← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14106–14145 · переход к 14111.

стр. 14106

حُجيةُ الإِقرارِ ووُجوبُ الحُكمِ به: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الحُكمَ بالإِقرارِ يَلزَمُ قَبولُه؛ للأدِلةِ السّابِقةِ، ولأنَّ أكثَرَ الحُقوقِ لا يُوصَلُ إليها إلا بالإِقرارِ، فكانَت الضَّرورةُ داعيةً إلى الأخذِ به، والحاجةُ ماسةٌ إلى العَملِ عليه (١). قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: الإِقرارُ إذا كانَ بيِّنا فلا خِلافَ في وُجوبِ الحُكمِ به (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: الحُكمُ بالإِقرارِ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]، وفي الآيةِ الأُخرى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]، ولا خِلافَ أنَّه لا يُعتبَرُ في صِحةِ الإِقرارِ أنْ يَكونَ بمَجلِسِ الحاكِمِ. إلا شَيئًا حَكاه مُحمدُ بنُ الحَسنِ الجَوزيِّ في كِتابِ «النَّوادر» له، فقالَ: قالَ ابنُ أبي لَيلَى: لا أُجيزُ إِقرارًا في حَقٍّ أنكَرَه الخَصمُ عِندي إلا إِقرارًا بحَضرَتي، ولعَلَّه ذهَبَ في ذلك إلى أنَّ الإِقرارَ لمَّا كانَ شَهادةَ المَرءِ على نَفسِه اعتُبِرَ له مَجلِسُ الحُكمِ كالحُكمِ بالبيِّنةِ، والفَرقُ ظاهِرٌ لا خَفاءَ به. ويُحكَمُ بإِقرارِ الخَصمِ في مَجلِسِه إذا سمِعَه معَه شاهِدانِ بغَيرِ خِلافٍ، فإنْ لم يَسمَعْه معَه غَيرُه نَصَّ أحمَدُ على أنَّه يُحكَمُ به وإنْ لم نَقُلْ يُحكَمُ بعِلمِه، فإنَّ مَجلِسَ الحاكِمِ مَجلِسُ فَصلِ الخُصوماتِ، وقد جَلَسَ لذلك،

стр. 14107

وقد أقَرَّ الخَصمُ في مَجلِسِه فوجَبَ عليه الحُكمُ به كما لو قامَت بذلك البَيِّنةُ عِندَه وليسَ عِندَه أحَدٌ غَيرُه يَسمَعُ معَه شَهادَتَهما فإنَّ هذا مَحلُّ وِفاقٍ. وقالَ القاضِي: لا يَحكُمُ بالإِقرارِ في مَجلِسِه حتى يَسمَعَه معَه شاهِدانِ دَفعًا للتُّهمةِ عنه، إلا أنْ يَقضيَ بعِلمِه فإنَّه يَجوزُ له الحُكمُ حينَئِذٍ. والتَّحقيقُ أنَّ هذا يُشبِهُ مَسألةَ الحُكمِ بعِلمِه مِنْ وَجهٍ ويُفارِقُها مِنْ وَجهٍ فشَبَهُ ذلك بمَسألةِ حُكمِه بعِلمِه أنَّه ليسَ هُناكَ بيِّنةٌ وهو في مَوضِعِ تُهمةٍ. ووَجهُ الفَرقِ بينَهما أنَّ الإِقرارَ بيِّنةٌ قامَت في مَجلِسِه فإنَّ البيِّنةَ اسمٌ لما يُبيَّنُ به الحَقُّ، فعَلِمَ الحَقَّ في مَجلِسِ القَضاءِ الذي انتَصَبَ فيه للحُكمِ به، وليسَ مِنْ شَرطِ صِحةِ الحُكمِ أنْ يَكونَ بمَحضَرِ شاهِدَينِ، فكذلك لا يُعتبَرُ في طَريقِه أنْ يَكونَ بمَحضَرِ شاهِدَينِ، وليسَ هذا بمَنزِلةِ ما رَآه أو سمِعَه في غيرِ مَجلسِه (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ في أنَّ للحاكِمِ أنْ يَحكُمَ بالبَيِّنةِ والإِقرارِ في مَجلِسِ حُكمِه إذا سمِعَه معَه شاهِدانِ، فإنْ لم يَسمَعْه معَه أحَدٌ أو سمِعَه شاهِدٌ نَصَّ أحمدُ على أنَّه يُحكَمُ به. وقالَ القاضِي: لا يَحكُمُ به حتى يَسمَعَه معَه شاهِدانِ؛ لأنَّه حكَمَ بعِلمِه (٢).

стр. 14108

وقالَ أبو الحَسَنِ الطَّرابُلسيُّ الحَنفيُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ الإِقرارَ مِنْ أقوَى الأَحكامِ وأشَدِّها، وهو أقوَى مِنْ البَيِّنةِ، ووَجهُه أنَّه إذا كانَ يَستَنِدُ القَضاءُ إلى ظَنٍّ فبِأنْ يَستَندَ إلى عِلمٍ أوْلَى؛ لأنَّ الحُكمَ بالإِقرارِ مَقطوعٌ به والحُكمُ بالبيِّنةِ مَظنونٌ؛ ولأنَّ الإِقرارَ خبَرُ صِدقٍ، أو يَرجِعُ صِدقُه على كَذبِه لانتِفاءِ تُهمةِ الكَذبِ ورِيبةِ الإفكِ، وحَقيقَتُه إِخبارٌ عن كائِنٍ سابِقٍ فيَقتَضي ثُبوتَ المُخبَرِ به سابِقًا على إِخبارِه (١). أثَرُ الإِقرارِ: أثَرُ الإِقرارِ: هو ظُهورُ ما أقَرَّ به، أي: ثُبوتُ الحَقِّ الذي أقَرَّ به في الماضِي لا إِنشاءُ الحَقِّ ابتِداءً، لكنْ لو أقَرَّ لغَيرِه بمالٍ والمُقَرُّ له يَعلَمُ أنَّ المُقِرَّ كاذِبٌ في إِقرارِه لا يَحِلُّ له أخذُ ما أقرَّ له به فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى إلا أنْ يُسَلِّمَه إِياه بطيبِ نَفسٍ منه فيَحِلَّ له أخذُه على سَبيلِ الهِبةِ تَمليكًا مُبتدَأً، وأمَّا في القَضاءِ فيَحِلُّ في الظاهِرِ. أمَّا لو اشتَبَه الأمرُ عليه حَلَّ له الأخذُ عندَ مُحمدٍ خِلافًا لأبي يُوسفَ (٢).

стр. 14109

أركانُ الإِقرارِ: أركانُ الإِقرارِ عندَ الجُمهورِ أربَعةٌ، خِلافًا للحَنَفيةِ: مُقِرٌّ، ومُقَرٌّ له، وصِيغةٌ، ومُقَرٌّ به، وأمَّا رُكنُ الإِقرارِ عندَ الحَنفيةِ فهو الصِّيغةُ فقط، والباقي شُروطٌ. بَيانُ شُروطِ هذه الأَركانِ. الرُّكنُ الأوَّلُ وشَرطُه: المُقِرُّ: نصَّ الفُقهاءُ على أنَّه يُشتَرطُ في المُقِرِّ عِدةُ شُروطٍ لا بدَّ مِنْ تَوافُرِها حتى يَصحَّ إِقرارُه، وبَيانُ هذه الشُّروطِ فيما يَلي: الشَّرطُ الأوَّلُ: التَّكليفُ: أنْ يَكونَ بالِغًا عاقِلًا: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشتَرطُ في المُقِرِّ أنْ يَكونَ بالِغًا عاقِلًا، فلا يَصحُّ إِقرارُ المَجنونِ ولا الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ إِجماعًا؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ … » (١). وكذا مَنْ في مَعناهما: مَنْ زالَ عَقلُه بنَومٍ أو إِغماءٍ أو شُربِ دَواءٍ مُباحٍ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ: ولا يَصحُّ الإِقرارُ إلا مِنْ عاقِلٍ مُختارٍ، فأمَّا الطِّفلُ والمَجنونُ والمُبَرسَمُ والنائِمُ والمُغمَى عليه فلا يَصحُّ إِقرارُهم، لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا، وقد قالَ ﷺ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن الصَّبيِّ حتى يَبلُغَ، وعن المَجنونِ حتى يُفيقَ، وعن النائِمِ حتى يَستيقِظَ» (٢).

стр. 14110

فنَصَّ على الثَّلاثةِ، والمُبرسَمُ والمُغمى عليه في مَعنى المَجنونِ والنائِمِ، ولأنَّه قَولٌ من غائِبِ العَقلِ فلم يَثبُتْ له حُكمٌ كالبَيعِ والطَّلاقِ (١). وأمَّا الصَّبيُّ المُميِّزُ فإنْ كانَ غيرَ مَأذونٍ له في التِّجارةِ لا يَصحُّ إِقرارُه باتِّفاقِ الفُقهاءِ. واختَلفَ الفُقهاءُ في الصَّبيِّ المَأذونِ له في التِّجارةِ هل يَصحُّ إِقرارُه أو لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ إِقرارُه لغَيرِ المَأذونِ له بحالٍ؛ لعُمومِ الخبَرِ، ولأنَّه غيرُ بالِغٍ، فأشبَهَ الطِّفلَ، ولأنَّه لا تُقبَلُ شَهادَتُه ولا رِوايَتُه فأشبَهَ الطِّفلَ غيرَ المُميِّزِ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ إِقرارُ الصَّبيِّ المُميِّزِ إذا كانَ مَأذونًا له في التِّجارةِ فيَصِحُّ إِقرارُه؛ لأنَّه عاقِلٌ مُختارٌ يَصحُّ تَصرُّفُه فصَحَّ إِقرارُه كالبالِغِ، قالَ الحَنفيةُ: يَصحُّ إِقرارُه بالدَّينِ والعَينِ؛ لأنَّ ذلك مِنْ ضَروراتِ التِّجارةِ (٣).

стр. 14111

وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ كانَ مَأذونًا له في التِّجارةِ صحَّ إِقرارُه في قَدرِ ما أذِنَ له فيه. قالَ أحمدُ في رِوايةِ مِهَنا في اليَتيمِ إذا أُذِنَ له في التِّجارةِ وهو يَعقِلُ البَيعَ والشِّراءَ فبَيعُه وشِراؤُه جائِزانِ، وإنْ أقَرَّ أنَّه اقتَضَى شَيئًا مِنْ مالِه جازَ بقَدرِ ما أذِنَ له وَليُّه فيه. وقالَ أَبو بَكرٍ وابنُ أبي موسى: إنَّما يَصحُّ إِقرارُه فيما أذِنَ له في التِّجارةِ فيه في الشَّيءِ اليَسيرِ (١). الشَّرطُ الثانِي: أنْ يَكونَ صاحِيًا غيرَ سَكرانَ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ زالَ عَقلُه بسَببٍ مُباحٍ أو مَعذورٍ فيه فهو كالمَجنونِ، لا يُسمَعُ إِقرارُه، قالَ ابنُ قُدامةَ: بلا خِلافٍ (٢). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا في السَّكرانِ بمُحرَّمٍ إذا أقَرَّ في حالِ سُكرِه هل يَصحُّ إِقرارُه ويُؤاخَذُ به أو لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ إِقرارُ السَّكرانِ؛ لأنَّه غيرُ عاقِلٍ، فلم يَصِحَّ إِقرارُه كالمَجنونِ الذي سَببُ جُنونِه فِعلٌ مُحرَّمٌ، ولأنَّ السَّكرانَ لا يُوثَقُ بصِحةِ ما يَقولُ، ولا تَنتَفي عنه التُّهمةُ فيما يُخبِرُ به فلم يُوجَدْ مَعنى الإِقرارِ المُوجِبِ لقَبولِ قَولِه، وهذا تَعليلُ الحَنابِلةِ (٣).

