← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14316–14355 · переход к 14321.

стр. 14316

ويُسنُّ حِنثُه وعليه الكَفارةُ؛ لأنَّ اليَمينَ والإِقامةَ عليها مَكروهانِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] الآية. نزَلَت في الصِّديقِ ﵁ وقد حلَفَ أنْ لا يَبَرَّ مِسطحًا فقالَ: بلى ورَبِّي وبَرَّه (١). وَأُجيبَ عن حَديثِ الأَعرابيِّ الذي قالَ: «واللهِ لا أَزيدُ على هذا ولا أُنقِصُ» (٢) وأنَّ النَّبيَّ ﷺ لَم يُنكِرْ عليه بأنَّ يَمينَه تَضمَّنَ طاعةً وهو امتِثالُ الأمرِ، ويَحتَملُ أنَّه سَبقُ لِسانِه إلى قولِه: «لا أَزيدُ» فكانَ من لَغوِ اليَمينِ. واختُلفَ فيما لو حلَفَ لا يَأكلُ طَيبًا ولا يَلبَسُ ناعِمًا، فقيلَ: مَكروهٌ؛ لقولِه تَعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية. وقيلَ: طاعةٌ لِما عُرفَ مِنْ اختِيارِ السَّلفِ خُشونةَ العَيشِ. وقيلَ: يَختلِفُ ذلك باختِلافِ أَحوالِ الناسِ وقُصودِهم وفَراغِهم للعِبادةِ واشتِغالِهم بالضِّيقِ والسَّعةِ، وهذا كما قالَ الرافِعيُّ الصَّوابُ (٣). وقالَ الحَنابِلةُ: إن كانَت اليَمينُ على فِعلِ مَكروهٍ أو تَركِ مَندوبٍ فحلُّها مَندوبٌ؛ لحَديثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمرةَ مَرفوعًا: «إذا حلَفتَ على يَمينٍ فرَأيتَ غيرَها خَيرًا منها، فكفِّرْ عن يَمينِك، وائتِ الذي هو خَيرٌ -وفي لفظٍ-

стр. 14317

فائتِ الذي هو خَيرٌ، وكفِّرْ عن يَمينِك» (١)؛ لِما يَترتبُ عليه مِنْ الثَّوابِ وتَركِ المَكروهِ امتِثالًا وفِعلِ المَندوبِ، ويُكرَهُ بَرُّه لما يَلزمُ عليه من فِعلِ المَكروهِ وتَركِ المَندوبِ (٢). خامسًا: إذا حلَفَ على فِعلِ مُباحٍ أو تَركِه: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ على أنَّ يَفعلَ فعلًا مُباحًا كأنْ يَدخلَ دارًا مثلًا أو على تَركِ مُباحٍ كأنْ لا يَلبسَ هذا الثَّوبَ مثلًا فإنَّه مُخيرٌ بينَ الفِعلِ والتَّركِ فإنْ فعَلَ ما حلَفَ عليه فلا إثمَ ولا كَفارةَ، وإنْ ترَكَ ما حلَفَ على تَركِه فلا إثمَ ولا كَفارةَ، وإنْ فعَلَ ما حلَفَ على تَركِه فعليه الكَفارةُ، وإنْ ترَكَ ما حلَفَ على فِعلِه فعليه الكَفارةُ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: وكيفَ يَكون حلُّها مُباحًا وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] قُلنا: هذا في الأَيمانِ في العُهودِ والمَواثيقِ بدَليل قولِه تَعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] إلى قولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]، والعَهدُ يَجبُ الوَفاءُ به بغيرِ يَمينٍ، فمع اليَمينِ أَولى؛ فإنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ولهذا نُهيَ عن نَقضِ اليَمينِ، والنَّهيُ يَقتضِي التَّحريمَ، وذمَّهم

стр. 14318

عليه وضرَبَ لهم مثلَ التي نقَضَت غَزلَها مِنْ بعدِ قُوةٍ أَنكاثًا، ولا خِلافَ في أنَّ الحلَّ المُختلَفَ فيه لا يَدخلُه شيءٌ مِنْ هذا (١). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا أيُّهما أَفضلُ: هل الأَفضلُ أنْ يُحنِّثَ نفسَه ويُكفِّرَ أم الأَفضلُ الوَفاءُ باليَمينِ ولا يُكفِّرُ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ البِرَّ والوَفاءَ باليَمينِ أَفضلُ؛ لِما فيه مِنْ تَعظيمِ اللهِ تَعالى، وقد قالَ تَعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] وقولُه تَعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أيْ: عن الحِنثِ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في قولٍ إلى أنَّ الأَفضلَ له الحِنثُ ليَنتفعَ الفُقراءُ بالكَفارةِ. وقيلَ: يُخيَّرُ بينَهما. ومَحلُّ الخِلافِ عندَ الشافِعيةِ ما إذا لَم يَكنْ في ذلك أذًى للغيرِ، فإنْ كانَ بأنْ حلَفَ لا يَدخلُ دارَ أحدِ أبوَيه أو أَقاربِه أو صَديقٍ يَكرُه ذلك فالأَفضلُ الحِنثُ قَطعًا، وعَقدُ اليَمينِ على ذلك مَكروهٌ بلا شكٍّ (٣).

стр. 14319

أَنواعُ الأَيمانِ: الأَيمانُ على ثَلاثةِ أَضربٍ: يَمينٌ غَموسٌ، ويَمينُ لَغوٍ، ويَمينٌ مُنعقِدةٌ. الأَولُ: اليَمينُ الغَموس: تَعريفُ اليَمينِ الغَموس: اليَمينُ الغَموسُ: هي اليَمينُ التي يُحلفُ بها كَذبًا على أَمرٍ ماضٍ أو حاضرٍ يَقتَطعُ به حقَّ امرئٍ مُسلمٍ. فعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو قالَ: جاءَ أَعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، ما الكَبائرُ؟ قالَ: «الإِشراكُ باللهِ». قالَ: ثمَّ ماذَا؟ قالَ: «ثم عُقوقُ الوالدَينِ». قالَ: ثم ماذا؟ قالَ: «ثم عُقوقُ الوالدَينِ». قالَ: ثمَّ ماذَا؟ قالَ: «اليَمينُ الغَموس». قلتُ: وما اليَمينُ الغَموسُ؟ قالَ: «الذي يَقتطِعُ مالَ امرئٍ مُسلمٍ هو فيها كاذِبٌ» (١). قالَ الحَنفيةُ: يَمينُ الغَموسِ: هي الحَلفُ على أَمرٍ ماضٍ أو حالٍ يَتعمَّدُ الكَذبَ فيه، مثلَ أنْ يَحلِفَ على شيءٍ قد فعَلَه ما فعَلَه معَ عِلمِه بذلك، أو على شيءٍ لَم يَفعَلْه لقَد فعَلَه معَ عِلمِه أنَّه لَم يَفعَلْه. ويَقعُ على الحالِّ، مثلَ أنْ يَقول: واللَّهِ ما لهذا عَليَّ دَينٌ، وهو كاذِبٌ، أو يُدَّعَى عليه حقٌّ فيَحلِفُ باللهِ ما يَستَحقُّه عليَّ معَ عِلمِه باستِحقاقِه، فهذه

стр. 14320

كلُّها يَمينُ الغَموسِ؛ لأنَّه يَقطعُ بها حقَّ المُسلِمِ، وسُميَت غَموسًا؛ لأنَّها تَغمِسُ صاحِبَها في النارِ (١). وقالَ المالِكيةُ: اليَمينُ الغَموسُ: أنْ يَحلِفَ باللهِ على شيءٍ معَ شكٍّ منه في المَحلوفِ عليه، أو معَ ظنٍّ فيه، وأَولى إنْ تَعمَّدَ الكَذبَ. وتَكونُ على الماضِي والحاضرِ والمُستقبَلِ ومَحلُّ عَدمِ الكَفارة فيها: إنْ تَعلَّقَت بماضٍ نحوَ: «واللهِ ما فعَلتُ كذا» أو «لَم يَفعلْ زَيدٌ كذا» أو «لَم يَقعْ كذا»، معَ شكِّه أو ظنِّه في ذلك بأنْ حلَفَ معَ شكِّه أو تَعمُّدِه الكَذبَ. فإنْ تَعلَّقَت بمُستَقبل ولَم يَحصلْ المَحلوفُ عليه كُفِّرتْ- وتَكونُ غَموسًا على كلِّ حالٍ سَواءٌ وجبَتْ فيها الكَفارة أَمْ لا- نحوَ: «واللهِ لآتَينَّكَ غدًا» أو «لأَقضِينَّك حقَّكَ غدًا» ونحوَ ذلك، وهو جازمٌ بعَدمِ ذلك أو مُتردِّدٌ. فعلى كلِّ حالٍ يَجبُ عليه الوَفاءُ بذلك، فإنْ لَم يُوفِّ بما حلَفَ عليه لمانِعٍ أو غيرِه فعليه الكَفارةُ، وإنْ حرُمَ عليه الحَلفُ معَ جَزمِه أو تَردُّدِه في ذلك، وكذا تُكفَّرُ إنْ تَعلَّقَت بالحالِ نحوَ: «واللهِ إنَّ زَيدًا لمُنطلِقٌ أو مَريضٌ أو مَعذُورٌ»، أيْ في هذا الوَقتِ وهو مُتردِّدٌ في ذلك أو جازمٌ بعَدمِ ذلك (٢).

