قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وفي إِجماعِ الجُمهورِ مِنْ الفُقهاءِ على أنَّ المُسافِرَ إذا دخَلَ في صَلاةِ المُقيمِينَ فأدرَكَ منها رَكعةً أنَّه يَلزمُه أربَعٌ، دَليلٌ واضِحٌ على أنَّ القَصرَ رُخصةٌ؛ إذ لو كانَ فَرضُه رَكعَتينِ لم يَلزمْه أربَعٌ بحالٍ، ورَوى بإِسنادِه عن عَطاءٍ عن عائشةَ: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يُتمُّ في السَّفرِ وَيَقصُرُ» (١).
ثم إنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ المالِكيةَ والشافِعيةَ والحَنابلَةَ يَرَونَ أنَّ القَصرَ أفضَلُ مِنْ الإِتمامِ، أمَّا الحَنفيةُ فإنَّ هذا (أي: القَصرَ) هو الأصلُ عندَهم (٢).
شَرائطُ القَصرِ:
يَقصُرُ المُسافِرُ الصَّلاةَ الرُّباعِيَّةَ إلى رَكعَتينِ إذا تَوافَرتِ الشَّرائطُ الآتيةُ:
الأُولى: نيَّةُ السَّفرِ: وهي شَرطٌ عندَ جَميعِ الفُقهاءِ كما سبَقَ.
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقُوا على أنَّه إذا سافَرَ لا يَقصِدُ جِهةً مُعيَّنةً أنَّه لا يُرخَّصُ، إلا ما حُكيَ عن أَبي حَنيفةَ أنَّه إذا كانَ على هذه الحالِ، ثم سارَ مَسيرةَ ثَلاثةِ أيَّامٍ يَقصُرُ الصَّلاةَ بعدَ ذلك (٣).
стр. 1437
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: لأنَّ السَّيرَ قد يَكونُ سَفرًا، وقد لا يَكونُ؛ لأنَّ الإِنسانَ قد يَخرجُ مِنْ مِصرِه إلى مَوضعٍ لِإصلاحِ الضَّيعةِ ثم تَبدُو له حاجَةٌ أُخرى إلى المُجاوَزةِ عنه إلى مَوضعٍ آخرَ، ليسَ بينَهما مدَّةُ سَفرٍ ثم وثم، إلى أن يَقطعَ مَسافةً بَعيدةً أكثرَ مِنْ مدَّةِ السَّفرِ، لا لقَصدِ السَّفرِ، فلا بدَّ مِنْ النِّيةِ للتَّميزِ (١).
وقالَ في «شَرح فَتحِ القَديرِ»: لو طافَ الدُّنيا مِنْ غيرِ قَصدٍ إلى قَطعِ مَسيرةِ ثَلاثةِ أيَّامٍ، لا يَترخَّصُ، وعلى هذا قالوا: أميرٌ خرَجَ مع جَيشِه في طلَبِ العَدوِّ، ولم يَعلَمْ أينَ يُدرِكُهم؛ فإنَّهم يُصلُّونَ صَلاةَ الإِقامةِ في الذَّهابِ، وإن طالَتِ المدَّةُ، وكذلك المُكثُ في ذلك المَوضِعِ، أمَّا في الرُّجوعِ فإن كانَ مدَّةَ سَفرٍ قَصَروا (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الاعتِبارُ بالنِّيةِ، لا بالفِعلِ، فيُعتبَرُ أن يَنوِيَ مَسافةً تُبيحُ القَصرَ، فلو خرَجَ يَقصِدُ سَفرًا بَعيدًا، فقصَرَ الصَّلاةَ، ثم بَدا له، فرجَعَ، كانَ ما صلَّاه ماضِيًا صَحيحًا، ولا يَقصُرُ في رُجوعِه إلا أن تَكونَ مَسافَةُ الرُّجوعِ مُبيحةً بنَفسِها، نصَّ أحمدُ على هذا، ولو خرَجَ طالِبًا لعَبدٍ آبِقٍ لا يَعلَمُ أينَ هو، أو مُنتجِعًا غَيثًا، أو كلَأً، متى وجَدَه أقامَ أو رجَعَ، أو سائِحًا في الأرضِ، لا يَقصِدُ مَكانًا، لم يُبَحْ له القَصرُ، وإن سارَ أيَّامًا، وقالَ
стр. 1438
ابنُ عَقيلٍ: يُباحُ له القَصرُ إذا بلَغَ مَسافَةً مُبيحةً له؛ لأنَّه مُسافِرٌ سَفرًا طَويلًا.
قالَ ابنُ قُدامةَ: ولنا: أنَّه لم يَقصِدْ مَسافةَ القَصرِ، فلم يُبَح له كابتِداءِ سَفرِه، ولأنَّه لم يُبَح القَصرُ في ابتِدائِه، لم يُبَح في أثنائِه إذا لم يُغيِّر نيَّتَه، كالسَّفرِ القَصيرِ، وسَفرِ المَعصيةِ، ومتى رَجعَ هذا يَقصدُ بَلدَه، أو نَوى مَسافَةَ القَصرِ، فله القَصرُ، لوُجودِ نيَّتِه المُبِيحَةِ، ولو قصَدَ بَلدًا بَعيدًا، أو في عَزمِه أنَّه متى وجَدَ طِلبَتَه دُونَه رَجعَ أو أقامَ، لم يُبَحْ له القَصرُ؛ لأنَّه لم يَجزِم بسَفرٍ طَويلٍ، وإن كانَ يَرجعُ ولا يُقيمُ بوُجودِه، فلَه القَصرُ (١).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: يُشتَرطُ لجَوازِ القَصرِ أن يَربِطَ قَصدَه بمَقصِدٍ مَعلومٍ، فأمَّا الهائِمُ الذي لا يَدري أينَ يَتوجَّهُ، ولا له قَصدٌ في مَوضعٍ، وراكِبُ التَّعاسيفِ -وهو الذي لا يَسلُكُ طَريقًا، ولا له مَقصِدٌ مَعلومٌ- فلا يَترخَّصانِ أبدًا بقَصرٍ ولا غيرِه مِنْ رُخَصِ السَّفرِ، وإن طالَ سَفرُهما، وبلغَ مَراحلَ، فهذا هو المَذهبُ، وبه قطَعَ الأَصحابُ، في كلِّ الطُّرقِ.
وقالَ البَغويُّ وغيرُه: وكَذا البَدويُّ: إذا خرَجَ مُنتَجِعًا، على أنَّه متى وجَدَ مَكانًا مُعشِبًا أقامَ به، لم يَجزْ له التَّرخُّصُ (٢).
والمُعتبَرُ في نيَّةِ السَّفرِ الشَّرعيِّ نيَّةُ الأصلِ دونَ التَّابِعِ، فمَن كانَ سَفرُه تابِعًا لغيرِه فإنَّه يَصيرُ مُسافِرًا بنيَّةِ ذلك الآخَرِ، وذلك كالزَّوجةِ التَّابعةِ
стр. 1439
لزَوجِها، فإنَّها تَصيرُ مُسافِرةً بنيَّةِ زَوجِها، وكذلك مَنْ لزِمَه طاعَةُ غيرِه، كالسُّلطانِ وأميرِ الجَيشِ؛ فإنَّه يَصيرُ مُسافِرًا بنيَّةِ مَنْ لزِمَته طَاعَتُه؛ لأنَّ حُكمَ التَّبعِ حكمُ الأصلِ، وهذا مَذهبُ الحَنفيةِ والحَنابلَةِ (١).
أمَّا الشافِعيةُ فقالوا: لو تبِعَت الزَّوجُة زَوجَها، أو الجُندِيُّ قائِدَه في السَّفرِ، ولا يَعرفُ كلُّ واحدٍ منهم مَقصدَه، فلا قَصرَ لهم؛ لأنَّ الشَّرطَ -وهو قَصدُ مَوضعٍ مُعيَّنٍ- لم يَتحقَّقْ، وهذا قبلَ بُلوغِهم مَسافَةَ القَصرِ، فإن قَطَعُوها قَصَروا.
فلو نَوتِ الزَّوجُة دونَ زَوجِها، أوِ الجُندِيُّ دونَ قائِدِه مَسافَةَ القَصرِ، أو جهِلَا الحالَ، قصَرَ الجُندِيُّ غيرُ المُثبَتِ في الدِّيوانِ دونَ الزَّوجةِ؛ لأنَّ الجُندِيَّ حينَئذٍ ليسَ تحتَ يَدِ الأميرِ وقَهرِه، بخِلافِ الزَّوجةِ؛ فنيَّتُها كالعدمِ، أمَّا الجُندِيُّ المُثبَتُ في الدِّيوانِ فلا يَقصُرُ؛ لأنَّه تحتَ يدِ الأميرِ، ومِثلُه الجَيشُ؛ إذ لو قيلَ بأنَّه ليسَ تحتَ يَدِ الأميرِ وقَهرِه كالآحادِ، لَعظُمَ الفَسادُ (٢).
القَصرُ في سَفرِ المَعصيةِ:
ويُشتَرطُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلَةِ في السَّفرِ الذي تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ ألَّا يَكونَ سَفرَ مَعصيةٍ، فلا يَقصُرُ عاصٍ بسَفرِه، كأنْ خرَجَ لقَطعِ الطَّريقِ، أو لِقِتالِ المسلِمينَ ظُلمًا، أو كانَ تاجِرًا في الخَمرِ
стр. 1440
والمُحَرماتِ، أو كانَ امرأةً ناشِزةً مِنْ زَوجِها، أو مُتغيِّبًا عن غَريمِه، مع قُدرَتِه على قَضاءِ دَينِه، ونحوَ ذلك، فلا يَجوزُ له أن يَترخَّصَ بالقَصرِ ولا بغيرِه مِنْ رُخَصِ السَّفرِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]؛ فأباحَ الأكلَ لمَن لم يَكنْ عادِيًا ولا باغِيًا، فلا يُباحُ لِباغٍ ولا عادٍ، قالَ ابنُ عَباسٍ: غيرَ باغٍ على المسلِمينَ، مُفارِقٍ لِجَماعتِهم، يُخيفُ السَّبيلَ، ولا عادَ عليهم؛ ولأنَّ التَّرخُّصَ شُرعَ لِلإعانةِ على تَحصيلِ المَقصِدِ المُباحِ تَوصُّلًا إلى المَصلَحةِ، فلو شُرعَ ههنا لَشُرعَ إعانَةً على المُحَرمِ تَحصيلًا للمَفسَدةِ، والشَّرعُ مُنَزَّهٌ عن هذا، والنُّصوصُ وَرَدت في حقِّ الصَّحابةِ، وكانَت أسفارُهم مُباحةً، فلا يثبُتُ الحكمُ فيمَن سَفرُه مُخالِفٌ لِسَفرِهم.
فإن قصَرَ العاصي بسَفرِه فعندَ المالِكيةِ لا يُعيدُ الصَّلاةَ، على الأصوَبِ، وإن أثِمَ بعِصيانِه.
