قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ: لا اختِلافَ أعلَمُه أنَّ المَرأةَ لا يَجوزُ لها استِلحاقُ وَلدِها بخِلافِ الأبِ؛ لأنَّ الوَلَدَ يُنتسَبُ إلى أبيه لا إلى أُمِّه ولَولا ما أحكَمَ الشَّرعُ لَكانَ نِسبَتُه إلى أُمِّه أوْلَى؛ لأنَّها أخَصُّ به مِنْ أبيه؛ لأنَّهما اشتَرَكا في الماءِ واختَصَّت بالحَملِ والوَضعِ (١).
وهذا إذا كانَت المَرأةُ ذاتَ زَوجٍ، أمَّا إذا لم تَكنْ ذاتَ زَوجٍ فيَصِحُّ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ أقَرَّت المَرأةُ بوَلَدٍ ولم تَكنْ ذاتَ زَوجٍ ولا نَسَبٍ قُبِلَ إِقرارُها، وإنْ كانَت ذاتَ زَوجٍ فهَل يُقبَلُ إِقرارُها؟ على رِوايَتينِ:
إِحداهما: لا يُقبَلُ؛ لأنَّ فيه حَملًا لنَسبِ الوَلدِ على زَوجِها، ولم يُقرَّ به، أو إِلحاقًا للعارِ به بوِلادةِ امرَأتِه مِنْ غَيرِه.
والأُخرى: يُقبَلُ؛ لأنَّها شَخصٌ أقَرَّ بوَلَدٍ يُحتمَلُ أنْ يَكونَ منه، فقُبِلَ كالرَّجلِ، وقالَ أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ في امرَأةٍ ادَّعَت وَلَدًا، فإنْ كانَ لها إِخوةٌ أو نَسبٌ مَعروفٌ فلا بدَّ مِنْ أنْ يَثبُتَ أنَّه ابنُها، فإنْ لم يَكنْ لها دافِعٌ فمَن يَحولُ بينَها وبينَه؟ وهذا لأنَّها متى كانَت ذاتَ أهلٍ فالظاهِرُ أنَّه لا تَخفى عليهم وِلادَتُها، فمتى ادَّعَت وَلدًا لا يَعرِفونَه فالظاهِرُ كَذبُها، ويُحتمَلُ أنْ تُقبَلَ دَعواها مُطلَقًا؛ لأنَّ النَّسبَ يُحتاطُ له، فأشبَهَت الرَّجلَ.
فَصلٌ: ولو قَدِمَت امرَأةٌ مِنْ بَلدِ الرُّومِ ومعها طِفلٌ فأقَرَّ به رَجلٌ لَحِقَه لوُجودِ الإمكانِ وعَدمِ المُنازِعِ؛ لأنَّه يُحتمَلُ أنْ يَكونَ دخَلَ أرضَهم أو
стр. 14177
دخَلَت في دارِ الإسلامِ ووَطِئَها والنَّسَبُ يُحتاطُ لإِثباتِه، ولهذا لو وَلَدَت امرأةُ رَجلٍ وهو غائِبٌ عنها بعدَ عِشرينَ سَنةً مِنْ غَيبَتِه لَحِقَه، وإنْ لم يُعرَفْ له قُدومٌ إليها، ولا عرَفَ لَها خُروجٌ مِنْ بَلَدِها (١).
وذهَبَ بعضُ المالِكيةِ وبَعضُ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّ المَرأةَ إذا ادَّعَت وَلدًا فإنَّه يُقبَلُ منها ويَصحُّ إِقرارُها به، ولا يَلحَقُ الزَّوجَ؛ لحَديثِ أبي هُرَيرةَ أنَّه سمِعَ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: كانَت امرَأتانِ معهما ابناهُما جاءَ الذِّئبُ فذهَبَ بابنِ إِحداهما، فقالَت لصاحِبَتِها: إنَّما ذهَبَ بابنِكِ، وقالَت الأُخرى: إنَّما ذهَبَ بابنِكِ، فتَحاكَمَتا إلى داوُدَ ﵇ فقَضى به للكُبرى، فخرَجَتا على سُلَيمانَ بنِ داوُدَ ﵉ فأخبَرَتاه، فقالَ: ائْتُوني بالسِّكِّينِ أشُقُّه بينَهما، فقالَت الصُّغرى: لا تَفعَلْ يَرحَمُك اللَّهُ، هو ابنُها، فقَضى به للصُّغرى» قالَ أبو هُرَيرةَ: واللَّهِ إنْ سَمِعتُ بالسِّكِّينِ قَطُّ إلا يَومَئِذٍ، وما كُنَّا نَقولُ إلا المُديةَ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ كانَ المُدَّعي امرَأةً اختُلِفَ عن أحمدَ ﵀ فرُويَ أنَّ دَعوَتَها تُقبَلُ ويَلحَقُها نَسبُه؛ لأنَّها أحَدُ الأبَوينِ، فثبَتَ النَّسبُ بدَعواها كالأبِ، ولِأنَّه يُمكِنُ أنْ يَكونَ منها كما يَكونُ وَلَدُ الرَّجلِ، بل أكثَرَ، لأنَّها تَأتي به مِنْ زَوجٍ ووَطءٍ بشُبهةٍ ويَلحَقُها وَلَدُها مِنْ الزِّنا دونَ الرَّجلِ.
ولأنَّ في قِصةِ داوُدَ وسُلَيمانَ ﵉ حينَ تَحاكَمَ إليهما امرَأتانِ كانَ لهما ابنانِ فذهَبَ الذِّئبُ بأحَدِهما، فادَّعَت كلُّ واحِدةٍ منهما أنَّ الباقيَ
стр. 14178
ابنُها، وأنَّ الذي أخَذَه الذِّئبُ ابنُ الأُخرى، فحكَمَ به داوُدُ للكُبرى، وحكَمَ به سُلَيمانُ للأُخرى بمُجرَّدِ الدَّعوى منهما، وهذا قَولُ بَعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ، فعلى هذه الرِّوايةِ يَلحَقُ بها دونَ زَوجِها؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَلحقَه نَسبُ وَلَدٍ لم يُقِرَّ به، وكذلك إذا ادَّعَى الرَّجلُ نَسبَه لم يَلحَقْ بزَوجَتِه.
فإنْ قيلَ: الرَّجلُ يُمكِنُ أنْ يَكونَ له وَلَدٌ مِنْ امرَأةٍ أُخرى أو مِنْ أمَتِه، والمَرأةُ لا يَحِلُّ لها نِكاحُ غيرِ زَوجِها، ولا يَحِلُّ وَطؤُها لغَيرِه، قُلنا: يُمكِنُ أنْ تَلدَ مِنْ وَطءِ شُبهةٍ أو غَيرِه، وإنْ كانَ الوَلَدُ يُحتمَلُ أنْ يَكونَ مَوجودًا قبلَ أنْ يَتزوَّجَها هذا الزَّوجُ أمكَنَ أنْ يَكونَ مِنْ زَوجٍ آخَرَ.
فإنْ قيلَ: إنَّما قُبِلَ الإِقرارُ بالنَّسَبِ مِنْ الزَّوجِ لما فيه مِنْ المَصلَحةِ بدَفعِ العارِ عن الصَّبيِّ وصيانَتِه عن النِّسبةِ إلى كَونِه وَلدَ زِنًا، ولا يَحصُلُ هذا بإِلحاقِ نَسبِه بالمَرأةِ، بل بإِلحاقِه بها دونَ زَوجِها تَطرُّقٌ للعارِ إليه وإليها.
قُلنا: بل قَبِلنا دَعواه لأنَّه يَدَّعي حَقًّا لا مُنازِعَ له فيه، ولا مَضَرةَ على أحَدٍ فيه، فقُبِلَ قَولُه فيه كدَعوى المالِ، وهذا مُتحقَّقٌ في دَعوى المَرأةِ.
والرِّوايةُ الثانيةُ أنَّها إنْ كانَ لها زَوجٌ لم يَثبُتِ النَّسبُ بدَعواها لإِفضائِه إلى إِلحاقِ النَّسبِ بزَوجِها بغَيرِ إِقرارِه ولا رِضاه، أو إلى امرَأتِه وُطِئَت بزِنًا أو شُبهةٍ، وفي ذلك ضَررٌ عليه فلا يُقبَلُ قَولُها فيما يُلحِقُ الضَّررَ به.
وإنْ لم يَكُنْ لها زَوجٌ قُبِلَت دَعواها لعَدمِ هذا الضَّررِ، وهذا أيضًا وَجهٌ لأَصحابِ الشافِعيِّ.
والرِّوايةُ الثالِثةُ نقَلَها الكَوسَجُ عن أحمدَ في امرَأةٍ ادَّعَت وَلَدًا إنْ كانَ لها إِخوةٌ أو نَسبٌ مَعروفٌ لا تُصدَّقُ إلا ببَيِّنةٍ، وإنْ لم يَكنْ لها دافِعٌ لم يُحَلْ بينَها
стр. 14179
وبينَه؛ لأنَّه إذا كانَ لها أهلُ ونَسَبٌ مَعروفٌ لم تَخفَ وِلادَتُها عليهم، ويَتضرَّرونَ بإِلحاقِ النَّسَبِ بها لما فيه مِنْ تَعييرِهم بوِلادَتِها مِنْ غيرِ زَوجِها، وليسَ كذلك، إذا لم يَكنْ لها أهلٌ، ويُحتمَلُ ألَّا يَثبُتَ النَّسبُ بدَعواها بحالٍ، وهذا قَولُ الثَّوريِّ والشافِعيِّ وأبي ثَورٍ وأَصحابِ الرَّأيِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ النَّسبَ لا يَثبُتُ بدَعوى المَرأةِ لأنَّها يُمكِنُها إِقامةُ البيِّنةِ على الوِلادةِ، فلا يُقبَلُ قَولُها بمُجرَّدِه كما لو علَّقَ زَوجُها طَلاقَها بوِلادَتِها، ولنا أنَّها أحَدُ الوالِدَينِ، فأشبَهَت الأبَ، وإِمكانُ البَيِّنةِ لا يَمنَعُ قَبولَ القَولِ كالرَّجلِ، فإنَّه تُمكِنُه البَيِّنةُ أنَّ هذا وُلِدَ على فِراشِه (١).
