← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14386–14425 · переход к 14391.

стр. 14386

الزَّوالِ إلى نِصفِ اللَّيلِ. والسَّحورَ مِنْ السَّحرِ، وهو: مِنْ نِصفِ اللَّيلِ إلى طُلوعِ الفَجرِ. أو حلَفَ لا يَأكلُ مِنْ هذه الشَّجرةِ، حنِثَ بأَكلِ ثَمرتِها فقط؛ لأنَّها التي تَتبادَرُ للذِّهنِ، فاختَصَّ اليَمينُ بها. أو حلَفَ لا يَأكُلُ مِنْ هذه البَقرةِ، حنِثَ بأَكلِ شيءٍ منها، لا مِنْ لَبنِها ووَلدِها؛ لأنَّهما لَيسا مِنْ أَجزائِها. أو حلَفَ لا يَشرَبُ مِنْ هذا النَّهرِ أو البِئرِ فاغتَرفَ بإِناءٍ وشرِبَ؛ حنِثَ أنَّهما لَيسا آلَتا شُربٍ عادَةً، بل الشُّربُ منهما عُرفًا بالاغتِرافِ باليدِ أو الإِناءِ. لَا إِنْ حلَفَ لا يَشرَبُ مِنْ هذا الإِناءِ فاغتَرفَ منه، وشرِبَ لأنَّ الإِناءَ آلةُ شُربٍ، فالشُّربُ منه حَقيقةً: الكَرعُ فيه، ولَم يُوجدْ (١). وأما الحَنفيةُ: مَبنى الأَيمانِ عندَهم كلُّها على العُرفِ فيُقدَّمُ العُرفُ على النِّيةِ وعلى المَعنى الشَّرعيِّ واللُّغويِّ ما لَم يَنوِ ما يَحتَملُه اللَّفظُ فيُراعَى لفظُ الحالِفِ في دِلالتِه على المَعنى لُغةً وما يَقتضِيه مِنْ الإِطلاقِ والتَّقييدِ والتَّعميمِ والتَّخصيصِ إلا أنْ يَكونَ مَعاني كَلامِ الناسِ بخِلافِه فيَحملُ اللَّفظُ عليه ويَكونُ ذلك حَقيقةً عُرفيَّةً وأنَّها تَقضِي على الحَقيقةِ الوَضعيَّةِ؛ لأنَّ المُتكلِّمَ لا يَتكَلمُ إلا بالعُرفِ الذي به التَّخاطبُ سَواءٌ كانَ عُرفَ اللُّغةِ إنْ كانَ مِنْ أَهلِها، أو غيرِها إنْ كانَ مِنْ غيرِهم وما وقَعَ مُشتَركًا بينَ اللُّغةِ

стр. 14387

والعُرفِ تُعتَبرُ فيه اللُّغةُ أنَّها العُرفُ وهذا إذا لَم تَكنْ له نِيةٌ، وإنْ كانَ له نِيةُ شيءٍ واللَّفظُ يَحتَملهُ انعَقدَ اليَمينُ باعتِبارِه. والأصلُ فيه ما رُويَ أنَّ رَجلًا جاءَ إلى ابنِ عَباسٍ ﵄ وقالَ: إنَّ صاحِبًا لنا ماتَ وأَوصى ببَدنةٍ أفُتجزِئُ عنه البَقرةُ؟ فقالَ ابنُ عَباسٍ ﵄: ممن صاحبِكُم؟ فقالَ السائلُ: مِنْ بَني رَباحٍ، فقالَ ابنُ عَباسٍ ﵄: متى اقتَنَت بَنو رَباحٍ البَقرَ؟! إنَّما البَقرُ للأَزدِ وذهَبَ وَهمُ صاحبِكم إلى الإبلِ. فهذا الحَديثِ أَصلٌ أَصيلٌ في حَملِ مُطلقِ الكَلامِ على ما يَذهبُ إليه أَوهامُ الناسِ، ولأنَّ العُرفَ وَضعٌ طارِئٌ على الوَضعِ الأَصليِّ، والاصطِلاحُ جارٍ مِنْ أهلِ اللُّغةِ فالظاهِرُ أنَّ المُتكَلمَ يَقصِدُ بكَلامِه ذلك فيُحملُ عليه مُطلَقُ اللَّفظِ، فالأَيمانُ مَبناها على العُرفِ. فمَن حلَفَ لا يَجلِسُ في سِراجٍ فجلَسَ في الشَّمسِ لا يَحنَثُ وإنْ سمَّى اللهُ تَعالى الشَّمسَ سِراجًا بقوله : ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٦] وكذا مَنْ حلَفَ لا يَجلسُ على بِساطٍ فجلَسَ على الأَرضِ لا يَحنَثُ وإنْ سمَّاها اللهُ في القُرآنِ العَظيمِ بِساطًا بقوله : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩)﴾ [نوح: ١٩]، وكذا مَنْ حلَفَ لَا يَمسُّ وتدًا فمسَّ جَبلًا لا يَحنَثُ وإنْ سمَّى اللهُ الجبلَ وتدًا بقولِه تَعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ [النبأ: ٧]. فالحاصِلُ أنَّ المُعتبَرَ إنَّما هو اللَّفظُ العُرفيُّ المُسمَّى، وأما غرضُ الحالِفِ فإنْ كانَ مَدلولُ اللَّفظِ المُسمَّى اعتُبرَ وإنْ كانَ زائِدًا على اللَّفظِ فلا يُعتَبرُ.

стр. 14388

وتَوضيحُ ذلك أنَّ اللَّفظَ المَذكورَ في اليَمينِ يُنظرُ إلى مَعناه المُتعارَفِ عندَ الناسِ سَواءٌ كانَ عُرفًا خاصًّا أو عامًّا بقَطعِ النظرِ عن مَعناه اللُّغويِّ أو الشَّرعيِّ مثالُ ذلك أن يَقولَ: «واللهِ لا آكلُ رأسًا» فيَحنَثُ إذا أكَلَ رأسًا مِنْ الرُّؤوسِ التي جرَت العادةُ ببَيعِها في الأَسواقِ كرُؤوسِ الغَنمِ والبَقرِ وهكذا، وهو المَعنى الذي يَقصدُه الناسُ مِنْ لَفظِ الرُّؤوسِ التي تُؤكَلُ فلا يَحنَثُ بأَكلِ رأسِ الطَّيرِ كالبطِّ والإوزِّ ولا بأَكلِ رأسِ العَصافيرِ ولا بأَكلِ رأسِ السَّمكِ إلا إذا اصطَلحَ الناسُ على بيعِها في الأَسواقِ وحدَها معَ أنَّ لفظَ الرَّأسِ في اللُّغةِ يُطلَقُ عليها ويَعمُّها ولكنَّ هذا المَعنى اللُّغويَّ لا يُعتبَرُ بل المُعتبَرُ هو المَعنى العُرفِيَّ كما عرَفتَ. وكذلك إذا قالَ: «واللهِ لا أَركبُ وتدًا» فإنَّه لا يَحنَثُ إذا ركِبَ الجَبلَ معَ أنَّ الجَبلَ سمَّاه القُرآنُ وتدًا ولكنَّ الوتدَ في العُرفِ غيرُ الجَبلِ على أنَّه لا بدَّ مِنْ ذِكرِ اللَّفظِ الذي يَدلُّ على المَعنى العُرفيِّ المَقصودِ فإذا فُهمَ المَعنى العُرفيَّ مِنْ العِبارةِ بدونِ لفظٍ يَدلُّ عليه فإنَّه لا يُعتبَرُ مثالُ ذلك أنْ يَقولَ: «واللهِ لا أَخرجُ مِنْ البابِ» فخرَجَ مِنْ السَّطحِ فإنَّه لا يَحنَثٌ وإنْ كانَ المَفهومُ عُرفًا مِنْ هذه العِبارةِ أنَّه يُريدُ أنْ لا يَخرجَ مُطلَقًا لا مِنْ البابِ ولا مِنْ السَّطحِ ولكنْ لَم يَذكُرْ في العِبارةِ لَفظٌ يَدلُّ على هذا الغَرضِ فلا يُعتبَرُ؛ لأنَّ العُرفَ لا يَجعلُ غيرَ المَلفوظِ مَلفوظًا، وكذا إذا حلَفَ لا يَضربُه سَوطًا فضرَبَه بعَصا فإنَّه لا يَحنثُ وإنْ كانَ المَعنى المَقصودُ عُرفًا أنه لا يُؤذِيه بالضَّربِ مُطلَقًا لا بالسَّوطِ ولا بالعَصا ولكنَّ لفظَ العَصا غيرُ مَذكورٍ فلا يُعتبَرُ مَعناه.

