وخَمسٌ مِنْ الإبِلِ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الإبِلِ، وثَلاثونَ مِنْ البَقَرِ إنْ كانَ مِنْ أهلِ البَقَرِ، وأربَعونَ مِنْ الضَّأنِ أو المَعزِ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الضَّأنِ أو المَعزِ، وخَمسةُ أوسُقٍ مِنْ الحَبِّ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الحَرثِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ ثالِثٍ إلى أنَّه يَلزَمُه أقَلُّ ما يُستَباحُ به البُضعُ والقَطعُ؛ لأنَّه إذا ثبَتَ التَّقديرُ بما ذكَرْناه وكانَ المالُ اسمًا لمِقدارٍ مِنْ الكَثرةِ يَزيدُ على القَليلِ النَّزرِ كانَ أقَلَّ تَقديرٍ يُمكِنُ حَملُه على ما ذكَرْناه؛ لقَولِه تَعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقد ثبَتَ أنَّ أوَّلَ المُهورِ رُبعُ دِينارٍ، ولقَولِ عائِشةَ ﵂: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ لا يَقطَعُ في التافِهِ وكانَ يَقطَعُ في رُبعِ دِينارٍ» (٢)(٣).
الحالةُ الثالِثةُ: إذا قالَ له: «علَيَّ مالٌ عَظيمٌ»:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أقَرَّ له بمالٍ عَظيمٍ أو كَثيرٍ بأنْ قالَ: «له علَيَّ مالٌ عَظيمٌ أو كَثيرٌ أو جَليلٌ أو نَفيسٌ، أو عَظيمٌ جِدًّا» هل يُقدَّرُ بمِقدارٍ مُعيَّنٍ أو لا يُقدَّرُ بمِقدارٍ ويُرجَعُ فيه إلى تَفسيرِه؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إنْ قالَ: «له علَيَّ مالٌ عَظيمٌ» لم يُصدَّقْ في أقَلَّ مِنْ مِئتَي دِرهَمٍ؛ لأنَّه إِقرارٌ بمالٍ مَوصوفٍ فلا يَجوزُ إِلغاءُ الوَصفِ،
стр. 14142
والنِّصابُ عَظيمٌ، حتى اعتُبِرَ صاحِبُه غَنيًّا به، والغَنيُّ عَظيمٌ عندَ الناسِ، وهذا إذا قالَ: «مالٌ عَظيمٌ مِنْ الدَّراهِمِ»، أمَّا إذا قالَ: «مِنْ الدَّنانيرِ»، فالتَّقديرُ بعِشرينَ مِثقالًا، وفي الإبِلِ بخَمسٍ وعِشرينَ؛ لأنَّه أَدنى نِصابٍ تَجِبُ فيه الزَّكاةُ مِنْ جِنسِه، وفي غيرِ مالِ الزَّكاةِ يُقدَّرُ بقيمةِ النِّصابِ، وكذا إذا قالَ: «مالٌ كَثيرٌ، أو جَليلٌ»، فهو كقَولِه: «عَظيمٌ»، وعَن أبي حَنيفةَ يُصدَّقُ في عَشَرةِ دَراهِمَ إذا قالَ: «مِنْ الدَّراهِمِ»؛ لأنَّه نِصابُ السَّرِقةِ، فهو عَظيمٌ حَيثُ تُقطَعُ به اليَدُ المُحتَرمةُ، قالَ السَّرخَسيُّ: والأصَحُّ أنَّه يُبنَى على حالِ المُقِرِّ في الفَقرِ، والغِنَى، فإنَّ القَليلَ عندَ الفَقيرِ عَظيمٌ، وكما أنَّ المِئتَينِ عَظيمةٌ في حُكمِ الزَّكاةِ، فالعَشرةٌ عَظيمةٌ في قَطعِ يَدِ السارِقِ وتَقديرِ المَهرِ، فيَتعارَضُ ويَكونُ المَرجِعُ فيه إلى حالِ الرَّجلِ.
وإنْ قالَ: «له مالٌ نَفيسٌ، أو خَطيرٌ أو كَثيرٌ»، لزِمَه عَشرةُ دَراهمَ عندَ أبي حَنيفةَ (١).
وأمَّا المالِكيةُ فعِندَهم خَمسةُ أقوالٍ في المَذهبِ إذا قالَ: «له علَيَّ مالٌ عَظيمٌ»، الصَّحيحُ منها أنَّه يَلزَمُه أقَلُّ نِصابٍ مِنْ نِصاباتِ الزَّكاةِ مِنْ أَنواعِ أَموالِهم؛ لأنَّ المالَ له تَقديرٌ في اللُّغةِ والشَّريعةِ، أمَّا في اللُّغةِ فإنَّهم لا يَعقِلونَ مِنْ قَولِهم: «فُلانٌ مِنْ أَربابِ المالِ»، أنَّه يَملِكُ دانَقًا أو دِرهَمًا، وإنَّما يَعقِلونَ زِيادةً على ذلك ببَيِّنةٍ، وأمَّا الشَّرعُ فقد ثبَتَ أنَّ النِّصابَ مالٌ؛ لقَولِه ﷺ : «لا زَكاةَ في مالٍ حتى يَحولَ عليه الحَولُ» فلم يَثبُتْ لما دونَه هذا الاسمُ يُوجِبُ صَرفَ الكَلامِ إليه.
стр. 14143
فعلى هذا يَلزَمُه أقَلُّ ما يُسَمَّى نِصابًا مِنْ جِنسِ مالِ المُقِرِّ فيَلزَمُه عِشرونَ دِينارًا إنْ كانَ مِنْ أهلِ الذَّهَبِ، ومِئَتا دِرهَمٍ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الوَرِقِ، وخَمسٌ مِنْ الإبِلِ إن كانَ مِنْ أهلِ الإبِلِ، وثَلاثونَ مِنْ البَقَرِ إن كانَ مِنْ أهلِ البَقَرِ، وأربَعونَ مِنْ الضَّأنِ أو المَعزِ إن كانَ مِنْ أهلِ الضَّأنِ أو المَعزِ، وخَمسةُ أوسُقٍ مِنْ الحَبِّ إنْ كانَ مِنْ أهلِ الحَرثِ (١).
والقَولُ الثانِي: أنَّه يَرجِعُ فيه إلى تَفسيرِه القَولَ لأنَّه لا حَدَّ في ذلك؛ لأنَّه لَفظٌ مُجمَلٌ، فوجَبَ أنْ يُرجَعَ في بَيانِه إليه، أصلُه قَولُه: «علَيَّ شَيءٌ أو حَقٌّ»، ولأنَّ أَلفاظَ صاحِبِ الشَّرعِ المُجمَلةِ لمَّا وَجَبَ في الرُّجوعِ في تَفسيرِها إليه، كذلك الإِقرارُ وكُلُّ مُجمَلٍ تَعلَّقَ به حُكمٌ، ولأنَّ العَظيمَ لا حَدَّ له في اللُّغةِ، ولا في الشَّريعةِ، ولا في العادةِ، فإذا لم يَثبُتْ تَقديرٌ مِنْ إِحدى هذه الجِهاتِ وجَبَ الرُّجوعُ فيه إلى المُقِرِّ، كما لو قالَ: «له علَيَّ مالٌ مَعلومٌ أو مَوصوفٌ».
والقَولُ الثالِثُ: أنَّه لا بدَّ مِنْ صِفةٍ زائِدةٍ، ويَكونُ زيادةً على أقَلِّ مالٍ، ويَرجِعُ في تَفسيرِه إليه؛ لأنَّه وَصَفه بالعَظيمِ والكَثيرِ، وذلك يَقتَضي زيادةَ صِفةٍ على إطلاقِ الاسمِ، كما أنَّ قَولَهم: رَجلٌ طَويلٌ وقَصيرٌ يَقتَضي إثباتَ صِفاتٍ زائِدةٍ على مُطلَقِ الاسمِ، وإذا قُلنا: إنَّه يَلزَمُه ما يَلزَمُه بقَولِه: «مالٌ»، فقط، ألغَينا الصِّفةَ، ولا سَبيلَ إلى ذلك، ولأنَّ القيراطَ والحَبةَ لا يَصِفُها أحَدٌ في لُغةٍ ولا شَرعٍ أنَّه عَظيمٌ ولا كَثيرٌ، فلم يَصِحَّ تَعلُّقُ الحُكمِ به، ولأنَّه لو قالَ: «له علَيَّ مالٌ حَقيرٌ أو قَليلٌ أو نَزرٌ»، ثم وصَفَه بالدانَقِ والقيراطِ،
стр. 14144
لقُبِلَ ذلك منه، وذلك يَقتَضي أنْ يَكونَ وَصفُه بالعَظيمِ والكَثيرِ بخِلافِ النَّزارةِ والقِلةِ.
ووَجهُ القَولِ أنَّه يُرجَعُ في تَفسيرِها له غايةً، وقد ثبَتَ وُجودُ زِيادةٍ على مُطلَقِ الاسمِ، ولم يَثبُتْ تَقديرٌ فيه، فوجَبَ الرُّجوعُ إليه في تَقديرِه.
القَولُ الرابِعُ: لا يُقبَلُ منه أقَلُّ مِنْ نِصابِ السَّرِقةِ.
القَولُ الخامِسُ: يَلزَمُه بقَدرِ الدِّيةِ؛ لأنَّ وَصفَه بالعَظيمِ يَقتَضي المُبالَغةَ فيه، فوجَبَ أنْ يَطلُبَ له مِنْ التَّقديرِ أعلَى ما في بابِه؛ لأنَّ ذلك عَظيمٌ مِنْ وَجهٍ، وقَليلٌ مِنْ وَجهٍ، والوَصفُ له بالعَظيمِ يَقتَضي تَخصيصَه بهذا المَعنى وانتِقاءَ غَيرِه عنه (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إنْ قالَ: «له علَيَّ مالٌ عَظيمٌ أو كَثيرٌ أو جَليلٌ أو نَفيسٌ أو عَظيمٌ، أو عَظيمٌ عَظيمٌ» لم يُقدَّرْ بشَيءٍ، وجازَ تَفسيرُه بالقَليلِ والكَثيرِ، كما لو قالَ: «مالٌ» ولم يَزِدْ عليه؛ لأنَّ العَظيمَ والكَثيرَ لا حدَّ له في الشَّرعِ ولا في اللُّغةِ ولا في العُرفِ، ويَختلِفُ الناسُ فيه فمنهم مَنْ يَستعظِمُ القَليلَ ومنهم مَنْ يَستعظِمُ الكَثيرَ، ومنهم مَنْ يَحتقِرُ الكَثيرَ فلم يَثبُتْ في ذلك حَدٌّ يُرجَعُ إلى تَفسيرِه به، ولأنَّه ما مِنْ مالٍ إلا وهو عَظيمٌ كَثيرٌ بالنِّسبةِ إلى ما دونَه، ويُحتمَلُ أنَّه أرادَ عَظيمًا عِندَه، لفَقرِ نَفسِه ودَناءَتِها (٢).
стр. 14145
الشَّرطُ الثانِي: ألَّا يَكونَ المُقَرُّ به مِلكًا للمُقِرِّ به:
اشتَرطَ فُقهاءُ الشافِعيةِ في المُقرِّ به، وهو كُلُّ ما جازَت المُطالَبةُ به ألَّا يَكونَ مِلكًا للمُقِرِّ حينَ يُقِرُّ به؛ لأنَّ الإِقرارَ ليسَ إِزالةً عن المِلكِ، وإنَّما هو إِخبارٌ عن كَونِه مَملوكًا للمُقَرِّ له، فلا بدَّ مِنْ تَقديمِ المُخبَرِ عنه على الخبَرِ، فلو قالَ: «داري أو ثَوبي أو دَيني الذي على زَيدٍ لعَمرٍو» فهو لَغوٌ؛ لأنَّ الإِضافةَ إليه تَقتَضي المِلكَ له فيُنافي إِقرارَه لغَيرِه؛ إذ هو إِخبارٌ بحَقٍّ سابِقٍ فحُملَ على الوَعدِ والهِبةِ.
