النِّساءِ فحرُمَت على الأبِ زَوجةُ الابنِ بأقلِّ ما يَقعُ عليه اسمُ نِكاحٍ وهو العَقدُ دونَ الدُّخولِ وعلى الابنِ زَوجةُ الأبِ بمثلِ ذلك بإِجماعٍ.
فتَبيَّنَ أنَّ ما يُباحُ به الشيءُ أَقوَى مما يَخطرُ به فمَن حلَفَ أنْ لا يَأكلَ هذا الرَّغيفَ يَحنثُ بأَكلِ بعضِه إلا أنْ يَكونَ له نِيةٌ أو بِساطٌ يَدلُّ على أنَّه إنَّما أَرادَ استِيعابَ جَميعِه ومَن حلَفَ ليَأكُلنَّ هذا الرَّغيفَ لَم يبَرَّ إلا بأَكلِ جَميعِه إلا أن تَكونَ له نِيةٌ أو بِساطٌ يَدلُّ على أنَّه إنَّما أَرادَ أَكلَ بعضِه، وعلى هذا فقس (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رشدٍ ﵀: واختلَفُوا مِنْ ذلك … هل يَتعَلقُ مُوجبُ اليَمينِ بأقلِّ ما يَنطلَقُ عليه الاسمُ أو بجَميعِه … مثلَ أن يَحلفَ أنْ لا يَفعلَ شَيئًا ففعَلَ بعضَه أو أنَّه يَفعلُ شَيئًا فلَم يَفعلْ بعضَه فعندَ مالكٍ إذا حلَفَ ليَأكُلنَّ هذا الرَّغيفَ فأكَلَ بعضَه لا يبْرأُ إلا بأَكلِه كلِّه وإذا قالَ: «لا آكلُ هذا الرَّغيفَ» أنَّه يَحنثُ إنْ أكَلَ بعضَه وعندَ الشافِعيِّ وأَبي حَنيفةَ أنَّه لا يَحنثُ في الوَجهينِ جَميعًا حَملًا على الأَخذِ بأَكثرِ ما يَدلُّ عليه الاسمُ.
وأما تَفريقُ مالكٍ بينَ الفِعلِ والتَّركِ فلَم يَجرْ في ذلك على أَصلٍ واحدٍ؛ لأنَّه أخَذَ في التَّركِ بأَقلِّ ما يَدلُّ عليه الاسمُ وأخَذَ في الفِعلِ بجَميعِ ما يَدلُّ عليه الاسمُ وكأنَّه ذهَبَ إلى الاحتِياطِ (٢).
стр. 14352
وقالَ ابنُ القيمِ ﵀: ومِن الحِيلِ الباطِلةِ لو حلَفَ لا يَأكلُ هذا الرَّغيفَ، أو لا يَسكنُ في الدارِ هذه السَّنةَ، أو لا يَأكلُ هذا الطَّعامَ، قالوا: يَأكلُ الرَّغيفَ ويَدعُ منه لُقمةً واحدِةً، ويَسكنُ السَّنةَ كلَّها إلا يومًا واحدًا، ويَأكلُ الطَّعامَ كلَّه إلا القَدرَ اليَسيرَ منه ولو أنَّه لُقمةٌ.
وهذه حِيلةٌ باطِلةٌ بارِدةٌ، ومتى فعَلَ ذلك فقد أَتى بحَقيقةِ الحِنثِ، وفِعلُ نَفسِ ما حلَفَ عليه، وهذه الحِيلةُ لا تَتأتَّى على قولِ مَنْ يَقولُ: يَحنثُ بفِعلِ بعضِ المَحلوفِ عليه ولا على قولِ مَنْ يَقول لا يَحنثُ؛ لأنَّه لَم يَردْ مثلُ هذه الصُّورةِ قطعًا، وإنَّما أَرادَ به إذا أكَلَ لُقمةً مثلًا مِنْ الطَّعامِ الذي حلَفَ أنَّه لا يَأكلُه أو حبَّةً مِنْ القطفِ الذي حلَفَ على تَركِه، ولَم يَردْ أنَّه يَأكلُ القطفَ إلا حبةً واحِدةً منه، وعالمٌ لا يَقولُ هذا.
ثم يَلزمُ هذا المُتحيِّلُ أنْ يُجوِّزَ للمُكلَّفِ فِعلَ كلِّ ما نَهى الشارعُ عن جُملتِه فيَفعلُه إلا القَدرَ اليَسيرَ منه، فإنَّ البِرَّ والحِنثَ في الأَيمانِ نَظيرُ الطاعةِ والمَعصيةِ في الأَمرِ والنَّهيِ، ولذلك لا يبَرُّ إلا بفِعلِ المَحلوفِ عليه جَميعِه، لا بفِعلِ بعضِه، كما لا يَكونُ مُطيعًا إلا بفِعلِه جَميعَه، ويَحنثُ بفِعلِ بعضِه كما يَعصِي بفِعلِ بعضِه، فيَلزمُ هذا القائلَ أن يُجوزَ للمُحرِمِ في الإِحرامِ حَلقَ تِسعةِ أَعشارِ رأسِه، بل وتَسعةَ أَعشارِ العُشرِ الباقِي؛ لأنَّ اللهَ تَعالى إنَّما نَهاه عن حَلقِ رأسِه كلِّه، لا عن بعضِه، كما يُفتِي لمَن حلَفَ لا يَحلقُ رأسَه أنْ يَحلقَه إلا القَدرَ اليَسيرَ منه.
وتَأمَّلْ لو فعَلَ المَريضُ هذا فيما نَهاه الطَّبيبُ عن تَناولِه، هل يُعدُّ قابِلًا منه؟ أو لو فعَلَ مَملوكُ الرَّجلِ أو زَوجتِه أو وَلدِه ذلك فيما نَهاهم عنه، هل
стр. 14353
يَكونونَ مُطيعينَ له أم مُخالِفينَ؟ وإذا تَحيَّلَ أحدُهم على نقضِ غَرضِ الآمرِ وإِبطالِه بأَدنَى الحِيلِ، هل كانَ يَقبلُ ذلك منه ويَحمدُه عليه أو يَعذرُه؟ وهل يَعذرُ أحدًا مِنْ الناسِ يُعامِلُه بهذه الحِيلِ؟ فكيفَ يُعاملُ هو بهذا مَنْ لا تَخفى عليه خافِيةٌ (١)؟
اليَمينُ المُنعقِدةُ:
اليَمينُ المُنعقِدةُ ثَلاثةُ أَقسامٍ: مُرسَلٌ ومُؤقَّتٌ وفَورٌ.
فالمُرسَلُ: هو الخالِي عن الوَقتِ في الفِعلِ ونَفيِه، وذلك قد يَكونُ إِثباتًا وقد يَكونُ نَفيًا، فالإِثباتُ: «واللَّهِ لأَضرِبنَّ زَيدًا»، والنَّفيُ: «لا أَضرِبُ زَيدًا»، ففي الأَولِ: ما دامَ الحالِفُ والمَحلُوفُ عليه قائمَينِ لا يَحنَثُ، وإنْ هلَكَ أَحدُهما حنِثَ، وفي الثانِي: لا يَحنَثُ أبدًا، فإنْ فعَلَ المَحلوفَ عليه مرَّةً واحِدةً حنِثَ ولزِمَتْه الكَفارةُ، ولا تَنعقِدُ اليَمينُ ثانيًا (٢).
والمُؤقَّتُ مثلَ: «واللَّهِ لأَشرَبنَّ المَاءَ الذي في هذا الكُوزِ اليومَ -أو واللهِ لآكُلنَّ هذا الرَّغيفَ اليومَ- «وفيه ماءٌ، فهذا لا يَحنَثُ ما لَم يَمضِ اليومُ، فإذا مَضى ولم يَفعَلْ حنِثَ ولزِمَتْه الكَفارةُ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ، فإنْ ماتَ قبلَ مُضيِّ اليومِ لا يَحنَثُ بالإِجماعِ.
وإنْ صبَّ الماءَ الذي في الكُوزِ قبلَ مُضيِّ اليومِ لَم يَحنَثْ عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ.
وقالَ أَبو يُوسفَ: يَحنَثُ عندَ مُضيِ اليومِ.
وقالَ مالكٌ والشافِعيُّ: إن تلِفَ الماءُ قبلُ بغيرِ اختِيارِه لَم يَحنَثْ.
وإذا قالَ: «واللَّهِ لأَشرَبنَّ الماءَ الذي في هذا الكُوزِ»، وإذا هو ليسَ فيه ماءٌ فإنَّه لا يَحنَثُ عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ
стр. 14354
وزُفرَ والشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابِلةِ؛ لعَدمِ شَرطِ الانعِقادِ وهو تَصورُ شُربِ الماءِ الذي حلَفَ عليه.
وعندَ أَبي يُوسفَ والشافِعيةِ في قولٍ وأَحمدَ في رِوايةٍ: يَحنَثُ مِنْ ساعتِه
وإنْ كانَ يَعلمُ أنَّه لا ماءَ فيه حنِثَ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ في الصَّحيحِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في الصَّحيحِ.
وعن أَبي حَنيفةَ وزُفرَ: لا يَحنَثُ علِمَ أو لَم يَعلمْ (١)
وأما يَمينُ الفَورِ: فهو أنْ يَكونَ ليَمينِه سَببٌ، فدَلالةُ الحالِ تُوجبُ قَصرَ يَمينِه على ذلك السَّببِ، وذلك كلُّ يَمينٍ خرَجَتْ جَوابًا لكَلامٍ أو بِناءً على أَمرٍ فتَتقيَّدُ به بدَلالةِ الحالِ، نحوَ: أنْ تَتهيَّأَ المَرأةُ للخُروجِ، فقالَ: «إنْ خرَجْتِ فأَنتِ طالِقٌ»، فقعَدَتْ ساعةً ثم خرَجَتْ لا تَطلُقُ.
стр. 14355
وكذا إذا قالَ له: «تَغدَّ معي»، فقالَ: «واللَّهِ لا أَتغدَّى معك، وإنْ تغَدَّيتُ فعَبدِي حرٌّ» فلَم يَتغَدَّ معَه وذهَبَ إلى بيتِه وتَغدَّى فإنَّه لا يَحنَثُ في هذه الوُجوهِ كلِّها (١).
مُقتضَياتُ البرِّ والحِنثِ في اليَمينِ:
مُقتضَياتُ البِرِّ والحِنثِ في اليَمينِ أَربعةُ أُمورٍ:
الأولُ: النِّيةُ، والثانِي: البِساطُ، والثالِثُ: العُرفُ القَوليُّ، والرَّابعُ: المَقصدُ الشَّرعيُّ.
الأصلُ في الأَيمانِ أنْ تَكونَ على نِيةِ الحالِفِ إلا أنَّ الفُقهاءَ مُختلِفونَ فيما لو لَم تَكنْ له نِيةٌ هل يَرجعُ إلى البِساطِ وهو السَّببُ المُهيجُ لليَمينِ فإن لَم يَكنْ فيَرجعُ للعُرفِ أو للشَّرعِ أو للُّغةِ أم أنَّه إذا لَم تَكنْ هناك نِيةٌ يَرجعُ في ذلك إلى العُرفِ ولا عِبرةَ بالبِساطِ؟ على اختِلافٍ بينَهم في هذا، وبَيانُ ذلك فيما يَلي:
الأولُ: النِّيةُ:
الأصلُ أنَّ النِّيةُ تُخصِّصُ العامَ وتُقيِّدُ المُطلَقَ وتُبيِّنُ المُجمَلَ إذا صلَحَ اللَّفظُ لها، ومَعنى كَونِ اللَّفظِ صالِحًا لها ألَّا يَكونَ اللَّفظُ صَريحًا فيما نَواهُ الحالِفُ، فإذا قالَ: نَويتُ به كذا عمِلَ بنِيتِه؛ فإذا حلَفَ «لا أَلبَسُ الجَونَ»: يُطلَقُ على الأَبيضِ والأَسودِ، وقالَ: «أَردْتُ الأَبيضَ» كانَ له لُبسُ الأَسودِ.
وعلى هذا إذا حلَفَ لا يَأكلُ لَحمًا ولا فَاكهةً ويُريدُ باللَّحمِ لَحمًا بعَينِه وبالفَاكهةِ فَاكهةً بعَينِها فيَقبلُ منه في الفَتوى اتِّفاقًا.
стр. 14356
وكذا لو حلَفَ على فِعلِ شيءٍ أو على تَركِه في وَقتٍ مُعيَّنٍ مثلَ أنْ يَحلفَ لا يَتغدَّى ويُريدُ اليومَ أو «لا أَكلتُ» ويُريدُ الساعةَ أو «تَغدَّ معي» فقالَ: «واللهِ لا أَتغدَّى معك» وقالَ: «نَويتُ اليومَ» فإنَّه يُقبلُ منه واختَصتْ يَمينُه بما نَواه.
وكذا لو قصَدَ مَعنًى عامًا وعبَّرَ عنه بلَفظٍ خاصٍّ كالحالفِ لا «أَشربُ لفُلانٍ ماءً» أو «لا أَلبسُ ثوبًا مِنْ غَزلِ امرَأتِه» بقَصدِ قَطعِ المنِّ بأنْ يَقطعَ كلَّ ما فيه مِنةٌ فإنَّه يَحنثُ بكلِّ ما يَنتفِعُ به منهما؛ لأنَّه نَوى بيَمينِه ما يَحتمِلُه ويَسوغُ به في اللُّغةِ التَّعبيرُ به فتَنصرِفُ يَمينُه إليه كالمَعاريضِ.
وكذا لو حلَفَ لا يَأوي معَ زَوجتِه في دارٍ سَماها يُريدُ جَفاءَها فيعم جَميعَ الدُّورِ (١).
