المَسألةُ الثالثةُ: حُكمُ الحاكمِ لا يُزيلُ الشَّيءَ عن صِفتِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا حكَمَ الحاكمُ هل يُزيلُ الشَّيءَ عن صِفتِه أم لا؟
فذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ حُكمَ الحاكمِ يَصحُّ ظاهرًا وباطنًا، فإذا حكَمَ الحاكمُ بعَقدٍ أو فَسخٍ أو طَلاقٍ نفَذَ حُكمُه ظاهرًا وباطنًا، فلو أنَّ رَجلينِ تعمَّدا الشَّهادةَ على رَجلٍ بالزُّورِ أنَّه طلَّقَ امرَأتَه فقبِلَهما القاضِي بظاهرِ عَدالتِهما ففرَّقَ بينَ الزَّوجينِ لجازَ لأَحدِ الشاهدينِ نِكاحُها بعدَ قَضاءِ عِدتِها وهو عالمٌ بتَعمدِه الكَذبَ.
ولو أنَّ رَجلًا ادَّعى نِكاحَ امرَأةٍ وهو يَعلمُ أنَّه كاذبٌ، وأقامَ شَاهدي زُورٍ فحكَمَ الحاكمُ حلَّتْ له بذلك وصارَتْ زَوجتُه.
قالَ ابنُ المُنذرِ: وتفرَّدَ أَبو حَنيفةِ فقالَ: لو استَأجرَتِ امرَأةٌ شاهدينِ شهِدا لها بطَلاقِ زَوجِها وهما يَعلمانِ كَذبَهما وتَزويرَهما فحُكمِ الحاكمِ بطَلاقِها يُحلُّ لها أنْ تَتزوجَ، وحلَّ لأَحدِ الشاهدينِ نِكاحُها.
واحتَجَّ بما رُويَ عن عَليٍّ ﵁: «أنَّ رَجلًا ادَّعى على امرَأةٍ نِكاحَها فرفَعَها إلى عليٍّ ﵁ فشهِدَ له شاهِدانِ بذلك، فقَضى بينَهما بالزَّوجيةِ، فقالَتْ: واللهِ ما تزوَّجَني يا أَميرَ المُؤمنينَ، اعقدْ بينَنا عَقدًا حتى أَحلَّ له.
стр. 14282
فقالَ: شاهِداكِ زوَّجاكِ». فقد طلَبَتْ منه أنْ يَعفَّها عن الزِّنى، بل يَعقدَ النِّكاحَ بينهما، فلمْ يُجبْها إلى ذلك، ولا يُقالُ إنما لمْ يُجبْها إلى ذلك لأنَّ الزَّوجَ لمْ يَرضَ بذلك؛ لأنَّا نَقولُ ليسَ كذلك، بل الزَّوجُ راضٍ؛ لأنَّه يَدَّعي النِّكاحَ والمَرأةُ رضِيَتْ أيضًا، حيثُ قالَتْ: «فزوِّجْني منه»، وكانَ يَتيسرُ عليه ذلك، فقد كانَ الزَّوجُ راغبًا فيها ثُم لمْ يَشتغلْ به، وبيَّنَ أنَّ مَقصودَهما قد حصَلَ بقَضائِه فقالَ: «شاهدِاكِ زوجَّاكِ». أيْ: ألزَمانِي القَضاءَ بالنِّكاحِ بينَكما فثبَتَ النِّكاحُ بقَضاءٍ، وما نُقلَ عنه في هذا البابِ كالمَرفوعِ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فلا طَريقَ إلى مَعرفةِ ذلك حَقيقةً بالرَّأي.
والمَعنى فيه أنَّه قَضى بأمرِ اللهِ تَعالى فيما له فيه وِلايةُ الإِنشاءِ، وقَضاؤُه بأَمرِ اللهِ تَعالى يَكونُ نافذًا حَقيقةً لاستِحالةِ القَولِ بأنْ يَأمرَ اللهُ تَعالى بالقَضاءِ ثُم لا يَنفذُ ذلك القَضاءُ منه، وبَيانُ الوَصفِ أنَّه لمَّا تفحَّصَ عن أَحوالِ الشُّهودِ وزُكُّوا عندَه سرًّا وعَلانيةً وجَبَ عليه القَضاءُ بشَهادتِهم حتى لو امتَنعَ مِنْ ذلك يَأثمُ ويُخرجُ ويُعزلُ ويُعذرُ، فعرَفْنا أنَّه صارَ مَأمورًا بالقَضاءِ؛ وهذا لأنَّه لا طَريقَ له إلى مَعرفةِ حَقيقةِ الصِّدقِ والكَذبِ مِنْ الشَّهادةِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى لمْ يَجعلْ لنا طَريقًا إلى مَعرفةِ حَقيقةِ الصِّدقِ مِنْ خَبرِ مَنْ هو غيرِ مَعصومٍ عن الكَذبِ ولا يَتوجَّهُ عليه شَرعًا الوُقوفُ على ما لا طَريقَ له إلى مَعرفتِه؛ لأنَّ التَّكليفَ بحَسبِ الوُسعِ، والذي في وُسعِه التَّعرفُ على أَحوالِ الشُّهودِ، فإنِ استَقصى ذلك غايةَ الاستقصاءِ فقد أَتى بما في وُسعِه، وصارَ مَأمورًا بالقَضاءِ؛ لأنَّ ما وراءَ هذا ساقطٌ عنه باعتِبارِ أنَّه ليسَ في وُسعِه، ثُم إنما يَتوجَّه عليه الأَمرُ بحسَب الإِمكانِ، والمَأمورُ به أنْ
стр. 14283
يَجعلَها بقَضائِه زَوجتَه، فلذلك طَريقانِ: إِظهارُ نِكاحٍ إنْ كانَ، وإِنشاءُ عَقدٍ بينهما، فإذا لمْ يَسبقْ منهما عَقدٌ تعذَّرَ إِظهارُه بالقَضاءِ فيَتعينُ الإِنشاء؛ إذ ليسَ هنا طَريقٌ آخر فيَثبتُ له وِلايةُ الإِنشاءِ بهذا النَّوعِ مِنْ الدَّليلِ الشَّرعيِّ ويَجعلُ إِنشاءَه كإِنشاءِ الخَصمينِ فيَثبتُ الحِلُّ به بينَهما حَقيقةً، بل قَضاؤُه أَولى وأَقوى مِنْ إِنشاءِ الخَصمينِ عن اتفاقٍ، ألَا تَرى أنَّ في المُجتهِداتِ صِفةُ اللُّزومِ يَثبتُ بإِنشاءِ القاضِي ولا يَثبتُ بإِنشاءِ الخَصمينِ فعرَفْنا أنَّ قَضاءَه أَقوى مِنْ إِنشاءِ الخَصمينِ.
ولأنَّ اللِّعانَ يَنفسخُ به النِّكاحُ، وإنْ كانَ أَحدُهما كاذبًا فالحُكمُ أَولى (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وأَبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّ حُكمَ الحاكمِ لا يُزيلُ الشَّيءَ عن صِفتِه ولا يُحلُّ حُكمُ الحاكمِ شَيئًا كانَ حَرامًا قبلُ، ولا يُحرمُ ما كانَ حَلالًا قبلُ.
فإذا حكَمَ حاكمٌ لطالبِ حقٍّ بشَهادةِ شاهدين فإنْ كانا صادقينِ كانَ حُكمُه صَحيحًا في الظاهرِ والباطنِ، وإنْ كانا كاذِبينِ كانَ حُكمُه نافذًا في الظاهرِ وباطلًا في الباطنِ، ولمْ يَحلَّ للمَحكومِ له فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى أنْ يَستبيحَ ما حكَمَ به سُواءٌ كانَ مالًا أو فَرجًا أو قَتلًا، وهكذا لو طُولبَ بمالٍ يُقبلُ فيه قَولُه معَ يَمينِه كالوَدائعِ، والشِّركِ، والمُضارباتِ، فأحلَفَه الحاكمُ عندَ إِنكارِه، وإنْ كانَ صادقًا برِئَ في الظاهرِ والباطنِ، وإنْ كانَ كاذبًا برِئَ
стр. 14284
في الظاهرِ دونَ الباطنِ، ولمْ يَستبحْ ما حلَفَ عليه، ولا يُحيلُ حُكمُ الحاكمِ الأُمورَ عما هي عليه في الباطنِ.
والدَّليلُ على هذا الكِتابُ والسُّنةُ والاعتِبارُ.
فأمَّا الكِتابُ: فقَولُه تَعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٨] الآية. وفي تَفسيرِ هذه الآيةِ دَلائلُ كالنُّصوصِ فقَولُه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فيه تَأويلانِ: أَحدُهما: بالظُّلمِ. والثانِي: بالحَرامِ. ولا يَنفكُّ الحُكمُ بشَهادةِ الزُّورِ منها. وفي قَولِه تَعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] تَأويلانِ: أَحدُهما: وتترافَعوا فيها إلى الحُكامِ. والثانِي: وتَحتجُّوا بها عندَ الحُكامِ. وهذه صِفةُ المَشهودِ له بالزُّورِ. وفي قَولِه: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨] أي: أَموالُ فَريقٍ مِنْ الناسِ. ﴿بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فيه تَأويلانِ: أَحدُهما: بشَهادةِ الزُّورِ، وهذا نصٌّ. والثانِي: بالجُحودِ، وهو في مَعنى النصِّ.
وأمَّا السُّنةُ: فعن أُم سَلمةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنما أنا بَشرٌ، وإنَّكم تَختصمونَ إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أنْ يَكونَ أَلحنَ بحُجتِه مِنْ بعضٍ، فأَقضي له على غيرِه بما أَسمعُ منه، فمَن قَضيتُ له بشَيءٍ مِنْ حقِّ أَخيه، فلا يَأخذْه منه فإنَّما أَقطعُ له قِطعةً مِنْ النارِ» (١). وهذا نصٌّ؛ لأنَّه أخبَرَ أنَّه يَقضي بالظاهرِ، وأنَّه على حَقيقتِه في الباطنِ لا يُحلُّ حَرامًا، ولا يُحرمُ حَلالًا.
стр. 14285
وعن أَبي هُريرَةَ قالَ: «قُتلَ رَجلٌ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فدُفعَ القاتلُ إلى وَليّه، فقالَ القاتلُ: يا رَسولَ اللّهِ، واللهِ ما أَردْتُ قَتلَه. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أمَا إنَّه إنْ كانَ قَولُه صادقًا فقتَلْتَه دخلْتَ النارَ فخَلَّى عنه الرَّجلُ». قالَ: وكانَ مَكتوفًا بنِسعةٍ، قال: فخرَجَ يَجُرُّ نِسعَتَه، قال: فكانَ يُسمَّى ذا النِّسعةِ» (١). والنِّسعةُ حَبلٌ.