وقالَ الإمامُ العِمرانِيُّ: فإنْ أقَرَّت المَرأةُ بوَلَدٍ يُمكِنُ أنْ يَكونَ منها ففيه ثَلاثةُ أوجُهٍ:
أحَدُها: يُقبَلُ، والثانِي: لا يُقبَلُ.
والثالِثُ: إنْ كانَت غيرَ فِراشٍ لرَجلٍ قُبِلَ، وإنْ كانَت فِراشًا لم يُقبَلْ، وقد مَضَت هذه الأوجُهُ بعِلَلِها في (اللَّقيطِ).
قالَ ابنُ اللَّبانِ: فمَن قبِلَ إِقرارَ المَرأةِ بالوَلَدِ قبِلَ إِقرارَ ورَثتِها بوَلدِها، ومَن لم يَقبَلْ إِقرارَها لم يَقبَلْ إِقرارَ وَرثَتِها إلا أن يُصدِّقَهم زَوجُها. قالَ: وكذلك مَنْ قبِلَ إِقرارَ المَرأةِ قبِلَ الإِقرارَ بالأُمِّ، ومَن لم يَقبَلْ إِقرارَ المَرأةِ لم يَقبَلِ الإِقرارَ بالأُمِّ لإِمكانِ إِقامةِ البَيِّنةِ (٢).
стр. 14180
كتاب القضاء
стр. 14181
كتاب القضاء
تَعريفُ القَضاءِ:
القَضاءُ لُغةً: مَصدرُ قَضى يَقضي قَضاءً، فهو قاضٍ: إذا حكَمَ وإذا فصَلَ، وإذا أحكَمَ وإذا أَمضى، وإذا فرَغَ مِنْ الشَّيءِ، وإذا خلَقَ، وجَمعُ القَضاءِ: أَقضيةٌ. وقَضى فُلانٌ واستَقضى: صارَ قاضيًا (١).
والقَضاءُ يُطلقُ في القُرآنِ واللُّغةِ، ويَأتي على وُجوهٍ ومَعانٍ تتقارَبُ مَعانيها، ومَرجعُها كلُّها إلى انقِضاءِ الشَّيءِ وتَمامِه والفَراغِ منه وإِحكامِه:
فمنها: إِحكامُ الشَّيءِ وإِمضاؤُه والفَراغُ منه، ومنه قَولُه تَعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢].
ومنها: الفَراغُ منه، ومنه قَولُه تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أيْ: فرَغَ مِنْ
وأمَّا السُّنةُ: فإنَّ النَّبيَّ ﷺ حكَمَ بينَ الناسِ و «بعَثَ عليًّا ﵁ إلى اليَمنِ للقَضاءِ بينَ الناسِ» وحكَمَ الخلفاءُ الراشدونَ، وولَّوا القُضاةَ في الأَمصارِ. وبعَثَ أَبو بَكرٍ ﵁ أنسَ بنَ مالكٍ إلى البَحرينِ ليَقضيَ بينَ الناسِ، وبعَثَ عُمرُ ﵁ أَبا مُوسى الأَشعريَّ إلى البَصرةِ قاضيًا، وبعَثَ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ إلى الكُوفةِ قاضيًا.
وأمَّا الإِجماعُ: فإنَّ الأُمةَ أجمَعَت على أنَّ تَوليةَ الإِمامِ للقُضاةِ للحُكمِ بينَ الناسِ مِنْ فُروضِ الكِفاياتِ، فإذا قامَ به البعضُ سقَطَ عن الباقينَ، وإذا لمْ يَقمْ به أَحدٌ أثِمَ الجَميعُ، وقد نُقلَ الإِجماعُ على ذلك.
قالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: «القَضاءُ والإِمامةُ فَرضُ كِفايةٍ بالإِجماعِ، فإنْ قامَ به مَنْ يَصلحُ سقَطَ الفَرضُ عن الباقينَ، وإنِ امتنَعَ الجَميعُ أثِمُوا وأجبَرَ الإِمامُ أَحدَهم على القَضاء، وقيلَ: لا يُجبَرَ، والصَّحيحُ الأَولُ» (١).
وقالَ الإِمامُ الزَّركشيُّ: «قالَ الرافعيُّ القَضاءُ فَرضُ كِفايةٍ بالإِجماعِ» (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ مُفلحٍ ﵀: «أجمَعَ المُسلمونَ على نَصبِ القُضاةِ للفَصلِ بينَ الناسِ، وهو فَرضُ كِفايةٍ كالإِمامةِ».
قالَ أَحمدُ ﵀ تَعالى: «لا بدَّ للناسِ مِنْ حاكمٍ أَتذهبُ حُقوقُ الناسِ؟ فيَجبُ على الإِمامِ أنْ ينصبَ في كلِّ إِقليمٍ قاضيًا ويَختارُ لذلك
стр. 14188
أَفضلَ مَنْ يَجدُ وأَورعَهم، ويَأمرُهم بتَقوى اللهِ وَإيثارِ طَاعتِه في سرِّه وعَلانِيَته، وتَحرِّي العَدلِ، والاجتِهادِ في إِقامةِ الحقِّ، وأنْ يَستخلِفَ في كلِّ صُقعٍ أصلَحَ مَنْ يَقدِرُ عليه» (١).
وأمَّا المَعقولُ: لأنَّ أَمرَ الناسِ لا يَستقيمُ بدونِ القَضاءِ؛ فكانَ واجبًا عليهم كالجِهادِ والإِمامةِ، ولأنَّ الظُّلمَ مِنْ شِيمِ النُّفوسِ، وطَبعِ العالمِ، ولهذا قالَ الشاعرُ:
والظُّلمُ مِنْ شيمِ النُّفوسِ فإنْ تَجدْ ذا عِفةٍ فلعلَّةٍ لا يَظلمُ
فإذا كانَ كذلك .. فلا بدَّ مِنْ حاكمٍ ليُنصفَ المَظلومَ مِنْ الظالمِ.
ولمَا فيه مِنْ مَصالحِ العِبادِ، ومَنعِ التَّظالمِ، والعِنادِ، وفَصلِ الخُصوماتِ، وردِّ الظُّلماتِ، وإِقامةِ الحُدودِ، ورَدعِ الظَّالمِ، ونَصرِ المَظلومِ، والأَمرِ بالمَعروفِ والنَّهي عن المُنكرِ؛ لأنَّ الظُّلمَ في الطِّباعِ، فيُحتاجُ إلى حاكمٍ يُنصفُ المَظلومَ: فوجَبَ نَصبُه (٢).
أَحاديثُ المَدحِ والذَّمِّ في الدُّخولِ في القِضاءِ:
ورَدَتْ أَخبارٌ تَدلُّ على ذَمِّ القَضاءِ، وأَخبارٌ تَدلُّ على مَدحِه.
أَولًا: الأَخبارُ التي تَدلُّ على ذَمِّ القَضاءِ:
فأمَّا التي تَدلُّ على ذَمِّه: فما رُويَ عن أَبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ
стр. 14189
ﷺ قالَ: «مَنْ ولِيَ القَضاءَ فكأنَّما ذُبحَ بغيرِ سَكينٍ» وفي لَفظٍ: «مَنْ جُعلَ قاضيًا بينَ الناسِ فقد ذُبحَ بغير سِكينٍ» (١).
قالَ الإِمامُ الخَطابيُّ ﵀: «مَعناه التَّحذيرُ مِنْ طَلبِ القَضاءِ والحِرصِ عليه، يَقولُ: مَنْ تصدَّى للقَضاءِ فقد تعرَّضَ للذَّبحِ فليَحذرْه وليتَوقَّه.
وقَولُه: «بغيرِ سِكينٍ» يَحتملُ وَجهينِ:
أَحدُهما: أنَّ الذَّبحَ إنما يَكونُ في ظاهرِ العُرفِ بالسِّكينِ فعدَلَ به ﵇ عن غيرِ ظاهرِ العُرفِ وصرَفَه عن سَننِ العادةِ إلى غيرِها ليُعلمَ أنَّ الذي أرادَه بهذا القَولِ إنما هو ما يُخافُ عليه مِنْ هَلاكِ دينِه دونَ هَلاكِ بَدنِه.
والوَجهُ الآخرُ: أنَّ الذَّبحَ الوجيءَ الذي يَقعُ به إِزهاقُ الرُّوحِ وإِراحةُ الذَّبيحةِ وخَلاصُها مِنْ طُولِ الأَلمِ وشِدتِه إنَّما يَكونُ بالسِّكينِ لأنَّه يُجهزُ عليه، وإذا ذُبحَ بغيرِ السِّكينِ كانَ ذَبحُه خَنقًا وتَعذيبًا، فضرَبَ المَثلَ في ذلك ليَكونَ أَبلغَ في الحَذرِ والوُقوعِ فيه» (٢).