ولو قالَ: «الدارُ التي اشتَرَيتُها لنَفسي أو وَرِثتُها مِنْ أبي مِلكٌ لزَيدٍ» لم يَصحَّ أيضًا، إلا أنْ يُريدَ الإِقرارَ فيَصِحَّ، وكذا لو قالَ: داري لفُلانٍ، وأرادَ الإِقرارَ؛ لأنَّه أرادَ بالإِضافةِ إِضافةَ سُكنى ذلك، ذكَرَ ذلك البَغويُّ في فَتاويه.
قالَ الأَذرعيُّ بعدَ نَقلِه كَلامَ البَغويِّ: ويَتَّجِهُ أن يَستَفسِرَ عندَ إِطلاقِه، ويُعمَلَ بقَولِه بخِلافِ قَولِه: «دارِي التي هي مِلكي له»، للتَّناقُضِ الصَّريحِ.
ولو قالَ: «الدَّينُ الذي كَتَبتُه على زَيدٍ لعَمرٍو»، صَحَّ، لاحتِمالِ أنَّه وَكيلٌ، فلو طالَبَ عَمرٌو زَيدًا فأنكَرَ فإنْ شاءَ عَمرٌو أقامَ بيِّنةً بإِقرارِ المُقِرِّ أنَّ الدَّينَ الذي كتَبَه على زَيدٍ له ثم يُقيمُ بيِّنةً عليه بالمُقَرِّ به وإنْ شاءَ أقامَ بيِّنةً بالمُقَرِّ به ثم بيِّنةً بالإِقرارِ.
وليَكُنِ المُقَرُّ به مِنْ الأعيانِ في يَدِ المُقِرِّ حِسًّا أو شَرعًا ليُسلِّمَ بالإِقرارِ
стр. 14146
للمُقَرِّ له؛ لأنَّه إذا لم يَكنْ في يَدِه كانَ كَلامُه إمَّا دَعوى عن الغَيرِ بغَيرِ إذنِه وإمَّا شَهادةً بغَيرِ لَفظِها فلا تُقبَلُ.
وكَونُه في يَدِ المُقِرِّ شَرطٌ لإِعمالِ القَرارِ، وهو التَّسليمُ، لا شَرطٌ لصِحَّتِه، فلا يُقالُ: إنَّه مُلغًى بالكُليةِ، فإنَّه إذا حصَلَ بيَدِه لزِمَه تَسليمُه إليه.
واستُثنيَ مِنْ ذلك مَسائِلُ:
الأُولَى: ما إذا باعَ شَيئًا بشَرطِ الخيارِ له أو لهما ثم ادَّعاه رَجلٌ فأقَرَّ البائِعُ في مُدةِ الخيارِ له به صحَّ وانفَسخَ البَيعُ؛ لأنَّ له الفَسخَ.
الثانيةُ: ما لو باعَ الحاكِمُ مالَ الغائِبِ بسَبَبٍ اقتَضاه ثم قَدِمَ وادَّعَى أنَّه كانَ قد تَصرَّفَ فيه قبلَ بَيعِ الحاكِمِ فإنَّه يُقبَلُ منه.
الثالِثةُ: لو وهَبَ لوَلَدِه عَينًا ثم أقبَضَه إياها ثم أقَرَّ بها لآخَرَ فإنَّه يُقبَلُ إِقرارُه أفتَى بذلك صاحِبُ البَيانِ، لكنَّه كما قالَ الأذرَعيُّ مُفرَّعٌ على أنَّ تَصرُّفَ الواهِبِ رُجوعٌ والأصَحُّ خِلافُه.
ومَحلُّ ما ذُكِرَ إذا كانَ في يَدِه لنَفسِه، أمَّا إذا كانَ في يَدِه لغَيرِه كمَحجورِه ووَقفٍ هو ناظِرٌ عليه لم يَصِحَّ إقرارُه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: يَصحُّ الإِقرارُ ولو مع إِضافةِ المُقِرِّ المِلكَ إليه كقَولِه: «عَبدي هذا ودارِي هذه لزَيدٍ»؛ إذ الإِضافةُ تَكونُ لأدنى مُلابَسةٍ فلا تُنافي الإِقرارَ.
стр. 14147
لكن يُشتَرطُ كَونُ المُقَرِّ به بيَدِ المُقِرِّ ووِلايَتِه واختِصاصِه فلا يَصحُّ إِقرارُه بشَيءٍ في يَدِ غَيرِه، أو في وِلايةِ غَيرِه، كما لو أقَرَّ أجنَبيٌّ على صَغيرٍ أو وَقفٍ في وِلايةِ غَيرِه أو اختِصاصِه.
ويَصحُّ إِقرارُه بما في وِلايَتِه أو اختِصاصِه كأنْ يُقِرَّ وَليُّ اليَتيمِ ونَحوُه أو ناظِرُ الوَقفِ أنَّه جَرَّ عَقارَه ونَحوَه؛ لأنَّه يَملِكُ إِنشاءَ ذلك، فصَحَّ إِقرارُه به (١).
стр. 14148
الرُّكنُ الرابِعُ: الصِّيغةُ:
يُشتَرطُ لصِحةِ الإِقرارِ أنْ يَأتِيَ المُقِرَّ بصيغةٍ تَدلُّ على الإِقرارِ ولا تَكفي نيَّتُه لهذا.
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: إنَّ اللَّهَ تَعالى وضَعَ الأَلفاظَ بينَ عِبادِه تَعريفًا ودِلالةً على ما في نُفوسِهم، فإذا أرادَ أحَدُهم مِنْ الآخَرِ شَيئًا عرَّفَه بمُرادِه وما في نَفسِه بلَفظِه ورتَّبَ على تِلكَ الإِراداتِ والمَقاصِدِ أَحكامَها بواسِطةِ الأَلفاظِ، ولم يُرتِّبْ تلك الأَحكامَ على مُجرَّدِ ما في النُّفوسِ مِنْ غيرِ دِلالةِ فِعلٍ أو قَولٍ ولا على مُجرَّدِ أَلفاظٍ مع العِلمِ بأنَّ المُتَكلِّمَ بها لم يُرِدْ مَعانيَها ولم يُحِطْ بها عِلمًا، بل تَجاوَزَ للأُمةِ عمَّا حدَّثَت به أنفُسَها ما لم تَعمَلْ به أو تَكلَّمْ به، وتَجاوَزَ لها عمَّا تَكلَّمَت به مُخطِئةً أو ناسيةً أو مُكرَهةً أو غيرَ عالِمةٍ به إذا لم تَكنْ مُريدةً لمَعنى ما تَكلَّمَت به أو قاصِدةً إليه، فإذا اجتَمعَ القَصدُ والدِّلالةُ القَوليةُ أو الفِعليةُ تَرتَّبَ الحُكمُ، هذه قاعِدةُ الشَّريعةِ، وهي مِنْ مُقتضَياتِ عَدلِ اللهِ وحِكمَتِه ورَحمَتِه، فإنَّ خَواطِرَ القُلوبِ وإِرادةَ النُّفوسِ لا تَدخُلُ تَحتَ الاختِيارِ، فلو تَرتَّبَت عليها الأَحكامُ لَكانَ في ذلك أعظَمُ حَرجٍ ومَشقةٍ على الأمةِ، ورَحمةُ اللهِ تَعالى وحِكمَتُه تَأبى ذلك، والغَلطُ والنِّسيانُ والسَّهوُ وسَبقُ اللِّسانِ بما لا يُريدُه العَبدُ بل يُريدُ خِلافَه والتَّكلُّمَ به مُكرَهًا وغيرَ عارِفٍ لمُقتَضاه مِنْ لَوازِمِ البَشريةِ لا يَكادُ يَنفَكُّ الإِنسانُ مِنْ شَيءٍ منه، فلو رُتِّبَ عليه الحُكمُ لَتحرَّجَت الأمةُ وأصابَها غايةُ التَّعَبِ والمَشَقةِ فرفَعَ عنها المُؤاخَذةَ بذلك كُلِّه، حتى الخَطأُ في اللَّفظِ مِنْ
стр. 14149
شِدةِ الفَرحِ والغَضبِ والسُّكرِ، كما تَقدَّمَت شَواهِدُه، وكذلك الخَطَأُ والنِّسيانُ والإِكراهُ والجَهلُ بالمَعنى، وسَبقُ اللِّسانِ بما لم يُرِدْه والتَّكلُّمُ في الإِغلاقِ ولَغوُ اليَمينِ فهذه عَشرةُ أَشياءَ لا يُؤاخِذُ اللَّهُ بها عَبدَه بالتَّكلُّمِ في حالٍ منها لعَدمِ قَصدِه وعَقدِ قَلبِه الذي يُؤاخِذُه به (١).
وهذا عامٌّ في جَميعِ ما يَحتاجُ إلى لَفظٍ، وليسَ خاصًّا بالإِقرارِ.
وصيغةُ الإِقرارِ نَوعانِ: صَريحٌ ودِلالةٌ، فالصَّريحُ نَحوُ أن يَقولَ: «لفُلانٍ علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ»؛ لأنَّ كَلِمةَ «علَيَّ» كلِمةُ إِيجابٍ لُغةً وشَرعًا، قالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وكذا إذا قالَ لرَجُلٍ: «لي عليك ألفُ دِرهَمٍ»، فقالَ الرَّجلُ: «نَعَم»؛ لأنَّ كَلِمةَ «نَعَم» خرَجَت جَوابًا لكَلامِه، وجَوابُ الكَلامِ إِعادةٌ له لُغةً كأنَّه قالَ: «لك علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ».
وكذلك إذا قالَ: «لفُلانٍ في ذِمَّتي ألفُ دِرهَمٍ»؛ لأنَّ ما في الذِّمةِ هو الدَّينُ، فيَكونُ إِقرارًا بالدَّينِ.
وهذه الأمثِلةُ وما شابَهها كُلُّ ما تُؤدِّي صَريحةً أو دِلالةً إلى الإِقرارِ يُؤاخَذُ به المُقِرُّ.
ويَصِحُّ الإِقرارُ مِنْ الأخرَسِ إذا فُهمَت إِشارَتُه وكذا بالكِتابةِ (٢).
стр. 14150
إلا أنَّ للفُقهاءِ كَلامًا في عِدةِ مَسائِلَ في الصِّيغةِ كالاستِثناءِ في الإِقرارِ وتَعليقِ الإِقرارِ على المَشيئةِ وعلى شَرطٍ وغَيرِ ذلك، وبَيانُه في مَسائِلَ على التَّفصيلِ الآتي:
أولاً: الاستِثناءُ في الإِقرارِ:
الاستِثناءُ: لُغةً مِنْ الثُّنيا، وهي الرُّجوعُ، يُقالُ: ثَنى بمَعنى رجَعَ، ومنه اثنانِ؛ لأنَّ اثنَينِ رُجوعُ واحِدٍ مع آخَرَ معه.
وأمَّا في الاصطِلاحِ: فهو إِخراجُ بَعضِ أَفرادِ العامِ ب «إلا» أو إِحدى أخَواتِها، -ك «سِوى» و «خَلا» و «عَدا» و «حاشا» و «غَير» - تَحقيقًا أو تَقديرًا، والأوَّلُ المُتَّصِلُ: ك «قامَ القَومُ إلا زَيدًا»، والثاني المُنقَطِعُ: ك «عِندي ثَوبٌ إلا دِرهمًا»، وليسَ مُرادًا هُنا، وإِطلاقُ الاستِثناءِ عليه مَجازٌ بل المُرادُ هُنا الأوَّلُ.