فمَوضعُ الدَّليلِ منه أنَّ النَّبيَّ ﷺ عدَّ إِذنَه في قَتلِه أخبَرَ أنَّه كانَ صادقًا، فأحرَمَ قَتلَه، فدلَّ على نُفوذِ الحُكمِ في الظاهرِ دونَ الباطنِ.
وأمَّا الاعتِبارُ: فهو أنَّ شَهادةَ الزُّورِ أَفسدُ مِنْ شَهادةِ العَبدِ والكافرِ، وحُكمُ الأَموالِ أَخفُّ مِنْ حُكمِ الفُروجِ، فلمَّا لمْ يَنفذِ الحُكمُ في الباطنِ بشَهادةِ العَبدِ والكافرِ كانَ أَولى ألَّا تَنفذَ في الفُروجِ بشَهادةِ الزُّورِ، ولمَّا لمْ يَنفذْ بشَهادةِ الزُّورِ في الأَموالِ كانَ أَولى ألَّا تَنفذَ في الفُروجِ، ويَتحررُ مِنْ اعتلالِ هذا الاستِدلالِ قِياسانِ:
أَحدُهما: أنَّ كلَّ شَهادةً لا يَنفذُ بها حُكمُ الباطنِ في الأَموالِ لمْ يَنفذْ في الفُروجِ قِياسًا على شَهادةِ العَبدِ والكافرِ.
والقِياسُ الثانِي: أنَّ كلَّ حُكمٍ لا يَنفذُ في الباطنِ بشَهادةِ العَبدِ والكافرِ لمْ يَنفذْ بشَهادةِ الزُّورِ، بخِلافِ الحُكمِ في الأَموالِ.
فإنْ قالُوا: الأَموالُ لا مَدخلَ للحُكامِ في نَقلِها، ولهم مَدخلٌ في نَقلِ
стр. 14286
الفُروجِ بتَزويجِ الأَيامى، ووُقوعِ الفُرقةِ بالعِنةِ والفَسخِ بالعُيوبِ، فلذلك وقَعَ الفَرقُ بينَ الأَموالِ والفُروجِ.
والعَبدُ والكافرُ ليسَ مِنْ أَهلِ الشَّهادةِ، وشاهدُ الزُّورِ مِنْ أَهلِ الشَّهادةِ، فلذلك وقَعَ الفَرقُ بينهما.
قيلَ: الجَوابُ عن فَرقِه بينَ الأَموالِ والفُروجِ مِنْ وَجهينِ:
أَحدُهما: أنَّ له في نَقلِ الأَموالِ وِلايةٌ كالفُروجِ؛ لأنَّ له أنْ يُبيحَ على الصَّغيرِ مالَه لحاجتِه، وعلى المُفلِسِ مالَه لحاجةِ غُرمائِه.
والثانِي: ليسَ له وِلايةٌ في نَقلِ الفُروجِ، كما ليسَ له وِلايةٌ في نَقلِ الأَموالِ؛ لأنَّه لا يُزوجُ، ولا يَفسخُ إلا باختِيارٍ، ولو ملَكَ الوِلايةَ لنقَلَها بالاختِيارِ.
وعن فَرقِه بينَ شَهادةِ الزُّورِ وبينَ شَهادةِ العَبدِ والكافرِ جَوابانِ:
أَحدُهما: أنَّه لمَّا استوَيا في إِبطالِ الحُكمِ عندَ العِلمِ بهما قبلَ الحُكمِ وجَبَ أنْ يَستوِيا فيه عندَ العِلمِ بهما بعدَ الحُكمِ.
والثانِي: أنَّه سمِعَ شَهادةَ الزُّورِ على أنَّها ليسَتْ بزُورٍ، كما يَسمعُ شَهادةُ العَبدِ على أنَّه ليسَ بعَبدٍ، فلمَّا كانَ خَطؤُه في العَبدِ مُبطِلًا لحُكمِه في الحالَينِ وجَبَ أنْ يَكونَ خَطؤُه في شَهادةِ الزُّورِ مُبطِلًا لحُكمِه في الحالَينِ؛ ولأنَّه يَصيرُ بشَهادةِ الزُّورِ فاسقًا، وحُكمُه بشَهادةِ الفاسقِ مَردودٌ في الحالينِ نصًّا، وردَّ شَهادةَ العَبدِ في الحالينِ اجتِهادًا، ثُم مِنْ الدَّليلِ على ذلك أنَّ الحُكمَ يَبطلُ بفَسادِ الشَّهادةِ كما يَبطلُ إذا خالفَ باجتِهادِه نصًّا، فلمَّا كانَ فَسادُه
стр. 14287
مُخالفةُ النصِّ يَبطلُ ظاهرًا وباطنًا وجَبَ أنْ يَكونَ فَسادٌ بشَهادةٍ مُوجبًا لإِبطالِه ظاهرًا وباطنًا.
فإنْ قيلَ: ما خالَفَ النصَّ لا يَكونُ حُكمًا.
قيلَ: وكذلك ما أَمضاه بشَهادةِ الزُّورِ لا يَكونُ حُكمًا، ولأنَّه حُكمٌ بشَهادةِ زُورٍ، فوجَبَ أنْ يَكونَ باطلًا كالحُكمِ بالقِصاصِ.
فأمَّا الجَوابُ عن حَديثِ عليٍّ ﵁ مِنْ قَولِه: شاهِداكِ زوَّجاكِ، فمِن ثَلاثةِ أَوجهٍ:
أَحدُها: أنَّه مَجهولٌ عندَ أَصحابِ الحَديثِ، فكانَ أَسوأَ حالًا مما ضُعفَ إِسنادُه.
والثانِي: أنَّه لمْ يَعلمْ كذِبَ الشُّهودِ، فلمْ يُبطلْ شَهادتُهم، والخِلافُ إذا علِمَها.
والثالثُ: أنَّهم لا يَحملونَه على قَولِه: «شاهِداكِ زوَّجاكِ»، لأنَّهم يَجعلونَ الحاكمَ مُزوِّجًا لها دونَ الشاهدِ، وقد كانَ شُريحٌ يَقضي في أَيامِ عليٍّ، فإذا حكَمَ لرَجلٍ بشاهدينِ، قالَ له: «يا هذا إنَّ حُكمي لا يُبيحُ لك ما هو حَرامٌ عليكَ»، ولو خالَفَه عليٌّ فيه لأنكَرَه عليه.
وأمَّا الجَوابُ عن قياسِهم على شَهادةِ الصِّدقِ فهو استحالةُ الجَمعِ بينَهما بالقِبولِ؛ لقَبولِ الصِّدقِ وردِّ الكَذبِ ونُفوذِ الحُكمِ في الظاهرِ؛ لاستِوائِهما في الجَهلِ بالكَذبِ، ولو علِمَ لمَا نفَذَ في الظاهرِ كما لم يَنفذْ في الباطنِ.
стр. 14288
وأمَّا الجَوابُ عن قياسِهم على اللِّعانِ، فمِن وَجهينِ:
أَحدُهما: أنَّ الحُكمَ لمْ يَنفذْ بالكَذبِ، وإنما نفَذَ باللِّعانِ.
والثانِي: أنَّ اللِّعانَ استِئنافُ فُرقةٍ، والحُكمُ بشَهادةِ الزُّورِ إنما هو تَنفيذٌ لفُرقةٍ سابقةٍ، فإذا لمْ تَكنْ لمْ يَصحَّ تَنفيذُ مَعدومٍ.
وأمَّا الجَوابُ عما استدَلُّوا به مِنْ حُكمِ الحاكمِ مِنْ مَسائلِ الاجتِهادِ، فهو أنْ ليسَ في الباطنِ ما يُخالفُ الظاهرَ، فلذلك نفَذَ حُكمُه في الظاهرِ والباطنِ، وخالَفَ شَهادةَ الزُّورِ التي تُخالفُ الظاهرُ فيها الباطنَ، فلذلك نفَذَ حُكمُه في الظاهرِ دونَ الباطنِ (١).
المَسألةُ الخامسةُ: للقاضِي أَخذُ الرِّزقِ على القَضاءِ:
نصَّ عامةُ العُلماءِ على أنَّ القاضِي إذا كانَ مُحتاجًا جازَ له أَخذُ الرِّزقِ مِنْ بَيتِ مالِ المُسلِمينَ، وإنْ لمْ يَكنْ مُحتاجًا فاختلَفُوا فيه واتفَقُوا على أنَّه لا يَجوزُ أَخذُ الأُجرةِ على القَضاءِ، وإنما يأخذ رِزقًا.
قالَ الإِمامُ الكاسانيُّ ﵀: «وهل للقاضِي أنْ يَأخذَ الرِّزقَ فإنْ كانَ فَقيرًا له أنْ يَأخذَ؛ لأنَّه يَعملُ للمُسلِمينَ فلا بدَّ له مِنَ الكِفايةِ، ولا كِفايةَ له، فكانَتْ كِفايتُه في بَيتِ المالِ إلا أنْ يَكونَ له ذلك أُجرةُ عَملِه، ويَنبغي للإِمامِ أنْ يُوسعَ عليه وعلى عيالِه كيلا يَطمعَ في أَموالِ الناسِ.
стр. 14289
ورُويَ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا بعَثَ عَتابَ بنَ أُسيدٍ إلى مَكةَ ووَلاه أَمرَها رزَقَه أَربعمائةَ دِرهمٍ في كلِّ عامٍ»
ورُويَ أنَّ الصَّحابةَ الكِرامَ ﵃ أَجروا لسَيدِنا أَبي بَكرٍ الصِّديقِ ﵁ كلَّ يَومٍ دِرهمًا وثُلثا أو ثُلثينِ مِنْ بَيتِ المالِ.
وكذا رُويَ أنَّه كانَ لسَيدِنا عُمرَ ﵁ مِثلُ ذلك مِنْ بَيتِ المالِ، وكانَ لسَيدِنا عليٍّ ﵁ كلَّ يَومٍ قَصعةٌ مِنْ ثَريدٍ.
ورزَقَ سَيدُنا عُمرُ ﵁ شُريحًا.
ورُويَ أنَّ سَيدَنا عليًّا فرَضَ له خمسَمائةِ دِرهمٍ في كلِّ شَهرٍ.
وإنْ كانَ غَنيًّا اختلَفُوا فيه، قالَ بعضُهم: لا يَحلُّ له أنْ يَأخذَ لأنَّ الأَخذَ بحُكمِ الحاجةِ، ولا حاجةَ له إلى ذلك.
وقالَ بعضُهم: يَحلُّ له الأَخذُ، والأَفضلُ له أنْ يَأخذَ.