ورَوَتْ عائشةُ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «يُدعَى بالقاضِي العادلِ يَومَ القيامةِ فيَلقى مِنْ شِدةِ الحِسابِ ما يَتمنَّى أنَّه لمْ يَقضِ بينَ اثنينِ في عُمرِه» (٣).
стр. 14190
وقالَ ﷺ لأَبي ذرٍّ ﵁: «يا أبَا ذرٍّ إنِّي أراكَ ضَعيفًا وَإنِّي أُحبُّ لك ما أُحبُّ لنَفسِي لا تأمَّرنَّ على اثنَينِ ولا تَولَّينَّ مالَ يَتيمٍ» (١).
ثانيًا: الأَخبارُ التي تَدلُّ على مَدحِ القَضاءِ:
وأمَّا السُّنةُ: فعن عَمرِو بنِ العاصِ أنَّه سمِعَ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «إذا حكَمَ الحاكمُ فاجتهَدَ ثُم أصابَ فله أَجرانِ وإذا حكَمَ فاجتهَدَ ثُم أخطَأَ فله أَجرٌ» (٢).
ورَوى ابنُ مَسعودٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا حَسدَ إلا في اثنَتينِ: رَجلٌ آتاهُ اللهُ مالًا فسلَّطَه على هَلكَتِه في الحَقِّ، وآخَرُ آتاهُ اللهُ حِكمةً فهو يَقضي بها ويُعلمُها» (٣).
وتَأويلُ ذلك: أنَّ الأَخبارَ التي تَدلُّ على ذَمِّه مَحمولةٌ على مَنْ علِمَ مِنْ نَفسِه أنَّه لا يَقومُ بالقَضاءِ؛ إمَّا لجَهلِه أو لقِلةِ أَمانتِه.
والأَخبارُ التي تَدلُّ على مَدحِه مَحمولةٌ على مَنْ علِمَ مِنْ نَفسِه القِيامَ بالقَضاءِ لعِلمِه وأَمانتِه.
والدَّليلُ على صِحةِ هذا التَّأويلِ: ما رُويَ عن بُريدةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «القُضاةُ ثَلاثةٌ قاضيانِ في النارِ وقاضٍ في الجنةِ،
стр. 14191
رَجلٌ قَضى بغيرِ الحقِّ فعلِمَ ذاك فذاك في النارِ، وقاضٍ لا يَعلمُ فأهلَكَ حُقوقَ الناسِ فهو في النارِ وقاضٍ قَضى بالحقِّ فذلك في الجَنةِ» (١).
ورَوى أَبو هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ طلَبَ قَضاءَ المُسلِمينَ حتى يَنالَه ثُم غلَبَ عَدلُه جَورَه فله الجَنةُ، ومَن غلَبَ جَورهُ عَدلَه فله النارُ» (٢).
الحُكمُ التَّكليفيُّ لتَولي القَضاءِ:
القَضاءُ تَعتريه الأَحكامُ التَّكليفيةُ الخَمسةُ، فقد يَكونُ واجبًا أو مُستحبًّا أو مُباحًا أو مَكروهًا أو حَرامًا.
الحُكمُ الأَولُ: مَنْ يَجبُ عليه القَضاءُ:
نصَّ عامةُ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ على أنَّ القَضاءَ يَجبُ على رَجلٍ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ والأَمانةِ، وليسَ هناك مَنْ يَصلحُ للقَضاءِ غيرُه؛ فيَجبُ على الإِمامِ أنْ يُوليَه القَضاءَ، وإذا ولَّاه الإِمامُ لزِمَه القَبولُ، فإنِ امتنَعَ أجبَرَه.
قالَ الحَنفيةُ: يَجبُ القَضاءُ إذا تعيَّنَ له، ولا يُوجدُ مَنْ يَصلحُ غيرُه؛ لأنَّه إذا لمْ يَفعلْ أَدى إلى تَضييعِ الحُكمِ، فيَكونُ قَبولُه أَمرًا بالمَعروفِ ونَهيًا عن المُنكرِ، وإِنصافَ المَظلومينَ مِنْ الظالمينَ، وأنَّه فَرضُ كِفايةٍ.
стр. 14192
وكذا يَجبُ عليه طَلبُ القَضاءِ بأنْ لم يَكنْ أَحدٌ غيرُه يَصلحُ للقَضاءِ وجَبَ عليه الطَّلبُ؛ صِيانةً لحُقوقِ المُسلِمينَ، ودفعًا لظُلمِ الظالمِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَلزمُ قَبولُ الوِلايةِ وطَلبُها في ثَلاثِ أَحوالٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكونَ مُتعينًا أيْ: المُنفردُ بشُروطِ القَضاءِ فلا يَجوزُ له الامتناعُ مِنْ ذلك، فإنْ طلَبَه الإِمامُ لزِمَه القَبولُ، وإذا امتنَعَ مَنْ وجَبَ عليه مِنْ القَبولِ أُجبِرَ، وإنْ بضَربٍ وسَجنٍ.
الثَّاني: الخائفُ فِتنةً على نَفسِه أو مالِه أو وَلدِه وإنْ لمْ يَنفردْ بشُروطِ القَضاءِ إنْ لمْ يَتولَّ.
الثالثُ: الخائفُ ضَياعَ الحَقِّ على أَربابِه بسَببِ تَوليةِ غيرِه -بأنْ كانَ مِمَّنْ تَحرمُ وِلايتُه- فإنْ لم يَقبلْ تَضيعُ حُقوقُ الناسِ؛ فيَلزمُه.
وكذلك إنْ كانَ القَضاءُ بيدِ مَنْ لا يَحلُّ بَقاؤُه عليه ولا سَبيلَ إلى عَزلِه إلا بتَصدي هذا إلى الوِلايةِ فيَتعينُ عليه التَّصدي لذلك والسَّعي فيه إذا قصَدَ بطَلبِه حِفظَ الحُقوقِ وجَريان الأَحكامِ على وَفقِ الشَّرعِ؛ لأنَّ في تَحصيلِه القيامِ بفَرضِ الكفايةِ.
وذكَرَ الدِّرديرُ أنَّه لا يَضرُّه بَذلُ مالٍ في طَلبِه حينَئذٍ إذا تعيَّنَ عليه أو خافَ الفِتنةَ أو ضَياعَ الحَقِّ إنْ لمْ يَتولَّ لأنَّه لأمرٍ مُتعيِّنٍ عليه.
وقيلَ: لا يَجوزُ له بذلك المالُ؛ لأنَّ بَذلَ المالِ في القَضاءِ مِنْ الباطلِ.
стр. 14193
وإنْ لمْ يَتعيَّنْ عليه القَضاءُ بأنْ لمْ يَختصَّ بشَرائطِ القَضاءِ ولمْ يَنفردْ بها بل هناك مَنْ هو مثلُه ولمْ يَخفْ فِتنةً ولا ضَياعَ الحَقِّ على أَربابِه؛ فإنَّه لا يَلزمُه القَبولُ ولا الطَّلبُ فلو عيَّنَه الإِمامُ للقَضاءِ فإنَّه يَجوزُ له أنْ يَهربَ منه وإنْ كانَ مِنْ فُروضِ الكِفاياتِ؛ لأنَّ فُروضَ الكِفاياتِ كلَّها تَتعينُ بتَعيينِ الإِمامِ إلا القَضاءَ فإنَّه لا يَتعينُ بتعيينِ الإِمامِ، بل تَجوزُ مُخالفتُه وذلك لشِدةِ خَطرِه في الدِّينِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا كانَ هناك رَجلٌ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ والأَمانةِ، وليسَ هناك مَنْ يَصلحُ للقَضاءِ غيرُه، فيَجبُ على الإِمامِ أنْ يُوليَه القَضاءَ، وإذا ولاه الإِمامُ .. لزِمَه القَبولُ، فإنِ امتنَعَ .. أجبَرَه. فإنْ لمْ يَعرفْه الإِمامُ .. لزِمَه أنْ يُعرِّفَ الإِمامَ حالَه، وأنْ يَعرضَ نَفسَه عليه للقَضاءِ؛ لأنَّ ذلك يَجري مَجرى الأَمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكرِ، ولو لمْ يَكنْ مَنْ يَصلحُ للأَمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكرِ إلا واحدٌ؛ لتَعينَ ذلك عليه.
ويَلزمُه طَلبُ القَضاءِ إذا لمْ يَصلحْ غيرُه ولا يُعذرُ لخَوفِ مَيلٍ منه، بل يَلزمُه أنْ يَطلبَ ويَقبلَ ويَحترزَ مِنْ المَيلِ كسائرِ فُروضِ الأَعيانِ.
وإنْ توقَّفَ طَلبُه على بَذلِ مالٍ لزِمَه أنْ يَبذلَ المالَ ليُصبحَ قاضيًا، كما يَلزمُه شِراءُ الرَّقبةِ للكَفارةِ والطَّعامِ في المَجاعةِ، وهذا هو المَشهورُ.
وقالَ الماوَرديُّ: «لا يَلزمُه طَلبُه لأنَّ فَرضَ التَّقليدِ على الإِمامِ».
стр. 14194
قالَ ابنُ الرِّفعةِ: «ولعلَّه إذا علِمَ به الإِمامُ وإلا لزِمَه إِعلامُه وعلى هذا يُستحبُّ بَذلُ المالِ ولا يَجبُ».