قالَ المالِكيةُ: إنَّ النِّيةَ لا تَخلُو مِنْ ثَلاثةِ أَحوالٍ:
١ - إما أنْ تَكونَ النِّيةُ مُساوِيةً لظاهِرِ اللَّفظِ، أيْ تَحتمِلُ إِرادةَ ظاهِرِ اللَّفظِ، وتَحتمِلُ إِرادتَها على السَّواءِ بِلا تَرجيحٍ لأَحدِهما على الآخَرِ. فيَصدقُ مُطلقًا في اليَمينِ باللهِ وَغيرِهَا مِنْ التَّعاليقِ في الفَتوَى والقَضاءِ، كحَلفِهِ لزَوجتِه إنْ تَزوَّجَ في حَياتِها فالتي يَتزوَّجُها طالِقٌ فتَزوَّجَ بعدَ طَلاقِها وقالَ: «نَويْتُ حَياتَها في عِصمَتي وهي الآنَ ليسَتْ في عِصمَتي»، ومِن ذلك
стр. 14357
ما لو حلَفَ بما ذُكرَ أو باللهِ «لا آكُلُ لَحمًا» فأكَلَ لَحمَ طَيرٍ، وقالَ: «أَردْتُ غيرَ الطَّيرِ» فيُصدَّقُ مُطلقًا لمُساواةِ إِرادَةِ نيَّتِه لظاهِرِ لَفظِه.
٢ - وإما أنْ تَكونَ إِرادةُ ظاهِرِ اللَّفظِ أَقرَبَ في الاستِعمالِ مِنْ إِرادةِ النِّيةِ المُخالِفةِ لظاهِرِه؛ قُبلَتْ دَعواهُ النِّيةُ مُطلَقًا في اليَمينِ باللهِ وغيرِه، إلا في أَمرَينِ: الطَّلاقُ، والعِتقُ المُعيَّنُ في القَضاءِ: أيْ فيما إذا رُفعَ للقاضِي وأُقيمَتْ عليه البيِّنةُ أو أَقرَّ، فلا يُقبلُ ويَتعيَّنُ الحُكمُ عليه بوُقوعِ الطَّلاقِ والعِتقِ لذلك العَبدِ.
فإذا حلَفَ «لَا آكُلُ لَحمًا» أو «لا آكُلُ سَمنًا» فأكَلَ لَحمَ الضَّأنِ وسَمنَ البَقرِ، فإذا رُفعَ للقَاضِي فقالَ: «نَويتُ لا آكُلُ لَحمَ بَقرٍ وأَنا قد أكَلتُ لَحمَ ضَأنٍ»، أو «نَويْتُ لا آكُلُ سَمنَ ضَأنٍ وأَنا قد أكَلتُ سَمنَ بَقرٍ»، فلا يُقبَلُ. ويُقبَلُ في الفَتوى مُطلَقًا في الطَّلاقِ والعِتقِ وفي غيرِهما؛ لأنَّها قَريبَةٌ مِنْ المُساواةِ، وكذا «لا أُكلِّمُه» أو «لا أَدخلُ دارَه» ثم فعَلَ المَحلوفَ عليه وقالَ: «نوَيتُ لا أُكلِّمُه في شَهرٍ أو في المَسجدِ»، أو حلَفَ لَا يَبيعُه أو لا يَضرِبُه، فباعَه له الوَكيلُ أو ضرَبَه، وقالَ: «نَويْتُ ألا أَبيعَه بنَفسِي أو لا أَضرِبَه بنَفسيِ» فيُقبَلُ في الفَتوى لقُربِ هذه النِّيةِ وإنْ لَم تُساوِ، ولا يُقبَلُ في القَضاءِ في طَلاقٍ ولا عِتقِ مُعيَّنٍ فقَط، يَعني أنَّ النِّيةَ المُخالِفةَ لظاهِرِ لَفظِه القَريبَةَ مِنْ التَّساوِي تُقبَلُ ممَّن ادَّعاها في الفَتوى مُطلَقًا وفي القَضاءِ إذا كانَت يَمينُه بغيرِ الطَّلاقِ والعِتقِ المُعيَّنِ أو بهما وجاءَ مُستَفتيًا وأما إنْ كانَت يَمينُه بهما ورُفعَ للحاكِمِ معَ بَينَةٍ أو إِقرارٍ فلا تُقبَلُ نِيتُه المُخالِفةُ لظاهِرِ اللَّفظِ.
стр. 14358
وأما غيرُ المُعيَّنِ فتُقبَلُ نيَّتُه في تَعيينِه وهذا إنَّما يَتأتَّى فيما إذا كانَت له عَبيدٌ.
٣ - وإما أنْ تَكونَ إِرادةُ النِّيةِ بَعيدةً عن ظَاهرِ اللَّفظِ شَأنُها عَدمُ القَصدِ فلا تُقبلُ مُطلَقًا لا في الفَتوى ولا القَضاءِ في طَلاقٍ أو عِتقٍ أو غيرِهما؛ كإِرادةِ زَوجةٍ مَيتةٍ في حَلفِه: «إنْ دخَلتُ دارَ زَيدٍ -مَثلًا- فزَوجَتُه طالِقٌ»، فلمَّا دخَلَ قالَ: «نوَيتُ زَوجَتِي المَيتةَ»، فلَا يُقبَلُ منه ذلك لبُعدِ نِيتِه عن المُساواةِ بُعدًا بَينًا لظُهورِ أنَّ الطَّلاقَ أو الحُريَّةَ لا يُقصدُ بهما المَيتُ.
أو إِرادةُ كَذبٍ في حَلفِهِ بأنْ قالَ لزَوجتِه: «أنتِ حَرامٌ»، فلمَّا وقَعَ المَحلوفُ عليه قالَ: «أَرَدتُ أنَّ كَذبَها حَرامٌ لا هي نَفسُها»، فلا يُصدَّقُ مُطلَقًا في شيءٍ مِنْ هذا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسأَلةٌ: قالَ أَبو القاسمِ ﵀ تَعالى: (ويُرجَعُ في الأَيمانِ إلى النِّيةِ).
وجُملةُ ذلك أنَّ مَبنى اليَمينِ على نِيةِ الحالفِ فإذا نَوى بيَمينِه ما يَحتَلمُه انصَرفَت يَمينُه إليه سَواءٌ كانَ ما نَواه مُوافقًا لظاهرِ اللَّفظِ أو مُخالفًا له فالمُوافقُ للظَّاهرِ أنْ يَنويَ باللَّفظِ مَوضوعَه الأَصليَّ مثلَ أنْ يَنويَ باللَّفظِ العامِّ العُمومَ وبالمُطلَقِ الإِطلاقَ وبسائرِ الأَلفاظِ ما يَتبادرُ إلى الأَفهامِ منها والمُخالفَ يَتنوعُ أَنواعًا:
стр. 14359
أَحدُها: أنْ يَنويَ بالعامِّ الخاصَّ: مثلَ أنْ يَحلفَ لا يَأكلُ لَحمًا ولا فَاكهةً ويُريدُ لَحمًا بعَينِه وفَاكهةً بعَينِها.
ومنها: أنْ يَحلفَ على فِعلِ شيءٍ أو تَركِه مُطلقًا ويَنويَ فِعلَه أو تَركَه في وقتٍ بعينِه مثلَ أنْ يَحلفَ «لا أَتغدَّى يَعني اليومَ أو آكُلنَّ يَعني الساعةَ».
ومنها: أنْ يَنويَ بيَمينِه غيرَ ما يَفهمُه السامِعُ منه كما ذكَرْنا في المَعاريضِ في مَسأَلةِ إذا تَأوَّلَ في يَمينِه فله تَأويلُه.
ومنها: أنْ يُريدَ بالخاصِّ العامَّ مثلَ أنْ يَحلفَ «لا شرِبتُ لفُلانٍ الماءَ مِنْ العَطشِ» يَنوي قطعَ كلِّ ما له فيه مِنةٌ أو لا يَأوي معَ امرَأتِه في دارٍ يُريدُ جَفاءَها بتَركِ اجتِماعِها معَه في جَميعِ الدُّورِ أو حلَفَ لا يَلبسُ ثوبًا من غَزلِها يُريدُ قَطعَ مِنتِها به فيَتعلَّقُ يَمينُه بالانتِفاعِ به أو بثَمنِه مما له فيه مِنةٌ عليه وبهذا قالَ مالكٌ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: لا عِبرةَ بالنِّيةِ والسَّببِ فيما يُخالِفُ لَفظَه؛ لأنَّ الحِنثَ مُخالَفةُ ما عُقدَ عليه اليَمينُ واليَمينُ لفظه، فلو أَحنَثْناه على ما سِواه لأَحنَثْناه على ما نَوى لا على ما حلَفَ ولأنَّ النِّيةَ بمُجردِها لا تَنعقِدُ بها اليَمينُ فكذلك لا يَحنَثُ بمُخالَفتِها.
ولنا: إنَّه نَوى بكَلامِه ما يَحتَملُه ويَسوغُ في اللُّغةِ التَّعبيرُ به عنه فيَنصرفُ يَمينُه إليه كالمَعاريضِ، وبَيانُ احتِمالِ اللَّفظِ أنَّه يَسوغُ في كَلامِ العَربِ التَّعبيرُ بالخاصِّ عن العامِّ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾ [النساء: ٤٩]، ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ [النساء: ٥٣].
стр. 14360
والقِطميرُ لُفافةُ النَّواةِ والفَتيلُ ما في شقِّها والنَّقيرُ النّقرةُ التي في ظَهرِها ولَم يَردْ ذلك بعينِه بل نَفى كلَّ شيءٍ، وقالَ الحُطيئةُ يَهجو بَني العِجلانِ:
ولا يَظلِمونَ الناسَ حبةَ خَردلِ
ولَم يُردِ الحَبةَ بعينِها إنَّما أَرادَ: لا يَظلِمونَهم شَيئًا، وقد يُذكَرُ العامُّ ويُرادُ به الخاصُّ كقولِه تَعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] يَعنِي رَجلًا واحدًا، ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] يَعني أَبا سُفيانَ، وقالَ تَعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ولَم يُردِ السَّماءَ والأَرضَ ولا مَساكِنَهم، وإذا احتَملَه اللَّفظُ وجَبَ صَرفُ اليَمينِ إليه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما لامرِئٍ ما نَوى» (١)، ولأنَّ كَلامَ الشارعِ يُحمَلُ على مُرادِه إذا ثبَتَ ذلك بالدَّليلِ فكذلك كَلامُ غيرِه، وقولُهم إنَّ الحِنثَ مُخالَفةُ ما عُقدَ عليه اليَمينُ، قُلنا: وهذا كذلك؛ فإنَّما انعَقدَت عليه اليَمينُ على ما نَواه ولفظُه مَصروفٌ إليه وليسَت هذه نِيةً مُجرَّدةً بل لَفظٌ مَنويٌّ به ما يَحتَملُه (٢).
العِبرةُ بنِيةِ المُستَحلفِ:
أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ النِّيةَ تُعتبَرُ في التَّخصيصِ أو التَّقييدِ إذا لَم يَستَحلفِ الحالِفُ في حقِّ عليه لغيرِه فإنِ استَحلَفَ في حقٍّ فالعِبرةُ بنِيةِ المُحلِّفِ.
سَواءٌ كانَ مالِيًّا -كدَينٍ وسَرقةٍ- أم لا، فمَن حلَّفَه المُدعِي أنَّه ليسَ له عليه دَينٌ، أو: لقد وفَّاه وأنَّه ما سرَقَ أو ما غُصبَ فحلَفَ، وقالَ: «نوَيتُ مِنْ
стр. 14361
بَيعٍ أو مِنْ قَرضٍ أو مِنْ عَرضٍ والذي عَليَّ بخِلافِ ذلك لَم يُفدِه» ولزِمَه اليَمينُ باللهِ وبغيرِه، أو حلَفَ «ما سرَقتُ» وقالَ: «نوَيتُ مِنْ الصُّندوقِ وسَرقتِي كانَت مِنْ الخِزانةِ»، أو نحوِ ذلك لَم يُفدهُ.
وَكذا لو شرَطَتْ عليه الزَّوجةُ عندَ العَقدِ ألا يُخرِجَها مِنْ بَلدِها أو لا يَتزوَّجُ عليها، وحَلَّفتْه على أنَّه إن تَزوَّجَ عليها أو أَخرَجَها فالتي يَتزوَّجُها طالِقٌ أو فأَمرُها بيدِها، فحلَفَ ثم فعَلَ المَحلوفُ عليه وادَّعى نِيةَ شيءٍ لَم تُفدهُ؛ لأنَّ اليَمينَ بنِيةِ المُحلِّفِ؛ لأنَّه اعْتاضَ هذا اليَمينَ مِنْ حقِّه- أَيْ كانَت هذه اليَمينُ عِوضًا عن حقَّه- فصارَت العِبرةُ بنِيتِه دونَ الحالِفِ.
والدَّليلُ عليه ما رَواه مُسلمٌ عن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «يَمينُكَ على ما يُصدِّقُكَ عليه أو به صاحِبُكَ» (١).