стр. 14112

وقالَ المالِكيةُ: لأنَّ السَّكرانَ -وإنْ كانَ مُكلَّفًا- مَحجورٌ عليه في المالِ، وكما لا يَلزَمُه إِقرارُه لا تَلزَمُه سائِرُ عُقودِه مِنْ بَيعٍ وإِجارةٍ وهِبةٍ وصَدَقةٍ وحَبسٍ، بخِلافِ جِناياتِه، فإنَّها تَلزَمُه (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّه لا يُشتَرطُ الصَّحوُ فيَصِحُّ إِقرارُ السَّكرانِ بمُحرِّمٍ وتَنفُذُ أَقوالُه فيما له وعليه عندَ الشافِعيةِ حتى لو أقَرَّ بحَقٍّ للَّهِ أو لآدَميٍّ فإنَّه يُؤاخَذُ بهِ (٢). وقالَ الحَنفيةُ: يُؤاخَذُ السَّكرانُ بحُقوقِ العِبادِ الماليةِ بخِلافِ حُقوقِ اللهِ تَعالى، فلا يَصحُّ إِقرارُ السَّكرانِ به، وإنَّ ما لم يَكنْ خالِصًا للَّهِ تَعالى فإنَّه يَصحُّ إِقرارُه به كحَدِّ القَذفِ؛ لأنَّ فيه حَقَّ العَبدِ، والسَّكرانُ فيه كالصاحي عُقوبةً عليه كما في سائِرِ تَصرُّفاتِه. والحاصِلُ أنَّ إِقرارَه بالحُدودِ لا يَصحُّ، إلا حَدَّ القَذفِ، وإِقرارُه بسَببِ القِصاصِ وسائِرِ الحُقوقِ مِنْ المالِ والطَّلاقِ والعَتاقِ وغَيرِها صَحيحٌ، لأنَّها لا تَقبَلُ الرُّجوعَ. ولِذا إذا أقَرَّ بالسَّرِقةِ ولم يُقطَعْ لسُكرِه أُخِذَ منه المالُ وصارَ ضامِنًا له، وأمَّا ارتِدادُه فليسَ بصَحيحٍ، فلا تَبينُ منه امرَأتُه؛ لأنَّ الكُفرَ مِنْ بابِ

стр. 14113

الاعتِقادِ فلا يَتحقَّقُ مع السُّكَّرِ، وهذا في الحُكمِ، أمَّا فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى فإنْ كانَ في الواقِعِ قصَدَ أنْ يَتكلَّمَ به ذاكِرًا لمَعناه كفَرَ، وإلا فلا (١). الشَّرطُ الثالِثُ: ألَّا يَكونَ مُكرَهًا: اتَّفَقَ الفُقهاءُ على عَدمِ صِحةِ إِقرارِ المُكرَهِ؛ لأنَّه قَولٌ أُكرِهَ عليه بغَيرِ حَقٍّ فلم يَصحَّ مِنه؛ لقَولِ النَّبيِّ: «عُفيَ لأُمَّتي عن الخَطإِ، والنِّسيانِ، وما استُكرِهوا عليه» (٢) قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ: ولا يَصحُّ الإِقرارُ مِنْ المُكرَهِ فلو ضُربَ الرَّجلُ ليُقِرَّ بالزِّنا لم يَجِبْ عليه الحَدُّ، ولم يَثبُتْ عليه الزِّنا، ولا نَعلَمُ مِنْ أهلِ العِلمِ خِلافًا في أنَّ إِقرارَ المُكرَهِ لا يَجبُ به حَدٌّ، ورُويَ عن عُمرَ أنَّه قالَ: «ليسَ الرَّجلُ بأَمينٍ على نَفسِه إذا جوَّعتَه أو ضرَبتَه أو أوثَقتَه» رَواه سَعيدٌ، وقالَ ابنُ شِهابٍ في رَجلٍ اعتَرفَ بعدَ جَلدِه: ليسَ عليه حَدٌّ، ولأنَّ الإِقرارَ إنَّما ثبَتَ به المُقِرُّ به لوُجودِ الداعي إلى الصِّدقِ وانتِفاءِ التُّهمةِ عنه فإنَّ العاقِلَ لا يُتَّهَمُ بقَصدِ الإِضرارِ بنَفسِه، ومعَ الإِكراهِ يَغلِبُ على الظَّنِّ أنَّه قصَدَ بإِقرارِه دَفعَ ضَررِ الإِكراهِ فانتَفَى ظنُّ الصِّدقِ عنه فلم يُقبَلُ (٣).

стр. 14114

سَواءٌ كانَ الإِكراهُ على الإِقرارِ في حَقٍّ مِنْ حُقوقِ اللهِ تَعالى أو في حُقوقِ الآدَميِّ. إلا أنَّ الحَنابِلةَ قالوا: إنْ أقَرَّ بغَيرِ ما أُكرِهَ عليه مِثلَ أنْ يُكرَهَ على الإِقرارِ لرَجلٍ فأقَرَّ لغَيرِه أو بنَوعٍ مِنْ المالِ، فيُقِرَّ بغَيرِه، أو على الإِقرارِ بطَلاقِ امرَأةٍ فأقَرَّ بطَلاقِ أُخرى أو أقَرَّ بعِتقِ عَبدٍ، صَحَّ؛ لأنَّه أقَرَّ بما لم يُكرَهْ عليه، فصَحَّ كما لو أقَرَّ به ابتِداءً، ولو أُكرِهَ على أَداءِ مالٍ فباعَ شَيئًا مِنْ مالِه ليُؤَديَ ذلك صحَّ بَيعُه؛ لأنَّه لم يُكرَهْ على البَيعِ. ومَن أقَرَّ بحَقٍّ ثم ادَّعَى أنَّه كانَ مُكرَهًا لم يُقبَلْ قَولُه إلا ببَيِّنةٍ سَواءٌ أقَرَّ عندَ السُّلطانِ أو عندَ غَيرِه؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الإِكراهِ إلا أنْ يَكونَ هُناكَ دِلالةٌ على الإِكراهِ كالقَيدِ والحَبسِ والتَّنكيلِ به، فيَكونُ القَولُ قَولَه مع يَمينِه؛ لأنَّ هذه الحالَ تَدلُّ على الإِكراهِ. ولو ادَّعَى أنَّه كانَ زائِلَ العَقلِ حالَ إِقرارِه لم يُقبَلْ قَولُه إلا ببَيِّنةٍ؛ لأنَّ الأصلَ السَّلامةُ حتى يُعلَمَ غَيرُها، ولو شهِدَ الشُّهودُ بإِقرارِه لم تَفتَقِرْ صِحةُ الشَّهادةِ إلى أنْ يَقولوا طَوعًا في صِحةِ عَقلِه؛ لأنَّ الظاهِرَ سَلامةُ الحالِ وصِحةُ الشَّهادةِ (١). الشَّرطُ الرابِعُ: ألَّا يَكونَ سَفيهًا (إِقرارُ السَّفيهِ): نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ على أنَّه يُشتَرطُ لصِحةِ الإِقرارِ بالمالِ عَدمُ السَّفهِ.

стр. 14115

فإذا كانَ المُقِرُّ سَفيهًا وأقَرَّ بمالٍ لا يَصحُّ إِقرارُه بهذا المالِ، وكذا سائِرُ تَصرُّفاتِه الماليةِ لأنَّه مَحجورٌ عليه. وخالَفَ في ذلك الإمامُ أَبو حَنيفةَ فقالَ بعَدَمِ الحَجرِ على السَّفيهِ إذا بلَغَ عاقِلًا ثم حصَلَ له سَفهٌ ويَصحُّ منه جَميعُ تَصرُّفاتِه؛ لأنَّه لا يَرى الحَجرَ عليه أصلًا (١). وأمَّا الحَنابِلةُ في المَذهبِ فقالوا: إنْ أقَرَّ السَّفيهُ بمالٍ صحَّ إِقرارُه، ولم يَلزَمْه ما أقَرَّ به في حالِ حَجرِه، بل يُتبَعُ به بعدَه؛ لأنَّه مُكلَّفٌ أقَرَّ بما لا يَلزَمُه في الحالِ، فلزِمَه بعدَ فَكِّ الحَجرِ عنه كالعَبدِ يُقِرُّ بدَينٍ والراهِنِ على الرَّهنِ والمُفلِسِ على المالِ. لكنْ إنْ علِمَ الوَليُّ صِحةَ ما أقَرَّ به السَّفيهُ كدَينِ جِنايةٍ ونَحوِه لزِمَه أَداؤُه. وفي قَولٍ أنَّ السَّفيهَ إذا أقَرَّ بمالٍ كالدَّينِ أو بما يُوجِبُه كجِنايةِ الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ وإِتلافِ المالِ وغَصبِه وسَرِقَتِه لم يُقبَلْ إِقرارُه به؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه لحَظِّه، فلم يَصحَّ إِقرارُه بالمالِ كالصَّبيِّ والمَجنونِ، ولأنا لو قَبِلنا إِقرارَه في مالِه لَزالَ مَعنى الحَجرِ؛ لأنَّه يَتصرَّفُ في مالِه ثم يُقِرُّ به فيَأخذُه المُقِرُّ له؛ ولأنَّه أقَرَّ بما هو مَمنوعٌ مِنْ التَّصرُّفِ فيه كإِقرارِ الراهِنِ على الرَّهنِ والمُفلِسِ على المالِ.

стр. 14116

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتمَلُ ألَّا يَصِحَّ إِقرارُه ولا يُؤخَذَ به في الحُكمِ بحالٍ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه لعَدمِ رُشدِه، فلم يَلزَمْه حُكمُ إِقرارِه بعدَ فَكِّ الحَجرِ عنه كالصَّبيِّ والمَجنونِ، ولأنَّ المَنعَ مِنْ نُفوذِ إِقرارِه في الحالِ إنَّما ثبَتَ لحِفظِ مالِه عليه ودَفعِ الضَّررِ عنه، فلو نفَذَ بعدَ فَكِّ الحَجرِ لم يُفِدْ إلا تَأخيرَ الضَّررِ عليه إلى أكمَلِ حالَتَيه، وفارَقَ المَحجورَ عليه لحَقِّ غَيرِه، فإنَّ المانِعَ تَعلُّقُ حَقِّ الغَيرِ بمالِه، فيَزولُ المانِعُ بزَوالِ الحَقِّ عن مالِه فيَثبُتُ مُقتَضى إِقرارِه. وفي مَسألَتِنا انتَفى الحُكمُ لخَللٍ في الإِقرارِ، فلم يَثبُتْ كَونُه سَبَبًا، وبزَوالِ الحَجرِ لم يَكمُلِ السَّببُ فلا يَثبُتُ الحُكمُ مع اختِلالِ السَّبَبِ، كما لم يَثبُتْ قبلَ فَكِّ الحَجرِ، ولأنَّ الحَجرَ لحَقِّ الغَيرِ لم يُمنَعْ تَصرُّفُهم في ذِمَمِهم، فأمكَنَ تَصحيحُ إِقرارِهم في ذِمَمِهم على وَجهٍ لا يَضُرُّ بغَيرِهم بأنْ يَلزَمَهم بعدَ زَوالِ حَقِّ غَيرِه، والحَجرُ ههُنا لحَظِّ نَفسِه مِنْ أجلِ ضَعفِ عَقلِه وسُوءِ تَصرُّفِه، ولا يَندفِعُ الضَّررُ إلا بإِبطالِ إِقرارِه بالكُليةِ كالصَّبيِّ والمَجنونِ. وأمَّا صِحَّتُه فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى فإنْ عُلمَ صِحةُ ما أقَرَّ به كدَينٍ لزِمَه مِنْ جِنايةٍ أو ديَنٍ لزِمَه قبلَ الحَجرِ عليه، فعليه أداؤُه لأنَّه علِمَ أنَّ عليه حَقًّا فلزِمَه أَداؤُه، كما لو لم يَكنْ يُقِرُّ به، وإنْ عُلمَ فَسادُ إِقرارِه مِثلَ أنْ عُلِمَ أنَّه أقَرَّ بدَينٍ ولا دَينَ عليه، أو بجِنايةٍ لم تُوجَدْ منه أو أقَرَّ بما لا يَلزَمُه، مِثلَ إن أتلَفَ مالَ مَنْ دَفعَه إليه بقَرضٍ أو بَيعٍ لم يَلزَمْه أداؤُه؛ لأنَّه يَعلَمُ أنَّه لا دَينَ عليه، فلم يَلزَمْه شَيءٌ، كما لو لم يُقِرَّ به.

