← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14211–14250 · переход к 14216.

стр. 14211

قال القاضِي أَبو بُكرٍ: «ولا يُكتفى بالعَقلِ المُشترَطِ في التَّكليفِ، بل لا بدَّ أنْ يَكونَ صَحيحَ التَّمييزِ جَيدَ الفِطنةِ بِعيدًا مِنْ السَّهوِ والغَلطِ» (١). وقالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: «الشَّرطُ الثانِي: -أيْ: العقلُ- وهو مُجمعٌ على اعتِبارِه ولا يُكتفى فيه بالعَقلِ الذي يَتعلقُ به التَّكليفُ مِنْ عِلمِه بالمُدركاتِ الضَّروريةِ حتى يَكونَ صَحيحَ التَّمييزِ، جَيدَ الفِطنةِ، بَعيدًا عن السَّهوِ والغَفلةِ، يَتوصلُ بذَكائِه إلى إيضاحِ ما أشكَلَ وفَصلِ ما أعضَلَ» (٢). الشَّرطُ الثالثُ: البُلوغُ: أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّه يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ بالغًا لمَا رُويَ عن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ: «تَعوَّذوا باللهِ مِنْ رَأسِ السَّبعينِ، وإِمارةِ الصِّبيانِ» (٣). ولأنَّ الصَّبيَّ مُولى عليه فلا يَكونُ مُولى على غيرِه، ولأنَّ الصَّبيَّ يَستحقُّ الحَجرَ عليه، والقاضِي يَستحقُّ الحَجرَ على غيرِه فتَنافَيا (٤).

стр. 14212

الشَّرطُ الرَّابعُ: الحُريةُ: اتفَقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّه يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ حُرًّا فلا تَصحُّ وِلايةُ الرَّقيقِ؛ لأنَّه ناقصٌ عن وِلايةِ نَفسِه فعن وِلايةِ غيرِه أَولى. قالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: «وأمَّا اشتِراطُ الحُريةِ فلا خِلافَ فيه» (١). وقالَ أَبو الوَليدِ الباجيُّ ﵀: «وأما اعتِبارُ حُريتِه فقد قالَ القاضِي أَبو مُحمدٍ لا خِلافَ فيه بينَ المُسلِمينَ، ووَجهُ ذلك أنَّ مَنافعَ العَبدِ مُستحقَّةٌ لسَيدِه فلا يَجوزُ أنْ يَصرفَها للنَّظرِ بينَ المُسلِمينَ، ولأنَّه ناقصُ الحُرمةِ نَقصًا يُؤثرُ في الإِمامةِ كالمَرأةِ» (٢). الشَّرطُ الخامسُ: الذُّكوريةُ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ ذَكرًا أم تَصحُّ وِلايةُ المَرأةُ للقَضاءِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الذُّكوريةَ ليسَتْ شَرطًا في جَوازِ تَقليدِ القَضاءِ في الجُملةِ؛ لأنَّ المَرأةَ مِنْ أَهلِ الشَّهادةِ في الجُملةِ، إلا أنَّها لا تَقضي في الحُدودِ والقِصاصِ فقَضاءُ المرأةِ جائزٌ في كلِّ شيءٍ إلا في الحُدودِ والقِصاصِ، اعتِبارًا بشَهادتِها؛ لأنَّ حُكمَ القَضاءِ يُستقَى مِنْ حُكمِ الشَّهادةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما

стр. 14213

مِنْ بابِ الوِلايةِ، فكلُّ مَنْ كانَ مِنْ أَهلِ الشَّهادةِ يَكونُ أَهلًا للقَضاءِ، وهي أَهلٌ للشَّهادةِ في غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ، فهي أَهلٌ للقَضاءِ في غيرِهما. إلا أنَّه يُكرهُ؛ لمَا فيه مِنْ مُحادثةِ الرِّجالِ، ومَبنى أَمرهنَّ على السَّتْرِ. ويَأثمُ المُولِّي لها؛ لحَديثِ: «لا يُفلحُ اللهُ قَومًا ولوا أَمرَهم امرَأةً». فإذا حكَمَتْ بينَ خَصمينِ، فقَضَتْ قَضاءً مُوافقًا لدينِ اللهِ يَنفذُ، وإذا حكَمَتْ في حَدٍّ أو قَودٍ، فرُفعَ إلى قاضٍ آخرَ يَرى جَوازَه فأَمضاه فليسَ لغيرِه إِبطالُه. قالَ الإِمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: «والكَلامُ فيما لو وُليتْ وأثِمَ المُقلدُ بذلك أو حكَّمَها خَصمانِ فقَضَتْ قَضاءً مُوافقًا لدينِ اللهِ أكانَ يَنفذُ أم لا؟ لمْ يَنتهضِ الدَّليلُ على نَفيه بعدَ مَوافقتِه ما أنزَلَ اللهُ، إلا أنْ يَثبتَ شَرعًا سَلبُ أَهليتِها، وليسَ في الشَّرعِ سِوى نُقصانِ عَقلِها، ومَعلومٌ أنَّه لمْ يَصلْ إلى حَدِّ سَلبِ وِلايتِها بالكُليةِ ألَا تَرى أنَّها تَصلحُ شاهِدةً وناظِرةً في الأَوقافِ ووَصيةً على اليَتامى، وذلك النُّقصانُ بالنِّسبةِ والإِضافةِ، ثُم هو مَنسوبٌ إلى الجِنسِ فجازَ في الفَردِ خِلافُه، ألا تَرى إلى تَصريحِهم بصِدقِ قَولِنا: «الرَّجلُ خَيرٌ مِنْ المَرأةِ» معَ جَوازِ كَونِ بعضِ أَفرادِ النِّساءِ خَيرٌ مِنْ بَعضِ أَفرادِ الرِّجالِ، ولذلك النَّقصِ الغَريزيِّ نسَبَ ﷺ لمَن يُوليهنَّ عَدمَ الفَلاحِ، فكانَ الحَديثُ مُتعرِّضًا لمُولِّينَّ ولهن بنَقصِ الحالِ، وهذا حَقٌّ، لكنَّ الكلامَ فيما لو وُليَتْ فقَضَتْ بالحَقِّ لماذا يَبطلُ ذلك الحَقُّ» (١).

стр. 14214

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ تَوليةُ المَرأةِ القَضاءَ، واستدَلُّوا على ذلك بما يلي: قَولُه تَعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٣] يَعني في العَقلِ والرَّأي فلمْ يَجزْ أنْ يَقمْنَ على الرِّجالِ. وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لنْ يُفلحَ قَومٌ وَلَّوا أَمرَهم امرَأةً» (١). وضِدُّ الفَلاحِ: الفَسادُ، فاقتَضى الخبَرُ أنَّها إذا وليَتِ القَضاءَ فسَدَ أَمرُ مَنْ ولِيَتْهم. ولأنَّها وِلايةٌ لفَصلِ القَضاءِ والخُصومةِ فوجَبَ أنْ تُنافيَها الأُنوثةُ كالإِمامةِ الكُبرى. ولأنَّ كلَّ مَنْ لمْ يَجزْ أنْ يَكونَ حاكمًا في الحُدودِ فكذلك لا يَكونُ حاكمًا في غيرِ الحُدودِ. ولأنَّ القاضِي يَحضرُه مَحافلُ الخُصومِ والرِّجال ويَحتاجُ فيه إلى كَمالِ الرَّأي وتَمامِ العَقلِ والفِطنةِ، والمَرأةُ ناقصةُ العَقلِ قَليلةُ الرَّأي، ليسَتْ أَهلًا للحُضورِ في مَحافلِ الرِّجالِ ولا تُقبلُ شَهادتُها ولو كانَ معَها أَلفُ امرَأةٍ مِثلِها ما لمْ يَكنْ معَهن رَجلٌ، وقد نبَّهَ اللهُ تَعالى على ضَلالِهن ونِسيانِهن بقَولِه تَعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولا تَصلحُ للإِمامةِ العُظمى ولا لتَوليةِ البُلدانِ، ولهذا لمْ يُولِّ النَّبيُّ

стр. 14215

ﷺ ولا أَحدٌ مِنْ خُلفائِه ولا مَنْ بعدَهم امرَأةً قَضاءً ولا وِلايةَ بَلدٍ فيما بلَغَنا، ولو جازَ ذلك لمْ يَخلُ منه جَميعُ الزَّمانِ غالبًا. ولأنَّه لمَّا مَنعَها نَقصُ الأُنوثةِ مِنْ إِمامةِ الصَّلواتِ معَ جَوازِ إِمامةِ الفاسقِ كانَ المَنعُ مِنْ القَضاءِ الذي لا يَصحُّ مِنْ الفاسقِ أَولى؛ لأنَّ حالَ القَضاءِ آكدٌ مِنْ حالِ الإِمامةِ في الصَّلاةِ، فإذا لمْ يَجزْ أنْ تَكونَ المَرأةُ إِمامةً للرِّجالِ فلئلَّا يَجوزَ أنْ تَكونَ قاضيةً أَولى. ولأنَّ نَقصَ الأُنوثةِ يَمنعُ مِنْ انعِقادِ الوِلاياتِ كإِمامةِ الأُمةِ (١). وذهَبَ ابنُ القاسمِ مِنْ المالِكيةِ فيما حَكاه عنه ابنُ أَبي مَريمَ وهو قَولُ الحَسنِ البَصريِّ وابنِ حَزمٍ وابنِ جَريرٍ الطَّبريِّ إلى أنَّه تَجوزُ وِلايةُ المَرأةُ للقَضاءِ مُطلقًا في الحُدودِ وغيرِها، وقيلَ: إنَّ قَولَ ابنِ القاسمِ كمَذهبِ أَبي حَنيفةَ أنَّه يَجوزُ في غيرِ الحُدودِ. واستدَلُّوا على ذلك بقياسِ القَضاءِ على الفَتوى، فكما يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تَكونَ مُفتيةً يَجوزُ لها أنْ تَكونَ قاضِيةً (٢). قالَ الماوَرديُّ: «وشذَّ ابنُ جَريرٍ الطَّبريِّ فجوَّزَ قَضاءَها في جَميعِ الأَحكامِ، ولا اعتِبارَ بقَولٍ يَردُّه الإِجماعُ» (٣).

