قالَ ابنُ فَرحونَ: «وقد تقدَّمَ مِنْ كَلامِ القاضِي أَبي بَكرٍ أنَّ المُقلِّدَ يَقضي بفَتوى مُقلِّدِه في عَينِ النازلةِ، فإنْ قاسَ على قَولِه فهو مُتعَدٍّ، وقالَ الشيخُ أَبو بَكرٍ الطُّرطوشيُّ: أخبَرَني القاضِي أَبو الوَليدِ الباجيُّ: أنَّ الوَلاةُ كانوا بقُرطبةَ إذا وَلوا رَجلًا القَضاءَ شَرطوا عليه في سِجلِّه ألَّا يَخرجَ عن قَولِ ابنِ القاسمِ ما وجَدَه، قالَ الشيخُ أَبو بَكرٍ: وهذا جَهلٌ عَظيمٌ منهم. يُريدُ: لأنَّ الحَقَّ ليسَ في شَيءٍ مُعينٍ، وإنما قالَ الشيخُ أَبو بَكرٍ هذا لوُجودِ المُجتهِدينَ وأَهلِ النَّظرِ في قُضاةِ ذلك الزَّمانِ، فتكلَّمَ على أَهلِ زَمانِه، وكانَ مُعاصِرًا للإِمامِ أَبي عُمرَ بنِ عَبدِ البَرِّ والقاضِي أَبي الوَليدِ الباجيِّ والقاضِي أَبي الوَليدِ بنِ رُشدٍ والقاضِي أَبي بَكرِ بنِ العَربيِّ والقاضِي أَبي مُحمدِ بنِ عَطيةَ صاحبِ التَّفسيرِ وغيرِ هؤلاء مِنْ نُظرائِهم، وقد عُدمَ هذا النَّمطُ في زَمانِنا مِنْ المَشرقِ والمَغربِ، وهذا الذي ذكَرَه الباجيُّ عن وُلاةِ قُرطبةَ ورَدَ نَحوُه عن سحنونٍ، وذلك أنَّه وَلى رَجلًا القَضاءَ وكانَ الرَّجلُ ممن سمِعَ بَعضَ كَلامِ أَهلِ العِراقِ فشرَطَ عليه سحنُونٌ ألَّا يَقضيَ إلا بقَولِ أَهلِ المَدينةِ ولا يَتعدى ذلك، قالَ ابنُ راشدٍ: وهذا يُؤيدُ ما ذكَرَه الباجيُّ، ويُؤيدُ ما قالَه الشَّيخُ أَبو بَكرٍ، فكيفَ يَقولُ ذلك والمالِكيةُ إذا تحاكَمُوا إليه فإنما يَأتونَه ليَحكمَ بينهم بمَذهبِ مالكٍ، وقد تقدَّمَ في فَصلِ التَّحكيمِ عن اللَّخميِّ أنَّ الحُكمَ إذا كانَ مُجتهدًا والخِصامُ بينَ مَالكيَّينِ فإنْ لم يَخرجْ باجتِهادِه عن مَذهبِ مالكٍ نفَذَ حُكمُه، وإنْ خرَجَ عن ذلك لمْ يَلزمْ حُكمُه بينهما، فانظرْ تَمامَ ذلك هناك، وذكَرَ المازِريُّ نحوَ ذلك» (١).
стр. 14247
وقالَ الحَنابِلةُ: الحاكِمُ إذا حضَرَتْه قَضيةٌ تبيَّنَ له حُكمُها في كِتابِ اللهِ تَعالى أو سُنةِ رَسولِه أو إِجماعٍ أو قياسٍ جَليٍ حكَمَ ولمْ يَحتجْ إلى رأي غيرِه؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ لمُعاذٍ حينَ بعَثَه إلى اليَمنِ: «بمَ تَحكمُ؟» قالَ: بكِتابِ اللهِ. قالَ: «فإنْ لمْ تَجدْ؟» قالَ: بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ . قالَ: «فإنْ لمْ تَجدْ؟» قالَ: أَجتهدُ برَأيي. قالَ: «الحَمدُ للهِ الذي وفَّقَ رَسولَ رَسولِ اللهِ ﷺ لمَا يُرضي رَسولَ اللهِ ﷺ ».
فإنِ احتاجَ إلى الاجتِهادِ استُحبَّ له أنْ يُشاورَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولأنَّه قد يَنتبُه بالمُشاورةِ ويَتذكرُ ما نسِيَه بالمُذاكرةِ، ولأنَّ الإِحاطةَ بجَميعِ العُلومِ مُتعذِّرةٌ، وقد يَنتبهُ لإِصابةِ الحَقِّ ومَعرفةِ الحادثةِ مَنْ هو دونَ القاضِي، فكيفَ بمَن يُساوِيه أو يَزيدُ عليه.
والمُشاورةُ هاهنا لاستِخراجِ الأَدلةِ، ويُعرفُ الحَقُّ بالاجتِهادِ.
فإذا حدَثَتْ حادثةٌ نظَرَ في كِتابِ اللهِ فإنْ وجَدَها، وإلا نظَرَ في سُنةِ رَسولِه فإنْ لمْ يَجدْها؛ نظَرَ في القِياسِ فألَحَقها بأَشبهِ الأُصولِ بها لمَا ذكَرْنا مِنْ حَديثِ مُعاذِ بنِ جَبلٍ (١).
هل يَجوزُ تَقليدُ مَذهبٍ مُعينٍ في القَضاءِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ قُلدَ القَضاءَ وليسَ مُجتهدًا ماذا يَصنعُ في المَسائلِ الخِلافيةِ، هل يَجوزُ له تَقليدُ مَذهبٍ مُعينٍ ولا يَخرجُ عنه أم لا يَجوزُ له؟
стр. 14248
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ القاضِي إذا لمْ يَكنْ مُجتهدًا يَجبُ عليه أنْ يَحكمَ بقَولِ مُقلِّدِه بالراجِحِ مِنْ مَذهبِه لا بقَولِ غيرِه ولا بالضَّعيفِ، فإذا حكَمَ بالضَّعيفِ نُقضَ حُكمُه إلا إذا لمْ يَشتدَّ ضَعفُه وكانَ الحاكمُ مِنْ أَهلِ التَّرجيحِ وترجَّحَ عندَه ذلك الحُكمُ بمُرجِّحٍ مِنْ المُرجِّحاتِ فلا يُنقضَ، كما لو قاسَ عندَ عَدمِ النَّصِّ وهو أَهلٌ للقياسِ.
وكذا المُفتي لا يَجوزُ له الإِفتاءُ إلا بالراجحِ مِنْ مَذهبِ إِمامِه لا بمَذهبِ غيرِه ولا بالضَّعيفِ مِنْ مَذهبِه، ويَجوزُ له العَملُ بالضَّعيفِ مِنْ مَذهبِه في خاصةِ نَفسِه إذا تحقَّقَتِ الضَّرورةُ، ولا يَجوزُ للمُفتي الإِفتاءُ بغيرِ المَشهورِ؛ لأنَّه لا يَتحققُ الضَرورةُ بالنِّسبةِ لغيرِه كما يَتحققُها مِنْ نَفسِه، ولذلك سَدُّوا الذَّريعةَ وقالوا بمَنعِ الفَتوى بغيرِ المَشهورِ خَوفَ ألَّا تَكونَ الضَّرورةُ مُتحقِّقةً لا لأجلِ أنَّه لا يُعملُ بالضَّعيفِ ولو تحقَّقَتِ الضَّرورةُ يَومًا، وعلى هذا فإنَّه يَجوزُ للمُفتي أنْ يُفتي صَديقَه بغيرِ المَشهورِ إذا تحقَّقَ ضَرورتَه؛ لأنَّ شَأنَ الصَّديقِ لا يَخفى على صِديقِه.
قالَ الصَّاوي ﵀: «ويَجوزُ للإِنسانِ أنْ يَعملَ بالضَّعيفِ لأِمرٍ اقتضى ذلك عندَه، وقيلَ: بل يُقلدُ قَولَ الغيرِ إذا كانَ راجِحًا في مَذهبِ ذلك الغيرِ.
فإنْ قيلَ: ما فائدةُ ذِكرِ الأَقوالِ الضَّعيفةِ في كَلامِهم إذا كانَ لا يَجوزُ العَملُ بها ولا الفَتوى؟
قلْنا: أُمورٌ ثَلاثةٌ:
الأَولُ: اتِّساعُ النَّظرِ والعِلمِ بأنَّ الراجحَ المَذكورَ ليسَ بمُتَّفقٍ عليه.
стр. 14249
والثانِي: مَعرفةُ مَداركِ الأَقوالِ، فلمَن له التَّرجيحُ تَرجيحُ ما ضُعفَ لقُوةِ المَدركِ عندَه.
والثالثُ: العَملُ به في نَفسِه إذا اقتَضتِ الضَّرورةُ ذلك (١).
وهذا هو المُعتمدُ عندَ المُتأخِّرينَ، ولكنْ يُوجدُ كَلامٌ لكَثيرٍ مِنْ عُلماءِ المالِكيةِ، قالَ ابنُ عَبدِ السلامِ: هل يَلزمُ المُقلِّدُ الاقتصارَ على قَولِ إِمامِه أم لا؟ الأَصلُ عَدمُ اللُّزومِ؛ ولأنَّ المُتقدِّمينَ لمْ يَكونوا يَحجرونَ على العوامِ اتِّباعَ عالمٍ واحدٍ، ولا يَأمرونَ مَنْ سأَلَ واحدًا منهم عن مَسألةٍ ألَّا يَسألَ غيرَه، لكنِ الأَولى في حَقِّ القاضِي لُزومُ طَريقةٍ واحدةٍ، وأنَّه إنْ قلَّدَ إِمامًا لا يَعدلُ عنه لغيرِه؛ لأنَّ ذلك يُؤدي لتُهمتِه بالمَيلِ، ولمَا جاءَ مِنْ النَّهي عن الحُكمِ في قَضيةٍ بحُكمينِ مُختلفينِ.
وقالَ ابنُ فَرحونَ: «يَلزمُ القاضِي المُقلِّدُ إذا وجَدَ المَشهورَ ألَّا يَخرجَ عنه، وقد بلَغَ المازِريُّ دَرجةَ الاجتِهادِ ولمْ يُفتِ قطُّ بغيرِ المَشهورِ، وعاشَ ثَلاثًا وثَمانينَ سَنةً، وكَفى به قُدوةً، فإنْ لمْ يَقفْ على المَشهورِ مِنْ القَولينِ أو الرِّوايتينِ فليسَ له التَّشهي والحُكمُ بما شاءَ منهما مِنْ غيرِ نَظرٍ وتَرجيحٍ، فقد قالَ ابنُ الصَّلاحِ في آدابِ المُفتي والمُستفتي: مَنْ يَكتفى بكَونِ فَتواه أو عِلمِه مُوافقًا لقَولٍ أو وَجهٍ في المَسألةِ ويَعملُ بما شاءَ مِنْ الأَقوالِ والوُجوهِ مِنْ غيرِ نَظرٍ في التَّرجيحِ فقد جهِلَ وخرَقَ الإِجماعَ.
стр. 14250
فإذا وجَدَ مَنْ ليسَ أَهلًا للتَّخريجِ والتَّرجيحِ اختلافًا بينَ أَئمةِ المَذهبِ في الأَصحِّ مِنْ القَولينِ أو الوَجهينِ فيَنبغي أنْ يَفزعَ في التَّرجيحِ إلى صِفاتِهم المُوجِبةِ لزِيادةِ الثِّقةِ بآرائِهم فيَعملُ بقَولِ الأَكثرِ والأَورعِ والأَعلمِ، فإنِ اختَصَّ كلُّ واحدٍ بصِفةٍ قُدمَ مَنْ هو أَحرى بالإِصابةِ فالأَعلمُ الوَرعُ يُقدمُ على الأَورعِ والعالمِ، وإذا وجَدَ قَولينِ أو وَجهينِ لمْ يَبلغْه عن أَحدٍ مِنْ أَهلِ المَذهبِ بَيانُ الأَصحِّ منهما اعتبَرَ أَوصافَ ناقلَيهما أو قائلَيهما.
