أنَّه له، وما هو لصاحِبِه جازَ، وهو بينَهما، وبهذا قالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ وابنُ المُنذِرِ، ولا أعلَمُ فيه مُخالِفًا، وذلك لأنَّ المُختلِفَينِ في العَينِ إذا لم يَكنْ لواحِدٍ منهما بيِّنةٌ فالقَولُ قَولُ مَنْ هي في يَدِه معَ يَمينِه. فإذا كانَت في أيدِيهما كانَت يدُ كُلِّ واحِدٍ منهما على نِصفِها، فيَكونُ القَولُ قَولَه في نِصفِه معَ يَمينِه، وإنْ كانَ لأحَدِهما بيِّنةٌ حُكِمَ له بها، وإنْ كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ تَعارَضَتا وصارا كمَن لا بيِّنةَ لهما؛ فإنْ لم يَكنْ لهما بيِّنةٌ ونَكَلا عن اليَمينِ كانَ الحائِطُ في أيدِيهما على ما كانَ، وإنْ حلَفَ أحَدُهما ونكَلَ الآخَرُ قُضيَ على الناكِلِ فكانَ الكلُّ للآخَرِ. وإنْ كانَ الحائِطُ مُتَّصِلًا ببِناءِ أحَدِهما دونَ الآخَرِ فهو له معَ يَمينِه، وبهذا قالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ. وقالَ أَبو ثَورٍ: لا يَرجِعُ بالعَقدِ ولا يُنظَرُ إليه. ولنا أنَّ الظاهِرَ أنَّ هذا البِناءَ بُنيَ كلُّه بِناءً واحِدًا فإذا كانَ بَعضُه لرَجلٍ كانَ بَقيَّتُه له، والبِناءُ الآخَرُ المَحلولُ الظاهِرُ أنَّه بُنيَ وَحدَه؛ فإنَّه لو بُنيَ معَ هذا كانَ مُتَّصلًا به، فالظاهِرُ أنَّه لغَيرِ صاحِبِ هذا الحائِطِ المُختلَفِ فيه، فوجَبَ أنْ يُرجَّحَ بهذا كاليَدِ والأزَجِ. فإنْ قيلَ: فلِمَ لم تَجعَلوه له بغَيرِ يَمينٍ لذلك؟ قُلنا: لأنَّ ذلك ظاهِرٌ وليسَ بيَقينٍ إذْ يَحتمِلُ أنْ يَكونَ أحَدُهما بَنى الحائِطَ لصاحِبِه تبَرُّعًا معَ حائِطِه أو كانَ له، فوَهَبه إِياه أو بَناه بأُجرةٍ،

стр. 14087

فشُرعَت اليَمينُ من أجْلِ الاحتِمالِ كما شُرعَت في حَقِّ صاحِبِ اليَدِ وسائِرِ مَنْ وجَبَت عليه اليَمينُ. فأمَّا إنْ كانَ مَعقودًا ببِناءِ أحَدِهما عَقدًا يُمكِنُ إِحداثُه، مِثلَ البِناءِ باللَّبِنِ والآجُرِّ؛ فإنَّه يُمكِنُ أنْ يُنزَعَ من الحائِطِ المَبنيِّ نِصفُ لَبِنةٍ أو آجُرَّةٍ أو يُجعَلَ مَكانَها لَبِنةٌ صَحيحةٌ أو آجُرَّةٌ صَحيحةٌ تُعقدُ بينَ الحائِطَينِ، فقالَ القاضِي: لا يُرجَّحُ بهذا الاحتِمالِ أنْ يَكونَ صاحِبُ الحائِطِ فعَلَ هذا ليَتملَّكَ الحائِطَ المُشتَركَ. وظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنَّه يُرجَّحُ بهذا الاتِّصالِ كما يُرجَّحُ بالاتِّصالِ الذي لا يُمكِنُ إِحداثُه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ صاحِبَ الحائِطِ لا يَدعُ غَيرَه يَتصرَّفُ فيه بنَزعِ آجُرِّه وتَغييرِ بِنائِه وفِعلِ ما يَدلُّ على مِلكِه، فوجَبَ أنْ يُرجَّحَ بهذا كما يُرجَّحُ باليَدِ؛ فإنَّه يُمكِنُ أنْ تَكونَ يَدًا عاديةً حدَثَت بالغَصبِ أو بالسَّرِقةِ أو العاريةِ، أو الإِجارةِ، فلم يَمنَعْ ذلك التَّرجيحَ بها. فَصلٌ: فإنْ كانَ لأحَدِهما عليه بِناءٌ كحائِطٍ مَبنيٍّ عليه أو عَقدٍ مُعتمَدٍ عليه أو قُبةٍ ونَحوِها فهو له، وبهذا قالَ الشافِعيُّ؛ لأنَّ وَضعَ بِنائِه بمَنزِلةِ اليَدِ الثابِتةِ عليه؛ لكَونِه مُنتفَعًا به فجَرى مَجرى كَونِ حَملِه على البَهيمةِ وزَرعِه في الأرضِ، ولأنَّ الظاهِرَ أنَّ الإِنسانَ لا يَتركُ غَيرَه يَبني على حائِطِه. وكذلك إنْ كانَت له عليه سُترةٌ ولو كانَ في أصلِ الحائِطِ خَشبةٌ طَرفُها تحتَ حائِطٍ يَنفَرِدُ به أحَدُهما أو له عليها أزَجٌ مَعقودٌ فالحائِطُ المُختلَفُ فيه له؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الخَشبةَ لمَن يَنفرِدُ بوَضعِ بِنائِه عليها فيَكونُ الظاهِرُ أنَّ ما عليها من البِناءِ له.