стр. 14216

وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: «اختلَفُوا في اشتِراطِ الذُّكورةِ، فقالَ الجُمهورُ: «هي شَرطٌ في صِحةِ الحُكمِ». وقالَ أَبو حَنيفةَ: «يَجوزُ أنْ تَكونَ المَرأةُ قاضيًا في الأَموالِ». قالَ الطَّبريُّ: «يَجوزُ أنْ تَكونَ المَرأةُ حاكمًا على الإِطلاقِ في كلِّ شيءٍ». قالَ عبدُ الوَهابِ: «ولا أَعلمُ بينهم اختِلافًا في اشتِراطِ الحُريةِ، فمَن ردَّ قَضاءَ المَرأةِ شبَّهَهُ بقَضاءِ الإِمامةِ الكُبرى، وقاسَها أيضًا على العَبدِ لنُقصانِ حُرمتِها، ومَن أجازَ حُكمَها في الأَموالِ فتَشبيهًا بجَوازِ شَهادتِها في الأَموالِ، ومَن رَأى حُكمَها نافذًا في كلِّ شَيءٍ قالَ إنَّ الأَصلَ هو أنَّ كلَّ مَنْ يَتأتى منه الفَصلُ بينَ الناسِ فحُكمُه جائزٌ إلا ما خصَّصَه الإِجماعُ مِنْ الإِمامةِ الكُبرى» (١). هل يَنفذُ قَضاءُ المَرأةِ والكافرِ إذا ولِيَا بالشَّوكةِ: سُئلَ الإِمامُ الرَّمليُّ الشافِعيُّ ﵀: «هل يَنفذُ قَضاءُ المَرأةِ والكافرِ إذا ولِيَا بالشَّوكةِ كما قالَ في شَرحِ الرَّوضِ: «إنَّه مُقتضى كَلامِ المُصنفِ كأَصلِه»، وكما هو مُقتضى المَنهجِ في المَرأةِ وصرَّحَ بها في شَرحِه نَقلًا عن فَتاوى ابنِ عَبدِ السَّلامِ أو لا يَنفذُ منهما كما قالَ الأَذرعيُّ وغيرُه: إنَّه الظاهرُ، وكما قيَّدَ في المَنهجِ بالإِسلامِ؟ فأجابَ: بأنَّه يَنفذُ قَضاءُ المَرأةِ كما أَفتى به ابنُ عَبدِ السَّلامِ دونَ الكافرِ للفَرقِ الظاهرِ بينَهما ولقَولِه تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١] فقد قالَ الغَزاليُّ في وَسيطِه: «اجتِماعُ هذه الشُّروطِ

стр. 14217

مُتعذِّرٌ في عَصرِنا لخُلوِّ العَصرِ عن المُجتهدِ المُستقلِّ، فالوَجهُ تَنفيذُ قَضاءِ كلِّ مَنْ ولَّاه سُلطانٌ ذو شَوكةٍ، وإنْ كانَ جاهلًا أو فاسقًا كيلا تَتعطلَ مَصالحُ الناسِ»، وقالَ ابنُ الصَّلاحِ في «مُشكل الوَسيطِ»: «ما ذكَرَه يُوجهُ به إِجماعُ الأُمةِ على تَنفيذِ أَحكامِ الخُلفاءِ الظَّلمةِ وأَحكامِ مَنْ وَلُّوا، غيرَ أنَّه يُوردَ عليه ما إذا وَلى السُّلطانُ قاضيًا كافرًا فإنَّه لا تَنفذُ أَحكامُه معَ وُجودِ الضَّرورةِ». اه. على أنَّ ابنَ يُونسَ في شَرحِ الوَجيزِ قالَ: «الظاهرُ أنَّ الإِسلامَ شَرطٌ في ذي الشَّوكةِ، قالَ: وقد ظهَرَ في بعضِ البِلادِ الشَّوكةُ للكُفارِ، فلو قلَّدَ الكافرُ ذو الشَّوكةِ مُسلمًا القَضاءَ فهل يَصحُّ أم لا؟ معَ أنَّ الظاهرَ أنَّه لا سَبيلَ إلى تَعطيلِ الأَحكامِ». اه. وقالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ: «الظاهرُ نُفوذُه» (١). الشَّرطُ السادسُ: العَدالةُ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ عَدلًا فلا يَصحُّ تَوليةُ الفاسقِ، أم إنَّ العَدالةَ شَرطُ كَمالٍ وليسَتْ شَرطَ صِحةٍ فيَصح تَوليةُ الفاسقِ ويَنفذُ حُكمُه إذا لمْ يَتجاوزْ فيها حدَّ الشَّرعِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترطُ في القاضِي العَدالةُ، والعَدالةُ: أنْ يَكونَ صادقَ اللَّهجةِ، ظاهرَ الأَمانةِ، عَفيفًا عن المَحارمِ، مُتوقِّيًا المَأثمَ، بَعيدًا مِنْ الرِّيبِ، مَأمونًا في الرِّضا والغَضبِ،

стр. 14218

مُستعمِلًا لمُروءةِ مثلِه في دينِه ودُنياه، فإذا تكامَلَتْ فيه فهي العَدالةُ التي تَجوزُ بها شَهادتُه، وتَصحُّ معَها وِلايتُه، وإنِ انخرَمَ منها وَصفٌ مُنعَ مِنْ الشَّهادةِ والوِلايةِ فلم يُسمعْ له قَولٌ ولمْ يَنفذْ له حُكمٌ. وعلى هذا فلا يَجوزُ تَوليةُ الفاسقِ، وإذا تَولى وهو عَدلٌ ثُم فسَقَ بطَلَتْ وِلايتُه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فمنَعَ اللهُ تَعالى مِنْ قَبولِ قَولِه، فكانَ أَولى أنْ يُمنعَ مِنْ نُفوذِ قَولِه. ولأنَّ اللهَ تَعالى لمَّا جعَلَ العَدالةَ شَرطًا في الشَّهادةِ كانَ أَولى أنْ تَكونَ شَرطًا في القَضاءِ. ولأنَّ اللهَ تَعالى شرَطَ العَدالةَ في أَقلِّ الحُكوماتِ فقالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. ولأنَّ القَضاءَ يَتضمنُ الوِلايةَ في التَّزويجِ والنَّظرِ في أَموالِ السُّفهاءِ واليَتامى والوُقوفِ، والفِسقُ يُنافي هذه الوِلاياتِ، فلمْ يَنعقدْ معَه القَضاءُ (١). إلا إنَّهم اختلَفُوا هل يَنفذُ حُكمُه إذا وافَقَ الحَقَّ أم لا؟ فقالَ القاضِي عياضٌ: «وفي الفاسقِ خِلافٌ بينَ أَصحابِنا هل يُردُّ ما

стр. 14219

حكَمَ فيه وإنْ وافَقَ الحَقَّ وهو الصَّحيحُ، أو يَمضي إذا وافَقَ الحَقَّ ووَجهَ الحُكمِ» (١). لكنْ عكَسَ هذا القَولَ الإِمامُ القَرافِيُّ ﵀ فقالَ: «والصَّحيحُ نُفوذُ حُكمِ الفاسقِ إذا وافَقَ الحَقَّ، وقيلَ يُردُّ» (٢). ومَذهبُ الشافِعيةِ كما قالَ الماوَرديُّ وغيرُه إنَّه لا يَنفذُ حُكمُه ولا يَصحُّ تَقليدُه (٣). لكنْ قالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: «قالَ في الوَسيطِ لكنَّ اجتِماعَ هذه الشُّروطِ مُتعذِّرٌ في عَصرِنا لخُلوِّ العَصرِ عن المُجتهدِ المُستقلِّ، فالوَجهُ تَنفيذُ قَضاءِ كلِّ مَنْ ولَّاه سُلطانٌ ذو شَوكةٍ وإنْ كانَ جاهلًا أو فاسقًا؛ لئلَّا تَتعطلَ مَصالحُ الناسِ، ويُؤيِّدُه أنَّا نُنفذُ قَضاءَ قاضِي البُغاةِ لمثلِ هذه الضَّرورةِ، وهذا حَسنٌ» (٤). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ العَدالةَ ليسَتْ بشَرطٍ لجَوازِ تَقليدِ القَضاءِ، لكنَّها شَرطُ الكَمالِ؛ لأنَّ السَّلفَ أجازوا حُكمَ مَنْ تغلَّبَ مِنْ الأُمراءِ وجارَ، ولولا صِحتُه لما فعَلُوا ذلك، فيَجوزُ تَقليدُ الفاسقِ وتَنفذُ قَضاياه إذا لمْ يُجاوزْ فيها حَدَّ الشَّرعِ؛ لأنَّه مِنْ أَهلِ الشَّهادِة فيَكونُ مِنْ أَهلِ القَضاءِ. لكنْ لا يَنبغي أنْ يُقلدَ الفاسقَ، ويَأثمُ مُقلِّدُه؛ لأنَّ القَضاءَ أَمانةٌ عَظيمةٌ،

стр. 14220

وهي أَمانةُ الأَموالِ والأَبضاعِ والنُّفوسِ فلا يَقومُ بوَفائِها إلا مَنْ كمُلَ وَرعُه وتمَّت تَقواه، إلا أنَّه معَ هذا لو قُلدَ جازَ التَّقليدُ في نَفسِه وصارَ قاضيًا؛ لأنَّ الفَسادَ لمَعنى في غيرِه فلا يَمنعُ جَوازَ تَقليدِه القَضاءَ في نَفسِه. ولو قُلدَ وهو عَدلٌ ثم فسَقَ يَستحقُّ العَزل ولكنْ لا يَنعزلُ به، وبه أخَذَ عامةُ المَشايخِ، ويَجبُ على السُّلطانِ أنْ يَعزلَه ولو شرَطَ السُّلطانُ أنَّه متى فسَقَ يَنعزلُ انعزَلَ (١). وجاءَ في «الدُّرِّ المُختارِ»: «(والفاسقُ أَهلُها فيَكونُ أَهلُه لكنَّه لا يُقلَّدُ) وجوبًا ويَأثمُ مُقلِّدُه كقابلِ شَهادتِه به يُفتَى، وقيَّدَه في القاعديةِ بما إذا غلَبَ على ظَنِّه صِدقَه فليَحفظْ دُررٌ. واستَثنى الثانِي الفاسقَ ذا الجاهِ والمُروءةِ فإنَّه يَجبُ قَبولُ شَهادتِه بَزَّزايَّةٌ. قالَ في النهرِ: وعليه فلا يَأثمُ أيضًا بتَوليتِه القَضاءَ؛ حيثُ كانَ كذلك إلا أنْ يُفرقَ بينهما» انتهى. قالَ الإِمامُ ابنُ عابدينَ ﵀: «قَولُه: (والفاسقُ أهلُها) سيَأتي بَيانُ الفِسقِ والعَدالةِ في الشَّهاداتِ، وأفصَحَ بهذه الجُملةِ دفعًا لتوهُّمِ مَنْ قالَ: «إنَّ الفاسقَ ليسَ بأهلٍ للقضاءِ، فلا يَصحُّ قَضاؤُه؛ لأنَّه لا يُؤمنُ عليه لفِسقِه» وهو قَولُ الثَّلاثةِ، واختارَه الطَّحاويُّ.

стр. 14221

قالَ العَينيُّ: «ويَنبغي أنْ يُفتى به خُصوصًا في هذا الزَّمانِ» اه. أَقولُ لو اعتُبِرَ هذا لانسَدَّ بابُ القَضاءِ خُصوصًا في زَمانِنا، فلذا كانَ ما جَرى عليه المُصنِّفُ هو الأَصحُّ كما في الخُلاصةِ، وهو أَصحُّ الأَقاويلِ كما في العِماديةِ نَهرٌ. وفي الفَتحِ: «والوَجهُ تَنفيذُ قَضاءِ كلِّ مَنْ وَلاه سُلطانٌ ذو شَوكةٍ وإنْ كانَ جاهلًا فاسقًا، وهو ظاهرُ المَذهبِ عندَنا، وحينَئذٍ فيَحكمُ بفَتوى غيرِه» اه. قَولُه: (لكنَّه لا يُقلَّدُ وُجوبًا إلخ) قالَ في البَحرِ: «وفي غيرِ مَوضعٍ ذكَرَ الأَولويةَ يَعني الأَولى ألَّا تُقبلَ شَهادتُه، وإنْ قُبلَ جازَ». وفي الفَتحِ: «ومُقتضى الدَّليلِ ألَّا يَحلَّ أنْ يَقضيَ بها، فإنْ قَضى جازَ ونفَذَ» اه ومُقتضاه الإثمُ» (١). الشَّرطُ السابعُ: أنْ يكونَ مُجتهدًا عالمًا بالأَحكامِ الشَّرعيةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ مُجتهدًا وعالمًا بالحَلالِ والحَرامِ وسائرِ الأَحكامِ أم يَجوزُ تَوليةُ غيرِ العالمِ والمُجتهدِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ لكنْ يُستحبُّ؛ لأنَّ الحادثةَ إذا وقَعَتْ يَجبُ طَلبُها مِنْ الكِتابِ ثُم مِنْ السُّنةِ ثُم مِنْ الإِجماعِ، فإنْ لمْ يُوجدْ في شَيءٍ مِنْ ذلك استُعملَ الرَّأيُ والاجتِهادُ. وهو أنْ يَكونَ عارفًا بالسُّنةِ والأَحاديثِ، ويَعرفَ ناسخَها ومَنسوخَها وعامَّها وخاصَّها، وما أجمَعَ عليه المُسلِمونَ مِنْ ذلك.