ابنُ فَرحونَ: وهذا الحُكمُ جارٍ في أَصحابِ المَذاهبِ الأَربعةِ ومُقلِّديهم.
ثُم قالَ: واعلمْ أنَّه لا يَجوزُ للمُفتي أنْ يَتساهلَ في الفَتوى لا، ومَن عُرفَ بذلك لمْ يَجزْ أنْ يُستفتى، وكذلك الحاكمُ، ولا فَرقَ بينَ المُفتي والحاكمِ إلا أنَّ المُفتيَ مُخبِرٌ والحاكمُ مُلزِمٌ، والتَّساهلُ قد يَكونُ بألَّا يَثبتَ ويُسرعَ بالفَتوى أو الحُكمِ قبلَ استِيفاءِ حَقِّها مِنْ النَّظرِ والفِكرِ، وربما يَحملُه على ذلك تَوهمُه أنَّ الإِسراعَ بَراعةٌ والإِبطاءُ عَجزٌ ومَنقصةٌ، وذلك جَهلٌ، فلأنْ يُبطئَ ولا يُخطئُ أَجملُ به مِنْ أنْ يَعجلَ فيَضلَّ ويُضلَّ، وقد يَكونُ تَساهلُه وانحلالُه بأنْ تَحملَه الأَغراضُ الفاسدةُ على تَتبعِ الحيلِ المَحظورةِ أو المَكروهة والتَّمسكِ بالشُّبهِ طَلبًا للتَّرخيصِ على مَنْ يَرومُ نَفعَه أو التَّغليظَ على مَنْ يُريدُ ضَرُه، قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ومَن فعَلَ ذلك فقد هانَ عليه دينُه ونَسألُ اللهَ العَفوَ والعافيةَ، قالَ: أمَّا إذا صحَّ قَصدُ المُفتي واحتَسبَ في تَطلبِ حيلةٍ لا شُبهةَ فيها، ولا تَجرُّ إلى مَفسدةٍ ليُخلصَ بها المُستفتي مِنْ وَرطةِ يَمينٍ أو نَحوِها فذلك حَسنٌ جَميلٌ.
стр. 14251
قالَ القَرافِيُّ: لا يَنبغي للمُفتي إذا كانَ في المَسألةِ قَولانِ أَحدُهما فيه تَشديدٌ والآخرُ تَخفيفٌ أنْ يُفتيَ العامَّةَ بالتَّشديدِ والخاصَّ مِنْ وُلاةِ الأُمورِ بالتَّخفيفِ، وذلك قَريبٌ مِنْ الفُسوقِ والخيانةِ في الدِّينِ والتَّلاعبِ بالمُسلِمينَ، وذلك دَليلُ فَراغِ القَلبِ مِنْ تَعظيمِ اللهِ تَعالى وإِجلالِه وتَقواه وعِمارتِه باللَّعبِ وحبِّ الرِّياسةِ والتَّقريبِ إلى الخَلقِ دونَ الخالقِ نَعوذُ باللهِ مِنْ صِفاتِ الغافلينَ، والحاكمُ كالمُفتي في هذا (١).
وقالَ ابنُ شاسٍ ﵀: قالَ الأُستاذُ أَبو بَكرٍ الطُّرطوشيُّ: «وللإِمامِ إذا اعتقَدَ مَذهبًا مِنْ المَذاهبِ مِثلَ مَذهبِ مالِكٍ والشافِعيِّ وأَبي حَنيفةَ وغيرِهم أنْ يُوليَ القَضاءَ مَنْ يَعتقدُ خِلافَ مَذهبِه؛ لأنَّ الواجبَ على القاضِي أنْ يَجتهدَ رَأيَه في قَضائِه، ولا يُلزمَ أَحدًا مِنْ المُسلِمينَ أنْ يُقلِّدَ في النَّوازلِ والأَحكامِ مَنْ يَعتزي إلى مَذهبِه، فمَن كانَ مالِكيًا لمْ يَلزمْه المَصيرُ في أَحكامِه إلى أَقوالِ مالِكٍ، وهكذا القَولُ في سائرِ المَذاهبِ، بل أيَنما أَداه اجتِهادُه مِنْ الأَحكامِ صارَ إليه».
قالَ: «فلو شرَطَ على القاضِي أنْ يَحكمَ بمَذهبِ إِمامٍ مُعيَّنٍ مِنْ أَئمةِ المُسلِمينَ ولا يَحكمَ بغيرِه فالعَقدُ صَحيحٌ، والشَّرطُ باطلٌ، كانَ مُوافقًا لمَذهبِ المُشترِطِ أو مُخالفًا له».
قالَ: وأخبَرَني القاضِي أَبو الوَليدِ قالَ: «كانَ الوُلاةُ عندَنا بقُرطبةَ إذا
стр. 14252
وَلوا القَضاءَ رَجلًا شرَطُوا عليه في سِجلِّه ألا يَخرجَ عن قَولِ ابنِ القاسمِ ما وجَدَه». قالَ الأُستاذُ أَبو بَكرٍ: «وهذا جَهلٌ عَظيمٌ منهم» (١).
وقالَ ابنُ فَرحونَ ﵀: «قالَ الشَّيخُ أَبو بَكرٍ الطُّرطوشيِّ في مُقدمةِ كِتابِه المُسمى تَعليقةَ الخِلافِ في القاضِي يُوليه الإِمامُ القَضاءَ ويَشترطُ عليه ألَّا يَحكمَ إلا بمَذهبِ إِمامٍ مُعيَّنٍ مثلُ أنْ يَكونَ مالِكيًّا أو شافِعيًّا أو حَنفيًّا أو حَنبليًّا فيَقولُ له قد وَليتكُ القَضاءَ على ألَّا تَحكمَ إلا بمَذهبِ مالِكٍ مثلًا وسَواءٌ وافقَ مَذهبَ السَّلطانِ الذي وَلاه أو لا، فهذا على ضِربينِ:
أَحدُهما: أنْ يَشترطَ ذلك عُمومًا في جَميعِ الأَحكامِ فالعَقدُ باطلٌ والشَّرطُ باطلٌ، سَواءٌ قارَنَ الشَّرطُ عَقدَ الوِلايةِ أو تقدَّمَه ثم وقَعَ العَقدُ.
وقالَ أَهلُ العِراقِ: تَصحُّ الوِلايةُ ويَبطلُ الشَّرطُ.
دَليلُنا أنَّ هذا شَرطٌ يُنافي مُقتضى العَقدِ فإنَّ العَقدَ يَقتضي أنْ يَحكمَ بالحَقِ عندَه، وهذا الشَّرطُ قد حجَرَه عليه واقتَضى أنْ يَحكمَ بمَذهبِ إِمامِه وإنْ بانَ له الحَقُّ في سِواه.
والضَّربُ الثانِي: أنْ يَكونَ الشَّرطُ خاصًّا في حُكمٍ بعَينِه ولا يَخلو الشَّرطُ أنْ يَكونَ أَمرًا أو نَهيًا، فإنْ كانَ أَمرًا مثلَ أنْ يَقولَ: وَليتك على أنْ تَقيدَ مِنْ الحُرِّ بالعَبدِ ومِن المُسلِمِ بالكافرِ، قالَ ابنُ أَبي جَمرةَ: «أو يَشترطَ عليه أنْ يَقتصَّ في القَتلِ بغيرِ الحَديدِ وما يُشاكلَ هذا، فإنَّه يَفسدُ العَقدُ والشَّرطُ، فإنْ كانَ نَهيًا فهو على ضَربينِ:
стр. 14253
أَحدُهما: أنْ يَنهاه عن الحُكمِ في قَتلِ المُسلمِ بالكافرِ والحُرِّ بالعَبدِ ولا يَقضي فيه بوُجوبِ قَودٍ ولا بإِسقاطِه فهو جائزٌ؛ لأنَّه اقتَصرَ بوِلايتِه على ما عداه وأخرَجَه مِنْ نَظرِه.
الثَّاني: ألَّا يَنهاه عن الحُكمِ فيه ويَنهاه عن القَضاءِ في القِصاصِ فيَصحُّ العَقدُ ويَخرجُ المُستثنى عن وِلايتِه، فلا يَحكمُ فيه بشَيءٍ، ومِن الفُقهاءِ مَنْ يَقولُ تَثبتُ وِلايتُه عُمومًا ويَحكمُ فيه بما نَهاه عنه بمُقتضى اجتِهادِه، كلُّ هذا إذا كانَ شَرطًا في الوِلايةِ، فأمَّا لو أخرَجَه مَخرجَ الأَمرِ والنَّهيِ فقالَ: «قد وَليتكُ القَضاءَ فاحكمْ بمَذهبِ مالِكٍ ولا تَحكمْ بمَذهبِ أَبي حَنيفةَ» فالوِلايةُ صَحيحةٌ والشَّرطُ باطلٌ، وسَواءٌ تَضمَّنَ أَمرًا أو نَهيًا، ويَجبُ أنْ يَحكمَ بما أَداه إليه اجتِهادُه، سَواءٌ وافَقَ شَرطَه أو خالَفَه، فأمَّا لو ذكَّرَه بالأَمرِ فقالَ: «قد وَليتكَ لتَحكمَ بمَذهبِ مالِكٍ» مثلًا فحَكى الماوَرديُّ مِنْ الشافعِيةِ أنَّ الوِلايةَ صَحيحةٌ والشَّرطُ باطلُ، واعلمْ أنَّ جَميعَ ما ذكرْناه مِنْ التَّقليداتِ لا يَجوزُ للإِمامِ اشتِراطُها عليه، وتَكونُ قادحةً في الوِلايةِ؛ لأنَّه اشترَطَ ما لا يَجوزُ».
قالَ ابنُ أَبي جَمرةَ في إِقليدِ التَّقليدِ: «ومَن كانَ لا يَقضي إلا بما أمَرَه به مَنْ وَلاه فليسَ بقاضٍ على الحَقيقةِ، وإنما هو بصِفةِ خادمِ رِسالةٍ، ولا يَحلُّ له القَضاءُ في غيرِ ما أمَرَه به إلا بعدَ أنْ يَستَطلعَ ما عندَ الذي وَلاه في ذلك».
قالَ ابنُ فَرحونَ ﵀: «كَلامُ الشَّيخِ أَبي بَكرٍ في القاضِي المُجتهدِ، ولمْ يَتعرضْ للقاضِي المُقلِّدِ كما هو في زَمانِنا» (١).
стр. 14254
وقالَ الشافِعيةُ: «يَحكمُ القاضِي باجتِهادِه إنْ كانَ مُجتهِدًا أو باجتِهادِ مُقلَّدِه إنْ كانَ مُقلِّدًا».
قالَ ابنُ حَجرٍ ﵀: «وقَضيةُ كَلامِ الشَّيخينِ أنَّ المُقلِّدَ لا يَحكمُ بغيرِ مَذهبِ مُقلَّدِه.
وقالَ الماوَرديُّ وغيرُه: يَجوزُ.
وجمَعَ الأَذرعيُّ وغيرُه بحَملِ الأَولِ على مَنْ لمْ يَنتهْ لرُتبةِ الاجتِهادِ في مَذهبِ إِمامِه، وهو المُقلِّدُ الصِّرفُ الذي لمْ يَتأهلْ لنَظرٍ ولا تَرجيحٍ، والثَّاني على مَنْ له أَهليةٌ لذلك.