وعن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «اليَمينُ على نِيةِ المُستحلِفِ» (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وهذا الحَديثُ مَحمولٌ على الحَلفِ باستِحلافِ القاضِي، فإذا ادَّعى رَجلٌ على رَجلٍ حقًّا فحلَّفَه القاضِي فحلَفَ وورَّى فنَوى غيرَ ما نَوى القاضِي انعَقدَت يَمينُه على ما نَواه القاضِي ولا تَنفعُه التَّوريةُ، وهذا مُجمَعٌ عليه ودَليلُه هذا الحَديثُ والإِجماعُ، فأما إذا حلَفَ بغيرِ استِحلافِ القاضِي وورَّى تَنفعُه التَّوريةُ ولا يَحنَثُ سَواءٌ حلَفَ
стр. 14362
ابتِداءً مِنْ غيرِ تَحليفٍ أو حلَّفَه غيرُ القاضِي وغيرُ نائبِه في ذلك ولا اعتِبارَ بنِيةِ المُستَحلفِ غيرَ القاضِي وحاصِلُه أنَّ اليَمينَ على نِيةِ الحالِفِ في كلِّ الأَحوالِ إلا إذا استَحلَفَه القاضِي أو نائبُه في دَعوَى تَوجَّهت عليه فتَكونُ على نِيةِ المُستَحلفِ وهو مُرادُ الحَديثِ، أما إذا حلَفَ عندَ القاضِي مِنْ غيرِ استِحلافِ القاضِي في دَعوى فالاعتِبارُ بنِيةِ الحالِفِ وسَواءٌ في هذا كلِّه اليَمينُ باللهِ تَعالى أو بالطَّلاقِ والعِتاقِ إلا أنَّه إذا حلَّفَه القاضِي بالطَّلاقِ أو بالعِتاقِ تَنفعُه التَّوريةُ ويَكونُ الاعتِبارُ بنِيةِ الحالفِ؛ لأنَّ القاضِي ليسَ له التَّحليفُ بالطَّلاقِ والعِتاقِ، وإنَّما يَستَحلفُ باللهِ تَعالى.
واعلَمْ أنَّ التَّوريةَ وإنْ كانَ لا يَحنَثُ بها فلا يَجوزُ فِعلُها حيثُ يَبطُلُ بها حقُّ مُستَحقٍّ، وهذا مُجمعٌ عليه هذا تَفصيلُ مَذهبِ الشافِعيِّ وأَصحابِه ونَقلَ القاضِي عِياضٌ عن مالكٍ وأَصحابِه في ذلك اختِلافًا وتَفصيلًا فقالَ: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ الحالِفَ مِنْ غيرِ استِحلافٍ ومِن غيرِ تَعلقِ حقٍّ بيَمينِه له نِيتُه ويُقبلُ قولُه، وأما إذا حلَفَ لغيرِه في حقٍّ أو وَثيقةٍ مُتبَرعًا أو بقَضاءٍ عليه فلا خِلافَ أنَّه يُحكَمُ عليه بظاهِرِ يَمينِه سَواءٌ حلَفَ مُتبَرعًا باليَمينِ أو باستِحلافٍ، وأما فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى فقيلَ: اليَمينُ على نِيةِ المَحلوفِ له، وقيلَ: على نِيةِ الحالفِ، وقيلَ: إنْ كانَ مُستَحلفًا فعلى نِيةِ المَحلوفِ له، وإنْ كانَ مُتبَرعًا باليَمينِ فعلى نِيةِ الحالفِ، وهذا قَولُ عبدِ المَلكِ وسحنُونٍ وهو ظاهرُ قولِ مالكٍ وابنِ القاسمِ، وقيلَ عكسُه وهي رِوايةُ يَحيى عن ابنِ القاسمِ، وقيلَ: تَنفعُه نِيتُه فيما لا يَقضِي به عليه ويَفتَرقُ التبَرعُ وغيرُه فيما يَقضِي به عليه وهذا مَرويٌ عن ابنِ القاسمِ أيضًا، وحُكي
стр. 14363
عن مالكٍ أنَّ ما كانَ مِنْ ذلك على وَجهِ المَكرِ والخَديعةِ فهو فيه آثمٌ حانِثٌ وما كان على وَجهِ العُذرِ فلا بأسَ به، وقالَ ابنُ حَبيبٍ عن مالكٍ: ما كانَ على وَجهِ المَكرِ والخَديعةِ فله نَيتُه وما كانَ في حقٍّ فهو على نِيةِ المَحلوفِ له، قالَ القاضِي: ولا خِلافَ في إِثمِ الحالِفِ بما يَقعُ به حقُّ غيرِه وإنْ ورَّى، واللهُ أَعلمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رشدٍ ﵀: اتَّفَقوا على أنَّ اليَمينَ على نِيةِ المُستَحلفِ في الدَّعاوَى واختلَفُوا في غيرِ ذلك مثلَ الأَيمانِ على المَواعيدِ فقالَ قومٌ: على نِيةِ الحالفِ وقالَ قومٌ: على نِيةِ المُستَحلفِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيٌّ ﵀: إذا صرَّحَ بالقَولِ في اليَمينِ لم يَنفعْه ما نَوى إذا أَضمَرَ مِنْ مَعنى اليَمينِ خِلافَ الظاهرِ منها؛ لقولِ النَّبيِّ: «يَمينُك على ما يَصدقُك عليه صاحِبُك» وهو حَديثٌ صَحيحٌ ومَعنى قَويمٌ مُتَّفقٌ عليه (٣).
وقالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ونَظيرُ هذا أنْ يَتأولَ الحالِفُ في يَمينِه إذا استَحلفَه الحاكمُ لفَصلِ الخُصومةِ، فإنَّ يَمينَك على ما يَصدقُكَ به صاحِبُك، والنِّيةُ للمُستَحلفِ في مثلِ هذا باتِّفاقِ المُسلِمينَ، ولا يَنفعُه التَّأويلُ وِفاقًا، وكذلك لو تَأوَّلَ مِنْ غيرِ حاجةٍ لَم يَجزْ عندَ الأَكثرِ مِنْ العُلماءِ (٤).
стр. 14364
وهذا في غيرِ المَظلومِ فأما المَظلومُ فقد جاءَ في «المغني» لابنِ قُدامةَ ﵀: مَسأَلةٌ: قالَ: (وإذا حلَفَ فتَأوَّلَ في يَمينِه فله تَأويلُه إذا كانَ مَظلومًا، وإنْ كانَ ظالمًا لَم يَنفعْه تَأويلُه؛ لِما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «يَمينُك على ما يَصدُقُك به صاحِبُك».
مَعنى التَّأويلِ: أنْ يَقصدَ بكَلامِه مُحتَملًا يُخالِفُ ظاهِرَه نحوَ أنْ يَحلِفَ «إنَّه أَخي» يَقصدُ أُخوةَ الإِسلامِ أو المُشابَهةَ أو يَعنِي بالسِّقفِ والبِناءِ السَّماءَ وبالبِساطِ والفِراشِ الأرضَ وبالأَوتادِ الجِبالَ وباللِّباسِ اللَّيلَ أو يَقولُ: «ما رَأيتُ فُلانًا» يَعني: ما ضَربتُ رئتَه، و «لا ذَكرتُه» يُريدُ: ما قَطعْتُ ذكَرَه، أو يَقولُ: «جَواري أَحرارٌ» يَعني: سُفنُه، و «نِسائي طَوالقُ» يَعني: نِساءَ الأَقاربِ منه، أو يَقولُ: «ما كاتَبتُ فُلانًا ولا عرَّفتُه ولا أَعلَمتُه ولا سأَلتُه حاجةً ولا أَكلْتُ له دَجاجةً ولا فَروجةً ولا شَربتُ له ماءً ولا في بَيتِي فُرشٌ ولا حَصيرٌ ولا بارِيةٌ» ويَنوي بالمُكاتَبةِ مُكاتَبةَ الرَّقيقِ وبالتَّعريفِ جَعلَه عَريفًا وبالإِعلامِ جَعلَه أَعلمَ الشَّفةِ والحاجةُ شَجرةٌ صَغيرةٌ والدَّجاجةُ الكَثةُ مِنْ الغَزلِ والفَروجةُ الدّراعةُ والفُرشُ صِغارُ الإِبلِ والحَصيرُ والحبسُ والبارِيةُ السِّكينُ التي يُبْرَى بها أو يَقولُ: «ما لفُلانٍ عِندي وَديعةٌ ولا شيءٌ» يَعني: ب «ما» الذي أو يَقولُ ما فُلانٌ ها هنا ويَعني مَوضعًا بعينِه أو يَقولُ: «واللهِ ما أَكلتُ مِنْ هذا شَيئًا ولا أَخذتُ منه» يَعني: الباقِي بعدَ أَخذِه وأَكلِه، فهذا وأَشباهُه مما يَسبقُ إلى فَهمِ السامِعِ خِلافَه إذا عَناه بيَمينِه فهو تَأويلٌ لأنَّه خِلافُ الظاهرِ.
ولا يَخلو حالَ الحالِفِ المُتأَولِ مِنْ ثَلاثةِ أَحوالٍ:
стр. 14365
أَحدُها: أنْ يَكونَ مَظلومًا مثلَ مَنْ يَستَحلفُه ظالمٌ على شيءٍ لو صدَّقَه لظُلمِه أو ظُلمِ غيرِه أو نالَ مُسلمًا منه ضَررٌ فهذا له تَأويلُه، قالَ مُهنا: سأَلتُ أَحمدَ عن رَجلٍ له امرَأتانِ اسمُ كلِّ واحِدةٍ منهما فاطمةُ فماتَت واحِدةٌ منهما فحلَفَ بطَلاقِ فاطمةَ ونَوى التي ماتَت قالَ: إنْ كانَ المُستَحلفُ له ظالِمًا فالنِّيةُ نيةُ صاحبِ الطَّلاقِ وإنْ كانَ المُطلِّقُ هو الظالِمُ فالنِّيةُ نِيةُ الذي استَحلَفَ وقد رَوى أَبو داودَ بإِسنادِه عن سُويدِ بنِ حَنظلَةَ قالَ: خرَجْنا نُريدُ رَسولَ اللهِ ﷺ ومعَنا وائلُ بنُ حُجرٍ فأخَذَه عَدوٌ له فتَحرَّجَ القَومُ أنْ يَحلِفوا فحلَفتُ أنَّه أَخي فخَلَّى سَبيلَه فأَتينَا رَسولَ اللهِ ﷺ فذكَرْتُ ذلك له فقالَ: أنتَ أَبرُّهم وأَصدَقُهم، المُسلمُ أَخو المُسلمِ. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ في المَعاريضِ لَمندوحةٌ عن الكَذبِ» يَعني: سَعةَ المَعاريضِ التي يُوهِمُ بها السامِعَ غيرَ ما عَناه.
قالَ مُحمدُ بنُ سِيرينَ: الكَلامُ أَوسعُ مِنْ أنْ يَكذبَ ظَريفٌ، يَعني لا يَحتاجُ أنْ يَكذبَ لكَثرةِ المَعاريضِ، وخصَّ الظَّريفَ بذلك يعني به الكَيسَ الفَطنَ فإنَّه يَفطنُ للتَّأويلِ فلا حاجةَ به إلى الكَذبِ.
الحالُ الثانِي: أن يَكونَ الحالِفُ ظالِمًا كالذي يَستَحلفُه الحاكمُ على حقٍّ عندَه فهذا يَنصرِفُ يَمينُه إلى ظاهرِ اللَّفظِ الذي عَناه المُستَحلفُ ولا يَنفعُ الحالِفَ تَأويلُه وبهذا قالَ الشافِعيُّ ولا نَعلمُ فيه مُخالفًا، فإنَّ أَبا هُريرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «يَمينُك على ما يَصدقُكُ به صاحِبُك» رَواه مُسلمٌ وأَبو داودَ وعن أَبي هُريرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «النِّيةُ على نِيةِ المُستَحلفِ» رَواه مُسلمٌ، وقالَت عائشةُ: «اليَمينُ على ما وقَعَ
стр. 14366
للمَحلوفِ له»، ولأنَّه لو ساغَ التَّأويلُ لبطَلَ المَعنى المُبتَغى باليَمينِ؛ إذ مَقصودُها تَخويفُ الحالِفِ ليَرتَدعَ عن الجُحودِ خوفًا مِنْ عاقِبةِ اليَمينِ الكاذِبةِ، فمتى ساغَ التَّأويلُ له انتَفى ذلك وصارَ التَّأويلُ وَسيلةً إلى جَحدِ الحُقوقِ ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا.
قالَ إِبراهيمُ في رَجلٍ استَحلَفَه السُّلطانُ بالطَّلاقِ على شيءٍ فورَّى في يَمينِه إلى شيءٍ آخرَ أَجزَأَ عنه وإنْ كانَ ظالِمًا لَم تُجزئْ عنه التَّوريةُ.
الحالُ الثالِثُ: لَم يَكنْ ظالِمًا ولا مَظلومًا فظاهِرُ كَلامِ أَحمدَ أنَّ له تَأويلٌ فرُويَ أنَّ مُهنا كانَ عندَه هو والمَروذيُّ وجَماعةٌ فجاءَ رَجلٌ يَطلبُ المَروذيَّ ولَم يُردِ المَروذيُّ أنْ يُكلمَه فوضَعَ مُهنا أُصبَعَه في كفِّه وقالَ ليسَ المَروذيُّ ها هنا وما يَصنعُ المَروذيُّ ها هنا، يُريدُ ليسَ هو في كفِّه ولَم يُنكرْ ذلك أَبو عبدِ اللهِ ورُويَ أنَّ مُهنا قالَ له: إنِّي أُريدُ الخُروجَ يَعني السَّفرَ إلى بَلدِ وأُحبُّ أنْ تُسمِعَني الجُزءَ الفُلانِيَّ فأَسمَعَه إِياه ثم رآهُ بعدَ ذلك فقالَ: ألَم تَقلْ إنَّك تُريدُ الخُروجَ؟ فقالَ له مُهنا: قلتُ لك إنِّي أُريدُ الخُروجَ الآنَ فلَم يُنكرْ عليه وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا.
رَوى سَعيدٌ عن جَريرٍ عن المُغيرةِ قالَ: كانَ إذا طلَبَ إِنسانٌ إِبراهيمَ ولَم يُردْ إِبراهيمُ أنْ يَلقاه خرَجَت إليه الخادِمةُ وقالَت: اطلُبوه في المَسجدِ، وقالَ له رَجلٌ: إنِّي ذَكرتُ رَجلًا بشيءٍ فكيفَ لي أنْ أَعتذِرَ إليه؟ فقالَ: قلْ له: واللهِ إنَّ اللهَ يَعلمُ ما قلتُ مِنْ ذلك من شيءٍ، وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يَمزحُ ولا يَقولُ إلا حقًّا ومِزاحُه أنْ يُوهِمَ السامِعُ بكَلامِه غيرَ ما عَناه وهو التَّأويلُ، وقالَ لعَجوزٍ: «لا تَدخلُ الجَنةَ عَجوزٌ» يَعني أنَّ اللهَ يُنشِئهنَّ أَبكارًا عُربًا أَترابًا.