стр. 14321

وقالَ الشافِعيةُ: اليَمينُ الغَموسُ: هو أنْ يَحلفَ على أمرٍ ماضٍ وهو كاذبٌ أنَّه كانَ ولَم يَكنْ ك «واللهِ لقد فعَلْت كذا» ولَم يَكنْ فِعلُه أو على أَمرِ أنَّه لَم يَكنْ وكانَ ك «واللهِ ما فعَلْت كذا» وهو كاذبٌ وقد فعَلَه فهو في هذه اليَمينِ عاصٍ آثمٌ، وتُسمَّى اليَمينَ الغَموسَ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: اليَمينُ الغَموسُ أن يَحلفَ على الماضِي كاذبًا عامدًا (٢). أما إنْ كانَ صادقًا فيما حلَفَ عليه فليسَت بغَموسٍ، وكذا إنْ كانَ ناسيًا فلا إثمَ عليه وسيَأتِي بَيانُ حُكمِها. حُكمُ يَمينِ الغَموسِ: أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على حُرمةِ اليَمينِ الغَموسِ وأنَّها مِنْ الكَبائرِ. فعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو قالَ: جاءَ أَعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، ما الكَبائرُ؟ قالَ: «الإِشراكُ باللهِ». قالَ: ثمَّ ماذَا؟ قالَ: «ثم عُقوقُ الوالدَينِ». قالَ: ثم ماذا؟ قالَ: «ثم عُقوقُ الوالدَينِ». قالَ: ثمَّ ماذَا؟ قالَ: «اليَمينُ الغَموس». قلتُ: وما اليَمينُ الغَموسُ؟ قالَ: «الذي يَقتطِعُ مالَ امرئٍ مُسلمٍ هو فيها كاذِبٌ» (٣). وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسول اللهِ ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ وهو فيها فاجِرٌ ليَقتطِعَ بها مالَ امرِئٍ مُسلِمٍ لقِيَ اللهَ

стр. 14322

وهو عليه غَضبانُ»، قالَ: فقالَ الأَشعثُ بنُ قَيسٍ: فِيَّ واللهِ كانَ ذلك، كانَ بَينِي وبينَ رَجلٍ مِنْ اليَهودِ أَرضٌ، فجحَدَنِي، فقدَّمتُه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالَ لِي رَسولُ اللهِ ﷺ : «ألك بَينةٌ»، قالَ: قلتُ: لا، قالَ: فقالَ لليَهوديِّ: «احلِفْ»، قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إذًا يَحلِفَ ويَذهبَ بمالِي، قالَ: فأَنزلَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧] (١). ولحَديثِ أَبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «وخَمسٌ ليسَ لهُنَّ كَفارة الشِّركُ باللهِ وقَتلُ النَّفسِ بغيرِ حقٍّ أو نَهبُ مُؤمنٍ أوِ الفِرارُ يومَ الزَّحفِ أو يَمينٌ صابِرةٌ يَقتطِعُ بها مالَا بغيرِ حقٍّ» (٢). وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسول اللهِ ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ وهو فيها فاجِرٌ ليَقتطِعَ بها مالَ امرِئٍ مُسلِمٍ لقِيَ اللهَ وهو عليه غَضبانُ»، قالَ: فقالَ الأَشعثُ بنُ قَيْسٍ: فيَّ واللهِ كانَ ذلك، كانَ بينِي وبينَ رَجلٍ مِنْ اليَهودِ أَرضٌ، فجحَدَنِي، فقدَّمتُه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالَ لِي رَسول اللهِ ﷺ : «ألك بَينةٌ»، قالَ: قلتُ: لا، قالَ: فقالَ لليَهودِيِّ: «احلِفْ»، قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إذًا يَحلِفَ ويَذهبَ بمالِي، قالَ: فأَنزلَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ

стр. 14323

ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧] (١). وعن أَبي أُمامةَ ﵁ أنَّ رَسول اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ اقتَطعَ حقَّ امرِئٍ مُسلِمٍ بيمِينِه فقد أَوجَبَ اللهُ له النارَ وحرَّمَ عليه الجَنةَ. فقالَ له رَجلٌ: وإنْ كانَ شَيئًا يَسيرًا يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: وإنْ قضِيبًا مِنْ أَراكٍ» (٢). وفي هذا الحَديثِ دَليلٌ على أنَّ اليَمينَ الغَموس وهي يَمينُ الصبْرِ التي يُقتَطعُ بها مالُ المُسلمِ مِنْ الكَبائرِ؛ لأنَّ كلَّ ما أَوعدَ اللهُ عليه بالنارِ أو رَسولُه ﷺ فهو مِنْ الكَبائرِ، وفي مَعنى هذا الحَديِث نزَلَت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧] (٣). الكَفارة في يَمينِ الغَموسِ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل تَجبُ الكَفارة في يَمينِ الغَموسِ أم لا تَجبُ؟ فذهَبَ الشافِعيةُ وأَحمد في رِوايةٍ إلى أنَّ اليَمينَ الغَموسَ تَجبُ فيها الكَفارةُ؛ لقولِ الله تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] بعدَ صفةِ الكَفارةِ، فاقتَضى الظاهرُ لُزومَها في كلِّ يَمينٍ.

стр. 14324

وقالَ تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، ولَغوُ اليَمينِ ما سبَقَ به لِسانُ الحالفِ مِنْ غيرِ قَصدٍ ولا نِيةٍ، واليَمينُ الغَموسُ مَقصودةٌ، فكانَ بها مُؤاخذًا ومُؤاخَذتُه بها تُوجبُ تَكفيرَها. ولأنَّها يَمينٌ باللهِ تَعالى قصَدَها مُختارًا؛ فوجَبَ إذا خالَفَها بفِعلِه أنْ تَلزمَه الكَفارة كالمُستقبلِ، ولأنَّه أَحدُ نوعَي اليَمينِ، فوجَبَ أنْ يَنقسمَ إلى برٍّ وحِنثٍ كالمُستقبلِ، ولأنَّ كلَّ ما كانَ في غيرِ اليَمينِ كَذبًا كانَ في اليَمينِ حِنثًا كالمُستقبلِ، ولأنَّها يَمينٌ تَتعَلقُ بالحِنثِ المُستقبلِ، فوجَبَ أن تَتعَلقَ بالحِنثِ الماضِي كاليَمينِ بالطَّلاقِ والعِتاقِ؛ لأنَّه لو حلَفَ بالطَّلاقِ والعِتاقِ لقد دخَلَ الدارَ، ولَم يَدخلْها لزِمَه الطَّلاقُ والعِتاقُ. وكما لو حلَفَ ليَدخلَها في المُستقبلِ، فلم يَدخلْها كذلك في اليَمينِ باللهِ، ولأنَّ وُجوبَ الكَفارة في الأَيمانِ أَعمُّ في المَأثمِ؛ لأنَّها قد تَجبُ فيما يَأثمُ به ولا يَأثمُ، فلمَّا لحِقَه المَأثمُ في الغَموسِ كانَ بوُجوبِ الكَفارة أَولى. فإذا ثبَتَ وُجوبُ الكَفارة في اليَمينِ الغَموسِ على الماضِي في إِثباتِ ما لَم يَكنْ، أو نَفيِ ما قد كانَ، فهي يَمينٌ مَحلولةٌ غيرُ مُنعقِدةٍ؛ لأنَّ عَقدَها إنَّما يَكون فيما يُنتَظرُ بعدَها مِنْ برٍّ أو حِنثٍ، وهذه اليَمينُ قد اقتَرنَ بها الحِنثُ بعدَ استِيفاءِ لَفظِها، فلذلك لَم تَنعَقدْ، ووجَبَت الكَفارة باستِيفاءِ اليَمينِ (١).

стр. 14325

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الكَفارة لا تَجبُ على مِنْ حلَفَ يَمينًا غَموسًا، وأنَّ عليه أنْ يُؤديَ ما اقتَطعَه مِنْ مالِ أخِيه ثم يَتوبَ إلى اللهِ ويَستَغفرُه وهو فيه بالخِيارِ إنْ شاءَ غفَرَ له وإن شاءَ عذَّبَه وأما الكَفارة فلا مَدخلَ لها في اليَمينِ الكاذبةِ إذا حلَفَ بها صاحبُها عَمدًا مُتعمدًا للكَذبِ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]، فقد بيَّنَ جَزاءَ اليَمينِ الغَموس بالوَعيدِ في الآخرةِ فلو كانَت الكَفارة فيها واجبةً لكانَ الأَولى بَيانُها، ولأنَّ الكَفارة لو وجَبَت إنَّما تَجبُ لرَفعِ هذا الوَعيدِ المَنصوصِ، وذلك لا يَقول به أحدٌ. ولقولِه تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فأخبَرَ أنَّ المُؤاخذةَ بالكَفارةِ لا تَكون إلا في يَمينٍ مُنعقِدةٍ، والغَموس وقَعَت مَحلولةً غيرَ مُنعقِدةٍ، بدَليل أنَّ المُنعقِدة ما أَمكنَ حلُّه؛ لأنَّه في مُقابلةِ المَحلولِ، والغَموسُ واقعةٌ على وَجهٍ واحدٍ فلا يُتصوَّرُ ذلك فيها، وقولُه: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، يُريدُ مُراعاتَها ليُؤديَ الكَفارة بالحِنثِ فيها، وذلك يَقتضِى أن تَكون اليَمينُ ممّا يُمكنُ حِفظُها ومُراعاتُها بأن تُعلَّقَ بما يَتأتَّى به البِرُّ والحِنثُ، وهو لا يَتأتَّى في الغَموسِ. ولحَديثِ أَبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «وخَمسٌ ليسَ لهنَّ كَفارة الشركُ

стр. 14326

باللهِ وقتلُ النَّفسِ بغيرِ حقٍّ أو نَهبُ مُؤمنٍ أوِ الفِرارُ يومَ الزَّحفِ أو يَمينٌ صابِرةٌ يَقتطِعُ بها مالًا بغيرِ حقٍّ» (١). وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسول اللهِ ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ وهو فيها فاجِرٌ ليَقتطِعَ بها مالَ امرِئٍ مُسلِمٍ لقِيَ اللهَ وهو عليه غَضبانُ»، قالَ: فقالَ الأَشعثُ بنُ قَيسٍ: فيَّ واللهِ كانَ ذلك، كانَ بينِي وبينَ رَجلٍ مِنْ اليَهودِ أَرضٌ، فجحَدَنِي، فقَدَّمتُه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالَ لِي رَسول اللهِ ﷺ : «ألكَ بَينةٌ»، قالَ: قلتُ: لا، قالَ: فقالَ لليَهوديِّ: «احلِفْ»، قالَ: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إذًا يَحلفُ ويَذهبُ بمالِي، قالَ: فأَنزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران: ٧٧] (٢). فأخبَرَ بحُكمِها ولَم يُوجبِ الكَفارة فيها ولو كانَ فيها كَفارة لذكَرَها. وقولُ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غيرَها خَيرًا منها فلْيَأتِ الذي هو خَيرٌ، وليُكفِّرْ عن يَمينِه» (٣). فهذا يَدلُّ على أنَّ الكَفارة إنَّما تَجبُ فيمن حلَفَ على فِعلٍ يَفعلُه مما يُستَقبلُ فلا يَفعلُه أو على فِعلٍ ألَّا يَفعلَه فيما يَستقبلُ فيَفعلُه.