وهذا كلُّه إذا لمْ يُعرضْ عليه فإنْ عُرضَ عليه؛ لزِمَه القَبولُ بلا خِلافٍ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ يَصلحُ للقَضاءِ ولا يُوجدُ سِواه فهذا يَتعينُ عليه؛ لأنَّه فَرضُ كِفايةٍ لا يَقدرُ على القيامِ به غيرُه فيَتعينُ عليه كغَسلِ المَيتِ وتَكفينِه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: «وقد نُقلَ عن أَحمدَ ما يَدلُّ على أنَّه لا يَتعينُ عليه، فإنَّه سُئلَ هل يَأثمُ القاضِي إذا لمْ يُوجدْ غيرُه؟ قالَ: لا يَأثمُ. فهذا يَحتملُ أنَّه يُحملُ على ظاهرِه في أنَّه لا يَجبُ عليه لمَا فيه مِنْ الخَطرِ بنَفسِه، فلا يَلزمُه الإِضرارُ بنَفسِه لنَفعِ غيرِه، ولذلك امتَنعَ أَبو قِلابةَ منه وقد قيلَ له ليسَ غيرُك.
ويُحتملُ أنْ يُحملَ على مَنْ لمْ يُمكنْه القيامُ بالواجبِ لظُلمِ السُّلطانِ أو غيرِه، فإنَّ أَحمدَ قالَ: لا بدَّ للناسِ مِنْ حاكمٍ، أتَذهبُ حُقوقُ الناسِ؟!» (٢).
الحُكمُ الثانِي: مَنْ يَستحبُّ له القَضاءُ:
نصَّ الفُقهاءُ على أنَّ القَضاءَ يُستحبُّ لبعضِ الناسِ، فعندَ الحَنفيةِ قالوا: «يُستحبُّ أنْ يَتولى القَضاءَ إذا وُجدَ مَنْ يَصلحُ للقَضاءِ، لكنْ هو أَصلحُ وأَقومُ به» (٣).
стр. 14195
وقالَ المالِكيةُ: «يُستحبُّ طَلبُ القَضاءِ لمُجتهدٍ خفِيَ عِلمُه على الناسِ، فأرادَ السَّعيَ في القَضاءِ ليُعرفَ مَوضعُ عِلمِه، فيُستحبُّ له تَحصيلُ ذلك والدُّخولُ فيه بهذه النِّية، وكذا إذا كانَ هناك عالمٌ خفِيَ عِلمُه عن الناسِ فأرادَ الإِمامُ أنْ يُشهرَه بوِلايةِ القَضاءِ ليُعلِّمَ الجاهلَ ويُفتيَ المُسترشِدَ. أو كانَ عاجزًا عن قُوتِه وقُوتِ عيالِه إلا برزقِ القَضاءِ فيُستحبُّ له طَلبُ القَضاءِ» (١).
وقالَ الشافِعيةُ: «يُندبُ طَلبُ القَضاءِ إنْ كانَ خاملَ الذِّكرِ لا يَقصدُه الناسُ للفُتيا والتَّدريسِ .. فيُستحبُّ له القَضاءُ؛ ليَشتهرَ في الناسِ ويُنتفعَ بعِلمِه.
أو لمْ يَكنْ خاملَ الذِّكرِ لكنْ كانَ مُحتاجًا إلى الرزقِ ويَرجو بالقَضاءِ أَخذَ الرَّزقِ عليه مِنْ بَيتِ المالِ .. يُستحبُّ له طَلبُ القَضاءِ؛ لأنَّه لا بدَّ له مِنْ مُكتسَبٍ، واكتِسابُه بتَولي الطاعةِ أَولى مِنْ الاكتِسابِ بغيرِه.
وُيندبُ الطَّلبُ أيضًا إذا كانَتِ الحُقوقُ مُضاعةً لجَورٍ أو عَجزٍ أو فسَدَتِ الأَحكامُ بتَوليةِ جاهلٍ، فيَقصدُ بالطَّلبِ تَداركَ ذلك، وقد أخبَرَ اللهُ تَعالى عن نَبيِّه يُوسفَ -عليه صَلواتُ اللهِ وسَلامُه عليه- أنَّه طلَبَ فقالَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]، وإنما طلَبَ ذلك شَفقةً على خَلقِ اللهِ لا مَنفعةَ نَفسِه.
ومَن استُحبَّ له وِلايةُ القَضاءِ إذا دُعيَ إليه .. فهل يُستحبُّ له طَلبُه وبَذلُ العِوضِ منه لذلك؟ فيه قَولانِ:
стр. 14196
فمنهم مِنْ قالَ: يُستحبُّ له طَلبُه؛ لقَولِه تَعالى إِخبارًا عن يُوسفَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٥] الآيةُ، فطلَبَ الاستِئمانَ.
ويَجوزُ له بَذلُ العِوضِ؛ ذلك لأنَّه يَتوصَّلُ به إلى مَطلوبِه.
ومنهم مَنْ قالَ: لا يُستحبُّ له ذلك، ولا يَجوزُ له بَذلُ العِوضِ؛ لمَا رُويَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لعَبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمرةَ: «يا عبدَ الرَّحمنِ! لا تَسألِ الإِمارةَ؛ فإنَّك إنْ أُعطيتَها عن مَسألةٍ؛ وُكلْتَ إليها، وإنْ أُعطيتَها عن غيرِ مَسألةٍ .. أُعنْتَ عليها».
ورَوى أَنسٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ طلَبَ القَضاءَ فاستَعانَ عليه؛ وُكلَ إليه، ومَن لمْ يَطلبِ القَضاءَ ولمْ يَستعنْ عليه؛ أنزَلَ اللهُ تَعالى إليه مَلكًا ليُسددَه».
ومَن قالَ بالأَولِ .. حمَلَ الخبَرَ على مَنْ طلَبَ ذلك مَحبةً للرِّياسةِ، فأمَّا إذا طلَبَ ذلك للقُربةِ أو لحُصولِ كِفايتِه؛ فلا بَأسَ عليه بذلك» (١).
الحُكمُ الثَّالثُ: مَنْ يُباحُ له الدُّخولُ في القَضاءِ:
قالَ الحَنفيةُ: «القَضاءُ يَكونُ مُباحًا ومُخيَّرًا فيه إذا استَوى هو وغيرُه فِي الصَّلاحيَةِ والقيامِ به، فهو مُخيَّرٌ إنْ شاءَ قبِلَه وإنْ شاءَ لا» (٢).
стр. 14197
وقالَ الشافِعية والحَنابِلةُ: «القَضاءُ يَكونُ مُباحًا إذا كانَ قادرًا على القيامِ به، لكْن يُوجدُ غيرُه»
قالَ الشافِعيةُ: «الذي لا يَجبُ عليه القَضاءُ ويَجوزُ له فهو: أنْ يَكونَ هناك رَجلانِ أو جَماعةٌ يَصلحُ كلُّ واحدٍ منهم للقَضاءِ، فإنَّ القَضاءَ لا يَجبُ على واحدٍ منهم بعِينِه، بل وُجوبُ القَضاءِ عليهم على طَريقِ الكِفايةِ، وإذا قامَ به أَحدُهم؛ سقَطَ الفَرضُ عن الباقينَ، وإنِ امتنَعُوا كلُّهم عن القَضاءِ أثِمُوا؛ لمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا يُقدسُ اللهُ أُمةً ليسَ فيهم مَنْ يَأخذُ للضَّعيفِ حَقَّه».
فإنْ طلَبَ الإِمامُ أنْ يُوليَ رَجلًا منهم، فهل يَتعينُ عليه القَضاءُ بتَوليةِ الإِمامِ له؟، وهل يَجوزُ للإِمامِ أنْ يُجبِرَ واحدًا منهم؟ فيه وَجهانِ:
أَحدُهما: يَتعينُ عليه، ويَجوزُ للإِمامِ إِجبارُه؛ لأنَّه دَ ١ عاه إلى واجبٍ فتعيَّنَ عليه، ولأنَّه إذا امتنَعَ هذا .. فربما امتنَعَ الباقونَ، فيُؤدِّي ذلك إلى تَعطيلِ القَضاءِ.
والثانِي: لا يَتعينُ عليه، ولا يَجوزُ له إِجبارُه، ولأنَّا لو قلْنا يَتعينُ عليه، ويَجوزُ له إِجبارُه؛ لصارَ القَضاءُ والقِصاصُ مُتعينًا عليه.
ومَن جازَ له الدُّخولُ في القَضاءِ ولمْ يَجبْ عليه، فهل يُستحبُّ له القَضاءُ إذا دُعيَ إليه؟ يُنظرُ فيه:
فإنْ كانَ له مالٌ يَكفيه وهو مَشهورٌ يَقصدُه الناسُ للفُتيا والتَّدريسِ؛ لمْ يُستحبَّ له ذلك؛ لأنَّه لا يَأمنُ على نَفسِه مِنْ الخَطأِ، والأَولى له أنْ
стр. 14198
يَشتغلَ بالفُتيا والتَّدريسِ؛ لأنَّ ذلك أَسلمُ. وعلى هذا يُحملُ امتناعُ ابنِ عُمرَ حينَ دَعاه عُثمانُ إلى القَضاءِ. وكذلك رُويَ: «أنَّ أَبا ذرٍّ طُلبَ للقَضاءِ فهرَبَ، فقيلَ له: لو وُليتَ وقَضيتَ بالحَقِّ؟ فقالَ: مَنْ يَقعُ في البَحرِ إلى كم يَسبحُ؟».
وإنْ كانَ لا مالَ له يَكفيه ويَرجو بالقَضاءِ أَخذَ الرِّزقِ عليه مِنْ بَيتِ المالِ يُستحبُّ له القَضاءُ؛ لأنَّه لا بدَّ له مِنْ مُكتسبٍ، واكتِسابُه بتَولي الطاعةِ أَولى مِنْ الاكتِسابِ بغيرِه.