أمَّا الحلُّ فلمَا بيَّنا أنَّه عاملٌ للمُسلِمينَ فكانَتْ كِفايتُه عليهم لا مِنْ طَريقِ الأَجرِ، وأمَّا الأَفضليةُ فلأنَّه وإنْ لمْ يَكنْ مُحتاجًا إلى ذلك فربما يَجيءُ بعدَه قاضٍ مُحتاجٌ وقد صارَ ذلك سُنةً ورَسمًا فتَمتنِعُ السَّلاطينُ عن إِبطالِ رِزقِ القُضاةِ إليهم خُصوصًا سَلاطينَ زَمانِنا، فكانَ الامتناعُ مِنْ الأَخذِ شحًّا بحقِّ الغيرِ، فكانَ الأَفضلُ هو الأَخذُ (١).
وقالَ ابنُ فَرحونَ المالِكيُّ ﵀: «قالَ المَازِريُّ: «وأمَّا الارتزاقُ مِنْ بَيتِ المالِ فإنَّ مَنْ تعيَّنَ عليه القَضاءُ وهو في غِنى عن الارتزاقِ منه فإنَّه
стр. 14290
يُنهى عن أَخذِ الِعوضِ على القَضاءِ؛ لأنَّ ذلك أَبلغُ في المَهابةِ وأَدعى للنُفوسِ إلى اعتقادِ التَّعظيمِ والجَلالةِ، وإنْ كانَ القَضاءُ لمْ يَتعينْ عليه وهو مُحتاجٌ إلى طَلبِ الرِّزقِ مِنْ بَيتِ المالِ ساغَ له أَخذُ ذلك»، ومِن مُفيدِ الحُكامِ: قالَ أَصبغُ: «ولا يَنبغي له أنْ يَأخذَ رِزقَه إلا مِنْ الخُمسِ أو مِنْ الجِزيةِ أو مِنْ عُشورِ أَهلِ الذِّمةِ» (١).
وقالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ ﵀: «وأمَّا أَخذُ الرِّزقِ على القَضاءِ فيُنظرُ فيه:
فإنْ كانَ قد تعيَّنَ عليه القَضاءُ، فإنْ كانَ له كِفايةٌ لمْ يَجزْ له أَخذُ الرِّزقِ عليه؛ لأنَّه فَرضٌ توَجَّه عليه، فلا يَجوزُ له أَخذُ الرِّزقِ عليه معَ الاستغناءِ عنه. وإنْ لمْ يَكنْ له كِفايةٌ أو كانَ مُكتسِبًا وإذا اشتغَلَ بالقَضاءِ تعطَّلَ عليه الكَسبُ جازَ له أَخذُ الرِّزقِ عليه؛ لأنَّه إذا اشتغَلَ بالقَضاءِ بطَلَ عليه كَسبُه وذهَبَ مَعاشُه.
وإنْ لمْ يَتعينْ عليه القَضاءُ، فإنْ كانَتْ له كِفايةٌ فالمُستحبُّ له ألَّا يَأخذَ عليه رِزقًا؛ لأنَّه قُربةٌ في حقِّه، فكُرهَ له أَخذُ العِوضِ عليه، وإنْ أخَذَ الرِّزقَ عليه جازَ؛ لمَا رُويَ: «أنَّ أَبا بَكرٍ ﵁ لمَا ولِيَ الخِلافةَ خرَجَ إلى السُّوقِ برِزمةِ ثيابٍ، فقالُوا: ما هذا؟ فقالَ: أنا كاسبُ أَهلي، فقالُوا: لا يَصلحُ هذا معَ الخِلافةِ، فاجتمَعَتِ الصَّحابةُ ﵃ وقدَّرُوا له كلَّ يَومٍ دِرهمينِ مِنْ بَيتِ المالِ». ورُويَ: «أنَّ الصَّحابةَ ﵃ -جعَلُوا له كلَّ يَومٍ شاتينِ؛ شاةً لغَدائِه وشاةً لعَشائِه، وأَلفَ دِرهمٍ في كلِّ سنةٍ، فلمَا ولِيَ عُمرُ ﵁ قالَ:
стр. 14291
لا يَكفيني ذلك، فأضعَفُوا له ذلك». وإذا ثبَتَ ذلك في الإِمامةِ كانَ في القَضاءِ مثلُه؛ لأنَّهما في مَعنًى واحدٍ.
ورُويَ: أنَّ عُمرَ قالَ: «أنزَلْتُ نَفسي من هذا المالِ بمَنزلةِ وَليِّ اليَتيمِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]».
ورُويَ: «أنَّ عُمرَ ﵁ بعَثَ إلى الكُوفةِ عَمارَ بنَ ياسرٍ واليًا، وعَبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ قاضيًا، وعُثمانَ بنَ حُنيفٍ ماسحًا، وفرَضَ لهم كلَّ يومٍ شاةً؛ نِصفُها وأَطرافُها لعمارٍ، والنصفُ الآخرُ بينَ عَبدِ اللهِ وعُثمانَ، وقالَ: إنَّ بَلدًا يَخرجُ منها كلَّ يَومٍ شاةٌ لسَريعٌ خَرابُها»، «ولمَّا وَلى عُمرُ ﵁ شُريحًا القَضاءَ أَجرى له كلَّ شَهرٍ مائةَ دِرهمٍ»، «ولمَّا وَلاه عليٌّ ﵁ أَجرى له ذلك». ولأنَّ مالَ بَيتِ المالِ للمَصالحِ، وهذا مِنْ المَصالحِ.
ولا يَكونُ ما يَأخذُه القاضِي أُجرةً، وإنما هو رِزقٌ، كالذي يَأخذُه الإِمامُ والمُؤذِّنُ.
وإنْ عقَدَ الإِجارةَ على القَضاءِ لمْ يَصحَّ؛ لأنَّه عَملٌ غيرُ مَعلومٍ.
وإنْ وجَدَ الإِمامُ مَنْ يَتطوعُ للقَضاءِ مِنْ غيرِ رِزقٍ يَأخذُه لمْ يُولِّ القَضاءَ مَنْ يَطلبُ الرِّزقَ. ويَدفعُ إلى القاضِي معَ رِزقِه شَيءٌ للقَراطيسِ التي يَكتبُ بها المَحاضرَ والسِّجلاتِ مِنْ بَيتِ المالِ؛ لأنَّ ذلك مِنْ المَصالحِ. فإنْ لمْ يَكنْ في بَيتِ المالِ شَيءٌ، أو كانَ وهناك ما هو أَهمُّ منه يُحتاجُ إليه لذلك، قالَ القاضِي لمَن ثبَتَ له الحقُّ: إنِ اخترَتْ أنْ تَأتيَ بكاغدٍ أَكتبُ لك ذلك فافعلْ.
стр. 14292
ويُدفعُ للقاضِي معَ رِزقِه لمَن يَكونُ على بابِه مِنْ الوُكلاءِ؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى ذلك كما يُحتاجُ إلى العاملِ في الصَّدقاتِ» (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: «يَجوزُ للقاضِي أَخذُ الرِّزقِ، ورخَّصَ فيه شُريحٌ وابنُ سِيرينَ والشافِعيُّ وأَكثرُ أَهلِ العِلمِ.
ورُويَ عن عُمرَ ﵁ أنَّه استعمَلَ زَيدَ بنَ ثابتٍ على القَضاءِ وفرَضَ له رِزقًا، ورزَقَ شُريحًا في كلِّ شَهرٍ مائةَ دِرهمٍ، وبعَثَ إلى الكُوفةِ عَمارًا وعُثمانَ بنُ حُنيفٍ وابنَ مَسعودٍ ورزَقَهم كلَّ يَومٍ شاةً، نِصفُها لعَمارٍ، ونِصفُها لابنِ مَسعودٍ وعُثمانَ، وكانَ ابنُ مَسعودٍ قاضيَهم ومُعلِّمَهم.
وكتَبَ إلى مُعاذِ بنِ جَبلٍ وأَبي عُبيدةَ حينَ بعثَهما إلى الشامِ: «أنِ انظُرا رِجالًا مِنْ صالِحي مَنْ قبلَكم فاستَعملُوهم على القَضاءِ وأوسِعُوا عليهم وارزُقوهم واكفُوهم مِنْ مالِ اللهِ».
وقالَ أَبو الخَطابِ: «يَجوزُ له أَخذُ الرِّزقِ معَ الحاجةِ، فأمَّا معَ عَدمِها فعلى وَجهينِ».
وقالَ أَحمدُ: ما يُعجبنِي أنْ يَأخذَ على القَضاءِ أَجرًا، وإنْ كانَ فبقَدرِ شُغلِه مِثلُ وَليِّ اليَتيمِ، وكانَ ابنُ مسعودٍ والحَسنُ يَكرهانِ الأَجرَ على القَضاءِ، وكانَ مَسروقٌ وعَبدُ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ لا يَأخذانِ عليه أَجرًا، وقالا: «لا نَأخذُ أَجرًا على أنْ نَعدلَ بينَ اثنَينِ».
стр. 14293
وقالَ أَصحابُ الشافِعيِّ إنْ لمْ يَكنْ مُتعينًا جازَ له أَخذُ الرِّزقِ عليه، وإنْ تعيَّنَ لمْ يَجزْ إلا معَ الحاجةِ.
والصَّحيحُ جَوازُ أَخذُ الرِّزقِ عليه بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ أَبا بَكرٍ ﵁ لمَا ولِيَ الخِلافةَ فرَضُوا له الرِّزقَ كلَّ يَومٍ دِرهمينِ، ولمَا ذكَرْناه مِنْ أنَّ عُمرَ رزَقَ زَيدًا وشُريحًا وابنَ مَسعودٍ، وأمَرَ بفَرضِ الرِّزقِ لمَن تَولى مِنْ القُضاةِ، ولأنَّ بالناسِ حاجةً إليه، ولو لمْ يَجزْ فَرضُ الرِّزقِ لتعطَّلَ وضاعَتِ الحُقوقُ.
فأمَّا الاستِئجارُ عليه فلا يَجوزُ، قالَ عُمرُ ﵁: «لا يَنبغي لقاضِي المُسلِمينَ أنْ يَأخذَ على القَضاءِ أَجرًا»، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ ولا نَعلمُ فيه خِلافًا؛ وذلك لأنَّه قُربةٌ يَختصُّ فاعلُه أنْ يَكونَ في أَهلِ القُربةِ فأشبَهَ الصَّلاةَ، ولأنَّه لا يَعملُه الإِنسانُ عن غيرِه، وإنما يَقعُ عن نَفسِه فأشبَهَ الصَّلاةَ، ولأنَّه عَملٌ غيرُ مَعلومٍ، فإنْ لمْ يَكنْ للقاضِي رِزق فقالَ للخَصمينِ: «لا أَقضي بينَكما حتى تَجعَلا لي رِزقًا عليه» جازَ ويَحتملُ ألَّا يَجوزَ» (١).