стр. 14367
وقالَ أَنسٌ: «إنَّ رَجلًا جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، احمِلني فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّا حامِلوكَ على ولدِ الناقةِ»، قالَ: وما أَصنعُ بوَلدِ الناقةِ؟ قالَ: «وهل تَلدُ الإِبلَ إلا النوقُ» رَواه أَبو داودَ.
وقالَ لامرَأةٍ وقد ذكَرَت له زَوجَها: «أهو الذي في عينِه بَياضٌ؟ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنه لصَحيحُ العينِ» وأَرادَ النَّبيُّ ﷺ البياضَ الذي حولَ الحدقِ.
وقالَ لرَجلٍ احتَضنَه مِنْ ورائِه: «مَنْ يَشتَري هذا العبدَ؟ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، تَجدُني إذا كاسدًا، قالَ: لكنَّك عندَ اللهِ لستَ بكاسدٍ» وهذا كلُّه مِنْ التَّأويلِ والمَعاريضِ، وقد سَماهُ النَّبيُّ ﷺ حقًّا فقالَ: «لا أَقولُ إلا حقًّا».
ورُويَ عن شُريحٍ أنَّه خرَجَ مِنْ عندَ زِيادٍ وقد حضَرَه المَوتُ فقيلَ له: كيفَ ترَكْتَ الأَميرَ؟ قالَ: ترَكتُه يَأمرُ ويَنهي فلمَّا ماتَ قيلَ له: كيفَ قلتَ ذلك؟ قالَ: ترَكتُه يَأمرُ بالصبْرِ ويَنهى عن البُكاءِ والجَزعِ.
ويُروَى عن شَقيقٍ أنَّ رَجلًا خطَبَ امرَأةً وتحتَه أُخرى فقالوا: لا نُزوجُك حتى تُطلِّقَ امرَأتَكَ فقالَ: اشهَدُوا أنِّي قد طلَّقتُ ثَلاثًا فزَّوجوه فأَقامَ على امرَأتِه فقالوا: قد طلَّقتَ ثَلاثًا قالَ: ألَم تَعلَموا أنَّه كانَ لي ثَلاثُ نِسوةٍ فطَلقْتُهنَّ؟ قالوا: بلى، قالَ: قد طلَّقتُ ثَلاثًا، فقالوا: ما هذا أَردنَا، فذكَرَ ذلك شَقيقٌ لعُثمانَ فجعَلَها نِيتَه.
ورُويَ عن الشَّعبيِّ أنَّه كانَ في مَجلسٍ فنظَرَ إليه رَجلٌ ظنَّ أنَّه طلَبَ منه التَّعريفَ به والثَّناءَ عليه فقالَ الشَّعبيُّ: إن له بيتًا وشَرفًا فقيلَ للشَّعبيِّ بعدما
стр. 14368
ذهَبَ الرَّجلُ: تَعرفُه؟ قالَ: لا، ولكنَّه نظَرَ إليَّ، قيلَ: فكيفَ أَثنيتَ عليه؟ قالَ: شَرفُه أُذناه وبيتُه الذي يَسكنُه.
ورُويَ أنَّ رَجلًا أخَذَ على شَرابٍ فقيلَ له: من أنتَ؟ فقالَ:
أنا ابنُ الذي لا يَنْزِلُ الدَّهرَ قِدرُه وإنْ نزَلَتْ يومًا فسَوفَ تَعودُ
تَرى الناسَ أَفواجًا على بابِ دارِه فمِنهُم قِيامٌ حولَها وقُعودُ
فظَنُّوه شَريفًا فخَلَّوا سَبيلَه فإذا هو ابنُ الباقِلانِيِّ.
وأخَذَ الخَوارجُ رافِضيًّا فقالوا له: تبَرَّأْ مِنْ عُثمانَ وعليٍّ فقالَ: أنا مِنْ عليٍّ ومِن عُثمانَ بريءٌ، فهذا وشِبهُه هو التَّأويلُ الذي لا يُعذرُ به الظالِمُ ويَسوغُ لغيرِه مَظلومًا كانَ أو غيرَ مَظلومٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَقول ذلك في المِزاحِ مِنْ غيرِ حاجةٍ به إليه) (١).
الثانِي: البِساطُ:
هو السَّببُ الحامِلُ على اليَمينِ،؛ إذ هو مَظِنةُ النِّيةِ فليسَ هو انتِقالًا عن النِّيةِ بل هو نِيةٌ ضِمنًا وهذا عُدمَت نِيةُ المُستَحلفِ المُحقِّ ونِيةُ الحالفِ وكانَت اليَمينُ عامَّةً أو مُطلَقةً في الظاهِرِ لكنْ كانَ سببُها الذي أَثارَها أو هيَّجَها خاصًّا أو مُقيدًا كانَ ذلك مُقتَضيًا تَخصيصَ اليَمينِ أو تَقييدَها.
وهذا يُسمَّى عندَ المالِكيةِ بِساطَ اليَمينِ أي السَّببَ الحاملَ على اليَمينِ، وعندَ الحَنابِلةِ يُسمونَه السَّببَ المُهيِّجَ لليَمينِ، وعندَ الحَنفيةِ يُعبِّرونَ عنه بيَمينِ الفَورِ، وبَيانُ ذلك فيما يَلي:
стр. 14369
قالَ الحَنفيةُ: اليَمينُ المُؤبَّدةُ لَفظًا والمُؤقتَّةُ دِلالةً تُسمَّى يَمينَ الفَورِ، وهو أنْ يَكونَ ليَمينِه سَببٌ، فدَلالةُ الحالِ تُوجِبُ قَصرَ يَمينِه على ذلك السَّببِ، وذلك كلُّ يَمينٍ خرَجَتْ جَوابًا لكَلامٍ أو بِناءً على أَمرٍ فتَتقيَّدُ به بدَلالةِ الحالِ، نحوَ أنْ تَتهيَّأَ المَرأةُ للخُروجِ، فقالَ: «إنْ خرَجْتِ فأنتِ طالِقٌ»، فقعَدَتْ ساعَةً ثم خرَجَتْ لا تَطلُقُ.
وكذا إذا قالَ له: «تَغدَّ معي»، فقالَ: «واللَّهِ لا أتَغدَّى معَك، وإنْ تغدَّيْتُ فعَبدِي حرٌّ» فلَم يتَغدَّ معَه وذهَبَ إلى بَيتِه وتَغدَّى فإنَّه لا يَحنَثُ في هذه الوُجوهِ كلِّها.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأما المُوقتُ دِلالةً فهو المُسمَّى يَمينَ الفَورِ وأَولُ مَنْ اهتَدى إلى جَوابِها أَبو حَنيفةَ، ثم كلُّ مَنْ سمِعَه استَحسنَه وما رآهُ المُؤمِنونَ حَسنًا فهو عندَ اللهِ حَسنٌ، وهو أنْ يَكونَ اليَمينُ مُطلقًا عن الوقتِ نصًّا ودِلالةُ الحالِ تَدلُ على تَقييدِ الشَّرطِ بالفَورِ بأنْ خرَجَ جَوابًا لكَلامٍ أو بِناءً على أَمرٍ نحوَ أنْ يَقولَ لآخرَ: «تَعالَ تَغدَّ معِي» فقالَ: «واللهِ لا أَتغَدَّى» فلَم يَتغَدَّ معَه ثم رجَعَ إلى مَنزلِهِ فتَغدَّى لا يَحنَثُ استِحسانًا، والقِياسُ أنْ يَحنَثَ وهو قولُ زُفرَ، وَجهُ القِياسِ أنَّه منَعَ نفسَه عن التَّغدِّي عامًا فصَرفُه إلى البعضِ دونَ البعضِ تَخصيصٌ للعُمومِ.
ولنا: أنَّ كَلامَه خرَجَ جَوابًا للسُّؤالِ فيَنصرِفُ إلى ما وقَعَ السُّؤالُ عنه، والسُّؤالُ وقَعَ عن الغِداءِ المَدعوِّ إليه فيَنصرِفُ الجَوابُ إليه كأنَّه أَعادَ السُّؤالَ وقالَ: «واللهِ لا أَتغَدَّى الغَداءَ الذي دَعوتَني إليه» وكذا إذا قامَت امرَأتُه لتَخرجَ مِنْ الدارِ فقالَ لها: «إنْ خَرجتِ فأنتِ طالقٌ» فقَعدَت ثم
стр. 14370
خرَجَت بعدَ ذلك لا يَحنَثُ استِحسانًا؛ لأنَّ دِلالةَ الحالِ تَدلُّ على التَّقييدِ بتلك الخَرجةِ كأنَّه قالَ: «إنْ خرَجتِ هذه الخَرجةَ فأنتِ طالقٌ».
ولو قالَ لها: إنْ خرَجتِ مِنْ هذه الدارِ على الفورِ أو في هذا اليومِ فأنتِ طالقٌ بطَلَ اعتِبارُ الفَورِ؛ لأنَّه ذكَرَ ما يَدلُ على أنَّه ما أَرادَ به الخَرجةَ المَقصودَ إليها وإنَّما أَرادَ الخُروجَ المُطلَقَ عن الدارِ في اليومِ حيثُ زادَ على قَدرِ الجَوابِ.
وعلى هذا يَخرجُ ما إذا قيلَ له: «إنكَ تَغتَسلُ اللَّيلةَ في هذه الدارِ مِنْ جَنابةٍ» فقالَ: «إنِ اغتَسلتُ فعبدِي حرٌّ» ثم اغتَسلَ لا عن جَنابةٍ ثم قالَ: «عَنيتُ به الاغتِسالَ عن جَنابةٍ» أنَّه يُصدَّقُ؛ لأنَّه أَخرَجَ الكَلامَ مَخرجَ الجَوابِ ولَم يَأتِ بما يَدلُّ على إِعراضِه عن الجَوابِ فيُقيدُ بالكَلامِ السابِقِ ويَجعَلُ كأنَّه إِعادةٌ (١).
وقالَ المالِكيةُ: فإنْ لَم يَكنْ للحالِفِ نِيةٌ أو كانَت ونسِيَ ضَبطَها فإنَّه يَنْظُرُ في ذلك إلى بِساطِ يَمينِه، وهو السَّببُ الحامِلُ على اليَمينِ فيَعمَلُ عليه مِنْ تَخصِيصِ أو تَقييدٍ كما يَعملُ على النِّيةِ مِنْ بِرٍّ أو حِنثٍ فيما يَنوِي فيه وغيرُه وليسَ بانتِقالٍ عن النِّيةِ في الحَقيقةِ إنَّما هو مَظِنةٌ لها وتَحويمٌ عليها بحَيثُ إذا تَذكَّرَها الحالِفُ وجَدَه مُناسِبًا لها؛ لأنَّه نِيةٌ حُكمِيةٌ مَحُفوفةٌ بالقَرائنِ، وضَابطُ صِحةِ تَقييدِ يَمينِه بقولِه: «ما دامَ هذا الشَّيءُ أيِ الحامِلُ على اليَمينِ مَوجودًا» كحَلفِه: «لا أَشتَرِي لَحمًا أو لا أَبيعُ في السُّوقِ لزَحمةٍ»
стр. 14371
أيْ: لأَجلِ وُجودِ زَحمةٍ، «أو وُجودِ ظَالمٍ» حمَلَه على الحَلفِ لصحَّةِ تَقييدِ يَمينِه بقولِه: «ما دامَتْ هذه الزَّحمةُ أَوِ الظَّالمُ مَوجودًا»، وكما لو كانَ خادِمُ المَسجدِ أو الحَمامِ يُؤَذيِ إِنسانًا كلَّما دخَلَه فقالَ ذلك الإِنسانُ: «واللهِ لا أَدخلُ هذا المَسجدَ أو هذا الحَمامَ»، فإنَّه يَصحُّ أنْ يُقيَّدَ بقولِه: «مَا دَامَ هذا الخادِمُ مَوجودًا»، فإنْ زالَ هذا الخَادمُ جَازَ له الدُّخولُ وإلا حنِثَ، وكما لو كانَ في طَريقٍ مِنْ الطُّرقِ ظَالمٌ يُؤذِي المارِّينَ بها فقالَ شَخصٌ: «واللهِ لا أَمرُّ في هذه الطَّريقِ»، أَيْ ما دامَ هذا الظَّالمُ فيها، وكذا لو كانَ فاسِقٌ بمَكانٍ فقالَ لزَوجتِه: «إنْ دخَلتِ هذا المَكانَ فأَنتِ طَالقٌ»، فإذا زالَ الفاسِقُ منه ودخَلتْ لَم يَحنَثْ؛ لأنَّه في قُوةِ قَولِه: «ما دامَ هذا الفاسِقُ مَوجودًا في ذلك المَكانِ».