стр. 14389

وكذا إذا حلَفَ لا يَبيعُ هذه السِّلعةَ بعَشرةٍ فباعَها بتِسعةٍ فإنَّه لا يَحنثُ؛ لأنَّه وإنْ كانَ غَرضُه المُفهومُ عُرفًا أنَّه يُريدُ بَيعَها بأَكثرَ مِنْ عَشرةٍ فلا يَبيعُها بتِسعةٍ فأَقلَّ ولكنَّ هذا الغَرضَ غيرُ مُسمًّى في اللَّفظِ؛ لأنَّه إنَّما سمَّى العَشرةَ وهي لا تُطلَقُ على التِّسعةِ، والعُرفُ لا يَجعلُ غيرَ المَلفوظِ مَلفوظًا. وكذا إذا حلَفَ أنَّه لا يَبيعُها بعَشرةٍ فباعَها بأحدَ عَشرَ فإنَّه لا يَحنَثُ؛ لأنَّ غَرضَه الزِّيادةُ على العَشرةِ فلا يَبيعُها بالعَشرةِ وحدَها، والعَشرةُ تُطلَقُ على العَشرةِ وحدَها وتُطلَقُ على العَشرةِ مَقرونةً بعددٍ آخرَ، فالعُرفُ يَخصُّها بالعَشرةِ وحدَها؛ لأنَّها غَرضُه فلا يَحنَثُ، أما إذا حلَفَ لا يَشتَري هذه السِّلعةَ بعَشرةٍ فاشتِراها بأحدَ عَشرَفإنه يَحنَثُ؛ لأنَّ غَرضَه المَفهومَ عُرفًا أنَّه يُريدُ أنْ يَشتَريَها بأَقلَّ مِنْ عَشرةْ لا بأَكثرَ، واللَّفظُ يَدلُّ على هذا لأنَّ العَشرةَ تُطلَقُ على العَشرةِ مُفردَةً ومَقرونةً بعددٍ آخرَ كما ذكَرْنا، فيَحنَثُ بالأَحدَ عَشرَ؛ لأنَّ العَشرةَ وُجدَت مَقرونةً بعددٍ آخرَ والزِّيادةُ على شَرطِ الحِنثِ لا تَمنعُ الحِنثَ، وإذا حلَفَ لا يَشتَريها بعَشرةٍ فاشتِراها بسَبعةٍ فإنَّه لا يَحنَثُ؛ لأنَّ العَشرةَ لَم تُوجَدْ لا مُفردَةً ولا مَقرونَةً بعَددٍ آخرَ. ويَتضِحُ مِنْ هذا أنَّ الأَيمانَ مَبنيةٌ على الأَلفاظِ العُرفيةِ والأَغراضِ التي تَدلُّ عليها هذه الأَلفاظُ، أما الأَغراضُ العُرفيةُ الزَّائدةُ على الأَلفاظِ فإنَّها غيرُ مُعتَبرةٍ. ومِثالُ تَعيينِ أَحدِ مَعاني المُشتَركِ أنْ يَقولَ: «امرَأتُه طالقٌ إنْ خرَجَ اليومَ» وأَرادَ بالخُروجِ السَّفرَ فإنَّه يُصدَّقُ دِيانةً وذلك لأنَّ الخُروجَ لَفظٌ

стр. 14390

مُشتَركٌ بينَ السَّفرِ والخُروجِ مِنْ المَنزلِ والخُروجِ مِنْ المَسجدِ وهكذا فيَصحُّ أنْ يَنويَ به أَحدَ أَفرادِه فيُصدَّقُ دِيانةً لا قَضاءً. ومِثالُ تَخصيصِ الجِنسِ بإِرادةِ أَحدِ أَنواعهِ أنْ يَحلِفَ بأنْ لا يَتزَوجَ امرَأةً ويَنوي بذلك نَوعًا خاصًّا مِنْ النِّساءِ كعَربيةٍ فإنَّه يُصدَّقُ دِيانةً؛ لأنَّ الإِنسانَ يَتنوعُ إلى عَربيٍّ وحَبشيٍّ وزِنجيٍّ ورُوميٍّ وتُركيٍّ وهكذا فيَصحُّ تَخصيصُ الجِنسِ بنَوعٍ مِنْ أَنواعِه «إنْ شِئتَ قُلتَ: تَخصيصُ النَّوعِ بصِنفٍ مِنْ أَصنافِه» أما إذا نَوى تَخصيصَه بصِفةٍ مِنْ صِفاتِه الضَّرورِيةِ كشَخصِ المَرأةِ بكَونِها مِصريةً أو عِراقيةً أو شامِيةً؛ فإنَّ نِيتَه لا تَنفعُ لا دِيانةً ولا قَضاءً؛ لأنَّ الصِّفةَ ليسَت مِنْ مَدلولِ لفظِ المَرأةِ بل هو تَخصيصٌ بالمَكانِ فلا تَنفعُ فيه النِّيةُ. فإنْ لَم يُوجدْ عُرفٌ فيُرجَعُ إلى المَعنى اللُّغويِّ لكنْ لَا يُعتبَرُ معَ العُرفِ إلا إذا وقَعَ مُشتَركًا بينَ اللُّغةِ والعُرفِ فيُعتَبرُ المَعنى اللُّغويُّ على أنَّه مِنْ العُرفِ ومِثلُه المَعنى الشَّرعيُّ. ثم إذا لَم يُوجَدْ عُرفٌ ولا مَعنًى لُغويٌّ فيُرجَعُ إلى السَّببِ الباعِثِ على الحَلفِ، فإذا حلَفَ بسَببِ صفةٍ في المَحلوفِ عليه ثم زالَت هذه الصِّفةُ فإنَّه لا يَحنَثُ بفِعلِه. أما إذا لَم تَزلْ هذه الصِّفةُ أو لَم تَكنْ مَوجودةً وقتَ الحَلفِ أصلًا فإنَّه يَحنَثُ. فمِثالُ ما فيه صِفةٌ زالَت بأنْ يَحلِفَ أنْ لا يَأكلَ هذا العِنبَ وهو رَطبٌ، فإذا زالَت رُطوبتُه وأكَلَه زَبيبًا فإنَّه لا يَحنَثُ، أما إذا لَم تَزُلْ منه صفةُ الرُّطوبةِ فإنَّه يَحنَثُ بأَكلِه، وهو ظاهِرٌ.