стр. 14327

وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «كُنا نَعدُّ الذَّنبَ الذي لا كَفارة له اليَمينَ الغَموسَ. قيلَ: وما اليَمينُ الغَموسُ؟ قالَ: اقتِطاعُ الرَّجلِ مالَ أخِيه باليَمينِ الكاذِبةِ» (١). ولأنَّها مِنْ الكَبائرِ، وكلُّ ما هو كَبيرةٌ مَحضةٌ لا تُناطُ بها العِبادةُ لما أنَّ أَسبابَ العِباداتِ لا بدَّ وأنْ تَكون أُمورًا مُباحةً كما عُرفَ في الأُصولِ والكَفارةِ عِبادةٌ حتى تَتأدَّى بالصَّومِ، ويُشتَرطُ فيها النِّيةُ فلا تُناطُ الغَموسُ بها، بخِلافِ المَعقودةِ؛ لأنَّها مُباحةٌ فجازَ أن تُناطَ بها العِبادةُ. والقِياسُ أنَّها يَمينٌ على ماضٍ فلَم تَجبْ بها كَفارة كاللَّغوِ. ولأنَّها يَمينٌ مَحظورةٌ، فلِم تَجبُ بها كَفارة كاليَمينِ بالمَخلوقاتِ. قالوا: ولأنَّ اقتِرانَ اليَمينِ بالحِنثِ يَمنعُ مِنْ انعِقادِها؛ لأنَّ حُدوثَه فيها يَدفعُ عَقدهَا كالرَّضاعِ لما رفَعَ النِّكاحَ إذا طرَأَ مَنعُ انعِقادِه إذا تَقدَّمَ. ولأنَّها يَمينٌ غيرُ مُنعقِدة فلا تُوجبُ الكَفارة كاللَّغوِ أو يَمينٍ على ماضٍ فأشبَهَت اللَّغو وبَيانُ كونِها غيرَ مُنعقِدة أنَّها لا تُوجبُ برًّا ولا يُمكنُ فيها، ولأنَّه قارَنَها ما يُنافِيها وهو الحِنثُ فلَم تَنعقِدْ كالنِّكاحِ الذي قارَنَه الرَّضاعُ ولأنَّ الكَفارة لا تَرفعُ إِثمَها فلا تُشرَعُ فيها، ودَليلُ ذلك أنَّها كَبيرةٌ فإنَّه يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «مِنْ الكَبائرِ الإِشراكُ باللهِ وعُقوقُ الوالدَينِ وقتلُ النَّفسِ واليَمينُ الغَموسُ» (٢).

стр. 14328

ولا يَصحُّ القِياسُ على المُستَقبلةِ لأنَّها يَمينٌ مُنعقِدة يُمكنُ حلُّها والبِرُّ فيها، وهذه غيرُ مُنعقِدةٍ فلا حلَّ لها (١). حكمُ الحَلفِ على أمرٍ ماضٍ صادقًا: أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ على شيءٍ ماضٍ صادِقًا أنه لا كَفارة عليه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وفي الجُملةِ لا كَفارة في يَمينٍ على ماضٍ لأنَّها تَنقسِمُ ثَلاثةَ أَقسامٍ ما هو صادقٌ فيه فلا كَفارة فيه إِجماعا (٢).

стр. 14329

وقالَ الإمامُ الزَّركشيُّ ﵀: اليَمينُ على الماضِي إما صادِقًا فيها فهو بارٌّ إِجماعا (١). النوعُ الثانِي: يَمينُ اللَّغوِ: يَمينُ اللَّغو له تَفسيرانِ عندَ العُلماء: الأَولُ: وهو أنْ يَحلِفَ على أَمرٍ ماضٍ، وهو يَظنُّ أنَّه كما قالَ والأَمرُ بخِلافِه، مثلَ: «واللَّهِ لقد فعَلتُ كذا»، وهو يَظنُّ أنَّه صادِقٌ، أو: «واللَّهِ ما فعَلتُ»، وهو لا يَعلَمُ أنَّه قد فعَلَ. وقد يَكون على الحَال، مثلَ: أنْ يَرى شَخصًا مِنْ بَعيدٍ فيَحلِفُ أنَّه زَيدٌ فإذا هو عَمرٌو، أو: يَرى طائِرًا فيَحلِفُ أنَّه غُرابٌ فإذا هو غيرُه، أو: «واللَّهِ ما أكَلتُ اليومَ» وقد أكَلَ، وهذا تَفسيرُ أَكثرِ العُلماء الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابِلةِ. والثانِي: أنَّ يَمينَ اللَّغو ما يَجرِي على الألسِنَةِ مِنْ قولِهم: لا واللَّهِ، بَلَى وَاَللَّهِ، مِنْ غيرِ اعتِقادٍ في ذلك؛ لقولِه تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] الآيَة. وعن عائشةَ ﵂ أنَّ رَسول اللهِ ﷺ قالَ: «اللَّغوُ في اليَمينِ كَلامُ الرَّجلِ في بَيتِه: لا واللهِ، وبلَى واللهِ» (٢). واللَّغوُ في اللُّغةِ: هو الكَلامُ السَّاقطُ الذي لا يُعتدُّ به، وهذا هو التَّفسيرُ المُتعينُ عندَ الشافِعيةِ وهو التَّفسيرُ الثانِي عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابِلةِ (٣).

стр. 14330

الكفارةُ في يَمينِ اللَّغوِ: أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ يَمينَ اللَّغو لا كَفارة فيه كلٌّ على حَسبِ تَفسيرِه للَّغوِ، فإذا قالَ: لا واللهِ وبَلى واللهِ، فهذا محلُّ إِجماع وإذا حلَفَ على أَمرٍ ماضٍ أو حالٍّ وهو يَظنُّ صِدقَ نفسِه فبانَ بخِلافِ ذلك فلا كَفارةَ فيه عندَ الجُمهورِ وعليه كَفارةَ عندَ الشافِعيةِ وأَحمدَ في رِواية كما سيَأتِي في المَسألةِ القادِمةِ. والدَّليلُّ على أنَّ يَمينَ اللَّغو لا كَفارة فيه قولُ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]. وقولُه تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥].

стр. 14331

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما التي لا كَفارةِ فيها بإِجماعِ فاللَّغوُ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وممن قالَ لا كَفارةَ في هذا ابنُ عَباسٍ وأَبو هُريرةَ وأَبو مالكٍ وزُرارةُ بنُ أَوفَى والحَسنُ والنَّخَعيُّ ومالكٌ، وهو قولُ مَنْ قالَ إنَّه مِنْ لَغوِ اليَمينِ ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا ووَجهُ ذلك قولُ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] فجعَلَ الكَفارة لليَمينِ التي يُؤاخذُ بها ونَفى المُؤاخذةَ باللَّغوِ فيَلزمُ انتِفاءَ الكَفارةِ، ولأنَّ المُؤاخذةَ يَحتمِلُ أنْ يَكون مَعناها إِيجابُ الكَفارة بدَليل أنَّها تَجبُ في الأَيمانِ التي لا مَأثمَ فيها وإذا كانَت المُؤاخذةُ إِيجابَ الكَفارةِ فقد نَفاها في اللَّغوِ فلا تَجبُ ولأنَّه قولُ مَنْ سمَّينا مِنْ الصَّحابةِ ولَم نَعرِفْ لهم مُخالفًا في عَصرِهم فكانَ إِجماعًا ولأنَّ قولَ عائشةَ في تَفسيرِ اللَّغو وبَيانِ الأَيمانِ التي فيها الكَفارة خرَجَ منها تَفسيرُ كَلامِ اللهِ تَعالى، وتَفسيرُ الصَّحابِيِّ مَقبولٌ (٢). وقالَ الإمامُ المَروزيُّ ﵀: فأما يَمينُ اللَّغو التي اتَّفقَ عامَّةُ العُلماءِ أنَّها لَغوٌ فهو قولُ الرَّجلِ: «لا واللهِ» «بل واللهِ» في حَديثِه وكَلامِه غيرَ مُعتقِدٍ باليَمينِ ولا مُريدٍ لها (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ جُزيٍّ ﵀: فاللَّغوُ لا كَفارةَ فيه اتِّفاقًا (٤).

стр. 14332

اللَّغوُ في اليَمينِ يَكون باللهِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ اللَّغو في اليَمينِ إنَّما يَكون باللهِ تَعالى، أما إذا حلَفَ بطَلاقٍ أو عِتاقٍ أو نَذرٍ على أمرٍ ماضٍ وهو يَظنُّ أنَّه صادِقٌ فإذا هو كاذِبٌ وبانَ بخِلافِ ذلك وقَعَ الطَّلاقُ والعِتاقُ، وكذا إذا حلَفَ بنَذرٍ لزِمَه ذلك لأنَّها ليسَت أَيمانًا شَرعيةً وإنَّما هي إِلزاماتٌ ولذلك لا تَدخلُ عليها حُروفِ القَسمِ وكانَ الحَلفُ بها مَمنوعًا ولأنَّه لا يَتعلقُ به حقُّ الآدَميِّ، والظاهرُ أنَّه قصَدَ ذلك بخِلافِ اليَمينِ باللهِ فإنَّ الحقَّ فيها مُقدَّرٌ فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى وهو أَعلمُ بما قصَدَه (١). ومَن حلَفَ على شيءٍ يَظنُّه كما حلَفَ فلَم يَكنْ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ حلَفَ على شيءٍ في الماضِي يَظنُّه كما حلَفَ ثم يَنكشِفُ له بخِلافِ ذلك أو يَحلِفُ على حاضِرٍ بأنْ يَحلِفَ على رَجلٍ يَراه بَعيدًا أنَّه فُلانٌ ثم تَبيَّنَ أنَّه غيرُه أو يَحلِفَ على طائرٍ أنَّه غُرابٌ ثم تَبيَّنَ له خِلافُ ما علِمَ منه هل تَجبُ عليه الكَفارة أم لا؟

стр. 14333

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا كَفارةَ عليه لأنَّ هذا مِنْ اللَّغو في اليَمين على ما تَقدَّمَ تَفسيرُه لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وهذه منه ولأنَّها يَمينٌ غيرُ مُنعقِدة فلَم تَجبْ فيها كَفارةٌ كيَمينِ الغَموسِ، ولأنَّه غيرُ مَقصودٍ للمُخالَفةِ فأَشبهَ ما لو حنَثَ ناسِيًا. وذهَبَ الشافِعيةُ والإمامُ أَحمد في رِوايةٍ إلى أنَّ فيه الكَفارةَ؛ لأنَّ لَغوَ اليَمينِ المَقصودَ هو الواردُ في حَديثِ عائشةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «اللَّغوُ في اليَمينِ كَلامُ الرَّجلِ في بيتِه: لا واللهِ، وبَلى واللهِ» (١) فظاهِرُ حَديثِ عائشةَ حصَرَ اللَّغوَ في هذا النَّوعِ (٢). وهذه المَسألةُ مَبنِيةٌ على الخِلافِ السابقِ في تَفسيرِ اللَّغوِ.