وكذلك: إذا كانَ معَه مالٌ يَكفيه إلا أنَّه خاملُ الذِّكرِ لا يَقصدُه الناسُ للفُتيا والتَّدريسِ، فيُستحبُّ له القَضاءُ؛ ليَشتهرَ في الناسِ ويُنتفعُ بعِلمِه» (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: «يُباحُ طَلبُ القَضاءِ إذا كانَ المُباشرُ له ليسَ أهلًا للقَضاءِ.
وكذا مَنْ كانَ مِنْ أَهلِ القَضاءِ ويُوجدُ غيرُه مثلُه في الأَهليةِ، فله أنْ يَليَه ولا يَجبُ عليه الدُّخولُ فيه؛ لأنَّه لمْ يَتعينْ عليه» (٢).
الحُكمُ الرابعُ: مَنْ يُكرهُ له تَولي القَضاءِ:
نصَّ الفُقهاءُ على أنَّ القَضاءَ يُكرهُ في حالاتٍ:
قالَ الحَنفيةُ: «يُكرهُ القَضاءُ إذا كانَ صالحًا للقَضاء لكنَّ غيرَه أَقومُ به وأَصلحُ.
стр. 14199
ويُكرَه سَعيُه في طَلبِ القَضاءِ لتَحصيلِ الجاهِ والاستِعلاءِ على الناسِ فهذا يُكرهُ له السَّعيُ، ولو قيلَ: «إنَّه يَحرمُ» كانَ وَجهُه ظاهرًا؛ لقَولِه تَعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣].
ويُكرهُ أيضًا إنْ كانَ غَنيًّا عن أَخذِ الرَّزقِ على القَضاءِ وكانَ مَشهورًا لا يَحتاجُ أنْ يُشهرَ نَفسَه وعِلمَه بالقَضاءِ» (١).
وقالَ المالِكيةُ: «يَكونُ سَعيهُ في طَلبِ القَضاءِ مَكروهًا لتَحصيلِ الجاهِ والاستِعلاءِ على الناس فهذا يُكرهُ له السَّعيُ ولو قيلَ: «إنَّه يَحرمُ» كانَ وَجهُه ظاهرًا؛ لقَولِه تَعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣].
ويُكرهُ أيضًا إذا كانَ غَنيًّا عن أَخذِ الرَّزقِ على القَضاءِ وكانَ مَشهورًا لا يَحتاجُ أنْ يُشهرَ نَفسَه وعِلمَه بالقَضاءِ، ويَحتملُ أنْ يَلحقَ هذا بقِسمِ المُباحِ» (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: «إذا لمْ يَكنْ خاملَ الذِّكرِ بل مَشهورًا وليسَ مُحتاجًا للرِّزقِ بل مَكفيًّا به فالأَولى له تَركُ طَلبِ القَضاءِ، إذا كانَ مِنْ أَهلِ العِفةِ والأَمانةِ مَكفيًا مَعروفًا بالعِلمِ يُرجعُ إليه في الفَتاوى فالأَولى له الاشتِغالُ بنَشرِ العِلمِ والفُتيا لمَا في القَضاءِ مِنْ الأَخطارِ، وعلى هذا يُحملُ امتِناعُ مَنْ امتنَعَ مِنْ تَقليدِ القَضاءِ مِنْ السَّلفِ الصالحِ.
стр. 14200
وقيلَ: يُكرهُ له حينَئذٍ الطَّلب وكذا قَبولُ التَّوليةِ أيضًا؛ لأنَّه ورَدَ فيه نَهيٌ مَخصوصٌ وعليه حُملَتِ الأَخبارُ الواردةُ في التَّحذيرِ وامتِناعِ السَّلفِ منه.
وقيلَ: لا كَراهةَ في طَلبٍ ولا قَبولٍ، بل هما خِلافُ الأَولى» (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: «يُكرهُ له طَلبُ القَضاءِ معَ وُجودِ صالحٍ له» (٢).
الحُكمُ الخامسُ: يَحرمُ عليه تَوليةُ القَضاءِ:
نصَّ الفُقهاءُ على أنَّه يَحرمُ تَولي القَضاءِ لمَن يَعلمُ مِنْ نَفسِه العَجزِ عنه، وعَدمَ الإِنصافِ فيه؛ لمَا يَعلمُ مِنْ باطنِه مِنْ اتِّباعِ الهَوى ما لا يَعرِفونَه فيَحرمُ عليه، وكذا يَحرمُ لمَن خافَ الحَيفَ أيْ: الظُّلمَ والجَورَ على غيرِه؛ كيلا يَكونَ ذَريعةً إلى مُباشرةِ الظُّلمِ (٣).
وقالَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ: «يَحرمُ أنْ يَسعى في طَلبِ القَضاءِ وهو جاهلٌ ليسَ له أَهليةُ القَضاءِ، أو يَسعى فيه وهو مِنْ أَهلِ العِلمِ لكنَّه مُتلَبسٌ بما يُوجبُ فِسقَه، أو كانَ قَصدُه بالوِلايةِ الانتقامَ مِنْ أَعدائِه أو قَبولَ الرِّشوةِ مِنْ الخُصومِ وما أشبَهَ ذلك مِنْ المَقاصدِ، فهذا يَحرمُ عليه السَّعيُ في القَضاءِ» (٤).
стр. 14201
وقالَ الشافِعيةُ: «يَحرمُ تَوليةُ مَنْ ليسَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ، أو كانَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ إلا أنَّه فاسقٌ، فهذا لا يَجوزُ له القَضاءُ، وإنْ ولَّاه الإِمامُ لمْ تَنعقدْ وِلايتُه، وإنْ حكَمَ لمْ يَصحَّ حُكمُه.
ويَحرمُ إذا قصَدَ انتقامًا مِنْ الأَعداءَ أو اكتِسابًا بالارتِشاءِ قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وجعَلَ مِنْ المَكروهِ طلَبَه للمُباهاةِ والاستِعلاءِ، ونُوزعَ في ذلك، وجَرى بعضُهم على الحُرمةِ للأَحاديثِ الدالةِ عليه وهو ظاهرٌ» (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: يَحرمُ الدُّخولُ في القَضاءَ على مَنْ لا يُحسنُه ولمْ تَجتمعْ فيه شُروطُه، فقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «القُضاةُ ثَلاثةٌ قاضيانِ في النارِ وقاضٍ في الجَنةِ، رَجلٌ قَضى بغيرِ الحقِّ فعلِمَ ذاكَ فذاك في النارِ، وقاضٍ لا يَعلمُ فأهلَكَ حُقوقَ الناسِ فهو في النارِ، وقاضٍ قَضى بالحَّقِّ فذلك في الجنةِ» (٢). فذكَرَ منهم رَجلًا قَضى بينَ الناسِ بجَهلٍ فهو في النارِ، ولأنَّ مَنْ لا يُحسنُه لا يَقدرُ على العَدلِ فيه فيَأخذُ الحَقَّ مِنْ مُستحِقِّه فيَدفعُه إلى غيره.
والشَّفاعةُ له وإِعانتُه على التَّوليةِ حَرامٌ؛ لأنَّه إِعانةٌ على مَعصيةٍ.
وكذا يَحرمُ طَلبُ القَضاءِ إذا كانَ المُباشرُ فيه أَهلٌ للقَضاءِ صالحٌ له ولو كانَ الطالبُ أَهلًا له؛ لأنَّ فيه إيذاءً للمُباشرِ له، فإنْ لمْ يَكنِ المُباشرُ أَهلًا جازَ للأَهلِ طَلبُه بلا مالٍ» (٣).
стр. 14202
بَذلُ المالِ لتَوليةِ القَضاءِ ودَفعُ الرِّشوةِ له:
اتفَقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ لمْ يَكنْ أَهلًا للقَضاءِ يَحرمُ عليه بَذلُ رِشوةٍ ليُنصبَ قاضيًا ولا يَنفذُ قَضائُه حينَئذٍ.
قالَ الإِمامُ السُّيوطيُّ ﵀: «ولو أخَذَ القَضاءَ بالرِّشوةِ لا يَصيرُ قاضيًا بالاتفاقِ» (١).
قالَ الحَنفيةُ: «إذا أخَذَ القَضاءَ بالرِّشوةِ أيْ: بمالٍ دفَعَه لتَوليتِه؛ لمْ تَصحَّ تَوليتُه، ولا يَصيرُ قاضيًا ولو قَضى لمْ يَنفذْ» (٢).
وقالَ الإِمامُ الطَّرابلسيُّ الحَنفيُّ ﵀: وأمَّا تَحصيلُ القَضاءِ بالرِّشوةِ: قالَ في الخُلاصةِ: «ومَن أخَذَ القَضاءَ برِشوةٍ فالصَّحيحُ أنَّه لا يَصيرُ قاضيًا، ولو قَضى لا يَنفذُ حُكمُه، وبه يُفتي الإِمامُ، لو قلَّدَ برِشوةٍ أخَذَها هو أو قَومٌ عالمًا به لمْ يَجزْ تَقليدُه كقَضائِه برِشوةٍ».
وقالَ في النَّوازلِ: «مَنْ أخَذَ القَضاءَ برِشوةٍ أو بشُفعاءَ فهو كمُحكمٍ، لو رَفعَ حُكمَه إلى قاضٍ آخرَ يُمضيه لو وافقَ رَأيَه وإلا أبطَلَه، مَنْ أخَذَ برِشوةٍ لا يَنفذُ حُكمُه بلا حاجةٍ إلى نَقضِه، ومَن أخَذَ بشُفعاءَ فهو كمَن تقلَّدَه بحَقِّ القاضِي لو ارتَشى وحكَمَ نفَذَ حُكمُه فيما لمْ يَرتشِ لا فيما ارتَشى».