стр. 14222

والاجتِهادُ شَرطٌ للأَولويةِ لا شَرطُ الصِّحةِ؛ لمَا رُويَ عن عَليٍّ ﵁ قالَ: بعَثَني رَسولُ اللهِ ﷺ إلى اليَمنِ قاضيًا، فقلْتُ: يا رَسولَ اللهِ تُرسلُنى وأنا حَديثُ السِّنِّ ولا عِلمَ لي بالقَضاءِ، فقالَ: «إنَّ اللهَ سيَهدِي قَلبَكَ ويُثبتُ لِسانَكَ، فإذا جلَسَ بينَ يَديكَ الخَصمانِ فلا تَقضينَّ حتى تَسمعَ مِنْ الآخرِ كما سَمِعتَ مِنْ الأَولِ، فإنَّه أَحرى أنْ يَتبينَ لكَ القَضاءُ»، قالَ: «فما زلْتُ قاضيًا أو ما شكَكْتُ في قضاءٍ بعدُ» (١). ولأنَّ المَقصودَ هو القَضاءُ، وهو إِيصالُ الحَقِّ إلى مُستحِقِّه، وهو يَحصلُ بالرُّجوعِ إلى فَتوى غيرِه مِنْ العُلماءِ. لكنْ معَ هذا لا يَنبغي أنْ يُقلدَ الجاهلُ بالأَحكامِ؛ لأنَّ الجاهلَ بنَفسِه ما يُفسدُ أَكثرُ مما يُصلحُ، بل يَقضي بالباطلِ مِنْ حيثُ لا يَشعرُ به، إلا أنَّه لو قُلدَ جازَ؛ لأنَّه يَقدرُ على القَضاءِ بالحَقِّ بعِلمِ غيرِه بالاستفتاءِ مِنْ الفُقهاءِ، فكانَ تَقليدُه جائزًا في نَفسِه فاسدًا لمَعنًى في غيرِه، والفاسدُ لمَعنًى في غيرِه يَصلحُ للحُكمِ مثلُ الجائزِ حتى يَنفذَ قَضاياه التي لمْ يُجاوزْ فِيهَا حدَّ الشَّرعِ، وهو كالبَيعِ الفاسدِ فإنَّه مثلُ الجائزِ في حَقِّ الحُكمِ، كذا هذا (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ عالمًا بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ والاختِلافِ والقِياسِ ولِسانِ العَربِ، واستدَلُّوا على ذلك بما يلي:

стр. 14223

قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] والدَّليلُ فيها مِنْ وَجهينِ: أَحدُهما: أنَّه منَعَ مِنْ المُساواةِ فكانَ على عُمومِه في الحُكمِ وغيرِه. والثانِي: أنَّه قالَه زَجرًا فصارَ أَمرًا. وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] والتَّقليدُ ليسَ مما أنزَلَه اللهُ. وقَولُه تَعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] والمُقلِّدُ لا يَعرفُ بتَقليدِه الحَقَّ مِنْ الباطلِ. وقالَ تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وذلك يَتضمنُ الاجتِهادَ. وقالَ تَعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وعن بُريدةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «القُضاةُ ثَلاثةٌ: قاضيانِ في النارِ وقاضٍ في الجَنةِ، رَجلٌ قَضى بغيرِ الحَقِّ فعلِمَ ذاك فذاك في النارِ، وقاضٍ لا يَعلمُ فأهلَكَ حُقوقَ الناسِ فهو في النارِ، وقاضٍ قَضى بالحَقِّ فذلك في الجَنةِ» (١). والعاميُّ يَقضي على جَهلٍ. وعن عَمرِو بنِ العاصِ أنَّه سمِعَ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «إذا حكَمَ الحاكمُ فاجتهَدَ ثُم أصابَ فله أَجرانِ وإذا حكَمَ فاجتهَدَ ثُم أخطَأَ فله أَجرٌ» (٢).

стр. 14224

وكلُّ هذا يَقتضي أنْ يَكونَ مِنْ صِفاتِ الحاكمِ أنْ يَكونَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ. ولأنَّ التَّقليدَ ليسَ بطَريقٍ إلى العِلمِ، وإنما يَجوزُ للعاميِّ للضَّرورةِ، ولا ضَرورةَ إلى تَقليدِ الحاكمِ ليُقلدَ غيرَه. ولأنَّ الحُكمَ آكدُ مِنْ الفُتيا؛ لأنَّ المُفتيَ لا يَلزمُ المُستفتيَ ما يُفتيه به، فإنْ لمْ يَجزْ أنْ يَكونَ المُفتي عاميًّا فلئلَّا يَجوزَ أنْ يَكونَ القاضِي عاميًّا أَولى. فإنْ قيلَ: فالمُفتي يَجوزُ أنْ يُخبِرَ بما سمِعَ. قلْنا: نعم، إلا أنَّه لا يَكونُ مُفتيًا في تلك الحالِ، وإنما هو مُخبِرٌ فيَحتاجُ أنْ يُخبِرَ عن رَجلٍ بعَينِه مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ فيَكونُ مَعمولًا بخبَرِه لا بفُتياه، ويُخالفُ قَولَ مَعرفتِه المَقولينَ؛ لأنَّ ذلك لا يُمكنُ الحاكمُ مَعرفتَه بنَفسِه بخِلافِ الحُكمِ (١). وقالَ القَرافِيُّ: «الحاكمُ إنْ كانَ مُجتهدًا فلا يَجوزُ له أنْ يَحكمُ ويُفتيَ إلا بالراجحِ عندَه، وإنْ كانَ مُقلِّدًا جازَ له أنْ يَحكمَ بالمَشهورِ مِنْ مَذهبِه

стр. 14225

وأنْ يُفتيَ به وإنْ لمْ يَكنْ راجحًا عندَه مُقلِّدًا في رُجحانِ القَولِ المَحكومِ به إِمامَه الذي يُقلِّدُه في الفُتيا، وأمَّا اتباعُ الهَوى في الحُكمِ والفُتيا فحَرامٌ إِجماعًا». وقالَ ابنُ شاسٍ: «ولا تَصحُّ تَوليةُ مُقلِّدٍ في مَوضعٍ يُوجدُ فيه عالمٌ، فإنْ تقلَّدَ فهو جائرٌ مُتعَدٍّ؛ لأنَّه قعَدَ في مَقعدِ غيرِه ولبِسَ خِلعةً سِواه مِنْ غيرِ استِحقاقٍ». قالَ ابنُ عَبدِ السَّلامِ: «ولا يَنبغي أنْ يُولَّى في زَمانِنا هذا مِنْ المُقلِّدينَ مَنْ ليسَ له قُدرةٌ على التَّرجيحِ بينَ الأَقوالِ فإنَّ ذلك غيرُ مَعدومٍ وإنْ كانَ قَليلًا، وأمَّا رُتبةِ الاجتِهادِ فإنَّها في المَغربِ مَعدومةٌ». قالَ المازِريُّ: «في اشتِراطِ كَونش القاضِي ناظرًا هذه المَسائلَ تكلَّمَ عنها العُلماءُ الماضونَ لمَّا كانَ العِلمُ في أَعصارِهم كَثيرًا مُنتشرًا، وشُغلَ أَكثرُ أَهلِها بالاستِنباطِ والمُناظرةِ على المَذاهبِ، وأمَّا عَصرُنا هذا فإنَّه لا يُوجدُ في الإِقليمِ الواسعِ العَظيمِ مُفتٍ نَظارٌ قد حصَّلَ آلةَ الاجتِهادِ، واستَبحَرَ في أُصولِ الفِقهِ، ومَعرفةِ اللِّسانِ، والسُّننِ، والاطِّلاعِ على ما في القُرآنِ مِنْ الأَحكامِ، والاقتِدارَ على تَأويلِ ما يَجبُ تَأويلُه وبِناءِ ما تعارَضَ بعضُه على بَعضٍ، وتَرجيحِ ظاهرٍ على ظاهرٍ، ومَعرفةِ الأَقيسةِ وحُدودِها وأَنواعِها وطُرقِ استِخراجِها، وتَرجيحِ العِللِ والأَقيسةِ بعضِها على بعضٍ، هذا الأمرُ زَمانُنا عارٍ منه في أَقاليمِ المَغربِ كلِّه فَضلًا عمن يَكونُ قاضيًا على هذه الصِّفةِ، فالمَنعُ مِنْ وِلايةِ المُقلِّدِ القَضاءَ في هذا الزَّمانِ تَعطيلٌ للأَحكامِ وإِيقاعٌ في

стр. 14226

الهَرجِ والفِتنِ والنِّزاعِ، وهذا لا سَبيلَ إليه في الشَّرعِ، ولكن تَختلفُ أَحوالُ المُقلِّدينَ، فربما وَلى وُلاةُ الأَمرِ عاميًّا لغِناه عما في أَيدي الناسِ وتحلِّيه باسمِ العَدالةِ وسَمتِ الوَقارِ، ولكنَّه ليسَ معَه مِنْ التَّخصيصِ ومُجالسةِ العُلماءِ ومُطالبةِ ما يُخرجُه عن أَهلِ الغَباوةِ والجَهلِ ويُلحقُه بطَبقةِ مَنْ يَفهمُ ما تَقولُ الخُصومُ بينَ يَديه، فهذا لا يَنبغي أنْ يُولى قَضاءً ولا يُوثقَ به فيه». انتهى. وكانَتْ وَفاةُ المازِريِّ سنةَ ستٍّ وثَلاثينَ وخَمسمائةٍ ﵀ تَعالى. وحَكى ابنُ راشدٍ عن بعضِهم أنَّه أجازَ تَوليةَ الجاهلِ ورَأى كَونَه عالمًا مُستحبًّا لا شرطًا في الصِّحةِ ولا مُوجبًا للعَزلِ، وهو قَولٌ شاذٌّ بَعيدٌ عن الصَّوابِ، والقاضِي أَحوجُ الناسِ إلى العِلمِ. قالَ ابنُ راشدٍ: «ولا يُقالُ إنَّه يَستشيرُ أَهلَ العِلمِ ويَحكمُ بما يُجمعونَ عليه؛ لأنَّا نَقولُ هو مَأمورٌ بأنْ يَستشيرَ وإنْ كانَ فَقيهًا، فإذا اختلَفُوا عليه اجتهَدَ في اختلافِهم، وتَوخى أَحسنَ أَقاويلِهم، فإذا كانَ جاهلًا التبَسَ الأَمرُ عليه ولمْ يَعلمْ بماذا يَأخذْ، وربما ولِيَ الجاهلُ بَلدًا لا فُقهاءَ فيه فيَحكمُ بهَواه كما هو الغالبُ على بِلادِنا وزَمانِنا، فقد ذهَبَ العِلمُ وكثُرَ الجَهلُ وقُدمَت الجُهالُ واطرِحَت العُلماءُ، فإنَّا للهِ وإنَّا إليه راجِعونَ» (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: «واتفَقُوا على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَتولى القَضاءَ مَنْ ليسَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ إلا أَبا حَنيفةَ فإنَّه قالَ: يَجوزُ ذلك، وإذا ماتَ الإِمامُ أو نائبُه يَنعزلُ وِلايته في المَشهورِ.