стр. 14391

ومِثالُ الصِّفةِ التي لَم تَكنْ مَوجودةً وقتَ الحَلفِ أنْ يَقولَ: «واللهِ لا أُكلِّمُ هذا الصَّبيَّ أو لا آكُلُ مِنْ هذا الحمَلِ» -ولدِ الشاةِ الصَّغيرِ- فإنَّه يَحنَثُ إذا كلَّمَه وهو شَيخٌ أو أكَلَه وهو كَبشٌ، وذلك لأنَّ صِفةَ الصِّغرِ المَوجودةَ في الصَّبيِّ وفي الحمَلِ تَلغو معَ الإِشارةِ ولا تُعتَبرُ إلا الذاتِ المُشارِ إليها وهي باقِيةٌ في الصِّغرِ والكِبرِ، فلَم تَكنْ مَوجودةً وقتَ الحَلفِ بهذا الاعتِبارِ فلا يُنظَرُ إليها في اليَمينِ فإذا كانَ الباعِثُ له على اليَمينِ سَببًا آخرَ سِوى الصِّغرِ فإنَّ يَمينَه يُنصَرُ إليه، كما إذا حلَفَ لا يُكلِّمُ هذا الصَّبيَّ خوفًا على عِرضِه أو لكَونِه سَفيهًا فكلَّمَه وهو شَيخٌ لزَوالِ السَّببِ فإنَّه لا يَحنَثُ؛ لأنَّ الوَصفَ كانَ مَوجودًا وقتَ الحَلفِ وقد زالَ، والإِشارةُ غيرُ مَوجودةٍ فلا يَحنَثُ، وهذا يُشبِهُ بِساطَ اليَمينِ عندَ المالِكيةِ كما تَقدَّمَ (١).

стр. 14392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 14393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 14394

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 14395

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 14396

وأما الشافِعيةُ فالأَصلُ عندَهم أنَّ الأَيمانَ إن كانَت باللهِ تَعالى فإنَّها تُبنى على العُرفِ فيُحملُ اللَّفظُ فيها على مَعناه المُتعارَفِ ولو كانَ مَجازًا سَواءٌ كانَ مَجازًا مُتعارَفًا أو لا فإذا قالَ: «واللهِ لا آكُلُ مِنْ هذه الشَّجرةِ» فإنَّه يَحنَثُ إذا أكَلَ مِنْ ثَمرِها معَ أنَّ مَدلولَ لفظِ الشَّجرةِ الحَقيقيِّ هو الشَّجرةُ والوَرقُ، ولكنَّ هذه العِبارةَ استُعمِلَت عُرفًا في ثَمرِ الشَّجرةِ فصارَت مَدلولًا لها في العُرفِ. وكذلك إذا حلَفَ أَميرٌ لا يَبنِي دارَه يَحنَثُ إذا بَناها الغَيرُ، وكذلك إذا حلَفَ لا يَحلِقُ رأسَه فحلَقَ له غيرُه بأَمرِه فإنَّه يَحنَثُ على المُعتَمدِ نَظرًا للعُرفِ ما لَم يَنوِ شَيئًا آخرَ فيَعمَلُ بنِيتِه.

стр. 14397

وإذا حلَفَ لا يَأكلُ الرُّءوسَ أو الرأسَ أو لا يَشتَريها ولا نِيةَ له حنِثَ برُؤوسٍ تُباعُ وحدَها أيْ مِنْ شأنِها ذلك وإن لَم يُوافِقْه عُرفٌ لبَلدِ الحالِفِ وهي رُءوسُ الغَنمِ والإِبلِ والبَقرِ لأنَّ ذلك هو المُتعارَفُ لا برُؤوسِ طَيرٍ وحوتٍ وصَيدٍ وخَيلٍ إلا ببَلدٍ تُباعُ فيه مُنفرِدةً لكَثرتِها واعتِيادِ أَهلِها فيَحنَثُ بأَكلِها فيه لأنَّه كرُؤوسِ الأَنعامِ في حقِّ غيرِهم وسَواءٌ أَكانَ الحالِفُ مِنْ تلك البَلدةِ أم لا وإنْ كانَ في بلدٍ لا تُباعُ فيه مُفردَةً بل تُباعُ في غيرِه مُفردَةً حنِثَ على الأَقوَى؛ لشُمولِ الاسمِ ولأنَّ ما ثبَتَ فيه العُرفُ في مَوضعٍ ثبَتَ في سائِرِ المَواضعِ كخُبزِ الأُرزِ. وقيلَ: لا يَحنَثُ. أما إذا نَوى شَيئًا منها فإنَّه يَعملُ به وإن نَوى مُسمى الرَّأسِ حنِثَ بكلِّ رأسٍ وإنْ لَم تُبعْ وحدَها، وإنْ قالَ: «لا آكُلُ رُؤوسَ الشَّوى حنِثَ برُؤوسِ الغَنمِ فقط دونَ رُؤوسِ غيرِها. وإذا حلَفَ لا يَأكلُ اللَّحمَ فيُحملُ اللَّحمُ على لَحمِ نَعمٍ مِنْ إِبلٍ وبَقرٍ وغَنمٍ وخَيلٍ ووَحشٍ وطَيرٍ مَأكولِينَ؛ لوُقوعِ اسمِ اللَّحمِ عليه حَقيقةً فيَحنَثُ بالأَكلِ مِنْ مُذكَّاها سَواءٌ أكَلَه نَيئًا أم لا. ولا يَحنَثُ بلَحمِ ما لا يُؤكَلُ كالمَيتةِ والحِمارِ؛ لأنَّ قَصدَه الامتِناعُ عما لا يُعتادُ أَكلُه، ولأنَّ اسمَ اللَّحمِ إنَّما يَقعُ على المَأكولِ شَرعًا. ولا على لَحمِ سَمكٍ وجَرادٍ؛ لأنَّه لا يُسمَّى لَحمًا في العُرفِ وإنْ سَماه اللهُ تَعالى لَحمًا.

стр. 14398

ولهذا يَصحُّ أنْ يُقالَ: «ما أَكلتُ لَحمًا بل سَمكًا» كما لا يَحنَثُ بالجُلوسِ على الأَرضِ إذا حلَفَ لا يَجلسُ على بِساطٍ كما مرَّ وإنْ سَماها اللهُ تَعالى بِساطًا. هذا كلُّه عندَ الإِطلاقِ فإنْ نَوى شَيئًا حُملَ عليه. ولا يَحنَثُ إنْ أكَلَ شَحمَ بَطنٍ وشَحمَ عَينٍ لمُخالفَتِهما اللَّحمَ في الاسمِ والصِّفةِ، وكذا كرِشٌ وكبِدٌ وطِحالٌ وقَلبٌ ورِئةٌ ومعِيٌّ في الأَصحُ؛ لأنَّه يَصحُّ أنْ يُقالَ إنَّها ليسَت لَحمًا (١). ما يَنعَقدُ به اليَمينُ وما لا يَنعَقدُ: يَنعَقدُ اليَمينُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ بأَحدِ أَمرَينِ: أمرٌ مُجمَعٌ عليه، وأَمرٌ مُختلَفٌ فيه. أولاً: اليَمينُ باللهِ تَعالى أو باسمٍ مِنْ أَسمائِه أو بصِفةٍ مِنْ صِفاتِه: أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ باللهِ تَعالى كَواللهِ والرَّحمنِ أَوْ الرَّحيمِ، أو تاللهِ أو بصِفةٍ مِنْ صِفاتِه كوعزَّةِ اللهِ وجَلالِه وكِبريائِه انعَقدَ يَمينُه، فإذا حنِثَ وجَبَ عليه الكَفارةُ. لقولِه تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقولِه تَعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾

стр. 14399

[الأنبياء: ٥٧]، وقولِه تَعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣)﴾ [النور: ٥٣]، وقولِه تَعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾ [فاطر: ٤٢]. وكلُّ هذه الآياتِ تَدلُّ بوُضوحٍ على جَوازِ القَسمِ باللهِ وتاللهِ. ولقولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ كانَ حالِفًا فليَحلِفْ باللهِ أو ليَصمُتْ» (١)، وكذلك الحَلفُ باسمٍ مِنْ أَسمائِه في الجُملةِ، وقد أمَرَ اللهُ سُبحانَه النَّبيَّ أنْ يَحلِفَ برَبِّه كما تَقدَّمَ. وعن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: أَكثرُ ما كانَ النَّبيُّ يَحلِفُ «لا ومُقلِّبَ القُلوبِ» (٢). وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «همُ الأَخسَرونَ ورَبِّ الكَعبةِ همُ الأَخسَرونَ ورَبِّ الكَعبةِ» (٣)، ولا يُناقِضُ هذا قولَ النَّبيِّ: «مَنْ كانَ حالِفًا فلا يَحلفْ إلا باللهِ»؛ إذِ الحالِفُ بجَميعِ أَسماءِ اللهِ أو صِفاتِه حالِفٌ باللهِ. وقد نقَلَ عَددٌ مِنْ العُلماءِ الإِجماعَ على هذا. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ مَنْ قالَ: «واللهِ أو باللهِ أو تاللهِ» فحنِثَ أنَّ عليه الكَفارةَ. وأَجمَعوا على أنَّ مَنْ حلَفَ باسمٍ مِنْ أَسماءِ اللهِ تَعالى ثم حنِثَ عليه الكَفارةُ (٤).

стр. 14400

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وأجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ حلَفَ فقالَ: «واللهِ أو باللهِ أو تاللهِ» فحنِثَ أنَّ عليه الكَفارةَ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ اليَمينَ باللهِ تَعالى مُنعقِدةٌ وبجَميعِ أَسمائِه الحُسنَى كالرَّحمنِ الرَّحيمِ والحيِّ وبجَميعِ صِفاتِ ذاتِه كعِزةِ اللهِ وجَلالِه إلا أنَّ أَبا حَنيفةَ استَثنى عِلمَ اللهِ فلَم يَره يَمينًا (٢). وقالَ الإمامُ الزَّركشيُّ ﵀: لا نِزاعَ أنَّ الحَلفَ باللهِ يَمينٌ مَكفرَّةٌ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ حلَفَ باللهِ فقالَ: «واللهِ أو باللهِ أو تاللهِ» فحنِثَ أنَّ عليه الكَفارةَ. قالَ ابنُ المُنذرِ: وكانَ مالكٌ والشافِعيُّ وأَبو عُبيدٍ وأَبو ثَورٍ وأَصحابُ الرَّأيِ يَقولونَ: مَنْ حلَفَ باسمٍ مِنْ أَسماءِ اللهِ تَعالى فحنِثَ أنَّ عليه الكَفارةَ، ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا إذا كانَ مِنْ أَسماءِ اللهِ التي لا يُسمَّى بها سِواه، وأَسماءُ اللهِ تَنقسِمُ ثَلاثةَ أَقسامٍ:

стр. 14401

أَحدُها: ما لا يُسمَّى بها غَيرُه نحوَ قولِه واللهِ والرَّحمنِ والأَولِ الذي ليسَ قبلَه شَيءٌ والآخرِ الذي ليسَ بعدَه شيءٌ وربِّ العالَمينَ ومالكِ يومِ الدِّينِ وربِّ السَّمواتِ والأرضِ والحيِّ الذي لا يَموتُ ونحوِ هذا، فالحَلفُ بهذا يَمينٌ بكلِّ حالٍ. والثانِي: ما يُسمَّى به غيرُ اللهِ تَعالى مَجازًا وإِطلاقُه يَنصرِفُ إلى الله تَعالى مِثلَ الخالِقِ والرَّازقِ والرَّبِّ والرَّحيمِ والقادِرِ والقاهِرِ والمَلكِ والجَبارِ ونحوِه، فهذا يُسمَّى به غيرُ اللهِ مَجازًا بدَليلِ قولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾ [الصافات: ١٢٥]، وقولِه: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] و ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] و ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] وقالَ: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] وقالَ: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، فهذا إنْ نَوى به اسمَ اللهِ تَعالى أو أطَلقَ كانَ يَمينًا؛ لأنَّه بإِطلاقِه يَتصَرفُ إليه، وإن نَوى به غيرَ اللهِ تَعالى لَم يَكنْ يَمينًا؛ لأنَّه يُستَعملُ في غيرِه فيَنصرِفُ بالنِّيةِ إلى ما نَواه، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، وقالَ طَلحةُ العاقولِيُّ: إذا قالَ: «والربِّ والخالِقِ والرازِقِ» كانَ يَمينًا على كلِّ حالٍ كالأَولِ؛ لأنَّها لا تُستَعملُ معَ التَّعريفِ بلام التَّعريفِ إلا في اسمِه تَعالى فأَشبَهت القِسمَ الأَولَ. الثالِثُ: ما يُسمَّى به اللهُ تَعالى وغيرُه ولا يَنصرِفُ إليه بإِطلاقِه كالحيِّ والعالِمِ والمَوجودِ والمُؤمنِ والكَريمِ والشاكِرِ فهذا إنْ قُصدَ به اليَمينُ باسمِ اللهِ تَعالى كانَ يَمينًا وإنْ أُطلِقَ أو قُصدَ غيرُ اللهِ تَعالى لَم يَكنْ يَمينًا، فيَختلِفُ هذا القَسمُ والذي قبلَه في حالةِ الإِطلاقِ؛ ففي الأَولِ يَكونُ يَمينًا، وفي الثانِي

стр. 14402

لا يَكونُ يَمينًا، وقالَ القاضِي والشافِعيُّ في هذا القَسمِ لا يَكونُ يَمينًا وإنْ قُصدَ به اسمُ اللهِ تَعالى؛ لأنَّ اليَمينَ إنَّما تَنعقِدُ لحُرمةِ الاسمِ فمعَ الاشتِراكِ لا تَكونُ له حُرمةٌ، والنِّيةُ المُجردةُ لا تَنعقِدُ بها اليَمينُ. ولنا: إنْ أقسَمَ باسمِ اللهِ تَعالى قاصِدًا به الحَلفَ به فكانَ يَمينًا مُكفّرةً كالقَسمِ الذي قبلَه، وقَولُهم إنَّ النِّيةَ المُجرَّدةَ لا تَنعقِدُ بها اليَمينُ نَقول به وما انعَقدَ بالنِّيةِ المُجردةِ إنَّما انعَقدَ بالاسمِ المُحتَملِ المُرادِ به اسمَ اللهِ تَعالى؛ فإنَّ النِّيةَ تَصرِفُ اللَّفظَ المُحتَملَ إلى أَحدِ مُحتَملاتِه فيَصيرُ كالمُصرحِ به كالكِناياتِ وغيرِها، ولهذا لو نَوى بالقَسمِ الذي قبلَه غيرَ اللهِ تَعالى لَم يَكنْ يَمينًا لنِيتِه. فَصلٌ: والقَسمُ بصِفاتِ اللهِ تَعالى كالقَسمِ بأَسمائِه وصِفاتِه تَنقسمُ أيضًا ثَلاثةَ أَقسامٍ … (١). ثانيًا: الحَلِفُ بغيرِ اللهِ: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الحَلفَ بغيرِ اللهِ تَعالى أو بصِفةٍ مِنْ صِفاتِه مَمنوعٌ فلا يَجوزُ الحَلفُ بالآباءِ أو بالكَعبةِ أو بأيِّ شيءٍ غير اللهِ تَعالى أو صِفةٍ مِنْ صِفاتِه، وكذا لا يَجوزُ الحَلفُ بالنَّبيِّ ﷺ عندَ الجُمهورِ كما سيَأتِي، واستَدلَّ العُلماءُ على هذا بما يلي: ما رَواه نافعٌ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَدركَ عُمرَ بنَ الخَطابِ وهو يَسيرُ في رَكبٍ يَحلفُ بأَبيه فقالَ: «ألا إنَّ اللهَ