стр. 14088

فَصلٌ: فإنْ كانَ لأحَدِهما خَشبٌ مَوضوعٌ فقالَ أَصحابُنا: لا تَترجَّحُ دَعواه بذلك، وهو قَولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ هذا ممَّا يَسمَحُ به الجارُ، وقد ورَدَ الخَبَرُ بالنَّهيِ عن المَنعِ منه، وعندَنا أنَّه حَقٌّ يَجبُ التَّمكينُ منه، فلم تَرجُحْ به الدَّعوى، كإِسنادِ مَتاعِه إليه وتَجصيصِه وتَزويقِه ويَحتمِلُ أنْ تَرجُحَ به الدَّعوى وهو قَولُ مالِكٍ؛ لأنَّه مُنتفِعٌ به بوَضعِ مالِه عليه، فأشبَهَ البانِيَ عليه، والزارِعَ في الأرضِ، وورُودُ الشَّرعِ بالنَّهيِ عن المَنعِ منه لا يَمنَعُ كَونَه دَليلًا على الاستِحقاقِ بدَليلِ أنَّ استِدلالَنا بوَضعِه على كَونِ الوَضعِ مُستحَقًّا على الدَّوامِ حتى متى زالَ جازَت إِعادتُه، ولأنَّ كَونَه مُستحَقًّا تُشتَرطُ له الحاجةُ إلى وَضعِه ففيما لا حاجةَ إليه له مَنعُه من وَضعِه. وأمَّا السَّماحُ به فإنَّ أكثَرَ الناسِ لا يَتسامَحونَ به، ولهذا لمَّا رَوى أَبو هُرَيرةَ الحَديثَ عن النَّبيِّ ﷺ طأطَؤوا رُؤوسَهم كَراهةً لذلك، فقالَ: «ما لي أرَاكم عنها مُعرِضينَ، واللهِ لَأرميَنَّ بها بينَ أَكتافِكم». وأكثَرُ الفُقهاءِ لا يُوجِبونَ التَّمكينَ من هذا، ويَحمِلونَ الحَديثَ على كَراهةِ المَنعِ لا على تَحريمِه، ولأنَّ الحائِطَ يُبنَى لذلك فيُرجَّحُ به كالأزَجِ. وقالَ أَصحابُ أَبي حَنيفةَ: لا تُرجَّحُ الدَّعوى بالجِذعِ الواحِدِ؛ لأنَّ الحائِطَ لا يُبنَى له، ويُرجَّحُ بالجِذعَينِ؛ لأنَّ الحائِطَ يُبنَى بهما. ولنا: أنَّه مَوضوعٌ على الحائِطِ فاستَوى في تَرجيحِ الدَّعوَى به قَليلُه وكَثيرُه كالبِناءِ (١).

стр. 14089

وقالَ الإمامُ القاضِي عبدُ الوَهَّابِ المالِكيُّ ﵀: إذا تَنازَعا جِدارًا لأحَدِهما عليه خَشبٌ والآخَرُ لا شَيءَ له عليه يَجري مَجراه، حُكِمَ به لصاحِبِ الخَشَبِ قَليلًا كانَ أو كَثيرًا. وقالَ أَبو حَنيفةَ: إذا كانَ الخَشبُ عِدةَ جُذوعٍ حُكمَ له به، وإنْ كانَ الجِذعَ والاثنَينِ فلا. وقالَ الشافِعيُّ: لا يُحكَمُ به لصاحِبِ الخَشبِ. فدَليلُنا على الشافِعيِّ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، والعُرفُ جارٍ على أنَّ الإِنسانَ إذا كانَ له على حائِطٍ خَشبٌ وجُذوعٌ؛ فإنَّه وضَعَه على سَطحِه؛ لأنَّ غالِبَ تَصرُّفِ الناسِ أنْ يَكونَ في أملاكِهم؛ ولأنَّ وَضعَ الجُذوعِ على الحائِطِ يَدٌ، وتَصرُّفٌ، فوجَبَ أنْ يُقدَّمَ به دَعوى مُدَّعي الحائِطِ كما لو تَنازَعا دارًا في يَدِ أحَدِهما؛ ولأنَّهما لو تَنازَعا عَرصةً لأحَدِهما فيها حائِطٌ لَحُكمَ بها لصاحِبِ الحائِطِ ولا فَرقَ بينَ ذلك وبينَ الجُذوعِ (١). وقالَ الإمامُ العِمرانِيُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: (إذا تَداعى رَجلانِ جِدارًا بينَ دارَيهما؛ فإنْ كانَ مُتَّصِلًا ببِناءِ أحَدِهما اتِّصالَ البُنيانِ الذي لا يَحدُثُ إلا مِنْ أوَّلِ البِناءِ جعَلتُه له دونَ المُنقطِعِ منه). وجُملةُ ذلك أنَّ الرَّجلَينِ إذا تَنازَعا في جِدارٍ بينَ مِلكَيْهما، وادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه مِلكُه؛ فإنْ كانَ لأحَدِهما بيِّنةٌ دونَ الآخَرِ قُضيَ لصاحِبِ البَيِّنةِ. وإنْ لم يَكنْ لأحَدِهما بيِّنةٌ نُظرَت: فإنْ كانَ لأحَدِهما عليه بِناءٌ لا

стр. 14090

يُمكِنُ إِحداثُه بعدَ كَمالِ البِناءِ؛ بأنْ كانَ له عليه أو فيه أزَجٌ مَعقودٌ، فالقَولُ قَولُ صاحِبِ الأزَجِ معَ يَمينِه. قالَ الشَّيخُ أَبو حامِدٍ: لأنَّ جِدارَ الأزَجِ يَبتَدِئُ أولًا بالاعوِجاجِ أو بالاستِواءِ ثم يَعوَجُّ عن قَليلٍ، وإنَّما حَلَّفناه لجَوازِ أنْ يَكونا قد اشتَرَكا في بِناءِ الأَساسِ، ثم عقَدَ أحَدُهما الأزَجَ عليه بإذنِ صاحِبِه. قالَ ابنُ الصَّباغِ: فإنْ كانَ مَبنيًّا على تَربيعِ بِناءِ أحَدِهما مُتَّصِلًا به مُساوِيًا له في السُّمكِ دونَ الآخَرِ فالقَولُ قَولُه معَ يَمينِه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه له. قالَ أَبو إِسحاقَ المَروزيُّ: وإنْ كانَ الجِدارُ خَمسةَ عَشَرَ ذِراعًا، وعَشرةٌ منه بينَ دارَيهما، ولأحَدِهما خَمسةُ أذرُعٍ مُتَّصِلةٍ بالعَشرةِ، ثم تَنازَعا في العَشرةِ فالقَولُ قَولُ صاحِبِ الخَمسةِ معَ يَمينِه في العَشرةِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ إِحداثُ ما يَنفرِدُ به دونَ الذي تَنازَعا فيه، فعُلمَ أنَّ الجَميعَ له، كما لو كانَ لأحَدِهما عليه أزَجٌ. وقالَ الشَّيخُ أَبو حامِدٍ: وهذا غَلَطٌ لا يَجيءُ على المَذهبِ؛ لأنَّ انفِرادَه ببَعضِ الحائِطِ لا يَدلُّ على أنَّ جَميعَ الحائِطِ له؛ لأنَّه يَجوزُ أنْ يَكونا قد اشتَرَكا في البِناءِ الذي بينَهما وانفَرَد صاحِبُ الزِّيادةِ ببِنائِها، ويُخالِفُ إذا كانَ لأحَدِهما عليه أزَجٌ؛ لأنَّ الأزَجَ مَوضوعٌ على الجِدارِ، فالظاهِرُ أنَّه وضَعَها في مِلكِه. فإنْ كانَ الحائِطُ على خَشبةٍ طَويلةٍ، فأقَرَّ أحَدُهما لصاحِبِه بالخَشبةِ الطَّويلةِ وتَنازَعا في الحائِطِ، أو تَنازَعا في الخَشبةِ والحائِطِ، وقامَت لأحَدِهما بيِّنةٌ بالخَشبةِ، أو كانَ بعضُ الخَشبةِ في مِلكِ أحَدِهما فالقَولُ قَولُ صاحِبِ الخَشبةِ -أو مَنْ بَعضُها في مِلكِه- معَ يَمينِه في الحائِطِ؛ لأنَّها لا