ومنَعَ ذلك الحُسبانِيُّ مِنْ جِهةِ أنَّ العُرفَ جَرى بأنَّ تَوليةَ المُقلِّدِ مَشروطةٌ بأنْ يَحكمَ بمَذهبِ مُقلِّدِه وهو مُتجهٌ، سَواءٌ الأَهلُ لمَا ذُكرَ وغيرُه، لا سيما إنْ قالَ له في عَقدِ التَّوليةِ: «على عادةِ مَنْ تقدَّمَكَ»؛ لأنَّه لمْ يُعتدْ لمُقلِّدٍ حُكمٌ بغيرِ مَذهبِ إِمامِه. وقَولُ جَمعٍ مُتقدِّمينَ: «لو قلَّدَ الإِمامُ رَجلًا القَضاءَ على أنْ يَقضيَ بمَذهبٍ عيَّنَه بطَلَ التَّقليدُ» يتعيَّنَ فَرضُه في قاضٍ مُجتهِدٍ أو مُقلِّدٍ عيَّنَ له غيرَ مُقلِّدِه معَ بَقاءِ تَقليدِه له كما هو واضحٌ، ثُم رأيتُ شارحًا جزَمَ بذلك، قالَ: وهو الذي عليه العَملُ أنَّه يُشترطُ على كلِّ مُقلِّدِ العَملُ بمَذهبِ مُقلِّدِه فلا يَجوزُ له الحُكمُ بخِلافِه». اه.
ونقَلَ ابنُ الرِّفعةِ عن الأَصحابِ أنَّ الحاكمَ المُقلِّدَ إذا بانَ حُكمُه على خِلافِ نَصِّ مُقلِّدِه نُقضَ حُكمُه.
ووافَقَه النَّوويُّ في الرَّوضةِ والسُّبكيُّ، وقالَ الغَزاليُّ: لا يُنقضُ، وتبِعَه الرَّافعيُّ بَحثًا في مَوضعٍ.
стр. 14255
وصرَّحَ ابنُ الصَّلاحِ -كما مرَّ- بأنَّ نَصَّ إِمامِ المُقلِّدِ في حَقِّه كنَصِّ الشارعِ في حَقِّ المُقلِّدِ، ووافَقَه في الرَّوضةِ، وما أفهَمَه كَلامُ الرافعيِّ عن الغَزاليِّ من عَدمِ النَّقضِ بِناءً على أنَّ للمُقلِّدِ تَقليدُ مَنْ شاءَ، وجزَمَ به في جَمعِ الجَوامعِ، قالَ الأَذرعيُّ: «بَعيدٌ، والوَجهُ بل الصَّوابُ سَدُّ هذا البابِ مِنْ أَصلِه؛ لمَا يَلزمُ عليه مِنْ المَفاسدِ التي لا تُحصى». اه. وقالَ غيرُه: «المُفتي على مَذهبِ الشَّافعيِّ لا يَجوزُ له الإِفتاءُ بمَذهبِ غيرِه ولا يَنفذُ منه، أيْ: لو قَضى به لتَحكيمٍ، أو تَوليةٍ؛ لمَا تقرَّرَ عن ابنِ الصَّلاحِ، نعم إنِ انتقَلَ لمَذهبٍ آخرَ بشَرطِه وتبحَّرَ فيه جازَ له الإِفتاءُ به» (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ فصرَّحوا بأنَّه لا يَجوزُ التَّقيدُ بمَذهبٍ مُعيَّنٍ في القَضاءِ.
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: «ولا يَجوزُ أنْ يُقلدَ القَضاءُ لواحدٍ على أنْ يَحكمَ بمَذهبٍ بعَينِه، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، ولا أَعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، والحَقُّ لا يَتعينُ في مَذهبٍ، وقد يَظهرُ له الحَقُّ في غيرِ ذلك المَذهبِ، فإنْ قلَّدَه على هذا الشَّرطِ بطَلَ الشَّرطُ، وفي فَسادِ التَّوليةِ وَجهانِ بِناءً على الشُّروطِ الفاسدةِ في البَيعِ» (٢).
وقالَ الإِمامُ المِرداويُّ ﵀: «لا يَجوزُ أنْ يُقلدَ القَضاءُ لواحدٍ على أنْ يَحكمَ بمَذهبٍ بعَينِه، قالَا: وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ ﵀ ولا نَعلمُ فيه خِلافًا».
وقالَ الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀: «مَنْ أوجَبَ تَقليدَ إِمامٍ بعَينِه استُتيبَ فإنْ تابَ وإلا قُتلَ».
стр. 14256
قالَ: «وإنْ قالَ يَنبغي -أيْ: تَقليدُ إِمامٍ بعَينِه- كانَ جاهلًا ضالًّا».
قال: «ومَن كانَ مُتبعًا للإِمامِ فخالَفَه في بعضِ المَسائلِ لقُوةِ الدَّليلِ أو يَكونُ أَحدُهما أَعلمَ أو أَتقى فقد أحسَنَ ولمْ يَقدحْ في عَدالتِه بلا نِزاعٍ».
(قالَ وفي هذه الحالِ) أيْ: حالِ قُوةِ الدَّليلِ أو كَونِ أَحدِهما أَعلمَ أو أَتقى (يَجوزُ) تَقليدُ مَنْ اتصَفَ بذلك (عندَ أَئمةِ الإِسلامِ بل يَجبُ، وإنَّ) الإِمامَ (أَحمدَ نصَّ عليه) (١).
وأمَّا الحَنفيةُ فقالوا: يَحكمُ القاضِي بما في كِتابِ اللهِ، فإنْ لمْ يَجدْ فبسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ فإنْ لمْ يَجدْ فبما ورَدَ عن الصَّحابةِ، فإنِ اختلَفَتْ أَقوالُهم يَجتهدُ في ذلك، ثم ذكَرُوا الكَلامَ الذي ذكَرْتُه في المَسالةِ السابقةِ ثُم قالُوا:
إذا اتفَقَ أَصحابُنا في شَيءٍ -أَبو حَنيفةَ وأَبو يُوسفَ ومُحمد رحِمَهم اللهُ تَعالى- لا يَنبغي للقاضِي أنْ يُخالفَهم برِأيه.
وإذا اختلَفُوا فيما بينهم قالَ عَبدُ اللهِ بنِ المُباركِ: «يُؤخذُ بقَولِ أَبي حَنيفةَ ﵀؛ لأنَّه كانَ مِنْ التابِعينَ وزاحَمَهم في الفَتوى».
وقالَ المُتأخِّرونَ مِنْ الشُّيوخِ: «إذا اجتَمعَ اثنانِ منهم على شَيءٍ وفيهما أَبو حَنيفةَ يُؤخذُ بقَولِهما، وإنْ كانَ أَبو حَنيفةَ في جانبٍ وهما في جانبٍ، فإنْ كانَ القاضِي مِنْ أَهلِ النَّظرِ والاجتِهادِ يَتخيرُ في ذلك، وإنْ لمْ يَكنْ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ يَستفتي غيرَه فيَأخذُ بقَولِه بمَنزلةِ العاميِّ».
стр. 14257
وذكَرَ الحَسنُ بنُ زيادٍ في أَدبِ القاضِي له: «الجاهلُ بالعِلمِ إذا استَفتى فَقيهًا فأَفتاه بقَولِ أَحدٍ أخَذَ بقَولِه ولا يَسعُه أنْ يَتعدى إلى غيرِه، وإنْ كانَ في المِصرِ فَقيهانِ كلاهُما رِضا يَأخذُ عنهما، فإنِ اختلَفا عليه فليَنظرْ أيَّهما يَقعُ في قَلبِه أنَّه أَصوبُهما وسِعَه أنْ يَأخذَ به، فإنْ كانوا ثَلاثةَ فُقهاءَ واتفَقَ اثنانِ أخَذَ بَقولِهما ولا يَسعُه أنْ يَتعدى إلى قَولِ الثالثِ، وإنِ اختلَفُوا ولمْ يَتفقِ اثنانِ منهم على شَيءٍ اجتَهدَ هو ورَأيُه فيما أَفتوه فيه، فأيُّهم كانَ أَصوبَ عندَه قَولًا عمِلَ بذلك، وليسَ له أنْ يَعملَ بقَولِ غيرِ واحدٍ منهم».
وقالَ أَبو العَباسِ الناطفيِّ: «هذا إذا كانَ المُستفتي على مَذهبِ أَهلِ العِراقِ أَفتى عالمٌ بقَولِ أَبي حَنيفةَ ﵀ وأَفتى عالمٌ بقَولِ أَبي يُوسفَ وأَفتى عالمٌ بقَولِ مُحمدٍ أو بقَولِ زُفرٍ فليسَ له أنْ يَأخذَ بقَولِ الشافِعيِّ ولا بقَولِ مالِكٍ، وله أنْ يَأخذَ بقَولِ القاضِي إذا حكَمَ عليه بخِلافِ مَذهبِه.
وإنْ كانَ في المِصرِ قَومٌ مِنْ أَهلِ الفِقهِ شاورْهم في ذلك؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ رَسولَه بذلك بقَولِه تَعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] والقاضِي لا يَكونُ أَفطنَ في نَفسِه مِنْ الرَّسولِ ﷺ ، فإنِ اتفَقُوا على شَيءٍ وكانَ رَأيُه كرَأيهم فصَلَ الحُكمَ، وإنِ اختلَفُوا نظَرَ إلى أَقربِ الأَقوالِ مِنْ الحَقِّ وأَمضى ذلك، وإنْ كانَ مِنْ أَهلِ الاجتِهادِ، ولا يُعتبرُ السِّنُّ. فإذا اجتمَعَ فُقهاءُ البَلدِ على شَيءٍ وكانَ رَأيُه خِلافَ ذلك فلا يَنبغي أنْ يَعجلَ بالحُكمِ حتى يَكتبَ فيه إلى غيرِهم ويُشاورَهم» (١).
стр. 14258
الرُّكنُ الثالثُ: المَقضيُّ له:
الأَصلُ أنَّ القاضِي يَقضي لكلِّ مَنْ تَجوزُ شَهادتُه عليه، ولا يَجوزُ قَضاءُ القاضِي لنَفسِه عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في قَولٍ ولو رضِيَ خَصمُه بذلك، إلا أنَّه إذا حكَمَ على نَفسِه يَكونُ كالإِقرارِ منه بما ادَّعى خَصمُه عليه، وفي قَولٍ للشافِعيةٍ وأَصبغَ مِنْ المالِكيةِ يَصحُّ حُكمُه.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا هل يَجوزُ للقاضِي أنْ يَقضيَ لمَن لا تَجوزُ شَهادتُه له كأَبويه وأَبنائِه أو شُركائِه أم لا يَجوزُ؟ للعُلماءِ تَفصيلٌ في هذا.
أولًا: نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجوزُ قَضاؤُه لنَفسِه ولا لمَن لا تُقبلُ شَهادتُه له كأُصولِه وفُروعِه؛ لأنَّ مَبنى القَضاءِ على الشَّهادةِ، ولا يَصحُّ شاهدًا لهؤلاء فلا يَصحُّ قاضيًا لهم لمَكانِ التُّهمةِ، ويَجوزُ أنْ يَقضيَ عليهم؛ لأنَّه لو شهِدَ عليهم جازَ فكذا القَضاءُ.
قالَ الحَنفيةُ: ولا يَجوزُ قَضاؤُه لنَفسِه ولا لمَن لا تُقبلُ شَهادتُه له؛ لأنَّ مَبنى القَضاءِ على الشَّهادةِ، ولا يَصحُّ شاهدًا لهؤلاء فلا يَصحُّ قاضيًا لهم لمَكانِ التُّهمةِ، ويَجوزُ أنْ يَقضيَ عليهم؛ لأنَّه لو شهِدَ عليهم جازَ فكذا القَضاءُ.