الحُكمُ بغيرِ ما أنزَلَ اللهُ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الواجبَ على الحاكمِ والقاضِي أنْ يَحكمَ بما أنزَلَ اللهُ، وإذا لمْ يَحكمْ بما أنزَلَ اللهُ فهذا لا يَخلو حالُه مِنْ أنْ يُنكرَ ويَجحدَ ما أنزَلَ اللهُ أو يَرى أنَّ ما يَحكمُ به خيرٌ مما حكَمَ به اللهُ، فهذا لا خِلافَ بينَ أَحدٍ مِنْ المُسلِمينَ في كُفرِه.
стр. 14294
وأمَّا مَنْ حكَمَ بغيرِ ما أنزَلَ اللهُ، ولكنَّه يَرى أنَّ حُكمَ اللهِ أَفضلُ مِنْ حُكمِه فهو فاسقٌ، وهل يَكفرُ بذلك؟ فيه كَلامٌ للعُلماءِ.
قالَ الإِمامُ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: «قولُه تَعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤] لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ مُرادُه كُفرُ الشِّركِ والجُحودِ أو كُفرُ النِّعمةِ مِنْ غيرِ جُحودِ، فإنْ كانَ المُرادُ جُحودَ حُكمِ اللهِ أو الحُكمُ بغيرِه معَ الإِخبارِ بأنَّه حُكمُ اللهِ فهذا كُفرٌ يُخرجُ عن المِلةِ، وفاعلُه مُرتدٌ إنْ كانَ قبلَ ذلك مُسلمًا، وعلى هذا تأوَّلَه مَنْ قالَ: «إنَّها نزَلَتْ في بَني إِسرائيلَ وجرَتْ فينا» يَعنونَ أنَّ مَنْ جحَدَ منا حُكمًا أو حكَمَ بغيرِ حُكمِ اللهِ، ثُم قالَ إنَّ هذا حُكمُ اللهِ فهو كافرٌ كما كفَرَتْ بَنو إِسرائيلَ حينَ فعَلُوا ذلك.
وإنْ كانَ المُرادُ به كُفرَ النِّعمةِ فإنَّ كُفرانَ النِّعمةِ قد يَكونُ بتَركِ الشُّكرِ عليها مِنْ غيرِ جُحودٍ، فلا يَكونُ فاعلُه خارجًا مِنْ المِلةِ، والأَظهرُ هو المَعنى الأَولُ لإِطلاقِه اسمَ الكُفرِ على مَنْ لمْ يَحكمْ بما أنزَلَ اللهُ» (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ جَريرٍ الطَّبريُّ ﵀ بعدَما ذكَرَ أَقوالَ العُلماءِ في نُزولِ الآيةِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]: «وأَولى هذه الأَقوالِ عِندي بالصَّوابِ قَولُ مَنْ قالَ نزَلَتْ هذه الآياتُ في كُفارِ أَهلِ الكِتابِ؛ لأنَّ ما قبلَها وما بعدَها مِنْ الآياتِ ففيهم نزلَتْ، وهم المَعنيونَ بها، وهذه الآياتُ سياقُ الخبَرِ عنهم فكونُها خبرًا عنهم أَولى.
стр. 14295
فإنْ قالَ قائلٌ: فإنَّ اللهَ -تَعالى ذِكرُه- قد عمَّ بالخبَرِ بذلك عن جَميعِ مَنْ لمْ يَحكمْ بما أنزَلَ اللهُ فكيفَ جعلْتَه خاصًّا؟ قيلَ: إنَّ اللهَ تَعالى عمَّ بالخبَرِ بذلك عن قَومٍ كانوا بحُكمِ اللهِ الذي حكَمَ به في كِتابِه جاحدينَ، فأخبَرَ عنهم أنَّهم بتَركِهم الحُكمَ على سَبيلِ ما تَركوه كافِرونَ.
وكذلك القَولُ في كلِّ مَنْ لمْ يَحكمْ بما أنزَلَ اللهُ جاحدًا به هو باللهِ كافرٌ كما قالَ ابنُ عَباسٍ؛ لأنَّه بجُحودِه حُكمَ اللهِ بعدَ عِلمِه أنَّه أنزَلَه في كِتابِه نَظيرُ جُحودِه نُبوةَ نَبيِّه بعدَ عِلمِه أنَّه نَبيٌّ» (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ العَربيِّ ﵀: «قالَ طاوسٌ وغيرُه -في قَولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]-: «ليسَ بكُفرٍ يَنقلُ عن المِلةِ، ولكنهَّ كُفرٌ دونَ كُفرٍ، وهذا يَختلفُ إنْ حكَمَ بما عندَه على أنَّه مِنْ عندِ اللهِ فهو تَبديلٌ له يُوجبُ الكُفرَ، وإنْ حكَمَ به هَوى ومَعصيةً فهو ذَنبٌ تُدركُه المَغفرةُ على أَصلِ أَهلِ السُّنةِ في الغُفرانِ للمُذنبينَ» (٢).
وقالَ الإِمامُ القُرطبيُّ ﵀: «قالَ ابنُ مَسعودٍ والحَسنُ: هي عامةٌ في كلِّ مَنْ لمْ يَحكمْ بما أنزَلَ اللهُ مِنْ المُسلِمينَ واليَهودِ والكُفارِ، أيْ: مُعتقدًا ذلك ومُستحلًّا له، فأمَّا مَنْ فعَلَ ذلك وهو مُعتقدٌ أنَّه راكبُ مُحرمٍ فهو مِنْ فُساقِ المُسلِمينَ وأَمرُه إلى اللهِ تَعالى إنْ شاءَ عذَّبَه وإنْ شاءَ غفَرَ له» (٣).
стр. 14296
وقالَ الإِمامُ ابنُ الجَوزيِّ ﵀: «فأمَّا قَولُه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤] وقَولُه تَعالى بعدَها: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧].
فاختَلفَ العُلماءُ فيمن نزلَتْ على خَمسةِ أَقوالٍ:
أَحدُها: أنَّها نزلَتْ في اليَهودِ خاصَّةً رَواه عُبيدُ بنُ عَبدِ اللهِ عن ابنِ عَباسٍ وبه قالَ قَتادةُ.
والثانِي: أنَّها نزلَتْ في المُسلِمينَ، رَوى سَعيدُ بنُ جُبيرٍ عن ابنِ عَباسٍ نحوَ هذا المَعنى.
والثالثُ: أنَّها عامةٌ في اليَهودِ وفي هذه الأُمةِ، قالَه ابنُ مَسعودٍ والحَسنُ والنَّخعيُّ والسُّديُّ.
والرابعُ: أنَّها نزلَتْ في اليَهودِ والنَّصارى قالَه أَبو مِجلزٍ.
والخامسُ: أنَّ الأُولى في المُسلِمينَ، والثانيةَ في اليَهودِ، والثالثةَ في النَّصارى قالَه الشِّعبيُّ.
وفي المُرادِ بالكُفرِ المَذكورِ في الآيةِ الأُولى قَولانِ:
أَحدُهما: أنَّه الكُفرُ باللهِ تَعالى.
والثانِي: أنَّه الكُفرُ بذلك الحُكمِ، وليسَ بكُفرٍ يَنقلُ عن المِلةِ.
وفَصلُ الخِطابِ أنَّ مَنْ لمْ يَحكمْ بما أنزَلَ اللهُ جاحدًا له وهو يَعلمُ أنَّ اللهَ أنزَلَه كما فعلَتِ اليَهودُ فهو كافرٌ، ومَن لمْ يَحكمْ به مَيلًا إلى الهَوى مِنْ غيرِ جُحودٍ فهو ظالمٌ وفاسقٌ، وقد رَوى عَليُّ بنُ أَبي طَلحةَ عن ابنِ عَباسٍ
مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٧ - ٥٠].
ذكَرَ سبُحانَه حُكمَ التَّوراةِ والإِنجيلِ ثُم ذكَرَ أنَّه أنزَلَ القُرآنَ وأمَرَ نَبيَّه أنْ يَحكمَ بينهم بالقُرآن ولا يَتبعْ أَهواءَهم عما جاءَه مِنْ الكِتابِ، وأخبَرَ أنَّه جعَلَ لكلِّ واحدٍ مِنْ الأَنبياءِ شِرعةً ومِنهاجًا، فجعَلَ لمُوسى وعيسى ما في التَّوراةِ والإِنجيلِ مِنْ الشِّرعةِ والمِنهاجِ، وجعَلَ للنَّبيِّ ﷺ ما في القُرآنِ مِنْ الشَّرعةِ والمِنهاجِ، وأمَرَه أنْ يَحكمَ بما أنزَلَ اللهُ، وحذَّرَه أنْ يَفتنوه عن بعضِ ما أنزَلَ اللهُ، وأخبَرَه أنَّ ذلك هو حُكمُ اللهِ، ومَنِ ابتَغى غيرَه فقد ابتَغى حُكمَ الجاهِليةِ.
وقالَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤] ولا رَيبَ أنَّ مَنْ لمْ يَعتقدْ وُجوبَ الحُكمِ بما أنزَلَ اللهُ على رَسولِه فهو كافرٌ، فمَن استحَلَّ أنْ يَحكمَ بينَ الناسِ بما يَراه هو عَدلًا من غيرِ اتباعٍ لمَا أنزَلَ اللهُ فهو كافرٌ، فإنَّه ما مِنْ أُمةٍ إلا وهي تَأمرُ بالحُكمِ بالعَدلِ، وقد يَكونُ العَدلُ في دينِها ما رَآه أَكابرُهم، بل كَثيرٌ مِنْ المُنتسبينَ إلى الإِسلامِ يَحكمونَ بعاداتِهم التي لمْ يُنزلْها اللهُ كسَوالفِ الباديةِ، وكأَوامرِ المُطاعينَ فيهم، ويَرونَ أنَّ هذا هو الذي يَنبغي الحُكمُ به دونَ الكِتابِ والسُّنةِ، وهذا
стр. 14299
هو الكُفرُ، فإنَّ كَثيرًا مِنْ الناسِ أسلَمُوا، ولكنْ مع هذا لا يَحكمونَ إلا بالعاداتِ الجاريةِ لهم التي يَأمرُ بها المُطاعونَ، فهؤلاء إذا عرَفُوا أنَّه لا يَجوزُ الحُكمُ إلا بما أنزَلَ اللهُ فلمْ يَلتزموا ذلك، بل استحَلُّوا أنْ يَحكموا بخِلافِ ما أنزَلَ اللهُ، فهم كُفارٌ وإلا كانوا جُهالًا، كمَن تقدَّمَ أَمرُهم، وقد أمَرَ اللهُ المُسلِمينَ كلَّهم إذا تَنازعوا في شَيءٍ أنْ يَردوه إلى اللهِ والرَّسولِ، فقالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وقالَ تَعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥] فمَن لمْ يَلتزمْ تَحكيمَ اللهِ ورَسولِه فيما شجَرَ بينهم فقد أقسَمَ اللهُ بنَفسِه أنَّه لا يُؤمنُ، وأمَّا مَنْ كانَ مُلتزمًا لحُكمِ اللهِ ورَسولِه باطنًا وظاهرًا، لكنْ عَصى واتبَعَ هواه فهذا بمَنزلةِ أَمثالِه مِنْ العُصاةِ.