стр. 14117

وإذا أذِنَ وَليُّ السَّفيهِ له في البَيعِ والشِّراءِ فهل يَصحُّ منه على وَجهَينِ: أحَدُهما: يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ فملَكَه بالإذنِ كالنِّكاحِ، ولِأنَّه عاقِلٌ مَحجورٌ عليه، فصَحَّ تَصرُّفُه بالإذنِ فيه كالصَّبيِّ يُحقِّقُ هذا أنَّ الحَجرَ على الصَّبيِّ أعلَى مِنْ الحَجرِ عليه ثم يَصحُّ تَصرُّفُه بالإذنِ، فههنا أوْلَى، ولِأنَّا لو مَنَعنا تَصرُّفَه بالإذنِ لم يَكنْ لنا طَريقٌ إلى مَعرِفةِ رُشدِه واختِبارِه. والثانِي: لا يَصحُّ لأنَّ الحَجرَ عليه لتَبذيرِه وسُوءِ تَصرُّفِه، فإذا أذِنَ له فقد أذِنَ فيما لا مَصلَحةَ فيه، فلم يَصحَّ كما لو أذِنَ في بَيعِ ما يُساوي عَشرةً بخَمسةٍ. وحُكمُ تَصرُّفِ وَليِّ السَّفيهِ كحُكمِ تَصرُّفِ وَليِّ الصَّغيرِ والمَجنونِ؛ لأنَّ وِلايَتَه على السَّفيهِ لحَظِّه، أشبَهَ وَليَّ الصَّبيِّ (١). وقد تَقدَّمَ بَيانُ ذلك كُلِّه في كِتابِ الحَجرِ، وبَيَّنتُ الفَرقَ إذا أقَرَّ على نَفسِه بشَيءٍ قبلَ الحُكمِ عليه بالحَجرِ وبعدَه. وأمَّا إذا أقَرَّ السَّفيهُ بحَدٍّ أو قِصاصٍ فإنَّ العُلَماءَ أجمَعوا على أنَّه يُؤاخَذُ بإِقرارِه في ذلك. السَّفيهُ إمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفاتٍ لها عَلاقةٌ بالمالِ؛ كالبَيعِ والشِّراءِ والهِبةِ والعِتقِ فلا يَجوزُ تَصرُّفُه عندَ عامةِ الفُقهاءِ؛ إلا بإذنِ وَليِّه على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ كما سَيأتي.

стр. 14118

وإمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفاتٍ ليسَ لها عَلاقةٌ بالمالِ؛ كالطَّلاقِ والظِّهارِ والإِيلاءِ والإِقرارِ بحَدٍّ أو قِصاصٍ، فيَصِحَّ منه هذا عندَ عامةِ الفُقهاءِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: المَحجورُ عليه لفَلسٍ أو سَفهٍ إذا أقَرَّ بما يُوجِبُ حَدًّا أو قِصاصًا؛ كالزِّنا والسَّرِقةِ والشُّربِ والقَذفِ والقَتلِ العَمدِ أو قَطعِ اليَدِ وما أشبَهَها؛ فإنَّ ذلك مَقبولٌ ويَلزَمُه حُكمُ ذلك في الحالِ، لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا. قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كُلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ إِقرارَ المَحجورِ عليه على نَفسِه جائِزٌ إذا كانَ إِقرارُه بزِنًا أو سَرِقةٍ أو شُربِ خَمرٍ أو قَذفٍ أو قَتلٍ، وإنَّ الحُدودَ تُقامُ عليه، وهذا قَولُ الشافِعيِّ، وأبي ثَورٍ، وأَصحابِ الرَّأيِ، ولا أحفَظُ عن غَيرِهم خِلافًا لقَولِهِم (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وذلك لأنَّه غيرُ مُتَّهمٍ في حَقِّ نَفسِه، والحَجرُ إنَّما تَعلَّقَ بمالِه فقُبِلَ إِقرارُه على نَفسِه بما لا يَتعلَّقُ بالمالِ، وإنْ طلَّقَ زَوجَتَه نفَذَ طَلاقُه في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ ليسَ بتَصرُّفٍ في المالِ ولا يَجري مَجراه فلا يُمنَعُ منه؛ كالإِقرارِ بالحَدِّ والقِصاصِ، ودَليلُ أنَّه لا يَجري مَجرى المالِ أنَّه يَصحُّ مِنْ العَبدِ بغَيرِ إذنِ سَيِّدِه مع مَنعِه مِنْ التَّصرُّفِ في المالِ ولا يَملِكُ بالمِيراثِ، ولأنَّه مُكلَّفٌ طلَّقَ امرَأتَه مُختارًا فوقَعَ طَلاقُه كالعَبدِ والمُكاتَبِ (٢).

стр. 14119

الشَّرطُ الخامِسُ: ألَّا يَكونَ مَريضًا مَرَضَ المَوتِ إذا أقَرَّ لوارِثٍ (إِقرارُ المَريضِ (: المَريضُ مرَضَ المَوتِ إذا أقَرَّ فلا يَخلو إِقرارُه مِنْ حالَتينِ: إمَّا أن يُقِرَّ لأجنَبيٍّ بمالٍ أو لوارِثٍ: الحالةُ الأُولَى: أن يُقِرَّ المَريضُ مَرَضَ المَوتِ لأجنَبيٍّ بمالٍ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَريضَ مَرضَ المَوتِ إذا أقَرَّ لأجنَبيٍّ ولو بكُلِّ مالِه أنَّ إِقرارَه صَحيحٌ؛ لأنَّه في الإِقرارِ للأجنَبيِّ غيرُ مُتَّهَمٍ فيَصِحُّ، كالإِقرارِ في الصِّحةِ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كُلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ إِقرارَ المَريضِ بالدَّينِ في مَرضِه لغَيرِ الوارِثِ جائِزٌ، وذلك إذا لم يَكنْ عليه دَينٌ في الصِّحةِ. واختَلَفوا في المَريضِ يُقِرُّ بدَينٍ لأجنَبيٍّ وعليه دَينٌ في الصِّحةِ يُبيِّنُه: فقالَت طائِفةٌ: يَبدَأُ بدَينِ الصِّحةِ، هذا قَولُ النَّخَعيِّ، وبه قالَ أَصحابُ الرَّأيِ: أنَّ الدَّينَ الذي في الصِّحةِ أوْلَى إذا كانَ بإِقرارٍ منه، أو بشَهادةِ الشُّهودِ. قالوا: وإذا استَوفاها، فأَصحابُ الإِقرارِ في المَرَضِ يَتحاصُّونَ. وقالَت طائِفةٌ: هُما سَواءٌ، دَينُ الصِّحةِ والدَّينُ الذي يُقِرُّ به في المَرضِ، إذا كانَ الإِقرارُ لغَيرِ وارِثٍ، هذا قَولُ الشافِعيِّ ﵀ وأَبي ثَورٍ، وبه قالَ أبو عُبَيدٍ، وذكَرَ أنَّ هذا قَولُ أهلِ المَدينةِ، ورُويَ ذلك عن الحَسنِ.

стр. 14120

ومِمَّن رَأى أنَّ إِقرارَ المَريضِ للأجنَبيِّ بالدَّينِ جائِزٌ: سُفيانُ الثَّوريِّ، وأَحمدُ، وإِسحاقُ، وكذلك نَقولُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: والإِقرارُ بدَينٍ في مَرَضِ مَوتِه كالإِقرارِ في الصِّحةِ إذا كانَ لغَيرِ وارِثٍ. هذا ظاهِرُ المَذهبِ وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كُلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ إِقرارَ المَريضِ في مَرضِه لغَيرِ الوارِثِ جائِزٌ، وحَكى أَصحابُنا رِوايةً أُخرى أنَّه لا يُقبَلُ؛ لأنَّه إِقرارٌ في مَرضِ المَوتِ أشبَهَ الإِقرارَ لوارِثٍ، وقالَ أَبو الخَطّابِ: فيه رِوايةٌ أُخرى أنَّه لا يُقبَلُ إِقرارُه بزِيادةٍ على الثُّلثِ؛ لأنَّه مَمنوعٌ مِنْ عَطيةِ ذلك لأجنَبيٍّ كما هو مَمنوعٌ مِنْ عَطيةِ الوارِثِ، فلا يَصحُّ إِقرارُه بما لا يَملِكُ عَطيتَه بخِلافِ الثُّلُثِ فما دونَ. ولنا: أنَّه إِقرارٌ غيرُ مُتَّهمٍ فيه، فقُبِلَ كالإِقرارِ في الصِّحةِ يُحقِّقُه أنَّ حالةَ المَرضِ أقرَبُ إلى الاحتِياطِ لنَفسِه وإِبراءِ ذمَّتِه وتَحرِّي الصِّدقِ، فكانَ أوْلَى بالقَبولِ، وفارَقَ الإِقرارَ للوارِثِ؛ لأنَّه مُتَّهمٌ فيه على ما سنَذكرُه. فَصلٌ: فإن أقَرَّ لأجنَبيٍّ بدَينٍ في مَرضِه وعليه دَينٌ ثبَتَ ببَيِّنةٍ أو إِقرارٍ في صِحَّتِه وفي المالِ سَعةٌ لهما سَواءٌ، وإن ضاقَ عن قَضائِهما فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ أنَّهما سَواءٌ، وهو اختِيارُ التَّميميِّ وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وذكَرَ أبو عُبَيدٍ أنَّه قَولُ أكَثرِ أهلِ المَدينةِ لأنَّهما حَقّانِ يَجبُ قَضاؤُهما مِنْ رَأسِ المالِ لم يَختَصَّ أحَدُهما بَرهنٍ فاستَوَيا كما لو ثَبَتا ببَيِّنةٍ.