ويَجوزُ أنْ يَقضيَ لمَن تُقبلُ شَهادتُه له كالأخِ والعمِّ وأَولادِهما، وكذا لو قَضى لامرَأتِه وأمِّها، وإنْ كانَتا قد ماتَتا لمْ يَجزْ قَضاؤُه لهما إذا كانَتِ امرأتُه تَرثُ مِنْ ذلك شَيئًا؛ لأنَّه لو شهِدَ لهما في هذه الصُّورةِ لمْ يَجزْ، فكذا إذا قَضى لهما، وإنْ قَضى لامرأةِ ابنِه أو لزَوجِ ابنتِه والمَقضيُّ له حيٌّ جازَ
стр. 14259
قَضاؤُه، وإنْ كانَ مَيتًا لمْ يَجزْ إذا كانَ الابنُ أو البِنتُ يَرثانِ لمَا قلْنا (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ للقاضِي أنْ يَحكمَ لنَفسِه فإنْ كانَ له قبلَ أَحدٍ شَيءٌ رفَعَ ذلك إلى غيرِه، ووكَّلَ وَكيلًا يُخاصمُ عنه، وإنْ شاءَ خاصَمَ ولمْ يُوكِّلْ، فإنْ رضِيَ صاحبُه أنْ يُحكمَه في ذلك فلا يَقبلُ، ولا يَجوزُ حُكمُه لنَفسِه إلا أنْ يَشاءَ أنْ يَحكمَ عليها فيَكونُ كالإِقرارِ منه بما ادَّعى خَصمُه عليه، وقالَ أَصبغُ في تَحكيمِ خَصمِ القاضِي له: «لا أُحبُّه فإنْ وقَعَ مَضى، وليَذكرْ في حُكمِه رِضاه بتَحكيمِه، ويُوقعُ عندَه شَهادةَ مَنْ شهِدَ برِضاه».
وفي حُكمِه لأَقاربِه الذين لا تَجوزُ شَهادتُه لهم أَربعةُ أَقوالٍ:
القَولُ الأَولُ: المَنعُ لمُحمدٍّ ومُطرِّفٍ.
والثانِي: الجَوازُ لأَصبغَ، قالَ: وهذا إنْ كانَ مِنْ أَهلِ القيامِ بالحَقِّ وقد يَحكمُ للخَليفةِ وهو فيه أَقوى تُهمةً.
والثالثُ: الجَوازُ إلا لزَوجتِه ووَلدِه الصَّغيرِ ويَتيمِه الذي يَلي مالَه.
وفي ابنِ يُونسَ: ولا يَحكمُ لعمِّه إلا أنْ يَكونَ مُبَرَّزًا في العَدالةِ.
والرابعُ: التَّفرقةُ، فإنْ قالَ ثبَتَ عِندي لمْ يَجزْ إنْ حضَرَ الشُّهودُ، وكانَتِ الشَّهادةُ ظاهرةً جازَ إلا لزَوجتِه ووَلدِه الصَّغيرِ ويَتيمِه، واختارَه ابنُ حَبيبٍ، واختارَ اللَّخميُّ المَنعَ مُطلقًا، قالَ: «ولو حكَمَ بما تَلحقُه فيه الحَميةُ مِنْ غيرِ المالِ لمْ يَجزْ بحالْ» (٢).
стр. 14260
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ للقاضِي أنْ يَحكمَ لنَفسِه، كما لا يَجوزُ أنْ يَشهدَ لنَفسِه. فإنِ اتفَقَ بينَه وبينَ غيرِه خُصومةٌ .. تحاكَما إلى الإِمامِ أو إلى بعضِ القُضاةِ الذين وَلاهم الإِمامُ، فإنْ تحاكَما إلى خَليفةِ القاضِي المُخاصمِ .. صحَّ؛ ل: (أنَّ عُمرَ ﵁ تحاكَمَ معَ أُبي بنِ كَعبٍ إلى زَيدِ بنِ ثابتٍ)، و: (تحاكَمَ عُثمانُ ﵁ معَ طَلحةَ إلى جُبيرِ بنِ مُطعمٍ)، و: (تحاكَمَ عليٌّ ﵁ معَ يَهوديٍّ في دِرعٍ إلى شُريحٍ).
ويَنفذُ قَضاؤُه على نَفسِه وهل هو إِقرارٌ أو حُكمٌ فيه وَجهانِ والأَوجهُ أنَّه حُكمٌ.
ولا يَجوزُ له أنْ يَحكمَ لوالدِه وإنْ عَلا، ولا لوَلدِه وإنْ سفَلَ.
وقالَ أَبو ثَورٍ: يَجوزُ.
دَليلُنا: أنَّه لا تُقبلُ شَهادةٌ له، فلمْ يَصحَّ حُكمُه له، كنَفسِه.
وإنْ تحاكَمَ إليه والدُه ووَلدُه .. فهل يَصحُّ حُكمُه بينَهما؟ فيه وَجهانِ:
أَحدُهما: لا يَصحُّ، كما لا يَصحُّ حُكمُه بينَ أَحدِهما وبينَ أَجنبيٍّ.
والثانِي: يَصحُّ؛ لأنَّهما سَواءٌ في البَعضيةِ منه، فارتفَعَتْ عنه تُهمةُ المَيلِ.
ولا يَجوزُ أنْ يَقضيَ لشَريكِه فيما لهم فيه شَركةٌ لوُجودِ التُّهمةِ.
ويَقضي له ولهؤلاءِ إذا وقَعَتْ له أو لهم خُصومةٌ نائبُه؛ لأنَّه حاكمٌ أو الإِمامُ أو قاضٍ آخرُ لانتفاءِ التُّهمةِ ولا يَقضي على عَدوٍّ له كالشَّهادةِ عليه.
وله أنْ يَحكمَ ليَتيمٍ وَصى به إليه لأنَّ القاضِي يَلي أَمرَ الأَيتامِ كلِّهم وإنْ لم يَكنْ وَصيًّا فلا تُهمةَ، وقيلَ: ليسَ له ذلك كما لا يَشهدُ له.
стр. 14261
ويَجوزُ قَضاؤُه لكلِّ مَنْ جازَتْ له شَهادتُه مِنْ أخٍ وعمٍّ وابنِ عمٍّ (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: «وليسَ للحاكمِ أنْ يَحكمَ لنَفسِه كما لا يَجوزُ أنْ يَشهدَ لنَفسِه، فإنْ عرضَتْ له حُكومةٌ معَ بعضِ الناسِ جازَ أنْ يُحاكمَه إلى بعضِ خُلفائِه أو بعضِ رَعيتِه، فإنَ عُمرَ حاكَمَ أُبيًّا إلى زَيدٍ وحاكَمَ رَجلًا عِراقيًّا إلى شُريحٍ، وحاكَمَ عليٌّ اليَهوديَّ إلى شُريحٍ، وحاكَمَ عُثمانُ طَلحةَ إلى جُبيرِ بنِ مُطعمٍ.
فإنْ عرضَتْ حُكومةٌ لوالديه أو وَلدِه أو مَنْ لا تُقبلُ شَهادتُه له؛ ففيه وَجهانِ:
أَحدُهما: لا يَجوزُ له الحُكمُ فيها بنَفسِه، وإنْ حكَمَ له لمْ يَنفذْ حُكمْه، وهذا قَولُ أَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ؛ لأنَّه لا تُقبلُ شَهادتُه له فلمْ يَنفذْ حُكمْه له كنَفسِه.
والثانِي: يَنفذُ حُكمُه، اختارَه أَبو بَكرٍ، وهو قَولُ أَبي يُوسفَ وابنِ المُنذرِ وأَبي ثَورٍ؛ لأنَّه حُكمٌ لغيرِه أشبَهَ الأَجانبَ، وعلى القَولِ الأَولِ متى عرضَتْ لهؤلاء حُكومةٌ حكَمَ بينهم الإِمامُ أو حاكِمٌ آخرُ أو بعضُ خُلفائِه، فإنْ كانَتِ الخُصومةُ بينَ والديه أو وَلدَيْه أو والدِه ووَلدِه لمْ يَجزْ له الحُكمُ بينَهما على أَحدِ الوَجهينِ؛ لأنَّه لا تُقبلُ شَهادتُه لأَحدِهما على الآخرِ فلمْ يَجزِ الحُكمُ بينَهما كما لو كانَ خَصمُه أَجنبيًّا، وفي الآخرِ يَجوزُ وهو قَولُ بعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنَّها سَواءٌ عندَه فارتفَعَتْ تُهمةُ المَيلِ فأشبَها الأَجنبيَّينِ (٢).
стр. 14262
الرُّكنُ الرابعُ: المَقضيُّ فيه:
المَقضيُّ فيه وهو جَميعُ الحُقوقِ سَواءٌ كانَتْ حقًّا خالصًا للهِ تَعالى كحدِّ الزِّنى والخَمرِ أو حقًّا خالصًا للعَبدِ أو حقًّا مُشترَكًا بينَه وبينَ اللهِ تَعالى، إلا أنَّ حَقَّ اللهِ فيه هو الغالبُ كحَدِّ السَّرقةِ أو القَذفِ عندَ البعضِ أو كانَ حقُّ العَبدِ فيه هو الغالبُ كحَدِّ القِصاصِ والتَّعزيرِ فللقاضِي النَّظرُ والحُكمُ في هذه الحُدودِ، فعلى القاضِي مَدارُ الأَحكامِ، وإليه النَّظرُ في جَميعِ وُجوهِ القَضاءِ مِنْ القَليلِ والكَثيرِ بلا تَحديدٍ عندَ أَكثرِ العُلماءِ (١).
стр. 14263
الرُّكنُ الخامسُ: المَقضيُّ عليه:
المَقضيُّ عليه هو كلُّ مَنْ توجَّهَ عليه الحَقُّ، إمَّا بإِقرارِه إنْ كانَ ممَّن يَصحُّ إِقرارُه، وإمَّا بالشَّهادةِ عليه ويمينِ الاستبراءِ إنْ كانَ الحقُّ على ميتٍ أو على غائبٍ، وإمَّا بلددِه وتَغيبُه عن حُضورِ مَجلسِ الحُكمِ وقيامِ البَينةِ عليه، وإمَّا بالشَّهادةُ عليه ولَددِه عن الجَوابِ على طَبقِ الدَّعوى.
والمَقضيُّ عليهم أَنواعٌ: منهم الحاضرُ المالكُ أَمرَه، ومنهم الغائبُ.
فأمَّا الحاضرُ المالكُ أمَرَه إذا لمْ يَمتنعْ مِنْ الحُضورِ فلا يَجوزُ الحُكمُ عليه إلا بعدَ حُضورِه مَجلسَ الحُكمِ؛ لأنَّه أمكَنَ سُؤالُه فلمْ يَجزِ الحُكمُ عليه قبلَ سُؤالِه (١).
الحُكمُ على الغائبِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجوزُ للقاضِي أنْ يَحكمَ على الغائبِ أم لا يَجوزُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ للقاضِي أنْ يَقضيَ على غائبٍ؛ لأنَّه يَحتملُ الإِقرارَ والإِنكارَ مِنْ الخَصمِ، فيَشتبهُ وَجهُ القَضاءِ، ولأنَّ الغائبَ لا يَجوزُ القَضاءُ له، فكذا لا يَجوزُ القَضاءُ عليه. إلا أنْ يَحضرَ مَنْ يَقومُ مَقامَه، كالوَكيلِ أو مَنْ نصَّبَه القاضِي (٢).