стр. 14091

تَتبعَّضُ، فإذا حُكمَ له ببَعضِها حُكمَ له بجَميعِها، وحُكمَ له بالحائِطِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه وضَعَ مِلكَه على مِلكِه. وإنْ كانَ الجِدارُ غيرَ مُتَّصلٍ ببِناءِ أحَدِهما، وإنَّما هو حاجِزٌ زُجَّ بينَ مِلكَيهما، ويَداهما عليه، أو لا يدَ لأحَدِهما عليه ولا بيِّنةَ لأحَدِهما، حلَفَ كلُّ واحِدٍ منهما، فإنْ حَلَفا أو نَكَلا قُسمَ بينَهما، وإنْ حلَفَ أحَدُهما ونَكَلَ الآخَرُ كانَ الجَميعُ للحالِفِ. وهكذا إذا كانَ مُتَّصلًا ببِنائِهما. ولا تُرجَّحُ دَعوى مَنْ إليه داخِلُ الحائِطِ أو خارِجهُ، ولا مَنْ إليه مَعاقِدُ القُمُطِ؛ وهو: مَشادُّ خُيوطِ الخُصِّ. وبه قالَ أَبو حَنيفةَ. وقالَ مالِكٌ وأبو يُوسفَ: (يُحكَمُ به لمَن إليه وَجهُ الحائِطِ ومَعاقِدُ القُمُطِ). ودَليلُنا: أنَّ مَنْ إليه ذلك لا يَدلُّ على أنَّ له مِلكَ الحائِطِ، فلم يُرجَّحْ به دَعوى مَنْ هي إليه، كما لو كانَ إلى أحَدِهما النُّقوشُ والتَّجصيصُ. وكذلك: إذا كانَ لأحَدِهما على الحائِطِ تَجصيصٌ أو نُقوشٌ؛ فإنَّه لا يُحكَمُ له بالحائِطِ بذلك؛ لأنَّه يُمكِنُ إِحداثُه بعدَ كَمالِ البِناءِ. وإنْ كانَ عليه لأحَدِهما جِذعٌ أو جُذوعٌ لم تُرجَّحْ بذلك دَعواه. وقالَ مالِكٌ: (إذا كانَ لأحَدِهما جِذعٌ رُجِّحَت دَعواه، فيَحلِفُ على الحائِطِ أنَّه له). وقالَ أَبو حَنيفةَ: (يُرجَّحُ بجِذعَينِ فما زادَ، ولا يُرجَّحُ بدونِ الجِذعَينِ). دَليلُنا: أنَّ وَضعَ الجِذعِ مَعنًى حادِثٌ بعدَ تَمامِ الحائِطِ، فلم تُرجَّحْ به الدَّعوى، كالتَّجصيصِ والتَّزويقِ.

стр. 14092

وإنْ تَنازَعَ رَجلانِ جِدارًا في عَرصةٍ لأحَدِهما فالقَولُ قَولُ صاحِبِ العَرصةِ؛ لأنَّ الظاهِرَ ممَّا في مِلكِ الإِنسانِ أنَّه مِلكُه. وإنْ تَنازَعا عَرصةً، لأحَدِهما عليها جِدارٌ ففيه وَجهانِ، حَكاهُما الشَّيخُ أَبو حامِدٍ: أحَدُهما: أنَّه لا يُرجَّحُ قَولُ صاحِبِ الجِدارِ، بل يَتحالَفانِ على العَرصةِ، كما قُلنا فيهما إذا تَنازَعا حائِطًا عليه لأحَدِهما جُذوعٌ. والثانِي: أنَّ القَولَ قَولُ صاحِبِ الجِدارِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه لا يَضعُ مِلكَه إلا على مِلكِه؛ لأنَّ أحدًا لم يُجوِّزْ وَضعَ الجِدارِ في عَرصةِ غَيرِه بغَيرِ إذنِه، بخِلافِ الجُذوعِ، وهكذا الوَجهانِ: إذا تَنازَعا عَرصةً، لأحَدِهما فيها نَخلةٌ (١). إذا ادَّعى رَجلٌ نِكاحَ امرَأةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ادَّعى رَجلٌ نِكاحَ امرَأةٍ وأنكَرَت المَرأةُ هل تُسمعُ دَعواه في ذلك أو لا بدَّ من البَيِّنةِ؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ ادَّعى نِكاحَ امرَأةٍ لا تُسمَعُ دَعواه حتى يَقولَ: «نَكَحتُها بوَليٍّ وشاهِدَيْ عَدلٍ ورِضاها»؛ لأنَّ الناسَ اختَلَفوا في شَرائطِ النِّكاحِ فمنهم مَنْ يَشتَرطُ الوَليَّ والشُّهودَ والمَشهودَ، ومنهم مَنْ لا يَشتَرطُ، ومنهم مَنْ يَشتَرطُ إذْنَ البِكرِ البالِغةِ لأَبيها في تَزويجِها، ومنهم مَنْ لا يَشتَرطُه، وقد يَدَّعي نِكاحًا يَعتقِدُه صَحيحًا