стр. 14121

وقالَ أَبو الخَطّابِ: لا يُحاصُّ غُرَماءُ الصِّحةِ، وقالَ القاضِي: هو قِياسُ المَذهبِ لنَصِّ أَحمدَ في المُفلِسِ أنَّه إذا أقَرَّ وعليه دَينٌ ببَيِّنةٍ يَبدَأُ بالدَّينِ الذي بالبَيِّنةِ، وبهذا قالَ النَّخَعيُّ والثَّوريُّ وأَصحابُ الرَّأيِ؛ لأنَّه أقَرَّ بَعدَ تَعلُّقِ الحَقِّ بتَرِكَتِه، فوَجَبَ ألَّا يُشارِكَ المُقِرَّ له مَنْ ثبَتَ دَينُه ببَيِّنةٍ كغَريمِ المُفلِسِ الذي أقَرَّ له بَعدَ الحَجرِ عليه، والدَّليلُ على تَعلُّقِ الحَقِّ بمالِه مَنعُه مِنْ التَّبَرُّعِ ومِن الإِقرارِ لوارِثٍ، ولأنَّه مَحجورٌ عليه، ولهذا لا تَنفُذُ هِباتُه وتبَرُّعاتُه فلم يُشارِكْ مَنْ أقَرَّ له قبلَ الحَجرِ، ومَن ثبَتَ دَينُه ببَيِّنةٍ كالَّذي أقَرَّ له المُفلِسُ، وإن أقَرَّ لهما جَميعًا في المَرضِ تَساوَيا ولم يُقدَّمِ السّابِقُ منهما لأنَّهما استَوَيا في الحالِ فأشبَها غَريمَيِ الصِّحةِ (١). إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: يَجوزُ الإِقرارُ لأجنَبيٍّ إلا إذا كانَ الإِقرارُ لصَديقٍ مُلاطِفٍ، فلا يَصحُّ الإِقرارُ لقيامِ قَرينةٍ في قَصدِه نَفعَهم أو اتِّصالِ ذلك لبَعضِ وَرثتِه على يَدِ صَديقِه (٢). الحالةُ الثانيةُ: أنْ يُقرَّ لوارِثٍ في مَرضِ المَوتِ: اختَلفَ العُلَماءُ في إِقرارِ المَريضِ مَرضَ المَوتِ لوارِثٍ هل هو باطِلٌ سَدًّا للذَّريعةِ ورَدًّا للإِقرارِ الذي صادَفَ حَقَّ الوَرَثةِ فيما هو مُتَّهمٌ فيه؛ لأنَّه شَهادةٌ على نَفسِه فيما تَعلَّقَ به حَقُّهم فيُرَدُّ للتُّهمةِ كالشَّهادةِ على غَيرِه أو هو مَقبولٌ ويَصِحُّ إِحسانًا للظَّنِّ بالمُقِرِّ ولا سيَّما عندَ الخاتِمةِ؟

стр. 14122

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُقبَلُ إِقرارُه للوارِثِ إلا أنْ يُجيزَه باقي الوَرثةِ لما رُويَ عن سَيِّدِنا عُمَرَ وابنِه سَيِّدِنا عَبدِ اللهِ ﵄ أنَّهما قالا: «إذا أقَرَّ المَريضُ لوارِثِه لم يَجُزْ، وإذا أقَرَّ لأجنَبيٍّ جازَ» ولم يُروَ عن غَيرِهما خِلافُ ذلك، فيَكونُ إِجماعًا ولِأنَّه مُتَّهَمٌ في هذا الإِقرارِ لجَوازِ أنَّه آثَرَ بعضَ الوَرثةِ على بَعضٍ بمَيلِ الطَّبعِ أو بقَضاءِ حَقٍّ مُوجِبٍ للبَعثِ على الإِحسانِ، وهو لا يَملِكُ ذلك بطَريقِ التَّبَرُّعِ والوَصيةِ به فأرادَ تَنفيذَ غَرضِه بصورةِ الإِقرارِ مِنْ غيرِ أنْ يَكونَ للوارِثِ عليه دَينٌ، فكانَ مُتَّهمًا في إِقرارِه فيُرَدُّ، ولأنَّه لمَّا مرِضَ مَرضَ المَوتِ تَعلَّقَ حَقُّ الوَرثةِ بمالِه، ولِهذا لا يَملِكُ أن يَتبَرَّعَ عليه بشَيءٍ مِنْ الثُّلثِ مع ما أنَّه خالِصُ مِلكِه، لا حَقَّ لأجنَبيٍّ فيه، فكانَ إِقرارُه لبَعضِهم إِبطالًا لحَقِّ الباقينَ، فلا يَصحُّ في حَقِّهم، ولأنَّ الوَصيةَ لم تَجُزْ لوارِثٍ، فالإِقرارُ أوْلَى لأنَّه لو جازَ الإِقرارُ لارتَفَعَ بُطلانُ الوَصيةِ؛ لأنَّه يَميلُ إلى الإِقرارِ اختِيارًا للإيثارِ، بل هو أوْلَى مِنْ الوَصيةِ؛ لأنَّه لا يَذهَبُ بالوَصيةِ إلا الثُّلثُ، وبالإِقرارِ يَذهَبُ جَميعُ المالِ فكانَ إِبطالُ الإِقرارِ إِبطالَ الوَصيةِ بالطَّريقِ الأوْلَى (١).

стр. 14123

إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: ويَجوزُ إِقرارُ المَريضِ بقَبضِ الدَّينِ، إلا مِنْ وارِثٍ أو مِمَّنْ يُتَّهَمُ بالتَّأليجِ إليه، وكذلك لا يَجوزُ إِقرارُ الزَّوجةِ بقَبضِ المَهرِ المُؤجَّلِ مِنْ زَوجِها في مَرضِها، ولا يَجوزُ إِقرارُ المَريضِ لبَعضِ وَرَثَتِه بدَينٍ، وأمَّا إنْ أقَرَّ لزَوجَتِه في مَرَضِه بدَينٍ أو مَهرٍ، فإنْ لم يُعرَفْ منه إليها انقِطاعٌ وناحيةُ مُحاباةٍ، وله وَلدٌ مِنْ غَيرِها، فذلك جائِزٌ، وإنْ عُرفَ بانقِطاعٍ إليها ومَوَدةٍ، وقد كانَ بينَه وبينَ وَلَدِه مِنْ غَيرِها تَفاقُمٌ -ولَعلَّ لها منه وَلدًا صَغيرًا- فلا يَجوزُ إِقرارُه، قيلَ: أفغَيرُها مِنْ الوَرثةِ بهذه المَنزِلةِ فيمن له منه انقِطاعٌ أو بُعدٌ؟ قالَ: لا، وإنَّما رَأى ذلك مالِكٌ للزَّوجةِ؛ لأنَّه لا يُتَّهمُ إذا لم يَكنْ له وَلدٌ منها، ولا يُعرَفُ بانقِطاعِ مَودةٍ إليها، أنْ يَفِرَّ إليها بمالِه عن وَلدِه، فأمَّا إنْ كانَ وَرثَتُه إخوَتَه أو بَنيه فلا يَجوزُ إِقرارُه لبَعضِهم. ولو تَرَكَ ابنةً وعَصَبةً يَرِثونَه لقَرابةٍ أو وَلاءٍ، فأقَرَّ لهم بمالٍ فذلك جائِزٌ، ولا يُتَّهمُ أنْ يَفِرَّ إلى العَصَبةِ [بمالِه] دونَ الابنةِ، وأصلُ هذا قِيامُ التُّهمةِ. فإذا لم يُتَّهَمْ بمَن يَفِرُّ إليه دونَ مَنْ يَرثُ معَه، جازَ إِقرارُه، فهَذا أصلُ ذلك. جاءَ في «المُدَوَّنة الكُبرى» في إِقرارِ المَريضِ لوارِثٍ بدَينٍ: قُلتُ: أرَأيتَ إنْ أقَرَّ لوارِثٍ بدَينٍ في مَرضِه الذي ماتَ فيه أيَجوزُ ذلك في قَولِ مالِكٍ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا يَجوزُ ذلك إلا ببَيِّنةٍ. قالَ: فقيلَ له: فالرَّجلُ يُقِرُّ لامرَأتِه في مَرضِه بالمَهرِ يَكونُ عليه أو بالدَّينِ. قالَ: يُنظَرُ في ذلك، فإنْ كان لا يُعرَفُ منها إليه ناحيةٌ ولا انقِطاعٌ وله وَلَدٌ مِنْ غَيرِها جازَ ذلك، وإنْ كانَ يُعرَفُ مِنه انقِطاعٌ إليها ومَودةٌ وقد كانَ الذي بينَه وبينَ وَلَدِه مُتَفاقِمًا، ولَعلَّ لها الوَلدَ

стр. 14124

الصَّغيرَ. قالَ مالِكٌ: فلا أَرى أنْ يَجوزَ ذلك. قُلتُ: أرَأيتَ الوَرثةَ، أهُم بهذه المَنزلةِ على ما وَصَفتَ لي مِنْ أمرِ المَرأةِ يَكونُ بَعضُهم له إليه الانقِطاعُ والمَوَدةُ وآخَرُ قد كانَ يُعرَفُ مِنه إليه البَغضاءُ، أيَكونونَ بحالِ ما وَصَفتَ لي في المَرأةِ؟ قالَ: لم أسمَعْ مِنْ مالِكٍ فيه شَيئًا، وأَرى أنْ يَجوزَ ذلك، وإنَّما رَأى ذلك مالِكٌ في المَرأةِ وقالَ: لا يُتَّهمُ إذا لم يَكنْ له منها وَلدٌ ولا ناحيةُ مَودةٍ يُعرَفُ أنَّه يُقِرُّ بمالِه مِنْ وَلدِه إلى غَيرِهم، فأمَّا الوَلَدُ أو الإخوةُ كُلُّهم إذا كانوا هُمْ وَرَثَتَه فلا أرى ذلك، ولو كانَ يَترُكُ ابنَتَه ويَترُكُ عَصَبةً يَرثونَه بوَلاءٍ أو قَرابةٍ يُلقونَه فأقَرَّ لهم بمالٍ لم يُتَّهَمْ أنْ يُقِرَّ إلى العَصَبةِ دونَ ابنَتِه ويَترُكَ عَصَبةً يَرثونَه بوَلاءٍ أو قَرابةٍ. قالَ ابنُ القاسِمِ: وأصلُ ما سَمِعتُ مِنْ مالِكِ بنِ أنَسٍ إنَّما يُريدُ بذلك التُّهمةَ فإذا لم تَقعِ التُّهمةُ لقَرارٍ يُقِرُّ به إليه دونَ مَنْ يَرِثُه معَه لم يُتَّهمْ وجازَ فهذا يَجزيك مِنْ ذلك كُلِّه (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ إِقرارُ المَريضِ مَرضَ المَوتِ لوارِثٍ لأنَّ كلَّ مَنْ صحَّ إِقرارُه لغَيرِ الوارِثِ صحَّ إِقرارُه للوارِثِ كالصَّحيحِ طَردًا والسَّفيهِ عَكسًا، ولأنَّ كلَّ مَنْ صحَّ إِقرارُه في الصِّحةِ صحَّ إِقرارُه في المَرضِ كالمُقِرِّ لغَيرِ الوارِثِ، ولأنَّ كُلَّ مَنْ صحَّ إِقرارُه بالوارِثِ صحَّ إِقرارُه للوارِثِ كالمُقِرِّ بمَهرِ الزَّوجيةِ، ولأنَّ إِقرارَ المَريضِ بوارِثٍ أعَمُّ مِنْ إِقرارِه للوارِثِ؛ لأنَّ إِقرارَه بالوارِثِ يَتَضمَّنُ نَسَبًا ووِلايةً ومالًا، فكانَ إِقرارُه بمالٍ للوارِثِ أحَقَّ بالجَوازِ مِنْ إِقرارِه بوارِثٍ.