стр. 14227

قلْتُ: والصَّحيحُ في هذه المَسألةِ أنَّ قَولَ مَنْ قالَ: لا يَجوزُ تَوليةُ قاضٍ حتى يَكونَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ فإنَّه إنما عنِيَ بذلك ما كانَت الحالُ عليه قبلَ استِقرارِ ما استقَرَّ مِنْ هذه المَذاهبِ الأَربعةِ التي أجمَعَتِ الأُمةُ عليه، على أنَّ كلَّ واحدٍ منها يَجوزُ العَملُ به لأنَّه مُستنِدٌ إلى أَمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ وإلى سُنتِه. فالقاضِي في هذا الوَقتِ وإنْ لمْ يَكنْ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ، وإنْ لمْ يَكنْ قد سَعى في طَلبِ الحَديثِ وإِتقانِ طُرقِه، وعرَفَ مِنْ لُغةِ الناطقِ بالشَّريعةِ ما لا يَعوزُه ما يَحتاجُ إليه فيه، وغيرِ ذلك مِنْ شُروطِ الاجتِهادِ، فإنَّ ذلك مما قد فرَغَ له منه غيرُه ودأَبَ له فيه، وانتهى الأَمرُ مِنْ هؤلاءِ الأَئمةِ المُجتهدينَ إلى ما أَرى جَوابَه مِنْ بعدِهم، وانحَصرَ الحَقُّ في أَقاويلِهم، وتدوَّنَتِ العُلومُ، وانتهَتْ إلى ما اتضَحَ فيه الحَقُّ، فإذًا على القاضِي في أَقضيتِه بما يَأخذُه عنهم أو عن الواحدِ منهم، فإنَّه في مَعنى مَنْ كانَ أَداه اجتِهادُه إلى قَولٍ قالَه، وعلى ذلك فإنَّه إذا أخرجَ مِنْ خِلافِهم مُتوخِّيًا مَواطنَ الإِتقانِ ما أمكَنَه كانَ أخَذَ بالجَزمِ عاملًا بالأَولى. وكذلك إذا قصَدَ في مَواطنِ الخِلافِ تَوخِّيَ ما عليه الأَكثرُ منهم والعَملَ بما قالَه الجُمهورُ دونَ الواحدِ، فإنَّه قد أخَذَ بالجَزمِ، والأَحسنِ والأَقوى مع سواءِ أنْ يَعملَ بقَولِ الواحدِ إلا أنِّي أَكرُه له أنْ يَكونَ ذلك، مِنْ حيثُ إنَّه قرَأَ مَذهبَ واحدٍ منهم أو نشَأَ في بَلدةٍ لم يُعرفْ فيها إلا مَذهبٌ واحدٌ منهم، أو كانَ شَيخُه أو مُعلِّمُه على مَذهبِ فَقيهٍ مِنْ الفُقهاءِ خاصةً فقصَرَ نَفسَه على اتِّباعِ ذلك المَذهبِ، حتى أنَّه إذا حضَرَ عندَه خَصمانِ فكانَ ما تشاجَرَا فيه مما يَعني الفُقهاءُ الثَّلاثُ فيه بحُكمٍ بحَدِّ التَّوكيلِ بغير رِضى الخَصمِ،

стр. 14228

وكانَ الحاكمُ حَنيفًا وقد علِمَ أنَّ مالِكًا وأَحمدَ والشافِعيَّ اتفَقُوا على جَوازِ هذا التَّوكيلِ. إلا أَبا حَنيفةَ لمْ يُجزْ هذه الوِكالةِ فعدَلَ عما أجمَعَ عليه هؤلاءِ الثَّلاثةُ إلى ما ذهَبَ إليه أَبو حَنيفةَ بمُجردِ أنَّه قالَ فَقيهٌ في الجُملةِ مِنْ فُقهاءِ الاتِّباعِ له مِنْ غيرِ أنْ يَثبتْ عندَه بالدَّليلِ ولا أَداة الاجتِهادُ، إلا أنَّ ما قالَه أَبو حنيفةَ أَولى مما اتفَقَ عليه الجَماعةُ، فإنِّي أَخافُ على هذا أنْ يَكونَ مَتبوعًا مِنْ اللهِ ، فإنَّه اتبَعَ في ذلك هَواه، وألَّا يَكونَ ممَّن لا يَستمعونَ القَولَ فيَتبعونَ أَحسنَه. وكذلك إنْ كانَ القاضِي على مَذهبِ مالِكٍ فاختصَمَ إليه في سُؤرِ الكَلبِ معَ كَونِه يَعلمُ أنَّ الفُقهاءَ كلَّهم قَضوا بنَجاستِه فعدَلَ إلى مَذهبِه، وكذلك إنْ كانَ القاضِي على مَذهبِ الشافِعي فتنازَعَ إليه خَصمانِ في تَركِ التَّسميةِ عمدًا. فقالَ أحدُهما: إنَّ هذا مَنعني مِنْ بَيعِ مُذكاةٍ وأفسَدَها عليَّ، وقالَ الآخرُ: إنما منعْتُه مِنْ بَيعِ المَيتةِ فقَضي عليه بمَذهبِه وقد علِمَ أنَّ الفُقهاءَ الثَّلاثةَ على خِلافِه، وكذلك لو كانَ القاضِي على مَذهبِ الإِمامِ أَحمدَ فاختصَمَ إليه خَصمانِ. فقالَ أَحدُهما: عليَّ مالٌ، وقالَ الآخرُ: قد كانَ له عليَّ وقضيتُه فقَضى عليه بالبَراءةِ مِنْ إِقرارِه، وقد علِمَ أنَّ الفُقهاءَ الثَّلاثةَ على خِلافِه، فإنَّ هذا وأَمثالُه مما يُوحي اتِّباعُ الأَكثرِ فيه أَقربُ عِندي الخَلاصُ وأَرجحُ في العَملِ ويَقتضي هذا، فإنَّ وِلاياتِ الأَحكامِ في وَقتِنا هذا وِلايةٌ صَحيحةٌ، وإنَّهم قد سَدُّوا ثَغرًا مِنْ ثُغورِ الإِسلامِ سَدةَ فُروضِ كِفايةٍ. وقد أهمَلْنا هذا القَولَ ولمْ نَذكرْه ومشَيْنا على طَريقِ التَّغافلِ التي يَمشي مَنْ يَمشي فيها مِنْ الفُقهاءِ الذين يُذكرُ كلٌّ منهم في كِتابِ أَبي حَنيفةَ

стр. 14229

أو كَلامِ إنْ قالَ إنَّه لا يَصحُّ أنْ يَكونَ أَصلًا قاضيًا حتى يَكونَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ، ثُم يَذكرُ مِنْ شُروطِ الاجتِهادِ أَشياءَ ليسَتْ مَوجودةً في الحُكامِ فإنَّ ذلك كالأَصالةِ وكالتَّناقصِ فكأنَّه تَعطيلُ الأَحكامِ وسدٌّ لبابِ الحُكمِ وألَّا يَنفذَ حَقٌّ ولا يُكاتبُ به ولا تُقامُ البَينةُ عليه إلى غيرِ ذلك مِنْ هذه القَواعدِ الشَّرعيةِ، فكانَ هذا غيرُ صَحيحٍ، وبانَ أنَّ الصَّحيحَ أنَّ الحُكامَ اليَومَ حُكوماتُهم صَحيحةٌ نافذةٌ ووِلايتُهم جائزةٌ شَرعًا (١). الشَّرطُ الثامنُ: أنْ يَكونَ سَميعًا بَصيرًا ناطقًا: اتفَقَ العُلماءُ على أنَّه يُشترطُ في القاضِي أنْ يَكونَ سَليمَ الحَواسِ، سَميعًا، بَصيرًا، ناطقًا؛ لأنَّ فَقدَ هذه الحَواسِ يَمنعُ مِنْ استيفاءِ الحُكمِ بينَ الخَصمينِ. قالَ القاضِي عِياضٌ: «اشتِراطُ السَّمعِ والكَلامِ لمْ يَختلفْ فيها العُلماءُ ابتداءً؛ لأنَّه يَتعذرُ عليهما الفَهمُ غالبًا، واختَلفَ العُلماءُ إذا طرَأَتْ هاتانِ الآفَتانِ -يَعني فَقدَ السَّمعِ والكَلامِ- بعدَ العَقدِ، هل يَبطلُ به العَقدْ ويُعزلُ أم لا؟ ويَبعدُ تَأتي القَضاءِ معَ اجتماعِ هاتينِ الآفَتينِ وقلَّما يُوجدُ أَبكمُ إلا وهو أَصمُّ» (٢).

стр. 14230

وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: «وأمَّا كَمالُ الخِلقةِ فأنْ يَكونَ مُتكلِّمًا سَميعًا بَصيرًا؛ لأنَّ الأَخرسَ لا يُمكنُه النُّطقُ بالحُكمِ ولا يَفهمُ جَميعَ الناسِ إِشارتَه، والأَصمُّ لا يَسمعُ قَولَ الخَصمينِ، والأَعمى لا يَعرفُ المُدَّعِيَ مِنْ المُدَّعَى عليه والمُقِرَّ له مِنْ المُقَرِّ والشاهدَ مِنْ المَشهودِ له، وقالَ بعضُ أَصحابِ الشافِعيِّ يَجوزُ أنْ يَكونَ أَعمى؛ لأنَّ شُعيبًا كانَ أَعمى، ولهم في الأَخرسِ الذي تُفهمُ إِشارتُه وَجهانِ: ولنا: أنَّ هذه الحَواسَّ تُؤثِّرُ في الشَّهادةِ فيَمنعُ فَقدُها وِلايةَ القَضاءِ كالسَّمعِ؛ وهذا لأنَّ مَنصبَ الشَّهادةِ دونَ مَنصبِ القَضاءِ، والشاهدُ يَشهدُ في أَشياءَ يَسيرةٍ يَحتاجُ إليها فيها، وربما أحاطَ بحَقيقةِ عِلمِها، والقاضِي وِلايتُه عامَّةٌ ويَحكمُ في قَضايا الناسِ عامَّةً، فإذا لمْ يُقبلْ منه الشَّهادةُ فالقَضاءُ أَولى، وما ذكَرُوه عن شُعيبٍ فلا نُسلمُ فيه فإنَّه لمْ يَثبتْ أنَّه كانَ أَعمى، ولو ثبَتَ فيه ذلك فلا يَلزمُ ها هنا، فإنَّ شُعيبًا ﵇ كانَ مَنْ آمنَ معَه مِنْ الناسِ قَليلًا، وربما لا يَحتاجونَ إلى حَكمٍ بينهم لقِلتِهم وتَناصفِهم فلا يَكونُ حُجةً في مَسألتِنا» (١). وقالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: «وأمَّا كَمالُ الخِلقةِ فتُعتبَرُ سَلامتُه فيها في ثَلاثةِ أَوصافٍ: أَحدُها: صِحةُ بَصرِه، فلا يَكونُ أَعمى. والثانِي: صِحةُ سَمعِه، فلا يَكونُ أَصمَّ. والثالثُ: سَلامةُ لِسانِه، فلا يَكونُ أَخرسَ.