ومَن أنشَأَ السَّفرَ عاصِيًا به، ثم تابَ في أَثنائِه، فعندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في الصَّحيحِ والحَنابلَةِ: يَقصُرُ إن كانَ ما بقِيَ مِنْ السَّفرِ مَسافَةَ القَصرِ.
ولو سافَرَ سَفرًا مُباحًا ثم قصدَ بسَفرِه المَعصيةَ قبلَ تَمامِ سَفرِه، انقطَعَ التَّرخُّصُ؛ فلا يَقصُرُ مِنْ حينِ نَوى المَعصيةَ؛ لأنَّ سَفرَ المَعصيةِ يُنافِي التَّرخُّصَ، وهذا عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في الأصَحِّ والحَنابلَةِ، والقولِ الثاني لِلشافِعيَّةِ: أنَّه يَترخَّصُ بالقَصرِ وغيرِه؛ لأنَّ السَّفرَ انعَقدَ مُباحًا، فلا يتغيَّرُ العاصي في سَفرِه، وهو مَنْ خرَجَ في سَفرٍ مُباحٍ، وقَصدٍ صَحيحٍ، ثم
стр. 1441
ارتَكبَ مَعاصيَ في طَريقِه، كشُربِ الخَمرِ وغيرِه، فله التَّرخُّصُ بالقَصرِ وغيرِه، بلا خِلافٍ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلَةِ؛ لأنَّه ليسَ مَمنوعًا مِنْ السَّفرِ، وإنَّما يُمنَعُ مِنْ المَعصيةِ، بخِلافِ العاصي بسَفرِه (١).
أمَّا الحَنفيةُ فلم يَشتَرطوا أن يَكونَ السَّفرُ مُباحًا، بل أَجازوا القَصرَ في سَفرِ المَعصيةِ أيضًا.
قالَ الإمامُ عَلاءُ الدِّينِ السَّمرقَنديُّ ﵀: ثم الرُّخصةُ، وهي قَصرُ الصَّلاةِ وغيرِه، تَثبُتُ بمُطلَقِ السَّفرِ، سَواءٌ كانَ سَفرَ طاعَةٍ كالجِهادِ والحَجِّ، أو سَفرًا مُباحًا كالخُروجِ إلى التِّجارةِ، أو سَفرَ مَعصيةٍ كالخُروجِ لقَطعِ الطَّريقِ ونحوِه، وهذا عندَنا (٢).
وقالوا: ولأنَّ النُّصوصَ التي ورَدَت لم تُوجِبِ الفَصلَ بينَ مُسافِرٍ ومُسافِرٍ، ومِن هذه النُّصوصِ قولُه تَعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقولُه تَعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ١٣٩]، وقولُ علِيٍّ ﵁: «جعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ ثَلاثةَ أيَّامٍ ولَياليَهنَّ للمُسافرِ، ويَومًا ولَيلةً للمُقيمِ» (٣)، مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ سَفرٍ وسَفرٍ؛ فوجَبَ
стр. 1442
العملُ بعُمومِ النُّصوصِ وإطلاقِها، ولأنَّ السَّفرَ نَفسَه ليسَ بمَعصيةٍ، وإنَّما المَعصيةُ ما يَكونُ بعدَه أو يُجاوِرُه، فصلَحَ بتَعلُّقِ الرُّخصةِ؛ وذهَبَ إلى قولِ الحَنفيةِ هذا المُزنِيُّ مِنْ الشافِعيةِ (١).
الشَّريطةُ الثانيةُ: مَسافةُ السَّفرِ: وهو أن يَقصدَ الإِنسانُ مَسيرةَ مَسافةِ السَّفرِ التي سبَقَ تَقديرُها عندَ الفُقهاءِ، وهذا محَلُّ اتِّفاقٍ، وقد سبَقَ بَيانُه.
الشَّرِيطَةُ الثَّالثةُ: الخُرُوجُ مِنْ عُمرانِ بَلدَتِه: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعِة على أنَّ المُسافِرَ لا يَجوزُ له أن يَقصُرَ الصَّلاةَ، إلا إن جاوَزَ محَل إقامَتِه، وما يَتبَعُه؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، ولا يَكونُ ضارِبًا في الأرضِ حتى يَخرُجَ، وقد قالَ أنَسٌ: «صلَّيتُ الظُّهرَ مع النَّبيِّ ﷺ بالمَدينَةِ أربَعًا، والعَصرَ بذِي الحُليفَةِ رَكعَتينِ» (٢).
والمُعتبَرُ مُفارَقةُ البُيوتِ مِنْ الجانِبِ الذي يُخرَجُ منه، وإن كانَ في غيرِه مِنْ الجَوانِبِ بُيوتٌ، ويَدخلُ في بُيوتِ المِصرِ الجوانِبُ المُحيطَةُ به، والنَّبيُّ ﷺ لم يَقصُر في سَفرِه إلا بعدَ الخُروجِ مِنْ المَدينةِ.
فإذا ثبَتَ هذا فيَجوزُ له القَصرُ، وإن كانَ قَريبًا مِنْ البُيوتِ، قالَ ابنُ
стр. 1443
المنذِرِ ﵀: أَجمعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّ للَّذي يُريدُ السَّفرَ أن يَقصُرَ الصَّلاةَ إذا خرَجَ مِنْ بُيوتِ القَريةِ التي يَخرجُ منها (١).
مَنْ دخَلَ عليه وقتُ صَلاةٍ في الحَضرِ -وقد تَمكَّنَ مِنْ فِعلِ تلك الصَّلاةِ- ثم سافَر، هل له أن يَقصُرَها أو لا؟
ذهَبَ الأئمَّةُ الأربَعُة إلى أنَّ مَنْ سافَرَ بعدَ دُخولِ وقتِ الصَّلاةِ وقد تَمكَّنَ مِنْ أن يُصلِّيَها في الحَضرِ، فإنَّ له أن يَقصُرَها في السَّفرِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: أَجمعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّ له قَصرَها، وهذا قولُ مالِكٍ والأَوزاعيِّ والشافِعيِّ وأَصحابِ الرَّأيِ؛ لأنَّه سافَرَ قبلَ خُروجِ وقتِها، أشبَهَ ما لو سافَرَ قبلَ وُجوبِها.
لكنَّ هناكَ رِوايةً عندَ الحَنابلَةِ أنَّه ليسَ له قَصرُها.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا سافَرَ بعدَ دُخولِ وقتِ الصَّلاةِ، فقالَ ابنُ عَقيلٍ: فيه رِوايتانِ:
إحداهُما: قَصرُها، ثم حَكى قولَ ابنِ المنذِرِ السابقَ.
والأُخرى: ليسَ له قَصرُها؛ لأنَّها وجَبَت عليه في الحَضرِ؛ فلزِمَه إِتمامُها، كما لو سافَرَ بعدَ خُروجِ وقتِها، أو بعدَ إحرامِه بها، وفارقَ قبلَ الوقتِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ لم تَجِب عليه (٢).
стр. 1444
وقالَ النَّوويُّ ﵀: لو سافَرَ في أثناءِ الوقتِ، وقد تَمكَّنَ مِنْ تلك الصَّلاةِ، فله قَصرُها في السَّفرِ عندَنا، وعندَ أَبي حَنيفةَ ومالِكٍ والجُمهورِ (١).
الشَّريطَةُ الرابِعةُ: اشتِراطُ نيَّةِ السَّفرِ عندَ كلِّ صَلاةٍ:
ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الذي لم يَنوِ القَصرَ عندَ الإِحرامِ لا يَقصُرُ، بل يُتمُّ؛ لأنَّ نيَّةَ القَصرِ شَرطٌ في جَوازِه عندَ الإِحرامِ؛ ولأنَّ الإِتمامَ هو الأصلُ -أي: عندَهم-، وإِطلاقُ النِّيةِ يَنصرِفُ إلى الأصلِ، ولا يَنصرِفُ عنه إلا بتَعيينِ ما يَصرِفُه إليه؛ كما لو نَوى الصَّلاةَ مُطلَقًا، ولم يَنوِ إمامًا، ولا مَأمومًا؛ فإنَّه يَنصرِفُ إلى الانفِرادِ؛ إذ هو الأصلُ.
ومِثلُ نيَّةِ القَصرِ عندَ الشافِعيةِ ما لو نَوى الظُّهرَ مثلًا رَكعَتينِ، ولم يَنوِ تَرَخُّصًا، ومِثلُ النِّيةِ أيضًا ما لو قالَ: أُؤدِّي صَلاةَ السَّفرِ، كما قالَه المُتولِّي مِنْ الشافِعيةِ، فلو لم يَنوِ ما ذُكرَ بأن نَوى الإِتمامَ أو أطلَقَ أتَمَّ.
واشتَرَطوا أيضًا التَّحرُّزَ عمَّا يُنافي نيَّةَ القَصرِ في دَوامِ الصَّلاةِ، فلو نَوى الإِتمامَ بعدَ نيَّةِ القَصرِ أتَمَّ، ولو أَحرمَ قاصِرًا ثم تردَّدَ في أنَّه يَقصُرُ أو يُتمُّ، يُتمُّ، ولو شَكَّ في أَثناءِ الصَّلاةِ هل نَوى القَصرَ في ابتِدائِها أو لا، لزِمَه إِتمامُها احتِياطًا، وإن تذكَّرَ في الحالِ أنَّه نَواهُ؛ لأنَّه أدَّى جُزءًا مِنْ صَلاتِه حالَ التَّردُّدِ على التَّمامِ. ولو نَوى الإِتمامَ أو ائتَمَّ بمُقيمٍ ففسَدَتِ الصَّلاةُ، وأرادَ إِعادتَها
стр. 1445
لزِمَه الإِتمامُ أيضًا؛ لأنَّها وجَبَت عليه تامَّةً، بتَلبُّسِه بها خلفَ المُقيمِ ونيَّةِ الإِتمامِ (١).
أمَّا الحَنفيةُ: فلا تَجبُ عندَهم نيَّةُ القَصرِ؛ لأنَّ الأصلَ عندَهمُ القَصرُ، وإلى هذا ذهَبَ أَبو بَكرٍ مِنْ الحَنابلَةِ، فقالَ: لا تُشترطُ نيَّتُه؛ لأنَّ مَنْ خُيِّرَ في العِبادةِ قبلَ الدُّخولِ فيها، خُيِّرَ بعدَ الدُّخولِ فيها، كالصَّومِ؛ ولأنَّ القَصرَ هو الأصلُ بدَليلِ خبَرِ عائشةَ وعمرَ وابنِ عَباسٍ؛ فلا يَحتَاجُ إلى نيَّةٍ كالإِتمامِ (٢).
وعندَ المالِكيةِ: تَكفي نيَّةُ القَصرِ في أوَّلِ صَلاةٍ يَقصُرُها في السَّفرِ، ولا يَلزمُ تَجديدُها فيما بعدَها مِنْ الصَّلواتِ، وقيلَ: إنَّه لا بدَّ مِنْ نيَّةِ القَصرِ عندَ كلِّ صَلاةٍ، ولو حُكمًا (٣).