стр. 14093

والحاكِمُ لا يَرى صِحَّتَه ولا يَنبَغي أنْ يُحكَمَ بصِحتِه معَ جَهلِه بها، ولا يَعلَمُ بها، ما لم تُذكَرِ الشُّروطُ وتُقَمِ البَيِّنةُ بها. وتُفارِقُ المالَ؛ فإنَّ أَسبابَه تَنحَصِرُ وقد يَخفَى على المُدَّعي سَببُ ثُبوتِ حَقِّه، والعُقودُ تَكثُرُ شُروطُها، ولذلك اشتَرَطنا لصِحةِ البَيعِ شُروطًا سَبعةً، وربَّما لا يُحسِنُ المُدَّعي عَدَّها ولا يَعرِفُها، والأَموالُ ممَّا يُتساهَلُ فيها، ولذلك افتَرَقا في اشتِراطِ الوَليِّ والشُّهودِ في عُقودِه، فافتَرَقا في الدَّعوى. وعَدمُ العِدةِ والرَّدِّ لم يَختلِفِ الناسُ فيهما والأصلُ عَدمُهما ولا تَختلِفُ به الأَغراضُ. وأمَّا إنِ ادَّعى استِدامةَ الزَّوجيةِ ولم يَدَّعِ العَقدَ لم يَحتَجْ إلى ذِكرِ الشُّروطِ في أحَدِ الوَجهَينِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ يَثبُتُ في الاستِفاضةِ، ولو اشتَرطَ ذِكرَ الشُّروطِ لاشتُرطَت الشَّهادةُ به ولا يُلزِمُ ذلك شَهادةَ الاستِفاضةِ. وفي الثانِي: يَحتاجُ إلى ذِكرِ الشُّروطِ؛ لأنَّه دَعوى نِكاحٍ فأشبَهَ دَعوى العَقدِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ مَنْ ادَّعى نِكاحَ امرَأةٍ سُمعَت دَعواه ولا يَجبُ عليه ذِكرُ أنَّه نَكَحها بوَليٍّ وشاهِدَيْ عَدلٍ ورِضاها؛ لأنَّها دَعوى مِلكٍ فلم يَفتقِرْ إلى ذِكرِ سَببِه كدَعوى المالِ ولأنَّه لمَّا لم يَفتقِرْ في الدَّعوى في النِّكاحِ إلى أنَّها خاليةٌ من العِدةِ والإِحرامِ

стр. 14094

والرِّدةِ، لم يَفتقِرْ إلى ذِكرِ الوَليِّ والشاهِدَينِ والرِّضا؛ لأنَّ الجَميعَ شَرطٌ في صِحةِ النِّكاحِ (١). فعلى هذا إذا ادَّعى عليها النِّكاحَ وأنكَرَته لا يُقبلُ قَولُه حتى يأتِيَ بشاهِدَينِ على النِّكاحِ، ولا يَمينَ له عليها عندَ الإمامِ أَبي حَنيفةَ والمالِكيةِ والحَنابِلةِ، ولا تُحبَسُ ولا يَثبُتُ نِكاحٌ إلا بشاهِدَينِ ولا يَثبُتُ بشاهِدٍ ويَمينٍ (٢). وقالَ الشافِعيةُ -والصاحِبانِ من الحَنفيةِ والفَتوى على قَولِهما- والحَنابِلةُ في احتِمالٍ: إنِ ادَّعى عليها النِّكاحَ وأنكَرَته ولا بيِّنةَ، كانَ القَولُ قَولَها معَ يَمينِها؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «البَيِّنةُ على المُدَّعي واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» (٣). قالَ الشافِعيةُ: فإنْ حلَفَت له سقَطَت دَعواه، وإنْ نَكَلت رَدَّت اليَمينَ عليه، فإذا حلَفَ ثبَتَ النِّكاحُ (٤).

стр. 14095

إذا ادَّعَت المرأةُ نِكاحَ رَجلٍ: إنِ ادَّعَت المَرأةُ على رَجلٍ نِكاحًا، وذكَرَت معَه حَقًّا من حُقوقِ النِّكاحِ، كالصَّداقِ والنَّفَقةِ ونَحوِهما، سُمعَت دَعواها، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنَّها تَدَّعي حَقًّا لها تُضيفُه إلى سَبَبِه، فتُسمَعُ دَعواها، كما لو ادَّعَت مِلكًا أضافَته إلى الشِّراءِ (١). واختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أفرَدَت دَعوى النِّكاحِ ولم تَذكُرْ أنَّه نكَحَها بوَليٍّ وشُهودٍ ورِضاها هل تُسمعُ دَعواها أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ والقاضي من الحَنابِلةِ إلى أنَّه تُسمعُ دَعواها أيضًا؛ لأنَّه سَببٌ لحُقوقٍ لها، فتُسمعُ دَعواها فيه، كالبَيعِ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في الوَجهِ الثانِي -وهو وَجهٌ للحَنابِلةِ- إلى أنَّه لا تُسمعُ دَعواها؛ لأنَّ النِّكاحَ حَقٌّ للزَّوجِ عليها؛ لأنَّ المِلكَ له، ومَن أقَرَّ لغَيرِه بمِلكِ شَيءٍ في يَدِه وأنكَرَ المُقِرُّ له لم يُقبَلْ إِقرارُه له. وعلى هذا إنْ أقَرَّ الرَّجلُ بالنِّكاحِ ثبَتَ النِّكاحُ عندَ عامةِ الفُقهاءِ. وإنْ أنكَرَ النِّكاحَ؛ فإنْ أقامَت عليه البَيِّنةَ ثبَتَ لها ما تَضمَّنَه النِّكاحُ من حُقوقِها.

стр. 14096

وأمَّا إِباحتُها له فتَنبَني على باطِنِ الأمرِ؛ فإنْ علِمَ أنَّها زَوجَتُه حَلَّت له؛ لأنَّ إِنكارَه النِّكاحَ ليسَ بطَلاقٍ، ولا نَوى به الطَّلاقَ، وإنْ علِمَ أنَّها ليسَت امرَأتَه؛ إمَّا لعَدمِ العَقدِ، وإمَّا لبَينونَتِها منه، لم تَحِلَّ له. وهل يُمكَّنُ منها في الظاهِرِ؟ يَحتمِلُ وَجهَينِ عندَ أكثَرِ الفُقهاءِ: أحَدُهما: يُمكَّنُ منها؛ لأنَّ الحاكِمَ قد حكَمَ بالزَّوجيةِ. والثانِي: لا يُمكَّنُ منها، لإِقرارِه على نَفسِه بتَحريمِها عليه، فيُقبَلُ قَولُه في حَقِّ نَفسِه دونَ ما عليه، كما لو تَزوَّجَ امرَأةً، ثم قالَ: «هي أُختي من الرَّضاعةِ». وإنْ لم تَقُمِ البَيِّنةُ فالقَولُ قَولُ الزَّوجِ معَ يَمينِه عندَ الشافِعيةِ والصاحِبَينِ من الحَنفيةِ وهو احتِمالٌ للحَنابِلةِ، قالَ الشافِعيةُ: فإنْ حلَفَ لها سقَطَت دَعواها، وإنْ نَكَلت رُدَّت اليَمينُ عليها؛ فإنْ حلَفَت ألزَمَته النِّكاحَ (١). وقالَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ: لا يَمينَ عليه (٢). ادَّعَت نِكاحَ رَجلٍ مَيتٍ: نَصَّ عامةُ الفُقهاءِ على أنَّ المَرأةَ إذا ادَّعَت نِكاحَ رَجلٍ مَيتٍ أو ادَّعى رَجلٌ نِكاحَ امرَأةٍ مَيتةٍ وأقامَ على ذلك بيِّنةً ثبَتَ المِيراثُ للمُدَّعي. قالَ الحَنفيةُ: لو أنَّ رَجلًا ادَّعى على امرَأةٍ أنَّه تَزوَّجَها وأنكَرَت، ثم ماتَ الرَّجلُ فجاءَت تَدَّعي مِيراثَه، فلها المِيراثُ، وكذلك لو كانَت المَرأةُ