стр. 14231

فأمَّا الأَعمى: فلا يَجوزُ تَقليدُه، ولو عمِيَ بعدَ التَّقليدِ بطَلَتْ وِلايتُه؛ لأنَّه لا يُفرقُ بينَ الطالبِ والمَطلوبِ. وجوَّزَ مالِكٌ تَقليدَ الأَعمى، كما جوَّزَ شَهادتَه. فإنْ كانَ في عَينِه عَشًا يُبصرُ نَهارًا ولا يُبصرُ لَيلًا جازَ تَقليدُه. وإنْ كانَ في بَصرِه ضَعفٌ فإنْ كانَ يَرى الأَشباحَ ولا يَعرفُ الصُّورَ لمْ يَجزْ تَقليدُه. وإنْ كانَ يَعرفُ الصُّورَ إذا قرُبَتْ ولا يَعرفُها إذا بعُدَتْ جازَ تَقليدُه. وأمَّا الأَصمُّ: فلا يَجوزُ تَقليدُه، وإنْ طرَأَ عليه صَممٌ بطَلَتْ وِلايتُه؛ لأنَّه لا يُفرقُ بالصَّممِ بينَ إِقرارٍ وإِنكارٍ. والصَّممُ المانعُ مِنْ ذلك هو ألَّا يَفهمَ الأَصواتَ وإنْ علَتْ. فأمَّا ثِقلُ السَّمعِ الذي يَفهمُ عاليَ الأَصواتِ ولا يَفهمُ خافتَها فتَقليدُه جائزٌ وإنْ كانَ تَقليدُ السَّميعِ أَولى منه. وأمَّا الأَخرسُ فلا يَجوزُ تَقليدُه، وإنْ طرَأَ عليه الخَرسُ بطَلَتْ وِلايتُه؛ لأنَّه يَعجزُ بخَرسِه عن إِنفاذِ الأَحكامِ وإِلزامِ الحُقوقِ. وجوَّزَ أَبو العَباسِ بنُ سُريجٍ وِلايتُه إذا كانَ مَفهومَ الإِشارةِ، كما جوَّزَ شَهادتَه. وهو عندَ جُمهورِ أَصحابِنا مَمنوعٌ مِنْ الأَمرينِ. فأمَّا إنْ كانَ بلِسانِه تَمتمةٌ أو فَأفأةٌ أو عَقلةٌ أو رَدةٌ أو عُقدةٌ لا تَمنعُ مِنْ فَهمِ الكَلامِ صحَّ تَقليدُه؛ لأنَّه نَقصٌ لا يَمنعُ مِنْ فَهمِ الكَلامِ، وإن غمُضَ فإنَّ نَبيَّ اللهِ مُوسى لمْ تَمنعْ عُقدةُ لِسانِه مِنْ صِحةِ رِسالتِه. فأمَّا صِحةُ أَعضائِه فغيرُ مُعتبَرَةٍ في وِلايتِه، فيَجوزُ تَقليدُه وإنْ كانَ مُقعدًا أو ذا زَمانةٍ، وإنْ كانَتِ السَّلامةُ مِنْ الآفاتِ أَهيبَ لذوي الوِلاياتِ» (١). وما حُكيَ عن الإِمامِ مالكٍ أنَّه جوَّزَ تَوليةَ الأَعمى فغيرُ صَحيحٍ.

стр. 14232

قالَ ابنُ عَرفةَ: «قَالَ الباجيُّ: «لا خِلافَ في مَنعِ وِلايةِ الأَعمى». ابنُ زَرقونَ: «رَوى الماوَرديُّ جَوازَه». عِياضٌ: «لا يَصحُّ هذا عن مالِكٍ». وذكَرَ المُتيطيُّ رِوايةَ الماوَرديِّ ولمْ يَتعقبْها، وزادَ: «وحَكى أَبو عُبيدٍ مِنْ رِوايةِ ابنِ أَبي مَريمَ عن مالِكٍ: مَنعَ شَهادتِه». قُلتُ: «وللمازِريُّ ما نَصُّه: «ذُكرَ عن مُحمدٍ أنَّه قالَ: لا يَنبغي أنْ يُولى القَضاءَ أَعمى ولا مَحدودٌ في قَذفٍ ولا عَبدٌ يَسعى في قيمتِه، ولا مُكاتبٌ، وقالَ: ألا تَرى أنَّه لا تَجوزُ شَهادةُ أَحدٍ مِنْ هؤلاءِ، فالحُكمُ أَعظمُ مِنْ الشَّهادةِ» (١). وقالَ الإِمامُ الدِّرديرُ ﵀: «ويَجبُ أنْ يَكونَ الحاكمُ ذا بَصرٍ وكَلامٍ وسَمعٍ، فلا يَجوزُ تَوليةُ الأَعمى أو الأَبكمِ أو الأَصمِّ، (و) إنْ وقَعَ (نفَذَ حُكمُ أَعمى وأَبكمَّ وأَصمَّ) الواو بمَعنى: أو، أيْ: لا يُنقضُ؛ لأنَّ عَدمَ هذه الأِمورِ ليسَ شَرطًا في صِحةِ وِلايتِه ابتداءً ولا في صِحةِ دَوامِها، بل هو واجبٌ غيرُ شَرطٍ في الابتداءِ والدوام ولذا قالَ: (ووجَبَ عَزلُه) ولو طرَأَ عليه شيءٌ مما ذُكرَ، فاستُفيدَ منه أَمرانِ: عَدمُ جَوازِ وِلايتِه ابتداءً ودوامًا، وصِحةُ حُكمِه بعدَ الوُقوعِ» (٢).

стр. 14233

تَقليدُ المَفضولِ معَ وُجودِ الفاضلِ: اتفَقَ الفُقهاءُ على أنَّ الأَصلَ في الذي يَلي القَضاءَ أنْ يَكونَ أَفضلَ المَوجودينَ ممَّن يَصلحُ للقَضاء والذي اكتمَلَتْ فيه شُروطُ القَضاءِ، وإذا وُجدَ مُجتهِدٌ مُطلَقٌ فلا يَجوزُ عندَ المالِكيةِ أنْ يَتولى القَضاءَ مُقلِّدٌ معَ وُجودِ مِجتهدٍ مُطلَقٍ، وتَبطلُ وِلايتُه، وهذا الذي اعتَمدَه كَثيرٌ مِنْ المالِكيةِ. والقَولُ الثانِي -وهو الذي عليه المَذهبُ- أنَّ تَوليتَه صَحيحةٌ. وأمَّا إذا لمْ يَكنْ هناك مُجتهِدٌ مُطلَقٌ فيَصحُّ تَوليةُ المَفضولِ معَ وُجودِ الفاضلِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ -وهو مُقتضى كَلامِ الحَنفيةِ-؛ لأنَّ زيادةَ الفَضلِ مُبالغةٌ في الاختيارِ وليسَتْ مُعتبرَةً في شُروطِ الاستِحقاقِ، ولأنَّ المَفضولَ مِنْ الصَّحابةِ والسَّلفِ كانَ يُفتي معَ الفاضلِ منهم معَ الاشتهارِ والتَّكرارِ ولمْ يُنكرْ ذلك أَحدٌ فكانَ إِجماعًا (١). حُكمُ التَّحاكمِ عندَ مَنْ له أَهليةُ القَضاءِ: اتفَقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّه إذا تحاكَمَ رَجلانِ إلى رَجلٍ حكَّماه بينَهما ورضِياه وكانَ ممَّن يَصلحُ للقَضاءِ فحكَمَ بينَهما جازَ ذلك؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]. ولعَملِ رَسولِ اللهِ ﷺ بتَحكيمِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ في بَني قُريظةَ بسَبي ذَراريِّهم وقَتلِ مُقاتليهم كما في الصَّحيحِ.

стр. 14234

ولمَا رُويَ عن يَزِيدَ بنِ المِقدامِ بنِ شُريحٍ عن أَبيه عن جَدهِ شُريحٍ عن أَبيه هانئٍ أنَّه لمَّا وفَدَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ معَ قَومِه سمِعَهم يَكنونَه بأَبي الحَكمِ فدعاه رَسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: «إنَّ اللهَ هو الحَكمُ وإليه الحُكمُ فلمَ تُكنَى أبَا الحَكمِ؟» فقالَ: إنَّ قَومي إذا اختلَفُوا في شَيءٍ أَتوني فحَكَمتُ بينهم فرضِيَ كلا الفَريقَينِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ما أَحسنَ هذا! فما لك مِنْ الوَلدِ؟» قالَ: لي شُريحٌ ومُسلمٌ وعَبدُ اللهِ. قالَ: «فمَن أَكبَرُهم؟» قلتُ: شُريحٌ. قالَ: «فأنت أَبو شُريحٍ» (١). ويُروى مَرفوعًا: «مَنْ حكَمَ بينَ اثنينِ تَراضيا به لمْ يَعدلْ بينَهما فهو مَلعونٌ» (٢). ولولا أنَّ حُكمَه يَلزمُهما لمَا لحِقَه هذا الذَّمُّ. ورُويَ «أنَّه كانَ بينَ عُمرَ وأُبي بنِ كَعبٍ مُنازعةٌ في نَخلٍ، فحَكَّما بينَهما زَيدَ بنَ ثابتٍ. فأَتياه فخرَجَ زَيدٌ وقالَ لعُمرَ: «هلَّا بعَثْتَ إليَّ فأَتيتكَ يا أَميرَ المُؤمنينَ؟» فقالَ عُمرُ: «في بَيتِه يُؤتَى الحَكمُ» فدخَلا بَيتَه فأَلقى لعُمرَ وِسادةٌ، فقالَ عُمرُ: «هذا أَولُ جَورِكَ»، وكانَتِ اليَمينُ على عُمرَ، فقالَ زَيدٌ لأُبيّ: «لو أعفَيْتَ أَميرَ المُؤمنينَ»، فقالَ عُمرُ: «عن يَمينٍ لزِمتني»، فقالَ أُبَيّ: «نُعفي أَميرَ المُؤمنينَ ونَصدقُه» (٣).

стр. 14235

و «تحاكَمَ عُثمانُ وطَلحةُ إلى جُبيرِ بنِ مُطعمٍ، ولمْ يَكنْ أَحدٌ منهما قاضيًا» (١). ولأنَّ لهما وِلايةٌ على أَنفسِهما، فصَحَّ تَحكيمُهما. ومما يَدلُّ على جَوازِ التَّحكيمِ: أنَّ على المُسلِمينَ كلَّهم إِقامةُ الإِمامِ الذي يَنصبُ الحُكامَ، فإذا وَلى رَجلًا القَضاءَ، فكأنَّ المُسلِمينَ كلَّهم وَلوه ذلك، فإنِ اصطَلحَ رَجلانِ على حُكمٍ جازَ لهما ذلك، وكانَ حاكمًا في حَقِّهما، غيرَ حاكمٍ في حَقِّ غيرِهما. وهنا عِدةُ مَسائلَ مُتعلِّقةٍ بحُكمِ الحَكمينِ: المَسالةُ الأُولى: هل يُشترطُ عَدمُ وُجودِ قاضٍ في البَلدِ حتى يَصحَّ التَّحكيمُ؟ نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ على أنَّ التَّحكيمَ بينَ الخَصمينِ يَجوزُ، سَواءٌ كانَ في البَلدِ حاكمٌ أو لمْ يَكنْ؛ لأنَّ الحُكمَ بينَ الناسِ إنما هو حَقُّهم لا حَقُّ الحاكمِ، بيدَ أنَّ الاستِرسالَ على التَّحكيمِ خَرمٌ لقاعدةِ الوِلايةِ، ومُؤدٍ إلى تَهارجِ الناسِ تَهارجَ الحُمرِ، فلا بدَّ مِنْ نَصبِ فاصلٍ فأمَرَ الشَّرعُ بنَصبِ الوالي ليَحسمَ قاعدةَ الهَرجِ، وأذِنَ في التَّحكيمِ تَخفيفًا عنه وعنهم في مَشقةِ التَّرافعِ لتتمَّ المَصلحتانِ وتَحصلَ الفائِدتانِ.