واشتَرطَ الشافِعيةُ -أيضًا- العِلمَ بجَوازِ القَصرِ، فلو قصَرَ جاهِلًا به لم تَصحَّ صَلاتُه؛ لتَلاعُبِه (٤).
وقالَ الحَنابلَةُ: وإذا قصَرَ المُسافِرُ مُعتقِدًا لتَحريمِ القَصرِ لم تَصحَّ صَلاتُه؛ لأنَّه فعَلَ ما يُعتقَدُ تَحريمُه، فلم يَقعْ مُجزِئًا، كمَن صلَّى يَعتقدُ أنَّه
стр. 1446
مُحدِثٌ، ولأنَّ نيَّةَ التَّقرُّبِ بالصَّلاةِ شَرطٌ، وهذا يَعتقدُ أنَّه عاصٍ، فلم تَحصُل نيَّةُ التَّقَرُّبِ (١).
وعندَ الحَنفيةِ: لو اختارَ الأربعَ لا يَقعُ الكلُّ فَرضًا، بلِ المَفروضُ رَكعَتانِ، والشَّطرُ الثاني يَقعُ تَطوُّعًا، حتى إنَّه إذا لم يَقعُد على رَأسِ الرَّكعَتينِ قَدرَ التشهُّدِ فسَدَت صَلاتُه؛ لأنَّها القَعدةُ الأَخيرةُ في حقِّه، وإذا أتَمَّ ساهِيًا صحَّت صَلاتُه، ووجَبَ عليه سُجودُ السَّهوِ. وإن كانَ عَمدًا وجلَسَ على رَأسِ الرَّكعَتينِ صحَّت صَلاتُه وأساءَ؛ لتَأخيرِه السَّلامَ عن مَكانِه (٢).
ويَقولُ المالِكيةُ: إن نَوى المُسافِرُ الإِقامةَ القاطِعةَ لحُكمِ السَّفرِ، وهو في الصَّلاةِ التي أَحرمَ بها سَفريَّةً، شفَعَ بأُخرى نَدبًا إن عقَدَ رَكعةً، وجعَلَها نافِلةً، ولا تُجزِئُ الصَّلاةُ حَضريَّةً إن أتَمَّها أربَعًا؛ لِعدمِ دُخولِه عليها، ولا تُجزِئُ سَفريَّةً؛ لتَغيُّرِ نيَّتِه في أَثنائِها (٣).
اقتِداءُ المُسافرِ بالمُقيمِ:
إذا دخَلَ المُسافِرُ في صَلاةٍ رُباعيَّةٍ خلفَ إمامٍ مُقيمٍ، فلا يَخلُو مِنْ ثَلاثِ حَالاتٍ:
الأُولى: أن يُدرِكَ مع الإمامِ ثَلاثَ رَكعاتٍ أو أربَعًا، فيَلزمَه الائتِمَامُ به، وإِتمامُ الصَّلاةِ أربَعًا خلفَ إمامِه، وبهذا قالَ الأئمَّةُ الأربَعةُ؛ لأنَّه اجتَمعَ ما
стр. 1447
يَقتَضي القَصرَ والتَّمامَ؛ فغلَبَ التَّمامُ، كما لو أَحرمَ بها في السَّفرِ ثم أقامَ، ولعُمومِ قولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما جُعلَ الإِمَامُ لِيُؤتمَّ بِه؛ فلا تَختلِفُوا عليه … » (١).
ولحَديثِ موسى بنِ سَلمةَ الهُذلِيِّ قالَ: سألتُ ابنَ عَباسٍ: كَيفَ أُصلِّي إذا كُنْتُ بمَكةَ إذا لم أُصلِّ مع الإِمامِ؟ فقالَ: «رَكعَتينِ سُنةَ أَبي القاسِمِ ﷺ » (٢). وفي لَفظٍ: «إنَّا إذا كُنا معَكُم صلَّينَا أربَعًا، وإذا رَجعنَا إلى رِحالِنا صلَّينا رَكعَتينِ. قالَ: تلك سُنةُ أَبي القاسِمِ ﷺ » (٣).
وعنِ ابنِ عمرَ ﵂: «أنَّه كانَ إذا صلَّى مع الإِمامِ صلَّى أربَعًا، وإذا صلَّاها وَحدَهُ صلَّى رَكعَتينِ» (٤).
الثانيةُ: أن يُدرِكَ مع الإمامِ رَكعةً أو رَكعَتينِ؛ ففي هذه الحالةِ يَلزمُه الإِتمامُ أيضًا كالَّتي قبلَها، وهذا باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ. واستدَلُّوا على ذلك بالأدلَّةِ المُتقدِّمةِ، وبحَديثِ أَبي مِجلَزٍ قالَ: قُلتُ لابنِ عمرَ: المُسافِرُ يُدرِكُ رَكعَتينِ مِنْ صَلاةِ القَومِ (يَعني المُقيمِينَ) أتُجزِئُه الرَّكعَتانِ ويُصلِّي بصَلاتِهم؟ قالَ: فضَحِك، وقالَ: «يُصلِّي بصَلاتهِم» (٥).
стр. 1448
الثَّالثةُ: أن يُدرِكَ معه أقَلَّ مِنْ رَكعةٍ، فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه يَلزمُه الإِتمامُ.
وقالَ الإمامُ مالِكٌ: له القَصرُ، ولا يَلزمُه الإِتمامُ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَدركَ مِنْ الصَّلاةِ رَكعَةً، فقد أَدركَ الصَّلاةَ» (١)، ولأنَّ مَنْ أَدركَ مِنْ الجمُعةِ رَكعةً أتَمَّها جمُعةً، ومَن أَدركَ أقَلَّ مِنْ ذلك، لا يَلزمُه فَرضُها، بل يُصلِّي أربَعًا (٢).
اقتِداءُ المُسافرِ بمَن يَشُكُّ في أمرِه أهو مُسافِرٌ أم مُقيمٌ؟
قالَ الشافِعيةُ والحَنابلَةُ: إذا أَحرمَ المُسافِرُ خلفَ مَنْ يَغلِبُ على ظَنِّه أنَّه مُقيمٌ، أو أنَّه يَشكُّ هل هو مُقيمٌ أو مُسافِرٌ؟ لزِمَه الإِتمامُ، وإن قصَرَ إمامُه؛ لأنَّ الأصلَ وُجوبُ الصَّلاةِ تامَّةً، فليسَ له نِيةُ قَصرِها مع الشَّكِّ في وُجوبِ إِتمامِها، ويَلزمُه إِتمامُها اعتِبارًا بالنِّيةِ، وإن غلَبَ على ظَنِّه أنَّ الإمامَ مُسافِرٌ لرُؤيةِ حِليةِ المُسافِرينَ عليه وآثارِ السَّفرِ، فله أن يَنوِيَ القَصرَ، فإن قصَرَ إمامُه قصَرَ معه، وإن أتَمَّ لزِمَه مُتابَعتُه، وإن نَوى الإِتمامَ لزِمَه الإِتمامُ، سَواءٌ قصَرَ إمامُه أو أتَمَّ، اعتِبارًا بالنِّيةِ (٣).
стр. 1449
وقالَ المالِكيةُ: إن دخَلَ مُسافِرٌ مع قَومٍ ظَنَّهم مُسافِرينَ فنَوى القَصرَ ودخَلَ معهم، فظهَرَ خِلافُه وأنَّهم مُقيمُونَ أو لم يَظهَر شَيءٌ، أعادَ أبدًا؛ لمُخالفَتِه إمامَه؛ لأنَّه -أي: الدَّاخِلَ- خالَفَه نيَّةً وفِعلًا؛ لأنَّه إن سلَّمَ مِنْ اثنتَينِ خالَفَه نيَّةً وفِعلًا، وإن أتَمَّ فقد خالَفَه نيَّةً، وفعَلَ خِلافَ ما دخَلَ عليه، فهو كمَن نَوى القَصرَ وأتَمَّ عَمدًا.
وأمَّا إذا لم يَظهَر شَيءٌ بأن ذَهَبوا حينَ سلَّمَ الإمامُ مِنْ رَكعَتينِ، ولم يَدرِ أهي صَلاتُهم، أو أخِيرَتا تَامَّةٍ، فوَجهُ البُطلانِ احتِمالُ حُصولِ المُخالَفةِ، أي أنَّه يَحتمِلُ مُوافَقةَ الجَماعةِ له في كَونِهم مُسافِرينَ، فتَكونُ الصَّلاةُ صَحيحةً، ويَحتمِلُ أنَّهم مُقيمُونَ، فيَلزمُ إمَّا مُخالَفةُ الإمامِ نيَّةً وفِعلًا، إن سلَّمَ مِنْ اثنَتَينِ، وإن أتَمَّ يَلزمُ مُخالفَتُه لِلإمامِ نيَّةً، ومُخالَفةُ نيَّتِه لفِعلِه، فقد حصَلَ الشَّكُّ في الصِّحةِ، وهو يُوجِبُ البُطلانَ (١).
اقتِداءُ المُقيمِ بالمُسافرِ:
إذا اقتَدَى مُقيمٌ خلفَ مُسافِرٍ في صَلاةٍ رُباعِيَّةٍ، فإنَّه يَلزمُه أن يُتمَّ صَلاتَه أربَعًا بعدَ تَسليمِ الإمامِ بإِجماعِ العُلماءِ (٢)، ويُستحبُّ لِلإمامِ بعدَ تَسليمِه أن يَقولَ لهم: «أَتِمُّوا صَلاتَكُم؛ فإنَّا قَومٌ سَفرٌ»؛ لمَا رَوى مالِكٌ وغيرُه عن ابنِ
стр. 1450
عمرَ أنَّ عمرَ ﵁ كانَ إذا قدِمَ مَكةَ صلَّى بهم رَكعَتينِ، ثم قالَ: «أَتِمُّوا يا أَهلَ مَكةَ صَلاتَكم؛ فإنَّا قَومٌ سَفرٌ» (١).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وفيه -أي: حَديثِ عمرَ هذا- أنَّ المُسافِرَ يَؤمُّ المُقيمِينَ، وهذا هو المُستحَبُّ عندَ جَماعةِ العُلماءِ، لا خِلافَ عَلِمتُه بينَهم في أنَّ المُسافِرَ إذا صلَّى بمُقيمِينَ رَكعَتينِ وسلَّمَ قأَموا فأتَمُّوا أربَعًا لِأنفُسِهم أَفرادًا (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: إذا سلَّمَ الإمامُ على رَأسِ الرَّكعَتينِ لا يسلِّمُ المُقيمُ؛ لأنَّه قد بقِيَ عليه شَطرُ الصَّلاةِ، فلو سلَّمَ لَفسَدَت صَلاتُه، ولكنَّه يَقومُ ويُتمُّها أربَعًا؛ لقولِه: «أتِمُّوا يا أهلَ مَكةَ؛ فإنَّا قَومٌ سَفرٌ» (٣).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: «وإن صلَّى مُسافِرٌ بمُقيمِينَ ومُسافِرينَ فإنَّه يُصلِّي والمُسافِرونَ رَكعَتينِ، ثم يسلِّمُ بهم، وأمرَ المُقيمِينَ أن يُتمُّوا أربَعًا وكلُّ مُسافِرٍ فله أن يُتمَّ، وإنَّما رُخِّصَ له أن يَقصُرَ الصَّلاةَ إن شاءَ، فإن أتَمَّ فله الإِتمامُ، وكانَ عُثمانَ بنُ عفَّانَ يُتمُّ الصَّلاةَ».