وهذه الآيةُ مما يَحتجُّ بها الخَوارجُ على تَكفيرِ وُلاةِ الأَمرِ الذين لا يَحكمونَ بما أنزَلَ الله ثُم يَزعمونَ أنَّ اعتقادَهم هو حُكمُ اللهِ، وقد تكلَّمَ الناسُ بما يَطولُ ذِكرُه هنا، وما ذكَرْتُه يَدلُّ عليه سياقُ الآيةِ.
والمَقصودُ أنَّ الحُكمَ بالعَدلِ واجبٌ مُطلقًا في كلِّ زَمانٍ ومَكانٍ على كلِّ أَحدٍ ولكلِّ أَحدٍ، والحُكمُ بما أنزَلَ اللهُ على مُحمدٍ ﷺ هو عَدلٌ خاصٌّ وهو أَكملُ أَنواعِ العَدلِ وأَحسنُها، والحُكمُ به واجبٌ على النَّبيِّ ﷺ وكلِّ مَنْ اتبعَه، ومَن لمْ يَلتزمْ حُكمَ اللهِ ورَسولِه فهو كافرٌ.
стр. 14300
وهذا واجبٌ على الأُمةِ في كلِّ ما تنازعَتْ فيه مِنْ الأُمورِ الاعتقاديةِ والعِمليةِ قالَ تَعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة: ٢١٣].
وقالَ تَعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وقالَ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فالأُمورُ المُشتركَةُ بينَ الأُمةِ لا يَحكمُ فيها إلا الكِتابُ والسُّنةُ ليسَ لأَحدٍ أنْ يُلزمَ الناسَ بقَولِ عالمٍ ولا أَميرٍ ولا شَيخٍ ولا مَلكٍ.
ومَن اعتقَدَ أنَّه يَحكمُ بينَ الناسِ بشَيءٍ مِنْ ذلك ولا يَحكمُ بينهم بالكِتابِ والسُّنةِ فهو كافرٌ، وحُكامُ المُسلِمينَ يَحكمونَ في الأُمورِ المُعينةِ لا يَحكمونَ في الأُمورِ الكُليةِ، وإذا حكَمُوا في المُعيَّناتِ فعليهم أنْ يَحكموا بما في كِتابِ اللهِ، فإنْ لمْ يَكنْ فبما في سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فإنْ لمْ يَجدوا اجتهَدَ الحاكمُ برَأيه.
وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «القُضاةُ ثَلاثةٌ: قاضِيانِ في النارِ، وقاضٍ في الجَنةِ، فمَن علِمَ الحقَّ وقَضى به فهو في الجَنةِ، ومَن علِمَ الحقَّ وقَضى بخِلافِه فهو في النارِ، ومَن قَضى للناسِ على جَهلٍ فهو في النار» (١).
وإذا حكَمَ بعِلمٍ وعَدلٍ فإذا اجتهَدَ فأصابَ فله أَجرانِ، وإذا اجتهَدَ فأخطَأَ فله أَجرٌ كما ثبَتَ ذلك في الصَّحيحينِ عن النَّبيِّ ﷺ » (٢).
стр. 14301
وقالَ أيضًا: «والإِنسانُ متى حلَّلَ الحَرامَ المُجمعَ عليه أو حرَّمَ الحَلالَ المُجمعَ عليه أو بدَّلَ الشَّرعَ المُجمعَ عليه كانَ كافرًا مُرتدًا باتفاقِ الفُقهاءِ، وفي مثلِ هذا نزَلَ قَولُه -على أَحدِ القَولينِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤] أي هو المُستحِلُّ للحُكمِ بغيرِ ما أنزَلَ اللهُ.
ولَفظُ الشَّرعِ يُقالُ في عُرفِ الناسِ على ثَلاثةِ مَعانٍ:
الشَّرعُ المُنزَّلُ وهو ما جاءَ به الرَّسولُ، وهذا يَجبُ اتباعُه، ومَن خالَفَه وجبَتْ عُقوبتُه.
والثانِي: الشَّرعُ المُؤوَّلُ، وهو آراءُ العُلماءِ المُجتهدِينَ فيها كمَذهبِ مالِكٍ ونَحوِه، فهذا يَسوغُ اتباعُه ولا يَجبُ ولا يَحرمُ، وليسَ لأَحدٍ أنْ يُلزمَ عُمومَ الناسِ به، ولا يَمنعَ عُمومَ الناسِ منه.
والثالثُ: الشَّرعُ المُبدَّلُ، وهو الكَذبُ على اللهِ ورَسولِه أو على الناسِ بشَهاداتِ الزُّورِ ونَحوِها والظُّلمِ البَينِ، فمَن قالَ إنَّ هذا مِنْ شَرعِ اللهِ فقد كفَرَ بلا نِزاعٍ، كمَن قالَ: إنَّ الدَّمَ والمَيتةَ حَلالٌ، ولو قالَ هذا مَذهبي ونَحوُ ذلك» (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: «تَأويلُ ابنِ عَباسٍ وعامةِ الصَّحابةِ في قَولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤] قالَ ابنُ عَباسٍ: «ليسَ بكُفرٍ يَنقلُ عن المِلةِ، بل إذا فعَلَه فهو به
стр. 14302
كُفرٌ، وليسَ كمَن كفَرَ باللهِ واليَومِ الآخرِ»، وكذلك قالَ طاوسٌ، وقالَ عَطاءٌ: «هو كُفرٌ دونَ كُفرٍ، وظُلمٌ دونَ ظُلمٍ، وفِسقٌ دونَ فِسقٍ».
ومنهم: مَنْ تأوَّلَ الآيةَ على تَركِ الحُكمِ بما أنزَلَ اللهُ جاحدًا له وهو قَولُ عِكرمةَ، وهو تَأويلٌ مَرجوحٌ، فإنَّ نَفسَ جُحودِه كُفرٌ، سَواءٌ حكَمَ أو لمْ يَحكمْ.
ومنهم: مَنْ تأوَّلَها على تَركِ الحُكمِ بجَميعِ ما أنزَلَ اللهُ، قالَ: ويَدخلُ في ذلك الحُكمُ بالتَّوحيدِ والإِسلامِ، وهذا تَأويلُ عَبدِ العَزيزِ الكِنانِيِّ، وهو أيضًا بعيدٌ؛ إذ الوَعيدُ على نَفي الحُكمِ بالمُنزِّلِ وهو يَتناولُ تَعطيلَ الحُكمِ بجَميعِه وببعضِه.
ومنهم: مَنْ تأوَّلَها على الحُكمِ بمُخالفةِ النصِّ تَعمدًا مِنْ غيرِ جَهلٍ به ولا خَطأٍ في التَّأويلِ، حَكاه البَغويُّ عن العُلماءِ عُمومًا.
ومنهم: مَنْ تأوَّلَها على أَهلِ الكِتابِ، وهو قَولُ قَتادةَ والضَّحاكِ وغيرِهما، وهو بَعيدٌ، وهو خِلافُ ظاهرِ اللَّفظِ فلا يُصار إليه.
ومنهم: مَنْ جعَلَه كُفرًا يَنقلُ عن المِلةِ.
والصَّحيحُ: أنَّ الحُكمَ بغير ما أنزَلَ اللهُ يَتناولُ الكُفرينِ الأَصغرَ والأَكبَرَ بحسَب حالِ الحاكمِ، فإنَّه إنِ اعتقَدَ وُجوبَ الحُكمِ بما أنزَلَ اللهُ في هذه الواقِعةِ وعدَلَ عنه عِصيانًا؛ لأنَّه معَ اعتِرافِه بأنَّه مُستحِقٌّ للعُقوبةِ فهذا كُفرٌ أَصغرُ، وإنِ اعتَقدَ أنَّه غيرُ واجبٍ وأنَّه مُخيَّرٌ فيه معَ تَيقنِه أنَّه حُكمُ اللهِ تَعالى فهذا كُفرٌ أَكبَرُ، وإنْ جهِلَه وأخطَأَه فهذا مُخطِئٌ له حُكمُ المُخطِئينَ (١).
стр. 14303
كتاب الأَيمانِ
تَعريفُ الأَيمانِ:
الأَيمان لُغةً: جَمعُ يَمينٍ، واليَمينُ: القَسمُ، والجَمعُ: أَيمُنٌ وأَيمانٌ، ومِن مَعانيها القُوةُ، قالَ اللهَ تَعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ [الحاقة: ٤٥] أي القُوَّة، ومنه قولُ الشاعرِ:
إذَا ما رايَةٌ رُفعَت لمَجدٍ تَلقَّاها عَرابةُ باليَمينِ
أَي بالقُوةِ، وعَرابةُ اسمُ رَجلٍ مَعدودٍ مِنْ الصَّحابةِ.
وقيلَ: سُميَ بذلك؛ لأنَّهم كانُوا إذا تَحالَفوا، ضرَبَ كلُّ امرِئٍ منهم يَمينَه على يَمينِ صاحبِه، وقيلَ: لأنَّها تَحفظُ الشيءَ على الحالفِ كما تَحفظُ اليدُ (١).
стр. 14304
وأما في الشَّرعِ فقد عرَّفَها الفُقهاء بعدَّةِ تَعريفاتِ:
قالَ الحَنفيةُ: الأَيمان في الشَّرعِ عِبارةٌ عن عَقدٍ قَويٍ به عَزمُ الحالفِ على الفِعلِ أو التَّركِ.
وإنَّما سُميَ القَسمُ يَمينًا لوَجهينِ:
أَحدُهما: أنَّ اليَمين هي القُوةُ، والحالِفُ يَتقوَّى بالقَسمِ على الحَملِ أو المَنعِ.
والثانِي: أنَّهم كانُوا يَتماسَكونَ بأَيديهِم عندَ القَسمِ فسُميَت بذلك (١).