بخِلافِ ما لو سبَّكَ إِنسانٌ فحَلَفتَ: «لا أُكلِّمُه» أو تَشاجَرَ معَ جارِه فحلَفَ: «لَا يَدخلُ بيتَه»، ونحوَ ذلك فليسَ فيه بِساطٌ؛ لأنَّه يُشتَرَطُ في نَفعِ البِساطِ ألا يَكون للحالِفِ مَدخَلٌ في السَّببِ الحامِلِ على اليَمينِ، كما لو تَنازَعَ معَ ولَدِه أو زَوجَتِه أو أَجنَبيٍّ فحلَفَ أنَّه لا يَدخُلُ على مَنْ تَنازَعَ معَه دارًا مَثلًا، ثم زالَ النِّزاعُ واصْطلَحَ الحَالفُ والمَحلوفُ عليه، فإنَّه يَحنَثُ بدُخولِه؛ لأنَّ الحَالفَ له مَدخلٌ في السَّببِ، فالبِساطُ هنا غيرُ نافِعٍ، كما أنَّه لا يَنْفَعُ فيما نجَزَ بالفِعلِ، كما لو تَشاجَرَتْ زَوجَتُه معَ أخِيه مَثلًا فَطلَّقَها ثم ماتَ أَخوه فَلا يَرتَفعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّ رَفعَ الواقِعِ مُحالٌ، ومِثلُ ذلك ما لو دخَلَ على زَوجَتِه مَثلًا فوجَدَها أفسَدَتْ شَيئًا في اعتِقادِه فنجَزَ طَلاقُها، فتَبيَّنَ له بعدَ ذلك أنَّه لَم يَفسُدْ فليسَ هنا بِساطٌ.
стр. 14372
والبِساطُ يَجرِي في جَميعِ الأَيمانِ سَواءٌ كانَت باللهِ أو بطَلاقٍ أو بعِتقٍ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ لَم يَنوِ الحالفُ شَيئًا وعدِمتِ النِّيةُ نظَرْنا في سَببِ اليَمينِ وما أَثارَها لدِلالتِه على النِّيةِ فإذا حلَفَ لا يَأوي معَ امرَأتِه في هذه الدارِ نظَرْنا فإنْ كانَ سببُ يَمينِه غَيظًا مِنْ جهةِ الدارِ لِضررٍ لحِقَه منها أو منَّةٍ عليه بها اختَصَّت يَمينُه بها وإنْ كانَ لغيظٍ لحِقَه مِنْ المَرأةِ يَقتضِي جَفاءَها ولا أثرَ للدارِ فيه تَعلقَ ذلك بإِيوائِه معَها في كلِّ دارٍ وكذلك إذا حلَفَ لا يَلبسُ ثوبًا مِنْ غَزلِها فإنْ كانَ سببُه المُنيةَ عليه منها فكيفَما انتَفعَ به أو بثَمنِه حنِثَ، وإنْ كانَ سببُ يَمينِه خُشونَة غَزلِها ورَداءَته لَم يَتعَدَّ بيَمينِه لبسَه، ولأنَّ السببَ دَليلٌ على النِّيةِ فيَتعلَّقُ اليَمينُ به، وقد ثبَتَ أنَّ كَلامَ الشارعِ إذا كانَ خاصًّا في شيءٍ لسَببٍ عامٍّ تَعدَّى إلى ما يوجَدُ فيه السببُ كتَنصيصِه علةَ تَحريمِ التَّفاضلِ في أَعيانٍ سِتةٍ أثَبتَ الحُكمَ في كلِّ ما يوجَدُ فيه مَعناها كذلك في كَلامِ الآدمِيِّ مثلُه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأما إنْ كانَ اللَّفظُ عامًّا وللسببِ خاصًّا مثلَ مَنْ دُعيَ إلى غَداءٍ فحلَفَ لا يَتغدَّى أو حلَفَ لا يَقعدُ، فإنْ كانَت له نِيةٌ فيَمينُه على ما نَوى وإن لَم تَكنْ له نِيةٌ فكَلامُ أَحمدَ يَقتضِي رِوايتَينِ:
إِحداهُما: أنَّ اليَمينَ مَحمولةٌ على العُمومِ؛ لأنَّ أَحمدَ سُئلَ عن رَجلٍ حلَفَ لا يَدخلُ بَلدًا لظُلمٍ رآهُ فيه فزالَ الظُّلمُ، فقالَ: النَّذرُ يُوفَّى به يَعني: لا يَدخلُه.
стр. 14373
ووَجهُ ذلك أنَّ لفظَ الشارِعِ إذا كانَ عامًّا لسَببٍ خاصٍّ وجَبَ الأَخذُ بعُمومِ اللَّفظِ دونَ خُصوصِ السَّببِ، كذلك يَمينُ الحالِفِ.
وذكَرَ القاضِي فيمن حلَفَ على زَوجتِه أو عبدِه أنْ لا يَخرجَ إلا بإذنِه فعتَقَ العبَدَ وطلَّقَ الزَّوجةَ وخرَجا بغيرِ إذنِه لا يَحنثُ؛ لأنَّ قَرينةَ الحالِ تَنقُلُ حُكمَ الكَلامِ إلى نفسِها وإنَّما يَملِكُ منعَ الزَّوجةِ والعبدِ معَ وِلايتِه عليهما فكأنَّه قالَ: «ما دُمتُما في مِلكي» ولأنَّ السببَ يَدلُ على النِّيةِ في الخُصوصِ كدِلالتِه عليها في العُمومِ ولو نَوى الخُصوصَ لاختَصَّت يَمينُه به فكذلك إذا وجَدَ ما يَدلُّ عليها.
ولو حلَفَ لعاملٍ لا يَخرجُ إلا بإِذنِه فعزَلَه أو حلَفَ أنْ لا يَرى مُنكرًا إلا رفَعَه إلى فُلانٍ القاضِي فعُزلَ ففيه وَجهانِ بناءً على ما تَقدَّمَ:
أَحدُهما: لا تَنحلُّ اليَمينُ بعَزلِه، قالَ القاضِي: هذا قِياسُ المَذهبِ؛ لأنَّ اليَمينَ إذا تَعلَّقَت بعينٍ مَوصوفةٍ تَعلَّقَت بالعينِ، وإنْ تَغيَّرَت الصِّفةُ وهذا أحدُ الوَجهينِ لأَصحابِ الشافِعيِّ.
والوجهُ الآخرُ تَنحلُّ اليَمينُ بعزلِه وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ لأنَّه لا يُقالُ رفَعَه إليه إلا في حالِ وِلايتِه فعلى هذا إنْ رَأى المُنكرَ في وِلايتِه فأَمكنَه رَفعَه فلَم يَرفعْه إليه حتى عُزلَ لَم يبَرَّ برَفعِه إليه حالَ كَونِه مَعزولًا، وهل يَحنَثُ بفِعلِه؟ فيه وَجهانِ:
أَحدُهما: يَحنَثُ؛ لأنَّه قد فاتَ رَفعُه إليه فأَشبهَ ما لو ماتَ.
والثانِي: لا يَحنثُ؛ لأنَّه لَم يَتحَققْ فَواتُه لاحتِمالِ أنْ يليَ فيَرفعُه إليه
стр. 14374
بخِلافِ ما إذا ماتَ فإنَّه يَحنثُ؛ لأنَّه قد تَحقَّقَ فَواتُه، وإذا ماتَ قبلَ إِمكانِ رَفعِه إليه حنِثَ أيضًا؛ لأنَّه قد ماتَ فأَشبهَ ما لو حلَفَ ليَضربَنَّ عبدَه في غدٍ فماتَ العبدُ اليومَ، ويَحتمِلُ أنْ لا يَحنَثَ؛ لأنَّه لَم يَتمَكنْ مِنْ فِعلِ المَحلوفِ عليه فأَشبهَ المُكرهَ، وإنْ قُلنا: لا تَنحَلُّ يَمينُه بعَزلِه فرفَعَه إليه بعدَ عَزلِه برَّ بذلك، فإنِ اختَلفَ السَّببُ والنِّيةُ مثلَ أنِ امتَنَّت عليه امرَأتُه بغَزلِها فحلَفَ أنَّه لا يَلبسُ ثوبًا مِنْ غزلِها يَنوي اجتِنابَ اللّبسِ خاصةً دونَ الانتِفاع بثَمنِه وغيرِه قُدمَت النِّيةُ على السَّببِ وجهًا واحدًا؛ لأنَّ النِّيةَ وافَقت مُقتَضى اللَّفظِ وإن نَوى بيَمينِه ثوبًا واحدًا فكذلك في ظاهرِ كَلامِ الخِرقِي، وقالَ القاضِي: يُقدَّمُ السَّببُ؛ لأنَّ اللَّفظَ ظاهرٌ في العُمومِ، والسَّببُ يُؤكدُ ذلك الظاهِرَ ويُقويِه؛ لأنَّ السَّببَ هو الامتِنانُ وظاهرُ حالِه قَطعُ النِّيةِ، فلا يُلتَفتُ إلى نِيتِه المُخالِفةِ للظاهِرينَ، والأَولُ أَصحُّ؛ لأنَّ السَّببَ إنَّما اعتُبِرَ لدِلالتِه على القَصدِ فإذا خالَفَ حَقيقةَ القَصدِ لَم يُعتَبرْ فكانَ وُجودُه كعَدمِه فلَم يَبقَ إلا لَفظُه بعُمومِه، والنَّيةُ تَخصُّه على ما بيَّنَّاه فيما مَضى (١).
وللإمامِ ابنِ القَيمِ كَلامٌ طَويلٌ ومُفيدٌ في زَوالِ سَببِ اليَمينِ فقالَ ﵀:
المَخرَجُ العاشِرُ: مَخرَجُ زَوالِ السَّببِ، وقد كانَ الأَولى تَقديمُه على هذا المَخرَجِ لقوَّتِه وصِحتِه؛ فإنَّ الحُكمَ يَدورُ معَ علَّتِه وسَببِه وُجودًا
стр. 14375
وعَدمًا، ولهذا إذا علَّقَ الشارِعُ حُكمًا بسَببٍ أو علَّةٍ زالَ ذلك الحُكمُ بزَوالِهما كالخَمرِ عُلقَ بها حُكمُ التَّنجيسِ ووُجوبُ الحدِّ لوَصفِ الإِسكارِ، فإذا زالَ عنها وصارَت خلًّا زالَ الحُكمُ، وكذلك وَصفُ الفِسقِ عُلقَ عليه المَنعُ مِنْ قَبولِ الشَّهادةِ والرِّوايةِ، فإذا زالَ الوَصفُ زالَ الحُكمُ الذي عُلقَ عليه، وكذلك السَّفهُ والصِّغرُ والجُنونُ والإِغماءُ تَزولُ الأَحكامُ المُعلِّقةُ عليها بزَوالِها، والشَّريعةُ مَبنِيةٌ على هذه القاعِدةِ، فهكذا الحالِفُ إذا حلَفَ على أمرٍ لا يَفعلُه لسَببٍ فزالَ السَّببُ لَم يَحنَثْ بفِعلِه؛ لأنَّ يَمينَه تَعلَّقَت به لذلك الوَصفِ، فإذا زالَ الوَصفُ زالَ تَعلُّقُ اليَمينِ فإذا دُعيَ إلى شَرابٍ مُسكِرٍ ليَشربَه فحلَفَ أنْ لا يَشربَه، فانقَلبَ خلًّا فشرِبَه لَم يَحنَثْ، فإن منَعَ نفسَه منه نَظيرَ مَنعِ الشارِعِ، فإذا زالَ مَنعُ الشارِعِ بانقِلابِه خلًا وجَبَ أنْ يَزولَ مَنعُ نفسِه بذلك، والتَّفريقُ بينَ الأَمرَينِ تَحكُّمٌ مَحضٌ لا وَجهَ له؛ فإذا كانَ التَّحريمُ والتَّنجِيسُ ووُجوبُ الإِراقةِ ووُجوبُ الحدِّ وثُبوتُ الفِسقِ قد زالَ بزَوالِ سَببِه فما المُوجِبُ لبَقاءِ المَنعِ في صُورةِ اليَمينِ وقد زالَ سَببُه؟
وهل يَقتضِي مَحضُ الفِقهِ إلا زَوالَ حُكمِ اليَمينِ؟ يُوضِّحُه أنَّ الحالِفَ يَعلمُ مِنْ نَفسِه أنَّه لَم يَمنعْها مِنْ شُربِ غيرِ المُسكِرِ، ولَم يَخطرْ ببالِه، فإِلزامُه ببَقاءِ حُكمِ اليَمينِ وقد زالَ سَببُها إِلزامٌ بما لَم يَلتَزمُه هو، ولا أَلزَمه به الشارِعُ، وكذلك لو حلَفَ على رَجلٍ أنْ لا يَقبَلَ له قَولًا ولا شَهادةً لِما يَعلمُ مِنْ فسقِه، ثم تابَ وصارَ مِنْ خِيارِ الناسِ؛ فإنَّه يَزولُ حُكمُ المَنعِ باليَمينِ كما يَزولُ حُكمُ المَنعِ مِنْ ذلك بالشَّرعِ، وكذلك إذا حلَفَ أنْ لا يَأكُلَ هذا الطَّعامَ أو لا يَلبَسَ هذا الثَّوبَ أو لا يُكلِّمَ هذه المَرأةَ ولا يَطأُها
стр. 14376
لكَونِه لا يَحلُّ له ذلك، فملَكَ الطَّعامَ والثَّوبَ وتَزوَّجَ المَرأةَ فأكَلَ الطَّعامَ ولبِسَ الثَّوبَ ووطِئَ المرأةَ لَم يَحنثْ؛ لأنَّ المَنعَ بيَمينِه كالمَنعِ بمَنعِ الشارِعِ، ومَنعُ الشارِعِ يَزولُ بزَوالِ الأَسبابِ التي تَرتَّبَ عليها المَنعُ؛ فكذلك مَنعُ الحالفِ، وكذلك إذا حلَفَ «لا دَخلتُ هذه الدارَ» وكانَ سَببُ يَمينِه أنَّها تُعمَلُ فيها المَعاصِي وتُشرَبُ الخَمرُ، فزالَ ذلك وعادَت مَجمعًا للصالِحينَ وقِراءةِ القُرآنِ والحَديثِ، أو قالَ: «لا أَدخُلُ هذا المَكانَ» لأجلِ ما رَأى فيه مِنْ المُنكَرِ، فصارَ بيتًا مِنْ بُيوتِ اللهِ تُقامُ فيه الصَّلواتُ لَم يَحنَثْ بدُخولِه.