مِنْ المَحيطِ قالَ في نَوادرِ ابنِ رُستمَ: «نفَذَ فيهما قالَ بعضُ المَشايخِ: بطَلَ فيهما وبالأَولِ أخَذَ شَمسُ الأَئمةِ السَّرخسيُّ.
стр. 14203
ولو ارتَشى وَلدُه أو بعضُ أَعوانِه فلو كانَ بأَمرِه ورِضاه فهو كارتِشائِه، فقَضاؤُه مَردودٌ، ولو كانَ بلا عِلمِه نفَذَ حُكمُه، وعلى المُرتشي رَدُّ ما قبَضَ.
ولو ارتَشى فقَضى، أو قَضى ثُم ارتَشى أو ارتَشى ابنُه أو مَنْ لا تُقبلُ شَهادتُه لمْ يَنفذُ حُكمُه؛ لأنَّه عاملٌ لنَفسِه أو لابنِه» (١).
وأمَّا المالِكيةُ فقالَ ابنُ فَرحونَ ﵀: «أمَّا تَحصيلُ القَضاءِ بالرِّشوةِ فهو أَشدُّ كَراهةً»
وقالَ أَبو العَباسِ مِنْ تَلامذةِ ابنِ سُريجٍ الشافِعيِّ في كِتابِ أَدبِ القَضاءِ: «مَنْ تَقبلَ القَضاءَ بقَبالةٍ وأُعطيَ عليه رِشوةً فوِلايتُه باطلة وقَضاؤُه مَردودٌ، وإنْ كانَ قد حكَمَ بحَقٍّ، قالَ: وإنْ أُعطيَ رِشوةً على عَزلِ قاضٍ ليُولى مَكانَه فكذلك أيضًا، وإنْ أَعطاها على عَزلِه دونَ وِلايةٍ فعُزلَ الأَولُ برِشوةٍ، ثُم استَقضى هو مَكانَه بغيرِ رِشوةٍ نُظرَ في المَعزولِ فإنْ كانَ عَدلًا فإِعطاءُ الرِّشوةِ على عَزلِه حرامٌ والمَعزولُ باقٍ على وِلايتِه إلا أنْ يَكونَ مَنْ عزَلَه قد تابَ برَدِّ الرِّشوةِ قبلَ عَزلِه، وقَضاءُ المُستخلَفِ أيضًا باطلٌ إلا أنْ يَكونَ المُستخلَفُ أيضًا قد تابَ قبلَ الوِلايةِ فيَصحُّ قَضاؤُه، فإنْ كانَ المَعزولُ جائرًا لمْ يَبطلْ قَضاءُ المُستخلَفِ. قالَ المُؤلِّفُ أَبو العَباسِ: قلْتُ: هذا تَخريجٌ على مَذهبِ الشافِعيِّ والحَنفيِّ -رحمهما الله-». انتهى (٢).
стр. 14204
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو كانَ يَستحقُّ الباذلُ للرِّشوةِ أو المالِ مُستحقًا للقَضاءِ، لكنَّه لا يَستطيعُ أنْ يَحصلَ على مَنصبِ القاضِي إلا بدَفعِ الرِّشوةِ، هل يَجوزُ له بَذلُ المالِ لتَحصيلِ القَضاءِ أم يَحرمُ مُطلقًا؟
فنصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الجُملةِ عندَهم على تَفصيلٍ يَأتي بَيانُه- إلى أنَّه يَجوزُ بَذلُ المالِ والرِّشوةِ إذا تعيَّنَ للقَضاءِ ولمْ يَستطعْ أنْ يَتولى إلا برِشوةٍ.
قالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: «لمْ أَرَ حُكمَ ما إذا تعيَّنَ -أي تعيَّنَ عليه القَضاءُ- ولمْ يُولَّ إلا بمالٍ، هل يَحلُّ بَذلُه؟ وكذا لمْ أَرَ حُكمَ جَوازِ عَزلِه، ويَنبغي أنْ يَحلَّ بَذلُه للمالِ كما حلَّ طَلبُه، وأنْ يَحرمَ عَزلُه حيثُ تعيَّنَ، وألَّا يَصحَّ عَزلُه» (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ عابدِين بعدَما نقَلَ كَلامَ ابنِ نُجيمٍ ﵀: «قالَ في النَّهرِ: هذا ظاهرٌ في صِحةِ تَوليتِه، وإِطلاقُ المُصنِّفِ يَعني قَولَه: «ولو أخَذَ القَضاءَ بالرِّشوةِ لا يَصيرُ قاضيًا» يَردُّه، وأمَّا عَدمُ صِحةِ عَزلِه فمَمنوعٌ» (٢).
وأمَّا المالِكيةُ فيَرى الإِمامُ الدِّرديرُ ﵀ أنَّه يَجوزُ بَذلُ المالِ في طَلبِ القَضاءِ في ثَلاثةِ أَحوالٍ:
الأَولُ: أنْ يَكونَ مُتعينًا عليه.
стр. 14205
الثَّاني: أنْ يَخافَ فِتنةً على نَفسِه أو مالِه أو وَلدِه، وإنْ لمْ يَنفردْ بشُروطِ القَضاءِ إنْ لمْ يَتولَّ.
الثالثُ: أنْ يَخافَ ضَياعَ الحَقِّ على أَربابِه بسَببِ تَوليةِ غيرِه -بأنْ كانَ مِمَّنْ تَحرمُ وِلايتُه- فإنْ لمْ يَقبلْ تَضيعُ حُقوقُ الناسِ فيَلزمُه.
قالَ الدِّرديرُ: «ولا يَضرُّه بَذلُ مالٍ في طَلبِه حينَئذٍ؛ لأنَّه لأَمرٍ مُتعيِّنٍ عليه».
قالَ الإِمامُ الدُّسوقيُّ ﵀: قَولُه: (ولا يَضرُّه بَذلُ مالٍ في طَلبِه حينَئذٍ) أيْ: حينَ إذْ تعيَّنَ عليه أو خافَ الفِتنةَ أو ضياعَ الحَقِّ إنْ لمْ يَتولَّ، وفي بن قالَ الشَّيخُ المِسناويُّ: قالَ ابنُ مَرزوقٍ: يَجبُ عليه الطَّلبُ إنْ لمْ يَكنْ بمالٍ، وأفرَطَ قَومٌ كعج ومَن تبِعَه فقالوا: «ولو بمالٍ». وفي ح ما نَصَّه: انظرْ إذا قيلَ يَلزمُه الطَّلبُ فطلَبَ فمُنعَ مِنْ التَّوليةِ إلا ببَذلِ مالٍ فهل يَجوزُ له بَذلُ ذلك؟ والظاهرُ أنَّه لا يَجوزُ له؛ لأنَّهم قالوا: إنَّما يَلزمُه القَبولُ إذا تعيَّنَ عليه إنْ كانَ يُعانُ على الحَقِّ، وبَذلُ المالِ في القَضاءِ مِنْ الباطلِ الذي لمْ يُعنْ على تَركِه فيَحرمُ حينَئذٍ» (١).
وقالَ الشافِعيةُ: «إنْ توقَّفَ طَلبُه للقَضاءِ على بَذلِ مالٍ وكانَ واجبًا عليه لزِمَه أنْ يَبذلَ المالَ ليُصبحَ قاضيًا كما يَلزمُه شِراءُ الرَّقبةِ للكَفارةِ والطَّعامِ في المَجاعةِ.
ومَن استُحبَّ له وِلايةُ القَضاءِ إذا دُعيَ إليه فهل يُستحبُّ له طَلبُه وبَذلُ العِوضِ منه لذلك؟ فيه قَولانِ:
стр. 14206
فمنهم مَنْ قالَ: يُستحبُّ له طَلبُه؛ لقَولِه تَعالى إِخبارًا عن يُوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٥] الآيةُ، فطلَبَ الاستِئمانَ.
ويَجوزُ له بَذلُ العِوضِ؛ ذلك لأنَّه يَتوصلُ به إلى مَطلوبِه.
ومنهم مَنْ قالَ: لا يُستحبُّ له ذلك، ولا يَجوزُ له بَذلُ العِوضِ؛ لمَا رُويَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لعَبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمرةَ: «يا عبدَ الرَّحمنِ! لا تَسألِ الإِمارةَ؛ فإنَّك إنْ أُعطيتَها عن مَسألةٍ؛ وُكلْتَ إليها، وإنْ أُعطيتَها عن غيرِ مَسألةٍ؛ أُعنْتَ عليها».
ورَوى أَنسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ طلَبَ القَضاءَ فاستَعانَ عليه وُكلَ إليه، ومَن لمْ يَطلبِ القَضاءَ ولمْ يَستعنْ عليه .. أنزَلَ اللهُ تَعالى إليه مَلكًا ليُسددَه».
ومَن قالَ بالأَولِ حمَلَ الخبَرَ على مَنْ طلَبَ ذلك مَحبةً للرِّياسةِ، فأمَّا إذا طلَبَ ذلك للقُربةِ أو لحُصولِ كِفايتِه فلا بَأسَ عليه بذلك» (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ فذَهُبوا إلى أنَّه يَحرمُ بَذلُ المالِ في تَوليةِ القَضاءِ مُطلقًا، ويَحرمُ على مَنْ بُذلَ له المالُ في القَضاءِ أَخذُه وهو مِنْ أَكلِ أَموالِ الناسِ بالباطلِ (٢).