أو نَقولُ: إِخراجُ ما لَولاه لدخَلَ في الكَلامِ ب «إلا» أو إِحدى أخَواتِها، فإذا قُلتَ: «قامَ القَومُ إلا زيدًا»، فلَولا هذا الاستِثناءُ لَكانَ زَيدٌ قائمًا، «وقامَ القَوم غيرَ زَيدٍ»، و «قامَ القَومُ سِوى زَيدٍ»، و «قامَ القَومُ حاشا زيدًا»، و «قامَ القَومُ لا يَكونُ زيدًا»، و «قامَ القَومُ ليسَ زَيدًا»، فكلُّ أدَواتِ الاستِثناءِ مِثلُ «إلا».
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ الاستِثناءَ يَصحُّ بجَميعِ حُروفِه المُستَعمَلةِ فيه، وهي: «إلا، وغَيرُ، وسِوى، وخَلا، وحاشا، وعَدا»، فلو قالَ: «أنتِ طالِقٌ ثَلاثًا إلا واحِدةً، أو غيرَ واحِدةٍ أو سِوى واحِدةٍ أو خَلا
стр. 14151
واحِدةً أو حاشا واحِدةً أو عَدا واحِدةً»، صحَّ استِثناؤُه بهذه الأَلفاظِ كُلِّها، وطُلِّقَت اثنَتَينِ (١).
اتَّفَق الفُقهاءُ على صِحةِ الاستِثناءِ في الإِقرارِ؛ لأنَّه لُغةُ العَربِ ونزَلَ به القُرآنُ كقَولِ الخَليلِ ﵇: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧] وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤].
والاستِثناءُ في الإِقرارِ له أربَعُ حالاتٍ:
الحالةُ الأُولى: استِثناءُ القَليلِ من الكَثيرِ:
اتَّفَق أهلُ العِلمِ على استِثناءِ القَليلِ مِنْ الكَثيرِ، فهو نَحوُ أنْ يَقولَ: «علَيَّ عَشرةُ دَراهمَ إلا ثَلاثةَ دَراهِمَ» ولا خِلافَ في جَوازِه، ويَلزَمُه سَبعةُ دَراهمَ؛ لأنَّ الاستِثناءَ في الحَقيقةِ تَكلُّمٌ بالباقِي بَعدَ الثُّنيا، كأنَّه قالَ: «لفُلانٍ علَيَّ سَبعةُ دَراهمَ» إلا أنَّ للسَّبعةِ اسمَينِ، أحَدَهما سَبعةٌ، والآخِرُ عَشرةٌ إلا ثَلاثةً.
قالَ اللهُ ﵎: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] مَعناه أنَّه لبِثَ فيهم تِسعَمِئةٍ وخَمسينَ عامًا.
ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ للهِ تِسعةً وتِسعينَ اسمًا، مِئةً إلا واحِدةً» (٢) فاستَثنَى القَليلَ من الكَثيرِ.
стр. 14152
وكذلك إذا قالَ: «لفُلانٍ علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ سِوى ثلاثةِ دَراهمَ»؛ لأن «سِوى» من أَلفاظِ الاستِثناءِ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ استِثناءَ الأقَلِّ من جِنسِه بعدَ أنْ يَبقَى الأكثَرُ جائِزٌ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: إذا استَثنى الأقَلَّ من الأكثَرِ فلا خِلافَ أعلَمُه أنَّ الاستِثناءَ يَصحُّ ويَسقُطُ المُستَثنى (٣).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه إذا أقَرَّ بشَيءٍ واستَثنى الأقَلَّ منه صحَّ استِثناؤُه (٤).
وقالَ الإمامُ الزَّركَشيُّ ﵀: يَصحُّ استِثناءُ الأقَلِّ بلا نِزاعٍ، ولا يَصحُّ استِثناءُ الكُلِّ بلا نِزاعٍ (٥).
وقالَ في مَوضِعٍ آخَرَ: لا نِزاعَ في جَوازِ استِثناءِ الأقَلِّ، ولا في مَنعِ استِثناءِ الكُلِّ (٦).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا استِثناءُ بَعضِ ما دخَلَ في المُستَثنى منه فجائِزٌ بغَيرِ خِلافٍ عَلِمناه، فإنَّ ذلك كَلامُ العَربِ وقد جاءَ في
стр. 14153
الكِتابِ والسُّنةِ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١]، وقالَ النَّبيُّ ﷺ في الشَّهيدِ: «يُكفَّرُ عنه خَطاياه كلُّها إلا الدَّينَ»، وهذا في الكِتابِ والسُّنةِ كَثيرٌ، وفي سائِرِ كَلامِ العَربِ، فإذا أقَرَّ بشَيءٍ واستَثنَى منه كانَ مُقِرًّا بالباقِي بَعدَ الاستِثناءِ، فإذا قالَ: «له علَيَّ مِئةٌ إلا عَشرةً» كانَ مُقِرًّا بتِسعينَ؛ لأنَّ الاستِثناءَ يَمنَعُ أن يَدخُلَ في اللَّفطِ ما لَولاه لدَخَل فإنَّه لو دخَلَ لما أمكَنَ إِخراجُه، ولو أقَرَّ بالعَشَرةِ المُستَثناةِ لما قُبِلَ منه إِنكارُها، وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] إِخبارٌ بتِسعِمِئةٍ وخَمسينَ، فالاستِثناءُ يُبيِّنُ أنَّ الخَمسينَ المُستَثناةَ غيرُ مُرادةٍ كما أنَّ التَّخصيصَ يُبيِّنُ أنَّ المَخصوصَ غيرُ مُرادٍ باللَّفظِ العامِّ وإنْ قالَ: «إلا ثُلثَها أو رُبعَها» صحَّ وكانَ مُقِرًّا بالباقي بعدَ المُستَثنى، وإنْ قالَ: «هذه الدارُ لزَيدٍ إلا هذا البَيتَ» كانَ مُقِرًّا بما سِوَى البَيتِ منها، وكذلك إنْ قالَ: «هذه الدارُ له وهذا البَيتُ لي»، صحَّ أيضًا؛ لأنَّه في مَعنى الاستِثناءِ لكَونِه أخرَجَ بعضَ ما دَخَل في اللَّفظِ الأوَّلِ بكَلامٍ مُتَّصِلٍ، وإنْ قالَ: «له هَؤلاء العَبيدُ إلا هذا» صَحَّ، وكانَ مُقِرًّا بمَن سِواه منهم، وإنْ قالَ: «واحِدًا» صحَّ؛ لأنَّ الإِقرارَ يَصحُّ مَجهولًا، فكذلك الاستِثناءُ منه، ويُرجَعُ في تَعيينِ المُستَثنى إليه؛ لأنَّ الحُكمَ يَتعلَّقُ بقَولِه، وهو أعلَمُ بمُرادِه بهِ (١).
стр. 14154
الحالةُ الثانيةُ: استِثناءُ الكَثيرِ من القَليلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ استِثناءِ الكَثيرِ مِنْ القَليلِ، كما لو قالَ: «له علَيَّ عَشرةُ دَراهمَ إلا تِسعةً» هل يَصحُّ ويَلزَمُه دِرهَمٌ واحِدٌ أو لا يَصحُّ ويَلزَمُه العَشرةُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والمالِكيةُ في الصَّحيحِ عِندَهم والشافِعيةُ إلى أنَّه يَصحُّ استِثناءُ الأكثَرِ مِنْ الأقَلِّ، فإنْ قالَ: «له علَيَّ عَشرةُ دَراهمَ إلا دِرهمًا» لزِمَه دِرهمٌ؛ لقَولِه تَعالَى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ
مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾
[الحجر: ٣٩ - ٤٢]. فاستَثنى الغاوينَ مِنْ المُخلَصينَ تارةً والمُخلَصينَ مِنْ الغاوينَ أُخرى، وإِحدى الطائِفتَينِ أكثَرُ مِنْ الأُخرى، فدَلَّ على جَوازِ استِثناءِ الأكثَرِ، ولأنَّ استِثناءَ الأكثَرِ مَوجودٌ في كَلامِهم، وظاهِرٌ في أَشعارِهم. قالَ الشاعِرُ:
رُدُّوا التي نقَصَت تِسعينَ عن مِئةٍ ثم ابعَثوا حَكمًا بالحقِّ قَوالا
ولأنَّ الخارِجَ بالاستِثناءِ غيرُ داخِلٍ في اللَّفظِ ولا مُرادٍ به، فاستَوى حُكمُ قَليلِه وكَثيرِه، وإذا كانَ كذلك قالَ: «له علَيَّ ألفٌ إلا تِسعَمِئةٍ» صَحَّ.
ولأنَّ حَقيقةَ الاستِثناءِ أنْ يَخرُجَ مِنْ الكَلامِ ما لَولاه لوجَبَ تَناوُلُه، هكذا في حَدِّه أهلُ العَربيةِ، ولم يَقصُروا ذلك على أنْ يَكونَ أقَلَّ مما بَقيَ أو أكثَرَ، ولأنَّ الغَرضَ بالاستِثناءِ كأنَّه استِدراكٌ للمُتكلِّمِ على نَفسِه فيما أطلَقَه مِنْ الصِّيغةِ العامةِ، وذلك يَستَوي فيه القَليلُ والكَثيرُ.
стр. 14155
ولأنَّ المَنقولَ عن أئِمةِ اللُّغةِ ﵏ أنَّ الاستِثناءَ تَكلُّمٌ بالباقي بعدَ الثُّنيا، وهذا المَعنى كما يُوجَدُ في استِثناءِ القَليلِ مِنْ الكَثيرِ يُوجَدُ في استِثناءِ الكَثيرِ مِنْ القَليلِ، إلا أنَّ هذا النَّوعَ مِنْ الاستِثناءِ غيرُ مُستَحسَنٍ عندَ أهلِ اللُّغةِ؛ لأنَّهم إنَّما وَضَعوا الاستِثناءَ لحاجَتِهم إلى استِدراكِ الغَلَطِ ومِثلُ هذا الغَلطِ مما يَندُرُ وُقوعُه غايةَ النُّدرةِ فلا حاجةَ إلى استِدراكِه.
لكنْ يَحتمِلُ الوُقوعَ في الجُملةِ فيَصِحُّ (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ وعَبدُ المَلِكِ بنُ الماجِشونِ مِنْ أَصحابِ مالِكٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ استِثناءُ الأكثَرِ مِنْ الأقَلِّ، ويُؤخَذُ بالكُلِّ، فمَن قالَ: «له علَيَّ عَشرةٌ إلا تِسعةً أو إلا ثَمانيةً أو إلا سِتةً» أُخِذَ بالكُلِّ ويَلزَمُه عَشرةٌ؛ لأنَّه لم يَرِدْ في لِسانِ العَربِ الاستِثناءُ إلا في الأقَلِّ، وقد أنكَروا استِثناءَ الأكثَرِ، فقالَ أَبو إِسحاقَ الزُّجاجُ: لم يَأتِ الاستِثناءُ إلا في القَليلِ مِنْ الكَثيرِ، ولو قالَ قائِلٌ: «مِئةٌ إلا تِسعةً وتِسعينَ» لم يَكنْ مُتكلِّمًا بالعَرَبيةِ، وكانَ عِيًّا مِنْ الكَلامِ، ولُكْنةً، وقالَ القُتَيبيُّ: يُقالُ: «صُمتُ الشَّهرَ إلا يَومًا»، ولا يُقالُ: «صُمتُ الشَّهرَ إلا تِسعةً وعِشرينَ يَومًا»، ويُقالُ: «لَقيتُ القَومَ جَميعَهم إلا واحِدًا أو اثنَينِ»، ولا يَجوزُ أنْ يَقولَ: «لَقيتُ القَومَ إلا أكثَرَهم»، وإذا لم يَكنْ صَحيحًا في الكَلامِ لم يَرتفِعْ به ما أقَرَّ به كاستِثناءِ الكُلِّ، وكما لو قالَ: «له علَيَّ عَشرةٌ بل خَمسةٌ» (٢).