стр. 14097

ادَّعَت النِّكاحَ فأنكَرَ الزَّوجُ، ثم ماتَت المَرأةُ، فجاءَ الرَّجلُ يَطلُبُ ميراثَها وزعَمَ أنَّه تَزوَّجَها فله المِيراثُ، ذكَرَ المَسألتَيِن في «المُنتَقى» من غيرِ خِلافٍ، وفي المَسألةِ الثانية خِلافٌ عندَ أَبي حَنيفةَ لا مِيراثَ لها، وعلى قَولِ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ لها المِيراثُ. وإذا ادَّعى الرَّجلانِ نِكاحَ امرَأةٍ أنَّهما تَزوَّجاها، أو ادَّعَت أُختانِ النِّكاحَ على رَجلٍ أنَّه تَزوَّجَهما وأقاموا -أي الجَميعُ: الرَّجلانِ والأُختانِ- البَيِّنةَ على دَعواهم، تَهاتَرَت -أي: البَيِّنةُ- منهم في حالةِ الحَياةِ، يَعني لا يُقضَى لهم؛ لأنَّ المَقصودَ في حالةِ الحَياةِ الحِلُّ، ولا تَحلُّ الشَّرِكةُ، وبعدَ المَماتِ تُقبلُ البَيِّنةُ، ويُقضَى بالمِيراثِ بَينَهم بعدَ المَماتِ؛ لأنَّ المِيراثَ يَقبلُ الانقِسامَ. وعلى هذا يُقضَى للأُختَينِ لكلِّ واحِدٍ منهما بالمَهرِ وبنِصفِ المِيراثِ. ويُقضَى لكلِّ رَجلٍ منهما بالنِّصفِ، وهو مِيراثُ الزَّوجِ، أي: يُقضَى لهما بمِيراثِ زَوجٍ واحِدٍ؛ لأنَّ حُكمَ النِّكاحِ بعدَ المَوتِ المِيراثُ وهو يَحتمِلُ الشَّركةَ (١). وقالَ المالِكيةُ: إنِ ادَّعَت امرَأةٌ بعدَ مَوتِ رَجلٍ أنَّه تَزوَّجَها بصَداقٍ مَعلومٍ وأقامَت على ذلك شاهِدًا وامرأتَينِ أو أحَدَهما وحلَفَت معَه فإنَّه يَثبُتُ بذلك المالُ دونَ النِّكاحِ عندَ ابنِ القاسِمِ وهو المَشهورُ.

стр. 14098

وقالَ أشهَبُ: لا تَرثُ؛ لأنَّه فَرعُ الزَّوجيةِ، وهي لا تَثبُتُ بالشاهِدِ واليَمينِ فلا يَثبُتُ المِيراثُ ولا الصَّداقُ إلا بعدَ ثُبوتِ النِّكاحِ وهو لا يَثبُتُ إلا بعَدلَينِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: إنِ ادَّعَت امرَأةٌ على رَجلٍ أنَّه نَكَحَها وطلَّقَها قبلَ الدُّخولِ وطالَبَته بنِصفِ المَهرِ أو ادَّعَت نِكاحَ فُلانٍ المَيتِ وطَلَبت الإرثَ منه ثبَتَ ذلك برَجلٍ وامرأتَينِ أو رَجلٍ ويَمينٍ، وإن لم يَثبُتْ بهما النِّكاحُ لأنَّ قَصدَها المَهرُ في الأُولى والإِرثُ في الثانيةِ. وقاسَه الغَزاليُّ على مَسألةِ السَّرقةِ، وتَعليقِ الطَّلاقِ على الغَصبِ، فإنَّ المالَ يَثبُتُ فيهما وإنْ لم يُقطَعِ السارِقُ ولم يَقعِ الطَّلاقُ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ ادَّعى أنَّ هذه المَيتةَ امرأتُه وهذا ابنُه منها فإنْ أقامها بأصلِ النِّكاحِ ويَصلُحُ ابنَه، فهو على أصلِ النِّكاحِ والفِراشُ ثابِتٌ يَلحَقُه. وإن ادَّعَت أنَّ هذا المَيتَ زَوجُها لم يُقبَلْ إلا أنْ تُقيمَ بيِّنةً بأصلِ النِّكاحِ وتُعطَى المِيراثَ (٣).

стр. 14099

كتاب الاقرار

стр. 14100

كتاب الاقرار تَعريفُ الإِقرارِ: الإِقرارُ لُغةً: الاعتِرافُ، يُقالُ: أقَرَّ بالشَّيءِ يُقِرُّ إِقرارًا: إذا اعتَرَفَ به، فهو مُقِرٌّ، والشَّيءُ مُقَرٌّ به، وهو إِظهارٌ لأمرٍ مُتقدِّمٍ وليسَ بإِنشاءٍ، فلو قالَ: «دارِي لفُلانٍ»، لم يَكنْ إِقرارًا؛ لتَناقُضِ كَونِها له ولفُلانٍ على جِهةِ استِقلالِ كُلِّ واحِدٍ منهما بها (١). والإِقرارُ شَرعًا: عرَّفَه الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ مُتَقارِبةٍ وإنْ كانَ مَضمونُها أنَّه إِخبارُ مُكلَّفٍ عن ثُبوتِ حَقٍّ للغَيرِ عليه. فإن كانَ بحَقٍّ له على غَيرِه فهو الدَّعوى، وإنْ كانَ بحَقٍّ لغَيرِه على غَيرِه فهو الشَّهادةُ، وهذا إذا كانَ خاصًّا فإن اقتَضَى شَرعًا عامًّا، فإنْ كانَ