قالَ الماوَرديُّ: وهذا كما قالَ إذا اجتَمعَ مُسافِرونَ ومُقيمُونَ فأَرادوا الصَّلاةَ جَماعةً، فإن كانَ فيهم إمامُ الوقتِ أو سُلطانُ البَلدِ، فهو أَولَاهم
стр. 1451
بالإمامةِ، مُقيمًا كانَ أو مُسافِرًا، وإن لم يَكنْ فيهم إمامٌ ولا سُلطانٌ، واستَوَوا في الفِقهِ والقِراءةِ، فإمامةُ المُقيمِ أَولى؛ لأَمرَينِ:
أحدُهما: أن يُتمَّ الصَّلاةَ، والإِتمامُ أفضَلُ.
والآخَرُ: لأنَّه يَستَوي مَنْ خلفَه، فيَكونُ فَراغُهم على سَواءٍ؛ فلهَذينِ كانَت إمامَةُ المُقيمِ أَولى، فإن قدَّموا مُسافِرًا جازَ، وإن كانَ المُقيمُ أَولى، وهل تُكرَهُ إمامَتُه أو لا؟ على قولَينِ: أحدُهما: نصَّ عليه في «الأُمّ» أنَّها مَكروهةٌ لهم؛ لخُروجِه مِنْ الصَّلاةِ قبلَهم، والقولُ الآخَرُ: نصَّ عليه في «الإملاء» لا يُكرَهُ لهم؛ لأنَّ المُسافِرَ بخِلافِ المُقيمِ في إِباحةِ الرُّخصةِ، وليسَ استِباحةُ الرُّخصةِ نَقصًا فيه، فإذا أَمَّهم صلَّى ومَن خلفَه مِنْ المُسافِرينَ رَكعَتينِ إن أحَبُّوا القصرَ، ووجَبَ على مَنْ خلفَه مِنْ المُقيمِينَ أن يُتمُّوا الصَّلاةَ أربَعًا، ولم يَجزْ أن يَقصُروا؛ لأنَّ فَرضَهم الإِتمامُ، وقد رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بقَومٍ ثم قالَ: «أتِمُّوا يا أهلَ مَكةَ»، ورُويَ عن عمرَ بنِ الخَطابِ ﵁: أنَّه صلَّى بقَومٍ، فلمَّا فرغَ قالَ: «أتِمُّوا أيُّها المُقيمُونَ؛ فإنَّا قَومٌ سَفرٌ»، ورُويَ نَحوُه عن عُثمانَ ﵁، فإذا سلَّمَ الإمامُ قالَ الشافِعيُّ: اختِيرَ أن يَأمرَ المُقيمِينَ بإِتمامِ الصَّلاةِ أربَعًا، فلو أمَرَهم بذلك قبلَ إِحرامِهم كانَ أَولى؛ لأنَّه ربَّما جهِلَ بعضُهم فسلَّمَ بسَلامِه، وإن لم يَأمرْهم بشَيءٍ مِنْ ذلك فلا حَرجَ عليه، فإذا أرادَ المُقيمونَ إِتمامَ صَلاتِهم أربَعًا بعدَ فَراغِ الإمامِ، فاستَخلَفَ الإمامُ عليهم واحدًا منهم ليُتمَّ بهم أو قدَّموا أحدَهم -وقيلَ بجَوازِ الاستِخلافِ على قولِه في الجَديدِ-
стр. 1452
ففي جَوازِ هذا وَجهانِ: أحدُهما -وهو أشبَه بقولِه-: يَجوزُ؛ لأنَّه لمَّا جازَ أن يَستخلِفَ إذا خرَجَ منها قبلَ تَمامِ صَلاتِه جازَ أن يَستخلِفَ إذا خرَجَ منها قبلَ تَمامِ صَلاتِهم، والوَجهُ الآخَرُ: لا يَجوزُ الاستِخلافُ عليهم، ويُتمُّونَ الصَّلاةَ فُرادَى؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وافَى مع المُغيرةِ بنِ شُعبَةَ وقد صلَّى عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ ﵁ بالنَّاسِ رَكعةً، فصلَّى النَّبيُّ ﷺ رَكعةً، فلمَّا فرَغَ عبدُ الرَّحمنِ أتَمَّ النَّبيُّ ﷺ لنَفسِه ولم يَؤمَّ المُغيرةَ، فدلَّ على أنَّ الاستِخلافَ بعدَ فَراغِ الإمامِ غيرُ جائِزٍ (١).
قَضاءُ فائِتةِ الحَضرِ في السَّفرِ وعَكسُه:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ مَنْ فاتَته صَلاةٌ في الحَضرِ فقَضاها في السَّفرِ لزِمَه الإِتمامُ؛ لأنَّ الصَّلاةَ تَعيَّنَ عليه فِعلُها أربَعًا فلم يَجزْ له النُّقصانُ مِنْ عددِها، كما لو سافَرَ، ولأنَّه يَقضي ما فاتَه وقد فاتَه أربَعٌ.
أمَّا إذا فاتَته صَلاةٌ في السَّفرِ فقَضاها في الحَضرِ، فذهَبَ الحَنابلَةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ عندَهم إلى أنَّه يَلزمُه الإِتمامُ احتِياطًا؛ لأنَّ القَصرَ رُخصةٌ مِنْ رُخَصِ السَّفرِ؛ فيَبطُلُ بزَوالِه، كالمَسحِ ثَلاثًا؛ ولأنَّها وجَبَت عليه في الحَضرِ، بدَليلِ قولِه ﷺ : «فَليُصلِّها إذا ذكَرَها»، ولأنَّها عِبادةٌ تَختلِفُ بالحَضرِ والسَّفرِ، فإذا وجَدَ أحَدُ طرفَيها في الحَضرِ غُلِّبَ فيها حكمُه، كما لو دخَلَت به السَّفينةُ البَلدَ في أثناءِ الصَّلاةِ، وكالمَسحِ.
стр. 1453
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في القَديمِ إلى أنَّه يَقصُرُ؛ لأنَّها صَلاةُ سَفرٍ؛ فكانَ قَضاؤُها كأدائِها في العددِ، وهو إنَّما يَقضي ما فاتَه، ولم يَفتْه إلا رَكعَتانِ (١).
المُسافِرُ عن أهلِه دَائِمًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُسافرِ عن أهلِه دَائِمًا، كالمَلَّاحِ -صاحِبِ السَّفينةِ-، والفَيجِ -رَسولِ السُّلطانِ- على رِجلِه، وقيلَ: هو الذي يَسعَى بالكُتبِ، والمُكارِي -الجمَّالِ-.
فقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ: له أن يَقصُرَ ويُفطِرَ؛ لعُمومِ النُّصوصِ، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ ﵎ وضَعَ عن المُسافرِ الصَّومَ، وشطْرَ الصَّلاةِ» (٢)، ويَستَوي الحكمُ في ذلك، سواءٌ سافَرَ بأهلِه، أو بدُونِهم، فكَونُ أهلِه معَه لا يَمنَعُ التَّرخُّصَ.
أمَّا عن الحَنابلَةُ؛ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والملَّاحُ الذي يَسيرُ في سَفينَتِه، وليسَ له بَيتٌ سِوى سَفينَتِه، فيها أهلُه وتَنُّورُه وحاجَتُه، لا يُباحُ له
стр. 1454
التَّرخُّصُ، فقالَ الأثرَمُ: سَمِعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسألُ عن الملَّاحِ: أيَقصُرُ ويُفطِرُ في السَّفينةِ؟ قالَ: أمَّا إذا كانَت السَّفينةُ بَيتَه، فإنَّه يُتمُّ ويَصومُ، قيلَ له: وكيفَ تَكونُ بَيتَه؟ قالَ: لا يَكونُ له بَيتٌ غيرُها، معه فيها أهلُه، وهو فيها مُقيمٌ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا الجمَّالُ والمُكارِي فلهمُ التَّرخُّصُ، وإن سافَروا بأهلِيهم، قالَ أبو داودَ: سَمِعتُ أحمدَ يَقولُ: المُكارِي الذي هو دَهرَه في السَّفرِ: لا بدَّ مِنْ أن يَقدَمَ فيُقيمَ اليومَ، قيلَ: فيُقيمَ اليومَ واليومَينِ والثَّلاثةَ في تَهيُّئِه للسَّفرِ، قالَ: هذا يَقصُرُ، وذكَرَ القاضِي وأبو الخَطابِ أنَّه ليسَ له القَصرُ كالملَّاحِ، وهذا غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّه مُسافِرٌ مُشفَقٌ عليه، فكانَ له القَصرُ كغيرِه، ولا يَصحُّ قياسُه على الملَّاحِ؛ فإنَّ الملَّاحَ في مَنزلِه سَفرًا أو حَضرًا، ومعه مَصالحُه وتَنُّورُه وأهلُه، وهذا لا يُوجَدُ في غيرِه، وإن سافَرَ هذا بأهلِه كانَ أشَقَّ عليه، وأبلَغَ في استِحقاقِ التَّرخُّصِ، وقد ذكَرْنا نصَّ أحمدَ في الفَرقِ بينَهما، والنُّصوصُ مُتناوِلةٌ لِهذا بعُمومِها، وليسَ هو في مَعنى المَخصوصِ، فوجَبَ القولُ بثُبوتِ حُكمِ النَّصِّ فيه، واللهُ أعلَمُ (١).
ما يَصيرُ به المُسافِرُ مُقيمًا؛ أو زَوالُ حالَةِ السَّفرِ:
المُسافِرُ إذا صحَّ سَفرُه يَظلُّ على حُكمِ السَّفرِ، ولا يَتغيَّرُ هذا الحكمُ، إلا أن يَنويَ الإِقامةَ، أو يَدخُلَ وطَنَه، وحينَئذٍ تَزولُ حالةُ السَّفرِ، ويُصبِحُ مُقيمًا، تَنطبِقُ عليه أَحكامُ المُقيمِ.
стр. 1455
ولِلإقامةِ شَرائطُ، هي:
الأُولى: نيَّةُ الإِقامةِ:
صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّ نيَّةَ الإِقامةِ أمرٌ لا بدَّ منه. قالَ الكاسانِيُّ: حتى لو دخَلَ مِصرًا، ومكَثَ فيها شَهرًا أو أكثرَ؛ لانتِظارِ القافِلةِ، أو لِحاجةٍ أُخرى، يَقولُ: أَخرُجُ اليومَ أو غَدًا، ولم يَنوِ الإِقامةَ، لا يَصيرُ مُقيمًا، وذلك لإجماعِ الصَّحابةِ ﵃؛ فإنَّه رُويَ عن سَعدِ بنِ أَبي وقَّاصٍ ﵁: «أَنَّه أقامَ بقَريةٍ مِنْ قُرى نَيسابُورَ شَهرَينِ، وكانَ يَقصُرُ الصَّلاةَ» (١).