стр. 14156
الحالةُ الثالِثةُ: استِثناءُ النِّصفِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ استِثناءِ النِّصفِ، فإذا قالَ: «له علَيَّ عَشرةٌ إلا خَمسةً» هل يَصحُّ أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ استِثناءُ النِّصفِ (١).
الحالةُ الرابِعةُ: استِثناءُ الكُلِّ من الكُلِّ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على بُطلانِ استِثناءِ الكلِّ مِنْ الكلِّ بأنْ يَقولَ: «لفُلانٍ علَيَّ عَشرةُ دَراهمَ إلا عَشرةً دَراهمَ» باطِلٌ، وعليه عَشرةٌ كامِلةٌ؛ لأنَّ هذا ليسَ باستِثناءٍ؛ إذ هو تَكلُّمٌ بالحاصِلِ بعدَ الثُّنيا، ولا حاصِلَ ههُنا بعدَ الثُّنيا فلا يَكونُ استِثناءً بل يَكونُ إبطالًا للكَلامِ ورُجوعًا عما تَكلَّمَ به، والرُّجوعُ عن الإِقرارِ في حَقِّ العِبادِ لا يَصِحُّ، فبطَلَ الرُّجوعُ وبَقيَ الإِقرارُ (٢).
стр. 14157
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: لا خِلافَ في أنَّ استِثناءَ الكلِّ من الكلِّ في بابِ الإِقرارِ باطِلٌ ويَلزَمُ المُقِرَّ جَميعُ ما أقَرَّ به (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَصحُّ استِثناءُ الكلِّ بغَيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الاستِثناءَ رَفعُ بَعضِ ما تَناوَلَه اللَّفظُ، واستِثناءُ الكلِّ رَفعُ الكلِّ، فلو صحَّ صارَ الكَلامُ كلُّه لَغوًا غيرَ مُفيدٍ (٢).
وقالَ الإمامُ الزَّركَشيُّ ﵀: يَصحُّ استِثناءُ الأقَلِّ بلا نِزاعٍ، ولا يَصحُّ استِثناءُ الكُلِّ بلا نِزاعٍ (٣).
وقالَ في مَوضِعٍ آخَرَ: لا نِزاعَ في جَوازِ استِثناءِ الأقَلِّ، ولا في مَنعِ استِثناءِ الكلِّ (٤).
الاستِثناءُ في الإِقرارِ من جِنسِ المُستَثنى منه ومن غيرِ جِنسِه:
لا يَخلو الاستِثناءُ في الإِقرارِ من حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَستثنيَ من جِنسِ ما أقَرَّ به:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ الإِنسانَ إذا أقَرَّ لآخَرَ بجِنسِ مالٍ بأنْ قالَ: «له علَيَّ ألفُ دينارٍ إلا دينارًا» فإنَّه يَصحُّ، وسَواءٌ استَثنى الأقَلَّ مِنْ الكلِّ بالإِجماعِ أو النِّصفَ مِنْ الكُلِّ عندَ الجُمهورِ خِلافًا لرِوايةٍ للحَنابِلةِ، أو
стр. 14158
استَثنى القَليلَ مِنْ الكَثيرِ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والمالِكيةِ في المَذهبِ والشافِعيةِ كما تَقدَّمَ في المَسألةِ السابِقةِ (١).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَستثنيَ من غيرِ جِنسِ ما أقَرَّ به:
الاستِثناءُ من غيرِ الجِنسِ على ضَربَينِ:
الضَّربُ الأولُ: أنْ يَكونَ الاستِثناءُ من غيرِ الجِنسِ في الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن أقَرَّ بشَيءٍ واستَثنَى مِنْ غيرِ جِنسِه، كمَن قالَ: «لفُلانٍ علَيَّ ألفُ دينارٍ إلا دِرهمًا، أو ألفُ دِرهَمٍ إلا دينارًا»:
فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه إنِ استَثنى مِنْ غيرِ جِنسِ المُستَثنى بأنْ قالَ: «له علَيَّ ألفُ دينارٍ إلا دِرهمًا أو ألفُ دِرهَمٍ إلا دِينارًا»، صحَّ الاستِثناءُ؛ لأنَّ قَدرَ أحَدِهما مَعلومٌ مِنْ الآخَرِ، ويُعبَّرُ بأحَدِهما عن الآخَرِ، فإنَّ قَومًا يُسَمُّونَ تِسعةَ دارهمَ دينارًا، وآخَرينَ يُسَمُّونَ ثَمانيةَ دَراهمَ دينارًا، فإذا استَثنى أحَدُهما مِنْ الآخَرِ عُلِمَ أنَّه أرادَ التَّعبيرَ بأحَدِهما عن الآخَرِ، فإذا قالَ: «له علَيَّ دينارٌ إلا ثَلاثةَ دارهمَ» في مَوضِعٍ يُعبَّرُ فيه بالدِّينارِ عن تِسعةٍ، كانَ مَعناه: له علَيَّ تِسعةُ دَراهمَ إلا ثَلاثةً، ومهما أمكَنَ حَملُ الكَلامِ على وَجهٍ صَحيحٍ لم يَجُزْ إلغاؤُه، وقد أمكَنَ بهذا الطَّريقِ فوجَبَ تَصحيحُه.
стр. 14159
وذهَبَ الحَنابِلةُ في رِوايةٍ والإمامُ مُحمدُ بنُ الحَسنِ وزُفَرُ إلى أنَّه لا يَجوزُ (١).
الضَّربُ الثانِي: أنْ يُقِرَّ بشَيءٍ ويَستثنيَ من غيرِ جِنسِه غيرَ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أقَرَّ بشَيءٍ مَثلًا: «له علَيَّ ألفُ دينارٍ إلا ثَوبًا أو إلا مَكيلًا أو مَوزونًا» هل يَصحُّ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه يَصحُّ أنْ يَكونَ المُستَثنى مِنْ غيرِ جِنسِ المُستَثنى منه مُطلَقًا؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] فاستَثناه وليسَ منهم.
وقالَ تَعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦].
وقالَ الشاعِرُ:
وبَلدةٍ ليسَ بها أنيسُ إلا اليَعافيرُ وإلا العِيسُ
فاستَثنى اليَعافيرَ -وهي: ذُكورُ الظِّباءِ- والعيسَ -وهي: الجِمالُ البِيضُ- مِنْ الأنيسِ.
فعلى هذا إذا قالَ: «له علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ إلا ثَوبًا» فإنَّه يَستَثني قيمةَ الثَّوبِ أو قيمةَ ما استَثناهُ (٢).
стр. 14160
وأمَّا الحَنفيةُ فقالوا: إذا كانَ المُستَثنى مِنْ غيرِ جِنسِ المُستَثنى منه يُنظَرُ إنْ كانَ المُستَثنى مما لا يُثبِتُ دَينًا في الذِّمةِ مُطلَقًا كالثَّوبِ، لا يَصحُّ الاستِثناءُ، وعليه جَميعُ ما أقَرَّ به، بأنْ قالَ: «له علَيَّ عَشرةُ دَراهمَ إلا ثَوبًا».
وإنْ كانَ المُستَثنى مما يُثبِتُ دَينًا في الذِّمةِ مُطلَقًا مِنْ المَكيلِ والمَوزونِ والعَدديِّ المُتقارِبِ بأنْ قالَ: «لفُلانٍ علَيَّ عَشرةٌ إلا دِرهمًا أو إلا قَفيزَ حِنطةٍ، أو مِئةُ دينارٍ إلا عَشرةَ دَراهمَ أو دِينارٌ إلا مِئةَ جَوزةٍ» يَصحُّ الاستِثناءُ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ويُطرَحُ مما أقَرَّ به قَدرُ قيمةِ المُستَثنى.
وعندَ مُحمدٍ وزُفرَ لا يَصحُّ الاستِثناءُ أصلًا؛ لأنَّ الاستِثناءَ استِخراجُ بعضِ ما لَولاه لدخَلَ تحتَ نَصِّ المُستَثنى منه، وذا لا يَتحقَّقُ إلا في الجِنسِ، ولهذا لو كانَ المُستَثنى ثَوبًا لم يَصحَّ الاستِثناءُ.
وَجهُ قَولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ أنَّ الداخِلَ تحتَ قَولِه: «لفُلانٍ علَيَّ عَشرةُ دَراهمَ» مَوصوفةٌ بأنَّها واجِبةٌ مُطلَقًا، مُسَماةٌ بالدَّراهمِ، فإنْ لم يُمكِنْ تَحقيقُ مَعنى المُجانَسةِ في اسمِ الدَّراهمِ أمكَنَ تَحقيقُها في الوُجوبِ في الذِّمةِ على الإِطلاقِ؛ لأنَّ الحِنطةَ في احتِمالِ الوُجوبِ في الذِّمةِ على الإِطلاقِ مِنْ جِنسِ الدَّراهِمِ.
ألا تَرى أنَّها تَجِبُ دَينًا مَوصوفًا في الذِّمةِ حالًّا بالاستِقراضِ والاستِهلاكِ، كما تَجبُ سَلمًا وثَمنًا حالًّا كالدَّراهِمِ.
فأمَّا الثَّوبُ فلا يَحتمِلُ الوُجوبَ في الذِّمةِ على الإِطلاقِ، بل سَلَمًا أو ثَمنًا مُؤجَّلًا.
стр. 14161
فأمَّا ما لا يَحتمِلُه استِقراضًا واستِهلاكًا وثَمنًا حالًّا غيرَ مُؤجَّلٍ فأمكَنَ تَحقيقُ مَعنى المُجانَسةِ بينَهما في وَصفِ الوُجوبِ في الذِّمةِ على الإِطلاقِ، إنْ لم يَكنْ في اسمِ الدَّراهِمِ فأمكَنَ العَمَلُ بالاستِثناءِ في تَحقُّقِ مَعناه وهو البَيانُ مِنْ وَجهٍ، ولا مُجانَسةَ بَينَ الثِّيابِ والدَّراهمِ لا في الاسمِ ولا في احتِمالِ الوُجوبِ في الذِّمةِ على الإِطلاقِ، فانعَدمَ مَعنى الاستِثناءِ أصلًا فهو الفَرقُ.
ولو أقَرَّ لإِنسانٍ بدارٍ واستَثنى بِناءَها لنَفسِه فالاستِثناءُ باطِلٌ؛ لأنَّ اسمَ الدارِ لا يَتناوَلُ البِناءَ لُغةً، بل وُضعَ دِلالةً على العَرصةِ في اللُّغةِ، وإنَّما البِناءُ فيها بمَنزِلةِ الصِّفةِ، فلم يَكنِ المُستَثنى مِنْ جِنسِ المُستَثنى منه، فلم يَصِحَّ الاستِثناءُ، وتَكونُ الدارُ مع البِناءِ للمُقَرِّ له؛ لأنَّه إنْ لم يَكنِ اسمًا عامًّا فهو يَتناوَلُ هذه الأَجزاءَ بطَريقِ التَّضمُّنِ، كمَن أقَرَّ لغَيرِه بخاتَمٍ كانَ له الحَلقةُ والفَصَّ، لا لأنَّه اسمٌ عامٌّ، بل هو اسمٌ لمُسَمًّى واحِدٍ، وهو المُركَّبُ مِنْ الحَلقةِ والفَصِّ، ولكنَّه يَتناوَلُه بطَريقِ التَّضمُّنِ.
وكذا مَنْ أقَرَّ بسَيفٍ لغَيرِه كانَ له النَّصلُ والجَفنُ والحَمائِلُ؛ لما قُلنا.
وكذا مَنْ أقَرَّ بحَجلةٍ كانَ له العِيدانُ والكِسوةُ بخِلافِ ما إذا استَثنى رُبعَ الدارِ أو ثُلثَها أو شَيئًا منها أنَّه يَصحُّ الاستِثناءُ لما بيَّنَّا أنَّ الدارَ اسمٌ للعَرصةِ، فكانَ المُستَثنى مِنْ جِنسِ المُستَثنى منه فصَحَّ.