стр. 14101

على أمرٍ مَحسوسٍ فهو الرِّوايةُ، وإنْ كانَ على حُكمٍ شَرعيٍّ، فهو الفَتوى، هذا مُجمَلُ تَعريفِ الفُقهاءِ. فعرَّفَه الحَنفيةُ بأنَّه: عِبارةٌ عن إِخبارٍ عن ثُبوتِ حَقٍّ لآخَرَ على نَفسِهِ (١). وقالَ المالِكيةُ: الإِقرارُ هو الاعتِرافُ بما يُوجِبُ حَقًّا على قائِلِه بشَرطِه (٢). وقالَ الشافِعيةُ: إِخبارٌ خاصٌّ عن وُجوبِ حَقٍّ سابِقٍ على المُخبِرِ (٣). وقالَ الحَنابِلةُ: الإِقرارُ شَرعًا: إِظهارُ مُكلَّفٍ مُختارٍ حَقًّا عليه بلَفظٍ أو كِتابةٍ أو إِشارةِ أخرَسَ أو إِظهارِ مُكلَّفٍ مُختارٍ ما على مُوكِّلِه فيما وُكِّلَ فيه أو ما على مُولِّيه ممَّا يَملِكُ إِنشاءَه، أو ما على مُورِّثِه بما يُمكِنُ صِدقُه (٤). والإِقرارُ ليسَ بإِنشاءٍ ولا إِيجابٍ وتَمليكٍ مُبتدَأٍ بل هو إِخبارٌ بما في نَفسِ الأمرِ عن وُجودِ حَقٍّ سابِقٍ (٥). مَشروعيةُ الإِقرارِ: الإِقرارُ مَشروعٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ والقِياسِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تَعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] إلى قوله: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١].

стр. 14102

وقالَ تَعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]. وقالَ تَعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وقالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] والشَّهادةُ على النَّفسِ إِقرارٌ، فلولا أنَّ الإِقرارَ حُجةٌ لمَا أُمِرَ به. وقالَ تَعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وأنَّه إِقرارٌ على نَفسِه. وأمَّا السُّنةُ: فقَولُ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ العَسِيفِ: «واغْدُ يا أُنَيسُ إلى امرأةِ هذا، فإنِ اعترَفَت فارْجُمْها» (١). «ورجَمَ النَّبيُّ ﷺ ماعِزًا والغَامِدِيةَ والجُهَنِيةَ بإِقرارِهم، وقطَعَ سارِقَ رِداءِ صَفوانَ بإِقرارِه. فإذا وجَبَ الحَدُّ بإِقرارِه على نَفسِه فالمالُ أوْلَى أنْ يَجبَ. وقد حكَمَ الخُلَفاءُ الراشِدونَ بالإِقرارِ في قَضاياهم ولم يَزلِ الحُكامُ يَعمَلونَ عليه ويَأخُذونَ به. وأما الإِجماعُ: فإنَّ الأُمةَ أجمَعَت على مَشروعيةِ الإِقرارِ وعلى تَعلُّقِ الحُكمِ به. قالَ الإمامُ الزَّيلَعيُّ: الإِقرارُ حُجةٌ شَرعيةٌ ثبَتَت حُجيَّتُه بالكِتابِ والسُّنةِ وإِجماعِ الأُمةِ والمَعقولِ … وأمَّا الإِجماعُ فلِأنَّ الأُمةَ أجمَعَت على أنَّ

стр. 14103

الإِقرارَ حُجةٌ في حَقِّ نَفسِه حتى أوجَبوا عليه الحُدودَ والقِصاصَ بإِقرارِه، وإنْ لم يَكنْ حُجةً في حَقِّ غَيرِه لعَدمِ وِلايَتِه عليه فالمالُ أوْلَى (١). وقالَ الإمامُ العِمرانِيُّ ﵀: وأمَّا الإِجماعُ فلا خِلافَ بينَ الأُمةِ في تَعلُّقِ الحُكمِ بالإِقرارِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنَّ الأئِمةَ أجمَعَت على صِحةِ الإِقرارِ (٣). وقالَ الإمامُ الزَّركَشيُّ ﵀: وأجمَعَ المُسلِمونَ على صِحةِ الإِقرارِ في الجُملةِ (٤). وقالَ الإمامُ الدَّميريُّ ﵀: أجمَعَت الأُمةُ على المُؤاخَذةِ بالإِقرارِ الصَّحيحِ (٥). وأمَّا القياسُ: فلأنَّ الإِقرارَ إِخبارٌ على وَجهٍ يَنفي عنه التُّهمةَ والرِّيبةَ فإنَّ العاقِلَ لا يَكذِبُ على نَفسِه كَذبًا يَضرُّ بها، ولهذا كانَ آكَدَ مِنْ الشَّهادةِ، فإنَّ المُدَّعَى عليه إذا اعتَرَفَ لا تُسمَعُ عليه الشَّهادةُ، وإنَّما تُسمَعُ إذا أنكَرَ ولو كذَّبَ المُدَّعي ببَيِّنَتِه لم تُسمَعْ وإنْ كذَّبَ المُقِرَّ ثم صدَّقَه سُمعَ (٦).

стр. 14104

الحُكمُ التَّكليفيُّ للإِقرارِ: المُقَرُّ به مِنْ الحُقوقِ نَوعانِ: النَّوعُ الأوَّلُ: أن يَكونَ لآدَميٍّ، أو حَقًّا للَّهِ تعالى لا يَسقُطُ بالشُّبهةِ -كالزَّكاةِ والكَفاراتِ- ودَعَت الحاجةُ إلى الإِقرارِ به لزِمَه الإِقرارُ به عندَ عامةِ الفُقهاءِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] وَلا يَكونُ شَهيدًا على نَفسِه إلَّا بالإِقرارِ. وهذا الحَقُّ لا يَصحُّ الرُّجوعُ فيه عن الإِقرارِ؛ لتَعلُّقِ حَقِّ المُقَرِّ له بالحَقِّ المُقَرِّ به، إلا إذا كذَّبَه المُقَرُّ له به، فحينَئذٍ يَصحُّ له الرُّجوعُ به. فلو أنَّه أقَرَّ بدَينٍ لزَيدٍ أو إِتلافٍ أو قَذفٍ فإنَّه لا يَصحُّ الرُّجوعُ عنه ويَلزَمُه ما أقَرَّ به، إلا إذا كذَّبَه المُقَرُّ له كما قُلنا. النَّوعُ الثانِي: أنْ يَكونَ حقًّا للَّهِ تعالى يَسقُطُ بالشُّبهةِ -كالزِّنا والسَّرِقةِ والشُّربِ- ولم يَظهَرْ عليه لم يَجبْ عليه أنْ يُقِرَّ به بل يُستحَبُّ له أنْ يَكتُمَه؛ لأنَّ هذه الحُقوقَ إنَّما شُرِعَت إِقامةً للدِّينِ ولتَحقيقِ مَصالِحِ المُجتمَعِ، وحُكمُ حَقِّ اللهِ أنَّه تَنْفَعُ فيه التَّوبةُ فيما بينَ العَبدِ ورَبِّه، ويَصحُّ الرُّجوعُ عنه بَعدَ الإِقرارِ فيه؛ لأنَّ مَبنى حَقِّ اللهِ على الدَّرءِ والسَّتْرِ. ودَليلُ ذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ عَرَّضَ لماعِزِ بنِ مالِكٍ بالرُّجوعِ عِندَما أقَرَّ على نَفسِه بالزِّنَا فقالَ لَه: «لعَلَّك قبَّلتَ، أو غَمزتَ، أو نَظرتَ». ومَعنى هذا الكَلامِ الإشارةُ إلى تَلقينِه الرُّجوعَ عن الإِقرارِ بالزِّنا وإِعذارُه بشُبهةٍ يَتعلَّقُ بها. وقد قالَ رَسولُ اللَّهِ: «ادرَؤُوا الحُدودَ عن المُسلِمينَ ما استَطَعتُم، فإن