стр. 14334

النوعُ الثالثُ: اليَمينُ المُنعقِدةُ: اليَمينُ المُنعقِدةُ: وهي الحَلفُ على الأَمرِ المُستَقبل أنْ يَفعلَه أو لا يَفعلَه، فإذا حنِثَ في ذلك لزِمَته الكَفارةُ (١). وقد أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ اليَمينَ المُنعقِدةَ هي التي تَكون في المُستَقبل حتى يَتمكَّنَ الحالِفُ مِنْ البِرِّ بيَمينِه، أما إن كانَت على ماضٍ فذهَبَ العُلماءُ إلى عَدمِ الكَفارةِ؛ لأنَّ الحالِفَ إما أنْ يَكونَ يَحلفُ صادِقًا فلا كَفارةَ، أو كاذِبًا وهي اليَمينُ الغَموسُ كما تَقدَّمَ؛ لقولِه تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]. والمُرادُ منها اليَمينُ في المُستَقبلِ بدَليلِ قولِه تَعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولا يُتصوَّرُ الحِفظُ عن الحِنثِ والهَتكِ إلا في المُستَقبلِ، ولأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] والعَقدُ يَقتضِي ارتِباطَ الكَلامِ بالكَلامِ على وَجهٍ يَتعَلقُ بهما حُكمٌ فيَصيرُ عَقدًا شَرعيًّا كسائرِ العُقودِ الشَّرعيةِ، ولأنَّه تَعالى قالَ: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، والنَّقضُ يَكونُ في مَوضعِ العَقدِ، وهذا إنَّما يُتصوَّرُ في المُستَقبلِ (٢). وقد نُقلَ الإِجماعِ على ذلك.

стр. 14335

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما الأَيمانُ فمنها ما يُكفَّرُ بإِجماعٍ ومنها ما لا كَفارةَ فيه بإِجماعٍ ومنها ما اختُلفَ في الكَفارةِ فيه، فأما التي فيها الكَفارةُ بإِجماعٍ مِنْ عُلماءِ المُسلِمينَ فهي اليَمينُ باللهِ على المُستَقبلِ مِنْ الأَفعالِ، وهي تَنقسِمُ قِسمَينِ: أَحدُهما: أنْ يَحلفَ باللهِ ليَفعَلنَّ ثم لا يَفعلُ، والآخرُ: أنْ يَحلفَ أنْ لا يَفعلَ في المُستَقبلِ أيضًا ثم يَفعلُ (١). وقالَ في «الاستِذكار»: والوَجهُ الثالثُ هو اليَمينُ في المُستَقبلِ (واللهِ لا فعَلتُ) (واللهِ لأَفعَلنَّ) لَم يَختَلفِ العُلماءُ أنَّ على مَنْ حنِثَ فيما حلَفَ عليه مِنْ ذلك الكَفارةُ التي ذكَرَ اللهُ في كِتابِه في قوله : ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] يَعني: فحنَثْتم (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ حزمٍ ﵀: ومَن حلَفَ بما ذكَرْنا أنْ لا يَفعلَ أمرَ كذا، أو أنْ يَفعلَ أمرَ كذا، فإنْ وقَّتَ وقتًا، غدًا أو يومَ كذا، أو اليومَ، أو في يومٍ يُسمِّيه، فإن مَضى ذلك الوقتُ ولَم يَفعلْ ما حلَفَ أن يَفعلَه فيه عامِدًا ذاكِرًا ليَمينِه، أو فعَلَ ما حلَفَ أنْ لا يَفعلَه فيه عامِدًا ذاكِرًا ليَمينِه، فعليه كَفارةُ اليَمينِ، هذا ما لا خِلافَ فيه مِنْ أحدٍ، وبه جاءَ القُرآنُ والسُّنةُ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ اليَمينَ المُنعقِدَ هو أنْ يَحلفَ باللهِ على أمرٍ في المُستَقبلِ على أنَّ يَفعلَه أو لا يَفعلَه، وإذا حنِثَ وجَبَت عليه الكَفارةُ (٤).

стр. 14336

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن حلَفَ أنْ يَفعلَ شَيئًا فلَم يَفعَلْه أو لا يَفعلَ شَيئًا ففعَلَه فعليه الكَفارةُ لا خِلافَ في هذا عندَ فُقهاءِ الأَمصارِ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: اليَمينُ التي فيها الكَفارةُ بإِجماعِ المُسلِمينَ هي التي على المُستَقبلِ مِنْ الأَفعالِ (١). وقالَ الإمامُ السِّيوطيُّ ﵀: وأما إذا حلَفَ على أَمرٍ في المُستَقبلِ أن يَفعلَه أو لا يَفعلَه فإذا حنِثَ وجَبَت عليه الكَفارةُ بالإِجماعِ (٢). إذا فعَلَ المَحلوفُ عليه ناسيًا أو خَطأً أو جاهِلاً: اختَلفَ الفُقهاءُ في الإِنسانِ إذا حلَفَ على عَدمِ فِعلِ شيءٍ في المُستقبَلِ ففعَلَه ناسِيًا أو على أنَّه سيَفعلُ هذا الأمرَ ونسِيَ أنْ يَفعلَه أو أَخطَأ في فِعلِه هل يَحنَثُ في يَمينِه وتَلزمُه الكَفارةُ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في قولٍ والإمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ العامِدَ والناسِيَ والمُخطِئَ في اليَمينِ سَواءٌ؛ لقولِه تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]؛ إذ مَعناه عندَ العامَّةِ «فحنَثْتم» والحِنثُ: مُخالفةُ ما حُلفَ عليه بالفِعلِ أو التَّركِ وهي حاصلةٌ في النِّسيانِ كحُصولِها في العَمدِ فوجَبَ مُساواتُهما حُكمًا ولاتِّفاقِهم على إِلحاقِ المُخطئِ بالعامدِ. مِثالُ الجَهلِ: أنْ يَعتقِدَ مَنْ حلَفَ ليَدخُلنَّ الدارَ في وَقتِ كذا أنَّه لا يَلزمُه الدُّخولُ في ذلك الوَقتِ.

стр. 14337

ومِثالُ الخَطأِ: أنْ يَحلِفَ أنْ لا يَدخلَ دارَ فُلانٍ فيَدخلُها مُعتقِدًا أنَّها غيرُها هذا في الفِعلِ ومِثالُه في القولِ أن يَحلِفَ لا يَذكرُ فُلانًا فأَرادَ ذِكرَ غيرِه فجَرى على لِسانِه ذِكرُ المَحلوفِ عليه غَلطًا أو لا كلَّمْتُ زَيدًا فكلَّمَه مُعتقِدًا أنَّه عَمرٌو. فمَن فعَلَ المَحلوفَ عليه عامِدًا أو ناسِيًا فهو سَواءٌ في الحُكمِ؛ لأنَّ الفِعلَ حَقيقيٌّ لا يَعدمُه النِّسيانُ، ولأنَّ إِطلاقَ اليَمينِ تَعمُّ جَميعَ الوُجوهِ التي يَقعُ الفِعلُ عليها كما لو أخبَرَ عن انتِفاءِ وُقوعِ الفِعلِ منه فإنَّه يَعمُّ العَمدَ والسَّهوَ، ولأنَّ كلَّ زِيادةٍ في اليَمينِ صحَّ اشتِراطُها وأَمكنَ انفِكاكُ اليَمينِ منها فإنَّ اليَمينَ لا تَتعلَّقُ بها إلا بالشَّرطِ، كقولِه: «لا دخَلْتُ الدارَ راكِبًا»، كذلك قولُه عامدًا ولأنَّه حصَلَ منه الفِعلُ باختِيارِه مِنْ غيرِ إِكراهٍ كالقاصِدِ، ولأنَّ الفِعلَ وقَعَ منه على وَجهٍ مُنفرِدٍ بإِضافتِه إليه فأَشبَه العَمدَ، ولأنَّ البِرَّ في مُقابَلةِ الحِنثِ، وقد ثبَتَ أنَّه لو حلَفَ أنْ يَفعلَ شيئًا ففعَلَه ساهِيًا؛ فإنه يَبرُّ، وإنْ كانَ مِنْ غيرِ قَصدٍ، فكذلك يَجبُ إذا حلَفَ ألَّا يَفعلَه ففعَلَه سَهوًا أنْ يَحنَثَ. وكذا إذا فعَلَه وهو مُغمًى عليه أو مَجنونٌ عندَ الحَنفيةِ لوُجودِ الشَّرطِ حَقيقةً وإنْ لَم يَتحَققِ الذَّنبُ؛ لأنَّ الحُكمَ يُدارُ معَ دَليلِه وهو الحِنثُ لا على حَقيقةِ الذَّنبِ (١).

стр. 14338

وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وبعضُ المالِكيةِ كابنِ العَربيِّ والسُّيوريِّ وجَماعةٍ مِنْ المُتأخِّرينَ إلى أنَّه لا يَحنَثُ إذا فعَلَ المَحلوفَ عليه ناسِيًا أو مُخطِئًا؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [لقمان: ٥]. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ اللهَ تَجاوزَ لأُمتِي عن الخَطأِ والنِّسيانِ وما استُكرِهوا عليه» (١) فكانَ حُكمُ الأَيمانِ داخِلًا في عُمومِ هذا التَّجاوزِ، ولأنَّ مُطلَقَ النَّواهِي في الشَّرعِ مَحمولٌ على العَمدِ دونَ السَّهوِ، كالكَلامِ في الصَّلاةِ والأَكلِ في الصِّيامِ، كذلك في الأَيمانِ، ولأنَّ عَقدَ الأَيماِن لمَّا لَم يَلزمْ إلا بالقَصدِ والاختِيارِ وجَبَ أن يَكونَ حلُّها بالحِنثِ لا يَكونُ إلا عن قَصدٍ واختِيارٍ. ولأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفةِ فلَم يَحدثْ كالنائمِ والمَجنونِ ولأنَّه أَحدُ طَرفَي اليَمينِ فاعتُبِرَ فيه القَصدُ كحالةِ الابتِداءِ بها ولأنَّها تَجبُ لرَفعِ الإِثمِ ولا إِثمَ على الناسِي. وإنْ فعَلَ المَحلوفَ عليه غيرَ عالِمٍ بالمَحلوفِ عليه كرَجلٍ حلَفَ لا يُكلِّمُ فَلانًا فسلَّمَ عليه يَحسبُه أَجنبيًا أو حلَفَ أنَّه لا يَفارقُ غَريمَه حتى يَستَوفِيَ حقَّه فأَعطاه قَدرَ حقَّه ففارَقَه ظنًّا منه أنَّه قد برَّ فوجَدَ ما أخَذَه رَديئًا أو حلَفَ «لا بِعتُ لزَيدٍ ثَوبًا» فوكَّلَ زَيدٌ مَنْ يَدفعُه إلى مَنْ يَبيعُه فدفَعَه إلى