ولو قالَ: «بِناءُ هذه الدارِ لي، والعَرصةُ لفُلانٍ» صَحَّ؛ لأنَّ اسمَ البِناءِ لا يَتناوَلُ العَرصةً؛ إذ هي اسمٌ للبُقعةِ (١).
стр. 14162
وذهَبَ الحَنابِلةُ -ومُحمدٌ وزُفَرُ مِنْ الحَنفيةِ- إلى أنَّه لا يَصحُّ الاستِثناءُ في الإِقرارِ مِنْ غيرِ الجِنسِ؛ لأنَّ الاستِثناءَ صَرفُ اللَّفظِ بحَرفِ الاستِثناءِ عمَّا كانَ يَقتَضيه لَولاه.
وقيلَ: هو إِخراجُ بَعضِ ما تَناوَلَه المُستَثنى منه، وهو مُشتَقٌّ مِنْ «ثَنَيتُ فُلانًا عن رَأيِه» إذا صَرَفتُه عن رَأيٍ كانَ عازِمًا عليه، و «ثَنَيتُ عِنانَ دابَّتي» إذا صَرَفتُها به عن وِجهَتِها التي كانَت تَذهَبُ إليها، وغَيرُ الجِنسِ المَذكورِ ليسَ بداخِلٍ في الكَلامِ، فإذا ذكَرَه فما صرَفَ الكَلامَ عن صَوبِه ولا ثَناه عن وَجهِ استِرسالِه، فلا يَكونُ استِثناءً، وإنَّما سُمِّيَ استِثناءً تَجوُّزًا، وإنَّما هو في الحَقيقةِ استِدراكٌ و «إلا» ههُنا بمَعنى «لكنَّ» هكذا قالَ أهلُ العَربيةِ، منهم ابنُ قُتَيبةَ، وحَكاه عن سيبَويهِ، والاستِدراكُ لا يَأتي إلا بعدَ الجَحدِ، ولِذلك لم يَأتِ الاستِثناءُ في الكِتابِ العَزيزِ مِنْ غيرِ الجِنسِ إلا بَعدَ النَّفيِ، ولا يَأتي بعدَه الإثباتُ إلا أنْ يُوجَدَ بعدَه جُملةٌ.
وإذا تَقرَّرَ هذا فلا مَدخَلَ للِاستِدراكِ في الإِقرارِ لأنَّه إِثباتٌ للمُقَرِّ به، فإذا ذُكرَ الاستِدراكُ بعدَه كانَ باطِلًا، وإنْ ذكَرَه بَعدَ جُملةٍ كأنْ قالَ: «له عِندي مِئةُ دِرهَمٍ إلا ثَوبًا لي عليه»، فيَكونُ مُقِرًّا بشَيءٍ مُدَّعيًا لشَيءٍ سِواه، فيُقبَلُ إِقرارُه وتَبطُلُ دَعواه، كما لو صرَّحَ بذلك بغَيرِ لَفظِ الاستِثناءِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا قَولُه تَعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤]، فإنَّ إِبليسَ كانَ مِنْ المَلائِكةِ بدَليلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لم يَأمُرْ بالسُّجودِ غَيرَهم، فلو لم يَكنْ منهم لما كانَ مَأمورًا بالسُّجودِ، ولا عاصيًا بتَركِه، ولا قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّه: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، ولا قالَ: ﴿مَا مَنَعَكَ
стр. 14163
أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وإذا لم يَكنْ مَأمورًا فلِمَ أنكَسَه اللَّهُ وأهبَطَه ودحَرَه ولم يَأمُرِ اللَّهُ تَعالى بالسُّجودِ إلا المَلائِكةَ؟
فإنْ قالوا: بل قد تَناوَلَ الأمرُ المَلائِكةَ ومَن كانَ معهم فدخَلَ إِبليسُ في الأمرِ لكَونِه معهم، قُلنا: قد سقَطَ استِدلالُكم فإنَّه متى كانَ داخِلًا في المُستَثنى منه مَأمورًا بالسُّجودِ فاستِثناؤُه مِنْ الجِنسِ، وهذا ظاهِرٌ لمَن أنصَفَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فعلى هذا متى قالَ: «له علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ إلا ثَوبًا» لزِمَه الألفُ وسقَطَ الاستِثناءُ بمَنزِلةِ ما لو قالَ: «له علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ لكنْ لي عليه ثَوبٌ» (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا فيما إذا أقَرَّ بشَيءٍ واستَثنى مِنْ غيرِ جِنسِه.
فقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ استِثناؤُه ممَّا يَثبُتُ في الذِّمةِ كالمَكيلِ والمَوزونِ والمَعدودِ، كقَولِه: «له علَيَّ ألفُ دِرهمٍ إلا كَفَّ حِنطةٍ، وإلا مِئةَ جَوزةٍ» صحَّ الاستِثناءُ، وإنْ كانَ استِثناؤُه ممَّا لا يَثبُتُ في الذِّمةِ إلا قيمَتُه، كالثَّوبِ والعَبدِ، لم يَصِحَّ الاستِثناءُ.
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: يَصحُّ الاستِثناءُ مِنْ غيرِ الجِنسِ على الإِطلاقِ.
وأمَّا أَحمدُ فظاهِرُ كَلامِه أنَّه لا يَصحُّ الاستِثناءُ مِنْ غيرِ الجِنسِ على الإِطلاقِ. إلا أنَّ أَصحابَه اختَلَفوا فيما إذا استَثنى عَينًا مِنْ وَرِقٍ أو وَرِقًا من عَينٍ، فقالَ الخِرقيُّ: يَصحُّ. وقالَ أبو بَكرٍ: لا يَصحُّ (٢).
стр. 14164
حُكمُ الاستِدراكِ في الإِقرارِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أقَرَّ لفُلانٍ بألفَينِ مَثلًا فقالَ: «لفُلانٍ علَيَّ أَلفانِ، لا بل ألفٌ» هل يَلزَمُه ألفٌ أو أَلفانِ أو ثَلاثةُ آلافٍ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ قالَ لغَيرِه: «علَيَّ لفُلانٍ ألفٌ لا بل أَلفانِ» لزِمَه أَلفانِ؛ لأنَّ قَولَه: «لفُلانٍ علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ» إِقرارٌ بألفٍ، وقَولَه: «لا» رُجوعٌ، وقَولَه: «بل» استِدراكٌ.
والرُّجوعُ عن الإِقرارِ في حُقوقِ العِبادِ غيرُ صَحيحٍ، والاستِدراكُ صَحيحٌ، فأشبَهَ الاستِدراكَ في خِلافِ الجِنسِ، وكما إذا قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقٌ واحِدةً، لا بل اثنَتَينِ» أنَّه يَقعُ ثَلاثَ تَطليقاتٍ (١).
وذهَبَ زُفَرُ مِنْ الحَنفيةِ -وهو الاستِحسانُ عِندَهم- إلى أنَّه يَلزَمُه ثَلاثةُ آلافٍ؛ لأنَّ كَلِمةَ «لا بل» رُجوعٌ عن الأوَّلِ واستِدراكُ غَلطٍ بالثاني، والرُّجوعُ عن الأوَّلِ لا يَصحُّ، وإِقرارُه بالمالَينِ صَحيحٌ، فلَزِماه، فصارَ كما إذا اختَلفَ المُقَرُّ لهما أو اختَلفَ جِنسُ المالَينِ بأنْ قالَ: «لفُلانٍ علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ لا بل ألفُ دينارٍ» فإنَّه يَلزَمُه المالانِ؛ لما قُلنا، فكذا هذا.
ولأنَّ الإِقرارَ إخبارٌ، والمُخبِرَ عنه ممَّا يَجري الغَلَطُ في قَدرِه أو وَصفِه
стр. 14165
عادةً فتَقَعُ الحاجةُ إلى استِدراكِ الغَلَطِ فيه فيُقبَلُ إذا لم يَكنْ مُتَّهَمًا فيه، وهو غيرُ مُتَّهَمٍ في الزِّيادةِ على المُقَرِّ به فتُقبَلُ منه (١).
ثانيًا: تَعليقُ الإِقرارِ على مَشيئةِ اللهِ أو مَشيئةِ فُلانٍ:
ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ وابنُ عَبدِ الحَكَمِ وابنُ المَوازِ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّه لا يَصحُّ تَعليقُ الإِقرارِ على المَشيئةِ، فإذا قالَ: «له علَيَّ ألفٌ إنْ شاءَ اللَّهُ» لم يَكنْ مُقِرًّا؛ لأنَّ مَشيئةَ اللهِ رافِعةٌ لحُكمِ ما نِيطَ بها؛ لأنَّ تَعليقَ مَشيئةِ اللهِ ﵎ بكَونِ الألفِ في الذِّمةِ أمرٌ لا يُعرَفُ، فإنْ شاءَ كانَ وإنْ لم يَشأْ لم يَكُنْ، فلا يَصحُّ الإِقرارُ مع الاحتِمالِ، ولأنَّ الإِقرارَ إِخبارٌ عن كائِنٍ.
وذهَبَ أكثَرُ المالِكيةِ والحَنابِلةِ إلى أنَّه إذا علَّقَ الإِقرارَ بمَشيئةِ اللهِ سُبحانَه، فقالَ: «لفُلانٍ علَيَّ مِئةُ دينارٍ إنْ شاءَ اللَّهُ»، فإنَّ هذا التَّقييدَ بالمَشيئةِ لا يُؤثِّرُ، ويَلزَمُ المُقِرَّ مِئةُ دينارٍ، ولا يُسقِطُ عنه قَولَه -عُقَيبَ الإِقرارِ-: «إنْ شاءَ اللَّهُ».
حتى إنَّ ابنَ سحنُونٍ ذكَرَ أنَّ أَصحابَنا أجمَعوا على ذلك.
واختَلَفوا فيما لو عَلَّقَ الإِقرارَ على مَشيئةِ فُلانٍ، فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا علَّقَ الإِقرارَ بمَشيئةِ فُلانٍ لا يَصحُّ الإقرارُ، ولا يَلزَمُه شَيءٌ؛ لأنَّه علَّقَه على شَرطٍ يُمكِنُ عِلمُه، فلم يَصِحَّ.
стр. 14166
وقالَ القاضِي مِنْ الحَنابِلةِ: يَصِحُّ؛ لأنَّه عقَّبَه بما يَرفَعُه، فصَحَّ الإِقرارُ دونَ ما يَرفَعُه، كاستِثناءِ الكلِّ، وكما لو قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ (١).
ثالِثًا: تَعليقُ الإِقرارِ على شَرطٍ:
نَصَّ عامةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في الأشهَرِ إلى أنَّ تَعليقَ الإِقرارِ بالشَّرطِ باطِلٌ، فإذا قالَ: «له علَيَّ ألفٌ إذا قدِمَ زَيدٌ» أو «إنْ دَخلتُ الدارَ»؛ لأنَّ الإِقرارَ إِخبارٌ عن كائِنٍ سابِقٍ، والكائِنُ لا يُعلَّقُ بالشَّرطِ، وإنَّما يُعلَّقُ بالشَّرطِ غيرُ الكائِنِ؛ ليَصيرَ كائِنًا عندَ وُجودِ الشَّرطِ؛ ولأنَّه إِخبارٌ مُتَردِّدٌ بَينَ الصِّدقِ والكَذِبِ، فإنْ كانَ صِدقًا لا يَصيرُ كَذِبًا بفَواتِ الشَّرطِ، وإنْ كانَ كَذبًا لا يَصيرُ صِدقًا بوُجودِ الشَّرطِ، فلا فائِدةَ في تَعليقِه بالشَّرطِ، فأُلغيَ تَعليقُ الإِقرارِ بالشَّرطِ.
إلا إذا كانَ الشَّرطُ سَبَبًا كحُلولِ الأجَلِ ومَجيءِ الغَدِ فيَصِحُّ تَعليقُه بذلك الشَّرطِ؛ لأنَّه يُرادُ به الإِخبارُ عن مَحَلِّ الأجَلِ.