وقالَ الشافِعيةُ: تَحقيقُ ما يَحتمِلُ المُخالَفةَ أو تَأكيدُه بذِكرِ اسمِ اللهِ تَعالى أو صِفةٍ مِنْ صِفاتِه (٢).
وقيلَ: تَحقيقُ أمرٍ مُحتَملٍ سَواءٌ كانَ ماضيًا أو مُستَقبلًا نَفيًا أو إِثباتًا فيهما عالمًا به الحالِفُ أو جاهلًا فالمُرادُ احتِمالُ الصِّيغةِ في ذاتِها لأَمرِ غيرِ مُحققِ الوُجودِ أو العَدمِ فخرَجَ بالتَّحقيقِ لَغوُ اليَمين وبالمُحتمِلِ نحوُ «لأَموتَنَّ» لصِدقِه بتَحقيقِ وُقوعِه في عَدمِ تَصورِ الحِنثِ فيه أو «لأَصعَدنَّ السَّماءَ» لعَدمِ تَصورِ الحِنثِ فيه بذاتِه، فلا إِخلالَ فيه بتَعظيمِ اسمِه تَعالى (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: واليَمينُ: تَوكيدُ الحُكمِ المَحلوفِ عليه بذِكرِ مُعظَّمٍ على وَجهٍ مَخصوصٍ، فاليَمينُ وُجوابُها جُملتانِ تَرتَبطُ إِحداهما بالأُخرى ارتِباطَ جُملَتي الشَّرطِ والجَزاءِ، كقولِ: «أَقسَمتُ باللهِ لأَفعَلنَّ» (٤).
وعن عبدِ اللهِ ابنِ عُمرَ أنَّه قالَ: «كَثيرًا مِما كان النَّبي ﷺ يَحلِفُ لا ومُقلِّبِ القُلوبِ» (١).
وعن القَاسمِ بنِ عَاصمٍ الكُليبيِّ عن زهدَمٍ قالَ: كنا عندَ أَبي مُوسى فأُتِيَ وذكَرَ دَجاجةً وعندَه رَجلٌ مِنْ بَني تَيمِ اللهِ أَحمرُ كأَنَّه من المَوالي فدَعاه للطَّعامِ فقالَ: إني رَأيتُه يَأكلُ شَيئًا فقَذرْتُه فحلَفتُ لا آكلُ فقالَ: هلُمَّ فلأُحدِّثْكم عن ذاكَ، إني أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ في نَفرٍ مِنْ الأَشعَريِّينَ نَستَحملُه فقالَ: واللهِ لا أَحملُكم وما عِندي ما أَحملُكم، وأُتِيَ رَسول اللهِ ﷺ بنَهبِ إبِلٍ فسأَلَ عنَّا فقالَ: أينَ النَّفرُ الأَشعَريُّونَ؟ فأمَرَ لنا بخَمسِ ذودٍ غرِّ الذُّرى فلما انطلَقنا قُلنا: ما صنَعنا لا يُبارَكُ لنا فرجَعْنا إليه فقُلنا: إنَّا سأَلنَاك أنْ تَحمِلَنا فحلَفتَ أنْ لا تَحمِلَنا أفنَسيتَ؟ قالَ: لَستُ أنا حمَلتُكم ولَكنَّ اللهَ حمَلَكم، وإنِّي واللهِ إن شاءَ اللهُ لا أَحلِفُ على يَمينٍ فأَرى غيرَها خَيرًا منها إلا أَتيتُ الذي هو خَيرٌ وتَحلَّلتُها» (٢).
وغيرُها مِنْ الأَحاديثِ التي ستَأتِي معنا إنْ شاءَ اللهُ.
وأما الإِجماعُ: فقد نقَلَ جَماعةٌ مِنْ العُلماء الإِجماعَ على مَشروعيةِ اليَمينِ وعلى انعِقادِه.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الأصلُ في مَشروعيتِها وثُبوتِ حُكمِها
стр. 14307
الكِتابُ والسُّنةُ والإِجماعُ … وأَجمَعت الأمةُ على مَشروعيةِ اليَمينِ وثُبوتِ أَحكامِها (١).
وقالَ الإمامُ العِمرانِيُّ ﵀: الأصلُ في انعِقادِ اليَمينِ: الكِتابُ والسُّنةُ والإِجماعُ … وأَجمَعت الأمةُ على انعِقادِ اليَمينِ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ بعدَما ذكَرَ حَديث «فمَن كانَ حالِفًا فليَحلِفْ باللهِ» قالَ: وفي هذا الحَديثِ إِباحةُ الحَلفِ باللهِ تَعالى وصِفاتِه كلِّها، وهذا مُجمَعٌ عليه (٣).
وقالَ الإمامُ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: قولُه ﷺ : «فليَحلِفْ باللهِ» فيه إِباحةُ الحَلفِ باللهِ وليسَ المُرادُ بهذا اللَّفظِ بخُصوصِه بل كلُّ ما يُطلَقُ على الله تَعالى مِنْ أَسمائِه الحُسنَى وصِفاتِه العُليا يَنعقِدُ اليَمينُ بالحَلفِ به وهذا مُجمَعٌ عليه (٤).
وقالَ الإمامُ الزَّيلعيُّ ﵀: وأَقسَمَ ﵊ ليَغزُونَّ قُريشًا، والصَّحابةُ ﵃ كانُوا يُقسمِونَ فكانَت ثابِتةً بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ (٥).
وقالَ الإمامُ الزَّركشيُّ ﵀: الأَيمان جَمعُ يَمينٍ، وهي في أصلِ اللُّغةِ الحلفُ بمُعظَّمٍ في نَفسِه أو عندَ الحالِفِ، على أمرٍ مِنْ الأُمورِ، بصيغٍ
стр. 14308
مَخصوصةٍ، كقولِه: «واللهِ لأَفعلَنَّ». «وحياتِك لأَركَبنَّ»، والأصلُ في مَشروعيتِها الإِجماعُ (١).
تَقسيمُ الأَيمان من حيثُ الحُكمُ التَّكليفيُّ:
تَنقسِمُ الأَيمانُ إلى خَمسةِ أَقسامٍ، وهي أَحكامُ التَّكليفِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الأَيمانُ تَنقسِمُ خَمسةَ أَقسامٍ:
أَحدُها: واجبٌ: وهي التي يُنجِّي بها إِنسانًا مَعصومًا مِنْ هَلكةٍ كما رُويَ عن سُويدِ بنِ حَنظلةَ قالَ: خرَجْنا نُريدُ النَّبيَّ ﷺ ومعَنا وائلُ بنُ حُجرٍ فأخَذَه عَدوٌ له فتَحرَّجَ القَومُ أنْ يَحلِفوا وحلَفتُ أنا إنَّه أَخي فذكَرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «صدَقتَ؛ المُسلِمُ أَخو المُسلمِ» (٢) رواه أَبو داودَ والنَّسائيُّ، فهذا ومثلُه واجبٌ؛ لأنَّ إِنجاءَ المَعصومِ واجبٌ وقد تَعيَّنَ في اليَمينِ فيَجبُ، وكذلك إِنجاءُ نفسِه مثلُ أنْ تَتوجَّه عليه أَيمانُ القَسامةِ في دَعوى القَتلِ عليه وهو بَريءٌ.
الثانِي: مَندوبٌ: وهو الحَلفُ الذي تَتعلَّقُ به مَصلحةٌ مِنْ إِصلاحٍ بينَ مُتخاصِمينِ أو إِزالةِ حِقدٍ مِنْ قَلبِ مُسلمٍ عن الحالفِ أو غيرِه أو دفعِ شرٍّ فهذا مَندوبٌ؛ لأنَّ فِعلَ هذه الأُمورِ مَندوبٌ إليه واليَمينُ مُفضيةٌ إليه.
وإن حلَفَ على فِعلِ طاعةٍ أو تَركِ مَعصيةٍ ففيه وَجهانِ:
أَحدُهما: أنَّه مَندوبٌ إليه وهو قولُ بعضِ أَصحابِنا وأَصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنَّ ذلك يَدعوه إلى فِعلِ الطاعاتِ وتَركِ المَعاصِي.
стр. 14309
والثانِي: ليسَ بمَندوبٍ إليه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأَصحابه لَم يَكونوا يَفعلونَ ذلك في الأَكثرِ الأَغلبِ ولا حنَثَ النَّبيُّ ﷺ أحدًا عليه ولا ندَبَه إليه ولو كانَ ذلك طاعةً لَم يَخلوا به ولأنَّ ذلك يَجري مَجرى النَّذرِ وقد نَهى النَّبيُّ ﷺ عن النَّذرِ وقالَ: «إنَّه لا يَأتِي بخَيرٍ وإنَّما يُستخرَجُ به مِنْ البَخيلِ» (١) مُتفقٌ عليه.
الثالثُ: المُباحُ: مثلُ الحَلفِ على فِعلٍ مُباحٍ أو تَركِهِ والحَلفِ على الخبَرِ بشيءٍ هو صادقٌ فيه أو يَظنُّ أنَّه فيه صادقٌ؛ فإنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ومِن صُورِ اللَّغو أن يَحلِفَ على شيءٍ يَظنُّه كما حلَفَ عليه ويَبينُ بخِلافِه.
فأما الحَلفُ على الحُقوقِ عندَ الحاكمِ ففيه وَجهانِ:
أَحدُهما: أنَّ تَركَه أَولى مِنْ فِعلِه فيَكونُ مَكروهًا، ذكَرَ ذلك أَصحابُنا وأَصحابُ الشافِعيِّ؛ لِما رُويَ أنَّ عُثمانَ والمِقدادَ تَحاكَما إلى عُمرَ في مالٍ استَقرضَه المِقدادُ فجعَلَ عُمرُ اليَمينَ على المِقدادِ فرَدَّها على عُثمانَ فقالَ عُمرُ: لقد أَنصفَك فأخَذَ عُثمانُ ما أَعطاه المِقدادُ ولَم يَحلفْ، فقالَ: خِفتُ أنْ يُوافِقَ قَدرٌ بَلاءً فيُقالُ بيَمينِ عُثمانَ.
والثانِي: أنَّه مُباحٌ فِعلُه كتَركِه؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ نَبيَّه بالحَلفِ على الحقِّ في ثَلاثةِ مَواضعَ.
ورَوى مُحمدُّ بنُ كَعبٍ القُرظيُّ أنَّ عُمرَ قالَ على المِنبَرِ وفي يدِه عَصا:
стр. 14310
«يا أيُّها الناسُ، لا تَمنَعْكم اليَمينُ مِنْ حُقوقِكم؛ فوالذي نَفسي بيدِه إنَّ في يَدي لعَصا».