стр. 14105

كانَ له مَخرَجٌ فخَلُّوا سَبيلَه، فإنَّ الإمامَ أن يُخطِئَ في العَفوِ خَيرٌ مِنْ أن يُخطِئَ في العُقوبةِ» (١). ولا شَكَّ أنَّ الرُّجوعَ عن الإِقرارِ شُبهةٌ تُسقِطُ الحُدودَ. ويُندَبُ للقاضي أنْ يُعرِّضَ للمُقِرِّ بالرُّجوعِ، ولا يَقولَ له: ارجِعْ، فيَكونَ أمرًا له بالكَذِبِ. فلو رجَعَ المُقِرُّ بعدَ إِقرارِه بحُقوقِ اللهِ صحَّ رُجوعُه، وزالَ عنه حُكمُ ما كانَ أقَرَّ به (٢). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ: ولا يُقبَلُ رُجوعُ المُقِرِّ عن إِقرارِه إلا فيما كانَ حَدًّا للَّهِ تَعالى يُدرَأُ بالشُّبَهاتِ ويُحتاطُ لإِسقاطِه. فأمَّا حُقوقُ الآدَميِّينَ وحُقوقُ اللهِ تَعالى التي لا تُدرَأُ بالشُّبَهاتِ كالزَّكاةِ والكَفاراتِ فلا يُقبَلُ رُجوعُه بها، ولا نَعلَمُ في هذا خِلافًا (٣). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ: واتَّفَقوا على أنَّ الحُرَّ البالِغَ إذا أقَرَّ بحَقٍّ مِنْ حُقوقِ الآدَميِّينَ لزِمَه إِقرارُه ولم يَكنْ له الرُّجوعُ فيهِ (٤). وقد مَضى ذلك في كِتابِ الحُدودِ وسيَأتي مَزيدُ بَيانٍ له إنْ شاءَ اللهُ في هذا الكِتابِ.

стр. 14106

حُجيةُ الإِقرارِ ووُجوبُ الحُكمِ به: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الحُكمَ بالإِقرارِ يَلزَمُ قَبولُه؛ للأدِلةِ السّابِقةِ، ولأنَّ أكثَرَ الحُقوقِ لا يُوصَلُ إليها إلا بالإِقرارِ، فكانَت الضَّرورةُ داعيةً إلى الأخذِ به، والحاجةُ ماسةٌ إلى العَملِ عليه (١). قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: الإِقرارُ إذا كانَ بيِّنا فلا خِلافَ في وُجوبِ الحُكمِ به (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: الحُكمُ بالإِقرارِ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]، وفي الآيةِ الأُخرى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، ولا خِلافَ أنَّه لا يُعتبَرُ في صِحةِ الإِقرارِ أنْ يَكونَ بمَجلِسِ الحاكِمِ. إلا شَيئًا حَكاه مُحمدُ بنُ الحَسنِ الجَوزيِّ في كِتابِ «النَّوادر» له، فقالَ: قالَ ابنُ أبي لَيلَى: لا أُجيزُ إِقرارًا في حَقٍّ أنكَرَه الخَصمُ عِندي إلا إِقرارًا بحَضرَتي، ولعَلَّه ذهَبَ في ذلك إلى أنَّ الإِقرارَ لمَّا كانَ شَهادةَ المَرءِ على نَفسِه اعتُبِرَ له مَجلِسُ الحُكمِ كالحُكمِ بالبيِّنةِ، والفَرقُ ظاهِرٌ لا خَفاءَ به. ويُحكَمُ بإِقرارِ الخَصمِ في مَجلِسِه إذا سمِعَه معَه شاهِدانِ بغَيرِ خِلافٍ، فإنْ لم يَسمَعْه معَه غَيرُه نَصَّ أحمَدُ على أنَّه يُحكَمُ به وإنْ لم نَقُلْ يُحكَمُ بعِلمِه، فإنَّ مَجلِسَ الحاكِمِ مَجلِسُ فَصلِ الخُصوماتِ، وقد جَلَسَ لذلك،

стр. 14107

وقد أقَرَّ الخَصمُ في مَجلِسِه فوجَبَ عليه الحُكمُ به كما لو قامَت بذلك البَيِّنةُ عِندَه وليسَ عِندَه أحَدٌ غَيرُه يَسمَعُ معَه شَهادَتَهما فإنَّ هذا مَحلُّ وِفاقٍ. وقالَ القاضِي: لا يَحكُمُ بالإِقرارِ في مَجلِسِه حتى يَسمَعَه معَه شاهِدانِ دَفعًا للتُّهمةِ عنه، إلا أنْ يَقضيَ بعِلمِه فإنَّه يَجوزُ له الحُكمُ حينَئِذٍ. والتَّحقيقُ أنَّ هذا يُشبِهُ مَسألةَ الحُكمِ بعِلمِه مِنْ وَجهٍ ويُفارِقُها مِنْ وَجهٍ فشَبَهُ ذلك بمَسألةِ حُكمِه بعِلمِه أنَّه ليسَ هُناكَ بيِّنةٌ وهو في مَوضِعِ تُهمةٍ. ووَجهُ الفَرقِ بينَهما أنَّ الإِقرارَ بيِّنةٌ قامَت في مَجلِسِه فإنَّ البيِّنةَ اسمٌ لما يُبيَّنُ به الحَقُّ، فعَلِمَ الحَقَّ في مَجلِسِ القَضاءِ الذي انتَصَبَ فيه للحُكمِ به، وليسَ مِنْ شَرطِ صِحةِ الحُكمِ أنْ يَكونَ بمَحضَرِ شاهِدَينِ، فكذلك لا يُعتبَرُ في طَريقِه أنْ يَكونَ بمَحضَرِ شاهِدَينِ، وليسَ هذا بمَنزِلةِ ما رَآه أو سمِعَه في غيرِ مَجلسِه (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ في أنَّ للحاكِمِ أنْ يَحكُمَ بالبَيِّنةِ والإِقرارِ في مَجلِسِ حُكمِه إذا سمِعَه معَه شاهِدانِ، فإنْ لم يَسمَعْه معَه أحَدٌ أو سمِعَه شاهِدٌ نَصَّ أحمدُ على أنَّه يُحكَمُ به. وقالَ القاضِي: لا يَحكُمُ به حتى يَسمَعَه معَه شاهِدانِ؛ لأنَّه حكَمَ بعِلمِه (٢).