وفي قَولٍ للحَنابِلةِ يَصحُّ تَعليقُ الإِقرارِ على شَرطٍ.
وإنْ قالَ: «له علَيَّ ألفٌ إنْ مِتُّ»، كانَ إِقرارًا عندَ الحَنفيةِ، ولا يَكونُ
стр. 14167
إِقرارًا عندَ الشافِعيةِ لأنَّه إِقرارٌ مُعلَّقٌ بالمَوتِ، فلم يَكنْ إِقرارًا كما لو علَّقَه بقُدومِ زَيدٍ.
واختَلَفوا فيما لو قالَ مُعسِرٌ: «لفُلانٍ علَيَّ ألفُ دِرهَمٍ إنْ رزَقَني اللَّهُ مالًا»، فعِندَ الشافِعيةِ في الأصَحِّ يَكونُ إِقرارًا؛ لأنَّ اليَسارَ مِيقاتٌ لأداءِ ما على المُعسِرِ، وبَيانُ ميقاتِ الأداءِ لا يُبطِلُه، كما لو قالَ: «له علَيَّ ألفٌ إلى رَأسِ الشَّهرِ».
وذهَبَ الحَنفيةُ وبَعضُ الشافِعيةِ إلى أنَّه إِقرارٌ باطِلٌ؛ لأنَّه إِقرارٌ مُعلَّقٌ على شَرطٍ (١).
الإِقرارُ بشَرطِ الخيارِ:
نَصَّ الحَنفيةُ على مَنْ أقَرَّ وشَرَطَ الخيارَ لنَفسِه لزِمَه الإِقرارُ وبطَلَ الخيارُ، وصُورَتُه إذا أقَرَّ بفَرضٍ، أو غَصبٍ، أو وَديعةٍ أو عاريةٍ على أنَّه بالخيارِ ثَلاثًا، وسَواءٌ صدَّقَه المُقَرُّ له في الخيارِ، أو كذَّبَه؛ لأنَّ الخيارَ للفَسخِ، والإِقرارُ لا يَقبَلُ الفَسخَ؛ لأنَّ الإِقرارَ إِخبارٌ عن حَقٍّ ثابِتٍ في الذِّمةِ، وشَرطُ الخيارِ في مَعنى الرُّجوعِ، والإِقرارُ في حُقوقِ العِبادِ لا يَحتمِلُ الرُّجوعَ (٢).
стр. 14168
الإِقرارُ بالنَّسبِ:
اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يَصحُّ إِلحاقُ النَّسَبِ وإِقرارُ الوَرثةِ بوارِثٍ يُشارِكُهم في المِيراثِ بشُروطٍ:
الأوَّلُ: أنْ يُصدِّقَه الشَّرعُ: بأنْ يَكونَ المُقَرُّ به مَجهولَ النَّسَبِ، فإنْ كانَ مَشهورَ النَّسبِ لا يَصِحُّ.
الثاني: أنْ يُصدِّقَه الحِسُّ: بأنْ يَكونَ المُقَرُّ به مُحتمَلَ الثُّبوتِ مِنْ نَسبِ المُقِرِّ، بأنْ يَكونَ مِمَّنْ يُولَدُ مِثلُ المُقَرِّ به لمِثلِ المُقِرِّ، وذلك في سَنٍّ تَسمَحُ بأنْ يَكونَ ابنًا للمُقِرِّ، فإنِ استُلحِقَ مَنْ هو أكبَرُ منه أو مَنْ في سِنِّه لا يَصحُّ؛ لأنَّ الحِسَّ يُكذِّبُه.
الثالِثُ: أنْ يُصدِّقَه المُقَرُّ له في إِقرارِه إنْ كانَ أهلًا للتَّصديقِ، بأنْ يَكونَ بالِغًا عاقِلًا عندَ الجُمهورِ، ومُمَيِّزًا عندَ الحَنفيةِ.
الرابِعُ: ألا يَكونَ فيه حَملُ النَّسَبِ على الغَيرِ: فإذا ادَّعَتِ المَرأةُ نَسبَ وَلدٍ لا تُصدَّقُ إلا ببَيِّنةٍ عندَ الجُمهورِ -كما سَيأتي بَيانُه- وكذا الأخُ، سَواءٌ كذَّبَه المُقَرُّ له أو صدَّقَه؛ لأنَّ إِقرارَ الإِنسانِ حُجةٌ قاصِرةٌ على نَفسِه، لا على غَيرِه؛ لأنَّه على غَيرِه شَهادةٌ أو دَعوى، وشَهادةُ الفَردِ فيما لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ غيرُ مَقبولةٍ، والدَّعوى المُفرَدةُ ليسَت بحُجةٍ، فإذا ثبَتَ جَرَت عليه جَميعُ أَحكامِ البُنوةِ النَّسَبيةِ، ومنها التَّوارُثُ بينَهما (١).
стр. 14169
وقد نقَلَ الإِجماعَ على ذلك الإمامُ ابنُ المُنذِرِ؛ حيثَ قالَ: وأجمَعوا على أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ: «هذا الطِّفلُ ابني»، وليسَ للطِّفلِ نَسَبٌ مَعروفٌ يُنسَبُ إليه، فنَسَبُه يَثبُتُ بإِقرارِه.
وأجمَعوا على أنَّه لو أنَّ رَجلًا بالِغًا مِنْ الرِّجالِ قالَ: هذا أبي، وأقَرَّ له البالِغُ ولا نَسبَ للمُقِرِّ مَعروفٌ أنَّه ابنُه إذا جازَ لمِثلِه مِثلُه (١).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ في شُروطِ الإِقرارِ بالنَّسَبِ: لا يَخلو إمَّا أنْ يُقِرَّ على نَفسِه خاصةً أو عليه وعلى غَيرِه، فإنْ أقَرَّ على نَفسِه مِثلَ أنْ يُقِرَّ بوَلَدٍ، اعتُبِرَ في ثُبوتِ نَسبِه أربَعةُ شُروطٍ:
أحَدُها: أنْ يَكونَ المُقَرُّ به مَجهولَ النَّسَبِ، فإنْ كانَ مَعروفَ النَّسَبِ لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يَقطَعُ نَسبَه الثابِتَ مِنْ غَيرِه، وقد لَعَنَ النَّبيُّ ﷺ مَنْ انتَسبَ إلى غيرِ أبيه أو تَولَّى غيرَ مَواليه.
الثاني: ألَّا يُنازِعَه فيه مُنازِعٌ؛ لأنَّه إذا نازَعَه فيه غَيرُه تَعارَضا فلم يَكنْ إِلحاقُه بأحَدِهما أوْلَى مِنْ الآخَرِ.
الثالِثُ: أنْ يُمكِنَ صِدقُه بأنْ يَكونَ المُقَرُّ به يُحتمَلُ أنْ يُولَدَ لمِثلِه.
الرابِعُ: أنْ يَكونَ مِمَّنْ لا قَولَ له كالصَّغيرِ والمَجنونِ، أو يُصدِّقَ المُقِرَّ إنْ كانَ ذا قَولٍ، وهو المُكلَّفُ، فإنْ كانَ غيرَ مُكلَّفٍ لم يُعتبَرْ تَصديقُه، فإنْ كبِرَ وعقَلَ فأنكَرَ لم يُسمَعْ إِنكارُه؛ لأنَّ نَسبَه ثابِتٌ وجَرى ذلك مَجرى مَنْ ادَّعَى مِلكَ عَبدٍ صَغيرٍ في يَدِه وثَبَتَ بذلك مِلكُه، فلمَّا كَبِرَ جَحَدَ
стр. 14170
ذلك، ولو طلَبَ إِحلافَه على ذلك لم يُستَحلَفْ لأنَّ الأبَ لو عادَ فجحَدَ النَّسبَ لم يُقبَلْ منه.
وإنِ اعتَرفَ إِنسانٌ بأنَّ هذا أبوه فهو كاعتِرافِه بأنَّه ابنُه.
فأمَّا إنْ كانَ إِقرارًا عليه وعلى غَيرِه كإِقرارٍ بأخٍ اعتُبِرَ فيه الشُّروطُ الأربَعةُ وشَرطٌ خامِسٌ، وهو كَونُ المُقِرِّ جَميعَ الوَرَثةِ، فإنْ كانَ المُقِرُّ زَوجًا أو زَوجةً لا وارِثَ معهما لم يَثبُتِ النَّسبُ بإِقرارِهما لأنَّ المُقِرَّ لا يَرِثُ المالَ كُلَّه، وإنِ اعتَرفَ به الإمامُ معَه ثبَتَ النَّسبُ لأنَّه قائِمٌ مَقامَ المُسلِمينَ في مُشارَكةِ الوارِثِ وأخذِ الباقي.
وإنْ كانَ الوارِثُ بِنتًا أو أُختًا أو أُمًّا أو ذا فَرضٍ يَرِثُ جَميعَ المالِ بالفَرضِ والرَّدِّ، ثبَتَ النَّسَبُ بقَولِه، كالابنِ؛ لأنَّه يَرِثُ المالَ كُلَّه، وعِندَ الشافِعيِّ لا يَثبُتُ بقَولِه النَّسبُ؛ لأنَّه لا يَرى الرَّدَّ ويَجعَلُ الباقيَ لبَيتِ المالِ.
فَصلٌ: وإنْ كانَ أحَدُ الوارِثينَ غيرَ مُكلَّفٍ كالصَّبيِّ والمَجنونِ فأقَرَّ المُكلَّفُ بأخٍ ثالِثٍ لم يَثبُتِ النَّسبُ بإِقرارِه؛ لأنَّه لا يَحوزُ الميراثَ كُلَّه، فإنْ بلَغَ الصَّبيُّ أو أفاقَ المَجنونُ فأقَرَّا به أيضًا ثبَتَ نَسبُه لاتِّفاقِ جَميعِ الوَرثةِ عليه، وإنْ أنكَرَ لم يَثبُتِ النَّسَبُ وإنْ ماتا قبلَ أنْ يَصيرا مُكلَّفينِ ثبَتَ نَسبُ المُقَرِّ به لأنَّه وجَدَ الإِقرارَ مِنْ جَميعِ الوَرثةِ، فإنَّ المُقِرَّ به صارَ جَميعَ الوَرَثةِ، ولو كانَ الوارِثانِ بالِغَينِ عاقِلَينِ فأقَرَّ به أحَدُهما وأنكَرَ الآخَرُ ثم ماتَ المُنكِرُ وورِثَه المُقِرُّ ثبَتَ نَسبُ المُقَرِّ به؛ لأنَّ المُقَرَّ به صارَ جَميعَ الوَرثةِ، فأشبَهَ ما لو أقَرَّ به ابتِداءً بعدَ مَوتِ أخيه، وكما لو كانَ شَريكُه في الميراثِ غيرَ مُكلَّفٍ.
стр. 14171
وفيه وَجهٌ آخَرُ: أنَّه لا يَثبُتُ النَّسبُ؛ لأنَّه أنكَرَه بعضُ الوَرثةِ فلم يَثبُتْ نَسبُه كما لو لم يَمُتْ بخِلافِ ما إذا كانَ شَريكُه غيرَ مُكلَّفٍ فإنَّه لم يُنكِرْه وارِثٌ، وهذا إذا كانَ المُقِرُّ يَحوزُ جَميعَ المِيراثِ بعدَ المَيِّتِ، فإنْ كانَ للمَيِّتِ وارِثٌ سِواه أو مَنْ يُشارِكُه في المِيراثِ لم يَثبُتِ النَّسبُ بقَولِ الباقي منهما وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّه ليسَ كُلَّ الوَرثةِ، ويَقومُ الوارِثُ المَيتُ الثانِي مَقامَه، فإذا وافَقَ المُقِرُّ في إِقرارِه ثبَتَ النَّسبُ، وإنْ خالَفَه لم يَثبُتْ كالمَوروثِ.