стр. 14403

يَنهاكمْ أنْ تَحلفوا بآبائِكم، مَنْ كانَ حالفًا فليَحلِفْ باللهِ أو ليَصمُتْ، قالَ عُمرُ: فواللَّهِ ما حَلَفتُ بها منذُ سَمعتُ النَّبيَّ ﷺ ذاكرًا ولا آثرًا» (١). وعن عُمرَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كانَ حالفًا فلا يَحلِفْ إلا باللهِ وكانَت قُريشٌ تَحلِفُ بآبائِها فقالَ: لا تَحلِفوا بآبائِكم» (٢). وعن سَعدِ بنِ عُبيدَةَ قالَ: سمِعَ ابنُ عُمرَ رَجلًا يَحلِفُ لا والكَعبةِ فقالَ له ابنُ عُمرَ: إنِّي سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ حلَفَ بغيرِ اللهِ فقَد كفَرَ أو أَشرَكَ» (٣). وقالَ ابنُ مَسعودٍ ﵁: «لَأنْ أَحلفَ باللهِ كاذبًا، أَحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أَحلِفَ بغيرِه صادِقًا» (٤)؛ لأنَّ حَسنةَ التَّوحيدِ أَعظمُ مِنْ حَسنةِ الصِّدقِ، وسَيئةُ الكَذبِ أَسهلُ مِنْ سَيئةِ الشِّركِ (٥).

стр. 14404

الحِكمةُ في النَّهيِ عن الحَلفِ بغيرِ اللهِ تَعالى أنَّ الحَلفَ يَقتَضي تَعظيمَ المَحلوفِ به وحَقيقةُ العَظمةِ مُختَصةٌ باللهِ تَعالى فلا يُضاهِي به غيرَه وقد جاءَ عن ابنِ عَباسٍ: لَأنَّ أَحلفَ باللهِ مائةَ مَرةٍ فآثَمُ خيرٌ مِنْ أنْ أَحلِفَ بغيرِه فأبَرُّ (١). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا هنا في مَوضِعينِ: المَوضعُ الأولُ: هل الحَلفُ بغيرِ اللهِ مُحرمٌ أو مَكروهٌ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الحَلفِ بغيرِ اللهِ تَعالى هل هو مُحرمٌ أو مَكروهٌ؟ بعدَ اتِّفاقِهم جَميعًا على أنَّه إذا حلَفَ بغيرِ اللهِ وقصَدَ به اليَمينَ ويَعتَقدُ في المَحلوفِ به مِنْ التَّعظيمِ ما يَعتقِدُه في اللهِ أنَّه كافِرٌ (٢). فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ وحُكيَ فيه الاتِّفاقُ على أنَّ الحَلفَ بغيرِ اللهِ تَعالى أو باسمٍ مِنْ أَسمائِه أو صِفةٍ مِنْ صِفاتِه مَنهيٌّ عنه ومُحرَّمٌ على الصَّحيحِ عندَهم لا يَجوزُ الحَلفُ به. وفي قَولٍ عندَهم أنَّه مَكروهٌ تَنزِيهًا وقيلَ تَحريمًا. قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: لا يَنبَغي لأحدٍ أنْ يَحلِفَ بغيرِ اللهِ، لا بهذه الأَقسامِ أو غيرِها، لإِجماعِ العُلماءِ أنَّ مَنْ وجَبتْ له يَمينٌ على آخرَ في حقٍّ قبِلَه، أنْ لا يَحلِفَ له إلا باللهِ، ولو حلَفَ له بالنَّجمِ والسَّماءِ والطارقِ، وقالَ: «نَويتُ ربَّ ذلك»، لَم يَكنْ عندَهم يَمينًا (٣).

стр. 14405

وقالَ في مَوضعٍ آخرَ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ اليَمينَ بغيرِ اللهِ مَكروهةٌ مَنهِيٌّ عنها، لا يَجوزُ الحَلفُ بها (١). وقالَ أيضًا: لا يَجوزُ الحَلفُ بغيرِ اللهِ في شيءٍ مِنْ الأَشياءِ ولا على حالٍ مِنْ الأَحوالِ، وهذا أَمرٌ مُجتَمعٌ عليه (٢). وقالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: فأما الحَلفُ بالمَخلوقاتِ كالحَلفِ بالكَعبةِ أو قَبرِ الشَّيخِ أو بنِعمةِ السُّلطانِ أو بالسَّيفِ أو بِجاهِ أَحدٍ مِنْ المَخلوقِينَ، فما أَعلَمُ بينَ العُلماءِ خِلافًا أنَّ هذه اليَمينَ مَكروهةٌ مِنهيٌّ عنها وأنَّ الحَلفَ بها لا يُوجبُ حِنثًا ولا كَفارةً، وهل الحَلفُ بها مُحرمٌ أو مَكروهٌ كَراهةَ تَنزيهٍ؟ فيه قَولأنَّ في مَذهبِ أَحمدَ وغيرِه أَصحُّهما أنَّه مُحرمٌ (٣). وقالَ أيضًا ﵀: والحَلفُ بالمَخلوقاتِ حَرامٌ عندَ الجُمهورِ وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ وأَحدُ القَولينِ في مَذهبِ الشافِعيِّ وأَحمدَ وقد حَكى إِجماعَ الصَّحابةِ على ذلك، وقيلَ: هي مَكروهةٌ كَراهةَ تَنزيهٍ، والأَولُ أَصحُّ حتى قالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ وعبدُ اللهِ بنُ عَباسٍ وعبدُ اللهِ بنُ عُمرَ: «لَأنْ أَحلِفَ باللهِ كاذِبًا أَحبُّ إلى مِنْ أنْ أَحلِفَ بغيرِ اللهِ صادِقًا» وذلك لأنَّ الحَلفَ بغيرِ اللهِ شِركٌ والشِّركُ أَعظمُ مِنْ الكَذبِ (٤).