إلا أنَّ ابنَ عابدينَ ﵀ قالَ: «قالَ صاحبُ جامعِ الفُصولَينِ ما حاصلُه أَقولُ: «قد اضطربَتْ آراؤُهم في الحُكمِ على الغائبِ، وله فيَنبغي
стр. 14264
عِندي أنْ يَحتاطَ ويُلاحظَ الحَرجُ والضَّروراتُ فيُفتى بحسَبها جَوازًا أو فَسادًا صِيانةً للحُقوقِ معَ أنَّه مُجتهدٌ فيه ذهَبَ إلى جَوازِه الأَئمةُ الثَّلاثةُ، وفيه عندَنا رِوايتانِ، والأَحوطُ نَصبُ وَكيلٍ عنه يَعرفُ أنَّه يُراعي جانبَ الغائبِ ولا يُفرطُ في حقِّه». اه مُلخَّصًا، وارتَضاه في نُورِ العينِ فيَنبغي التَّعويلُ عليه، وقالَ العَلامةُ الخَيرُ الرَّمليُّ في حاشيةِ البَحرِ: «لكنْ إذا لُوحظَ الحَرجُ والضَّرورةُ يَجبُ اعتِبارُ عَدمِ إِمكانِ مُراجعةِ الغائبِ وإِحضارِه حتى لو أمكَنَ لا يَصحُّ لعَدمِ الضَّرورةِ» اه. واللهُ تَعالى المُوفِّقُ» (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ القَضاءُ على الغائبِ إنْ أقامَ الخَصمُ البَينةَ وطلَبَ مِنْ القاضِي الحُكمَ عليه، واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي:
قَولُه تَعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فلمْ يُفرقْ بينَ حاضرٍ وغائبٍ.
وقَولُه ﷺ : «لو يُعطى الناسُ بدَعواهم لادَّعى ناسٌ دِماءَ رِجالٍ وأَموالَهم، ولكنَّ اليَمينَ على المُدعى عليه» (٢). ولمْ يُفرقْ بينَ أنْ يَكونَ المُدعى عليه حاضرًا أو غائبًا.
قَولُه ﷺ لهِندٍ: «خُذي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ» (٣). فقُضيَ على أَبي سُفيانَ ولمْ يَكنْ حاضرًا.
стр. 14265
ولإِجماعِ الصَّحابةِ، فرَوى مالكٌ عن عُمرَ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ دِلافٍ المُزنِيِّ عن أَبيه أنَّ رَجلًا مِنْ جُهينةَ كانَ يَسبقُ الحاجَّ فيَشتري الرَّواحلَ فيُغلي بها ثُم يُسرعُ السَّيرَ فيَسبقُ الحاجَّ، فأفلَسَ فرُفعَ أمرُه إلى عُمرَ بنِ الخَطابِ، فقالَ: «أمَّا بعدُ أيُّها الناسُ فإنَّ الأُسيفعَ أُسيفعَ جُهينةَ، رضِيَ مِنْ دينِه وأَمانتِه بأنْ يُقالَ سبَقَ الحاجَّ، ألا وإنَّه قد دانَ مُعرضًا، فأصبَحَ قد رينَ به، فمَن كانَ له عليه دَينٌ فليَأتِنا بالغَداةِ نَقسمُ مالَه بينهم، وإيَّاكم والدَّينَ؛ فإنَّ أَولَه همٌّ وآخرُه حَربٌ» (١). وكانَ الأُسيفعُ غائبًا ولم يُنكرْ عليه فكانَ إِجماعًا وقِياسًا لبَينتِه على بَينةِ الحاضرِ، والإِجماعِ على القَضاءِ بالدِّيةِ على العاقلةِ وهي غائبةٌ وعلى المَيتِ وهو أَعظمُ مِنْ الغائبِ.
ولأنَّه لولا الحُكمُ على الغائبِ لأَخذَ الناسُ أَموالَ الناسِ وغابوا فتَضيعُ الأَموالُ، ويَجوزُ ذهابُ مالِ الغائبِ قبلَ القُدومِ فيَضيعَ الحَقُّ، وبالقياسِ على ما إذا شهِدَتْ بَينةٌ على جَماعةٍ بعضُهم حاضرٌ وعلى المَفقودِ.
ولأنَّ المَنعَ إمَّا لاحتِمالِ الإِنكارِ عندَ القُدومِ ولا عِبرةَ به؛ لأنَّ البَينةَ شهِدَتْ عليه، أو لتَرجيحِ البَينةِ وهو لا يَفوتُه عندَ حُضورِهم، ويَجوزُ ألَّا يُخرجَهم فلا يَتوقفُ بالشكِّ، ولأنَّ مَنْ لا يُعتبَرُ رِضاه لا يُعتبرُ حُضورُه.
ولأنَّه لو لمْ يَجزِ القَضاءُ على الغائبِ لجُعلَتِ الغِيبةُ والاستِنظارُ طَريقًا إلى إِبطالِ الحُقوقِ، فيَكونُ ذَريعةً إلى إِبطالِ حُقوقِ الناسِ؛ لأنَّه لا يَشاءُ أَحدٌ أنْ يَأخذَ أَموالِ الناسِ ولا يُؤديها إلا غابَ فلا يُمكنُ القَضاءُ عليه.
стр. 14266
ولأنَّ الاتِّفاقَ على أنَّ الحاكمَ يَسمعُ البَينةَ عليه والفائدةُ في ذلك الحُكمُ بها وإلا لمْ يَنتفعْ باستماعِها.
وهذا الخِلافُ السابقُ في غيرِ الحُدودِ، أمَّا في الحُدودِ فلا يَجوزُ عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ إلا في السَّرقةِ فيُقضى بالغُرمِ دونَ القَطعِ إذا ثبَتَ بالبَينةِ، وأمَّا غيرُها فلا يَجوزُ إلا قَولًا للشافِعيةِ فيَجوزُ (١).
стр. 14267
الرُّكنُ السادسُ: الحُكمُ: وكَيفيةُ القَضاءِ:
الحُكمُ هو قَطعُ الحاكمِ المُخاصمةَ وحَسمُه إيَّاها، وهو على قِسمينِ:
القِسمُ الأَولُ: هو إِلزامُ القاضِي المَحكومَ به على المَحكومِ عليه بكَلامٍ كقَولِه: حكَمْتُ أو أَعطِ الشَّيءَ الذي ادَّعى به عليكَ، ويُقالُ له: قَضاءُ الإِلزامِ وقَضاءُ الاستِحقاقِ.
والقِسمُ الثانِي: هو مَنعُ القاضِي المُدِّعي عن المُنازعةِ بكَلامِ كقَولِه ليسَ لك حقٌّ أو أنت مَمنوعٌ عن المُنازعةِ، ويُقالُ لهذا قَضاءُ التَّركِ.
والحُكمُ بضمِّ الحاءِ وسُكونِ الكافِ لغةٌ بمَعنى المَنعِ، وتَسميةُ القاضِي بالحاكمِ لمَنعِه المُبطلَ مِنْ الإِبطالِ. مثلًا: إذا حكَمَ على المُدَّعى عليه بعدَ المُرافعةِ الشَّرعيةِ والثُّبوتِ بعَشرةِ دَنانيرَ يَكونُ قد منَعَ المُدَّعى عليه مِنْ عَدمِ إِعطاءِ حقِّ المُدَّعي فلذلك يُقالُ قد حَكَم القاضِي أيْ: أنَّه وضَعَ الحقَّ في أَهلِه، أيْ: في يدِ صاحبِه، ومنَعَ الغيرَ المُحقَّ مِنْ الإِبطالِ (١).
بعضُ المَسائلِ التي تَتعلقُ بالقاضِي وبحُكمِه:
المَسالةُ الأُولى: حُكمِ القاضِي بعِلمِه:
حُكمُ القاضِي بعِلمِه لا يَخلو مِنْ ضَربينِ:
الضَّربُ الأَولُ: أنْ يَحكمَ بعِلمِه في الجَرحِ والتَّعديلِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه يَجوزُ للقاضِي أو الحاكمِ أنْ يَحكمَ بعِلمِه في تَجريحِ الشُّهودِ وتَعديلِهم.
стр. 14268
قالَ الماوَرديُّ: «لا اختلافَ بينَ الفُقهاءِ أنَّ للقاضِي أنْ يَحكمَ بعِلمِه في الجَرحِ والتَّعديلِ» (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: «العُلماءُ أجمَعُوا على أنَّ القاضِي يَقضي بعِلمِه في التَّعديلِ والتَّجريحِ، وأنَّه إذا شهِدَ الشُّهودُ بضدِّ عِلمِه لمْ يَقضْ به» (٢).
الضَّربُ الثانِي: أنْ يَحكمَ بعِلمِه في الحُقوقِ:
إذا علِمَ القاضِي حالَ المَحكومِ فيه ولمْ تَقمْ عندَه بَينةٌ؛ مثلُ أنْ يَعلمَ أنَّ رَجلًا غصَبَ مِنْ رَجلٍ مالًا أو اقترَضَ منه، أو علِمَ أنَّ رَجلًا زَنى أو سرَقَ فهل يَجوزُ له أنْ يَقضيَ فيه بعِلمِه أم لا؟ فهذا لا يَخلو مِنْ صُورتينِ:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ يَحكمَ بعِلمِه في الحُقوقِ:
إذا علِمَ القاضِي حالَ المَحكومِ فيه ولمْ تَقمْ عندَه بَينةٌ؛ مِثلُ أنْ يَعلمَ أنَّ رَجلًا غصَبَ مِنْ رَجلٍ مالًا أو اقتَرضَ منه، فهل يَجوزُ له أنْ يَقضيَ فيه بعِلمِه أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ القاضِي لا يَحكمُ بعِلمِه في الحُقوقِ لا فيما علِمَه قبلَ الوِلايةِ أو بعدَها؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] الآية. فأمَرَ بجَلدِ القاذفِ إذا لمْ يَأتْ بأَربعةِ شُهداءَ على القاذفِ، ولمْ يُفرقْ بينَ أنْ
стр. 14269
يَعلمَه الحاكمُ أو لا يَعلُمه. ولقَولِه ﷺ للحَضرميِّ: «شاهداكَ أو يَمينُه، ليسَ لك إلا ذلك» (١).
فاقتضى أنَّه لا يَجوزُ الحُكمُ بغيرِ ذلك، فدلَّ على انتفاءِ الحُكم بالعلمِ.
ورُويَ: أنَّ رَجلًا ادَّعى على رَجلٍ عندَ عُمرَ ﵁ حقًّا، فقالَ عُمرُ: «مَنْ يَشهدُ لكَ؟» فقالَ: أنت، فقالَ عُمرُ: «إنْ شئْتَ شهَدْتُ لك ولمْ أَحكمْ، وإنْ شئْتَ حكَمْتُ لك ولمْ أَشهدْ». ولأنَّه لو كانَ عِلمُ الحاكمِ بمَنزلةِ الشاهدينِ لانعَقدَ النِّكاحُ به وَحدَه.
ولمَا رَوتْ أُم سَلمةَ ﵂ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إنما أنا بَشرٌ، وإنَّكم تَختصمونَ إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أنْ يَكونَ أَلحنَ بحُجتِه مِنْ بعضٍ، فأَقضيَ له نَحوَ ما أَسمعُ، فمَن قَضيتُ له بحقِّ أَخيه فإنما أَقطعُ له قِطعةً مِنَ النارِ» (٢). وظاهرُه أنَّه لا يَحكمُ إلا بما يَسمعُ في حالِ حُكمِه، وقد رُويَ: «وإنما أَحكمُ» وهذا صَريحٌ أو كالصَّريحِ في أنَّه لا يَحكمُ إلا بما يَسمعُ.
قَولُه ﷺ في حَديثِ هِلالِ بنِ أُميةَ ﵁ لمَّا لاعَنَ زَوجتَه: «أَبصِروه فإنْ جاءَتْ به -يَعني الوَلدَ- على نَعتِ كذا فهو لهِلالٍ، وإنْ جاءَتْ به على نَعتِ كذا فهو لشَريكٍ» فجاءَتْ به على النَّعتِ المَكروهِ، فقالَ النَّبيُّ: «لو رجَمْتُ أَحدًا بغيرِ بَينةٍ رجَمْتُ هذه» (٣). فلمْ يَحكمْ بعِلمِه، لعَدمِ قيامِ البَينةِ.