وعنِ ابنِ عمرَ ﵁: «أَنَّه أقامَ بأَذرَبِيجانَ شَهرًا، وكانَ يُصلِّي رَكعَتينِ» (٢). وعَن عَلقَمةَ: «أَنَّه أقامَ بخَوارِزمَ سَنتَينِ، وكانَ يَقصُرُ» (٣).
стр. 1456
ورُويَ عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ ﵁ قالَ: شهِدتُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ عامَ فَتحِ مَكةَ، فَأقامَ بِمَكةَ ثَمانِيَ عَشرَةَ لَيلَةً، لَا يُصلِّي إلَّا الرَّكعَتينِ، ثم قالَ لِأَهلِ مَكةَ: «صَلُّوا أربَعًا فإنَّا قَومٌ سَفرٌ» (١). والقياسُ بمُقابلةِ النَّصِّ والإِجماعِ باطِلٌ.
وأمَّا مدَّةُ الإِقامةِ المُعتبَرةِ، فأقَلُّها خَمسةَ عشَرَ يَومًا؛ لمَا رَوى ابنُ عَباسٍ وابنُ عمرَ ﵄ أنَّهما قالَا: «إذا دَخَلتَ بَلدَةً وأنتَ مُسافِرٌ وفي عَزمِكَ أَنْ تُقيمَ بها خَمسَةَ عشَرَ يَومًا، فأَكمِلِ الصَّلاةَ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَدرِي متى تَظعَنُ فاقصُر» (٢)، وهذا بابٌ لا يُوصَلُ إليه بالاجتِهادِ؛ لأنَّه مِنْ جُملةِ المَقاديرِ، ولا يُظنُّ بهما التَّكلُّمُ جُزافًا، فالظَّاهرُ أنَّهما قالاه سَماعًا مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ (٣).
وعندَ المالِكيةِ: لا بدَّ مِنْ النِّيةِ أيضًا، وأقَلُّ مدَّةِ الإِقامةِ عندَهم أربَعةُ أيَّامٍ صِحاحٍ، مع وُجوبِ عِشرينَ صَلاةً في مدَّةِ الإِقامةِ، فمَن دخَلَ قبلَ فَجرِ السَّبتِ مثَلًا ونَوى أن يُقيمَ إلى غُروبِ يَومِ الثُّلاثَاءِ ويَخرُجَ قبلَ العِشاءِ لم يَنقطِعْ حكمُ سَفرِه؛ لأنَّه -وإن كانَت الأيَّامُ الأربَعةُ صِحاحًا- لم يَجبْ عليه عِشرونَ صَلاةً، ومَن دخَلَ قبلَ عَصرِه، ولم يَكنْ صلَّى الظُّهرَ ونَوى الارتِحالَ بعدَ صُبحِ الخامِسِ، لم يَنقَطِع حكمُ سَفرِه؛ لأنَّه -وإن وجَبَ عليه
стр. 1457
عِشرونَ صَلاةً- ليسَ مَعه إلا ثَلاثةُ أيَّامٍ صِحاحٍ، فلا بدَّ مِنْ الأمرَينِ، وعَدَّ سحنُونٌ العِشرينَ صَلاةً فَقط.
ثم إنَّ نيَّةَ الإِقامةِ إمَّا أن تَكونَ في ابتِداءِ السَّيرِ، وإمَّا أن تَكونَ في أثنائِه، فإن كانَت في ابتِداءِ السَّيرِ، وكانَت المَسافةُ بينَ النِّيةِ وبينَ محَلِّ الإِقامةِ مَسافةَ قَصرٍ، قصَرَ الصَّلاةَ حتى يَدخُلَ محَلَّ الإِقامةِ بالفِعلِ، وإلا أتَمَّ مِنْ حِينِ النِّيةِ، أمَّا إن كانَت النِّيةُ في أثناءِ السَّفرِ فإنَّه يَقصُرُ حتى يَدخُلَ محَلَّ الإِقامةِ بالفِعلِ، ولو كانَت المَسافةُ بينَهما دونَ مَسافةِ القَصرِ على المُعتمَدِ، ويُستَثنى مِنْ نيَّةِ الإِقامةِ نيَّةُ العَسكَرِ بمحَلِّ خَوفٍ، فإنَّها لا تَقطَعُ حُكمَ السَّفرِ.
وإذا أقامَ بمحَلٍّ في أثناءِ سَفرِه دونَ أن يَنوِيَ الإِقامةَ به، فإنَّ إقامَتَه به لا تَمنَعُ القَصرَ، ولو أقامَ مدَّةً طَويلةً، إلا أنَّه إذا علِمَ أنَّه سيُقيمُ أربَعةَ أيَّامٍ في مَكانٍ عادَةً، فإنَّ ذلك يَقطعُ حُكمَ السَّفرِ، ولو لم يَنوِ الإِقامةَ؛ لأنَّ العِلمَ بالإِقامةِ كالنِّيةِ، بخِلافِ الشَّكِّ؛ فإنَّه لا يَقطعُ حُكمَ السَّفرِ (١).
أمَّا الشافِعية، فقالَ الخَطيبُ الشِّربِينِيُّ: لو نَوى المُسافِرُ المُستَقلُّ -ولو مُحارِبًا- إقامةَ أربَعةِ أيَّامٍ تامَّةٍ بلَيالِيها، أو نَوى الإِقامةَ، وأطلَقَ بمَوضعٍ -عَيَّنَه- صالِحٍ لِلإقامةِ، و-كذا- غيرِ صالِحٍ، كمَفازةٍ على الأصَحِّ، انقَطعَ
стр. 1458
سَفرُه بوُصولِه -أي: بوُصولِ ذلك المَوضِعِ-، سَواءٌ أكانَ مَقصدُه أم في طَريقِه، أو نَوى بمَوضعٍ وصَلَ إليه إقامةَ أربَعةِ أيَّامٍ انقَطعَ سَفرُه بالنِّيةِ مع مُكثِه إن كانَ مُستَقِلًّا.
ولو أقامَ أربعَةَ أيَّامٍ بلا نيَّةٍ انقَطعَ سَفرُه بتَمامِها؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أباحَ القَصرَ بشَرطِ الضَّربِ في الأرضِ، والمُقيمُ والعازِمُ على الإِقامةِ غيرُ ضارِبٍ في الأرضِ، والسُّنةُ بيَّنت أنَّ ما دونَ الأربَعِ لا يَقطعُ السَّفرَ، ففِي الصَّحيحَينِ: «يُقيمُ المُهاجِرُ بعدَ قَضاءِ نُسكِه ثَلاثًا» (١). وكانَ يَحرمُ على المُهاجِرينَ الإِقامةُ بمَكةَ ومُساكَنةُ الكُفَّارِ، فالتَّرخُّصُ في الثَّلاثةِ يَدلُّ على بَقاءِ حُكمِ السَّفرِ، بخِلافِ الأربَعةِ. ومنَعَ عمرُ أهلَ الذِّمةِ الإِقامةَ في الحِجازِ، ثم أذِنَ للتَّاجرِ منهم أن يُقيمَ ثَلاثةَ أيَّامٍ. رَواه مالِكٌ بإِسنادٍ صَحيحٍ، وفي مَعنى الثَّلاثةِ ما فوقَها، ودُونَ الأربَعةِ، وألحَقَ بإقامَةِ الأربَعةِ بنيَّةِ إقامَتِها.
أمَّا لو نَوى الإِقامةَ وهو سائِرٌ فلا يُؤثِّرُ؛ لأنَّ سَببَ القَصرِ السَّفرُ، وهو مَوجودٌ حَقيقةً. ولا يُحسَبُ منها -أي: الأربَعةِ- يومَا دُخولِه وخُروجِه، إذا دخَلَ نَهارًا، على الصَّحيحِ؛ لأنَّ في الأوَّلِ الحَطَّ، وفي الآخَرِ الرَّحيلَ، وهُما مِنْ أَشغالِ السَّفرِ.
والثانية: يُحسَبانِ كما يُحسَبُ في مدَّةِ مَسحِ الخُفِّ يَومُ الحَدثِ ويَومُ النَّزعِ، وفَرقُ الأوَّلِ أنَّ المُسافِرَ لا يَستوعِبُ النَّهارَ بالسَّيرِ، وإنَّما يَسيرُ في
стр. 1459
بعضِه، وفي يومَيِ الدُّخولِ والخُروجِ سائِرٌ في بعضِ النَّهارِ، بخِلافِ اللُّبثِ، فإنَّه مُستَوعبٌ للمدَّةِ.
وعلى القولِ بأنَّهما يُحسَبانِ إنَّما يُحسَبانِ بالتَّلفيقِ، لا يومَينِ كامِلَينِ، فلو دخَلَ زَوالُ السَّبتِ لِيخرُجَ زَوالُ الأربِعاءِ أتَمَّ، أو قبلَه قصرَ، فإن دخَلَ لَيلًا لم تُحسَب بَقيَّةُ اللَّيلةِ، ويُحسَبُ الغَدُ، ومُقامُه في هذه الحالَةِ دونَ ما يُقيمُه لو دخَلَ نَهارًا.
ولو أقامَ ببَلدٍ مثَلًا بنيَّةِ أن يَرحَلَ إذا حصَلَت حاجَةٌ يَتوقَّعُها كلَّ وَقتٍ، أو حبَسَه الرِّيحُ بمَوضعٍ في البَحرِ، قصَرَ ثَمانيةَ عشَرَ يَومًا غيرَ يومَيِ الدُّخولِ والخُروجِ؛ لأنَّه ﷺ أقامَها بمَكةَ عامَ الفَتحِ لحَربِ هَوازِنَ يَقصُرُ الصَّلاةَ (١). رَواهُ أبو داودَ … ، وقيلَ: يَقصُرُ أربعَةَ أيَّامٍ غيرَ يومَيِ الدُّخولِ والخُروجِ؛ لأنَّ التَّرخُّصَ إذا امتنَعَ بنيَّةِ إِقامتِها أَولى؛ لأنَّ الفِعلَ أبلَغُ مِنْ النيَّةِ.
وفي قَولٍ: يَقصُرُ أبدًا، أي: بحسَبِ الحاجَةِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه لو زادَت حاجَتُه ﷺ على الثَّمانيةَ عشَرَ لَقصَرَ في الزَّائِدِ أيضًا … ولو علِمَ المُسافِرُ بَقاءَ حاجَتِه مدَّةً طَويلةً، وهي الأربَعةُ المَذكورةُ، وما زادَ عليها، كأنْ كانَ يَعلَمُ أنَّه لا يُتنجَّزُ شُغلُه إلا في خَمسةِ أيَّامٍ، فلا قَصرَ له على المَذهبِ؛ لأنَّه ساكِنٌ مُطمَئنٌ بَعيدٌ عن هَيئةِ المُسافِرينَ (٢).