стр. 14406

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَجوزُ الحَلفُ بغيرِ اللهِ وصِفاتِه نحوَ أنْ يَحلِفَ بأبِيه أو الكَعبةِ أو صَحابيٍّ أو إمامٍ، قالَ الشافِعيُّ: أَخشَى أنْ يَكونَ مَعصيةً، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وهذا أَصلٌ مُجمَعٌ عليه، وقيلَ: يَجوزُ ذلك لأنَّ اللهَ تَعالى أَقسَمَ بمَخلوقاتِه (١). وأما الشافِعيةُ فقالوا: إذا حلَفَ بغيرِ اللهِ؛ بأنْ حلَفَ بأبِيه، أو بالنَّبيِّ ﷺ ، أو بالكَعبةِ، أو بأحدٍ مِنْ الصَّحابةِ .. فلا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أَقسامٍ: أحدُها: أنْ يَقصِدَ بذلك قَصدَ اليَمينِ، ولا يَعتقِدُ في المَحلوفِ به مِنْ التَّعظيمِ ما يَعتقِدُه باللهِ تَعالى، فهذا يُكرهُ له ذلك، ولا يَكفُرُ؛ لما رَوى أَبو هُريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَحلِفوا بآبائِكم، ولا بأُمهاتِكم، ولا بالأَندادِ، ولا تَحلِفوا إلا باللهِ، ولا تَحلِفوا باللهِ إلا وأنتم صادِقونَ» (٢). ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَدركَ عُمرَ ﵁ وهو في رَكبٍ، وهو يَحلفُ بأبِيه، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ اللهَ يَنهاكم أنْ تَحلِفوا بآبائِكم، فمَن كانَ حالِفًا .. فليَحلِفْ باللهِ، أو ليَسكُتْ». قالَ عُمرُ: فما حلَفتُ بها بعدَ ذلك ذاكِرًا ولا آثِرًا» (٣). فمَعنى قولِه: (ذاكِرًا) أَذكُرُه عن غيرِي. ومَعنى قولِه: (آثرا) أيْ: حاكِيًا عن غيرِي، يُقالُ: آثرَ الحَديثَ: إذا رَواه. ولأنَّه يُوهِمُ في الظاهِرِ التَّسويةَ بينَ المَحلوفِ به وبينَ اللهِ ، فكُرهَ.

стр. 14407

القِسمُ الثانِي: أنْ يَحلِفَ بذلك، ويَقصِدَ قَصدَ اليَمينِ، ويَعتقِدَ في المَحلوفِ به مِنْ التَّعظيمِ ما يَعتقِدُه في اللهِ، فهذا يُحكَمُ بكُفرِه؛ لِما رَوى ابنُ عُمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ حلَفَ بغيرِ اللهِ فقَدْ كفَرَ أو أَشرَكَ» (١). القِسمُ الثالِثُ: أنْ يَجريَ ذلك على لِسانِه مِنْ غيرِ قَصدٍ إلى الحَلفِ به .. فلا يُكرَه، بل يَكونُ بمَعنى لَغوِ اليَمينِ، وعلى هذا يُحملُ قَولُ النَّبيِّ ﷺ للأَعرابيِّ الذي قالَ: واللهِ لا أَزيدُ عليها ولا أَنقُصُ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَفلَحَ وأبِيه إن صدَقَ» (٢) (٣). تَأويلُ العُلماءِ للقَسمِ الذي ورَدَ في القُرآنِ بغيرِ اللهِ تَعالى وقَسمِ النَّبي ﷺ بغيرِ اللهِ: نصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ قَسمَ اللهِ الواردَ في القُرآنِ ببَعضِ مَخلوقاتِه أنَّه ذلك فلهم تَأويلانِ فيها: الأَولُ: أنَّ اللهَ تَعالى أَقسَمَ بمَصنوعاتِه الدالَّةِ على قُدرتِه تَعظيمًا له

стр. 14408

تَعالى لا لها وتَنبيهًا على شَرفِه، وللهِ تَعالى أنْ يُقسِمَ بما شاءَ مِنْ خَلقِه ولا وَجهَ للقِياسِ على إِقسامِه. الثانِي: أنَّ في إِضمارِه القَسمَ بربِّ هذه المَخلوقاتِ، فقولُه تَعالى ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾، ﴿وَالطُّورِ (١)﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾، ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾، ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ … أي: وربِّ الصافَّاتِ وربِّ الطورِ (١). وأما ما ورَدَ أنَّه ﷺ قالَ: «أَفلَحَ وأبِيه» فللعُلماءِ فيها ثَلاثةُ تَأويلاتٍ: أحدُهما: أنَّها كَلمةٌ تَجري على اللِّسانِ لا يَقصِدُ بها اليَمينُ. الثانِي: أنَّ هذه لَفظةٌ غيرُ مَحفوظةٍ في هذا الحَديثِ مِنْ حَديثِ مَنْ يَحتَجُّ به كما يَقولُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀، وقد رَوى هذا الحَديثَ مالكٌ وغيرُه عن أَبي سُهيلٍ لَم يَقولوا ذلك فيه، وقد رُويَ عن إِسماعيلَ بنِ جَعفرٍ هذا الحَديثُ وفيه: «أَفلحَ واللهِ إنْ صدَقَ» أو «دخَلَ الجَنةَ واللهِ إنْ صدَقَ» وهذا أَولى مِنْ رِوايةِ مَنْ رَوى «وأبِيه»؛ لأنَّها لَفظةٌ مُنكرَةٌ تَردُّها الآثارُ الصِّحاحُ (٢). الثالِثُ: أنَّه لو ثبَتَ فالظاهِرُ أنَّ هذا كانَ قبلَ النَّهيِّ عنِ الحَلفِ بغيرِ اللهِ تَعالى؛ لأنَّ عُمرَ قد كانَ يَحلِفُ بها كما حلَفَ بها النَّبيُّ ﷺ ثم نَهى عن الحَلفِ بها ولَم يَردْ بعدَ النَّهيِّ إِباحةٌ (٣).

стр. 14409

المَوضعُ الثانِي: هل تَنعقِدُ اليَمينُ بالحَلفِ بغيرِ اللهِ تَعالى؟ اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ بغيرِ اللهِ تَعالى-كما تَقدَّمَ- وحنِثَ لَم تَلزمْه الكَفارةُ؛ لأنَّها وجَبَت في الحَلفِ باللهِ تَعالى؛ صِيانةً لأَسمائِه وصِفاتِه تَعالى، وغيرُه لا يُساوِيه في ذلك. ولأنَّ الحَلفَ بغيرِ اللهِ شِركٌ، وكَفارتُه: التَّوحيدُ؛ لحَديثِ: «مَنْ حلَفَ باللَّات والعُزَّى فليَقلْ: لا إلهَ إلا اللهُ» (١)، ولأنَّ الحَلفَ تَعظيمُ المَحلوفِ به ولا يَستَحقُّه إلا اللهُ تَعالى، وإذا لَم يَجزِ الحَلفُ بغيرِ اللهِ تَعالى لا يَلزمُه به كَفارةٌ لأنَّه ليسَ بيَمينٍ ولَم يَهتكْ حُرمةً مُنعَ مِنْ هَتكِها على التَّأبيدِ. قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فإذا ثبَتَ أنَّ اليَمينَ بغيرِ اللهِ مَكروهةٌ، فهي غيرُ مُنعقِدةٍ، ولا يَلزمُ الوَفاءُ بها، ولا كَفارةَ عليه إنْ حنِثَ فيها وهو كالمُتفَقِ عليه (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تَنعقِدُ اليَمينُ بالحَلفِ بمَخلوقٍ: كالكَعبةِ، والأَنبياءِ، وسائِرِ المَخلوقاتِ، ولا تَجبُ الكَفارةُ بالحِنثِ فيها،

стр. 14410

هذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ، وهو قولُ أَكثرِ الفُقهاءِ (١). وقالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: فأما الحَلفُ بالمَخلوقاتِ كالحَلفِ بالكَعبةِ أو قبْرِ الشَّيخِ أو بنِعمةِ السُّلطانِ أو بالسَّيفِ أو بِجاهِ أحدٍ مِنْ المَخلوقِينَ، فما أَعلمُ بينَ العُلماءِ خِلافًا أنَّ هذه اليَمينَ مَكروهةٌ مَنهيٌّ عنها وأنَّ الحَلفَ بها لا يُوجبُ حِنثًا ولا كَفارةَ (٢). وقالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وأما الحَلفُ بغيرِ اللهِ مِنْ المَلائكةِ والأَنبياءِ والمَشائخِ والمُلوكِ وغيرِهم فإنَّه مَنهيٌّ عنه غيرُ مُنعقِدٍ باتِّفاقِ الأُئمةِ، ولَم يُنازِعوا إلا في الحَلفِ برَسولِ اللهِ خاصَّةً، والجُمهورُ على أنَّه لا تَنعقِدُ اليَمينُ لا به ولا بغيرِه، وقد قالَ النَّبيُّ: «مَنْ كانَ حالِفًا فليَحلِفْ باللهِ أو ليَصمُتْ» (٣) وقالَ: «مَنْ حلَفَ بغيرِ اللهِ فقد أَشرَكَ» (٤).