стр. 14207
أَركانُ القَضاءِ وشُروطُه:
أَركانُ القَضاءِ عندَ العُلماءِ سِتةٌ: القاضِي، والمَقضيُّ به، والمَقضيُّ له، والمَقضيُّ فيه، والمَقضيُّ عليه، وكَيفيةُ القَضاءِ (الحُكمُ) (١).
الرُّكنُ الأَولُ: القاضِي:
تُوجدُ أَحكامٌ كَثيرةٌ تَختصُّ بالقاضِي، منها: شُروطُه التي لا بدَّ أنْ تَتوفرَ حتى تَصحَّ تَوليتُه للقَضاءِ، ومنها: آدابُه التي يَنبغي أنْ يَتحلى بها، ومنها: أَحكامُ عَزلِه.
والفُقهاءُ اشتَرطُوا في القاضِي عِدةَ شُروطٍ لا بدَّ مِنْ تَوافرِها لصِحةِ القَضاءِ. وبيانُ هذه الشُّروطِ فيما يلي:
الشَّرطُ الأَولُ: الإِسلامُ:
أجمَعَ أَهلُ العِلم على أنَّه يُشترطُ في القاضِي الذي يَحكمُ بينَ المُسلِمينَ أنْ يَكونَ مُسلمًا، فلا تَصحُّ تَوليةُ الكافرِ ليَقضيَ بينَ مُسلمَينِ أو بينَ مُسلِمٍ وغيرِه، ولا بينَ مُسلِمٍ وكافرٍ؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]. وأيُّ سَبيلٍ أَعظمُ مِنْ أنْ يُلزمَه، ويَحكمَ عليه بغيرِ اختيارِه؟ فإنَّه ليسَ هناك سَبيلٌ ولا سُلطانٌ أَعظمُ مِنْ القَضاءِ؛ لأنَّ به إِقامةَ مَوازينِ العَدلِ وَحسمَ دَواعي النِّزاعِ بينَ المُتخاصِمينِ، وهذا لا يَكونُ إلا بشَرعِ اللهِ -المَأمورِ به- الذي لا يُؤتمَنُ عليه إلا المُسلِمُ، وإنِ ادَّعى الكافرُ عِلمَه فَضلًا عن غَلبةِ جَهلِه، وأمَّا جَريانُ العادةِ بنَصبِ حاكمٍ
стр. 14208
مِنْ أَهلِ الذِّمةِ، فقد قالَ الماوَرديُّ الرّويانِيُّ: «إنما هي رِياسةٌ وزَعامةٌ لا تَقليدُ حُكمٍ وقَضاءٌ، ولا يَلزمُهم حُكمُه بإِلزامِه بل بالتِزامِهم، ولا يُلزمونَ بالتَّحاكمِ عندَه» (١).
وقَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦].
وَجهُ الدِّلالةِ: أنَّ الآيةَ أَوجبَتِ التَّبينَ في حالِ الشَّهادةِ وخاصةً إذا كانَ الشاهدُ فاسقًا، مما يَعني عَدمَ قَبولِ شَهادتِه، فيَكون عَدمُ قَبولِ شَهادةِ الكافرِ أَولى وكذا عَدمُ جَوازِ قَضائِه بينَ المُسلِمينَ؛ لأنَّه إذا لمْ يَصحَّ شاهدًا فأَولى ألَّا يَكونَ قاضيًا فلا تَجوزُ تَوليةُ مَنْ فيه نَقصٌ يَمنعُ قَبولَ قَولِه، ولا يَجوزُ أنْ يَكونُ الحاكمُ مِمَّنْ لا يُقبلُ قَولُه ويَجب التَّبيينُ عندَ حُكمِه.
ولأنَّ الكُفرَ يَقتضي إِذلالَ صاحبِه والقَضاءُ يَقتضِي احترامَه، وبينَهما مُنافاةٌ، ولأنَّه يُشترطُ في الشَّهادةِ الإِسلامُ فالقَضاءُ أَولى (٢).
وقد نقَلَ الإِجماعَ على ذلك جَماعةٌ مِنْ أَهلِ العِلمِ.
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: «الذي أَحفظُ مِنْ قَولِ أَصحابِنا وَقياسِه أنَّهم لا يَنظرونَ فيما بينَ أَهلِ الكِتابِ ولا يَكشفونَهم عن شَيءٍ مِنْ أَحكامِهم فيما بينَهم، وأنَّهم لا يُلزمونَ أَنفسَهم الحُكمَ بينهم إلا أنْ يَتدارءوا هم والمُسلمونَ، فإنْ فعَلُوا فلا يَجوزُ أنْ يَحكمَ لمُسلمٍ ولا عليه إلا مُسلمٌ
стр. 14209
فهذا المَوضعُ الذي يُلزمونَ أَنفسَهم النَّظرَ بينهم فيه، فإذا نَظروا بينهم وبينَ مُسلمٍ حكَمُوا بحُكمِ المُسلِمينَ لا خِلافَ في شَيءٍ منه بحالٍ» (١).
وقالَ الإِمامُ أَبو الوَليدِ الباجيُّ ﵀: «وأمَّا اعتِبارُ إِسلامِه -أيْ: القاضِي- فلا خِلافَ بينَ المُسلِمينَ في ذلك» (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ فَرحونَ ﵀: «قالَ القاضِي عياضٌ ﵀: وشُروطُ القَضاءِ التي لا يَتمُّ القَضاءُ إلا بها ولا تَنعقدُ الوِلايةُ ولا يُستدامُ عَقدُها إلا معَها عَشرةٌ: الإِسلامُ … فلا تَصحُّ مِنْ الكافرِ اتفاقًا» (٣).
حُكمُ تَوليةِ الكافرِ القَضاءَ لأَهلِ دينِه:
قالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: «لا يَجوزُ أنْ يَكونَ الكافرُ قاضيًا على المُسلِمينَ، ولا على أَهلِ دينِه. وجوَّزَ أَبو حَنيفةَ تَقليدَه على أَهلِ دينِه، وأنفَذَ أَحكامَه وقبِلَ قَولَه في الحُكمِ بينهم، كما جوَّزَ شَهادةَ أَهلِ الذِّمةِ بعضِهم على بعضٍ اعتِبارًا بالعُرفِ الجارِي في تَقليدِهم، واحتِجاجًا بقَولِه تَعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]. ولأنَّه لمَّا جازَتْ وِلايتُهم في المَناكحِ جازَتْ في الأَحكامِ.
ودَليلُنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] ونُفوذُ الأَحكامِ يَنفي الصَّغارَ.
стр. 14210
وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «الإِسلامُ يَعلو ولا يُعلى عليه» فمنَعَ هذا الخبَرُ مِنْ أنْ يَكونَ في الإِسلامِ وِلايةٌ لغيرِ مُسلمٍ.
ولأنَّ الفاسقَ مِنْ المُسلِمينَ أَحسنُ حالًا مِنْ الكافرِ لجَريانِ أَحكامِ الإسلام عليه، فلمَّا منَعَ الفِسقُ مِنْ وِلايةِ القَضاءِ كانَ أَولى أنْ يَمنعَ منه الكُفرُ. ولأنَّ كلَّ مَنْ لمْ تَصحَّ وِلايتُه في العُمومِ لمْ تَصحَّ وِلايتُه في الخُصوصِ كالصَّبيِّ والمَجنونِ طردًا، وكالمُسلمِ العَدلِ عَكسًا. فأمَّا الآيةُ فمَحمولةٌ على المُوالاةِ دونَ الوِلايةِ. وأمَّا وِلاياتهُم في مَناكِحهم فلأنَّهم مالِكونَ لها فلمْ يُعترضْ عليهم فيها.
وأمَّا العُرفُ الجارِي مِنْ الوُلاةِ في تَقليدِهم فهو تَقليدُ زَعامةٍ ورِياسةٍ، وليسَ بتَقليدِ حُكمٍ وقَضاءٍ، وإنما يَلزمُ حُكمُه أَهلَ دينِه لالتِزامِهم له لا للُزومِه لهم. ولا يَقبلُ الإِمامُ قَولَه فيما حكَمَ به بينهم. وإذا امتنَعُوا مِنْ تَحاكمِهم إليه لمْ يُجبَروا عليه وكانَ حُكمُ الإِسلامِ عليهم أَنفذَ» (١).
الشَّرطُ الثانِي: العَقلُ:
أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّه يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ عاقلًا فلا تَصحُّ وِلايةُ المَجنونِ.
قالَ ابنُ فَرحونَ ﵀: «وشُروطُ القَضاءِ التي لا يَتمُّ القَضاءُ إلا بها ولا تَنعقدُ الوِلايةُ ولا يُستدامُ عَقدُها إلا معَها عَشرةٌ: الإِسلامُ، والعَقلُ … فلا تَصحُّ مِنْ الكافرِ اتفاقًا ولا المَجنونِ».
стр. 14211
قال القاضِي أَبو بُكرٍ: «ولا يُكتفى بالعَقلِ المُشترَطِ في التَّكليفِ، بل لا بدَّ أنْ يَكونَ صَحيحَ التَّمييزِ جَيدَ الفِطنةِ بِعيدًا مِنْ السَّهوِ والغَلطِ» (١).
وقالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: «الشَّرطُ الثانِي: -أيْ: العقلُ- وهو مُجمعٌ على اعتِبارِه ولا يُكتفى فيه بالعَقلِ الذي يَتعلقُ به التَّكليفُ مِنْ عِلمِه بالمُدركاتِ الضَّروريةِ حتى يَكونَ صَحيحَ التَّمييزِ، جَيدَ الفِطنةِ، بَعيدًا عن السَّهوِ والغَفلةِ، يَتوصلُ بذَكائِه إلى إيضاحِ ما أشكَلَ وفَصلِ ما أعضَلَ» (٢).