стр. 14236

وفي قَولٍ للشافِعيةِ لا يَجوزُ التَّحكيمُ مُطلقًا؛ لمَا فيه مِنْ الافتياتِ على الإِمامِ. وقيلَ: يَجوزُ التَّحكيمُ بشَرطِ عَدمِ وُجودِ قاضٍ في البَلدِ لوُجودِ الضَّرورةِ حينَئذٍ. وقيلَ: يَختصُّ جَوازُ التَّحكيمِ بمالٍ دونَ قَصاصٍ ونِكاحٍ ونَحوِهما كلِعانٍ وحَدِّ قَذفٍ؛ لخَطرِ أَمرِهما، فتُناطُ بنَظرِ القاضِي ومَنصبِه. المَسألةُ الثانيةُ: لا يَنقضُ القاضِي حُكمَ الحاكمِ إذا كانَ حُكمُه مما لا يُنقضُ: نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه لا يُشترطُ أنْ يُوافقَ حُكمُ المُحكَّمِ حُكمَ القاضِي، ولا يَجوزُ لقاضِي البَلدِ نَقضَ حُكمِه إذا كانَ مَثلُه لا يُنقضُ وإنْ خالفَ مَذهبَه، إلا أنْ يَكونَ جَورًا بّينًا لم يَختلفْ فيه أَهلُ العِلمِ؛ لأنَّه حُكمٌ قد صحَّ ولزِمَ فلمْ يَكنْ له فَسخُه لمُخالفتِه رَأيَه، كما لو كانَ حاكمٌ قبلَه وَلاه الإِمامُ، ولأنَّه إذا ثبَتَ تَراضِيهما به فقد صارَ حاكمًا يَنفذُ حُكمُه عليهما، وصارَ بمَنزلةِ حاكمٍ آخرَ في البَلدِ؛ لأنَّ تَراضيَهما به يَقومُ مَقامَ نَصبِ السُّلطانِ في البَلدِ. وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إذا رُفعَ حُكمٌ إلى الحاكمِ الذي وَلاه الإِمامُ فله أنْ يَنقضَه إذا خالَفَ رَأيَه وإنْ كانَ مما لا يُنقضُ مثلُه على الحاكمِ الذي وَلاه الإِمامُ قبلَه.

стр. 14237

المَسألةُ الثالثةُ: رُجوعُ الخَصمينِ عن التَّحكيمِ: وهذا لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ صُورٍ: الصُّورةُ الأُولى: أنْ يَرجعا قبلَ الشُّروعِ في الحُكمِ: اتفَقَ الفُقهاءُ على أنَّه يَجوزُ لكلِّ واحدٍ مِنْ الخَصمينِ الرُّجوعُ عن تَحكيمِه قبلَ شُروعِه في الحُكمِ؛ لأنَّه لا يَثبتُ إلا برِضاه فأشبَهَ ما لو رجَعَ عن التَّوكيلِ قبلَ التَّصرفِ. الصُّورةُ الثانيةُ: أنْ يَرجعا أو أَحدُهما بعدَ الحُكمِ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ رِضاهما بعدَ الحُكمِ فيَجوزُ لهما الرُّجوعُ أم لا يُشترطُ رِضاهما ويَنفذُ عليهما؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأَظهرِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ الرِّضا بعدَ الحُكمِ كحُكمِ الحاكمِ، فلا يَحلُّ لأَحدٍ نَقضُه حيثُ أصابَ الحَقَّ؛ لأنَّ مَنْ جازَ حُكمُه لزِمَ كقاضِي الإِمامِ. فعلى هذا إذا حكَمَ بينَهما لمْ يَكنْ لأَحدِهما الامتناعُ. وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُشترطُ رِضاهما ولا يَلزمُهما حُكمُه إلا برِضاهما بحُكمِه بعدَ الحُكمِ؛ لأنَّه لمَّا اعتُبرَ رِضاهما في ابتداءِ الحُكمِ عندَه اعتُبرِ رِضاهما بلُزومِ حُكمِه. الصُّورةُ الثالثةُ: إذا رجَعا أو أَحدُهما بعدَ شُروعِه في الحُكمِ وقبلَ تَمامِه: واختُلفَ فيما لو امتنَعَ أَحدُهما بعدَ شُروعِه في الحُكمِ وقبلَ تَمامِه هل يَجوزُ رُجوعُه أم لا؟

стр. 14238

فذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ له ذلك؛ لأنَّ رِضاهما لمْ يُوجدْ حالَ الحُكمِ فهو كما لو امتنَعَ أَحدُهما قبلَ شُروعِه في الحُكمِ. وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ -وهو ما رجَّحَه جَماعةٌ كابنِ فَرحونَ- والشافِعيةِ في وَجهٍ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّه ليسَ له ذلك؛ لأنَّا لو جوَّزْنا له ذلك لأَدى إلى أنَّ كلَّ واحدٍ منهما إذا رَأى مِنْ الحاكمِ ما لا يُوافقُه رجَعَ فيُؤدي إلى إِبطالِ المَقصودِ (١). المَسألةُ الرابعةُ: ما يَصحُّ فيه التَّحكيمُ وما لا يَصحُّ: اتفَقَ العُلماءُ على أنَّه لا يَجوزُ التَّحكيمُ في حُقوقِ اللهِ تَعالى كحَدِّ الزِّنا والسَّرقةِ وغيرِهما، وإنما مَردٌ ذلك للإِمامِ أو الحاكمِ وليسَ للمُحكَّمِ. واختَلفَ الفُقهاءُ فيما يَجوزُ للمُحكَّمِ أنْ يَحكمَ فيه، هل يَجوزُ أنْ يَحكمَ في كلِّ شَيءٍ حتى الدِّماءِ والقِصاصِ ويَنفذُ حُكمُه أم لا يَجوزُ إلا في الأَموالِ؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ.

стр. 14239

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ التَّحكيمُ في الحُدودِ والقِصاصِ؛ لأنَّهما لا يَملكانِ إِباحةَ دَمهما فلا يَجوزُ حُكمُ المُحكَّمِ فيهما لتَوقفِ حُكمِه على صِحةِ تَحكيمِهما. وقيلَ: إنَّ حُكمَه بمَنزلةِ الصُّلحِ فيما يَجوزُ فيه الاستيفاءُ بالصُّلحِ، واستيفاءُ الحَدِّ والقَودِ غيرُ مَشروعٍ بالصُّلحِ فلا يَجوزُ التَّحكيمُ فيهما. ويَصحُّ التَّحكيمُ في سائرِ المُجتهداتِ وغيرِها الذي هو الثابتُ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ بالطَّريقِ الأَولى إلا في الحَدِّ والقَودِ. ولو حكَّماه في دَمِ خَطأٍ فحكَمَ بالدِّيةِ على العاقلةِ لا يَنفذُ؛ لأنَّ حُكمَ المُحكَّمِ لا يَنفذُ في حَقِّ المُحكِّمينَ ولا يَنفذُ إذا في حَقِّ العاقلةِ؛ لأنَّهم ما رَضُوا بحُكمِه، كما لو حكَّما في عَيبِ مَبيعٍ فقَضى برَدِّه، ليسَ للبائعِ أنْ يَردَّه على بائعِه إلا أنْ يَرضى البائعُ الأَولُ والثَّاني والمُشتري بتَحكيمِه (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ التَّحكيمَ جائزٌ في كلِّ شَيءٍ إلا في حَدٍّ ولِعانٍ وقَتلٍ ووَلاءٍ وطَلاقٍ وعِتقٍ؛ لأنَّه يَتعلقُ بها حَقٌّ لغيرِ الخَصمينِ إمَّا للهِ تَعالى وإما لآدميٍّ، ففي اللِّعانِ حَقٌّ للوَلدِ لقَطعِ النَّسبِ وكذلك النَّسبُ والوَلاءُ، وفي الطَّلاقِ والعِتقِ حَقٌّ للهِ تَعالى؛ إذ لا يَجوزُ بَقاءُ المُطلَّقةِ البائنِ في العِصمةِ ولا رَدُّ العَبدِ في الرِّقِّ.

стр. 14240

والمُحكَّمُ إذا حكَمَ فيما لا يَجوزُ له التَّحكيمُ فيه فإنَّه يَمضي إنْ كانَ صَوابًا، وليسَ لأَحدِهما ولا لحاكمٍ غيرِهما أنْ يَنقضَه، ولكنْ إذا استوفى الحُكمَ بالحَدِّ والقَتلِ يُؤدبُ لافتِياتِه على الإِمامِ في الاستِيفاءِ، وإلا فلا يُؤدبُ بل يُزجرُ ولا يُؤدبُ على المُعوَّلِ عليه، وحينَئذٍ إذا حكَمَ بالقَتلِ وعَفا عن المَحكومِ عليه لمْ يَكنْ عليه أَدبٌ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ حُكمُ المُحكَّمِ في جَميعِ الأَحكامِ مُطلقًا سَواءٌ في مالٍ أو في قِصاصٍ، كما يَجوزُ حُكمُ القاضِي الذي وَلاه الإِمامُ، فمَن صحَّ حُكمُه في مالٍ صحَّ في غيرِه كالمُولى من جِهةِ الإِمامِ. وأمَّا التَّحكيمُ في حُدودِ اللهِ تَعالى فلا يَتأتى فيها التَّحكيمُ؛ إذ ليسَ لها طالبٌ مُعينٌ. وفي قَولٍ للشافِعيةِ وهو قَولُ القاضِي مِنْ الحَنابِلةِ: يَجوزُ في جَميعِ الأَحكامِ إلا في أَربعةِ أَحكامٍ: النِّكاحُ، واللِّعانُ، وحَدُّ القَذفِ والقِصاصِ؛ لأنَّ هذه الأَحكامَ غلَّظَ فيها الشَّرعُ، فلا يَجوزُ أنْ يَتولاها إلا الإِمامُ أو مَنْ وَلاه الإِمامُ (٢).

стр. 14241

وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إنْ تحاكَمَ شَخصانِ إلى رَجلٍ للقَضاءِ بينَهما فحكَمَ نفَذَ حُكمُه في المالِ والقِصاصِ والحَدِّ والنِّكاحِ واللِّعانِ وغيرِها، حتى معَ وُجودِ قاضٍ فهو كحاكمِ الإِمامِ، ويَلزمُ مَنْ كتَبَ إليه المُحكَّمُ بحُكمِه القَبولُ، ويَلزمُه تَنفيذُ حُكمِه؛ لأنَّه حاكمٌ نافذُ الأَحكامِ؛ فلزِمَه قَبولُه كحاكمِ الإِمامِ (١).

стр. 14242

الرُّكنُ الثانِي: الَمقضيُّ به: نصَّ عامةُ العُلماءِ على اختِلافٍ في عباراتِهم على أنَّ القاضِي إذا حضرَتْه قَضيةٌ فإنَّه يَقضي بما في كِتابِ اللهِ تَعالى، ويَنبغي أنْ يَعرفَ ما في كِتابِ اللهِ تَعالى مِنْ الناسخِ والمَنسوخِ، ويَنبغي أنْ يَعرفَ مِنْ الناسخِ ما هو مُحكَمٌ وما هو مُتشابِهٌ في تَأويلِه اختلافٌ كالأَقراءِ. قالَ الحَنفيةُ: فإنْ لمْ يَجدْ في كِتابِ اللهِ تَعالى يَقضي بما جاءَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، ويَنبغي أنْ يَعرفَ الناسخَ والمَنسوخَ مِنْ الأَخبارِ، فإنِ اختَلفتِ الأَخبارُ يَأخذُ بما هو الأَشبهُ ويَميلُ اجتِهادُه إليه، ويَجبُ أنْ يَعلمَ المُتواترَ والمَشهورَ وما كانَ مِنْ أَخبارِ الآحادِ، ويَجبُ أنْ يَعلمَ مَراتبَ الرُّواةِ، فإنَّ منهم مَنْ عُرفَ بالفِقهِ والعَدالةِ كالخُلفاءِ الراشدينَ والعَبادلةِ وغيرِهم، ومنهم مَنْ عُرفَ بطُولِ الصُّحبةِ وحُسنِ الضَّبطِ، والأَخذِ برِوايةِ مَنْ عُرفَ بالفِقهِ أَولى مِنْ الأَخذِ برِوايةِ مَنْ لمْ يُعرفْ بالفِقهِ، وكذلك الأَخذُ برِوايةِ مَنْ عُرفَ بطُولِ الصُّحبةِ أَولى مِنْ الأَخذِ برِوايةِ مَنْ لمْ يُعرفْ بطُولِ الصُّحبةِ. وإنْ كانَتْ حادثةً لم يَردُ فيها سُنةُ رَسولِ اللهِ ﵊ يَقضي فيها بما اجتمَعَ عليه الصَّحابةُ ﵃؛ لأنَّ العَملَ بإِجماعِ الصَّحابةِ واجبٌ، فإنْ كانَتِ الصَّحابةُ فيها مُختلِفينَ يَجتهدُ في ذلك، ويُرجِّحُ قَولَ بعضِهم على بعضٍ باجتِهادِه إذا كانَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ، وليسَ له أنْ يُخالفَهم جَميعًا باختِراعِ قَولٍ ثالثٍ؛ لأنَّهم معَ اختِلافِهم اتفَقُوا على أنَّ ما عدا القَولينِ باطلٌ.