وإنْ خلَّفَ وَلدَينِ فأقَرَّ أحَدُهما بأخٍ وأنكَرَه الآخَرُ ثم ماتَ المُنكِرُ وخلَّفَ ابنًا فأقَرَّ الذي أنكَرَه أبوه ثبَتَ نَسَبُه لإِقرارِ جَميعِ الوَرثةِ به، ويُحتمَلُ ألَّا يَثبُتَ لإِنكارِ المَيتِ لَه (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ: وأمَّا الإِقرارُ بالنَّسَبِ فهو الإِقرارُ بالوارِثِ.
وهو نَوعانِ: أحَدُهما إِقرارُ الرَّجُلِ بوارِثٍ، والثانِي: إِقرارُ الوارِثِ بوارِثِه ويَتعلَّقُ بكُلِّ واحِدٍ منهما حُكمانِ: حُكمُ النَّسبِ وحُكمُ المِيراثِ، أمَّا الإِقرارُ بوارِثٍ فلصِحَّتِه في حَقِّ ثَباتِ النَّسبِ شَرائطُ:
منها: أنْ يَكونَ المُقَرُّ به مُحتمَلَ الثُّبوتِ؛ لأنَّ الإِقرارَ إِخبارٌ عن كائِنٍ، فإذا استَحالَ كَونُه فالإِخبارُ عن كائِنٍ يَكونُ كَذِبًا مَحضًا.
وبَيانُه أنَّه مَنْ أقَرَّ بغُلامٍ أنَّه ابنُه ومِثلُه لا يَلِدُ مِثلَه لا يَصحُّ إِقرارُه لأنَّه يَستَحيلُ أنْ يَكونَ ابنًا له، فكانَ كَذبًا في إِقرارِه بيَقينٍ.
стр. 14172
ومنها: ألَّا يَكونَ المُقِرُّ بنَسَبِه مَعروفَ النَّسبِ مِنْ غَيرِه، فإنْ كانَ لم يَصحَّ لأنَّه إذا ثبَتَ نَسبُه مِنْ غَيرِه لا يَحتمِلُ ثُبوتَه له بعدَه.
ومنها: تَصديقُ المُقِرِّ بنَسَبِه إذا كانَ في يَدِ نَفسِه لأنَّ إِقرارَه يَتضمَّنُ إِبطالَ يَدِه فلا تَبطُلُ إلا برِضاه.
ولا يُشتَرطُ صِحةُ المُقِرِّ لصِحةِ إِقرارِه بالنَّسَبِ حتى يَصِحَّ مِنْ الصَّحيحِ والمَريضِ جَميعًا؛ لأنَّ المَرضَ ليسَ بمانِعٍ لعَينِه، بل لتَعلُّقِ حَقِّ الغَيرِ أو التُّهمةِ، فكلُّ ذلك مُنعدِمٌ، أمَّا التَّعلُّقُ فظاهِرُ العَدَمِ لأنَّه لا يُعرَفُ التَّعلُّقُ في مَجهولِ النَّسبِ.
وكذلك مَعنى التُّهمةِ؛ لأنَّ الإرثَ ليسَ مِنْ لَوازمِ النَّسبِ، فإنَّ لحِرمانِ الإرثِ أَسبابًا لا تَقدَحُ في النَّسَبِ مِنْ القَتلِ والرِّقِّ واختِلافِ الدِّينِ والدارِ واللَّهُ أعلَمُ.
ومنها: أنْ يَكونَ فيه حَملُ النَّسبِ على الغَيرِ، سَواءُ كذَّبَه المُقَرُّ بنَسبِه أو صدَّقَه؛ لأنَّ إِقرارَ الإِنسانِ حُجةٌ على نَفسِه، لا على غَيرِه؛ لأنَّه على غَيرِه شَهادةٌ أو دَعوى، والدَّعوى المُفرَدةُ ليسَت بحُجةٍ، وشَهادةُ الفَردِ فيما يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ وهو مِنْ بابِ حُقوقِ العِبادِ غيرُ مَقبولةٍ، والإِقرارُ الذي فيه حَملُ نَسبِ الغَيرِ على غَيرِه إِقرارٌ على غَيرِه لا على نَفسِه، فكانَ دَعوى أو شَهادةً، وكلُّ ذلك لا يُقبَلُ إلا بحُجةٍ.
وعلى هذا يَجوزُ إِقرارُ الرَّجُلِ بخَمسةِ نَفَرٍ: الوالِدَينِ والوَلَدِ والزَّوجةِ والمَولى، ويَجوزُ إِقرارُ المَرأةِ بأربَعةِ نَفَرٍ: الوالِدَينِ والزَّوجِ والمَولى.
стр. 14173
ولا يَجوزُ بالوَلَدِ؛ لأنَّه ليسَ في الإِقرارِ بهؤلاء حَملُ نَسبِ الغَيرِ على غَيرِه (١).
وقالَ الإمامُ العِمرانِيُّ: الإِقرارُ بالنَّسَبِ جائِزٌ ويَثبُتُ النَّسبُ به. وذهَبَ بعضُ الناسِ إلى: أنَّ النَّسَبَ لا يَثبُتُ بالإِقرارِ.
دَليلُنا: ما رُويَ: أنَّ سَعدَ بنَ أبي وَقاصٍ وعَبدَ بنَ زَمعةَ اختَصَما في ابنِ أمَةِ زَمعةَ، فقالَ عَبدُ بنُ زَمعةَ: أخي وابنُ وَليدةِ أبي، وُلِدَ على فِراشِه، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «الوَلدُ للفِراشٍ، وللعاهِرِ الحَجَرُ» (٢). فقَضى به النَّبيُّ ﷺ لعَبدٍ بالإِقرارِ.
إذا ثبَتَ هذا: فلا يَخلو المُقِرُّ مِنْ أن يُقِرَّ بالنَّسبِ على نَفسِه، أو على غَيرِه.
فإنْ أقَرَّ على نَفسِه؛ بأنِ ادَّعَى بُنوةَ غَيرِه، فإنْ كانَ المُقَرُّ به صَغيرًا أو مَجنونًا لم يَثبُتْ نَسبُه إلا بثَلاثةِ شُروطٍ:
أحَدُها: أنْ يَكونَ المُقَرُّ به مَجهولَ النَّسَبِ، فأمَّا إذا كانَ مَعروفَ النَّسَبِ مِنْ رَجلٍ لم يُحكَمْ بصِحةِ إقرارِ المُقِرِّ؛ لأنَّ في ذلك إِبطالَ نَسبِه الثابِتِ.
الشَّرطُ الثانِي: إذا كانَ لا يُنازِعُ المُقِرَّ فيه أحَدٌ، فأمَّا إذا كانَ هُناكَ غَيرُه يَدَّعي بُنوَّتَه حالَ الدَّعوى لم يُحكَمْ بثُبوتِ نَسَبِه مِنْ أحَدِهما إلا بالإِقرارِ؛ لأنَّه ليسَ أحَدُهما بأوْلَى مِنْ الآخَرِ.
стр. 14174
الشَّرطُ الثالِثُ: إذا كانَ المُقَرُّ به يُمكِنُ أنْ يَكونَ ابنًا للمُقِرِّ؛ بأنْ يُقِرَّ مَنْ هو ابنُ خَمسَ عَشرةَ سَنةً ببُنوةِ مَنْ هو ابنُ خَمسِ سِنينَ أو أقَلَّ، فأمَّا إذا أقَرَّ ببُنوةِ مَنْ هو ابنُ سَبعِ سِنينَ أو أكثَرَ لم يُحكَمْ بصِحةِ إِقرارِه؛ لأنَّا نَقطَعُ بكَذبِه.
إذا ثبَتَ هذا: وأقَرَّ رَجُلٌ ببُنوةِ صَغيرٍ أو مَجنونٍ مَجهولِ النَّسَبِ ممَّا يَجوزُ أنْ يَكونَ ابنًا للمُقِرِّ، ثم بلَغَ الصَّغيرُ أو عقَلَ المَجنونُ، فأنكَرَ نَسبَه مِنْ المُقِرِّ ولم يُصادِقْه المُقِرُّ على إِنكارِه لم يُسمَعْ إِنكارُه؛ لأنَّ نَسبَه قد ثبَتَ مِنْ المُقِرِّ فلا يَبطُلُ بإِنكارِه، كما لو ادَّعَى مِلكَ صَغيرٍ في يَدِه مَجهولَ الحُرّيةِ، ثم بَلَغَ الصَّغيرُ وأنكَرَ الرِّقَّ فإنَّه لا يُقبَلُ إِنكارُه. فإنْ صادَقَه المُقِرُّ أنَّه ليسَ بابنِه فهل يَسقُطُ نَسَبُه؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: يَسقُطُ نَسَبُه، كما لو أقَرَّ بمالٍ فكذَّبَه المُقَرُّ له وصدَّقَه المُقِرُّ.
والثانِي: لا يَسقُطُ، وهو الأصَحُّ؛ لأنَّ النَّسبَ إذا ثبَتَ لم يَسقُطْ، كالنَّسَبِ الثابِتِ بالفِراشِ.
وإنْ كانَ المُقَرُّ به بالِغًا عاقِلًا لم يَثبُتْ نَسبُه إلا بالشَّرائِطِ المُتَقدِّمةِ، ويُشتَرطُ مع ذلك شَريطةٌ رابِعةٌ؛ وهي: أنْ يُصادِقَه المُقَرُّ به؛ لأنَّه يُمكِنُ تَصديقُه، فاعتُبِرَ ذلك، بخِلافِ الصَّغيرِ والمَجنونِ (١).
حُكمُ إقرارِ المَرأةِ بابنٍ:
نَصَّ عامةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ المَرأةَ إذا ادَّعَت طِفلًا مَجهولًا لا يُقبَلُ قَولُها إلا ببَيِّنةٍ، وأنَّها
стр. 14175
تَختلِفُ في الإِقرارِ بالنَّسبِ عن الرَّجلِ، وذلك صِيانةً للفِراشِ والأَنسابِ، فلو ادَّعَت المَرأةُ طِفلًا مَجهولًا فإنَّه لا يُقبَلُ منها الإِقرارُ، ولا تَجري عليهما أَحكامُ الأُمومةِ والبُنوةِ والمِيراثِ؛ لأنَّ فيه حَملَ النَّسبِ على الغَيرِ؛ إلا ببَيِّنةٍ، وهو: تَصديقُ الزَّوجِ لها، أو تَشهَدُ قابِلةٌ على الوِلادةِ.
وقد نقَلَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ الإِجماعَ على هذا، فقالَ: وأجمَعوا على أنَّ المَرأةَ إذا قالَت: «هذا ابني» لم يُقبَلْ إلا ببَيِّنةٍ ليسَت بمَنزِلةِ الرَّجلِ، وانفَرَدَ إِسحاقُ وقالَ: إِقرارُ المَرأةِ جائِزٌ (١).
وقالَ أيضًا: أجمَعَ كلُّ مَنْ أحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ امرَأةً لو ادَّعَت اللَّقيطَ وقالَت: «هو ابنُها»، أنَّ قَولَها لا يُقبَلُ. كذلك قالَ الشافِعيُّ. المُزَنِيُّ عنه، وبه قالَ أَصحابُ الرَّأيِ، موسى عنهم، وبه قالَ الثَّوريُّ، ويَحيى بنُ آدَمَ، وأبو ثَورٍ، وإذا وَجَدته امرَأةٌ فقالَت: «هو ابني مِنْ زَوجي هذا» وصدَّقَها الزَّوجُ كانَ ابنَهما، في قَولِ أبي ثَورٍ، وأَصحابِ الرَّأيِ، وكذلك نَقولُ (٢).
قالَ ابنُ عَرفةَ: واستِلحاقُ الأُمِّ لَغوٌ.