الشَّرطُ الثالثُ: البُلوغُ:
أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّه يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ بالغًا لمَا رُويَ عن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ: «تَعوَّذوا باللهِ مِنْ رَأسِ السَّبعينِ، وإِمارةِ الصِّبيانِ» (٣).
ولأنَّ الصَّبيَّ مُولى عليه فلا يَكونُ مُولى على غيرِه، ولأنَّ الصَّبيَّ يَستحقُّ الحَجرَ عليه، والقاضِي يَستحقُّ الحَجرَ على غيرِه فتَنافَيا (٤).
стр. 14212
الشَّرطُ الرَّابعُ: الحُريةُ:
اتفَقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّه يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ حُرًّا فلا تَصحُّ وِلايةُ الرَّقيقِ؛ لأنَّه ناقصٌ عن وِلايةِ نَفسِه فعن وِلايةِ غيرِه أَولى.
قالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: «وأمَّا اشتِراطُ الحُريةِ فلا خِلافَ فيه» (١).
وقالَ أَبو الوَليدِ الباجيُّ ﵀: «وأما اعتِبارُ حُريتِه فقد قالَ القاضِي أَبو مُحمدٍ لا خِلافَ فيه بينَ المُسلِمينَ، ووَجهُ ذلك أنَّ مَنافعَ العَبدِ مُستحقَّةٌ لسَيدِه فلا يَجوزُ أنْ يَصرفَها للنَّظرِ بينَ المُسلِمينَ، ولأنَّه ناقصُ الحُرمةِ نَقصًا يُؤثرُ في الإِمامةِ كالمَرأةِ» (٢).
الشَّرطُ الخامسُ: الذُّكوريةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ ذَكرًا أم تَصحُّ وِلايةُ المَرأةُ للقَضاءِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الذُّكوريةَ ليسَتْ شَرطًا في جَوازِ تَقليدِ القَضاءِ في الجُملةِ؛ لأنَّ المَرأةَ مِنْ أَهلِ الشَّهادةِ في الجُملةِ، إلا أنَّها لا تَقضي في الحُدودِ والقِصاصِ فقَضاءُ المرأةِ جائزٌ في كلِّ شيءٍ إلا في الحُدودِ والقِصاصِ، اعتِبارًا بشَهادتِها؛ لأنَّ حُكمَ القَضاءِ يُستقَى مِنْ حُكمِ الشَّهادةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما
стр. 14213
مِنْ بابِ الوِلايةِ، فكلُّ مَنْ كانَ مِنْ أَهلِ الشَّهادةِ يَكونُ أَهلًا للقَضاءِ، وهي أَهلٌ للشَّهادةِ في غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ، فهي أَهلٌ للقَضاءِ في غيرِهما.
إلا أنَّه يُكرهُ؛ لمَا فيه مِنْ مُحادثةِ الرِّجالِ، ومَبنى أَمرهنَّ على السَّتْرِ.
ويَأثمُ المُولِّي لها؛ لحَديثِ: «لا يُفلحُ اللهُ قَومًا ولوا أَمرَهم امرَأةً».
فإذا حكَمَتْ بينَ خَصمينِ، فقَضَتْ قَضاءً مُوافقًا لدينِ اللهِ يَنفذُ، وإذا حكَمَتْ في حَدٍّ أو قَودٍ، فرُفعَ إلى قاضٍ آخرَ يَرى جَوازَه فأَمضاه فليسَ لغيرِه إِبطالُه.
قالَ الإِمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: «والكَلامُ فيما لو وُليتْ وأثِمَ المُقلدُ بذلك أو حكَّمَها خَصمانِ فقَضَتْ قَضاءً مُوافقًا لدينِ اللهِ أكانَ يَنفذُ أم لا؟ لمْ يَنتهضِ الدَّليلُ على نَفيه بعدَ مَوافقتِه ما أنزَلَ اللهُ، إلا أنْ يَثبتَ شَرعًا سَلبُ أَهليتِها، وليسَ في الشَّرعِ سِوى نُقصانِ عَقلِها، ومَعلومٌ أنَّه لمْ يَصلْ إلى حَدِّ سَلبِ وِلايتِها بالكُليةِ ألَا تَرى أنَّها تَصلحُ شاهِدةً وناظِرةً في الأَوقافِ ووَصيةً على اليَتامى، وذلك النُّقصانُ بالنِّسبةِ والإِضافةِ، ثُم هو مَنسوبٌ إلى الجِنسِ فجازَ في الفَردِ خِلافُه، ألا تَرى إلى تَصريحِهم بصِدقِ قَولِنا: «الرَّجلُ خَيرٌ مِنْ المَرأةِ» معَ جَوازِ كَونِ بعضِ أَفرادِ النِّساءِ خَيرٌ مِنْ بَعضِ أَفرادِ الرِّجالِ، ولذلك النَّقصِ الغَريزيِّ نسَبَ ﷺ لمَن يُوليهنَّ عَدمَ الفَلاحِ، فكانَ الحَديثُ مُتعرِّضًا لمُولِّينَّ ولهن بنَقصِ الحالِ، وهذا حَقٌّ، لكنَّ الكلامَ فيما لو وُليَتْ فقَضَتْ بالحَقِّ لماذا يَبطلُ ذلك الحَقُّ» (١).
стр. 14214
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ تَوليةُ المَرأةِ القَضاءَ، واستدَلُّوا على ذلك بما يلي:
قَولُه تَعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٣] يَعني في العَقلِ والرَّأي فلمْ يَجزْ أنْ يَقمْنَ على الرِّجالِ.
وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لنْ يُفلحَ قَومٌ وَلَّوا أَمرَهم امرَأةً» (١). وضِدُّ الفَلاحِ: الفَسادُ، فاقتَضى الخبَرُ أنَّها إذا وليَتِ القَضاءَ فسَدَ أَمرُ مَنْ ولِيَتْهم.
ولأنَّها وِلايةٌ لفَصلِ القَضاءِ والخُصومةِ فوجَبَ أنْ تُنافيَها الأُنوثةُ كالإِمامةِ الكُبرى.
ولأنَّ كلَّ مَنْ لمْ يَجزْ أنْ يَكونَ حاكمًا في الحُدودِ فكذلك لا يَكونُ حاكمًا في غيرِ الحُدودِ.
ولأنَّ القاضِي يَحضرُه مَحافلُ الخُصومِ والرِّجال ويَحتاجُ فيه إلى كَمالِ الرَّأي وتَمامِ العَقلِ والفِطنةِ، والمَرأةُ ناقصةُ العَقلِ قَليلةُ الرَّأي، ليسَتْ أَهلًا للحُضورِ في مَحافلِ الرِّجالِ ولا تُقبلُ شَهادتُها ولو كانَ معَها أَلفُ امرَأةٍ مِثلِها ما لمْ يَكنْ معَهن رَجلٌ، وقد نبَّهَ اللهُ تَعالى على ضَلالِهن ونِسيانِهن بقَولِه تَعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا تَصلحُ للإِمامةِ العُظمى ولا لتَوليةِ البُلدانِ، ولهذا لمْ يُولِّ النَّبيُّ
стр. 14215
ﷺ ولا أَحدٌ مِنْ خُلفائِه ولا مَنْ بعدَهم امرَأةً قَضاءً ولا وِلايةَ بَلدٍ فيما بلَغَنا، ولو جازَ ذلك لمْ يَخلُ منه جَميعُ الزَّمانِ غالبًا.
ولأنَّه لمَّا مَنعَها نَقصُ الأُنوثةِ مِنْ إِمامةِ الصَّلواتِ معَ جَوازِ إِمامةِ الفاسقِ كانَ المَنعُ مِنْ القَضاءِ الذي لا يَصحُّ مِنْ الفاسقِ أَولى؛ لأنَّ حالَ القَضاءِ آكدٌ مِنْ حالِ الإِمامةِ في الصَّلاةِ، فإذا لمْ يَجزْ أنْ تَكونَ المَرأةُ إِمامةً للرِّجالِ فلئلَّا يَجوزَ أنْ تَكونَ قاضيةً أَولى.
ولأنَّ نَقصَ الأُنوثةِ يَمنعُ مِنْ انعِقادِ الوِلاياتِ كإِمامةِ الأُمةِ (١).
وذهَبَ ابنُ القاسمِ مِنْ المالِكيةِ فيما حَكاه عنه ابنُ أَبي مَريمَ وهو قَولُ الحَسنِ البَصريِّ وابنِ حَزمٍ وابنِ جَريرٍ الطَّبريِّ إلى أنَّه تَجوزُ وِلايةُ المَرأةُ للقَضاءِ مُطلقًا في الحُدودِ وغيرِها، وقيلَ: إنَّ قَولَ ابنِ القاسمِ كمَذهبِ أَبي حَنيفةَ أنَّه يَجوزُ في غيرِ الحُدودِ. واستدَلُّوا على ذلك بقياسِ القَضاءِ على الفَتوى، فكما يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تَكونَ مُفتيةً يَجوزُ لها أنْ تَكونَ قاضِيةً (٢).
قالَ الماوَرديُّ: «وشذَّ ابنُ جَريرٍ الطَّبريِّ فجوَّزَ قَضاءَها في جَميعِ الأَحكامِ، ولا اعتِبارَ بقَولٍ يَردُّه الإِجماعُ» (٣).