стр. 14339

الحالِفِ فباعَه مِنْ غيرِ عِلمِه فهو كالناسِي؛ لأنَّه غيرُ قاصدٍ للمُخالفةِ أَشبهَ الناسِي. إلا إذا حلَفَ بالطَّلاقِ أو العِتاقِ عندَ الحَنابِلةِ في ظاهرِ المَذهبِ؛ لأنَّه مُعلَّقٌ بشَرطٍ فيَقعُ بوُجودِ شَرطٍ مِنْ غيرِ قَصدٍ كما لو قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ طلَعَت الشَّمسُ أو قدِمَ الحاجُّ»؛ لأنَّ هذا يَتعَلقُ به حقُّ آدمِيٍّ فتَعلَّقَ الحُكمُ به معَ النِّسيانِ كالإِتلافِ، ولأنَّه حُكمٌ عُلقَ على شَرطٍ فيُوجَدُ بوُجدانِ شَرطِه كالمَنعِ مِنْ الصَّلاةِ بعدَ العَصرِ. وفي رِوايةٍ عن أَحمدَ: لا يَحنَثُ؛ لأنَّ الناسِيَ لا يُكلَّفُ حالَ نِسيانِه فلا يَلزمُه الحِنثُ كالحَلفِ باللهِ تَعالى (١). وقالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: والإِفتاءُ بهذا الأَصلِ لا يَحتاجُ إليه في الغالبِ بل غالبُ مَسائلِ الاِيمانِ بالطَّلاقِ والعِتاقِ واليَمينِ باللهِ تَعالى والنَّذرِ والحَرامِ ونحوِ ذلك يَحتاجُ فيه إلى قَواعدَ. (القاعِدةُ الأُولى): إذا حلَفَ لا يَفعلُ شيئًا ففعَلَه ناسِيًا ليَمينِه أو جاهِلًا بأنَّه المَحلوفُ عليه فلِلعُلماءِ فيه ثَلاثةُ أَقوالٍ: (أحدُها): لا يَحنَثُ بحالٍ في جَميعِ الأَيمانِ وهذا مَذهبُ المَكييِّنَ كعَطاءٍ

стр. 14340

وابنِ أبِي نُجيحٍ وعَمرِو بنِ دِينارٍ وغيرِهم ومَذهبُ إِسحاقَ بنِ راهوَيهِ وهو أَحدُ قولَي الشافِعيِّ بل أَظهرُهما وهو إِحدى الرِّوايتَينِ عن أَحمدَ ونظَرتُ جَوابَه في هذه الرِّوايةِ فوجَدتُ الناقِلينَ له بقدرِ الناقِلينَ لجَوابِه في الرِّوايةِ الثانيةِ التي اختارَها الخَّلالُ صاحبُه والخِرقُي والقاضِي وغيرُهم مِنْ أَصحابِه، وهو الفرقُ بينَ اليَمينِ المُكفِّرةِ كاليَمينِ باللهِ تَعالى والظِّهارِ والحَرامِ واليَمينِ التى لا تُكفَّرُ على مَنصوصِه وهي اليَمينُ بالطَّلاقِ والعِتاقِ. و (القولُ الثالِثُ): أنَّه يَحنَثُ في جَميعِ الأَيمانِ وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ ومالكٍ وأَحمدَ في الرِّوايةِ الثالِثةِ عنه. والقولُ الأَولُ أَصحُّ؛ لأنَّ الحضَّ والمَنعَ في اليَمينِ بمَنزلةِ الطاعةِ والمَعصيةِ في الأَمرِ والنَّهي؛ فإنَّ الحالفَ على نفسِه أو عبدِه أو قَرابتِه أو صَديقِه الذَّي يَعتقِدُ أنَّه يُطيعُه هو طالبٌ لِما حلَفَ على فِعلِه مانعٌ لما حلَفَ على تَركِه، وقد وكَّدَ طلبَه ومنَعَه باليَمينِ فهو بمَنزلةِ الأَمرِ والنَّهيِ المُؤكدِ، وقد استَقرَّ بدِلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ أنَّ مَنْ فعَلَ المَنهيَّ عنه ناسيًا أو مُخطئًا فلا إِثمَ عليه ولا يَكونُ عاصِيًا مُخالِفًا فكذلك من فعَلَ المَحلوفَ ناسِيًا أو مُخطِئًا فإنَّه لا يَكونُ حانِثًا مُخالِفًا ليَمينِه ويَدخلُ في ذلك مَنْ فعَلَه مُتأَولًا أو مُقلِّدًا لمَن أَفتاه أو مُقلِّدًا لعالمٍ مَيتٍ أو مُجتَهدًا مُصيبًا أو مُخطئًا فحيثُ لَم يَتعمَّدِ المُخالَفةَ ولكنْ اعتَقدَ أنَّ هذا الذي فعَلَه ليسَ فيه مُخالَفةً لليَمينِ فإنَّه لا يَكونُ حانِثًا (١).

стр. 14341

إذا حلَفَ مُكرهًا أو فعَلَ المَحلوفَ عليه مُكرهًا: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ فعَلَ المَحلوفَ عليه مُكرهًا أو أُكرَه على الحَلفِ هل يَحنثُ بهذا أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا فرقَ بينَ الحَلفِ طَوعًا أو كَرهًا، ولا فرقَ بينَ أنْ يَفعلَ المَحلوفَ عليه طَوعًا أو كَرهًا؛ لحَديثِ حُذيفةَ بنِ اليَمانِ، قالَ: «ما منَعنِي أنْ أَشهَدَ بَدرًا إلَّا أنِّي خرَجتُ أنا وأَبي حُسيلٌ، قالَ فأخَذَنا كُفارُ قُريشٍ، قالوا: إنَّكم تُريدُونَ مُحمدًا، فقُلنا: ما نُريدُه، ما نُريدُ إلَّا المَدينةَ، فأَخذوا مِنا عهدَ اللهِ ومِيثاقَه، لنَنصرِفنَّ إلى المَدينةِ ولا نُقاتلُ معَه، فأتَينا رَسولَ اللهِ ﷺ فأَخبَرْناه الخبَرَ، فقالَ: «انصَرِفا نَفِي لهُم بعَهدِهم ونَستَعينُ اللهَ عليهِم» (١). فبيَّنَ أنَّ اليَمينَ طَوعًا وكَرهًا سَواءٌ. وإذا فعَلَ المَحلوفَ عليه مُكرهًا حنِثَ؛ لأنَّ الفعلَ الحَقيقيَّ لا يَنعدِمُ بالإِكراهِ (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الإِنسانَ إذا أُكرهَ على اليَمينِ فإنَّ يَمينَه لا تَنعقِدُ؛ لأنَّه قولٌ أُكرهَ عليه بغيرِ حقٍّ فلَم يَصحَّ ككَلمةِ الكُفرِ، ولما رَواه مَكحولٌ عن واثِلةَ بنِ الأَسقعِ وعن أَبي أُمامةَ، قالا: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ليسَ على مَقهورٍ يَمينٌ» (٣).

стр. 14342

وكذا لو فعَلَ المَحلوفَ عليه مُكرهًا فلا يَحنثُ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ تَجاوزَ لأُمتِي عن الخَطأِ والنِّسيانِ وما استُكرِهوا عليه» (١). ولِما رَواه مَكحولٌ عن واثِلةَ بنِ الأَسقعِ وعن أَبي أُمامةَ، قالا: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ليسَ على مَقهورٍ يَمينٌ» (٢). ولأنَّ ما منَعَ ثُبوتَ الكُفرِ مِنْ انعِقادِ اليَمينِ كالجُنونِ. وأما يَمينُ اليَمانِ والدِ حُذيفةَ فحلَفَ بها مُختارًا؛ لأنَّه كانَ مُشركًا (٣). إذا حلَفَ أنْ لا يَفعلَ شَيئًا فأمَرَ غيرَه بفِعلِه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن حلَفَ أنْ لا يَفعلَ شَيئًا ما فأمَرَ غيرَه بفِعلِه هل يَحنثُ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى التَّفريقِ بينَ أَمرَينِ فقالوا: مَنْ حلَفَ لا يَبيعُ ولا يَشتَرِي ولا يُؤجِّرُ فوكَّلَ مَنْ فعَلَ ذلك لَم يَحنَثْ، إلا أنْ يَنوِيَ ذلك؛

стр. 14343

لأنَّ حُقوقَ هذه الأَشياءِ تَرجِعُ إلى العاقِدِ دُونَ الآمرِ، فأما إذا نَوى ذلك حنِثَ؛ لأنَّه شدَّدَ على نفسِه وإنْ كانَ الوَكيلُ هو الحالِفُ لأنَّه التَزمَ حُقوقَ هذا العَقدِ، وإنْ كانَ الحالِفُ ممَّن جرَتْ عادَتُه أنْ لا يَتولَّى ذلك بنَفسِه، مثلَ السُّلطانِ ونَحوِه، فأمَرَ غيرَه أنْ يَفعلَ ذلك حنِثَ؛ لأنَّ يَمينَه على الآمِرِ به، فإنْ نَوى أنْ لا يَتولَّاه بنَفسِه دُيِّنَ في القَضاءِ؛ لأنَّه نَوى حَقيقةَ كَلامِه. وإنْ حلَفَ لا يَتزوَّجُ أو لا يُطلِّقُ فوكَّلَ مَنْ فعَلَ ذلك حنِثَ، وكذا الخُلعُ والصُّلحُ مِنْ دمِ العَمدِ والهِبةُ والصَّدقةُ والكِسوةُ والنَّفقةُ؛ لأنَّ الوَكيلَ في هذه الأَشياءِ سَفيرٌ ومُعبِّرٌ، ولهذا لا يُضيفُه إلى نَفسِه، لا يَقول: تزَوَّجتُ، وإنَّما يَقول: زوَّجتُ فُلانًا وطلَّقتُ امرَأةَ فُلانٍ، وحُقوقُ العَقدِ راجِعةٌ إلى الآمرِ لا إليه، فإنْ قالَ الآمِرُ: «نَويتُ أنْ أَلِيَ ذلك بنَفسِي» لا يُديَّنُ في القَضاءِ ويُديَّنُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى. ولو حلَفَ لا يَذبَحُ شاتَه فأمَرَ إِنسانًا ففعَلَ ذلك حنِثَ، وإنْ قالَ: «نَويتُ أنْ أَلِيَه بنَفسِي» دُيِّنَ في القَضاءِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا حلَفَ لا أَفعلُ شَيئًا فأمَرَ غيرَه ففعَلَه، حنِثَ إنْ لَم يَنوِ تَوليتَه ومُباشَرتَه بنَفسِه، أيَّ فعلٍ كانَ ممَّا تَصحُّ فيه النِّيابةُ؛ لأنَّ الفِعلَ إذا كانَ ممَّا يَصحُّ فيه النِّيابةُ فالإِطلاقُ مُشتَركٌ بينَ تَوليتِه بنَفسِه وبينَ وُقوعِه بالنِّيابةِ، ولأنَّ الإِنسانَ يُطلقُ القَولَ بأنَّه قد اشتَرى طَعامًا