ولأنَّ الشَّهادةَ لا تَجوزُ بأَقلَّ مِنْ اثنينِ، فلو جازَ للقاضِي أنْ يَحكمَ بعِلمِه لصارَ إِثباتُ الحَقِّ بشَهادةِ واحدٍ.
ولو صارَ القاضِي كالشاهدينِ لصحَّ عَقدُ النِّكاحِ بحُضورِه وَحدَه لقيامِه مَقامَ شاهدينِ، وفي امتناعِ هذا دَليلٌ على مَنعِه من الحُكمِ بعِلمِه.
ولأنَّ تَجويزَ القَضاءِ بعِلمِ القاضِي يُفضي إلى تُهمتِه وحُكمِه بما يَشتهي (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأَصحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَقضيَ بعِلمِه في الحُقوقِ، فإذا علِمَ بشَيءٍ مِنْ حُقوقِ العِبادِ في زَمنِ وِلايتِه ومَحلِّها جازَ له أنْ يَقضيَ به؛ لأنَّ عِلمَه كشَهادةِ الشاهدينِ وبل أَولى؛ لأنَّ اليَقينَ حاصلٌ بما علِمَه بالمُعاينةِ والسَّماعِ، والحاصلُ بالشَّهادةِ غَلبةُ الظنِّ، والإِجماعُ على أنَّ قَولَه على الانفرادِ مَقبولٌ فيما ليسَ خَصمًا فيه، ومتى قالَ حكَمْتُ بكذا نفَذَ حُكمُه.
ولقَولِه تَعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، وقَولِه تَعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]، والحقُّ هو ضدُّ الباطلِ، ولمْ يُفرقْ بينَ أنْ يَحكمَ القاضِي بالبَينةِ أو بعِلمِه.
стр. 14272
ولقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] وليسَ مِنْ القِسطِ أنْ يَعلمَ الحاكمُ أنَّ أَحدَ الخَصمينِ مَظلومٌ والآخرَ ظالمٌ ويَتركُ كلًّا منهما على حالِه.
ورُويَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا يَمنعنَّ أَحدَكم هَيبةُ الناسِ أنْ يَقولَ في حقٍّ إذا رَآه أو سمِعَه» (١).
ورُويَ: أنَّ هندًا قالَتْ: «يا رَسولَ اللهِ، إنْ أَبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ، وإنَّه لا يُعطيني ما يَكفيني ووَلدي إلا ما أخَذْتُ منه سرًّا»، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «خُذي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ» (٢)، فقَضى لها رَسولُ اللهِ بأنْ تَأخذَ نَفقتَها مِنْ مالِه؛ مِنْ غيرِ بَينةٍ ولا إِقرارٍ لعِلمِه بصِدقِها.
ولأنَّ الحُكمَ بالأَقوى أَولى مِنْ الحُكمِ بالأَضعفِ، والحُكمُ في الشَّهادةِ بغالبِ الظنِّ وبالعِلمِ مِنْ طَريقِ اليَقينِ والقَطعِ، فلمَّا جازَ الحُكمُ بالشَّهادةِ كانَ بالعِلمِ أَولى وأَجوزَ، ألَا تَرى أنَّه لمَّا جازَ أنْ يَحكمَ بخَبرِ الواحدِ كانَ الحُكمُ بخَبرِ التَّواترِ أَولى، ولمَّا جازَ الحُكمُ بقَولِ الرَّاوي عن الرَّسولِ كانَ الحُكمُ بقَولِ الرَّسولِ ﷺ أَولى.
ولأنَّه لمَّا جازَ أنْ يَحكمَ في الجَرحِ والتَّعديلِ بعِلمِه، جازَ أنْ يَحكمَ في غيرِهما بعِلمِه، لثُبوتِه بأَقوى أَسبابِه.
ولأنَّ مَنعَ القاضِي مِنْ الحُكمِ بعِلمِه مُفضٍ إلى وُقوفِ الأَحكامِ أو فِسقِ الحُكامِ في رَجلٍ سمِعَه القاضِي يُطلقُ زَوجتَه ثَلاثًا أو يُعتقَ عَبدَه، ثُم أنكَرَ
стр. 14273
العِتقَ أو الطَّلاقَ، فإنِ استحلَفَه ومكَّنَه فسَقَ، وإنْ لمْ يَستحلفْه وقَفَ الحُكمُ، وإذا حكَمَ بعِلمِه سلِمَ مِنْ الأَمرينِ.
وسَواءٌ كانَ عِلمُه بذلك في زَمنِ وِلايتِه أو قبلَها فإنَّه يَقضي به عندَ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ، فيَقضي كما في حالِ وِلايتِه؛ لأنَّه يَعلمُ صَحةَ ذلك فجازَ له القَضاءُ به، كما لو علِمَه بعدَ وِلايتِه في عَملِه، والدَّليلُ على التَّسويةِ بينَ ما قبلَ الوِلايةِ وبعدَها: أنَّه لمَّا جازَ أنْ يَحكمَ في الجَرحِ والتَّعديلِ بعِلمِه قبلَ الوِلايةِ وبعدَها ولمْ يَجزْ أنْ يَحكمَ في الحُدودِ بعِلمِه قبلَ الوِلايةِ وبعدَها؛ وجَبَ أنْ يَكونَ ما عَداهما مُعتبَرًا بهما، إنْ جازَ الحُكمُ فيه بالعِلمِ استَوى ما علِمَه قبلَ الوِلايةِ وبعدَها كالجَرحِ والتَّعديلِ، وإنْ لمْ يَجزْ أنْ يَحكمَ فيه بالعِلمِ استَوى ما علِمَه قبلَ الوِلايةِ وبعدَها كالحُدودِ فبطَلَ بهذا الفَرقُ بينَ العِلمينِ.
وأمَّا عندَ الإِمامِ أَبي حَنيفةَ فإنَّه يَرى أنَّه لا يحَكمُ بعِلمِه إلا فيما علِمَه في زَمنِ وِلايتِه ومَحلِّها جازَ له أنْ يَقضي به، وأمَّا ما علِمَه قبلَ وِلايتِه أو في غيرِ مَحلِّ وِلايتِه لا يَقضي به عندَ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّه في غيرِ مِصرِه وغيرِ وِلايتِه شاهدٌ لا حاكمٌ، وشَهادةُ الفَردِ لا تُقبلُ، وصارَ كما إذا علِمَ ذلك بالبَينةِ العادلةِ ثُم ولِيَ القَضاءَ فإنَّه لا يَعملُ بها (١).
стр. 14274
ولكنَّ الفَتوى عندَ مُتأخِّري الحَنفيةِ عَدمُ جَوازِ حُكمِ القاضِي بعِلمِه لفَسادِ الزَّمانِ.
قالَ ابنُ عابدينَ: «للقاضِي العَملُ بعِلمِه والفَتوى على عَدمِه في زَمانِنا كما نقَلَه في الأَشباهِ عن جامعِ الفُصولَينِ، وقيَّدَ بزَمانِنا لفَسادِ القُضاةِ فيه، وأَصلُ المَذهبِ الجَواز» (١).
الصُّورةُ الثانيةُ: أنْ يَحكمَ بعِلمِه في الحُدودِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في القاضِي إذا علِمَ حالَ المَحكومِ فيه ولمْ تَقمْ عندَه بَينةٌ مِثلُ أنْ يَعلمَ أنَّ رَجلًا زَنى أو سرَقَ هل يُقامُ عليه الحَدُّ لعِلمِه بذلك أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ القاضِي لا يَحكمُ بعِلمِه في الحُدودِ لا فيما علِمَه قبلَ الوِلايةِ أو بعدَها؛ لأنَّه خَصمٌ فيها؛ لأنَّها حقُّ اللهِ تَعالى وهو نائبُه، ومَبنى حُقوقِ اللهِ تَعالى على السَّترِ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «هلَّا ستَرْتَه بثَوبِكَ يا هَزالُ؟» (٢).
ولقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فأمَرَ بجَلدِ القاذفِ متى لمْ يُقمِ البَينةَ.
وقَولِه ﷺ في حَديثِ هِلالِ بنِ أَميةَ لمّا لاعَنَ امرَأتَه: «إنْ جاءَتْ به على نَعتِ كذا فهو لهِلالٍ، وإنْ جاءَتْ به على نَعتِ كذا فهو لشَريكٍ»، فجاءَتْ به على النَّعتِ المَكروهِ، فقالَ ﷺ : «لو كنْتُ
стр. 14275
راجمًا أَحدًا بغيرِ بَينةٍ لرجَمْتُها» (١). مَوضعُ الدَّليلِ: أنَّه ﷺ علِمَ أنَّها زَنتْ؛ لإِخبارِه أنَّها إنْ جاءَتْ به على نَعتِ كذا فهو مِنْ غيرِ زَوجِها، ثُم لمْ يَحكمْ بالحدِّ لعَدمِ البَينةِ.
وقالَ أَبو بَكرٍ الصِّديقُ ﵁: «لو رَأيتُ رَجلًا على حدٍّ لمْ أَحدَّه به أنا، ولم أَدعْ له أَحدًا حتى يَكونَ معي غيري» (٢).
وعن عِكرمةَ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ ﵁ قالَ لعَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ: «أَرأيتَ لو رَأيتُ رَجلًا قتَلَ أو سرَقَ أو زَنى؟ قالَ: أَرى شَهادتَكَ شَهادةَ رَجلٍ مِنْ المُسلِمينَ. قالَ: أصبْتَ» (٣). ولا مُخالِفَ لهم مِنْ الصَّحابةِ نَعلمُه.
ولأنَّ حُقوقَ اللهِ تَعالى مَوضوعةٌ على التَّخفيفِ والمُسامحةِ لإِسقاطِها بالشُّبهةِ.
إلا في حدِّ القَذفِ خاصةً عندَ الحَنفيةِ؛ لأنَّ المُطالبةَ بإِقامتِه مِنْ حُقوقِ الآدميينَ، والمَعنى في سائرِ الحُدودِ أنَّ القاضِي وسائرَ المُسلِمينَ خَصمٌ فيها؛ إذ كانَتْ حقًّا للهِ تَعالى خالصًا، كالشُّهودِ أَنفسِهم، وكانَ القاضِي فيها بمَنزلةِ الشاهدِ (٤).
стр. 14276
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَقضيَ بعِلمِه في الحُدودِ كما يَقضي بعِلمِه في الحُقوقِ (١).
وقد ذكَرَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ بعضَ حُججِ كلِّ فَريقٍ مِنْ المُجوِّزينَ والمانِعينَ فقاَل ﵀ بعدَ أنْ ذكَرَ الخِلافَ:
«واحتَجُّوا -أيْ: المُجيزينَ- أيضًا بقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] وليسَ مِنْ القِسطِ أنْ يَعلمَ الحاكمُ أنَّ أَحدَ الخَصمينِ مَظلومٌ والآخرَ ظالمٌ ويَتركُ كلًّا منهما على حالِه.
قالَ الآخرونَ: ليسَ في هذا مَحذورٌ حيثُ لمْ يَأتِ المَظلومُ بحًجةٍ يَحكمُ له بها فالحاكمُ مَعذورٌ؛ إذ لا حُجةَ معَه يُوصلُ بها صاحبُ الحقِّ إلى حقِّه، وقد قالَ سَيدُ الحُكامِ -صَلواتُ اللهِ وسَلامُه عليه-: «إنَّكم تَختصمونَ إليَّ ولعلَّ بعضَكم يَكونُ أَلحنَ بحُجتِه مِنْ بَعضٍ فأَحسبُ أنَّه صادقٌ فأَقضى له، فمَن قَضيتُ له بشَيءٍ مِنْ حقِّ أَخيه فلا يَأخذْه، فإنما أَقطعُ له قِطعةً مِنْ النارِ» (٢).