стр. 14125

وأمَّا الجَوابُ عن قَولِهم أنَّه مُتَّهَمٌ في إِقرارِه فهو أنَّه لو لزِمَ لهذا المَعنى فَسادُ إِقرارِه كالدَّعوى استَوى ما أقَرَّ به في الصِّحةِ والمَرضِ في الإِبطالِ، كما استَوى حالُ ادِّعائِه لنَفسِه في الصِّحةِ والمَرضِ في الرَّدِّ على أنَّ المَريضَ أبعَدُ عن التُّهمةِ مِنْ الصَّحيحِ؛ لأنَّها حالٌ يَجتَنِبُ الإِنسانُ فيها المَعاصيَ ويُخلِصُ الطّاعةَ، ولذلك قالَ أبو بَكرٍ ﵁ في عَهدِه إلى عُمرَ، وهذا ما عَهِدَ به أبو بَكرٍ خَليفةُ رَسولِ اللهِ عندَ آخِرِ عَهدِه بالدُّنيا وأوَّلِ عَهدِه بالآخِرةِ في الحالِ التي يُؤمِنُ فيها الكافِرُ ويَتَّقي فيها الفاجِرُ. ولأنَّ العُلَماءَ أجمَعوا على أنَّه إذا أوصَى رَجُلٌ لوارِثِه بوَصيةٍ وأقَرَّ له بدَينٍ في صحَّتِه ثم رجَعَ عنه؛ أنَّ رُجوعَه عن الوَصيةِ جائِزٌ، ولا يَقبَلُ رُجوعَه عن الإِقرارِ (١). الحِيلةُ في جَوازِ الإِقرارِ للوارِثِ في مَرضِ المَوتِ: قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀: إِقرارُ المَريضِ لوارِثِه بدَينٍ باطِلٍ عندَ الجُمهورِ للتُّهمةِ، فلو كانَ له عليه دَينٌ ويُريدُ أنْ تَبرأَ ذمَّتُه منه قبلَ المَوتِ وقد علِمَ أنَّ إِقرارَه له باطِلٌ فكيفَ الحيلةُ في بَراءةِ ذِمَّتِه ووُصولِ صاحِبِ الدَّينِ إلى مالِه فههنا وُجوهٌ: أحَدُها: أنْ يَأخذَ إِقرارَ باقي الوَرثةِ بأنَّ هذا الدَّينَ على المَيِّتِ فإنَّ الإِقرارَ إنَّما بطَلَ لحَقِّهم فإذا أقَرُّوا به لزِمَهم، فإنْ لم تَتمَّ له هذه الحِيلةُ فله وَجهٌ ثانٍ:

стр. 14126

وهو: أنْ يأتِيَ برَجلٍ أجنَبيٍّ يَثقُ به يُقِرُّ له بالمالِ فيَدفَعُه الأجنَبيُّ إلى رَبِّه فإنْ لم تَتمَّ له هذه الحِيلةُ فله وَجهٌ ثالِثٌ: وهو: أنْ يَشتَريَ منه سِلعةً بقَدرِ دَينِه ويُقِرَّ المَريضُ بقَبضِ الثَّمنِ منه أو يَقبِضَ منه الثَّمنَ بمَحضَرِ الشُّهودِ، ثم يَدفعَه إليه سِرًّا فإنْ لم تَتِمَّ له هذه الحيلةُ فليَجعَلِ الثَّمنَ وَديعةً عِندَه فيَكونَ أَمانةً فيُقبَلَ قَولُه في تَلفِه ويَتأوَّلُ أو يَدَّعيَ رَدَّه إليه والقَولُ قَولُه، وله وَجهٌ آخَرُ: وهو: أنْ يُحضِرَ الوارِثُ شَيئًا ثم يَبيعَه مِنْ مَوروثِه بحَضرةِ الشُّهودِ ويُسَلِّمَه إليه فيَقبِضَه ويَصيرَ مالَه ثم يَهَبَه المَوروثُ لأجنَبيٍّ ويَقبِضَه منه ثم يَهَبَه الأجنَبيُّ للوارِثِ فإذا فُعِلَت هذه الحيلةُ ليَصِلَ المَريضُ إلى بَراءةِ ذِمَّتِه والوارِثُ إلى أخذِ دَينِه جازَ ذلك وإلا فلا (١). إذا أقَرَّ لزَوجَتِه بالمَهرِ في مَرضِ مَوتِه: قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ أقَرَّ لامرَأتِه بمَهرِ مِثلِها أو دونَه صحَّ في قَولِهم جَميعًا، لا نَعلَمُ فيه مُخالِفًا إلا الشَّعبيَّ، قالَ: لا يَجوزُ إِقرارُه لها لأنَّه إِقرارٌ لوارِثٍ. ولنا: أنَّه إِقرارٌ بما تَحقَّقَ سَبَبُه وعُلمَ وُجودُه ولم تُعلَمِ البَراءةُ منه فأشبَهَ ما لو كانَ عليه دَينٌ ببَيِّنةٍ فأقَرَّ بأنَّه لم يُوَفِّه وكذلك إنِ اشتَرى مِنْ وارِثِه شَيئًا فأقَرَّ له بثَمنِ مِثلِه؛ لأنَّ القَولَ قَولُ المُقِرِّ له في أنَّه لم يَقبِضْ

стр. 14127

ثَمنَه، وإنْ أقَرَّ لامرَأتِه بدَينٍ سِوَى الصَّداقِ لم يُقبَلْ، وإنْ أقَرَّ لها ثم أبانَها ثم رجَعَ تَزوَجَها وماتَ في مَرضِه لم يُقبَلْ إِقرارُه لها، وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ يُقبَلُ؛ لأنَّها صارَت إلى حالٍ لا يُتَّهمُ فيها فأشبَهَ ما لو أقَرَّ المَريضُ ثم بَرَأ. ولنا: أنَّه إِقرارٌ لوارِثٍ في مَرضِ المَوتِ أشبَهَ ما لو لم يَبنِها وفارَقَ ما إذا صحَّ مِنْ مَرضِه؛ لأنَّه لا يَكونُ مَرضَ المَوتِ (١). وقالَ الحَداديُّ ﵀: ولو أقَرَّ لامرَأتِه في مَرضِه بمَهرِ مِثلِها، أو أقَلَّ صُدِّقَ ولا يُصدَّقُ في الزِّيادةِ على مَهرِ المِثلِ (٢).

стр. 14128

الرُّكنُ الثانِي: المُقَرُّ له: المُقَرُّ له هو مَنْ يَثبُتُ له الحَقُّ المُقَرُّ به، ويَحِقُّ له المُطالَبةُ به أو العَفوُ عَنه. وقد اشتَرَطَ الفُقهاءُ في المُقَرِّ له عِدةَ شُروطٍ لا بدَّ مِنْ تَوافُرِها حتى يَصِحَّ الإِقرارُ له، وبَيانُ ذلك فيما يَلي: الشَّرطُ الأوَّلُ: أنْ يُصدِّقَ المُقَرُّ له المُقِرَّ في إِقرارِه: اتَّفَقَ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّه يُشتَرطُ لصِحةِ الإِقرارِ تَصديقُ المُقَرِّ له للمُقِرِّ بما أقَرَّ لأنَّه لا يُدخِلُ مالَ الغَيرِ في مِلكِ أحَدٍ جَبرًا فيما عَدا الميراثَ، فإنْ كذَّبَه بأنْ أقَرَّ له بألفٍ مَثَلًا فقالَ المُقَرُّ له: ليسَ عليك شَيءٌ لي، أو لا عِلمَ لي بذلك، بطَلَ الإِقرارُ إنِ استَمرَّ التَّكذيبُ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو رجَعَ المُقِرُّ عن الإِقرارِ، أو عادَ المُقَرُّ له إلى التَّصديقِ. فقالَ الحَنفيةُ: إنْ عادَ المُقِرُّ له إلى التَّصديقِ لم يَصِحَّ إلا بإِقرارٍ جَديدٍ. وإنْ رجَعَ المُقِرُّ في حالِ إِنكارِ المُقَرِّ له صحَّ رُجوعُه (١). وقالَ المالِكيةُ: إنْ كَذَّبَ المُقَرُّ له المُقِرَّ حَقيقةً كَ «ليسَ لي عليه شَيءٌ»، أو حُكمًا، كقَولِه: «لا عِلمَ لي بذلك»، بطَلَ الإِقرارُ إنِ استَمَرَّ على التَّكذيبِ. فإنْ رجَعَ المُقَرُّ له إلى تَصديقِ المُقِرِّ في الثانِي فأنكَرَ المُقِرُّ عقِبَ تَصديقِ المُقَرِّ له صحَّ الإِقرارُ ولا عِبرةَ بإِنكارِ المُقِرِّ بعدَ ذلك، وأوْلَى إنْ رجَعَ المُقَرُّ له لتَصديقِ المُقِرِّ، ولم يَحصُلْ مِنْ المُقِرِّ إنكارٌ.

стр. 14129

وإنْ رجَعَ المُقَرُّ له إلى تَصديقِ المُقِرِّ في الأوَّلِ فأنكَرَ المُقِرُّ عقِبَ تَصديقِ المُقَرِّ له فهَل يَصحُّ إِقرارُه أيضًا أو يَبطُلُ؟ قَولانِ في المَذهَبِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: إنْ كذَّبَ المُقَرُّ له المُقِرَّ ترَكَ المالَ في يَدِ المُقِرِّ في الأصَحِّ؛ لدِلالَتِها على المِلكِ ظاهِرًا، والإِقرارُ عارَضَه التَّكذيبُ فسقَطَ. فعلى هذا يَجوزُ له التَّصرُّفُ فيه كيفَما شاءَ إلا إذا كانَ ظانًّا أنَّ المالَ للمُقَرِّ له فيَمتَنِعُ عليه التَّصرُّفُ. وقيلَ: يَحفَظُه القاضِي إلى أنْ يَظهَرَ مالِكُه؛ لأنَّه كالمالِ الضّائِعِ. فإنْ رجَعَ المُقِرُّ في حالِ تَكذيبِ المُقَرِّ له وقالَ: «غَلِطتُ» في الإِقرارِ، أو «تَعمَّدتُ الكَذبَ» قُبلَ قَولُه في الأصَحِّ، بِناءً على أنَّ المالَ يُتْرَكُ في يدِه. والثانِي: لا يُقبَلُ قَولُه بِناءً على أنَّ الحاكِمَ يَنزِعُه منه إلى ظُهورِ مالِكِه. وإنْ كَذَّبَ المُقَرُّ له المُقِرَّ ثم رجَعَ المُقَرُّ له فلا يُقبَلُ على الأصَحِّ، ولا يُصرَفُ إليه إلا بعدَ إقرارٍ جَديدٍ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: ومَن أقَرَّ لمُكلَّفٍ بمالٍ في يَدِه وكَذَّبَه مُقَرٌّ له في إقرارِه؛ بَطَلَ إِقرارُه بتَكذيبِه، ويُقِرُّ المُقِرُّ به في يَدِ المُقِرِّ لأنَّه مالٌ بيَدِه لا يَدَّعيه غَيرُه؛ أشبَهَ اللُّقطةَ، وكانَ للمُقِرِّ أنْ يَتَصرَّفَ فيما أقَرَّ به بما شاءَ.

стр. 14130

وفي وَجهٍ يَحفَظُه الإمامُ حتى يَظهَرَ مالِكُه لأنَّه بإقرارِه خَرَجَ عن مِلكِه ولم يَدخُلْ في مِلكِ المُقَرِّ له، وكُلُّ واحِدٍ منهما يُنْكِرُ مِلكَه فهو كالمالِ الضّائِعِ. فإنْ عادَ المُقَرُّ له وصَدَّقَ المُقِرَّ بما أقَرَّ به فلا يُقبَلُ رُجوعُه لأنَّه مُكذِّبٌ لنَفسِه. وإنْ عادَ المُقِرُّ فادَّعَى المُقَرَّ به لنَفسِه أو ادَّعاه لثالِثٍ؛ قُبِلَ منه ذلك؛ لأنَّه في يَدِه -ولا مَعارِضَ له فيه- ولا يُقبَلُ بَعدَ دَعوى المُقَرِّ به لنَفسِه أو لثالِثٍ عَودُ المُقَرِّ له أوَّلًا إلى دَعواه، وكذا لو كانَ عَودُه إلى دَعواه قبلَ دَعوى المُقَرِّ به لنَفسِه أو غَيرِه لأنَّه مُكذِّبٌ لنَفسِه (١). الشَّرطُ الثانِي: أنْ يَكونَ المُقَرُّ له مَعلومًا غيرَ مَجهولٍ: اشتَرَطَ فُقَهاءُ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المُقَرِّ له أنْ يَكونَ مَعلومًا مُعيَّنًا غيرَ مَجهولٍ، قالَ الحَنفيةُ: يُشتَرطُ في المُقَرِّ له ألَّا يَكونَ مَجهولًا جَهالةً فاحِشةً أمَّا الجَهالةُ اليَسيرةُ فلا تَكونُ مانِعةً لصِحةِ الإِقرارِ، مَثَلًا لو أقَرَّ أحَدٌ بأنَّ هذا المالَ لرَجُلٍ، مُشيرًا إلى مالٍ مُعيَّنٍ في يَدِه، أو أقَرَّ قائِلًا: إنَّ هذا المالَ هو لأحَدٍ مِنْ أهلِ البَلدةِ الفُلانيةِ، ولم يَكنْ أهالي تلك البَلدةِ مَعدودينَ فلا يَصحُّ إقرارُه. أمَّا لو قالَ: إنَّ هذا المالَ هو لأحَدِ هذَينِ الرَّجلَينِ، أو لأحَدٍ مِنْ أهالي المَحَلةِ الفُلانيةِ، وكانَ أهالي تِلكَ المَحَلةِ قَومًا مَحصورينَ فيَصِحُّ إقرارُه.