стр. 14344

أو ثوبًا وإنْ كانَ قد استَنابَ غيرَه فيه، كما يُطلَقُ ذلك إذا توَّلاه بنَفسِه على حدٍّ واحدٍ، وإذا كانَ ذلك كذلك وجَبَ أنْ يَحنثَ به، وتَحريرُه أنْ يُقالَ: لأنَّ الفِعلَ المَحلوفَ عليه قد وقَعَ على وَجهٍ يُضافُ إليه على الإِطلاقِ فأَشبهَ أنْ يَليَه بنَفسِه (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أَنْ مَدارَ البِرِّ أَوْ الحِنثَ رَاجعٌ إلى مُقتَضى اللَّفظِ الذي تَعلَّقت به اليَمينُ فَإِذا حلَفَ لا يَضربُ عبدَه أَوْ لا يَبيعُ أَوْ لا يَشتَرِي، أو لا يَتزوجُ، أو لا يُطلِّقُ، فأمَرَ غيرَه، فباعَ عنه، أو اشتَرى، أو ضرَبَ العبدَ، أو نكَحَ له، أو طلَّقَ .. لَم يَحنثْ؛ لأنَّ مُقتَضى اللَّفظِ أنْ لا يُباشرَ ذلك بنَفسِه نَعم إنْ أرادَ المَعنى المَجازِيَّ بأَن حلَفَ أَنْ لا يَشتَرِيَ الشَّيءَ الفُلانِيَّ وأَرادَ عدمَ دُخولِه في مُلكِه فإنَّه يَحنثُ لأنَّه غلِظَ على نَفسِه ويُقاسُ بِما ذُكرَ ما يُشابِهُ ذلك. وحَكى الرَّبيعُ عن الشافِعيِّ قولًا آخرَ: (إذا كانَ الحالِفُ سُلطانًا لا يَتولَّى البَيعَ ولا الشِّراءَ ولا الضَّربَ بنَفسِه، فأمَرَ غيرَه، ففعَلَ عنه ذلك .. حنِثَ، وإنْ أمَرَ غيرَه، فنكَحَ له، أو طلَّقَ عنه .. لَم يَحنثْ؛ لأنَّ العادةَ أنَّه لا يَتولَّى البَيعَ ولا الشِّراءَ ولا الضَّربَ بنَفسِه، وإنَّما يَتولَّاه غيرُه عنه، وجرَت العادةُ في النِّكاحِ والطَّلاقِ أنَّه يَتولَّاه بنَفسِه، فانعَقدَت يَمينُه على ذلك). والمَشهورُ: هو الأولُ؛ لأنَّ اليَمينَ تُحمَلُ على الحَقيقةِ دونَ المَجازِ؛

стр. 14345

ولهذا: لو حلَفَ: «لا أَقعدُ في ضَوءِ السِّراجِ»، فقعَدَ في ضَوءِ الشَّمسِ .. لَم يَحنثْ وإنْ كانَ قد سَماها اللهُ سِراجًا؛ حيثُ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)﴾ [النبأ: ١٣]. ولو حلَفَ: لا يَقعدُ تحتَ سَقفٍ، فقعَدَ تحتَ السَّماءِ .. لَم يَحنثْ، وإنْ كانَ اللهُ تَعالى قد سَماها سَقفًا، فقالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] (١). قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ: (ولو حلَفَ لا يَشتَري فأمَرَ غيرَه أو لا يُطلقُ فجعَلَ طَلاقَها إليها فطلَّقَت أو لا يَضربُ عبدَه فأمَرَ غيرَه فضرَبَه لا يَحنثُ إلا أن يَكونَ نَوى ذلك) قالَ الماوَرديُّ: اعلَمْ أنَّه لا يَخلو حالٌ مِنْ حَلفٍ لا يَفعلُ شَيئًا فأمرَ غيرَه حتى فعَلَه مِنْ ثَلاثةِ أَحوالٍ: أَحدُها: أنْ يَنويَ لا يَفعلُه بنَفسِه، فلا يَحنثُ إذا أمَرَ غيرَه بفِعلِه، لا يَختلِفُ المَذهبُ فيه اعتِبارًا بنِيتِه، سَواءٌ جلَّ قدرُ الحالِفِ أو قلَّ. والحالُ الثانِيةُ: أنْ يَنويَ أنَّه لا كانَ منه ما يَقتضِي ذلك الفِعلَ ولا كانَ باعثًا عليه فيَحنثُ إذا أمَرَ غيرَه بفِعلِه كما يَحنثُ إذا فعَلَه بنَفسِه؛ لأنَّه قد كانَ باعثًا عليه سَواءٌ جلَّ قدرُ الحالِفِ أو قلَّ. والحالُ الثالِثةُ: أنْ تَكونَ يَمينُه مُطلَقةً لَم تَقتَرنْ بها نِيةٌ، فيَنقسِمُ ذلك الفِعلُ المَحلوفُ عليه ثَلاثةَ أَقسامٍ:

стр. 14346

أَحدُها: أنْ يَكونَ العُرفُ في فِعلِه جاريًا بالأمرِ دونَ المُباشرةِ مِنْ جَميعِ الناسِ، كقولِه: واللهِ لا احتجَمتَ، ولا افتصَدتُ ولا حلَقتُ رَأسي، ولا بنَيتُ دارِي، فإذا أمَرَ غيرَه بالحِجامةِ وفصَدَه وحلَقَ رأسَه وبَنى داره حنِثَ سَواءٌ جلَّ قدرُ الحالِفِ أو قلَّ؛ لأنَّه لَم يَجرِ في العُرفِ مِنْ قَليلٍ أو جَليلٍ أنْ يُباشِرَ فِعلَها في نَفسِه إلا بأَمرِه، فصارَ العُرفُ فيه شَرطًا يَصرفُ حَقيقةَ الفِعلِ إلى مَجازِه فيَصيرُ اعتِبارُ المَجازِ إذا اقتَرنَ بالعُرفِ أَولى مِنْ اعتِبارِ الحَقيقةِ إذا فارَقَ العُرفَ لأنَّ العُرفَ ناقلٌ. والقِسمُ الثانِي: أن يَكونَ العُرفُ في فِعلِه جاريًا بمُباشرتِه دونَ أَمرِه مِنْ جَميعِ الناسِ كقولِه: «واللهِ لا كتَبتُ ولا قرَأتُ ولا حجَجتُ ولا اعتمَرتُ» فإذا أمَرَ غيرَه بالكِتابةِ والقِراءةِ والحجِّ والعُمرةِ لَم يَحنثْ سَواءٌ جلَّ قدرُ الحالِفِ أو قلَّ؛ لأنَّ العُرفَ جارٍ بينَ الناسِ بمُباشرةِ ذلك مِنْ كلِّ قَليلٍ وجَليلٍ، فصارَ العُرفُ مُقتَرنًا بالحَقيقةِ دونَ المَجازِ فخرَجَ مَجازُه عن حُكمِه. والقِسمُ الثالِثُ: أن يَكونَ العُرفُ مُختلِفًا في مُباشرةِ فعلِه فيُباشرُه مَنْ دَنا، ولا يُباشرُه مَنْ عَلا، فهذا على ضَربَينِ: أَحدُهما: أنْ يَقتَرنَ بعُرفِ الاستِعمالِ في الاختِلافِ بينَهما عُرفُ الشَّرعِ وهو إِقامةُ الحُدودِ التي لا يُقيمُها في الشَّرعِ والعُرفِ إلا أُولو الأَمرِ مِنْ ذِي وِلايةٍ وسُلطانٍ، فيَحنثُ الآمرُ بها إنْ كانَ مِنْ أُولي الأَمرِ وإنْ لَم يُباشرْها، كما قيلَ: جلَدَ النَّبيُّ ﷺ زانِيًا، ورجَمَ ماعِزًا وقطَعَ سارِقًا، ولا يَحنثُ بها غيرُ أُولي الأَمرِ حتى يُباشرَها بفِعلِه؛ لأنَّه غيرُ نافِذِ الأَسرِ فيهما.

стр. 14347

والضَّربُ الثانِي: أنْ يَنفردَ الاختِلافُ بينَهما بعُرفِ الاستِعمالِ دونَ عُرفِ الشَّرعِ، فيُباشرُه مَنْ دَنا، ولا يُباشرُه مَنْ عَلا تَنزهًا وتَصونًا كعُقودِ البُيوعِ والأَشربةِ وتَأديبِ العَبيدِ والخَدمِ، فيَنقسِمُ حالُ الحالفِ والمَحلوفِ عليه ثَلاثةَ أَقسامٍ: أَحدُها: أنْ يَكونَ عُرفُ الحالِفِ جارِيًا بمُباشرتِه، كرَجلٍ مِنْ عَوامِّ السوقةِ حلَفَ لا باعَ ولا اشتَرى، ولا تَزوَّجَ ولا طلَّقَ، ولا ضرَبَ عبدًا، ولا أدَّبَ خادِمًا، فإذا أمَرَ غيرَه بأنْ باعَ له واشتَرى وزوَّجَه وطلَّقَ عنه وضرَبَ عبدَه وأدَّبَ خادِمَه لَم يَحنثْ في هذا كلِّه، وقالَ مالكٌ: يَحنثُ في هذا كلِّه، وقالَ أَبو حَنيفةَ: إنْ كانَ هذا العَقدُ ممَّا إذا باشرَه الوَكيلُ أَضافَه إلى نفسِه كالشِّرى، يَقولُ: «اشتَريتُ هذه الدارَ لمُوكِّلِي» لَم يَحنثِ المُوكلُ، وإنْ كانَ مما لا يُضيفُه إلى نفسِه كالنِّكاحِ يَقولُ: قبِلتُ هذا النِّكاحَ لمُوكِّلِي، ولا يَقولُ: نكَحتُ لمُوكِّلِي، كما يَقولُ: اشتَريتُ لمُوكِّلِي حنِثَ المُوكلُ، وكِلا المَذهبَينِ مَدخولٌ، والصَّحيحُ أنَّ جَميعَها سَواءٌ في أنَّه لا يَحنثُ الآمرُ بها والمُوكلُ فيها إذا كانَ العُرفُ بمُباشرتِه لها جارِيًا؛ لأنَّ الأَيمانَ تُحمَلُ على حَقائقِ الأَسماءِ والأَفعالِ، ما لَم يَنقلْها عُرفُ الحَقيقةِ في هذه الأَفعالِ بمُباشرتِها، والعُرفُ مُقتَرنٌ بها، فلَم يَجزْ أنْ يَعدلَ في الأمرِ بها عن الحَقيقةِ والعُرفِ إلى مَجازٍ تَجرَّدَ عن العُرفِ فعلى هذا لو حلَفَ على امرَأتِه أنَّه لا يُطلِّقُها، فردَّ إليها الطَّلاقَ، فطلَّقَت نفسَها لَم يَحنثْ؛ لأنَّه لا يَكونُ مُطلِّقًا، وإنَّما يَكونُ مُخيِّرًا في الطَّلاقِ، ولو قالَ لها: «إن دخَلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ»، فدخَلْتَها طَلقَتْ وحنِثَ؛ لأنَّه مُطلِّقٌ لها على صفةٍ وقَعَت منها فلذلك افتَرقا.