стр. 14277
واحتَجُّوا بقَولِّ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ رَأى منكم مُنكرًا فليُغيرْه بيدِه، فإنْ لمْ يَستطعْ فبِلسانِه، فإنْ لمْ يَستطعْ فبِقلبِه» وإذا رَأى الحاكمُ وَحدَه عُدوانَ رَجلٍ على رَجلٍ وغصَبَه مالَه أو سمِعَ طَلاقَه لامرَأتِه وعِتقَه لعَبدِه، ثُم رَأى الرَّجلَ مُستمرًا على إِمساكِ الزَّوجةِ أو بَيعِ مَنْ صرَّحَ بعِتقِه فقد أقَرَّ على المُنكرِ الذي أُمرَ بتَغييرِه.
قالَ الآخرونُ: هو مَأمورٌ بتَغييرِ ما يَعلمُ الناسُ أنَّه مُنكَرٌ بحيثُ لا تَتطرقُ إليه تُهمةٌ في تَغييرِه، وأمَّا إذا عمَدَ إلى رَجلٍ معَ زَوجتِه وأَمتِه ولمْ يَشهدْ أَحدٌ أنَّه طلَقَها ولا أعتَقَها البَتةَ ولا سمِعَ بذلك أَحدٌ قطُّ ففرَّقَ بينَهما وزعَمَ أنَّه طلَّقَ وأعتَقَ، فإنَّه يُنسبُ ظاهرًا إلى تَغييرِ المَعروفِ بالمُنكرِ وتَطرقِ الناسِ إلى اتهامِه والوُقوعِ في عِرضِه.
وهل يَسوغُ للحاكمِ أنْ يَأتِيَ إلى رَجلٍ مَستورٍ بينَ الناسِ غيرِ مَشهورٍ بفاحشةٍ وليسَ عليه شاهدٌ واحدٌ بها فيَرجمُه ويَقولُ رَأيتُه يَزني، أو يَقتلُه ويَقولُ سمِعتُه يَسبُّ، أو يُفرقُ بينَ الزَّوجينِ ويَقولُ سمِعْتُه يُطلقُ، وهل هذا إلا مَحضُ التُّهمةِ؟! ولو فُتحَ هذا البابُ ولا سيما لقُضاةِ الزَّمانِ لوجَدَ كلُّ قاضٍ له عُدوٌّ السَّبيلَ إلى قَتلِ عَدوِّه ورَجمِه وتَفسيقِه والتَّفريقِ بينَه وبينَ امرَأتِه، ولا سيما إذا كانَت العَداوةُ خَفيةً لا يُمكنُ لعَدوِّه إِثباتُها.
وحتى لو كانَ الحقُّ هو حُكمُ الحاكمِ بعِلمِه لوجَبَ مَنعُ قُضاةِ الزَّمانِ مِنْ ذلك، وهذا إذا قيلَ في شُريحٍ وكَعبِ بنِ سَوارٍ وإِياسِ بنِ مُعاويةَ والحَسنِ البَصريِّ وعِمرانِ الطَّلحيِّ وحَفصِ بنِ غَياثٍ وأَضرابِهم كانَ فيه ما فيه.
стр. 14278
وقد ثبَتَ عن أَبي بَكرٍ وعُمرَ وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ وابنِ عَباسٍ ومُعاويةَ المَنعُ مِنْ ذلك، ولا يُعرفُ لهم في الصَّحابةِ مُخالفٌ.
فذكَرَ البَيهقيُّ وغيرُه عن أَبي بَكرٍ الصِّديقِ أنَّه قالَ: «لو وجَدتُ رَجلًا على حدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ لمْ أَحدَّه حتى يَكونَ معي غيري».
وعن عُمرَ أنَّه قالَ لعَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ: «أَرأيتَ لو رَأيتُ رَجلًا يَقتلُ أو يَسرقُ أو يَزني؟ قالَ: أَرى شَهادتَكَ شَهادةَ رَجلٍ مِنْ المُسلِمينَ. قالَ: أصبْتَ». وعن عليٍّ نَحوُه.
وهذا مِنْ كَمالِ فِقهِ الصَّحابةِ ﵃ فإنَّهم أَفقهُ الأُمةِ وأَعلمُهم بمَقاصدِ الشَّرعِ وحُكمِه، فإنَّ التُّهمةَ مُؤثِّرةٌ في بابِ الشَّهاداتِ والأَقضيةِ وطَلاقِ المَريضِ وغيرِ ذلك، فلا تُقبلُ شَهادةُ السَّيدِ لعَبدِه، ولا العَبدِ لسَيدِه، ولا شَهادةُ الوالدِ لوَلدِه وبالعَكسِ، ولا شَهادةُ العَدوِّ على عَدوِّه، ولا يُقبلُ حُكمُ الحاكم لنَفسِه، ولا يَنفذُ حُكمُه على عَدوِّه، ولا يَصحُّ إِقرارُ المَريضِ مَرضَ المَوتِ لوارثِه ولا لأَجنبيٍّ عند مالكٍ إذا قامَتْ شَواهدُ التُّهمةِ، ولا تُمنعُ المَرأةُ الميراثَ بطَلاقِه لها لأَجلِ التُّهمةِ، ولا يُقبلُ قَولُ المَرأةِ على ضُرتِها أنَّها أرضعَتْها، إلى أَضعافِ ذلك مما يُردُّ ولا يُقبلُ للتُّهمةِ، ولذلك منَعْنا في مَسألةِ الظَّفرَ أنْ يَأخذَ المَظلومُ مِنْ مالِ ظالمِه نَظيرَ ما خانَه فيه لأَجلِ التُّهمةِ، وإنْ كانَ إنما يَستوفي حقَّه.
ولقد كانَ سَيدُ الحُكامِ -صَلواتُ اللهِ وسَلامُه عليه- يَعلمُ مِنْ المُنافِقينَ ما يُبيحُ دِماءَهم وأَموالَهم، ويَتحققُ ذلك ولا يَحكمُ فيهم بعِلمِه معَ بَراءتِه عندَ اللهِ ومَلائكتِه وعِبادِه المُؤمنينَ مِنْ كلِّ تُهمةٍ؛ لئلا يَقولَ الناسُ: «إنَّ
стр. 14279
مُحمدًا يَقتلُ أَصحابَه» ولمَّا رَآه بعضُ أَصحابِه معَ زَوجتِه صَفيةَ بِنتِ حُييٍّ قالَ: «رُويدَكما، إنَّها صَفيةُ بِنتُ حُييٍّ» لئلا تَقعَ في نُفوسِهما تُهمةٌ له.
ومَن تَدبَّرَ الشَّريعةَ وما اشتمَلَتْ عليه مِنْ المَصالحِ وسدِّ الذَّرائعِ تبيَّنَ له الصَّوابُ في هذه المَسألةِ، وباللهِ التَّوفيقُ» (١).
المَسألةُ الثانيةُ: حُكمُ القاضِي وهو غَضبانُ:
اتفَقَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ القاضِي لا يَنبغي له أنْ يَقضيَ وهو غَضبانُ، ويَنبغي أنْ يَعتمدَ بنَظرِه الوَقتَ الذي يَكونُ فيه ساكنَ النَّفسِ مُعتدلَ الأَحوالِ؛ ليَقدرَ على الاجتِهادِ في النَّوازلِ ويَحترسَ مِنْ الزَّللِ في الأَحكامِ. فإنْ تغيَّرَتْ حالُه بغَضبٍ أو حَردٍ تغيَّرَ فيها عَقلُه وخُلقُه توقَّفَ عن الحُكمِ؛ احترازًا مِنْ الزَّللِ فيه لمَا رواه الشَّيخانِ عن عَبدِ المَلكِ بنِ عُميرٍ سمِعْتُ عبدَ الرَّحمنِ بنِ أَبي بَكرةَ قالَ: كتَبَ أَبو بَكرةَ إلى ابنِه -وكانَ بسِجستانَ- بألَّا تَقضيَ بينَ اثنينِ وأنت غَضبانُ فإنِّي سمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «لا يَقضينَّ حَكمٌ بينَ اثنينِ وهو غَضبانُ» (٢).
ولأنَّه إذا غضِبَ تغيَّرَ عَقلُه ولمْ يَستوفِ رَأيَه وفِكرَه.
وفي مَعنى الغَضبِ كلُّ ما شغَلَ فِكرَه مِنْ الجُوعِ المُفرطِ، والعَطشِ الشَّديدِ، والوَجعِ المُزعِجِ، ومُدافعةِ أَحدِ الأَخبثينِ، وشِدةِ النُّعاسِ، والهمِّ والغمِّ والحُزنِ والفَرحِ، فهذه كلُّها تَمنعُ الحاكمَ؛ لأنَّها تَمنعُ حُضورَ القَلبِ
стр. 14280
واستِيفاءَ الفِكرِ الذي يُتوصلُ به إلى إِصابةِ الحقِّ في الغالبِ، فهي في مَعنى الغَضبِ المَنصوصِ عليه فتَجري مَجراه.
فمَن قصَرَ النَّهىَ على الغَضبِ وَحده دونَ الهمِّ المُزعِجِ والخَوفِ المُقلِقِ والجُوعِ والظَّمأِ الشَّديدِ وشُغلِ القَلبِ المانعِ مِنْ الفَهمِ؛ فقد قلَّ فِقهُه وفَهمُه.
وإنْ حكَمَ في هذه الأَحوالِ صحَّ حُكمُه عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّ الزُّبيرَ ورَجلًا مِنْ الأَنصارِ اختصَما إلى رَسولِ اللهِ ﷺ في شِراجِ الحَرةِ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ للزُّبيرِ: «اسقِ زَرعَكَ ثُم أرسلِ الماءَ إلى جارِكَ، فقالَ: الأَنصاريُّ: وإنْ كانَ ابنُ عَمتِكَ يا رَسولَ اللهِ. فغضِبَ رَسولُ اللهِ ﷺ حتى احمَرَّ وَجهُه، ثُم قالَ للزُّبيرِ: اسقِ زَرعَكَ واحبسِ الماءَ حتى يَبلغَ الجَدرِ ثُم أرسلْه إلى جارِكَ» (١). فحكَمَ ﷺ في حالِ الغَضبِ.
وذهَبَ القاضِي مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّه إذا حكَمَ في هذه الحالِ لا يَنفذُ قَضاؤُه؛ لأنَّه مَنهيٌّ عنه، والنَّهيُ يَقتضي فَسادَ المَنهي عنه.
قالَ ابنُ رُشدٍ: «اتفَقُوا -فيما أَعلمُ- على أنَّه يَنفذُ حُكمُه ويُحتملُ أنْ يُقالَ لا يَنفذُ فيما وقَعَ عليه النصُّ وهو الغَضبانُ؛ لأنَّ النَّهيَ يَدلُّ على فَسادِ المَنهيِّ عنه» (٢).
стр. 14281
المَسألةُ الثالثةُ: حُكمُ الحاكمِ لا يُزيلُ الشَّيءَ عن صِفتِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا حكَمَ الحاكمُ هل يُزيلُ الشَّيءَ عن صِفتِه أم لا؟
فذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ حُكمَ الحاكمِ يَصحُّ ظاهرًا وباطنًا، فإذا حكَمَ الحاكمُ بعَقدٍ أو فَسخٍ أو طَلاقٍ نفَذَ حُكمُه ظاهرًا وباطنًا، فلو أنَّ رَجلينِ تعمَّدا الشَّهادةَ على رَجلٍ بالزُّورِ أنَّه طلَّقَ امرَأتَه فقبِلَهما القاضِي بظاهرِ عَدالتِهما ففرَّقَ بينَ الزَّوجينِ لجازَ لأَحدِ الشاهدينِ نِكاحُها بعدَ قَضاءِ عِدتِها وهو عالمٌ بتَعمدِه الكَذبَ.