стр. 14108

وقالَ أبو الحَسَنِ الطَّرابُلسيُّ الحَنفيُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ الإِقرارَ مِنْ أقوَى الأَحكامِ وأشَدِّها، وهو أقوَى مِنْ البَيِّنةِ، ووَجهُه أنَّه إذا كانَ يَستَنِدُ القَضاءُ إلى ظَنٍّ فبِأنْ يَستَندَ إلى عِلمٍ أوْلَى؛ لأنَّ الحُكمَ بالإِقرارِ مَقطوعٌ به والحُكمُ بالبيِّنةِ مَظنونٌ؛ ولأنَّ الإِقرارَ خبَرُ صِدقٍ، أو يَرجِعُ صِدقُه على كَذبِه لانتِفاءِ تُهمةِ الكَذبِ ورِيبةِ الإفكِ، وحَقيقَتُه إِخبارٌ عن كائِنٍ سابِقٍ فيَقتَضي ثُبوتَ المُخبَرِ به سابِقًا على إِخبارِه (١). أثَرُ الإِقرارِ: أثَرُ الإِقرارِ: هو ظُهورُ ما أقَرَّ به، أي: ثُبوتُ الحَقِّ الذي أقَرَّ به في الماضِي لا إِنشاءُ الحَقِّ ابتِداءً، لكنْ لو أقَرَّ لغَيرِه بمالٍ والمُقَرُّ له يَعلَمُ أنَّ المُقِرَّ كاذِبٌ في إِقرارِه لا يَحِلُّ له أخذُ ما أقرَّ له به فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى إلا أنْ يُسَلِّمَه إِياه بطيبِ نَفسٍ منه فيَحِلَّ له أخذُه على سَبيلِ الهِبةِ تَمليكًا مُبتدَأً، وأمَّا في القَضاءِ فيَحِلُّ في الظاهِرِ. أمَّا لو اشتَبَه الأمرُ عليه حَلَّ له الأخذُ عندَ مُحمدٍ خِلافًا لأبي يُوسفَ (٢).

стр. 14109

أركانُ الإِقرارِ: أركانُ الإِقرارِ عندَ الجُمهورِ أربَعةٌ، خِلافًا للحَنَفيةِ: مُقِرٌّ، ومُقَرٌّ له، وصِيغةٌ، ومُقَرٌّ به، وأمَّا رُكنُ الإِقرارِ عندَ الحَنفيةِ فهو الصِّيغةُ فقط، والباقي شُروطٌ. بَيانُ شُروطِ هذه الأَركانِ. الرُّكنُ الأوَّلُ وشَرطُه: المُقِرُّ: نصَّ الفُقهاءُ على أنَّه يُشتَرطُ في المُقِرِّ عِدةُ شُروطٍ لا بدَّ مِنْ تَوافُرِها حتى يَصحَّ إِقرارُه، وبَيانُ هذه الشُّروطِ فيما يَلي: الشَّرطُ الأوَّلُ: التَّكليفُ: أنْ يَكونَ بالِغًا عاقِلًا: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشتَرطُ في المُقِرِّ أنْ يَكونَ بالِغًا عاقِلًا، فلا يَصحُّ إِقرارُ المَجنونِ ولا الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ إِجماعًا؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ … » (١). وكذا مَنْ في مَعناهما: مَنْ زالَ عَقلُه بنَومٍ أو إِغماءٍ أو شُربِ دَواءٍ مُباحٍ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ: ولا يَصحُّ الإِقرارُ إلا مِنْ عاقِلٍ مُختارٍ، فأمَّا الطِّفلُ والمَجنونُ والمُبَرسَمُ والنائِمُ والمُغمَى عليه فلا يَصحُّ إِقرارُهم، لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا، وقد قالَ ﷺ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن الصَّبيِّ حتى يَبلُغَ، وعن المَجنونِ حتى يُفيقَ، وعن النائِمِ حتى يَستيقِظَ» (٢).

стр. 14110

فنَصَّ على الثَّلاثةِ، والمُبرسَمُ والمُغمى عليه في مَعنى المَجنونِ والنائِمِ، ولأنَّه قَولٌ من غائِبِ العَقلِ فلم يَثبُتْ له حُكمٌ كالبَيعِ والطَّلاقِ (١). وأمَّا الصَّبيُّ المُميِّزُ فإنْ كانَ غيرَ مَأذونٍ له في التِّجارةِ لا يَصحُّ إِقرارُه باتِّفاقِ الفُقهاءِ. واختَلفَ الفُقهاءُ في الصَّبيِّ المَأذونِ له في التِّجارةِ هل يَصحُّ إِقرارُه أو لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ إِقرارُه لغَيرِ المَأذونِ له بحالٍ؛ لعُمومِ الخبَرِ، ولأنَّه غيرُ بالِغٍ، فأشبَهَ الطِّفلَ، ولأنَّه لا تُقبَلُ شَهادَتُه ولا رِوايَتُه فأشبَهَ الطِّفلَ غيرَ المُميِّزِ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ إِقرارُ الصَّبيِّ المُميِّزِ إذا كانَ مَأذونًا له في التِّجارةِ فيَصِحُّ إِقرارُه؛ لأنَّه عاقِلٌ مُختارٌ يَصحُّ تَصرُّفُه فصَحَّ إِقرارُه كالبالِغِ، قالَ الحَنفيةُ: يَصحُّ إِقرارُه بالدَّينِ والعَينِ؛ لأنَّ ذلك مِنْ ضَروراتِ التِّجارةِ (٣).
следующие страницы →