стр. 14131

وعلى تَقديرِ أنَّه أقَرَّ على الوَجهِ المَشروحِ وقالَ: إنَّ هذا المالَ لأحَدِ هذَينِ الرَّجلَينِ فلهما إذا اتَّفَقا أنْ يَأخُذا ذلك المالَ، ويَملِكانِه بعدَ الأخذِ بالاشتِراكِ. وإنِ اختَلَفا فلِكُلٍّ منهما أنْ يَطلُبَ مِنْ المُقِرِّ اليَمينَ على عَدَمِ كَونِ المالِ له، فإنْ نَكَلَ المُقِرُّ عن يَمينِ الاثنَينِ يَكونُ ذلك المالُ كذلك مُشتَرَكًا بينَهما، وإنْ نَكَلَ عن يَمينِ أحَدِهما يَكونُ ذلك المالُ مُستقِلًّا لمَن نَكَلَ عن يَمينِه، وإنْ حَلَفَ للِاثنَينِ يَبرأُ المُقِرُّ مِنْ دَعواهما، ويَبقَى المالُ في يَدِه (١). وقالَ الشافِعيةُ: يُشتَرطُ في المُقَرِّ له تَعيينُه بحيث يُمكِنُ مُطالَبَتُه ك: «علَيَّ مالٌ لأحَدِ هؤلاء العَشرةِ»، بخِلافِ: «لواحِدٍ مِنْ البَلَدِ علَيَّ ألفٌ»، إلا إنْ كانوا مَحصورينَ فيما يَظهَرُ، ولو قالَ واحِدٌ مِنْ العَشَرةِ: «أنا المَعنيُّ بذلك ولي عليك ألفٌ»، صُدِّقَ المُقِرُّ بيَمينِه، ولو أقَرَّ بعَينٍ لمَجهولٍ، ك «عِندي مالٌ لا أعرِفُ مالِكَه لواحِدٍ مِنْ أهلِ البَلَدِ»، نُزِعَ منه: أي: نَزَعَ منه ناظِرُ بَيتِ المالِ لأنَّه إِقرارٌ بمالٍ ضائِعٍ، وهو لبَيتِ المالِ، وهذا إنْ أيِسَ مِنْ مَعرِفةِ صاحِبِه، والأوجَهُ تَقييدُ ذلك بما إذا لم يَدَّعِ أو تَقُمْ قَرينةٌ على أنَّه لُقطةٌ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: شَرطُ صِحةِ الإِقرارِ ذِكرُ المُقَرِّ له (٣).

стр. 14132

الشَّرطُ الثّالِثُ: الجِدّيةُ في الإِقرارِ: قالَ الحَنفيةُ: يُشتَرطُ في الإِقرارِ الجِدّيةُ، فلذلك فالإِقرارُ الواقِعُ بطَريقِ الاستِهزاءِ والاستِخفافِ غيرُ صَحيحٍ. مَثَلًا لو قالَ أحَدٌ لآخَرَ: «إنَّك مَدينٌ لي بعَشَرةِ دَنانيرَ»، فأجابَه مُستَهزِئًا: «نَعَمْ»، أو قالَ: «خُطَّ كيسَكَ واقبِضْ» فلا يَكونُ مُقِرًّا. كذلك لو قالَ أحَدٌ لآخَرَ: «أدِّ لي الدَّنانيرَ العَشرةَ التي في ذِمَّتِك»، فأجابَه الآخَرُ مُستَهزِئًا: «ستأخُذُها قَريبًا»، فلا يَكونُ إقرارًا، ولو قالَ شَخصٌ لآخَرَ: «لي عليك كذا»، فقالَ استِهزاءً: «نَعَم، أحسَنتَ»، فهو إِقرارٌ ويُؤاخَذُ به. فإذا ادَّعَى المُقِرُّ بأنَّ إقرارَه استِهزاءٌ، وادَّعَى المُقَرَّ له بأنَّه كانَ جادًّا، واختَلَفا، لا يُصدَّقُ المُقِرُّ بادِّعاءِ الاستِهزاءِ بلا بيِّنةٍ، أي أنَّ مُجرَّدَ ادِّعاءِ الاستِهزاءِ غيرُ مَقبولٍ، وقَرينةُ هَزِّ الرَّأسِ غيرُ مُعتَبَرةٍ. فإذا عَجَزَ المُقِرُّ عن إثباتِ الاستِهزاءِ يُصدَّقُ المُقَرُّ له بحَلِفِ اليَمينِ على عَدَمِ العِلمِ بكَونِ الإِقرارِ استِهزاءً (١). الشَّرطُ الرّابِعُ: أهليةُ المُقَرِّ له لاستِحقاقِ المُقَرِّ به حِسًّا أو شَرعًا: اتَّفَقَ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّه يُشتَرطُ في المُقَرِّ له أنْ يَكونَ أهلًا لاستِحقاقِ المُقَرِّ به لأنَّه حينَئِذٍ يُصادِفُ مَحَلَّه، وصِدقُه مُحتمَلٌ، فلو قالَ لهذه الدّابةِ أو دابةِ فُلانٍ -أو لهذا الحَجرِ- علَيَّ كذا، فلَغوٌ، لأنَّها ليسَت

стр. 14133

أهلًا للاستِحقاقِ فإنَّها غيرُ قابِلةٍ للمِلكِ في الحالِ ولا في المَآلِ، ولا يُتَصوَّرُ منها تَعاطي السَّبَبِ كالبَيعِ ونَحوِه. وهذا إذا كانَ في المالِكِ، أمَّا إذا أقَرَّ لخَيلٍ مُسبَّلةٍ أو لمَسجِدٍ فيَصِحُّ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ، ويُحمَلُ على أنَّه مِنْ غَلةِ وَقفٍ عليها أو وَصيةٍ لها (١). قالَ الشافِعيةُ: وأمَّا إنْ قالَ: «عليَّ بسَبَبِها لمالِكِها كذا»، وَجَبَ لأنَّه أقَرَّ للمالِكِ لا لها، وهي السَّبَبُ: إمّا بجِنايةٍ عليها، وإمَّا باستيفاءِ مَنفَعَتِها بإجارةٍ أو غَصبٍ، ويَكونُ المُقَرُّ به مِلكًا لمالِكِها حينَ الإِقرارِ، فإنْ لم يَقُلْ: «لمالِكِها»، واقتَصَرَ على قَولِه: بسَبَبِها لم يَلزَمْ أنْ يَكونَ المُقَرُّ به لمالِكِها في الحالِ، بل يُسألُ ويُحكَمُ بمُوجِبِ بَيانِه إذ يَحتمِلُ أنْ يَكونَ المُقَرُّ به لغَيرِ مالِكِها، كأنْ تَكونَ أتَلَفَت شَيئًا على إنسانٍ وهي في يَدِ المُقِرِّ (٢). وأمَّا الحَنابِلةُ فقالوا: إنْ أقَرَّ لبَهيمةٍ بشَيءٍ لم يَصِحَّ الإقرارُ، لأنَّها لا تَملِكُ، ولا لها أهليةُ المِلكِ، وإنْ قالَ: «علَيَّ ألفٌ بسَبَبِ هذه البَهيمةِ» لم يَكنْ مُقِرًّا لأحَدٍ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهَبِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ صِحةِ الإِقرارِ ذِكرَ المُقَرِّ له، وإنْ قالَ: «لمالِكِها أو لزَيدٍ عليَّ ألفٌ بسَبَبِها» صَحَّ.

стр. 14134

وفي قَولٍ اختارَه المَرداويُّ وغَيرُه: يَصِحُّ، ويَكونُ كقَولِه بسَبَبِها. وإنْ قالَ: «علَيَّ كذا بسَبَبِ حَملِ هذه البَهيمةِ» لم يَصِحَّ إقرارُه؛ لأنَّه لا يُمكِنُ إيجابٌ بشَيءٍ بسَبَبِ الحَملِ إلا أنْ يَنفصِلَ الحَملُ مَيتًا ويَدَّعيَ مالِكُها أنَّه بسَبَبِه فيَلزَمُه ما أقَرَّ به. وإنْ أقَرَّ لمَسجِدٍ أو مَقبَرةٍ أو طَريقٍ ونَحوِه كقَنطَرةٍ وسِقايةٍ صحَّ الإقرارُ، ولو لم يَذكُرْ سَبَبًا كغَلةِ وَقفٍ أو وَصيةٍ؛ لأنَّه إِقرارٌ مِنْ مُكلَّفٍ مُختارٍ فلَزِمَه كما لو عَيَّنَ السَّبَبَ، ويَكونُ لمَصالِحِها. ولا يَصحُّ الإِقرارُ لدارٍ ونَحوِها إلا مع بَيانِ السَّبَبِ مِنْ غَصبٍ أو إجارةٍ ونَحوِهما؛ لأنَّ الدارَ لا تَجري عليها صَدَقةٌ في الغالِبِ بخِلافِ المَسجِدِ ونَحوِه (١). الإِقرارُ للحَملِ: نَصَّ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ المُقِرَّ إذا أقَرَّ لحَملٍ مَوجودٍ بمالٍ وعَزاه إلى إرثٍ أو وصيةٍ صَحَّ؛ لأنَّ ما قالَه مُمكِنٌ والخَصمُ في ذلك وَليُّ الحَملِ. واختَلَفوا فيما لو أطلَقَ، هل يَصحُّ أو لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ ومُحمدُ بنُ الحَسَنِ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّه إنْ أقَرَّ لحَملٍ وأطلَقَ فإنَّه يَصحُّ حَملًا للكَلامِ

стр. 14135

على الجِهةِ المُمكِنةِ فعلى هذا إنْ وَلَدَت ذَكَرًا أو أُنثى كانَ بينَهما نِصفَينِ، وإنْ عَزاه إلى إرثٍ أو وَصيةٍ كانَ بينَهما على حَسَبِ استِحقاقِهما لذلك. وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ الإِقرارُ إلا أنْ يَعزُوَه إلى إرثٍ أو وَصيةٍ لأنَّه لا يَملِكُ بغَيرِهما. فإنْ وَلَدَت الوَلَدَ مَيتًا وكانَ قد عَزا الإِقرارَ إلى إرثٍ أو وَصيةٍ عادَت إلى وَرَثةِ المُوصي ومَوروثِ الطِّفلِ، وإنْ أطلَقَ الإِقرارَ كُلِّفَ ذِكرَ السَّبَبِ فيُعمَلُ بقَولِه، فإنْ تَعذَّرَ التَّفسيرُ بمَوتِه أو غَيرِه بَطَلَ إِقرارُه كمَن أقَرَّ لرَجُلٍ لا يَعرِفُ مَنْ أرادَ بإقرارِه. وإن عَزا الإِقرارَ إلى جِهةٍ غيرِ صَحيحةٍ فقالَ: لهذا الحَملِ عليَّ ألفٌ أقرَضَنيها، أو وَديعةٌ أخَذتُها منه»، هل يَصحُّ الإِقرارُ أو يَبطُلُ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ -وقيلَ: هو المَذهَبُ- والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَبطُلُ الإِقرارُ ولا يَصِحُّ. وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَصحُّ إقرارُه؛ لأنَّه وصَلَ إقرارَه بما يُسقِطُه فيَسقُطُ ما وصَلَه به كما لو قالَ له: «عليَّ ألفٌ لا تَلزَمُني»، وإنْ قالَ: «له علَيَّ ألفٌ جَعَلتُها له»، أو نَحوَ ذلك، فهي عِدَةٌ لا يُؤخَذُ بها (١).