стр. 14411

فمَن حلَفَ بشَيخِه أو بتُربتِه أو بحَياتِه أو بحقِّه على اللهش أو بالمُلوكِ أو بنِعمةِ السُّلطانِ أو بالسَّيفِ أو بالكَعبةِ أو أبِيه أو تُربةِ أبِيه أو نحوِ ذلك كانَ مَنهيًّا عن ذلك ولَم تَنعقِدْ يَمينُه باتِّفاقِ المُسلِمينَ (١). حُكمُ الحلفِ بالنَّبيِّ ﷺ -: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الحلفِ بالنَّبيِّ ﷺ هل يَجوزُ أم لا يَجوزُ؟ وهل تَنعقِدُ يَمينُه إذا حلَفَ بالنَّبيِّ ﷺ أم لا؟ وإذا حنِثَ هل تَلزمُه كَفارةٌ أم لا؟ فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الحَلفَ برَسولِ اللهِ ﷺ خاصةً دونَ سائرِ الأَنبياءِ يَمينًا مُكفرَّةٌ. ونصَّ عليه أَحمدُ في رِوايةِ أَبي طالبٍ؛ لأنَّه أَحدُ شَطرَي الشَّهادةِ الذي يَصيرُ بهما الكافرُ مُسلمًا، فأَشبهَ الحلفَ بالشَّطرِ الآخرِ وهو اسمُ اللهِ تَعالى (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ رجَّحَها كَثيرٌ منهم كابنِ قُدامةَ وابنِ تَيميةَ وغيرُهم الكَثيرُ على أنَّه لا يَجوزُ الحَلفُ بالنَّبيِّ ﷺ ، وإنْ حلَفَ بالنَّبيِّ ﷺ وحنِثَ لَم تَلزمْه الكَفارةُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ كانَ حالفًا فليَحلِفْ باللهِ أو ليَصمُتْ» (٣)، ولأنَّه حلَفَ بغيرِ اللهِ فلَم يُوجبِ الكَفارةَ

стр. 14412

كسائرِ الأَنبياءِ، ولأنَّه مَخلوقٌ فلم تَجبِ الكَفارةُ بالحلِفِ به كإِبراهيمَ ﵇، ولأنَّه ليسَ بمَنصوصٍ عليه ولا في مَعنى المَنصوصِ. ولأنَّ الحَلفَ تَعظيمُ للمَحلوفِ به، ولا يَستحِقُّه إلا اللهُ تَعالى، وإذا لَم يَجزِ الحَلفُ بغيرِ اللهِ تَعالى لا يَلزمُه به كَفارةٌ؛ لأنَّه ليسَ بيَمينٍ، ولَم يَهتِك حُرمةً مُنعَ مِنْ هَتكِها على التَّأبيدِ. وأما قولُهم أنَّه حلَفَ بما لا يَتمُّ الأَيمانُ إلا به فلزِمتْه الكَفارةُ كما لو حلَفَ باللهِ فإنَّ هذا يَنتَقضُ بمَن قالَ: وآدمَ وإِبراهيمَ؛ فإنَّه لا كَفارةَ عليه وقد حلَفَ بما لا يَتمُّ الأَيمانُ إلا به (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَصحُّ قِياسُ اسمِ غيرِ اللهِ على اسمِه لعَدمِ الشَّبهِ وانتِفاءِ المُماثَلةِ، وكَلامُ أَحمدَ في هذا يُحمَلُ على الاستِحبابِ دونَ الإِيجابِ (٢). وقالَ الإمامُ الزَّركشيُّ ﵀: وأَوردَ أَبو البَركاتِ في المَذهبِ عدمَ وُجوبِ الكَفارةِ، وظاهِرُ نَقلِه أنَّ المَسألةَ على رِوايتَينِ، وخرَجَ على رِوايةِ

стр. 14413

وُجوبِ الكَفارةِ بجِوازِ الحَلفِ به، أما إنْ لَم يَجبْ بالحَلفِ به كَفارةٌ فحُكمُه في الحَلفِ به حُكمَ غيرِه، هل يُكرَه ذلك وهو الذي جزَمَ به أَبو الخَطابِ في «الهِداية»، وأَبو عَلي، وابنُ البنَّا، وأَوردَه أَبو مُحمدٍ مَذهبًا، أو يَحرُمُ وهو الذي أَوردَه أَبو البَركاتِ مَذهبًا، وهو ظاهِرُ الحَديثِ؟ على قَولينِ، (وعن أَحمدَ) ما يَحتَملُهما (١). وقالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: عن أَحمدَ في الحَلفِ بالنَّبيِّ ﷺ رِوايَتانِ: إِحداهُما: لا يَنعقِدُ اليَمينُ به كقَولِ الجُمهورِ مالكٍ وأَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ. والثانِيةُ: يَنعقِدُ اليَمينُ به، واختَارَ ذلك طائِفةٌ مِنْ أَصحابِه كالقاضِي وأَتباعِه وابنِ المُنذرِ، وافقَ هؤلاءِ وقصَرَ أكثَرُ هؤلاءِ النِّزاعَ في ذلك على النَّبيِّ خاصةً وعدَّى ابنُ عَقيلٍ هذا الحُكمَ إلى سائرِ الأَنبياءِ، وإِيجابُ الكَفارةِ بالحَلفِ بمَخلوقٍ وإنْ كانَ نَبيًّا قولٌ ضَعيفٌ في الغايةِ مُخالِفٌ للأُصولِ والنُّصوصِ (٢). الحَلفُ بالمُصحفِ أو بالقُرآنِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن حلَفَ بالمُصحفِ أو بالقُرآنِ الكَريمِ هل يَنعقِدُ يَمينُه ويَجبُ عليه الكَفارةُ إذا حنِثَ أم لا يَنعقِدُ يَمينُه ولا تَجبُ عليه كَفارةٌ إذا حنِثَ؟