ولو أنَّ رَجلًا ادَّعى نِكاحَ امرَأةٍ وهو يَعلمُ أنَّه كاذبٌ، وأقامَ شَاهدي زُورٍ فحكَمَ الحاكمُ حلَّتْ له بذلك وصارَتْ زَوجتُه.
قالَ ابنُ المُنذرِ: وتفرَّدَ أَبو حَنيفةِ فقالَ: لو استَأجرَتِ امرَأةٌ شاهدينِ شهِدا لها بطَلاقِ زَوجِها وهما يَعلمانِ كَذبَهما وتَزويرَهما فحُكمِ الحاكمِ بطَلاقِها يُحلُّ لها أنْ تَتزوجَ، وحلَّ لأَحدِ الشاهدينِ نِكاحُها.
واحتَجَّ بما رُويَ عن عَليٍّ ﵁: «أنَّ رَجلًا ادَّعى على امرَأةٍ نِكاحَها فرفَعَها إلى عليٍّ ﵁ فشهِدَ له شاهِدانِ بذلك، فقَضى بينَهما بالزَّوجيةِ، فقالَتْ: واللهِ ما تزوَّجَني يا أَميرَ المُؤمنينَ، اعقدْ بينَنا عَقدًا حتى أَحلَّ له.
стр. 14282
فقالَ: شاهِداكِ زوَّجاكِ». فقد طلَبَتْ منه أنْ يَعفَّها عن الزِّنى، بل يَعقدَ النِّكاحَ بينهما، فلمْ يُجبْها إلى ذلك، ولا يُقالُ إنما لمْ يُجبْها إلى ذلك لأنَّ الزَّوجَ لمْ يَرضَ بذلك؛ لأنَّا نَقولُ ليسَ كذلك، بل الزَّوجُ راضٍ؛ لأنَّه يَدَّعي النِّكاحَ والمَرأةُ رضِيَتْ أيضًا، حيثُ قالَتْ: «فزوِّجْني منه»، وكانَ يَتيسرُ عليه ذلك، فقد كانَ الزَّوجُ راغبًا فيها ثُم لمْ يَشتغلْ به، وبيَّنَ أنَّ مَقصودَهما قد حصَلَ بقَضائِه فقالَ: «شاهدِاكِ زوجَّاكِ». أيْ: ألزَمانِي القَضاءَ بالنِّكاحِ بينَكما فثبَتَ النِّكاحُ بقَضاءٍ، وما نُقلَ عنه في هذا البابِ كالمَرفوعِ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فلا طَريقَ إلى مَعرفةِ ذلك حَقيقةً بالرَّأي.
والمَعنى فيه أنَّه قَضى بأمرِ اللهِ تَعالى فيما له فيه وِلايةُ الإِنشاءِ، وقَضاؤُه بأَمرِ اللهِ تَعالى يَكونُ نافذًا حَقيقةً لاستِحالةِ القَولِ بأنْ يَأمرَ اللهُ تَعالى بالقَضاءِ ثُم لا يَنفذُ ذلك القَضاءُ منه، وبَيانُ الوَصفِ أنَّه لمَّا تفحَّصَ عن أَحوالِ الشُّهودِ وزُكُّوا عندَه سرًّا وعَلانيةً وجَبَ عليه القَضاءُ بشَهادتِهم حتى لو امتَنعَ مِنْ ذلك يَأثمُ ويُخرجُ ويُعزلُ ويُعذرُ، فعرَفْنا أنَّه صارَ مَأمورًا بالقَضاءِ؛ وهذا لأنَّه لا طَريقَ له إلى مَعرفةِ حَقيقةِ الصِّدقِ والكَذبِ مِنْ الشَّهادةِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى لمْ يَجعلْ لنا طَريقًا إلى مَعرفةِ حَقيقةِ الصِّدقِ مِنْ خَبرِ مَنْ هو غيرِ مَعصومٍ عن الكَذبِ ولا يَتوجَّهُ عليه شَرعًا الوُقوفُ على ما لا طَريقَ له إلى مَعرفتِه؛ لأنَّ التَّكليفَ بحَسبِ الوُسعِ، والذي في وُسعِه التَّعرفُ على أَحوالِ الشُّهودِ، فإنِ استَقصى ذلك غايةَ الاستقصاءِ فقد أَتى بما في وُسعِه، وصارَ مَأمورًا بالقَضاءِ؛ لأنَّ ما وراءَ هذا ساقطٌ عنه باعتِبارِ أنَّه ليسَ في وُسعِه، ثُم إنما يَتوجَّه عليه الأَمرُ بحسَب الإِمكانِ، والمَأمورُ به أنْ
стр. 14283
يَجعلَها بقَضائِه زَوجتَه، فلذلك طَريقانِ: إِظهارُ نِكاحٍ إنْ كانَ، وإِنشاءُ عَقدٍ بينهما، فإذا لمْ يَسبقْ منهما عَقدٌ تعذَّرَ إِظهارُه بالقَضاءِ فيَتعينُ الإِنشاء؛ إذ ليسَ هنا طَريقٌ آخر فيَثبتُ له وِلايةُ الإِنشاءِ بهذا النَّوعِ مِنْ الدَّليلِ الشَّرعيِّ ويَجعلُ إِنشاءَه كإِنشاءِ الخَصمينِ فيَثبتُ الحِلُّ به بينَهما حَقيقةً، بل قَضاؤُه أَولى وأَقوى مِنْ إِنشاءِ الخَصمينِ عن اتفاقٍ، ألَا تَرى أنَّ في المُجتهِداتِ صِفةُ اللُّزومِ يَثبتُ بإِنشاءِ القاضِي ولا يَثبتُ بإِنشاءِ الخَصمينِ فعرَفْنا أنَّ قَضاءَه أَقوى مِنْ إِنشاءِ الخَصمينِ.
ولأنَّ اللِّعانَ يَنفسخُ به النِّكاحُ، وإنْ كانَ أَحدُهما كاذبًا فالحُكمُ أَولى (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وأَبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّ حُكمَ الحاكمِ لا يُزيلُ الشَّيءَ عن صِفتِه ولا يُحلُّ حُكمُ الحاكمِ شَيئًا كانَ حَرامًا قبلُ، ولا يُحرمُ ما كانَ حَلالًا قبلُ.
فإذا حكَمَ حاكمٌ لطالبِ حقٍّ بشَهادةِ شاهدين فإنْ كانا صادقينِ كانَ حُكمُه صَحيحًا في الظاهرِ والباطنِ، وإنْ كانا كاذِبينِ كانَ حُكمُه نافذًا في الظاهرِ وباطلًا في الباطنِ، ولمْ يَحلَّ للمَحكومِ له فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى أنْ يَستبيحَ ما حكَمَ به سُواءٌ كانَ مالًا أو فَرجًا أو قَتلًا، وهكذا لو طُولبَ بمالٍ يُقبلُ فيه قَولُه معَ يَمينِه كالوَدائعِ، والشِّركِ، والمُضارباتِ، فأحلَفَه الحاكمُ عندَ إِنكارِه، وإنْ كانَ صادقًا برِئَ في الظاهرِ والباطنِ، وإنْ كانَ كاذبًا برِئَ
стр. 14284
في الظاهرِ دونَ الباطنِ، ولمْ يَستبحْ ما حلَفَ عليه، ولا يُحيلُ حُكمُ الحاكمِ الأُمورَ عما هي عليه في الباطنِ.
والدَّليلُ على هذا الكِتابُ والسُّنةُ والاعتِبارُ.
فأمَّا الكِتابُ: فقَولُه تَعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٨] الآية. وفي تَفسيرِ هذه الآيةِ دَلائلُ كالنُّصوصِ فقَولُه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فيه تَأويلانِ: أَحدُهما: بالظُّلمِ. والثانِي: بالحَرامِ. ولا يَنفكُّ الحُكمُ بشَهادةِ الزُّورِ منها. وفي قَولِه تَعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] تَأويلانِ: أَحدُهما: وتترافَعوا فيها إلى الحُكامِ. والثانِي: وتَحتجُّوا بها عندَ الحُكامِ. وهذه صِفةُ المَشهودِ له بالزُّورِ. وفي قَولِه: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨] أي: أَموالُ فَريقٍ مِنْ الناسِ. ﴿بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فيه تَأويلانِ: أَحدُهما: بشَهادةِ الزُّورِ، وهذا نصٌّ. والثانِي: بالجُحودِ، وهو في مَعنى النصِّ.
وأمَّا السُّنةُ: فعن أُم سَلمةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنما أنا بَشرٌ، وإنَّكم تَختصمونَ إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أنْ يَكونَ أَلحنَ بحُجتِه مِنْ بعضٍ، فأَقضي له على غيرِه بما أَسمعُ منه، فمَن قَضيتُ له بشَيءٍ مِنْ حقِّ أَخيه، فلا يَأخذْه منه فإنَّما أَقطعُ له قِطعةً مِنْ النارِ» (١). وهذا نصٌّ؛ لأنَّه أخبَرَ أنَّه يَقضي بالظاهرِ، وأنَّه على حَقيقتِه في الباطنِ لا يُحلُّ حَرامًا، ولا يُحرمُ حَلالًا.
стр. 14285
وعن أَبي هُريرَةَ قالَ: «قُتلَ رَجلٌ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فدُفعَ القاتلُ إلى وَليّه، فقالَ القاتلُ: يا رَسولَ اللّهِ، واللهِ ما أَردْتُ قَتلَه. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أمَا إنَّه إنْ كانَ قَولُه صادقًا فقتَلْتَه دخلْتَ النارَ فخَلَّى عنه الرَّجلُ». قالَ: وكانَ مَكتوفًا بنِسعةٍ، قال: فخرَجَ يَجُرُّ نِسعَتَه، قال: فكانَ يُسمَّى ذا النِّسعةِ» (١). والنِّسعةُ حَبلٌ.
فمَوضعُ الدَّليلِ منه أنَّ النَّبيَّ ﷺ عدَّ إِذنَه في قَتلِه أخبَرَ أنَّه كانَ صادقًا، فأحرَمَ قَتلَه، فدلَّ على نُفوذِ الحُكمِ في الظاهرِ دونَ الباطنِ.
وأمَّا الاعتِبارُ: فهو أنَّ شَهادةَ الزُّورِ أَفسدُ مِنْ شَهادةِ العَبدِ والكافرِ، وحُكمُ الأَموالِ أَخفُّ مِنْ حُكمِ الفُروجِ، فلمَّا لمْ يَنفذِ الحُكمُ في الباطنِ بشَهادةِ العَبدِ والكافرِ كانَ أَولى ألَّا تَنفذَ في الفُروجِ بشَهادةِ الزُّورِ، ولمَّا لمْ يَنفذْ بشَهادةِ الزُّورِ في الأَموالِ كانَ أَولى ألَّا تَنفذَ في الفُروجِ، ويَتحررُ مِنْ اعتلالِ هذا الاستِدلالِ قِياسانِ:
أَحدُهما: أنَّ كلَّ شَهادةً لا يَنفذُ بها حُكمُ الباطنِ في الأَموالِ لمْ يَنفذْ في الفُروجِ قِياسًا على شَهادةِ العَبدِ والكافرِ.
والقِياسُ الثانِي: أنَّ كلَّ حُكمٍ لا يَنفذُ في الباطنِ بشَهادةِ العَبدِ والكافرِ لمْ يَنفذْ بشَهادةِ الزُّورِ، بخِلافِ الحُكمِ في الأَموالِ.
فإنْ قالُوا: الأَموالُ لا مَدخلَ للحُكامِ في نَقلِها، ولهم مَدخلٌ في نَقلِ