стр. 1460
وعندَ الحَنابلَةِ: لو نَوى المُسافِرُ الإِقامةَ أكثرَ مِنْ عِشرينَ صَلاةً أتَمَّ؛ لحَديثِ جابرٍ وابنِ عَباسٍ ﵂: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدِمَ مَكةَ صَبيحةَ رابِعةِ ذي الحِجةِ، فأقامَ بها الرابِعَ والخامِسَ والسَّادسَ والسابعَ، وصلَّى الصُّبحَ في اليَومِ الثاني، ثم خرَجَ إلى منًى، وكانَ يَقصُرُ الصَّلاةَ في هذه الأيَّامِ، وقد عزَمَ على إقامَتِها».
ولو نَوى المُسافِرُ إقامَةً مُطلَقةً بأن لم يَحُدَّها بزَمنٍ مُعيَّنٍ في بَلدَةٍ أتَمَّ؛ لزَوالِ السَّفرِ المُبيحِ للقَصرِ بنيَّةِ الإِقامةِ، ولو شَكَّ في نيَّتِه هل نَوى إقامةَ ما يَمنَعُ القَصرَ أو لا؟ أتَمَّ لأنَّه الأصلُ؛ فلا يَنتقِلُ عنه مع الشَّكِّ وإن لم يَنوِ إقامةَ أكثرَ مِنْ عِشرينَ صَلاةً، بأن نَوى عِشرينَ فأقَلَّ قصَرَ لمَا تَقدَّم، ويَومُ الدُّخولِ ويَومُ الخُروجِ يُحسَبانِ مِنْ المدَّةِ، فلو دخَلَ عندَ الزَّوالِ احتَسبَ ما بقِيَ مِنْ اليَومِ، ولو خرَجَ عندَ العَصرِ احتَسبَ ما مَضَى مِنْ اليَومِ.
وإن أقامَ المُسافِرُ لِقَضاءِ حاجةٍ يَرجو نَجاحَها، أو جِهادِ عَدوٍّ، وسَواءٌ غلَبَ على ظَنِّه انقِضاءُ حاجَتِه في مدَّةٍ يَسيرةٍ أو كَثيرةٍ، بعدَ أن يَحتمِلَ انقِضاؤُها في مدَّةٍ لا يَنقطِعُ حكمُ السَّفرِ بها -بلا نيَّةِ إقامَةٍ تَقطَعُ حُكمَ السَّفرِ- وهي إقامةُ أكثرَ مِنْ عِشرينَ صَلاةً، ولا يَعلَمُ قَضاءَ الحاجَةِ قبلَ المدَّةِ -أي: مُدةَّ أَكثرَ مِنْ عِشرينَ صَلاةً- ولو كانَ العِلمُ ظَنًّا لِإجرائِه مَجرَى اليَقينِ حيثُ يَتعذَّرُ أو يَتعسَّرُ، أو حُبس ظُلمًا، أو حبَسَه مَطرٌ أو مرَضٌ ونَحوُه، (قصَرَ أبدًا)؛ لأنَّه ﷺ «أقامَ بتَبوكَ عِشرينَ يَومًا يَقصُرُ الصَّلاةَ» (١)، لمَّا
стр. 1461
فتَحَ النَّبيُّ مَكةَ أقامَ فيها تِسعَ عَشرَةَ يُصلِّي رَكعَتينِ (١). وقالَ أنَسٌ: «إنَّ أَصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ أَقاموا بِرامَهرمُزَ تِسعَةَ أَشهُرٍ يَقصُرونَ الصَّلاةَ» (٢).
قالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: أَجمَعوا على أنَّ المُسافِرَ يَقصُرُ ما لم يَجمَعْ إقامَةً، ولو أتَى عليه سِنُونَ (٣).
وقالَ الإمامُ التِّرمذيُّ ﵀: أَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُسافِرَ يَقصُرُ ما لم يَجمَعْ إقامةً، وإن أَتى عليه سِنونَ (٤).
فإن أقامَ لِحاجةٍ وعلِمَ أو ظَنَّ أنَّها لا تَنقَضي في أربَعةِ أيَّامٍ، لزِمَه الإِتمامُ، كما لو نَوى إقامةَ أكثرَ مِنْ أربَعةِ أيَّامٍ.
وإن نَوى إقامةً بشَرطٍ، كانَ يَقولَ: إن لَقِيتُ فُلانًا في هذا البَلدِ أَقَمتُ فيه، وإلا فلا، فإن لم يَلقَه في البَلدِ فله حكمُ السَّفرِ؛ لِعدمِ الشَّرطِ الذي علَّقَ عليه الإِقامةَ، وإن لقِيَه به صارَ مُقيمًا؛ لاستِصحابِه حُكمَ نيَّةِ الإِقامةِ إن لم يَكنْ فسَخَ نيَّتَه الأُولى لِلإقامةِ، قبلَ لِقائِه أو حالَ لِقائِه، فإن فسَخَها إذَن فله القَصرُ، وإن فسَخَ النِّيةَ بعدَ لِقائِه فهو كمُسافِرٍ نَوى الإِقامةَ المانِعةَ مِنْ القَصرِ، ثم بَدا له السَّفرُ قبلَ تَمامِها؛ فليسَ له أن يَقصُرَ في مَوضِعِ إقامَتِه؛ لأنَّه
стр. 1462
محَلٌّ ثبَتَ له فيه حكمُ الإِقامةِ؛ فأشبَهَ وطَنَه، حتى يَشرَعَ في السَّفرِ ويفارِقَ ذلك المَوضِعَ (١).
الشَّريطةُ الثانيةُ: اتِّحادُ المَكانِ (اتِّحادُ مَكانِ المدَّةِ المُشترَطةِ لِلإقامةِ):
صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّ المدَّةَ التي يُقيمُها المُسافِرُ ويَصيرُ بها مُقيمًا، يُشتَرطُ فيها أن تَكونَ في مَكانٍ واحدٍ، أو ما يُشبِهُ المَكانَ الواحدَ؛ لأنَّ الإِقامةَ قَرارٌ، والانتِقالُ يُضادُّه.
فإذا نَوى المُسافِرُ الإِقامةَ المدَّةَ القاطِعةَ للسَّفرِ -وهي خَمسَةَ عشَرَ يَومًا- في مَوضعَينِ، فإن كانَ مِصرًا واحدًا أو قَريةً واحدةً، صارَ مُقيمًا؛ لأنَّهما مُتَّحدَتانِ حُكمًا؛ لأنَّه لو خرَجَ إليه مُسافِرًا لم يَقصُرْ، وإن كانَا مِصرَينِ نحوَ مَكةَ ومنًى، أوِ الكُوفةِ والحِيرَةِ؛ أو قَريتَينِ، أو كانَ أحدُهما مِصرًا والآخَرُ قَريةً، لا يَصيرُ مُقيمًا؛ لأنَّهما مَكانانِ مُتَبايِنانِ حَقيقَةً وحُكمًا.
فإن نَوى المُسافِرُ أن يُقيمَ اللَّياليَ في أحَدِ المَوضعَينِ ويَخرُجَ بالنَّهارِ إلى المَوضِعِ الآخَرِ، فإن دخَلَ أوَّلًا المَوضِعَ الذي نَوى المُقامَ فيه بالنَّهارِ، لا يَصيرُ مُقيمًا، وإن دخَلَ المَوضِعَ الذي نَوى الإِقامةَ فيه باللَّيالي يَصيرُ
стр. 1463
مُقيمًا، ثم بالخُروجِ إلى المَوضِعِ الآخَرِ لا يَصيرُ مُسافِرًا؛ لأنَّ مَوضِعَ إقامَةِ الرَّجلِ حيثُ يَبيتُ فيه، ألَا تَرَى إذا قيلَ للسُّوقِيِّ: أينَ تَسكنُ؟ يَقولُ: في محَلَّةِ كذا، وهو بالنَّهارِ يَكونُ بالسُّوقِ (١).
الشَّريطةُ الثَّالثةُ: صَلاحيةُ المَكانِ لِلإقامةِ:
صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّه يُشتَرطُ لصحَّةِ الإِقامةِ صَلاحيَةُ المَكانِ لِذلك، والمَكانُ الصالِحُ لِلإقامةِ هو مَوضِعُ اللُّبثِ والقَرارِ في العادةِ، نحوَ الأَمصارِ والقُرى، أمَّا المَفازةُ والجَزيرةُ والسَّفينةُ، فليسَت مَوضِعًا لِلإقامةِ، حتى لو نَوى الإِقامةَ في هذه المَواضعِ خَمسَةَ عشَرَ يَومًا، لا يَصيرُ مُقيمًا، كذا رُويَ عن أَبي حَنيفَةَ. ورُويَ عن أَبي يُوسفَ في الأَعرابِ والأَكرادِ والتُّركمانِ إذا نَزَلوا بخِيامِهم في مَوضعٍ، ونَوَوا الإِقامةَ خَمسَةَ عشَرَ يَومًا صارُوا مُقيمِينَ.
وعلى هذا: إذا نَوى المُسافِرُ الإِقامةَ فيه خَمسَةَ عشَرَ يَومًا يَصيرُ مُقيمًا، كما في القَريةِ، ورُويَ عنه -أي: أَبي يُوسفَ- أيضًا أنَّهم لم يَصيروا مُقيمِينَ، فعلى هذا إذا نَوى المُسافِرُ الإِقامةَ فيه لا يَصحُّ.
والحاصِلُ أنَّ هناكَ قَولًا واحدًا عندَ أَبي حَنيفَةَ، وهو: لا يَصيرُ مُقيمًا في المَفازَةِ، ولو كانَ ثَمةَ قَومٌ وطَّنُوا ذلك المَكانَ بالخِيامِ والفَساطِيطِ. وعن أَبي يُوسفَ رِوايَتانِ.
стр. 1464
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: والصَّحيحُ قولُ أَبي حَنيفَةَ؛ لأنَّ مَوضعَ الإِقامةِ مَوضعُ القَرارِ، ولأنَّ المَفازةَ ليسَت مَوضعَ القَرارِ في الأصلِ، فكانَتِ النِّيةُ لَغوًا (١).
وأمَّا المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ عندَهم والحَنابلَةُ في قَولٍ فإنَّهم لا يَشتَرطونَ أن يَكونَ المَكانُ صالِحًا لِلإقامةِ، فلو نَوى المُسافِرُ الإِقامةَ في مَكانٍ، ولو كانَ غيرَ صالِحٍ لِلإقامةِ صحَّت نيَّتُه وامتنَعَ القَصرُ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابلَةُ في القولِ الآخَرِ وأبو حَنيفَةَ -كما سبَقَ- إلى أنَّه يُشتَرطُ أن يَكونَ المَكانُ صالِحًا لِلإقامةِ (٢).