ورَوى عُمرُ بنُ شَبةَ في كتابِ قُضاةِ البَصرةِ بإِسنادِه عن الشَّعبيِّ أنَّ عُمرَ وأُبيًّا تَحاكَما إلى زَيدٍ في نَخلٍ ادَّعاه أُبيٌّ فتَوجَّهَت اليَمينُ على عُمرَ فقالَ زَيدٌ: أَعفِ أَميرَ المُؤمِنينَ، فقالَ عُمرُ: ولِم يُعفي أَميرَ المُؤمِنينَ؟ إن عرَفتُ شَيئًا استَحقَقتُه بيَميني وإلا ترَكتُه، واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو إنَّ النَّخلَ لنَخلي وما لأُبيٍّ فيه حقٌّ، فلما خرَجا وهَبَ النَّخلَ لأُبيٍّ، فقيلَ له: يا أَميرَ المُؤمِنينَ هلَّا كانَ هذا قبلَ اليَمينِ؟ فقالَ: خِفتُ أنْ لا أَحلِفَ فلا يَحلِفُ الناسُ على حُقوقِهم بَعدي فيَكونُ سُنةً»، ولأنَّه حَلفَ صِدقٍ على حقٍّ فأشبَه الحَلفَ عندَ غيرِ الحاكمِ.
الرابعُ: المَكروهُ: وهو الحَلفُ على فِعلِ مَكروهٍ أو تَركِ مَندوبٍ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤].
ورُويَ أنَّ أَبا بكرٍ الصِّديقَ ﵁ حلَفَ لا يُنْفِقُ على مِسطحٍ بعدَ الذي قالَ لعائشةَ ما قالَ وكانَ من جُملةِ أَهلِ الإِفكِ الذين تَكلَّموا في عائشةَ ﵂ فأَنزلَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢].
وقيلَ: المُرادُ بقولِه ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ [النور: ٢٢] أيْ: لا يَمتَنعُ، ولأنَّ اليَمينَ على ذلك مانِعةٌ من فعلِ الطاعةِ أو حاملةٍ على فِعلِ المَكروهِ فتَكونُ مَكروهةً.
فإن قيلَ: لو كانَت مَكروهةً لأَنكرَ النَّبيُّ ﷺ على الأَعرابيِّ
стр. 14311
الذي سأَلَه عن الصَّلواتِ فقالَ: هل علي غيرُها؟ فقالَ: «لا إلا أنْ تَطوَّعَ» فقالَ: والذي بعَثَك بالحقِّ لا أَزيدُ عليها ولا أَنقصُ منها، ولَم يُنكرٍ عليه النَّبيِّ ﷺ بل قالَ: «أَفلحَ الرَّجلُ إن صدَقَ» (١).
قُلنا: لا يَلزمُ هذا؛ فإنَّ اليَمينَ على تَركِها لا تَزيدُ على تَركِها، ولو ترَكَها لَم يُنكرْ عليه ويَكفي في ذلك بَيانُ أنَّ ما ترَكَه تَطوعٌ وقد بيَّنَه له النَّبيُّ ﷺ بقولِه: «إلا أنْ تَطوَّعَ»، ولأنَّ هذه اليَمينَ إنْ تَضمَّنَت تَركَ المَندوبِ فقد تَناولَت فِعلَ الواجبِ والمُحافَظةَ عليه كلِّه بحيثُ لا يُنقِصُ منه شيئًا، وهذا في الفَضلِ يَزيدُ على ما قابلَه مِنْ تَركِ التَّطوعِ فيَترجَّحُ جانبُ الإِثباتِ بها على تَركِها فيَكونُ من قَبيلِ المَندوبِ فكيفَ يُنكرُ؟ ولأنَّ في الإِقرارِ على هذه اليَمينِ بَيانُ حُكمٍ مُحتاجٍ إليه وهو بَيانُ أنَّ تَركَ التَّطوعِ غيرُ مُؤاخَذٍ به، فلَو أَنْكَرَ على الحالِفِ لحصَلَ ضدَّ هذا وتوَهَّم كَثيرٌ مِنْ الناسِ لُحوقَ الإثمِ بتَركِه فيَفوتُ الغَرضُ.
ومِن قِسمِ المَكروهِ الحَلفُ في البَيعِ والشِّراءِ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الحَلفُ مُنفقٌ للسِّلعةِ مُمحقٌ للبَركةِ» (٢) رواه ابنُ ماجَه.
القِسمُ الخامسُ: المُحرمُ: وهو الحَلفُ الكاذبُ؛ فإنَّ اللهَ تَعالى ذمَّه بقولِه: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾ [المجادلة: ١٤]، ولأنَّ الكَذبَ حَرامٌ فإذا كانَ مَحلوفًا عليه كانَ أَشدَّ في التَّحريمِ وإنْ أَبطَلَ به حقًّا أو اقتَطعَ به مالَ مَعصومٍ كانَ أَشدَّ؛ فإنَّه رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «مَنْ حلَفَ يَمينًا فاجِرةً يَقتَطعُ بها مالَ امرئٍ مُسلمٍ لقِيَ اللهَ وهو عليه
стр. 14312
غَضبانُ» وأَنزلَ اللهُ في ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧] (١).
ومِن هذا القِسمِ الحِلفُ على فِعلِ مَعصيةٍ أو تَركِ واجبٍ فإنَّ المَحلوفَ عليه حَرامٌ فكانَ الحَلفُ حَرامًا؛ لأنَّه وَسيلةٌ إليه والوَسيلةُ تَأخذُ حُكمَ المُتوسلِ إليه.
ثم قالَ: فصلٌ: ومتى كانَت اليَمينُ على فِعلِ واجبٍ أو تَركِ مُحرمٍ كانَ حلُّها مُحرمًا؛ لأنَّ حلَّها بفِعلِ المُحرمِ وهو مُحرمٌ، وإنْ كانَت على فِعلِ مَندوبٍ أو تَركِ مَكروهٍ فحلُّها مَكروهٌ، وإن كانَت على فِعلِ مُباحٍ فحلُّها مُباحٌ …
وإنْ كانَت على فِعلِ مَكروهٍ أو تَركِ مَندوبٍ فحلُّها مَندوبٌ إليه؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا حلَفتَ على يَمينٍ فرَأيتَ غيرَها خَيرًا منها فائتِ الذي هو خَيرٌ وكفِّرْ عن يَمينِك» وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنِّي واللهِ إنْ شاءَ اللهُ لا أَحلِفُ على يَمينٍ فأَرى غيرَها خَيرًا منها إلا أَتيتُ الذي هو خَيرٌ وتَحلَّلتُها».
وَإنْ كانَت اليَمينُ على فِعلِ مُحرمٍ أو تَركِ واجبٍ فحلُّها واجبٌ لأنَّ حلَّها بفِعلِ الواجبِ وفعلِ الواجبِ واجبٌ (٢).
стр. 14313
حُكمُ البرِّ والحِنثِ في اليَمينِ:
اليَمينُ المَعقودةُ إما أن تَكون على فِعلِ واجبٍ أو تَركِ مَعصيةٍ أو مَندوبٍ أو مُباحٍ أو مَكروهٍ أو مُحرمٍ ولكلِّ واحدٍ مِنْ هذا حُكمٌ.
أولًا: أن تَكون اليَمينُ على فِعلِ واجبٍ أو تَركِ مَعصيةِ:
اتَّفقَ الفُقهاء على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ على فِعلِ واجبٍ كأنْ حلَفَ أن يُصليَ الظُّهرَ مثلًا أو على تَركِ مُحرمٍ كأنْ حلَفَ أنْ لا يَزنِيَ فإنَّ يَمينَه طاعةٌ والإِقامةُ عليها واجبةٌ والحِنثُ مَعصيةٌ؛ لأنَّ حلها بتَركِ الواجبِ أو بفِعلِ المُحرمِ، وهذا لا يَجوزُ بل يَجبُ عليه أنْ يَفيَ بهذا وتَجبُ به الكَفارة إذا حنَثَ (١).
ثانيًا: أن يَكون اليَمينُ على فِعلِ مُحرمٍ أو تَركِ واجبٍ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ على فِعلِ مَعصيةٍ كأنْ حلَفَ أنْ يَزنِيَ مثلًا أو يَسرقَ أو يَشربَ خَمرًا أو على تَركِ واجبٍ كأنْ حلَفَ أنْ لا يُصلِيَ الظُّهرَ مثلًا أو أنْ لا يَصلَ رحِمَه فهذا يَحرُمُ عليه البِرُّ في يَمينِه ويَجبُ عليه الحِنثُ فورًا لئلَّا يَأثمَ بفِعلِ المُحرمِ أو تَركِ الواجبِ ويُكفِّرُ عن يَمينِه ولا يَزنِي ولا يَسرقُ ولا يَتركُ الواجبَ الذي حلَفَ على تَركِه؛ لأنَّ الإقامةَ
стр. 14314
على هذه الحالةِ مَعصيةٌ ويَجبُ عليه التَّوبةُ والاستِغفارُ في الحالِ كسائرِ الجِناياتِ التي ليسَ فيها كَفارة مَعهودةٌ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غيرَها خَيرًا منها فلْيَأتِ الذي هو خَيرٌ، وليُكفِّرْ عن يَمينِه» (١). أي: عليه أن يُحنِّثَ نفسَه ويُكفِّرَ عن يَمينِه، وهذا قولُ عامَّةِ العُلماء.
فإنْ تَجرَّأَ وفعَلَ المَعصيةَ أثِمَ، ولا كَفارة لفِعلِ المَحلوفِ عليه (٢).
إلا أنَّ الشافِعيةَ استَثنوا مِنْ ذلك الواجبَ على الكِفايةِ كما لو حلَفَ لا يُصلِّي على فُلانٍ المَيتِ حيثُ لم يَتعيَّنْ عليه، فإنَّه لا يَعصى بهذا الحَلفِ ولا يَلزمُه الحِنثُ (٣).
ثالثًا: أن يَحلِفَ على فِعلِ مَندوبٍ أو تَركِ مَكروهٍ:
نصَّ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ -وهو مُقتَضى مَذهبِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ- على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ يَمينًا على ما فِعلِه أَولى مِنْ تَركِه بأنْ حلَفَ على فِعلِ مَندوبٍ أو على تَركِ مَكروهٍ فيُكرهُ حِنثُه ويُستَحبُّ بِرُّه؛ لما
стр. 14315
يَترتبُ على بِرِّه مِنْ الثَّوابِ الحاصلِ بفِعلِ المَندوبِ وتَركِه، فإنْ حنَثَ فعليه بالحِنثِ كَفارةٌ (١).