стр. 14243

وكانَ الخَصافُ ﵀ تَعالى يَقولُ له ذلك لأنَّ اختِلافَهم يَدلُّ على أنَّ للاجتِهادِ فيه مَجالًا والصَّحيحُ الأَولُ. وإنِ اجتَمعَت الصَّحابةُ على حُكمٍ وخالَفَهم واحدٌ مِنْ التابِعينَ إنْ كانَ المُخالفُ ممَّن لمْ يُدركْ عَهدَ الصَّحابةِ لا يُعتبَرُ خِلافُه حتى لو قَضى القاضِي بقَولِه بخِلافِ إِجماعِ الصَّحابةِ كانَ باطلًا، وإنْ كانَ ممَّن أدرَكَ عَهدَ الصَّحابةِ وزاحَمَهم في الفَتوى وسوَّغوا له الاجتِهادَ كشُريحٍ والشِّعبيِّ لا يَنعقدُ الإِجماعُ لمُخالفتِه، وإنْ جاءَ عن بعضِ التابِعينَ ولمْ يُنقلْ عن غيرِهم فيه شيءٌ، فعن أَبي حَنيفةَ ﵀ تَعالى رِوايتانِ في رِوايةٍ قالَ: لا أُقلدُهم، وهو ظاهرُ المَذهبِ، وفي رِوايةِ النَّوادرِ قالَ: مَنْ كانَ منهم أَفتى في زَمنِ الصَّحابةِ وسوَّغُوا له الاجتِهادَ مِثلَ شُريحٍ ومَسروقِ بنِ الأَجدعِ والحَسنِ فأنا أُقلدُهم. فإنْ كانَ شيءٌ لمْ يَأتِ فيه مِنْ الصَّحابةِ قَولٍ وكانَ فيه إِجماعُ التابِعينَ قَضى به، وإنْ كانَ فيه اختلافٌ بينهم رجَّحَ قَولَ بعضِهم وقَضى به. وإنْ لمْ يَجئْ شَيءٌ مِنْ ذلك فإنْ كانَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ قاسَه على ما يُشبهُه مِنْ الأَحكامِ واجتهَدَ فيه برأَيه فيه وتَحرى الصَّوابَ، ثُم يَقضي به برَأيه، وإنْ لمْ يَكنْ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ يَستفتي في ذلك فيَأخذُ بفَتوى المُفتي ولا يَقضي بغيرِ عِلمٍ ولا يَستحي مِنْ السُّؤالِ (١). وقالَ المالِكيةُ: المَقضيُّ به وهو الحُكمُ مِنْ كِتابِ اللهِ تَعالى، فإنْ لمْ يَجدْ فبسُنةِ نَبيِّه مُحمدٍ رَسولِ اللهِ ﷺ التي صاحَبَها العَملُ، فإذا

стр. 14244

كانَ خَبرًا صحِبَتْ غيرَه الأعمالُ قَضى بما صحِبَتْه الأَعمالُ، وهذا مَعلومٌ مِنْ أَصلِ مالكٍ ﵀؛ إذ العَملُ مُقدَّمٌ على خبَرِ الآحادِ، وكذلك القياسُ عندَه مُقدَّمٌ على أَخبارِ الآحادِ على ما ذهَبَ إليه أَبو بَكرٍ الأَبهريُّ. فإنْ لمْ يَجدْ في السُّنةِ شَيئًا نظَرَ في أَقوالِ الصَّحابةِ فقَضى بما اتفَقُوا عليه، فإنِ اختلَفُوا قَضى بما صحِبَتْه الأَعمالُ مِنْ ذلك، فإنْ لم يَصحَّ عندَه أيضًا أنَّ العَملَ اتصَلَ بقَولِ بعضِهم تخيَّرَ مِنْ أَقوالِهم ولا يُخالفُهم جَميعًا، وقد قيلَ له أنْ يَجتهدَ وإنْ خالَفَهم جَميعًا، وكذلك الحُكمُ في إِجماعِ التَّابعينَ بعدَ الصَّحابةِ ﵃، وفي كلِّ إِجماعٍ يَنعقدُ في كلِّ عَصرٍ مِنْ الأَعصارِ إلى يَومِ القيامةِ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥] ولقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «لنْ تَجتمعَ أُمتي على ضَلالةٍ» ولقَولِه ﵊: «يَدُ اللهِ معَ الجَماعةِ» فإذا ضمِنَ اللهُ تَعالى حِفظَ الجَماعةِ لمْ يَجزْ عليهم الغَلطُ والسَّهو. فإنْ لمْ يَجدْ في النازلةِ إِجماعًا قَضى بما يُؤدي إليه النَّظرُ والاجتِهادُ في القياسِ على الأُصولِ بعدَ مَشورةِ أَهلِ العِلمِ، فإنِ اجتمَعُوا على شيءٍ أخَذَ به، وإن اختلَفُوا نظَرَ إلى أَحسنِ أَقوالِهم عندَه، وإنْ رَأى خِلافَ رَأيهم قَضى بما رَأى إذا كانَ نَظيرًا لهم، وإنْ لمْ يَكنْ مِنْ نُظرائِهم فليسَ له ذلك. قالَ ابنُ حَبيبٍ: «وهو قَولٌ فيه اعتِراضٌ، والصَّحيحُ أنَّه إذا كانَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ فله أنْ يَقضيَ بما رَأى وإنْ كانوا أَعلمَ منه؛ لأنَّ التَّقليدَ لا يَصحُّ

стр. 14245

للمُجتهدِ فيما يَرى خِلافَه بإِجماعٍ، وإنما يَصحُّ له التَّقليدُ ما لمْ يَتبينْ له في النازلةِ حُكمٌ، وهذا على مَذهبِ مَنْ يَرى التَّقليدَ ويَقولُ به». واختلَفُوا هل للمُجتهدِ أنْ يَتركَ النَّظرَ والاجتِهادَ ويُقلِّدَ مَنْ قد نظَرَ واجتهَدَ أم لا، والمُجتهِدُ مَنْ يَعرفُ مِنْ القُرآنِ والسُّنةِ ما يَتعلقُ به الأَحكامُ، وخاصَّه وعامَّه، ومُجملَه ومُبيَّنَه، وناسخَه ومَنسوخَه، ومُتواتِرَ السُّنةِ وغيرَه، والمُتصِلَ والمُرسَلَ، وحالَ الرُّواةِ قُوةً وضَعفًا، ولِسانَ العَربِ لُغةً ونَحوًا، وأَقوالَ العُلماءِ مِنْ الصَّحابةِ فمَن بعدَهم إِجماعًا واختِلافًا، والقياسَ بأَنواعِه- على ثَلاثةِ أَقوالٍ: أَحدُهما: أنَّ ذلك له. والثانِي: أنَّ ذلك ليسَ له. والثالثُ: أنَّ ذلك ليسَ له إلا أنْ يَخافَ فَواتَ النازلةِ. وأمَّا إنْ لمْ يَكنِ القاضِي مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ ففَرضُه المَشورةُ والتَّقليدُ، فإنِ اختَلفَ العُلماءُ قَضى بقَولِ أَعلمِهم، وقيلَ بقَولِ أَكثرِهم على ما وقَعَ في المُدوَّنةِ في الحِكايةِ عن الفُقهاءِ السَّبعةِ، والأَولُ أَصحُّ، وقيلَ إنَّ له أنْ يَحكمَ بقَولِ مَنْ شاءَ منهم إذا تَحرى الصَّوابَ بذلك ولمْ يَقصدِ الهَوى، وله أنْ يَكتفيَ بمَشورةٍ واحدةٍ مِنْ العُلماءِ، فإنْ فعَلَ ذلك فالاختِيارُ أنْ يُشاورَ أَعلمَهم، فإنْ شاوَرَ مَنْ دونَه في العِلمِ وأخَذَ بقَولِه فذلك جائزٌ إذا كانَ مِنْ أَهلِ النَّظرِ والاجتِهادِ.

стр. 14246

قالَ ابنُ فَرحونَ: «وقد تقدَّمَ مِنْ كَلامِ القاضِي أَبي بَكرٍ أنَّ المُقلِّدَ يَقضي بفَتوى مُقلِّدِه في عَينِ النازلةِ، فإنْ قاسَ على قَولِه فهو مُتعَدٍّ، وقالَ الشيخُ أَبو بَكرٍ الطُّرطوشيُّ: أخبَرَني القاضِي أَبو الوَليدِ الباجيُّ: أنَّ الوَلاةُ كانوا بقُرطبةَ إذا وَلوا رَجلًا القَضاءَ شَرطوا عليه في سِجلِّه ألَّا يَخرجَ عن قَولِ ابنِ القاسمِ ما وجَدَه، قالَ الشيخُ أَبو بَكرٍ: وهذا جَهلٌ عَظيمٌ منهم. يُريدُ: لأنَّ الحَقَّ ليسَ في شَيءٍ مُعينٍ، وإنما قالَ الشيخُ أَبو بَكرٍ هذا لوُجودِ المُجتهِدينَ وأَهلِ النَّظرِ في قُضاةِ ذلك الزَّمانِ، فتكلَّمَ على أَهلِ زَمانِه، وكانَ مُعاصِرًا للإِمامِ أَبي عُمرَ بنِ عَبدِ البَرِّ والقاضِي أَبي الوَليدِ الباجيِّ والقاضِي أَبي الوَليدِ بنِ رُشدٍ والقاضِي أَبي بَكرِ بنِ العَربيِّ والقاضِي أَبي مُحمدِ بنِ عَطيةَ صاحبِ التَّفسيرِ وغيرِ هؤلاء مِنْ نُظرائِهم، وقد عُدمَ هذا النَّمطُ في زَمانِنا مِنْ المَشرقِ والمَغربِ، وهذا الذي ذكَرَه الباجيُّ عن وُلاةِ قُرطبةَ ورَدَ نَحوُه عن سحنونٍ، وذلك أنَّه وَلى رَجلًا القَضاءَ وكانَ الرَّجلُ ممن سمِعَ بَعضَ كَلامِ أَهلِ العِراقِ فشرَطَ عليه سحنُونٌ ألَّا يَقضيَ إلا بقَولِ أَهلِ المَدينةِ ولا يَتعدى ذلك، قالَ ابنُ راشدٍ: وهذا يُؤيدُ ما ذكَرَه الباجيُّ، ويُؤيدُ ما قالَه الشَّيخُ أَبو بَكرٍ، فكيفَ يَقولُ ذلك والمالِكيةُ إذا تحاكَمُوا إليه فإنما يَأتونَه ليَحكمَ بينهم بمَذهبِ مالكٍ، وقد تقدَّمَ في فَصلِ التَّحكيمِ عن اللَّخميِّ أنَّ الحُكمَ إذا كانَ مُجتهدًا والخِصامُ بينَ مَالكيَّينِ فإنْ لم يَخرجْ باجتِهادِه عن مَذهبِ مالكٍ نفَذَ حُكمُه، وإنْ خرَجَ عن ذلك لمْ يَلزمْ حُكمُه بينهما، فانظرْ تَمامَ ذلك هناك، وذكَرَ المازِريُّ نحوَ ذلك» (١).