دُخولُ الوطَنِ:
إذا دخَلَ المُسافِرُ وطَنَه صارَ مُقيمًا، وزالَ عنه حكمُ السَّفرِ، وتَغيَّرَ فَرضُه بصَيرُورَتِه مُقيمًا، وسَواءٌ دخَلَ وطَنَه لِلإقامةِ أو لِلاجتِيازِ أو لِقضاءِ حاجَةٍ، والخُروجِ بعدَ ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَخرجُ مُسافِرًا إلى الغَزَواتِ، ثم يَعودُ إلى المَدينةِ، ولا يُجدِّدُ نيَّةَ الإِقامةِ؛ لأنَّ وطَنَه مُتعيَّنٌ لِلإقامَةِ؛ فلا حاجَةَ إلى التَّعيينِ بالنِّيةِ، ودُخولُ الوطَنِ الذي يَنتَهي به حكمُ السَّفرِ هو أن يَعودَ إلى المَكانِ الذي بَدأَ منه القَصرَ، فإذا قرُبَ
стр. 1465
مِنْ بَلدِه فحَضرَتِ الصَّلاةُ فهو مُسافِرٌ، ما لم يَدخُلْ؛ لمَا رُويَ أنَّ علِيًّا ﵁ حينَ قدِمَ الكُوفةَ مِنْ البَصرةِ صلَّى صَلاةَ السَّفرِ وهو يَنظرُ إلى أَبياتِ الكُوفةِ (١).
ورُويَ عن ابنِ عمرَ ﵁ أنَّه قالَ للمُسافرِ: «صَلِّ رَكعَتينِ ما لم تَدخُل مَنزِلَكَ»، وإذا دخَلَ وَطنَه في الوقتِ وجَبَ الإِتمامُ (٢).
стр. 1466
فصل في جَمعُ الصَّلواتِ
المُرادُ بجَمعِ الصَّلواتِ عندَ الفُقهاءِ هو: أن يَجمعَ المُصلِّي بينَ فَريضَتَينِ في وقتِ إحداهُما جَمعَ تَقديمٍ أو جَمعَ تَأخيرٍ.
والصَّلواتُ التي يَجوزُ فيها الجَمعُ هي: الظُّهرُ مع العَصرِ، والمَغربُ مع العِشاءِ.
الحكمُ التَّكليفيُّ:
أجمعَ العُلماءُ على مَشروعيَّةِ الجَمعِ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ في عَرَفاتٍ، جَمعَ تَقديمٍ في وقتِ الظُّهرِ، وبينَ المَغربِ والعِشاءِ جَمعَ تَأخيرٍ في مُزدَلِفةَ في وقتِ العِشاءِ للحُجاجِ؛ لمَا رَواه مُسلمٌ عن جابرٍ ﵁ قالَ في صِفةِ حَجِّه ﷺ : «فأتى بَطنَ الوادي فخطَبَ النَّاسَ، ثم أذَّنَ، ثم أقامَ، فصلَّى الظُّهرَ، ثم أقامَ فصلَّى العَصرَ. ولم يُصلِّ بينَهما شَيئًا، حتى أتى المُزدلِفةَ فصلَّى بها المَغربَ والعِشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامتَينِ، ولم يُسبِّح بينَهما شَيئًا» (١).
стр. 1467
الجَمعُ لِلسَّفرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الجَمعِ بينَ الصَّلاتَينِ في السَّفرِ الذي تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ، فأجازَه جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ، ومنَعَه أبو حَنيفةَ وأَصحابُه بإِطلاقِه.
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم أوَّلًا: اختِلافُهم في تَأويلِ الآثارِ التي رُوِيت في الجَمعِ، والاستِدلالُ منها على جَوازِ الجَمعِ؛ لأنَّها كلَّها أفعالٌ وليسَت أَقوالًا، والأفعالُ يَتطرَّقُ إليها الاحتِمالُ كَثيرًا، أكثرَ من تَطرُّقِه إلى اللَّفظِ.
وثانيًا: اختِلافُهم أيضًا في تصَحيح بعضِها.
وثَالِثًا: اختِلافُهم أيضًا في إجازةِ القِياسِ في ذلك، فهي ثَلاثَةُ أَسبابٍ، كما تَرى.
أمَّا الآثارُ التي اختَلَفوا في تَأوِيلها، فمنها: حَديثُ أنَسٍ الثَّابِتُ باتِّفاقٍ، أخرَجَه البُخاريُّ ومُسلمٌ، قالَ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا ارتَحلَ قبلَ أنْ تَزيغَ الشَّمسُ أخَّرَ الظُّهرَ إلى وقتِ العَصرِ، ثم يَجمَعُ بينَهما، وإذا زاغَت صلَّى الظُّهرَ ثم ركِبَ» (١).
ومنها: حَديثُ ابنِ عمرَ، أخرَجَه الشَّيخانِ أيضًا، قالَ: «رَأيتُ رَسولَ اللهِ
стр. 1468
ﷺ إذا أَعجَلَه السَّيرُ في السَّفرِ يُؤخِّرُ صَلاةَ المَغربِ حتى يَجمعَ بينَها وَبينَ صَلاةِ العِشاءِ» (١).
والحَديثُ الثَّالثُ: حَديثُ ابنِ عَباسٍ أخرَجَه مالِكٌ ومُسلمٌ قالَ: «صلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ الظُّهرَ وَالعَصرَ جَميعًا، والمَغربَ وَالعِشاءَ جَميعًا، في غيرِ خَوفٍ ولا سَفرٍ» (٢).
فذهَبَ القائِلونَ بجَوازِ الجَمعِ في تَأويلِ هذه الأَحاديثِ إلى أنَّه أخَّرَ الظُّهرَ إلى وقتِ العَصرِ المُختَصِّ بها، وجَمعَ بينَهما. وذهَبَ الكُوفيُّونَ -أي: أبو حَنيفةَ وأَصحابُه- إلى أنَّه إنَّما أوقَعَ صَلاةَ الظُّهرِ في آخرِ وقتِها، وصَلاةَ العَصرِ في أوَّلِ وقتِها، على ما جاءَ في حَديثِ إمامةِ جِبريلَ ﵇، قالوا: وعلى هذا يَصحُّ حَملُ حَديثِ ابنِ عَباسٍ؛ لأنَّه قدِ انعَقدَ الإِجماعُ على أنَّه لا يَجوزُ ذلك في الحَضرِ لغيرِ عُذرٍ؛ أعني: أن تُصلَّى الصَّلاتانِ معًا في وقتِ إحداهُما، واحتَجوا لتَأويلِهم أيضًا بحَديثِ ابنِ مَسعودٍ، قالَ: «والذي لا إلهَ غيرُه ما صلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ صَلاةً قَطُّ إلا في وقتِها، إلا صَلاتَينِ: جمَعَ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ بعَرفةَ، وبينَ المَغربِ والعِشاءِ بجَمعٍ» (٣).
стр. 1469
قالوا: فهذه الآثارُ مُحتمَلٌ أن تَكونَ على ما تَأَوَّلناه نَحنُ، أو تأَوَّلتموه أنتُم، وقد صحَّ تَوقيتُ الصَّلاةِ وتَبايُنُها في الأَوقاتِ، فلا يَجوزُ أن تَنتَقلَ عن أصلٍ ثابِتٍ بأمرٍ مُحتمَلٍ.
وأمَّا الأثَرُ الذي اختَلَفوا في تَصحِيحِه: فما رَواهُ مالِكٌ من حَديثِ مُعاذِ ابن جبَلٍ: «أَنَّهم خرَجوا مع رَسولِ اللهِ ﷺ عامَ تَبوكَ، فكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَجمَعُ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ، وَالمَغربِ والعِشاءِ، قالَ: فأخَّرَ الصَّلاةَ يَومًا، ثم خرَجَ فصلَّى الظُّهرَ والعَصرَ جَميعًا، ثم دخَلَ ثم خرَجَ فصلَّى المَغربَ وَالعِشاءَ جَميعًا» (١).
وهذا الحَديثُ لو صحَّ (٢) لَكانَ أظهَرَ من تلك الأَحاديثِ في إِجازةِ الجَمعِ؛ لأنَّ ظاهِرَه أنَّه قدَّمَ العِشاءَ إلى وقتِ المَغربِ، وإن كانَ لهم أن يَقولوا: إنَّه أخَّرَ المَغربَ إلى آخرِ وقتِها، وصلَّى العِشاءَ في أوَّلِ وقتِها؛ لأنَّه ليسَ في الحَديثِ أمرٌ مَقطوعٌ به على ذلك، بل لَفظُ الرَّاوي مُحتَمِلٌ.
وأمَّا اختِلافُهم في إجازةِ القِياسِ في ذلك: فهو أن يُلحِقَ سائِرَ الصَّلواتِ في السَّفرِ بصَلاةِ: «عَرفةَ». وَ: «مُزدلِفةَ». أعني، أن يُجازَ الجَمعُ قِياسًا على تلك، فيُقالُ مثَلًا: صَلاةٌ وجَبَت في سَفرٍ، فجازَ أن تُجمعَ، أصلُه جَمعُ النَّاسِ بِ: «عَرفةَ». وَ: «المُزدلِفةِ»، وهو مَذهبُ سالمِ بنِ عبد اللهِ، أعني: جَوازَ هذا
стр. 1470
القِياسِ، لكنَّ القياسَ في العِباداتِ يَضعُفُ، فهذه هي أسبابُ الخِلافِ الواقِعِ في جَوازِ الجَمعِ. اه (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولا معنَى للجَمعِ الذي ذهَبَ إليه أبو حَنيفةَ ومَن قالَ بقولِه؛ لأنَّ ذلك جائِزٌ في الحَضرِ، بدَليلِ قولِه ﷺ في طرفَي وقتِ الصَّلاةِ: «ما بينَ هذَينِ وقتٌ»، فأجازَ الصَّلاةَ في آخرِ الوقتِ، ولو لم يَجزْ في السَّفرِ مِنْ سَعةِ الوقتِ إلا ما جازَ في الحَضرِ، بطَلَ معنَى السَّفرِ ومَعنى الرُّخصةِ والتَّوسِعةِ لِأجلِه.
ومَعلومٌ أنَّ الجَمعَ بينَ الصَّلاتَينِ في السَّفرِ رُخصةٌ لمَكانِ السَّفرِ، وتَوسِعةً في الوقتِ، كما أنَّ القَصرَ في السَّفرِ لم يَكنْ إلا مِنْ أجلِ السَّفرِ، وما يَلقَى فيه مِنْ المَشقَّةِ في الأغلبِ، وفي ارتِقابِ المُسافرِ ومُراعاتِه ألَّا يَكونَ نُزولُه إلا في الوقتِ الذي عَدَّه أبو حَنيفةَ مَشقَّةً وضِيقًا، لا سَعةً.
وقد أَجمعَ العُلماءُ على أنَّه لا يَجوزُ الجَمعُ بينَ العَصرِ والمَغربِ، ولا بينَ العِشاءِ والصُّبحِ، ولو كانَ الجَمعُ بينَ الصَّلاتَينِ في السَّفرِ على ما ذهَبَ أبو حَنيفةَ إليه والقائِلونَ بقولِه، لَجازَ الجَمعُ بينَ العَصرِ والمَغربِ بأن يُصلِّيَ العَصرَ في آخرِ وقتِها، ثم يَتمهَّلَ قَليلًا ويُصلِّيَ المَغربَ (٢).