стр. 14348

والقِسمُ الثانِي: أن يَكونَ عُرفُ الحالِفِ جارِيًا بالاستِنابةِ دونَ مُباشرتِه، وإنْ باشرَه استَنكرَتْه النُّفوسُ منه، كالسُّلطانِ أو مَنْ قارَبَه في رُتبتِه إذا حلَفَ، ولا باعَ ولا اشتَرى، ولا ضرَبَ عبدًا، ولا أدَّبَ خادِمًا، فإذا وكَّلَ في البَيعِ والشِّراءِ وأمَرَ بضَربِ عبدِه وبأَدبِ خادِمِه ففي حِنثِه قَولانِ: أَحدُهما: تَفرَّدَ الرَّبيعُ بنَقلِه وتَفرَّدَ به بعضُ أَصحاب الشافِعيِّ، أنَّه يَحنثُ اعتِبارًا بالعُرفِ؛ لأنَّ العُرفَ قد صارَ مُقتَرنًا بالمَجازِ دونَ الحَقيقةِ، والعُرفُ ناقلٌ، كما لو حلَفَ: لا أكَلتُ رُؤوسًا، لَم يَحنثْ برُؤوسِ الطَّيرِ والجَرادِ، وإنْ وجَدَ حَقيقةَ الاسمِ فيها؛ لأنَّ العُرفَ لمَّا اختَصَّ برُؤوسِ الغَنمِ نقَلَ عمَّا عَداها حَقيقةَ الاسمِ. والقولُ الثانِي: وهو الأَظهرُ، وما عليه الأَكثَرونَ مِنْ أَصحابنا أنَّه لا يَحنثُ؛ لأنَّ الحَقيقةَ فيها المُباشرةُ لها دونَ الأَمرِ بها، والحَقيقةُ لا تُنقَلَ إلا بعُرفٍ عامٍّ، كما قيلَ في الرُّؤوسِ، وهذا عُرفٌ خاصٌّ، فلَم يَجزْ أنْ يَنتقِلَ به الحَقيقةُ، كما لو حلَفَ سُلطانٌ: لا أكَلتُ خُبزًا ولا لبِستُ ثوبًا، فأكَلَ خُبزَ الذُّرةِ ولبِسَ عَباءةً حنِثَ وإنْ لَم تَجزْ عادتُه بأَكلِ الذُّرةِ ولبْسِ العَباءةِ؛ لأنَّه عُرفٌ خاصٌّ وليسَ بعامٍّ، فلذلك ساوَى فيه عُرفَ العُمومِ فكذلك في هذه العُقودِ. والقِسمُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ عُرفُ الحالفِ جارِيًا بالاستِنابةِ فيه، لكنْ إنْ باشرَه لَم تَستنَكرْه النُّفوسُ منه، ولا تَستَقبحُه، كالنِّكاحِ والطَّلاقِ والعِتاقِ، لا يُستَقبحُ مِنْ السُّلطانِ أنْ يُباشرَه بنَفسِه، فإذا حلَفَ سُلطانٌ لا نكَحَ ولا طلَّقَ ولا أَعتَقَ، فوكَّلَ في النِّكاحِ والطَّلاقِ والعِتاقِ فقد اختَلف أَصحابنا هل

стр. 14349

يُعتبَرُ حُكمُ عُرفِه أو يُعتبَرُ ما تَستَنكرهُ النُّفوسُ مِنْ فِعلِه، على وَجهينِ: أَحدُهما: يُعتبَرُ حُكمُ عُرفِه؛ لأنَّه أَخصُّ به، فعلى هذا في حِنثِه قَولانِ: والوَجهُ الثانِي: يُعتبَرُ ما لا تَستَنكرُه النُّفوسُ مِنْ فِعلِه لأنَّه أَعمُّ، فعلى هذا لا يَحنثُ قَولًا واحدًا، واللهُ أَعلمُ (١). مَنْ حلَفَ على شَيئَينِ ففعَلَ أَحدَهما أو على أَكلِ رَغيفٍ فأكَلَ بعضَه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن حلَفَ على فِعلينِ إِثباتًا أو نَفيًا ففعَلَ أَحدَهما أو ترَكَ أَحدَهما أو حلَفَ أنْ لا يَأكلَ هذا الرَّغيفَ مثلًا فأكَلَ بعضَه هل يَحنثُ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا حلَفَ على فِعلينِ .. تعَلقَت اليَمينُ بهما إِثباتًا كانا أو نَفيًا ولا يَحنثُ إلا بفِعلِ الجَميعِ أو بتَركِ الجَميعِ، مثلَ أنْ يَقولَ: «واللهِ لأُكلِّمنَّ هذينِ الرَّجلَينِ»، أو «لآكُلنَّ هذينِ الرَّغيفَينِ»، فلا يبَرُّ إلا بكَلامِ الرَّجلَينِ جَميعًا، وبأَكلِ الرَّغيفَينِ جَميعًا. وكذلك: إذا قالَ: «واللهِ لا كلَّمتُ هذينِ الرَّجلَينِ»، أو «لا أكَلتُ هذينِ الرَّغيفَينِ»، لَم يَحنثْ إلا بكَلامِ الرَّجلَينِ جَميعًا، أو بأَكلِ الرَّغيفَينِ جَميعًا. وكذلك إذا قالَ: واللهِ لا أكَلتُ هذا الرَّغيفَ، فأكَلَ بعضَه .. لَم يَحنثْ؛ لأنَّ اليَمينَ تَعلَّقت بالجَميعِ، فلَم يَحنثْ بالبَعضِ، كاليَمينِ على الإِثباتِ. ولأنَّه ﵊ كانَ يُخرجُ رأسَه وهو مُعتكِفٌ إلى عائشةَ فتُرجِّلُه

стр. 14350

وهي حائضٌ والمُعتكِفُ مَمنوعٌ مِنْ الخُروجِ مِنْ المَسجدِ والحائضُ مَمنوعةٌ مِنْ اللُّبثِ فيه. ويُروَى أنَّه قالَ لأُبِّي بنِ كَعبٍ: (لا أَخرجُ مِنْ المَسجدِ حتى أُعلِّمَك سورةً مِنْ القُرآنِ) فلما أَخرَجَ رِجلَه مِنْ المَسجدِ علَّمَه إِياها، ولأنَّ اليَمينَ تَناولَت الجَميعَ فلَم يَحنثْ بالبعضِ كالإِثباتِ، وبهذا استَدلَّ أَحمدُ فقالَ: الكلُّ لا يَكونُ بعضًا، والبعضُ لا يَكونُ كُلًّا (١). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إذا فعَلَ بعضَ المَحلوفِ على تَركِه في صِيغةِ البِرِّ حنِثَ، فمَن حلَفَ «لَا آكُلُ الرَّغيفَ أو هذا الطَّعامَ» فأكَلَ بعضَه ولو لُقمةً حنِثَ بفِعلِ البعضِ؛ لأنَّه منَعَ نفسَه مِنْ فِعلِ المَحلوفِ عليه، فوجَبَ أن يَمتنِعَ مِنْ كلِّ جُزءٍ منه كالنَّهيِ، والجامعُ المَنعُ فيهما. أما إذا كانَت الصِّيغةُ صِيغةَ حِنثٍ وحلَفَ على فِعلِ شيءٍ ذِي أَجزاءٍ فلا يبَرُّ بفِعلِ البعضِ نحوَ: «واللهِ لآكُلنَّ هذا الطَّعامَ أو الرَّغيفَ»، أو «إنْ لَم آكُلْه فهي طَالِقٌ»، فلا يبَرُّ بفِعلِ البَعضِ. قالً ابنُ بَشيرٍ: الحِنثُ يَدخلُ بأَقلِّ الوُجوهِ، والبِرُّ لا يَكونُ إلا بأَكملِ الوُجوهِ، والأصلُ في ذلك أنَّ اللهَ سُبحانَه أَباحَ المُطلَّقةَ ثَلاثًا بعدَ زوجٍ فلَم تَحلَّ له بعدَ العَقدِ عليها دونَ الدُّخولِ وحرَّمَ ما نكَحَ الآباءُ والأَبناءُ مِنْ

стр. 14351

النِّساءِ فحرُمَت على الأبِ زَوجةُ الابنِ بأقلِّ ما يَقعُ عليه اسمُ نِكاحٍ وهو العَقدُ دونَ الدُّخولِ وعلى الابنِ زَوجةُ الأبِ بمثلِ ذلك بإِجماعٍ. فتَبيَّنَ أنَّ ما يُباحُ به الشيءُ أَقوَى مما يَخطرُ به فمَن حلَفَ أنْ لا يَأكلَ هذا الرَّغيفَ يَحنثُ بأَكلِ بعضِه إلا أنْ يَكونَ له نِيةٌ أو بِساطٌ يَدلُّ على أنَّه إنَّما أَرادَ استِيعابَ جَميعِه ومَن حلَفَ ليَأكُلنَّ هذا الرَّغيفَ لَم يبَرَّ إلا بأَكلِ جَميعِه إلا أن تَكونَ له نِيةٌ أو بِساطٌ يَدلُّ على أنَّه إنَّما أَرادَ أَكلَ بعضِه، وعلى هذا فقس (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رشدٍ ﵀: واختلَفُوا مِنْ ذلك … هل يَتعَلقُ مُوجبُ اليَمينِ بأقلِّ ما يَنطلَقُ عليه الاسمُ أو بجَميعِه … مثلَ أن يَحلفَ أنْ لا يَفعلَ شَيئًا ففعَلَ بعضَه أو أنَّه يَفعلُ شَيئًا فلَم يَفعلْ بعضَه فعندَ مالكٍ إذا حلَفَ ليَأكُلنَّ هذا الرَّغيفَ فأكَلَ بعضَه لا يبْرأُ إلا بأَكلِه كلِّه وإذا قالَ: «لا آكلُ هذا الرَّغيفَ» أنَّه يَحنثُ إنْ أكَلَ بعضَه وعندَ الشافِعيِّ وأَبي حَنيفةَ أنَّه لا يَحنثُ في الوَجهينِ جَميعًا حَملًا على الأَخذِ بأَكثرِ ما يَدلُّ عليه الاسمُ. وأما تَفريقُ مالكٍ بينَ الفِعلِ والتَّركِ فلَم يَجرْ في ذلك على أَصلٍ واحدٍ؛ لأنَّه أخَذَ في التَّركِ بأَقلِّ ما يَدلُّ عليه الاسمُ وأخَذَ في الفِعلِ بجَميعِ ما يَدلُّ عليه الاسمُ وكأنَّه ذهَبَ إلى الاحتِياطِ (٢).