стр. 14247

وقالَ الحَنابِلةُ: الحاكِمُ إذا حضَرَتْه قَضيةٌ تبيَّنَ له حُكمُها في كِتابِ اللهِ تَعالى أو سُنةِ رَسولِه أو إِجماعٍ أو قياسٍ جَليٍ حكَمَ ولمْ يَحتجْ إلى رأي غيرِه؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ لمُعاذٍ حينَ بعَثَه إلى اليَمنِ: «بمَ تَحكمُ؟» قالَ: بكِتابِ اللهِ. قالَ: «فإنْ لمْ تَجدْ؟» قالَ: بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ . قالَ: «فإنْ لمْ تَجدْ؟» قالَ: أَجتهدُ برَأيي. قالَ: «الحَمدُ للهِ الذي وفَّقَ رَسولَ رَسولِ اللهِ ﷺ لمَا يُرضي رَسولَ اللهِ ﷺ ». فإنِ احتاجَ إلى الاجتِهادِ استُحبَّ له أنْ يُشاورَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولأنَّه قد يَنتبُه بالمُشاورةِ ويَتذكرُ ما نسِيَه بالمُذاكرةِ، ولأنَّ الإِحاطةَ بجَميعِ العُلومِ مُتعذِّرةٌ، وقد يَنتبهُ لإِصابةِ الحَقِّ ومَعرفةِ الحادثةِ مَنْ هو دونَ القاضِي، فكيفَ بمَن يُساوِيه أو يَزيدُ عليه. والمُشاورةُ هاهنا لاستِخراجِ الأَدلةِ، ويُعرفُ الحَقُّ بالاجتِهادِ. فإذا حدَثَتْ حادثةٌ نظَرَ في كِتابِ اللهِ فإنْ وجَدَها، وإلا نظَرَ في سُنةِ رَسولِه فإنْ لمْ يَجدْها؛ نظَرَ في القِياسِ فألَحَقها بأَشبهِ الأُصولِ بها لمَا ذكَرْنا مِنْ حَديثِ مُعاذِ بنِ جَبلٍ (١). هل يَجوزُ تَقليدُ مَذهبٍ مُعينٍ في القَضاءِ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ قُلدَ القَضاءَ وليسَ مُجتهدًا ماذا يَصنعُ في المَسائلِ الخِلافيةِ، هل يَجوزُ له تَقليدُ مَذهبٍ مُعينٍ ولا يَخرجُ عنه أم لا يَجوزُ له؟

стр. 14248

فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ القاضِي إذا لمْ يَكنْ مُجتهدًا يَجبُ عليه أنْ يَحكمَ بقَولِ مُقلِّدِه بالراجِحِ مِنْ مَذهبِه لا بقَولِ غيرِه ولا بالضَّعيفِ، فإذا حكَمَ بالضَّعيفِ نُقضَ حُكمُه إلا إذا لمْ يَشتدَّ ضَعفُه وكانَ الحاكمُ مِنْ أَهلِ التَّرجيحِ وترجَّحَ عندَه ذلك الحُكمُ بمُرجِّحٍ مِنْ المُرجِّحاتِ فلا يُنقضَ، كما لو قاسَ عندَ عَدمِ النَّصِّ وهو أَهلٌ للقياسِ. وكذا المُفتي لا يَجوزُ له الإِفتاءُ إلا بالراجحِ مِنْ مَذهبِ إِمامِه لا بمَذهبِ غيرِه ولا بالضَّعيفِ مِنْ مَذهبِه، ويَجوزُ له العَملُ بالضَّعيفِ مِنْ مَذهبِه في خاصةِ نَفسِه إذا تحقَّقَتِ الضَّرورةُ، ولا يَجوزُ للمُفتي الإِفتاءُ بغيرِ المَشهورِ؛ لأنَّه لا يَتحققُ الضَرورةُ بالنِّسبةِ لغيرِه كما يَتحققُها مِنْ نَفسِه، ولذلك سَدُّوا الذَّريعةَ وقالوا بمَنعِ الفَتوى بغيرِ المَشهورِ خَوفَ ألَّا تَكونَ الضَّرورةُ مُتحقِّقةً لا لأجلِ أنَّه لا يُعملُ بالضَّعيفِ ولو تحقَّقَتِ الضَّرورةُ يَومًا، وعلى هذا فإنَّه يَجوزُ للمُفتي أنْ يُفتي صَديقَه بغيرِ المَشهورِ إذا تحقَّقَ ضَرورتَه؛ لأنَّ شَأنَ الصَّديقِ لا يَخفى على صِديقِه. قالَ الصَّاوي ﵀: «ويَجوزُ للإِنسانِ أنْ يَعملَ بالضَّعيفِ لأِمرٍ اقتضى ذلك عندَه، وقيلَ: بل يُقلدُ قَولَ الغيرِ إذا كانَ راجِحًا في مَذهبِ ذلك الغيرِ. فإنْ قيلَ: ما فائدةُ ذِكرِ الأَقوالِ الضَّعيفةِ في كَلامِهم إذا كانَ لا يَجوزُ العَملُ بها ولا الفَتوى؟ قلْنا: أُمورٌ ثَلاثةٌ: الأَولُ: اتِّساعُ النَّظرِ والعِلمِ بأنَّ الراجحَ المَذكورَ ليسَ بمُتَّفقٍ عليه.

стр. 14249

والثانِي: مَعرفةُ مَداركِ الأَقوالِ، فلمَن له التَّرجيحُ تَرجيحُ ما ضُعفَ لقُوةِ المَدركِ عندَه. والثالثُ: العَملُ به في نَفسِه إذا اقتَضتِ الضَّرورةُ ذلك (١). وهذا هو المُعتمدُ عندَ المُتأخِّرينَ، ولكنْ يُوجدُ كَلامٌ لكَثيرٍ مِنْ عُلماءِ المالِكيةِ، قالَ ابنُ عَبدِ السلامِ: هل يَلزمُ المُقلِّدُ الاقتصارَ على قَولِ إِمامِه أم لا؟ الأَصلُ عَدمُ اللُّزومِ؛ ولأنَّ المُتقدِّمينَ لمْ يَكونوا يَحجرونَ على العوامِ اتِّباعَ عالمٍ واحدٍ، ولا يَأمرونَ مَنْ سأَلَ واحدًا منهم عن مَسألةٍ ألَّا يَسألَ غيرَه، لكنِ الأَولى في حَقِّ القاضِي لُزومُ طَريقةٍ واحدةٍ، وأنَّه إنْ قلَّدَ إِمامًا لا يَعدلُ عنه لغيرِه؛ لأنَّ ذلك يُؤدي لتُهمتِه بالمَيلِ، ولمَا جاءَ مِنْ النَّهي عن الحُكمِ في قَضيةٍ بحُكمينِ مُختلفينِ. وقالَ ابنُ فَرحونَ: «يَلزمُ القاضِي المُقلِّدُ إذا وجَدَ المَشهورَ ألَّا يَخرجَ عنه، وقد بلَغَ المازِريُّ دَرجةَ الاجتِهادِ ولمْ يُفتِ قطُّ بغيرِ المَشهورِ، وعاشَ ثَلاثًا وثَمانينَ سَنةً، وكَفى به قُدوةً، فإنْ لمْ يَقفْ على المَشهورِ مِنْ القَولينِ أو الرِّوايتينِ فليسَ له التَّشهي والحُكمُ بما شاءَ منهما مِنْ غيرِ نَظرٍ وتَرجيحٍ، فقد قالَ ابنُ الصَّلاحِ في آدابِ المُفتي والمُستفتي: مَنْ يَكتفى بكَونِ فَتواه أو عِلمِه مُوافقًا لقَولٍ أو وَجهٍ في المَسألةِ ويَعملُ بما شاءَ مِنْ الأَقوالِ والوُجوهِ مِنْ غيرِ نَظرٍ في التَّرجيحِ فقد جهِلَ وخرَقَ الإِجماعَ.

стр. 14250

فإذا وجَدَ مَنْ ليسَ أَهلًا للتَّخريجِ والتَّرجيحِ اختلافًا بينَ أَئمةِ المَذهبِ في الأَصحِّ مِنْ القَولينِ أو الوَجهينِ فيَنبغي أنْ يَفزعَ في التَّرجيحِ إلى صِفاتِهم المُوجِبةِ لزِيادةِ الثِّقةِ بآرائِهم فيَعملُ بقَولِ الأَكثرِ والأَورعِ والأَعلمِ، فإنِ اختَصَّ كلُّ واحدٍ بصِفةٍ قُدمَ مَنْ هو أَحرى بالإِصابةِ فالأَعلمُ الوَرعُ يُقدمُ على الأَورعِ والعالمِ، وإذا وجَدَ قَولينِ أو وَجهينِ لمْ يَبلغْه عن أَحدٍ مِنْ أَهلِ المَذهبِ بَيانُ الأَصحِّ منهما اعتبَرَ أَوصافَ ناقلَيهما أو قائلَيهما. ابنُ فَرحونَ: وهذا الحُكمُ جارٍ في أَصحابِ المَذاهبِ الأَربعةِ ومُقلِّديهم. ثُم قالَ: واعلمْ أنَّه لا يَجوزُ للمُفتي أنْ يَتساهلَ في الفَتوى لا، ومَن عُرفَ بذلك لمْ يَجزْ أنْ يُستفتى، وكذلك الحاكمُ، ولا فَرقَ بينَ المُفتي والحاكمِ إلا أنَّ المُفتيَ مُخبِرٌ والحاكمُ مُلزِمٌ، والتَّساهلُ قد يَكونُ بألَّا يَثبتَ ويُسرعَ بالفَتوى أو الحُكمِ قبلَ استِيفاءِ حَقِّها مِنْ النَّظرِ والفِكرِ، وربما يَحملُه على ذلك تَوهمُه أنَّ الإِسراعَ بَراعةٌ والإِبطاءُ عَجزٌ ومَنقصةٌ، وذلك جَهلٌ، فلأنْ يُبطئَ ولا يُخطئُ أَجملُ به مِنْ أنْ يَعجلَ فيَضلَّ ويُضلَّ، وقد يَكونُ تَساهلُه وانحلالُه بأنْ تَحملَه الأَغراضُ الفاسدةُ على تَتبعِ الحيلِ المَحظورةِ أو المَكروهة والتَّمسكِ بالشُّبهِ طَلبًا للتَّرخيصِ على مَنْ يَرومُ نَفعَه أو التَّغليظَ على مَنْ يُريدُ ضَرُه، قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ومَن فعَلَ ذلك فقد هانَ عليه دينُه ونَسألُ اللهَ العَفوَ والعافيةَ، قالَ: أمَّا إذا صحَّ قَصدُ المُفتي واحتَسبَ في تَطلبِ حيلةٍ لا شُبهةَ فيها، ولا تَجرُّ إلى مَفسدةٍ ليُخلصَ بها المُستفتي مِنْ وَرطةِ يَمينٍ أو نَحوِها فذلك حَسنٌ جَميلٌ.
следующие страницы →