وكذلك إذا حلَفَ لا يَأكلُ لفُلانٍ طَعامًا، وكانَ سَببُ اليَمينِ أنَّه يَأكلُ الرِّبا، ويَأكلُ أَموالَ الناسِ بالباطِلِ؛ فتابَ وخرَجَ مِنْ المَظالمِ وصارَ طَعامُه مِنْ كَسبِ يدِه أو تِجارةٍ مُباحةٍ لَم يَحنَثْ بأَكلِ طَعامِه، ويَزولُ حُكمُ مَنعِ اليَمينِ كما يَزولُ حُكمُ مَنعِ الشارِعِ.
وكذلك لو حلَفَ «لا بايَعتُ فُلانًا»، وسَببُ يَمينِه كَونُه مُفلِسًا أو سَفيهًا؛ فزالَ الإِفلاسُ والسَّفهُ؛ فبايعَه لَم يَحنَثْ، وأَضعافُ أَضعافُ هذه المَسائلِ، كما إذا اتُّهمِ بصُحبةِ مُريبٍ فحلَفَ «لا أُصاحِبُه» فزالَت الرِّيبةُ وخلَفَها ضدُّها فصاحَبَه لَم يَحنَثْ، وكذلك لو حلَفَ المَريضُ لا يَأكلُ لَحمًا أو طَعامًا، وسَببُ يَمينِه كَونُه يَزيدُ في مرضِه فصحَّ وصارَ الطَّعامُ نافِعًا له لَم يَحنَثْ بأَكلِه.
وقد صرَّحَ الفُقهاءُ بمَسائلَ مِنْ هذا الجِنسِ، فمنها: لو حلَفَ لوالٍ أنْ «لا أُفارِقَ البلدَ إلا بإِذنِك» فعُزلَ ففارَقَ البلدَ بغيرِ إذنِه لَم يَحنَثْ.
стр. 14377
ومنها: لو حلَفَ على زَوجتِه «لا تَخرُجينَ مِنْ بيتِي إلا بإِذنِي»، أو على عبدِه لا يَخرجُ إلا بإِذنِه، ثم طلَّقَ الزَّوجةَ، وأَعتقَ العبدَ فخرَجا بغيرِ إذنِه لَم يَحنَثْ، ذكَرَه أَصحابُ الإمامِ أَحمدَ.
قالَ صاحِبُ «المُغني»: لأنَّ قَرينةَ الحالِ تَنقُلُ حُكمَ الكَلامِ إلى نفسِها، وهو يَملكُ مَنعَ الزَّوجةِ والعبدِ معَ وِلايتِه عليهما؛ فكأنَّه قالَ: «ما دُمتُما في مِلكِي»، ولأنَّ السَّببَ يَدلُّ على النِّيةِ في الخُصوصِ كدِلالتِه عليها في العُمومِ، وكذلك لو حلَفَ لقاضٍ أنْ «لا أَرى مُنكرًا إلا رَفعتُه إليك» فعُزلَ لَم يَحنَثْ بعَدمِ الرَّفعِ إليه بعدَ العَزلِ، وكذلك إذا حلَفَ لامرَأتِه أنْ «لَا أَبيتُ خارجَ بيتِك أو خارجَ هذه الدارِ» فماتَت أو طلَّقَها لَم يَحنَثْ إذا باتَ خارِجَها، وكذلك إذا حلَفَ على ابنِه ألَّا يَبيتَ خارجَ البَيتِ لخَوفِه عليه مِنْ الفُساقِ؛ لكَونِه أَمردَ، فالتَحى وصارَ شيخًا لَم يَحنَثْ بمَبيتِه خارجَ الدارِ، وهذا كلُّه مَذهبُ مالكٍ وأَحمدَ؛ فإنَّهما يَعتبِرانِ النِّيةَ في الأَيمانِ وبِساطِ اليَمينِ وسَببِها وما هيَّجَها؛ فيَحملانِ اليَمينَ على ذلك.
وقالَ أَبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ في كِتابِ الأَيمانِ مِنْ كِتابِه «الكافِي في مَذهبِ مالكٍ»: والأصلُ في هذا البابِ مُراعاةُ ما نَواه الحالِفُ؛ فإنْ لَم تَكنْ له نِيةٌ نظَرَ إلى بِساطِ قِصتِه، وما أَثارَه على الحَلفِ، ثم حُكمَ عليه بالأَغلبِ مِنْ ذلك في نُفوسِ أَهلِ وقتِه.
وقالَ صاحبُ «الجَواهر»: المُقتضَياتُ للبِرِّ والحِنثِ أُمورٌ؛ الأَولُ: النِّيةُ إذا كانَت مما يَصلُحُ أنْ يُرادَ اللَّفظُ بها، سَواءٌ كانَت مُطابِقةً له أو زائِدةً فيه أو ناقِصةً عنه بتَقييدِ مُطلَقِه وتَخصيصِ عامِّه.
стр. 14378
الثانِي: السَّببُ المُثيرُ لليَمينِ يَتعرَّفُ منه، ويُعبَّرُ عنه بالبِساطِ أيضًا، وذلك أنَّ القاصِدَ لليَمينِ لا بدَّ أنْ تَكونَ له نِيةٌ، وإنَّما يَذكرُها في بعضِ الأَوقاتِ ويَنساها في بعضِها؛ فيَكونُ المُحركُ على اليَمينِ -وهو البِساطُ- دَليلًا عليها، لكنْ قد يَظهَرُ مُقتضَى المُحركِ ظُهورًا لا إِشكالَ فيه، وقد يَخفَى في بعضِ الحالاتِ، وقد يَكونُ ظُهورُه وخَفاؤُه بالإِضافةِ.
وكذلك أَصحابُ الإمامِ أَحمدَ صرَّحوا باعتِبارِ النِّيةِ وحَملِ اليَمينِ على مُقتضَاها، فإنْ عُدمِت رجَعَ إلى سَببِ اليَمينِ وما هيَّجَها فحُملَ اللَّفظُ عليه؛ لأنَّه دَليلٌ على النِّيةِ، حتى صرَّحَ أَصحابُ مالكٍ فيمن دفَنَ مَالًا ونسِيَ مَكانَه فبحَثَ عنه فلَم يَجدْه فحلَفَ على زَوجتِه أنَّها هي التي أخذَتْه ثم وجَدَه لَم يَحنثْ، قالوا: لأنَّ قَصدَه ونِيتَه إنَّما هو: «إنْ كانَ المالُ قد ذهَبَ فأنتِ التي أخَذتِه»؛ فتَأمَّلْ كيفَ جعَلوا القَصدَ والنِّيةَ في قُوةِ الشَّرطِ، وهذا هو مَحضُ الفِقهِ.
ونَظيرُ هذا ما لو دُعيَ إلى طَعامٍ فظنَّه حَرامًا فحلَفَ «لا أَطعمُه» ثم ظهَرَ أنَّه حَلالٌ لا شُبهةَ فيه فإنَّه لا يَحنَثُ بأَكلِه؛ لأنَّ يَمينَه إنَّما تَعلَّقَت به إنْ كانَ حَرامًا وذلك قَصدُه.
ومِثلُه لو مرَّ به رَجلٌ فسلَّمَ عليه فحلَفَ لا يَردُّ عليه¬ السلام لظنِّه أنَّه مُبتَدعٌ أو ظالِمٌ أو فاجِرٌ، فظهَرَ أنَّه غيرُ ذلك الذي ظنَّه لَم يَحنَثْ بالردِّ عليه.
ومِثلُه لو قُدمَت له دابَّةٌ ليَركبَها فظنَّها قَطوفًا أو جَموحًا أو مُتعَسرةَ الرُّكوبِ فحلَفَ لا يَركبُها فظهَرَت له بخِلافِ ذلك لَم يَحنَثْ برُكوبِها.
стр. 14379
وقالَ أَبو القاسمِ الخِرقيُّ في «مُختصَره»: ويَرجعُ في الأَيمانِ إلى النِّيةِ؛ فإنْ لَم يَنوِ شَيئًا رجَعَ إلى سَببِ اليَمينِ وما هيَّجَها.
وقالَ أَصحابُ الإمام أَحمدَ: إذا دُعيَ إلى غَداءٍ فحلَفَ أنْ لا يَتغدَّى أو قيلَ له: «اقعُدْ» فحلَفَ أنْ لا يَقعدَ، اختَصَّت يَمينُه بذلك الغِداءِ وبالقُعودِ في ذلك الوَقتِ؛ لأنَّ عاقِلًا لا يَقصِدُ أنْ لا يَتغدَّى أبدًا ولا يَقعدُ أبدًا.
ثم قالَ صاحبُ «المغني»: إنْ كانَ له نِيةٌ فيَمينُه على ما نَوى، وإن لَم تَكنْ له نِيةٌ؛ فكَلامُ أَحمدَ يَقتضِي رِوايتَينِ؛ إِحداهُما: أنَّ اليَمينَ مَحمولةٌ على العُمومِ؛ لأنَّ أَحمدَ سُئلَ عن رَجلٍ حلَفَ أنْ لا يَدخلَ بَلدًا لظُلمٍ رآهُ فيه فزالَ الظُّلمُ، قالَ أَحمدُ: النَّذرُ يُوفَّى به، يَعني لا يَدخلُه، ووَجهُ ذلك أنَّ لفظَ الشارِعِ إذا كانَ عامًّا لسَببٍ خاصٍّ وجَبَ الأَخذُ بعُمومِ اللَّفظِ دونَ خُصوصِ السَّببِ، كذلك يَمينُ الحالِفِ.
ونازَعه في ذلك شَيخُنا، فقالَ: إنَّما منَعَه أَحمدُ مِنْ دُخولِ البَلدِ بعدَ زَوالِ الظُّلمِ؛ لأنَّه نَذرَ للهِ ألا يَدخُلَها، وأكَّدَ نذرَه باليَمينِ، والنَّذرُ قُربةٌ، فقد نذَرَ التَّقربَ إلى اللهِ بهُجرانِ ذلك البَلدِ؛ فلزِمَه الوَفاءُ بما نذَرَه.
هذا هو الذي فهِمَه الإِمامُ أَحمدُ، وأَجابَ به السائِلَ؛ حيثُ قالَ: النَّذرُ يُوفَّى به؛ ولهذا مَنعَ النَّبيَّ ﷺ المُهاجِرينَ مِنْ الإِقامةِ بمَكةِ بعدَ قَضاءِ نُسكِهم فوقَ ثَلاثةِ أَيامٍ؛ لأنَّهم ترَكوا دِيارَهم للهِ، فلَم يَكنْ لهم العودُ فيها، وإنْ زالَ السببُ الذي ترَكوها لأَجلِه، وذلك نَظيرُ مَسأَلةِ تَركِ البلدِ للظُّلمِ والفَواحشِ التي فيه إذا نذَرَه الناذِرُ؛ فهذا سرُّ جَوابِه، وإلا فمَذهبُه
стр. 14380
الذي عليه نُصوصُه وأُصولُه اعتِبارُ النِّيةِ والسَّببِ في اليَمينِ وحَملُ كَلامِ الحالِفينَ على ذلك، وهذا في نُصوصِه أَكثرُ مِنْ أنْ يُذكرَ فليَنظرْ فيها.
وأما مَذهبُ أَصحابِ أَبي حَنيفةَ فقالَ في كِتاب الذَّخائر في كِتابِ الأَيمانِ:
الفَصلُ السادِسُ في تَقييدِ الأَيمانِ المُطلقةِ بالدِّلالةِ، إذا أَرادَت المَرأةُ الخُروجَ مِنْ الدارِ فقالَ الزَّوجُ: «إن خرَجتِ مِنْ الدارِ فأنتِ طالقٌ» فجلَسَت ساعةً ثم خرَجَت لا تَطلُقُ، وكذلك لو أَرادَ رجلٌ أنْ يَضرِبَه فحلَفَ آخرُ أنْ لا يَضرِبَه، فهذا على تلك الضَّربةِ، حتى لو مكَثَ ساعةً ثم ضرَبَه لا يَحنَثُ، ويُسمَّى هذا يَمينَ الفَورِ، وهذا لأنَّ الخَرجةَ التي قصَدَ والضَّربةَ التي قصَدَ هي المَقصودةُ بالمَنعِ منها عُرفًا وعَادةً؛ فيَتعيَّنُ ذلك بالعُرفِ والعادةِ، وإذا دخَلَ الرَّجلُ على الرَّجلِ فقالَ: تَعالى تَغدَّ معِي، فقالَ: «واللهِ لا أَتَغدَّى»، فذهَبَ إلى بيتِه وتَغدَّى معَ أهلِه لا يَحنَثُ، وكذلك إذا قالَ الرَّجلُ لغيرِه: «كلْ معَ فُلانٍ»، فقالَ: «واللهِ لا آكلُ»، ثم ذكَرَ تَقريرَ ذلك بأنَّه جَوابٌ لقولِ الآمرِ له، والجَوابُ كالمَعادِ في السُّؤالِ؛ فإنَّه يَتضمَّنُ ما فيه، قالَ: وليسَ كابتِداءِ اليَمينِ؛ لأنَّ كلامَه لَم يَخرجْ جَوابًا بالتَّقييدِ، بل خرَجَ ابتِداءً، هو مُطلَقٌ عن القيدِ فيَنصرِفُ إلى كلِّ غِداءٍ.