стр. 14352

وقالَ ابنُ القيمِ ﵀: ومِن الحِيلِ الباطِلةِ لو حلَفَ لا يَأكلُ هذا الرَّغيفَ، أو لا يَسكنُ في الدارِ هذه السَّنةَ، أو لا يَأكلُ هذا الطَّعامَ، قالوا: يَأكلُ الرَّغيفَ ويَدعُ منه لُقمةً واحدِةً، ويَسكنُ السَّنةَ كلَّها إلا يومًا واحدًا، ويَأكلُ الطَّعامَ كلَّه إلا القَدرَ اليَسيرَ منه ولو أنَّه لُقمةٌ. وهذه حِيلةٌ باطِلةٌ بارِدةٌ، ومتى فعَلَ ذلك فقد أَتى بحَقيقةِ الحِنثِ، وفِعلُ نَفسِ ما حلَفَ عليه، وهذه الحِيلةُ لا تَتأتَّى على قولِ مَنْ يَقولُ: يَحنثُ بفِعلِ بعضِ المَحلوفِ عليه ولا على قولِ مَنْ يَقول لا يَحنثُ؛ لأنَّه لَم يَردْ مثلُ هذه الصُّورةِ قطعًا، وإنَّما أَرادَ به إذا أكَلَ لُقمةً مثلًا مِنْ الطَّعامِ الذي حلَفَ أنَّه لا يَأكلُه أو حبَّةً مِنْ القطفِ الذي حلَفَ على تَركِه، ولَم يَردْ أنَّه يَأكلُ القطفَ إلا حبةً واحِدةً منه، وعالمٌ لا يَقولُ هذا. ثم يَلزمُ هذا المُتحيِّلُ أنْ يُجوِّزَ للمُكلَّفِ فِعلَ كلِّ ما نَهى الشارعُ عن جُملتِه فيَفعلُه إلا القَدرَ اليَسيرَ منه، فإنَّ البِرَّ والحِنثَ في الأَيمانِ نَظيرُ الطاعةِ والمَعصيةِ في الأَمرِ والنَّهيِ، ولذلك لا يبَرُّ إلا بفِعلِ المَحلوفِ عليه جَميعِه، لا بفِعلِ بعضِه، كما لا يَكونُ مُطيعًا إلا بفِعلِه جَميعَه، ويَحنثُ بفِعلِ بعضِه كما يَعصِي بفِعلِ بعضِه، فيَلزمُ هذا القائلَ أن يُجوزَ للمُحرِمِ في الإِحرامِ حَلقَ تِسعةِ أَعشارِ رأسِه، بل وتَسعةَ أَعشارِ العُشرِ الباقِي؛ لأنَّ اللهَ تَعالى إنَّما نَهاه عن حَلقِ رأسِه كلِّه، لا عن بعضِه، كما يُفتِي لمَن حلَفَ لا يَحلقُ رأسَه أنْ يَحلقَه إلا القَدرَ اليَسيرَ منه. وتَأمَّلْ لو فعَلَ المَريضُ هذا فيما نَهاه الطَّبيبُ عن تَناولِه، هل يُعدُّ قابِلًا منه؟ أو لو فعَلَ مَملوكُ الرَّجلِ أو زَوجتِه أو وَلدِه ذلك فيما نَهاهم عنه، هل

стр. 14353

يَكونونَ مُطيعينَ له أم مُخالِفينَ؟ وإذا تَحيَّلَ أحدُهم على نقضِ غَرضِ الآمرِ وإِبطالِه بأَدنَى الحِيلِ، هل كانَ يَقبلُ ذلك منه ويَحمدُه عليه أو يَعذرُه؟ وهل يَعذرُ أحدًا مِنْ الناسِ يُعامِلُه بهذه الحِيلِ؟ فكيفَ يُعاملُ هو بهذا مَنْ لا تَخفى عليه خافِيةٌ (١)؟ اليَمينُ المُنعقِدةُ: اليَمينُ المُنعقِدةُ ثَلاثةُ أَقسامٍ: مُرسَلٌ ومُؤقَّتٌ وفَورٌ. فالمُرسَلُ: هو الخالِي عن الوَقتِ في الفِعلِ ونَفيِه، وذلك قد يَكونُ إِثباتًا وقد يَكونُ نَفيًا، فالإِثباتُ: «واللَّهِ لأَضرِبنَّ زَيدًا»، والنَّفيُ: «لا أَضرِبُ زَيدًا»، ففي الأَولِ: ما دامَ الحالِفُ والمَحلُوفُ عليه قائمَينِ لا يَحنَثُ، وإنْ هلَكَ أَحدُهما حنِثَ، وفي الثانِي: لا يَحنَثُ أبدًا، فإنْ فعَلَ المَحلوفَ عليه مرَّةً واحِدةً حنِثَ ولزِمَتْه الكَفارةُ، ولا تَنعقِدُ اليَمينُ ثانيًا (٢). والمُؤقَّتُ مثلَ: «واللَّهِ لأَشرَبنَّ المَاءَ الذي في هذا الكُوزِ اليومَ -أو واللهِ لآكُلنَّ هذا الرَّغيفَ اليومَ- «وفيه ماءٌ، فهذا لا يَحنَثُ ما لَم يَمضِ اليومُ، فإذا مَضى ولم يَفعَلْ حنِثَ ولزِمَتْه الكَفارةُ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ، فإنْ ماتَ قبلَ مُضيِّ اليومِ لا يَحنَثُ بالإِجماعِ. وإنْ صبَّ الماءَ الذي في الكُوزِ قبلَ مُضيِّ اليومِ لَم يَحنَثْ عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ. وقالَ أَبو يُوسفَ: يَحنَثُ عندَ مُضيِ اليومِ. وقالَ مالكٌ والشافِعيُّ: إن تلِفَ الماءُ قبلُ بغيرِ اختِيارِه لَم يَحنَثْ. وإذا قالَ: «واللَّهِ لأَشرَبنَّ الماءَ الذي في هذا الكُوزِ»، وإذا هو ليسَ فيه ماءٌ فإنَّه لا يَحنَثُ عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ

стр. 14354

وزُفرَ والشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابِلةِ؛ لعَدمِ شَرطِ الانعِقادِ وهو تَصورُ شُربِ الماءِ الذي حلَفَ عليه. وعندَ أَبي يُوسفَ والشافِعيةِ في قولٍ وأَحمدَ في رِوايةٍ: يَحنَثُ مِنْ ساعتِه وإنْ كانَ يَعلمُ أنَّه لا ماءَ فيه حنِثَ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ في الصَّحيحِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في الصَّحيحِ. وعن أَبي حَنيفةَ وزُفرَ: لا يَحنَثُ علِمَ أو لَم يَعلمْ (١) وأما يَمينُ الفَورِ: فهو أنْ يَكونَ ليَمينِه سَببٌ، فدَلالةُ الحالِ تُوجبُ قَصرَ يَمينِه على ذلك السَّببِ، وذلك كلُّ يَمينٍ خرَجَتْ جَوابًا لكَلامٍ أو بِناءً على أَمرٍ فتَتقيَّدُ به بدَلالةِ الحالِ، نحوَ: أنْ تَتهيَّأَ المَرأةُ للخُروجِ، فقالَ: «إنْ خرَجْتِ فأَنتِ طالِقٌ»، فقعَدَتْ ساعةً ثم خرَجَتْ لا تَطلُقُ.

стр. 14355

وكذا إذا قالَ له: «تَغدَّ معي»، فقالَ: «واللَّهِ لا أَتغدَّى معك، وإنْ تغَدَّيتُ فعَبدِي حرٌّ» فلَم يَتغَدَّ معَه وذهَبَ إلى بيتِه وتَغدَّى فإنَّه لا يَحنَثُ في هذه الوُجوهِ كلِّها (١). مُقتضَياتُ البرِّ والحِنثِ في اليَمينِ: مُقتضَياتُ البِرِّ والحِنثِ في اليَمينِ أَربعةُ أُمورٍ: الأولُ: النِّيةُ، والثانِي: البِساطُ، والثالِثُ: العُرفُ القَوليُّ، والرَّابعُ: المَقصدُ الشَّرعيُّ. الأصلُ في الأَيمانِ أنْ تَكونَ على نِيةِ الحالِفِ إلا أنَّ الفُقهاءَ مُختلِفونَ فيما لو لَم تَكنْ له نِيةٌ هل يَرجعُ إلى البِساطِ وهو السَّببُ المُهيجُ لليَمينِ فإن لَم يَكنْ فيَرجعُ للعُرفِ أو للشَّرعِ أو للُّغةِ أم أنَّه إذا لَم تَكنْ هناك نِيةٌ يَرجعُ في ذلك إلى العُرفِ ولا عِبرةَ بالبِساطِ؟ على اختِلافٍ بينَهم في هذا، وبَيانُ ذلك فيما يَلي: الأولُ: النِّيةُ: الأصلُ أنَّ النِّيةُ تُخصِّصُ العامَ وتُقيِّدُ المُطلَقَ وتُبيِّنُ المُجمَلَ إذا صلَحَ اللَّفظُ لها، ومَعنى كَونِ اللَّفظِ صالِحًا لها ألَّا يَكونَ اللَّفظُ صَريحًا فيما نَواهُ الحالِفُ، فإذا قالَ: نَويتُ به كذا عمِلَ بنِيتِه؛ فإذا حلَفَ «لا أَلبَسُ الجَونَ»: يُطلَقُ على الأَبيضِ والأَسودِ، وقالَ: «أَردْتُ الأَبيضَ» كانَ له لُبسُ الأَسودِ. وعلى هذا إذا حلَفَ لا يَأكلُ لَحمًا ولا فَاكهةً ويُريدُ باللَّحمِ لَحمًا بعَينِه وبالفَاكهةِ فَاكهةً بعَينِها فيَقبلُ منه في الفَتوى اتِّفاقًا.
следующие страницы →