стр. 14136

الإِقرارُ لمَيتٍ: مَنْ أقَرَّ لمَيتٍ بدَينٍ لزِمَه دَفعُ الدَّينِ إلى وارِثِه، فإذا صحَّ ما وَصَفناه وأقَرَّ لمَيتٍ بدَينٍ وقالَ: «هذا ابنُه وهذه امرَأتُه» فلا يَخلو حالُ المَيتِ مِنْ أنْ يُعرَفَ له وارِثٌ غَيرُهما أو لا يُعرَفُ. فإنْ لم يُعرَفْ له وارِثٌ غَيرُهما لزِمَه تَسليمُ المالِ إليهما على فرائِضِ اللهِ تَعالى: الثُّمنُ إلى الزَّوجةِ، والباقي إلى الابنِ. وإن عرَفَ للمَيتِ وارِثٌ غيرُ مَنْ ذَكَرَه المُقِرُّ أمَرَه الحاكِمُ بدَفعِه إلى وارِثِه المَعروفِ، فإنِ اعتَرَفَ الوارِثُ المَعروفُ بما ذَكَرَه المُقِرُّ اشتَرَكوا في الإرثِ. وإنْ لم يَعتَرِفْ تَفرَّدَ بجَميعِ الدَّينِ، فإنْ دَفَعَ بأمرِ الحاكِمِ لم يَغرَمْ للأوَّلِ الذي أقَرَّ به شَيئًا؛ لأنَّ أمرَ الحاكِمِ بدَفعِ جَميعِه إلى المَعروفِ حُكِمَ منه بإبطالِ مِيراثِ غَيرِه، وإنْ دَفَعَ بغَيرِ أمرِ الحاكِمِ غَرِمَ للأوَّلِ الذي أقَرَّ به قُدِّرَ حَقُّه في الاشتِراكِ لثُبوتِ حَقِّ المَعروفِ قَولًا واحِدًا، سَواءٌ كانَ عَينًا أو دَينًا لتَقديمِ الإِقرارِ له.

стр. 14137

وإذا دَفَعَ ما أقَرَّ به مِنْ الدَّينِ إلى مَنْ أقَرَّ بهم مِنْ الوَرَثةِ ثم قَدِمَ صاحِبُ الدَّينِ حَيًّا كانَ له أنْ يَرجِعَ على المُقِرِّ بجَميعِ الدَّينِ ثم يَرجِعَ المُقَرُّ له على أخذِه إنْ قَدِرَ عليه. وإنْ أقَرَّ لوَرَثةِ فُلانٍ بمالٍ كانَ بَينَهم بالسَّويةِ لأنَّ ذلك صِفةُ تَعريفٍ، فلم يَكنْ بَينَهم على الوارِثِ. وإنْ قالَ: «أرَدتُ الإرثَ»، وأنكَرَه مَنْ قَلَّ سَهمُه كانَ القَولُ فيه قَولَ المُقِرِّ، لاحتِمالِه (١).

стр. 14138

الرُّكنُ الثالِثُ: المُقَرُّ به: المُقَرُّ به مِنْ الحُقوقِ نَوعانِ: النَّوعُ الأوَّلُ: حَقٌّ للَّهِ تَعالى -كالزِّنا والسَّرِقةِ والشُّربِ- وهذا النَّوعُ يَسقُطُ بالشُّبهةِ، وإنْ لم يَظهَرْ عليه لم يَجِبْ عليه أنْ يُقِرَّ به، بل يُستحَبُّ له أنْ يَكتُمَه، ولا بُدَّ مِنْ تَوافُرِ عِدةِ شُروطٍ حتى يَصِحَّ الإِقرارُ به، وقد تَقدَّمَ بَيانُ ذلك في كِتابِ الحُدودِ وفي أوَّلِ كِتابِ الإِقرارِ. النَّوعُ الثانِي: أنْ يَكونَ الحَقُّ أنْ يَكونَ لآدَميٍّ حَقٌّ للَّهِ تَعالى لا يَسقُطُ بالشُّبهةِ -كالزَّكاةِ والكَفاراتِ- وهذا النَّوعُ لا يُشتَرطُ لصِحةِ الإِقرارِ به ما يُشتَرطُ لصِحةِ الإِقرارِ به ما يُشتَرطُ لصِحةِ الإِقرارِ بحُقوقِ اللهِ تَعالى فيَثبُتُ مع الشُّبهاتِ بخِلافِ حُقوقِ اللهِ تَعالى (١). ما يُشتَرطُ في المُقَرِّ به من حُقوقِ العِبادِ وما لا يُشتَرطُ: الشَّرطُ الأولُ: العِلمُ بالمُقَرِّ به: اتَّفَقَ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّه لا يُشتَرطُ في المُقَرِّ به أنْ يَكونَ مَعلومًا، بل يَصحُّ الإِقرارُ بالمَجهولِ، فجَهالةُ المُقَرِّ به لا تَمنَعُ صِحةَ الإِقرارِ بلا خِلافٍ بَينَ الفُقهاءِ إلا أنَّه يُجبَرُ على البَيانِ؛ لأنَّه هو المُجمِلُ فكانَ البَيانُ عليه. فإن امتَنَعَ من تَفسيرِ ما أقَرَّ به فقَولانِ للعُلَماءِ: أحَدُهما: يُحبَسُ حتى يُفسِّرَ؛ لأنَّه امتَنَعَ مِنْ حَقٍّ عليه، فيُحبَسُ به كما

стр. 14139

لو عَيَّنَه وامتَنَعَ مِنْ أدائِه، وهذا مَذهَبُ المالِكيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ وقَولٌ للشافِعيةِ. والثانِي: يُجعَلُ ناكِلًا، وهو قَولُ الشافِعيةِ في الصَّحيحِ والحَنابِلةِ في قَولٍ، ويُؤمَرُ المُقَرُّ له بالبَيانِ، فإن بَيَّنَ شَيئًا فصَدَّقَه المُقِرُّ ثَبَتَ، وإنْ كَذَّبَه وامتَنَعَ مِنْ البَيانِ قيلَ له: «إنْ بَيَّنت وإلا جَعَلناك ناكِلًا وقَضَينا عليك». وإن فَسَّرَه بما لا يُتموَّلُ عادةً كقِشرةِ جَوزٍ أو قِشرةِ باذِنجانةٍ لم يُقبَلْ إقرارُه؛ لأنَّ إقرارَه اعتِرافٌ بحَقٍّ عليه ثابِتٍ في ذِمَّتِه وهذا لا يَثبُتُ في الذِّمةِ. وكذا إذا فسَّرَه بما لا يُتموَّلُ في الشَّرعِ كالخَمرِ والخِنزيرِ والمَيتةِ. ولو قالَ: «له عليَّ شَيءٌ أو له عليَّ مالٌ» وبَيَّنَ شَيئًا له قيمةٌ وصَدَّقَه المُقَرُّ له فلا إشكالَ، وإنِ ادَّعَى شَيئًا آخَرَ أو لا يَدَّعي شَيئًا يَبطُلُ إقرارَه. وإن ادَّعَى عليه المُقَرُّ له أزيَدَ ممَّا أقَرَّ به المُقِرُّ أخَذَ ما أقَرَّ به وأقامَ البَيِّنةَ على الزِّيادةِ وإلا حَلَّفَه على الزِّيادةِ؛ لأنَّ القَولَ قَولُ المُنكِرِ مع يَمينِه. إذا أقَرَّ بمالٍ هل يُقبَلُ تَفسيرُه في قَليلِ المالِ وكَثيرِه؟ المُقِرُّ إذا أقَرَّ بمالٍ فلا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أحوالٍ: الحالةُ الأُولَى: أنْ يَقولَ: «له علَيَّ مالٌ حَقيرٌ»: اتَّفَقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُقِرَّ إذا قالَ: «له علَيَّ مالٌ حَقيرٌ أو قَليلٌ أو خَسيسٌ أو تافِهٌ أو نَزرٌ»، أنَّه يُقبَلُ تَفسيرُه في القَليلِ والكَثيرِ. الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَقولَ: «له علَيَّ مالٌ»: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ: «لفُلانٍ علَيَّ مالٌ»، أو أقَرَّ بمالٍ ولم يَذكُرْ

стр. 14140

مَبلَغَه، هل يُصدَّقُ في القَليلِ والكَثيرِ أو لا يُصدَّقُ إلا إذا ذَكَرَ شَيئًا له قيمةٌ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ -واستَحسَنَه أكثَرُ المالِكيةِ- والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إنْ أقَرَّ بمالٍ يَرجِعُ إلى تَفسيرِه، فإنْ فسَرَّه بالقَليلِ والكَثيرِ قُبِلَ قَولُه في تَفسيرِه؛ لأنَّ لَفظَه مُجمَلٌ، فإذا لم يَكنْ له تَقديرٌ في عُرفِ اللُّغةِ والشَّرعِ رُجِعَ في تَفسيرِه إليه كما لو قالَ: «عِندي شَيءٌ، أو حَقٌّ»، ولأنَّ القَليلَ يَدخُلُ تَحتَ الماليةِ، كما يَدخُلُ الكَثيرُ؛ لأنَّ كُلَّ ذلك مالٌ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَلزَمُه أقَلُّ نِصابٍ مِنْ نِصاباتِ الزَّكاةِ مِنْ أنواعِ أموالِهم؛ لأنَّ المالَ له تَقديرٌ في اللُّغةِ والشَّريعةِ، أمَّا في اللُّغةِ فإنَّهم لا يَعقِلونَ مِنْ قَولِهم: «فُلانٌ مِنْ أربابِ المالِ»، أنَّه يَملِكُ دانَقًا أو دِرهَمًا، وإنَّما يَعقِلونَ زيادةً على ذلك ببَيِّنةٍ، وأمَّا الشَّرعُ فقَد ثبَتَ أنَّ النِّصابَ مالٌ؛ لقَولِه ﷺ : «لا زَكاةَ في مالٍ حتى يَحُولَ عليه الحَولُ»، فلم يَثبُتْ لما دونَه هذا الاسمُ يُوجِبُ صَرفَ الكَلامِ إليه. فعلى هذا يَلزَمُه أقَلُّ ما يُسَمَّى نِصابًا مِنْ جِنسِ مالِ المُقِرِّ فيَلزَمُه عِشرونَ دينارًا إنْ كانَ مِنْ أهلِ الذَّهَبِ، ومِئَتا دِرهَمٍ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الوَرِقِ،

стр. 14141

وخَمسٌ مِنْ الإبِلِ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الإبِلِ، وثَلاثونَ مِنْ البَقَرِ إنْ كانَ مِنْ أهلِ البَقَرِ، وأربَعونَ مِنْ الضَّأنِ أو المَعزِ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الضَّأنِ أو المَعزِ، وخَمسةُ أوسُقٍ مِنْ الحَبِّ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الحَرثِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ ثالِثٍ إلى أنَّه يَلزَمُه أقَلُّ ما يُستَباحُ به البُضعُ والقَطعُ؛ لأنَّه إذا ثبَتَ التَّقديرُ بما ذكَرْناه وكانَ المالُ اسمًا لمِقدارٍ مِنْ الكَثرةِ يَزيدُ على القَليلِ النَّزرِ كانَ أقَلَّ تَقديرٍ يُمكِنُ حَملُه على ما ذكَرْناه؛ لقَولِه تَعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقد ثبَتَ أنَّ أوَّلَ المُهورِ رُبعُ دِينارٍ، ولقَولِ عائِشةَ ﵂: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ لا يَقطَعُ في التافِهِ وكانَ يَقطَعُ في رُبعِ دِينارٍ» (٢) (٣). الحالةُ الثالِثةُ: إذا قالَ له: «علَيَّ مالٌ عَظيمٌ»: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أقَرَّ له بمالٍ عَظيمٍ أو كَثيرٍ بأنْ قالَ: «له علَيَّ مالٌ عَظيمٌ أو كَثيرٌ أو جَليلٌ أو نَفيسٌ، أو عَظيمٌ جِدًّا» هل يُقدَّرُ بمِقدارٍ مُعيَّنٍ أو لا يُقدَّرُ بمِقدارٍ ويُرجَعُ فيه إلى تَفسيرِه؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إنْ قالَ: «له علَيَّ مالٌ عَظيمٌ» لم يُصدَّقْ في أقَلَّ مِنْ مِئتَي دِرهَمٍ؛ لأنَّه إِقرارٌ بمالٍ مَوصوفٍ فلا يَجوزُ إِلغاءُ الوَصفِ،