قالَ: وإذا قالَ لغيرِه: «كلِّمْ لي زَيدًا اليومَ في كذا»، فقالَ: «واللهِ لا أُكلِّمه، فهذا يَختَصُّ باليومِ؛ لأنَّه خرَجَ جَوابًا عن الكَلامِ السابِقِ، وعلى هذا إذا قالَ: «ائتِني اليومَ»، فقالَ: «امرَأتُه طالِقٌ إنْ أَتاكَ»، وقد صرَّحَ أَصحابُ أَبي حَنيفةَ بأنَّ النِّيةَ تَعملُ في اللَّفظِ لتَعيينِ ما احتَملَه اللَّفظُ؛ فإذا تَعيَّنَ باللَّفظِ، ولَم يَكنْ اللَّفظُ مُحتمِلًا لما نَوى لَم تُؤثِّرِ النِّيةُ فيه؛ فإنَّه حينَئذٍ يَكونُ
стр. 14381
الاعتِبارُ بمُجردِ النِّيةِ، ومُجردُ النِّيةِ لا أثرَ لها في إِثباتِ الحُكمِ؛ فإذا احتَملَها اللَّفظُ فعُينَت بعضُ مُحتمَلاتِه أثَّرَت حينَئذٍ، قالوا: ولهذا لو قالَ: «إنْ لبِستُ ثوبًا أو أكَلتُ طَعامًا أو شرِبتُ شَرابًا أو كلَّمتُ امرَأةً فامرَأتِي طالِقٌ» ونَوى ثوبًا أو طَعامًا أو شَرابًا أو امرَأةً مُعينًا دُينَ فيما بينَه وبينَ اللهِ، وقُبلَت نِيتُه بغيرِ خِلافٍ، ولو حُذفَ المَفعولُ واقتَصرَ على الفِعلِ؛ فكذلك عندَ أَبي يُوسفَ في رِوايةٍ عنه والخَصافِ، وهو قولُ الشافِعيِّ وأَحمدَ ومالكٍ.
والمَقصودُ أنَّ النِّيةَ تُؤثرُ في اليَمينِ تَخصيصًا وتَعميمًا، وإِطلاقًا وتَقييدًا، والسَّببُ يَقومُ مَقامَها عندَ عَدمِها، ويَدلُّ عليها، فيُؤثرُ ما يُؤثرُه، وهذا هو الذي يَتعَينُ الإِفتاءُ به، ولا يَحملُ الناسَ على ما يَقطعُ أنَّهم لَم يُريدوه بأَيمانِهم، فكيفَ إذا علِمَ قَطعًا أنَّهم أَرادوا خِلافَه؟ واللهُ أَعلمُ.
[التعليلُ كالشَّرطِ]:
والتَّعليلُ يَجرِي مَجرَى الشَّرطِ، فإذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ لأجلِ خُروجِك مِنْ الدارِ» فبانَ أنَّها لَم تَخرجْ لَم تَطلُقْ قَطعًا، صرَّحَ به صاحِبُ الإِرشادِ فقالَ: وإنْ قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ دخَلتِ الدارَ» بنَصبِ الألفِ والحالفُ مِنْ أهلِ اللِّسانِ، ولَم يَتقَدمْ لها دُخولٌ قبلَ اليَمينِ بحالٍ، لَم تَطلقْ، ولَم يَذكُرْ فيه خِلافًا، وقد قالَ الأَصحابُ وغيرُهم: إنَّه إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ» وقالَ: «أَردتُ الشَّرطَ» دُينَ؛ فكذلك إذا قالَ: «لأجلِ كَلامِك زَيدًا، أو خُروجِك مِنْ دارِي بغيرِ إذنِي» فإنَّه يُدينُ، ثم إنْ تَبيَّنَ أنَّها لَم تَفعلْ لَم يَقعِ الطَّلاقُ، ومَن أَفتَى بغيرِ هذا فقد وهِمَ على المَذهبِ، واللهُ أَعلمُ (١).
стр. 14382
الثالثُ: العُرفُ القَوليُّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عُدمَت النِّيةُ والبِساطُ أي السَّببُ المُهيجُ لليَمينِ أي ليسَ هناكَ سَببٌ يُحمَلُ عليه اليَمينُ هل تُحمَلُ اليَمينُ على العُرفِ القَوليِّ أو الشَّرعيِّ أم يَرجعُ إلى التَّعيينِ ثم ما تَناولَه الاسمُ وهو ثَلاثةٌ: شَرعيٌّ فعُرفِيٌّ فلُغويٌّ.
قالَ المالِكيةُ: إِنْ لَم يَكنْ للحالِفِ نِيةٌ وليسَ ثَم بِساطٌ تُحمَلُ يَمينُه عليه حُملَت على العُرفِ القَولِيِّ أَيْ مَنسوبٍ إلى القَولِ، بأنْ يَكونَ المَعنى هو الذي يَنصرِفُ إليه القَولُ عندَ الإِطلاقِ بحَسبِ مُتَعارَفِهم في إِطلاقِ أَقوالِهم؛ لأنَّه غالِبُ قَصدِ الحالِفِ كاختِصاصِ الدابَّةِ عندَهم بالحِمارِ والمَملوكِ بالأَبيضِ والثَّوبِ بالقَميصِ، فمَن حلَفَ لا يَشتَرِي ما ذُكرَ مثلًا فَاشتَرَى فَرسًا أو أَسودَ أو عِمامةً فلا يَحنَثُ.
وهذا بخِلافِ العُرفِ اللُّغويِّ، فمَن حلَفَ لا ركِبَ دابَّةً، ولا لبِسَ ثَوبًا، وليسَ لهم عُرفٌ في دابَّةٍ مُعيَّنةٍ ولا ثَوبٍ مُعيَّنٍ حنِثَ بِرُكوبِه التِّمساحَ ولُبسِه العِمامةَ؛ لأنَّه المَدلولُ اللُّغويُّ.
الرَّابِعُ: المَقصدُ الشَّرعِيُّ:
أَيْ فإذا لَم تُوجدْ نِيةٌ ولا بِساطٌ ولا عُرفٌ قَولِيٌّ، فَالعُرفُ الشَّرعِيُّ إنْ كانَ الحالِفُ مِنْ أَهلِ الشَّرعِ، فمَن حلَفَ لا يُصلِّي في هذا الوَقتِ أو لا يَصومُ أو لا يَتَوضَّأُ أو لا يَتَطهَّرُ أو لا يَتيمَّمُ حنِثَ بِالشَّرعِيِّ مِنْ ذلك
стр. 14383
دُونَ اللُّغويِّ، فلا يَحنَثُ بِالصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ ، ولا بغَسلِ اليَدينِ إلى الكُوعَينِ مثَلًا وإنْ كانَ في اللُّغةِ وُضوءًا (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إِنْ عُدمَ النَّيةُ والسَّببُ: رُجعَ إلى التَّعيِينِ وهو الإِشارةُ؛ لأنَّه أَبلغُ مِنْ دِلالةِ الاسمِ على مُسماه؛ لنَفيه الإِبهامَ بالكُليةِ.
فمَن حلَفَ لا يَدخُلُ دارَ فُلانٍ هذه، فدخَلَها، وقد باعَها، أو وهي فَضاءٌ، أو: «لا كلَّمتُ هذا الصَّبِيَّ» فَصارَ شيخًا وكلَّمَه، أو: «لا أكَلتُ هذا الرُّطبَ» فصارَ تَمرًا، ثم أكَلَه؛ حنِثَ في الجَميعِ لأنَّ عينَ المَحلوفِ عليه باقِيةٌ.
فإِنْ عُدِمَ النِّيةُ، والسَّببُ، والتَّعيِينُ؛ رُجعَ إلى ما تَناوَلَه الاسمُ لأنَّه دَليلٌ على إِرادةِ المُسمَّى ولا مُعارضَ له هُنا فوجَبَ أنْ يَرجعَ إليه عملًا به لسَلامتِه عن المُعارضةِ.
وهو ثَلاثةٌ: شَرعِيٌّ، فعُرفِيٌّ، فلُغويٌّ.
فاليَمينُ المُطلَقةُ: تَنصرِفُ إلى الشَّرعِيِّ؛ لأنَّه المُتبادَرُ للفَهمِ عندَ الإِطلاقِ، ولذلك حمَلَ عليه كَلامَ الشارِعِ حيثُ لا صارِفَ، فالشَّرعيُّ ما له مَوضوعٌ في الشَّرعِ ومَوضوعٌ في اللُّغةِ كالصَّلاةِ والصَّومِ والزَّكاةِ والحجِّ والوُضوءِ والغُسلِ والتَّيممِ والاعتِكافِ، فاليَمينُ المُطلَقةُ تَنصرِفُ إلى المَوضوعِ الشَّرعِيِّ.
стр. 14384
وتَتَناولُ الصَّحيحُ منه بخِلافِ الفاسدِ فإنَّه مَمنوعٌ منه شَرعًا.
فمَن حلَفَ لا يَنكِحُ، أو لا يَبيعُ، أو لا يَشتَرِي فعقَدَ عَقدًا فاسِدًا: لَم يَحنَثْ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وإنَّما أحلَّ الصَّحيحَ منه، وكذا النِّكاحُ.
فإنْ عُدمَ الشَّرعِيُّ: فالأَيمانُ مَبناهَا على العُرفِ دونَ الحَقيقةِ؛ لأنَّها صارَت مَهجورةً، فلا يَعرفُها أَكثرُ الناسِ.
فمَن حلَفَ لا يطَأُ امرَأتَه، حنِثَ بجِماعِها لانصِرافِ اللَّفظِ إليه عُرفًا ولذلك لو حلَفَ على تَركِ وَطئِها كانَ مَؤليًّا.
أو حلَفَ لا يَطأُ، أو لا يَضعُ قَدمَه في دارِ فُلَانٍ، حنِثَ بدُخولِها، راكِبًا، أو ماشِيًا، حافِيًا، أو مُنتعِلًا؛ لأنَّ ظاهِرَ الحالِ أنَّ القَصدَ امتِناعُه مِنْ دُخولِها.
أو لا يَدخُلُ بَيتًا، حنِثَ بدُخولِ المَسجدِ، والحَمامِ، وبَيتِ الشَّعرِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآية.
وقولِه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦].
وقالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠].
أولا يَضرِبُ فُلانةَ، فخنَقَها أو نتَفَ شَعرَها أو عضَّها؛ حنِثَ لوُجودِ المَقصودِ بالضَّربِ، وهو التَّألمُ ما لَم يَنوِ حَقيقةَ الضَّربِ، فإنَّه لا يَحنَثُ بذلك.
فإنْ عُدمَ العُرفَ بأن اشتَهرَت حَقيقتُه دونَ مَجازِه، أو لَم يَكنْ له مَجازٌ، فيَرجعُ إلى الحَقيقةِ اللُّغويةِ فمَن حلَفَ لا يَأكلُ لَحمًا، حنِثَ
стр. 14385
بكلِّ لَحمٍ حتى بالمُحرَّمِ: كالمَيتةِ، والخِنزيرِ ولَحمِ السِّباعِ، وكلِّ ما يُسمَّى لَحمًا؛ لدُخولِه في مُسماه.
لا بما لا يُسمَّى لَحمًا، كالشَّحمِ ونَحوِه كمخٍّ، وكبِدٍ، وكُليةٍ وكرِشٍ، ونحوِها؛ لأنَّ إِطلاقَ اسمِ اللَّحمِ لا يَتناولُ شَيئًا مِنْ ذلك.
وحَديثُ: «أُحلَّ لنا مَيتَتانِ ودَمانِ» (١) يَدلُّ على أنَّ الكبِدَ والطِّحالَ ليسَا بلَحمٍ، إلا بنِيةِ اجتِنابِ الدَّسمِ، فيَحنَثُ بذلك، وكذا لو اقتَضاه السَّببُ.
أو حلَفَ لا يَأكلُ لَبنًا فأكَلَه، ولو مِنْ لَبنِ آدَميةٍ، حنِثَ لأنَّ الاسمَ يَتناولُه حَقيقةً وعرفًا. وسَواءٌ كانَ حَليبًا، أو رَائبًا، مائعًا أو جامِدًا.
أو حلَفَ لا يَأكلُ رَأسًا ولا بَيضًا، حنِثَ بكلِّ رَأسٍ وَبيضٍ، حتى برَأسِ الجَرادِ وبَيضِه لدُخولِه في المُسمَّى.
أو حلَفَ لا يَأكلُ فاكِهةً، حنِثَ بكلِّ ما يُتفكَّهُ به، حتى بالبِطيخِ لأنَّه يَنضَجُ ويَحلو ويَتفكَّه به، فيَدخلُ في مُسمَّى الفاكِهةِ.
لا القِثاءَ والخِيارَ؛ لأنَّهما مِنْ الخُضرِ ولا الزَّيتونِ؛ لأنَّ المَقصودَ زَيتُه، ولا يُتفَكهُ به.
أو حلَفَ لا يَتغدَّى فأكَلَ بعدَ الزَّوالِ، أو لا يَتعشَّى فأكَلَ بعدَ نِصفِ اللَّيلِ، أو لَا يَتسحَّرُ فأكَلَ قبلَه؛ لَم يَحنَثْ حيثُ لا نِيةَ؛ لأنَّ الغَداءَ مَأخوذٌ مِنْ الغَدوةِ، وهي مِنْ طُلوعِ الفَجرِ إلى الزَّوالِ، والعَشاءَ مِنْ العَشيِّ، وهو مِنْ
стр. 14386
الزَّوالِ إلى نِصفِ اللَّيلِ. والسَّحورَ مِنْ السَّحرِ، وهو: مِنْ نِصفِ اللَّيلِ إلى طُلوعِ الفَجرِ.
أو حلَفَ لا يَأكلُ مِنْ هذه الشَّجرةِ، حنِثَ بأَكلِ ثَمرتِها فقط؛ لأنَّها التي تَتبادَرُ للذِّهنِ، فاختَصَّ اليَمينُ بها.
أو حلَفَ لا يَأكُلُ مِنْ هذه البَقرةِ، حنِثَ بأَكلِ شيءٍ منها، لا مِنْ لَبنِها ووَلدِها؛ لأنَّهما لَيسا مِنْ أَجزائِها.
أو حلَفَ لا يَشرَبُ مِنْ هذا النَّهرِ أو البِئرِ فاغتَرفَ بإِناءٍ وشرِبَ؛ حنِثَ أنَّهما لَيسا آلَتا شُربٍ عادَةً، بل الشُّربُ منهما عُرفًا بالاغتِرافِ باليدِ أو الإِناءِ.