стр. 1471
واتَّفقَ القائِلونَ بجَوازِ الجَمعِ بسَببِ السَّفرِ على أنَّه يَجوزُ الجَمعُ للمُسافرِ بينَ الصَّلاتَينِ -الظُّهرِ والعَصرِ، أو المَغربِ والعِشاءِ- في وقتِ الأُولى منهما، وفي وقتِ الثانيةِ كذلك.
غيرَ أنَّه إن كانَ نازِلًا في وقتِ الأُولى فالأفضَلُ أن يُقدِّمَ الثانيةَ في وقتِ الأُولى، وإن كانَ سائِرًا فيها فالأفضَلُ أن يُؤخّرَها إلى وقتِ الثانيةِ؛ لمَا رُويَ عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّه قالَ: «ألَا أُخبرُكم عَنْ صَلاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ إذَا زالَت الشَّمسُ وَهو في المَنزلِ (أي: مَكانِ النُّزولِ في السَّفرِ) قدَّمَ العَصرَ إلى وقتِ الظُّهرِ، ويَجمَعُ بينَهما في الزَّوالِ، وإِذا سافَرَ قبلَ الزَّوالِ أخَّرَ الظُّهرَ، إلى وقتِ العَصرِ، ثم جَمعَ بينَهما في وقتِ العَصرِ» (١). ولأنَّ هذا أرفَقُ بالمُسافرِ؛ فكانَ أفضَلَ. وأمَّا إن كانَ سائِرًا في وقتَيهِما أو نازِلًا فيه وأرادَ جَمعَهما، فالأفضَلُ تَأخيرُ الأُولى منهما إلى وقتِ الثانيةِ؛ لأنَّ وقتَ الثانيةِ وقتُ الأُولى حَقيقةً، بخِلافِ العَكسِ (٢).
стр. 1472
شُروطُ صحَّةِ الجَمعِ:
أولاً: شُروطُ صحَّةِ جَمعِ التَّقديمِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ القائِلينَ بجَوازِ الجَمعِ إلى أنَّه يُشتَرطُ لجَمعِ التَّقديمِ أربَعةُ شُروطٍ:
أوَّلُها: نيَّةُ الجَمعِ؛ لأنَّه عمَلٌ؛ فيَدخلُ في عُمومِ قولِه ﷺ : «إنَّما الأَعمالُ بِالنِّياتِ» (١)؛ ومحَلُّها الفاضِلُ في أوَّلِ الصَّلاةِ الأُولى، ويَجوزُ في أَثنائِها، إلى سَلامِها، فإن سلَّمَ مِنْ الأُولى دونَ أن يَنوِيَ الجَمعَ وأرادَ بعدَ ذلك أن يَجمعَ فلا يَجوزُ.
ثانيها: البُداءةُ بالأُولى مِنْ الصَّلاتَينِ كالظُّهرِ والمَغربِ؛ لأنَّ الوقتَ لها والثانيةُ تَبَعٌ لها، والتَّابِعُ لا يَتقدَّمُ على مَتبُوعِه، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ جمَعَ هكذا، وقالَ: «صَلُّوا كما رَأيتُمونِي أُصلِّي» (٢)، فلو صلَّى العَصرَ قبلَ الظُّهرِ، أو العِشاءَ قبلَ المَغربِ لم يَصحَّ الظُّهرُ في الصُّورةِ الأُولى، ولا العِشاءُ في الثانيةِ، وعليه أن يُعيدَها بعدَ الأُولى إذا أرادَ الجَمعَ.
ثالِثُها: المُوالاةُ بينَ الصَّلاتَينِ: وهي ألَّا يَفصِلَ بينَهما زَمنٌ طَويلٌ؛ لأنَّ مَعنى الجَمعِ المُتابَعةُ والمُقارَنةُ، ولا يَحصلُ ذلك مع التَّفريقِ الطَّويلِ، ولأنَّ الجَمعَ يَجعلُهما كصَلاةٍ واحدةٍ، فوجبَتِ المُوالاةُ، كرَكعاتِ الصَّلاةِ.
стр. 1473
أمَّا الفَصلُ اليَسيرُ فلا يَضرُّ؛ لأنَّ مِنْ العَسيرِ التَّحرُّزَ منه، فإن أطالَ الفَصلَ بينَهما بطَلَ الجَمعُ، سَواءٌ أفرَّق بينَهما النَّومُ، أم السَّهوُ، أم الشُّغلُ، أم غيرُ ذلك. والمَرجِعُ في الفَصلِ اليَسيرِ والطَّويلِ: العُرفُ، كما هو الشَّأنُ في الأُمورِ التي لا ضابِطَ لها في الشَّرعِ أو اللُّغةِ، كالحِرزِ والقَبضِ وغيرِهما. وقدَّرَ بعضُ الشافِعيةِ والحَنابلَةِ الفَصلَ اليَسيرَ بقَدرِ الإِقامةِ، وضعَّفَه النَّوويُّ، وزادَ الحَنابلَةُ: وقَدرَ الوُضوءِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَتى احتاجَ إلى الوُضوءِ والتَّيمُّمِ فعَلَه، إذا لم يَطُلِ الفَصلُ، وإن تَكلَّمَ بكَلامٍ يَسيرٍ لم يَبطُلِ الجَمعُ، وإن صلَّى بينَهما السُّنةَ بطَلَ الجَمعُ؛ لأنَّه فرَّقَ بينَهما بصَلاةٍ، فبطَل الجَمعُ كما لو صلَّى بينَهما غيرَهما، وعنه: لا يَبطُلُ؛ لأنَّه تَفريقٌ يَسيرٌ أشبَه بما لو توضَّأَ (١).
رابِعُها: دَاومُ سَفرِه حالَ افتِتاحِ الأُولى والفَراغِ منها، وافتِتاحِ الثانيةِ، فإذا نَوى الإِقامةَ في أثناءِ الصَّلاةِ الأُولى، أو وصَلَ إلى بَلدِه وهو في الأُولى، أو صارَ مُقيمًا بينَ الصَّلاتَينِ انقَطعَ الجَمعُ؛ لزَوالِ سَببِه، ولزِمَه تَأخِيرُ الثانيةِ إلى وقتِها (٢).
стр. 1474
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أمَّا إذا صارَ مُقيمًا بعدَ فَراغِه مِنْ الثانيةِ، فإن قُلنا: الإِقامةُ في أثنائِها لا تُؤثِّرُ في الجَمعِ، فهنا أَولى، وإلا فوَجهانِ حَكاهما الفُورانِيُّ والقاضِي حُسينٌ، وإمامُ الحَرمَينِ والمُتولِّي والبَغويُّ وآخرونَ:
أصحُّهما: لا يَبطُلُ الجَمعُ، كما لو قصَرَ ثم أقامَ، وبهذا قطَعَ القاضِي أبو الطَّيِّبِ في كتابِه «المُجرَّد»، وغيرُه مِنْ العِراقِيِّينَ.
والثاني: تبطُلُ، ويَلزمُه إعادةُ الثانيةِ في وقتِها؛ لزَوالِ السَّفرِ الذي هو سَببُ الجَمعِ، قالَ البَغويُّ والمُتولِّي وآخَرونَ: الخِلافُ فيما إذا أقامَ بعدَ فَراغِه مِنْ الصَّلاتَينِ في وقتِ الأُولى، أو في الثانيةِ قبلَ مُضِيِّ إِمكانِ فِعلِها. فإن أقامَ في وقتِ الثانيةِ بعدَ إِمكانِ فِعلِها لم تَجبْ إِعادتُها بلا خِلافٍ، وصرَّحَ إمامُ الحَرمَينِ بجَرَيانِ الخِلافِ مهما بقِيَ مِنْ وقتِ الثانيةِ شَيءٌ. هذا كلُّه إذا جمَعَ تَقديمًا.
أمَّا إذا جمَعَ في وقتِ الثانيةِ فصارَ مُقيمًا بعدَ فَراغِهما لم يَضرَّ بالاتِّفاقِ، وإن كانَ قبلَ الفَراغِ مِنْ الأُولى صارَت قَضاءً. ذكرَه المُتولِّي والرَّافِعيُّ، فإن كانَت الإِقامةُ في أثناءِ الثانيةِ يَنبَغي أن تَكونَ الأُولى أداءً بلا خِلافٍ.
الثانيةُ: قالَ أَصحابُنا: إذا جمَعَ كانَت الصَّلاتانِ أداءً، سَواءٌ جمَعَ تَقديمًا أو تَأخيرًا. وحَكى الغَزاليُّ وغيرُه وَجهًا أنَّه إذا جمَعَ تَأخيرًا فالمُؤخَّرةُ قَضاءٌ، والصَّحيحُ الأوَّلُ، وبه قطَعَ الجُمهورُ (١).
стр. 1475
ثانيًا: شُروطُ صحَّةِ جَمعِ التَّأخِيرِ:
يُشتَرطُ لصحَّةِ جَمعِ التَّأخِيرِ نيَّةُ الجَمعِ، قبلَ خُروجِ وقتِ الأُولى بزَمنٍ لوِ ابتُدئَت فيه كانَت أداءً، فإن أخَّرَها بغيرِ نيَّةِ الجَمعِ أثِمَ، وتَكونُ قَضاءً؛ لِخلُوِّ وقتِها مِنْ الفِعلِ أو العَزمِ.
وزادَ الشافِعيةُ شَرطًا آخرَ لجَمعِ التَّأخيرِ وهو، دَوامُ سَفرِه إلى تَمامِ الصَّلاتَينِ، فإن أقامَ قبلَ فَراغِه أصبَحَتِ الأُولى قَضاءً.
أمَّا الحَنابلَةُ فيَشتَرطونَ استِمرارَ السَّفرِ إلى حِينِ دُخولِ وقتِ الثانيةِ، وعليه فلا يَضُرُّ زَوالُ السَّفرِ قبلَ فِعلِ الصَّلاتَينِ وبعدَ دُخولِ وقتِ الثانيةِ.
ويُشتَرطُ التَّرتيبُ في الجَمعَينِ، ولا يُشتَرطُ غيرُ ذلك ممَّا تَقدَّم اشتِراطُه في جَمعِ التَّقديمِ مِنْ نيَّةِ الجَمعِ والمُوالاةِ؛ لأنَّ الثانيةَ مَفعولةٌ في وقتِها، فهي أداءٌ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه متى صلَّى الأُولى فالثانيةُ في وقتِها لا يَخرجُ بتَأخيرِها عن كَونِها مُؤدَّاةً.
وفيه وَجهٌ عندَ الحَنابلَةِ أنَّ المُواصَلةَ مُشتَرطةٌ؛ لأنَّ حَقيقةَ الجَمعِ ضَمُّ الشَّيءِ إلى الشَّيءِ، ولا يَحصلُ مع التَّفريقِ، والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأُولى بعدَ وُقوعِها صَحيحةٌ لا تبطُلُ بشَيءٍ يُوجَدُ بعدَها، والثانيةُ لا تَقَعُ إلا في وقتِها (١).