وفي نَوازِلِ سحنُونٍ مِنْ كِتابِ الاستِلحاقِ في رَجلٍ له امرَأةٌ وله وَلدٌ فتَزعُمُ المَرأةُ أنَّ الغُلامَ وَلدَها مِنْ زَوجٍ غَيرِه، ويَزعُمُ الرَّجلُ أنَّ الغُلامَ وَلَدُه مِنْ امرَأةٍ غَيرِها أنَّه يُلحَقُ بالزَّوجِ، ولا يُقبَلُ قَولِ المَرأةِ.
стр. 14176
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ: لا اختِلافَ أعلَمُه أنَّ المَرأةَ لا يَجوزُ لها استِلحاقُ وَلدِها بخِلافِ الأبِ؛ لأنَّ الوَلَدَ يُنتسَبُ إلى أبيه لا إلى أُمِّه ولَولا ما أحكَمَ الشَّرعُ لَكانَ نِسبَتُه إلى أُمِّه أوْلَى؛ لأنَّها أخَصُّ به مِنْ أبيه؛ لأنَّهما اشتَرَكا في الماءِ واختَصَّت بالحَملِ والوَضعِ (١).
وهذا إذا كانَت المَرأةُ ذاتَ زَوجٍ، أمَّا إذا لم تَكنْ ذاتَ زَوجٍ فيَصِحُّ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ أقَرَّت المَرأةُ بوَلَدٍ ولم تَكنْ ذاتَ زَوجٍ ولا نَسَبٍ قُبِلَ إِقرارُها، وإنْ كانَت ذاتَ زَوجٍ فهَل يُقبَلُ إِقرارُها؟ على رِوايَتينِ:
إِحداهما: لا يُقبَلُ؛ لأنَّ فيه حَملًا لنَسبِ الوَلدِ على زَوجِها، ولم يُقرَّ به، أو إِلحاقًا للعارِ به بوِلادةِ امرَأتِه مِنْ غَيرِه.
والأُخرى: يُقبَلُ؛ لأنَّها شَخصٌ أقَرَّ بوَلَدٍ يُحتمَلُ أنْ يَكونَ منه، فقُبِلَ كالرَّجلِ، وقالَ أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ في امرَأةٍ ادَّعَت وَلَدًا، فإنْ كانَ لها إِخوةٌ أو نَسبٌ مَعروفٌ فلا بدَّ مِنْ أنْ يَثبُتَ أنَّه ابنُها، فإنْ لم يَكنْ لها دافِعٌ فمَن يَحولُ بينَها وبينَه؟ وهذا لأنَّها متى كانَت ذاتَ أهلٍ فالظاهِرُ أنَّه لا تَخفى عليهم وِلادَتُها، فمتى ادَّعَت وَلدًا لا يَعرِفونَه فالظاهِرُ كَذبُها، ويُحتمَلُ أنْ تُقبَلَ دَعواها مُطلَقًا؛ لأنَّ النَّسبَ يُحتاطُ له، فأشبَهَت الرَّجلَ.
فَصلٌ: ولو قَدِمَت امرَأةٌ مِنْ بَلدِ الرُّومِ ومعها طِفلٌ فأقَرَّ به رَجلٌ لَحِقَه لوُجودِ الإمكانِ وعَدمِ المُنازِعِ؛ لأنَّه يُحتمَلُ أنْ يَكونَ دخَلَ أرضَهم أو
стр. 14177
دخَلَت في دارِ الإسلامِ ووَطِئَها والنَّسَبُ يُحتاطُ لإِثباتِه، ولهذا لو وَلَدَت امرأةُ رَجلٍ وهو غائِبٌ عنها بعدَ عِشرينَ سَنةً مِنْ غَيبَتِه لَحِقَه، وإنْ لم يُعرَفْ له قُدومٌ إليها، ولا عرَفَ لَها خُروجٌ مِنْ بَلَدِها (١).
وذهَبَ بعضُ المالِكيةِ وبَعضُ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّ المَرأةَ إذا ادَّعَت وَلدًا فإنَّه يُقبَلُ منها ويَصحُّ إِقرارُها به، ولا يَلحَقُ الزَّوجَ؛ لحَديثِ أبي هُرَيرةَ أنَّه سمِعَ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: كانَت امرَأتانِ معهما ابناهُما جاءَ الذِّئبُ فذهَبَ بابنِ إِحداهما، فقالَت لصاحِبَتِها: إنَّما ذهَبَ بابنِكِ، وقالَت الأُخرى: إنَّما ذهَبَ بابنِكِ، فتَحاكَمَتا إلى داوُدَ ﵇ فقَضى به للكُبرى، فخرَجَتا على سُلَيمانَ بنِ داوُدَ ﵉ فأخبَرَتاه، فقالَ: ائْتُوني بالسِّكِّينِ أشُقُّه بينَهما، فقالَت الصُّغرى: لا تَفعَلْ يَرحَمُك اللَّهُ، هو ابنُها، فقَضى به للصُّغرى» قالَ أبو هُرَيرةَ: واللَّهِ إنْ سَمِعتُ بالسِّكِّينِ قَطُّ إلا يَومَئِذٍ، وما كُنَّا نَقولُ إلا المُديةَ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ كانَ المُدَّعي امرَأةً اختُلِفَ عن أحمدَ ﵀ فرُويَ أنَّ دَعوَتَها تُقبَلُ ويَلحَقُها نَسبُه؛ لأنَّها أحَدُ الأبَوينِ، فثبَتَ النَّسبُ بدَعواها كالأبِ، ولِأنَّه يُمكِنُ أنْ يَكونَ منها كما يَكونُ وَلَدُ الرَّجلِ، بل أكثَرَ، لأنَّها تَأتي به مِنْ زَوجٍ ووَطءٍ بشُبهةٍ ويَلحَقُها وَلَدُها مِنْ الزِّنا دونَ الرَّجلِ.
ولأنَّ في قِصةِ داوُدَ وسُلَيمانَ ﵉ حينَ تَحاكَمَ إليهما امرَأتانِ كانَ لهما ابنانِ فذهَبَ الذِّئبُ بأحَدِهما، فادَّعَت كلُّ واحِدةٍ منهما أنَّ الباقيَ
стр. 14178
ابنُها، وأنَّ الذي أخَذَه الذِّئبُ ابنُ الأُخرى، فحكَمَ به داوُدُ للكُبرى، وحكَمَ به سُلَيمانُ للأُخرى بمُجرَّدِ الدَّعوى منهما، وهذا قَولُ بَعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ، فعلى هذه الرِّوايةِ يَلحَقُ بها دونَ زَوجِها؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَلحقَه نَسبُ وَلَدٍ لم يُقِرَّ به، وكذلك إذا ادَّعَى الرَّجلُ نَسبَه لم يَلحَقْ بزَوجَتِه.
فإنْ قيلَ: الرَّجلُ يُمكِنُ أنْ يَكونَ له وَلَدٌ مِنْ امرَأةٍ أُخرى أو مِنْ أمَتِه، والمَرأةُ لا يَحِلُّ لها نِكاحُ غيرِ زَوجِها، ولا يَحِلُّ وَطؤُها لغَيرِه، قُلنا: يُمكِنُ أنْ تَلدَ مِنْ وَطءِ شُبهةٍ أو غَيرِه، وإنْ كانَ الوَلَدُ يُحتمَلُ أنْ يَكونَ مَوجودًا قبلَ أنْ يَتزوَّجَها هذا الزَّوجُ أمكَنَ أنْ يَكونَ مِنْ زَوجٍ آخَرَ.
فإنْ قيلَ: إنَّما قُبِلَ الإِقرارُ بالنَّسَبِ مِنْ الزَّوجِ لما فيه مِنْ المَصلَحةِ بدَفعِ العارِ عن الصَّبيِّ وصيانَتِه عن النِّسبةِ إلى كَونِه وَلدَ زِنًا، ولا يَحصُلُ هذا بإِلحاقِ نَسبِه بالمَرأةِ، بل بإِلحاقِه بها دونَ زَوجِها تَطرُّقٌ للعارِ إليه وإليها.
قُلنا: بل قَبِلنا دَعواه لأنَّه يَدَّعي حَقًّا لا مُنازِعَ له فيه، ولا مَضَرةَ على أحَدٍ فيه، فقُبِلَ قَولُه فيه كدَعوى المالِ، وهذا مُتحقَّقٌ في دَعوى المَرأةِ.
والرِّوايةُ الثانيةُ أنَّها إنْ كانَ لها زَوجٌ لم يَثبُتِ النَّسبُ بدَعواها لإِفضائِه إلى إِلحاقِ النَّسبِ بزَوجِها بغَيرِ إِقرارِه ولا رِضاه، أو إلى امرَأتِه وُطِئَت بزِنًا أو شُبهةٍ، وفي ذلك ضَررٌ عليه فلا يُقبَلُ قَولُها فيما يُلحِقُ الضَّررَ به.
وإنْ لم يَكُنْ لها زَوجٌ قُبِلَت دَعواها لعَدمِ هذا الضَّررِ، وهذا أيضًا وَجهٌ لأَصحابِ الشافِعيِّ.
والرِّوايةُ الثالِثةُ نقَلَها الكَوسَجُ عن أحمدَ في امرَأةٍ ادَّعَت وَلَدًا إنْ كانَ لها إِخوةٌ أو نَسبٌ مَعروفٌ لا تُصدَّقُ إلا ببَيِّنةٍ، وإنْ لم يَكنْ لها دافِعٌ لم يُحَلْ بينَها
стр. 14179
وبينَه؛ لأنَّه إذا كانَ لها أهلُ ونَسَبٌ مَعروفٌ لم تَخفَ وِلادَتُها عليهم، ويَتضرَّرونَ بإِلحاقِ النَّسَبِ بها لما فيه مِنْ تَعييرِهم بوِلادَتِها مِنْ غيرِ زَوجِها، وليسَ كذلك، إذا لم يَكنْ لها أهلٌ، ويُحتمَلُ ألَّا يَثبُتَ النَّسبُ بدَعواها بحالٍ، وهذا قَولُ الثَّوريِّ والشافِعيِّ وأبي ثَورٍ وأَصحابِ الرَّأيِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ النَّسبَ لا يَثبُتُ بدَعوى المَرأةِ لأنَّها يُمكِنُها إِقامةُ البيِّنةِ على الوِلادةِ، فلا يُقبَلُ قَولُها بمُجرَّدِه كما لو علَّقَ زَوجُها طَلاقَها بوِلادَتِها، ولنا أنَّها أحَدُ الوالِدَينِ، فأشبَهَت الأبَ، وإِمكانُ البَيِّنةِ لا يَمنَعُ قَبولَ القَولِ كالرَّجلِ، فإنَّه تُمكِنُه البَيِّنةُ أنَّ هذا وُلِدَ على فِراشِه (١).
وقالَ الإمامُ العِمرانِيُّ: فإنْ أقَرَّت المَرأةُ بوَلَدٍ يُمكِنُ أنْ يَكونَ منها ففيه ثَلاثةُ أوجُهٍ:
أحَدُها: يُقبَلُ، والثانِي: لا يُقبَلُ.
والثالِثُ: إنْ كانَت غيرَ فِراشٍ لرَجلٍ قُبِلَ، وإنْ كانَت فِراشًا لم يُقبَلْ، وقد مَضَت هذه الأوجُهُ بعِلَلِها في (اللَّقيطِ).
قالَ ابنُ اللَّبانِ: فمَن قبِلَ إِقرارَ المَرأةِ بالوَلَدِ قبِلَ إِقرارَ ورَثتِها بوَلدِها، ومَن لم يَقبَلْ إِقرارَها لم يَقبَلْ إِقرارَ وَرثَتِها إلا أن يُصدِّقَهم زَوجُها. قالَ: وكذلك مَنْ قبِلَ إِقرارَ المَرأةِ قبِلَ الإِقرارَ بالأُمِّ، ومَن لم يَقبَلْ إِقرارَ المَرأةِ لم يَقبَلِ الإِقرارَ بالأُمِّ لإِمكانِ إِقامةِ البَيِّنةِ (٢).