стр. 14142

والنِّصابُ عَظيمٌ، حتى اعتُبِرَ صاحِبُه غَنيًّا به، والغَنيُّ عَظيمٌ عندَ الناسِ، وهذا إذا قالَ: «مالٌ عَظيمٌ مِنْ الدَّراهِمِ»، أمَّا إذا قالَ: «مِنْ الدَّنانيرِ»، فالتَّقديرُ بعِشرينَ مِثقالًا، وفي الإبِلِ بخَمسٍ وعِشرينَ؛ لأنَّه أَدنى نِصابٍ تَجِبُ فيه الزَّكاةُ مِنْ جِنسِه، وفي غيرِ مالِ الزَّكاةِ يُقدَّرُ بقيمةِ النِّصابِ، وكذا إذا قالَ: «مالٌ كَثيرٌ، أو جَليلٌ»، فهو كقَولِه: «عَظيمٌ»، وعَن أبي حَنيفةَ يُصدَّقُ في عَشَرةِ دَراهِمَ إذا قالَ: «مِنْ الدَّراهِمِ»؛ لأنَّه نِصابُ السَّرِقةِ، فهو عَظيمٌ حَيثُ تُقطَعُ به اليَدُ المُحتَرمةُ، قالَ السَّرخَسيُّ: والأصَحُّ أنَّه يُبنَى على حالِ المُقِرِّ في الفَقرِ، والغِنَى، فإنَّ القَليلَ عندَ الفَقيرِ عَظيمٌ، وكما أنَّ المِئتَينِ عَظيمةٌ في حُكمِ الزَّكاةِ، فالعَشرةٌ عَظيمةٌ في قَطعِ يَدِ السارِقِ وتَقديرِ المَهرِ، فيَتعارَضُ ويَكونُ المَرجِعُ فيه إلى حالِ الرَّجلِ. وإنْ قالَ: «له مالٌ نَفيسٌ، أو خَطيرٌ أو كَثيرٌ»، لزِمَه عَشرةُ دَراهمَ عندَ أبي حَنيفةَ (١). وأمَّا المالِكيةُ فعِندَهم خَمسةُ أقوالٍ في المَذهبِ إذا قالَ: «له علَيَّ مالٌ عَظيمٌ»، الصَّحيحُ منها أنَّه يَلزَمُه أقَلُّ نِصابٍ مِنْ نِصاباتِ الزَّكاةِ مِنْ أَنواعِ أَموالِهم؛ لأنَّ المالَ له تَقديرٌ في اللُّغةِ والشَّريعةِ، أمَّا في اللُّغةِ فإنَّهم لا يَعقِلونَ مِنْ قَولِهم: «فُلانٌ مِنْ أَربابِ المالِ»، أنَّه يَملِكُ دانَقًا أو دِرهَمًا، وإنَّما يَعقِلونَ زِيادةً على ذلك ببَيِّنةٍ، وأمَّا الشَّرعُ فقد ثبَتَ أنَّ النِّصابَ مالٌ؛ لقَولِه ﷺ : «لا زَكاةَ في مالٍ حتى يَحولَ عليه الحَولُ» فلم يَثبُتْ لما دونَه هذا الاسمُ يُوجِبُ صَرفَ الكَلامِ إليه.

стр. 14143

فعلى هذا يَلزَمُه أقَلُّ ما يُسَمَّى نِصابًا مِنْ جِنسِ مالِ المُقِرِّ فيَلزَمُه عِشرونَ دِينارًا إنْ كانَ مِنْ أهلِ الذَّهَبِ، ومِئَتا دِرهَمٍ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الوَرِقِ، وخَمسٌ مِنْ الإبِلِ إن كانَ مِنْ أهلِ الإبِلِ، وثَلاثونَ مِنْ البَقَرِ إن كانَ مِنْ أهلِ البَقَرِ، وأربَعونَ مِنْ الضَّأنِ أو المَعزِ إن كانَ مِنْ أهلِ الضَّأنِ أو المَعزِ، وخَمسةُ أوسُقٍ مِنْ الحَبِّ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الحَرثِ (١). والقَولُ الثانِي: أنَّه يَرجِعُ فيه إلى تَفسيرِه القَولَ لأنَّه لا حَدَّ في ذلك؛ لأنَّه لَفظٌ مُجمَلٌ، فوجَبَ أنْ يُرجَعَ في بَيانِه إليه، أصلُه قَولُه: «علَيَّ شَيءٌ أو حَقٌّ»، ولأنَّ أَلفاظَ صاحِبِ الشَّرعِ المُجمَلةِ لمَّا وَجَبَ في الرُّجوعِ في تَفسيرِها إليه، كذلك الإِقرارُ وكُلُّ مُجمَلٍ تَعلَّقَ به حُكمٌ، ولأنَّ العَظيمَ لا حَدَّ له في اللُّغةِ، ولا في الشَّريعةِ، ولا في العادةِ، فإذا لم يَثبُتْ تَقديرٌ مِنْ إِحدى هذه الجِهاتِ وجَبَ الرُّجوعُ فيه إلى المُقِرِّ، كما لو قالَ: «له علَيَّ مالٌ مَعلومٌ أو مَوصوفٌ». والقَولُ الثالِثُ: أنَّه لا بدَّ مِنْ صِفةٍ زائِدةٍ، ويَكونُ زيادةً على أقَلِّ مالٍ، ويَرجِعُ في تَفسيرِه إليه؛ لأنَّه وَصَفه بالعَظيمِ والكَثيرِ، وذلك يَقتَضي زيادةَ صِفةٍ على إطلاقِ الاسمِ، كما أنَّ قَولَهم: رَجلٌ طَويلٌ وقَصيرٌ يَقتَضي إثباتَ صِفاتٍ زائِدةٍ على مُطلَقِ الاسمِ، وإذا قُلنا: إنَّه يَلزَمُه ما يَلزَمُه بقَولِه: «مالٌ»، فقط، ألغَينا الصِّفةَ، ولا سَبيلَ إلى ذلك، ولأنَّ القيراطَ والحَبةَ لا يَصِفُها أحَدٌ في لُغةٍ ولا شَرعٍ أنَّه عَظيمٌ ولا كَثيرٌ، فلم يَصِحَّ تَعلُّقُ الحُكمِ به، ولأنَّه لو قالَ: «له علَيَّ مالٌ حَقيرٌ أو قَليلٌ أو نَزرٌ»، ثم وصَفَه بالدانَقِ والقيراطِ،

стр. 14144

لقُبِلَ ذلك منه، وذلك يَقتَضي أنْ يَكونَ وَصفُه بالعَظيمِ والكَثيرِ بخِلافِ النَّزارةِ والقِلةِ. ووَجهُ القَولِ أنَّه يُرجَعُ في تَفسيرِها له غايةً، وقد ثبَتَ وُجودُ زِيادةٍ على مُطلَقِ الاسمِ، ولم يَثبُتْ تَقديرٌ فيه، فوجَبَ الرُّجوعُ إليه في تَقديرِه. القَولُ الرابِعُ: لا يُقبَلُ منه أقَلُّ مِنْ نِصابِ السَّرِقةِ. القَولُ الخامِسُ: يَلزَمُه بقَدرِ الدِّيةِ؛ لأنَّ وَصفَه بالعَظيمِ يَقتَضي المُبالَغةَ فيه، فوجَبَ أنْ يَطلُبَ له مِنْ التَّقديرِ أعلَى ما في بابِه؛ لأنَّ ذلك عَظيمٌ مِنْ وَجهٍ، وقَليلٌ مِنْ وَجهٍ، والوَصفُ له بالعَظيمِ يَقتَضي تَخصيصَه بهذا المَعنى وانتِقاءَ غَيرِه عنه (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إنْ قالَ: «له علَيَّ مالٌ عَظيمٌ أو كَثيرٌ أو جَليلٌ أو نَفيسٌ أو عَظيمٌ، أو عَظيمٌ عَظيمٌ» لم يُقدَّرْ بشَيءٍ، وجازَ تَفسيرُه بالقَليلِ والكَثيرِ، كما لو قالَ: «مالٌ» ولم يَزِدْ عليه؛ لأنَّ العَظيمَ والكَثيرَ لا حدَّ له في الشَّرعِ ولا في اللُّغةِ ولا في العُرفِ، ويَختلِفُ الناسُ فيه فمنهم مَنْ يَستعظِمُ القَليلَ ومنهم مَنْ يَستعظِمُ الكَثيرَ، ومنهم مَنْ يَحتقِرُ الكَثيرَ فلم يَثبُتْ في ذلك حَدٌّ يُرجَعُ إلى تَفسيرِه به، ولأنَّه ما مِنْ مالٍ إلا وهو عَظيمٌ كَثيرٌ بالنِّسبةِ إلى ما دونَه، ويُحتمَلُ أنَّه أرادَ عَظيمًا عِندَه، لفَقرِ نَفسِه ودَناءَتِها (٢).

стр. 14145

الشَّرطُ الثانِي: ألَّا يَكونَ المُقَرُّ به مِلكًا للمُقِرِّ به: اشتَرطَ فُقهاءُ الشافِعيةِ في المُقرِّ به، وهو كُلُّ ما جازَت المُطالَبةُ به ألَّا يَكونَ مِلكًا للمُقِرِّ حينَ يُقِرُّ به؛ لأنَّ الإِقرارَ ليسَ إِزالةً عن المِلكِ، وإنَّما هو إِخبارٌ عن كَونِه مَملوكًا للمُقَرِّ له، فلا بدَّ مِنْ تَقديمِ المُخبَرِ عنه على الخبَرِ، فلو قالَ: «داري أو ثَوبي أو دَيني الذي على زَيدٍ لعَمرٍو» فهو لَغوٌ؛ لأنَّ الإِضافةَ إليه تَقتَضي المِلكَ له فيُنافي إِقرارَه لغَيرِه؛ إذ هو إِخبارٌ بحَقٍّ سابِقٍ فحُملَ على الوَعدِ والهِبةِ. ولو قالَ: «الدارُ التي اشتَرَيتُها لنَفسي أو وَرِثتُها مِنْ أبي مِلكٌ لزَيدٍ» لم يَصحَّ أيضًا، إلا أنْ يُريدَ الإِقرارَ فيَصِحَّ، وكذا لو قالَ: داري لفُلانٍ، وأرادَ الإِقرارَ؛ لأنَّه أرادَ بالإِضافةِ إِضافةَ سُكنى ذلك، ذكَرَ ذلك البَغويُّ في فَتاويه. قالَ الأَذرعيُّ بعدَ نَقلِه كَلامَ البَغويِّ: ويَتَّجِهُ أن يَستَفسِرَ عندَ إِطلاقِه، ويُعمَلَ بقَولِه بخِلافِ قَولِه: «دارِي التي هي مِلكي له»، للتَّناقُضِ الصَّريحِ. ولو قالَ: «الدَّينُ الذي كَتَبتُه على زَيدٍ لعَمرٍو»، صَحَّ، لاحتِمالِ أنَّه وَكيلٌ، فلو طالَبَ عَمرٌو زَيدًا فأنكَرَ فإنْ شاءَ عَمرٌو أقامَ بيِّنةً بإِقرارِ المُقِرِّ أنَّ الدَّينَ الذي كتَبَه على زَيدٍ له ثم يُقيمُ بيِّنةً عليه بالمُقَرِّ به وإنْ شاءَ أقامَ بيِّنةً بالمُقَرِّ به ثم بيِّنةً بالإِقرارِ. وليَكُنِ المُقَرُّ به مِنْ الأعيانِ في يَدِ المُقِرِّ حِسًّا أو شَرعًا ليُسلِّمَ بالإِقرارِ
следующие страницы →