رابعًا: أنْ يَحلِفَ على تَركِ مَندوبٍ أو فِعلِ مَكروهٍ:
نصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ على تَركِ مَندوبٍ أو فِعلِ مَكروهٍ فإنَّه يُستَحبُّ أنْ يُحنِّثَ نفسَه ويَفعَلَ المَندوبَ ويَتركَ المَكروهَ.
قالَ الحَنفيةُ: وإنْ كانَ حلَفَ على تَركِ المَندوبِ بأنْ قالَ: «واللهِ لا أُصلِّي نافِلةً ولا أَصومُ تَطوعًا ولا أَعودُ مَريضًا ولا أُشيعُ جِنازةً» ونحوَ ذلك فالأَفضلُ له أنْ يَفعلَ ويُكفِّرَ عن يَمينِه، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غيرَها خَيرًا منها فلْيَأتِ الذي هو خَيرٌ، وليُكفِّرْ عن يَمينِه» (٢)(٣).
وقالَ المالِكيةُ: إذا حلَفَ على تَركِ مَندوبٍ كصَلاةِ الضُّحى أو زِيارةِ صالحٍ، فيُستَحبُّ له تَحنيثُ نَفسِه (٤).
وقالَ الشافِعيةُ: إن حلَفَ على تَركِ مَندوبٍ كسُنةِ الضُّحى أو على فِعلِ مَكروهٍ كالتِفاتِه بوَجهِه في الصَّلاةِ فيَمينُه مَكروهٌ والإِقامةُ عليها مَكروهةٌ،
стр. 14316
ويُسنُّ حِنثُه وعليه الكَفارةُ؛ لأنَّ اليَمينَ والإِقامةَ عليها مَكروهانِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] الآية.
نزَلَت في الصِّديقِ ﵁ وقد حلَفَ أنْ لا يَبَرَّ مِسطحًا فقالَ: بلى ورَبِّي وبَرَّه (١).
وَأُجيبَ عن حَديثِ الأَعرابيِّ الذي قالَ: «واللهِ لا أَزيدُ على هذا ولا أُنقِصُ» (٢) وأنَّ النَّبيَّ ﷺ لَم يُنكِرْ عليه بأنَّ يَمينَه تَضمَّنَ طاعةً وهو امتِثالُ الأمرِ، ويَحتَملُ أنَّه سَبقُ لِسانِه إلى قولِه: «لا أَزيدُ» فكانَ من لَغوِ اليَمينِ.
واختُلفَ فيما لو حلَفَ لا يَأكلُ طَيبًا ولا يَلبَسُ ناعِمًا، فقيلَ: مَكروهٌ؛ لقولِه تَعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية.
وقيلَ: طاعةٌ لِما عُرفَ مِنْ اختِيارِ السَّلفِ خُشونةَ العَيشِ.
وقيلَ: يَختلِفُ ذلك باختِلافِ أَحوالِ الناسِ وقُصودِهم وفَراغِهم للعِبادةِ واشتِغالِهم بالضِّيقِ والسَّعةِ، وهذا كما قالَ الرافِعيُّ الصَّوابُ (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: إن كانَت اليَمينُ على فِعلِ مَكروهٍ أو تَركِ مَندوبٍ فحلُّها مَندوبٌ؛ لحَديثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمرةَ مَرفوعًا: «إذا حلَفتَ على يَمينٍ فرَأيتَ غيرَها خَيرًا منها، فكفِّرْ عن يَمينِك، وائتِ الذي هو خَيرٌ -وفي لفظٍ-
стр. 14317
فائتِ الذي هو خَيرٌ، وكفِّرْ عن يَمينِك» (١)؛ لِما يَترتبُ عليه مِنْ الثَّوابِ وتَركِ المَكروهِ امتِثالًا وفِعلِ المَندوبِ، ويُكرَهُ بَرُّه لما يَلزمُ عليه من فِعلِ المَكروهِ وتَركِ المَندوبِ (٢).
خامسًا: إذا حلَفَ على فِعلِ مُباحٍ أو تَركِه:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ على أنَّ يَفعلَ فعلًا مُباحًا كأنْ يَدخلَ دارًا مثلًا أو على تَركِ مُباحٍ كأنْ لا يَلبسَ هذا الثَّوبَ مثلًا فإنَّه مُخيرٌ بينَ الفِعلِ والتَّركِ فإنْ فعَلَ ما حلَفَ عليه فلا إثمَ ولا كَفارةَ، وإنْ ترَكَ ما حلَفَ على تَركِه فلا إثمَ ولا كَفارةَ، وإنْ فعَلَ ما حلَفَ على تَركِه فعليه الكَفارةُ، وإنْ ترَكَ ما حلَفَ على فِعلِه فعليه الكَفارةُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: وكيفَ يَكون حلُّها مُباحًا وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] قُلنا: هذا في الأَيمانِ في العُهودِ والمَواثيقِ بدَليل قولِه تَعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] إلى قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]، والعَهدُ يَجبُ الوَفاءُ به بغيرِ يَمينٍ، فمع اليَمينِ أَولى؛ فإنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ولهذا نُهيَ عن نَقضِ اليَمينِ، والنَّهيُ يَقتضِي التَّحريمَ، وذمَّهم
стр. 14318
عليه وضرَبَ لهم مثلَ التي نقَضَت غَزلَها مِنْ بعدِ قُوةٍ أَنكاثًا، ولا خِلافَ في أنَّ الحلَّ المُختلَفَ فيه لا يَدخلُه شيءٌ مِنْ هذا (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا أيُّهما أَفضلُ: هل الأَفضلُ أنْ يُحنِّثَ نفسَه ويُكفِّرَ أم الأَفضلُ الوَفاءُ باليَمينِ ولا يُكفِّرُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ البِرَّ والوَفاءَ باليَمينِ أَفضلُ؛ لِما فيه مِنْ تَعظيمِ اللهِ تَعالى، وقد قالَ تَعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] وقولُه تَعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أيْ: عن الحِنثِ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قولٍ إلى أنَّ الأَفضلَ له الحِنثُ ليَنتفعَ الفُقراءُ بالكَفارةِ.
وقيلَ: يُخيَّرُ بينَهما.
ومَحلُّ الخِلافِ عندَ الشافِعيةِ ما إذا لَم يَكنْ في ذلك أذًى للغيرِ، فإنْ كانَ بأنْ حلَفَ لا يَدخلُ دارَ أحدِ أبوَيه أو أَقاربِه أو صَديقٍ يَكرُه ذلك فالأَفضلُ الحِنثُ قَطعًا، وعَقدُ اليَمينِ على ذلك مَكروهٌ بلا شكٍّ (٣).
стр. 14319
أَنواعُ الأَيمانِ:
الأَيمانُ على ثَلاثةِ أَضربٍ:
يَمينٌ غَموسٌ، ويَمينُ لَغوٍ، ويَمينٌ مُنعقِدةٌ.
الأَولُ: اليَمينُ الغَموس:
تَعريفُ اليَمينِ الغَموس:
اليَمينُ الغَموسُ: هي اليَمينُ التي يُحلفُ بها كَذبًا على أَمرٍ ماضٍ أو حاضرٍ يَقتَطعُ به حقَّ امرئٍ مُسلمٍ.
فعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو قالَ: جاءَ أَعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، ما الكَبائرُ؟ قالَ: «الإِشراكُ باللهِ». قالَ: ثمَّ ماذَا؟ قالَ: «ثم عُقوقُ الوالدَينِ». قالَ: ثم ماذا؟ قالَ: «ثم عُقوقُ الوالدَينِ». قالَ: ثمَّ ماذَا؟ قالَ: «اليَمينُ الغَموس». قلتُ: وما اليَمينُ الغَموسُ؟ قالَ: «الذي يَقتطِعُ مالَ امرئٍ مُسلمٍ هو فيها كاذِبٌ» (١).
قالَ الحَنفيةُ: يَمينُ الغَموسِ: هي الحَلفُ على أَمرٍ ماضٍ أو حالٍ يَتعمَّدُ الكَذبَ فيه، مثلَ أنْ يَحلِفَ على شيءٍ قد فعَلَه ما فعَلَه معَ عِلمِه بذلك، أو على شيءٍ لَم يَفعَلْه لقَد فعَلَه معَ عِلمِه أنَّه لَم يَفعَلْه.
ويَقعُ على الحالِّ، مثلَ أنْ يَقول: واللَّهِ ما لهذا عَليَّ دَينٌ، وهو كاذِبٌ، أو يُدَّعَى عليه حقٌّ فيَحلِفُ باللهِ ما يَستَحقُّه عليَّ معَ عِلمِه باستِحقاقِه، فهذه
стр. 14320
كلُّها يَمينُ الغَموسِ؛ لأنَّه يَقطعُ بها حقَّ المُسلِمِ، وسُميَت غَموسًا؛ لأنَّها تَغمِسُ صاحِبَها في النارِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: اليَمينُ الغَموسُ: أنْ يَحلِفَ باللهِ على شيءٍ معَ شكٍّ منه في المَحلوفِ عليه، أو معَ ظنٍّ فيه، وأَولى إنْ تَعمَّدَ الكَذبَ. وتَكونُ على الماضِي والحاضرِ والمُستقبَلِ
ومَحلُّ عَدمِ الكَفارة فيها: إنْ تَعلَّقَت بماضٍ نحوَ: «واللهِ ما فعَلتُ كذا» أو «لَم يَفعلْ زَيدٌ كذا» أو «لَم يَقعْ كذا»، معَ شكِّه أو ظنِّه في ذلك بأنْ حلَفَ معَ شكِّه أو تَعمُّدِه الكَذبَ.
فإنْ تَعلَّقَت بمُستَقبل ولَم يَحصلْ المَحلوفُ عليه كُفِّرتْ- وتَكونُ غَموسًا على كلِّ حالٍ سَواءٌ وجبَتْ فيها الكَفارة أَمْ لا- نحوَ: «واللهِ لآتَينَّكَ غدًا» أو «لأَقضِينَّك حقَّكَ غدًا» ونحوَ ذلك، وهو جازمٌ بعَدمِ ذلك أو مُتردِّدٌ.
فعلى كلِّ حالٍ يَجبُ عليه الوَفاءُ بذلك، فإنْ لَم يُوفِّ بما حلَفَ عليه لمانِعٍ أو غيرِه فعليه الكَفارةُ، وإنْ حرُمَ عليه الحَلفُ معَ جَزمِه أو تَردُّدِه في ذلك، وكذا تُكفَّرُ إنْ تَعلَّقَت بالحالِ نحوَ: «واللهِ إنَّ زَيدًا لمُنطلِقٌ أو مَريضٌ أو مَعذُورٌ»، أيْ في هذا الوَقتِ وهو مُتردِّدٌ في ذلك أو جازمٌ بعَدمِ ذلك (٢).