لَا إِنْ حلَفَ لا يَشرَبُ مِنْ هذا الإِناءِ فاغتَرفَ منه، وشرِبَ لأنَّ الإِناءَ آلةُ شُربٍ، فالشُّربُ منه حَقيقةً: الكَرعُ فيه، ولَم يُوجدْ (١).
وأما الحَنفيةُ: مَبنى الأَيمانِ عندَهم كلُّها على العُرفِ فيُقدَّمُ العُرفُ على النِّيةِ وعلى المَعنى الشَّرعيِّ واللُّغويِّ ما لَم يَنوِ ما يَحتَملُه اللَّفظُ فيُراعَى لفظُ الحالِفِ في دِلالتِه على المَعنى لُغةً وما يَقتضِيه مِنْ الإِطلاقِ والتَّقييدِ والتَّعميمِ والتَّخصيصِ إلا أنْ يَكونَ مَعاني كَلامِ الناسِ بخِلافِه فيَحملُ اللَّفظُ عليه ويَكونُ ذلك حَقيقةً عُرفيَّةً وأنَّها تَقضِي على الحَقيقةِ الوَضعيَّةِ؛ لأنَّ المُتكلِّمَ لا يَتكَلمُ إلا بالعُرفِ الذي به التَّخاطبُ سَواءٌ كانَ عُرفَ اللُّغةِ إنْ كانَ مِنْ أَهلِها، أو غيرِها إنْ كانَ مِنْ غيرِهم وما وقَعَ مُشتَركًا بينَ اللُّغةِ
стр. 14387
والعُرفِ تُعتَبرُ فيه اللُّغةُ أنَّها العُرفُ وهذا إذا لَم تَكنْ له نِيةٌ، وإنْ كانَ له نِيةُ شيءٍ واللَّفظُ يَحتَملهُ انعَقدَ اليَمينُ باعتِبارِه.
والأصلُ فيه ما رُويَ أنَّ رَجلًا جاءَ إلى ابنِ عَباسٍ ﵄ وقالَ: إنَّ صاحِبًا لنا ماتَ وأَوصى ببَدنةٍ أفُتجزِئُ عنه البَقرةُ؟ فقالَ ابنُ عَباسٍ ﵄: ممن صاحبِكُم؟ فقالَ السائلُ: مِنْ بَني رَباحٍ، فقالَ ابنُ عَباسٍ ﵄: متى اقتَنَت بَنو رَباحٍ البَقرَ؟! إنَّما البَقرُ للأَزدِ وذهَبَ وَهمُ صاحبِكم إلى الإبلِ. فهذا الحَديثِ أَصلٌ أَصيلٌ في حَملِ مُطلقِ الكَلامِ على ما يَذهبُ إليه أَوهامُ الناسِ، ولأنَّ العُرفَ وَضعٌ طارِئٌ على الوَضعِ الأَصليِّ، والاصطِلاحُ جارٍ مِنْ أهلِ اللُّغةِ فالظاهِرُ أنَّ المُتكَلمَ يَقصِدُ بكَلامِه ذلك فيُحملُ عليه مُطلَقُ اللَّفظِ، فالأَيمانُ مَبناها على العُرفِ.
فمَن حلَفَ لا يَجلِسُ في سِراجٍ فجلَسَ في الشَّمسِ لا يَحنَثُ وإنْ سمَّى اللهُ تَعالى الشَّمسَ سِراجًا بقوله : ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٦] وكذا مَنْ حلَفَ لا يَجلسُ على بِساطٍ فجلَسَ على الأَرضِ لا يَحنَثُ وإنْ سمَّاها اللهُ في القُرآنِ العَظيمِ بِساطًا بقوله : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾ [نوح: ١٩]، وكذا مَنْ حلَفَ لَا يَمسُّ وتدًا فمسَّ جَبلًا لا يَحنَثُ وإنْ سمَّى اللهُ الجبلَ وتدًا بقولِه تَعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ [النبأ: ٧].
فالحاصِلُ أنَّ المُعتبَرَ إنَّما هو اللَّفظُ العُرفيُّ المُسمَّى، وأما غرضُ الحالِفِ فإنْ كانَ مَدلولُ اللَّفظِ المُسمَّى اعتُبرَ وإنْ كانَ زائِدًا على اللَّفظِ فلا يُعتَبرُ.
стр. 14388
وتَوضيحُ ذلك أنَّ اللَّفظَ المَذكورَ في اليَمينِ يُنظرُ إلى مَعناه المُتعارَفِ عندَ الناسِ سَواءٌ كانَ عُرفًا خاصًّا أو عامًّا بقَطعِ النظرِ عن مَعناه اللُّغويِّ أو الشَّرعيِّ مثالُ ذلك أن يَقولَ: «واللهِ لا آكلُ رأسًا» فيَحنَثُ إذا أكَلَ رأسًا مِنْ الرُّؤوسِ التي جرَت العادةُ ببَيعِها في الأَسواقِ كرُؤوسِ الغَنمِ والبَقرِ وهكذا، وهو المَعنى الذي يَقصدُه الناسُ مِنْ لَفظِ الرُّؤوسِ التي تُؤكَلُ فلا يَحنَثُ بأَكلِ رأسِ الطَّيرِ كالبطِّ والإوزِّ ولا بأَكلِ رأسِ العَصافيرِ ولا بأَكلِ رأسِ السَّمكِ إلا إذا اصطَلحَ الناسُ على بيعِها في الأَسواقِ وحدَها معَ أنَّ لفظَ الرَّأسِ في اللُّغةِ يُطلَقُ عليها ويَعمُّها ولكنَّ هذا المَعنى اللُّغويَّ لا يُعتبَرُ بل المُعتبَرُ هو المَعنى العُرفِيَّ كما عرَفتَ.
وكذلك إذا قالَ: «واللهِ لا أَركبُ وتدًا» فإنَّه لا يَحنَثُ إذا ركِبَ الجَبلَ معَ أنَّ الجَبلَ سمَّاه القُرآنُ وتدًا ولكنَّ الوتدَ في العُرفِ غيرُ الجَبلِ على أنَّه لا بدَّ مِنْ ذِكرِ اللَّفظِ الذي يَدلُّ على المَعنى العُرفيِّ المَقصودِ فإذا فُهمَ المَعنى العُرفيَّ مِنْ العِبارةِ بدونِ لفظٍ يَدلُّ عليه فإنَّه لا يُعتبَرُ مثالُ ذلك أنْ يَقولَ: «واللهِ لا أَخرجُ مِنْ البابِ» فخرَجَ مِنْ السَّطحِ فإنَّه لا يَحنَثٌ وإنْ كانَ المَفهومُ عُرفًا مِنْ هذه العِبارةِ أنَّه يُريدُ أنْ لا يَخرجَ مُطلَقًا لا مِنْ البابِ ولا مِنْ السَّطحِ ولكنْ لَم يَذكُرْ في العِبارةِ لَفظٌ يَدلُّ على هذا الغَرضِ فلا يُعتبَرُ؛ لأنَّ العُرفَ لا يَجعلُ غيرَ المَلفوظِ مَلفوظًا، وكذا إذا حلَفَ لا يَضربُه سَوطًا فضرَبَه بعَصا فإنَّه لا يَحنثُ وإنْ كانَ المَعنى المَقصودُ عُرفًا أنه لا يُؤذِيه بالضَّربِ مُطلَقًا لا بالسَّوطِ ولا بالعَصا ولكنَّ لفظَ العَصا غيرُ مَذكورٍ فلا يُعتبَرُ مَعناه.
стр. 14389
وكذا إذا حلَفَ لا يَبيعُ هذه السِّلعةَ بعَشرةٍ فباعَها بتِسعةٍ فإنَّه لا يَحنثُ؛ لأنَّه وإنْ كانَ غَرضُه المُفهومُ عُرفًا أنَّه يُريدُ بَيعَها بأَكثرَ مِنْ عَشرةٍ فلا يَبيعُها بتِسعةٍ فأَقلَّ ولكنَّ هذا الغَرضَ غيرُ مُسمًّى في اللَّفظِ؛ لأنَّه إنَّما سمَّى العَشرةَ وهي لا تُطلَقُ على التِّسعةِ، والعُرفُ لا يَجعلُ غيرَ المَلفوظِ مَلفوظًا. وكذا إذا حلَفَ أنَّه لا يَبيعُها بعَشرةٍ فباعَها بأحدَ عَشرَ فإنَّه لا يَحنَثُ؛ لأنَّ غَرضَه الزِّيادةُ على العَشرةِ فلا يَبيعُها بالعَشرةِ وحدَها، والعَشرةُ تُطلَقُ على العَشرةِ وحدَها وتُطلَقُ على العَشرةِ مَقرونةً بعددٍ آخرَ، فالعُرفُ يَخصُّها بالعَشرةِ وحدَها؛ لأنَّها غَرضُه فلا يَحنَثُ، أما إذا حلَفَ لا يَشتَري هذه السِّلعةَ بعَشرةٍ فاشتِراها بأحدَ عَشرَفإنه يَحنَثُ؛ لأنَّ غَرضَه المَفهومَ عُرفًا أنَّه يُريدُ أنْ يَشتَريَها بأَقلَّ مِنْ عَشرةْ لا بأَكثرَ، واللَّفظُ يَدلُّ على هذا لأنَّ العَشرةَ تُطلَقُ على العَشرةِ مُفردَةً ومَقرونةً بعددٍ آخرَ كما ذكَرْنا، فيَحنَثُ بالأَحدَ عَشرَ؛ لأنَّ العَشرةَ وُجدَت مَقرونةً بعددٍ آخرَ والزِّيادةُ على شَرطِ الحِنثِ لا تَمنعُ الحِنثَ، وإذا حلَفَ لا يَشتَريها بعَشرةٍ فاشتِراها بسَبعةٍ فإنَّه لا يَحنَثُ؛ لأنَّ العَشرةَ لَم تُوجَدْ لا مُفردَةً ولا مَقرونَةً بعَددٍ آخرَ.
ويَتضِحُ مِنْ هذا أنَّ الأَيمانَ مَبنيةٌ على الأَلفاظِ العُرفيةِ والأَغراضِ التي تَدلُّ عليها هذه الأَلفاظُ، أما الأَغراضُ العُرفيةُ الزَّائدةُ على الأَلفاظِ فإنَّها غيرُ مُعتَبرةٍ.
ومِثالُ تَعيينِ أَحدِ مَعاني المُشتَركِ أنْ يَقولَ: «امرَأتُه طالقٌ إنْ خرَجَ اليومَ» وأَرادَ بالخُروجِ السَّفرَ فإنَّه يُصدَّقُ دِيانةً وذلك لأنَّ الخُروجَ لَفظٌ
стр. 14390
مُشتَركٌ بينَ السَّفرِ والخُروجِ مِنْ المَنزلِ والخُروجِ مِنْ المَسجدِ وهكذا فيَصحُّ أنْ يَنويَ به أَحدَ أَفرادِه فيُصدَّقُ دِيانةً لا قَضاءً.
ومِثالُ تَخصيصِ الجِنسِ بإِرادةِ أَحدِ أَنواعهِ أنْ يَحلِفَ بأنْ لا يَتزَوجَ امرَأةً ويَنوي بذلك نَوعًا خاصًّا مِنْ النِّساءِ كعَربيةٍ فإنَّه يُصدَّقُ دِيانةً؛ لأنَّ الإِنسانَ يَتنوعُ إلى عَربيٍّ وحَبشيٍّ وزِنجيٍّ ورُوميٍّ وتُركيٍّ وهكذا فيَصحُّ تَخصيصُ الجِنسِ بنَوعٍ مِنْ أَنواعِه «إنْ شِئتَ قُلتَ: تَخصيصُ النَّوعِ بصِنفٍ مِنْ أَصنافِه» أما إذا نَوى تَخصيصَه بصِفةٍ مِنْ صِفاتِه الضَّرورِيةِ كشَخصِ المَرأةِ بكَونِها مِصريةً أو عِراقيةً أو شامِيةً؛ فإنَّ نِيتَه لا تَنفعُ لا دِيانةً ولا قَضاءً؛ لأنَّ الصِّفةَ ليسَت مِنْ مَدلولِ لفظِ المَرأةِ بل هو تَخصيصٌ بالمَكانِ فلا تَنفعُ فيه النِّيةُ.
فإنْ لَم يُوجدْ عُرفٌ فيُرجَعُ إلى المَعنى اللُّغويِّ لكنْ لَا يُعتبَرُ معَ العُرفِ إلا إذا وقَعَ مُشتَركًا بينَ اللُّغةِ والعُرفِ فيُعتَبرُ المَعنى اللُّغويُّ على أنَّه مِنْ العُرفِ ومِثلُه المَعنى الشَّرعيُّ.
ثم إذا لَم يُوجَدْ عُرفٌ ولا مَعنًى لُغويٌّ فيُرجَعُ إلى السَّببِ الباعِثِ على الحَلفِ، فإذا حلَفَ بسَببِ صفةٍ في المَحلوفِ عليه ثم زالَت هذه الصِّفةُ فإنَّه لا يَحنَثُ بفِعلِه. أما إذا لَم تَزلْ هذه الصِّفةُ أو لَم تَكنْ مَوجودةً وقتَ الحَلفِ أصلًا فإنَّه يَحنَثُ.
فمِثالُ ما فيه صِفةٌ زالَت بأنْ يَحلِفَ أنْ لا يَأكلَ هذا العِنبَ وهو رَطبٌ، فإذا زالَت رُطوبتُه وأكَلَه زَبيبًا فإنَّه لا يَحنَثُ، أما إذا لَم تَزُلْ منه صفةُ الرُّطوبةِ فإنَّه يَحنَثُ بأَكلِه، وهو ظاهِرٌ.