стр. 14414

فذهَبَ مُتقدِّمو الحَنفيةِ ومالكٌ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ حلَفَ بالمُصحفِ أو القُرآنِ فإنَّه لا كَفارةَ فيهما إذا حنِثَ؛ لأنَّ القُرآنَ هو المَجموعُ المَكتوبُ في المُصحفِ بالعَربيةِ؛ لأنَّه مِنْ القَرءِ، وهو الجَمعُ، وأنَّه يَقتضِي الضمَّ والتَّركيبَ، وذلك مِنْ صِفاتِ الحادِثِ، فيَكونُ غيرَ اللهِ تَعالى وغيرَ صِفاتِه؛ لأنَّ صِفاتَه قائمَةٌ بذاتِه أَزليَّةٌ كهو، حتى لو حلَفَ بكَلامِ اللهِ كانَ يَمينًا؛ لأنَّ كَلامَه صِفةٌ قائمَةٌ بذاتِه لا يُوصفُ بشَيءٍ مِنْ اللُّغاتِ؛ لأنَّ اللُّغاتَ كلَّها مُحدَثةٌ مَخلوقةٌ، أو اصطِلاحِيةٌ على الاختِلافِ، فلا يَجوزُ أنْ تَكونَ قَديمةً، بل هي عِبارةٌ عن القَديمِ الذي هو كَلامُ اللهِ تَعالى. وأما البَراءةُ مِنْ ذلك فيَمينٌ، كقولِه: «إنْ فَعلتُ كذا فأَنا بَريءٌ مِنْ القُرآنِ أو ممَّا في المُصحفِ أو مِنْ صَومِ رَمضانَ أو مِنْ الصَّلاةِ أو مِنْ الحَجِّ». وأَصلُه: أنَّ كلَّ ما يَكونُ اعتِقادُه كُفرًا ولا تُحلُّه الشَّريعةُ ففيهِ الكَفارةُ إذا حنِثَ؛ لأنَّ الكُفرَ لا تَجوزُ استِباحتُه على التَّأبيدِ لحقِّ اللهِ تَعالى، فصارَ كحُرمةِ اسمِه (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ ومُتأخِّرو الحَنفيةِ وقولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ الحَلفَ بالقُرآنِ أو بآيةٍ منه أو بالمُصحفِ يَمينٌ مُنعقِدةٌ تَجبُ الكَفارةُ بالحِنثِ فيها؛ لأنَّ ابنَ الزُّبيرِ كانَ يَحلفُ على المُصحفِ، ولأنَّ الحالِفَ بالمُصحفِ إنَّما قصَدَ الحَلفَ بالمَكتوبِ فيه وهو القُرآنُ فإنَّه بينَ دَفتَي المُصحفِ بإِجماعِ المُسلِمينَ.

стр. 14415

ولأنَّ القُرآنَ كَلامُ اللهِ وصِفةٌ مِنْ صِفاتِ ذاتِه فتَنعقِدُ اليَمينُ به كما لو قالَ: «وجَلالِ اللهِ وعَظمتِه». وهذا ما عليه كَثيرٌ مِنْ مُتأخِّري الحَنفيةِ، جاءَ في «الدُّر المُختار»: وأما الحَلفُ بكَلامِ اللهِ فيَدورُ معَ العُرفِ، وقالَ العَينيُّ: وعِندي أنَّ المُصحفَ يَمينٌ لا سِيما في زَمانِنا، وعندَ الثَّلاثةِ المُصحفُ والقُرآنُ وكَلامُ اللهِ يَمينٌ. قالُ ابنُ عابِدينَ: ونُقلَ في الهِنديةِ عن المُضمراتِ، وقد قيلَ هذا في زَمانِهم، أما في زَمانِنا فيَمينٌ وبه نَأخذُ ونَأمرُ ونَعتقِدُ. وقالَ مُحمدُ بنُ مُقاتلٍ الرَّازيُّ: إنه يَمينٌ وبه أخَذَ جُمهورُ مَشايخِنا. اه فهذا مُؤيدٌ لكَونِه صِفةً تُعورِفَ الحَلفُ بها كعِزةِ اللهِ وجَلالِه. قولُه (فيَدورُ معَ العُرفِ)؛ لأنَّ الكَلامَ صِفةٌ مُشتَركةٌ. قولُه (وقالَ العَينيُّ إلخ): عِبارتُه وعِندي لو حلَفَ بالمُصحفِ أو وضَعَ يدَه عليه وقالَ: «وحقِّ هذا» فهو يَمينٌ ولا سِيما في هذا الزَّمانِ الذي كثُرَت فيه الأَيمانُ الفاجِرةُ ورَغبةُ العَوامِّ في الحَلفِ بالمُصحفِ. اه وأَقرَّه في «النهر» وفيه نَظرٌ ظاهِرٌ؛ إذِ المُصحفُ ليسَ صِفةً للهِ تَعالى حتى يُعتبَرَ فيه العَرفُ وإلا لكانَ الحَلفُ بالنَّبيِّ والكَعبةِ يَمينًا لأنَّه مُتعارَفٌ، وكذا بحَياِة رأسِك ونحوِه، ولَم يَقلْ به أحدٌ على أنَّ قولَ الحالِفِ «وحقِّ اللهِ» ليسَ بيَمينٍ كما يَأتِي تَحقيقُه، وحقُّ المُصحفِ مثلُه بالأَولَى، وكذا «وحقِّ كَلامِ الله»؛ لأنَّ حقَّه تَعظيمُه والعَملُ له وذلك صِفةُ العَبدِ، نعم لو

стр. 14416

قالَ أُقسمُ بما في هذا المُصحفِ مِنْ كَلامِ الله تَعالى يَنبَغي أنْ يَكونَ يَمينًا (١). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفُوا فيما إذا حلَفَ بالمُصحفِ. فقالَ مالكٌ وأَحمدُ: يَنعقِدُ يَمينُه فإنْ حنِثَ فعليه كَفارةٌ وهو مَذهبُ الشافِعيِّ أيضًا. قالَ الوَزيرُ: وقد نُقلَ في ذلك خِلافٍ لما ذكَرْناه ولكنْ هو ممَّن لا يُعتدُّ بقولِه. قالَ الوزيرُ: قلتُ: إنَّ مَنْ خالَفَ في هذا فإنَّه لا يُعتدُّ بقولِه؛ لكَونِه أَعلَم أنه ليسَ بقولٍ صَحيحٍ لكنْ لَم أَعلَمْ أنِّي سُبِقتُ إليه حتى رَأيتُ بعدُ في كِتابِ «التمهيد» لابنِ عبدِ البَرِّ هذه المَسألةَ بعَينِها، وقد حَكى فيها أَقوالَ الصَّحابةِ والتابِعينَ واختِلافَهم في قَدرِ الكَفارةِ معَ اتِّفاقِهم على إِيجابِها، ثم قالَ: ولا مُخالِفَ لهذا إلا مَنْ لا يُعتدُّ بقولِه، وذكَرَ كَلامًا كَثيرًا على عادتِه في البَسطِ، وأَشارَ إلى تَوهينِ المُخالِفينَ لذلك بما هو مَسطورٌ في كِتابِه لمَن آثَرَ الوُقوفَ عليه والحَمدُ للهِ على التَّوفيقِ.

стр. 14417

واختَلفَ مالكٌ وأَحمدُ في قَدرِ الكَفارةِ إذا حنِثَ وكانَ قد حلَفَ بالمُصحفِ. فقالَ مالكٌ: كَفارةٌ واحِدةٌ وهو مَذهبُ الشافِعيِّ. وعن أَحمدَ رِوايتانِ: إِحداهُما: كمَذهبِ مالكٍ في إِيجابِ كَفارةٍ واحِدةٍ، والأُخرَى: يَلزمُه بكلِّ آيةٍ منه كَفارةٌ (١). الحَلفُ بعَهدِ اللهِ ومِيثاقِ اللهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ حلَفَ بعَهدِ اللهِ ومِيثاقِ اللهِ هل يُعتبَرُ يَمينًا مُنعقِدةً إذا حنِثَ وجَبَ عليه كَفارةُ يَمينٍ أم ليسَت بيَمينٍ إلا إذا نَوى بها اليَمينَ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الحَلفَ بعَهدِ اللهِ أو بمِيثاقِ اللهِ بأنْ قالَ: «عليَّ عَهدُ اللهِ» أو «علي مِيثاقُ اللهِ» يَمينٌ مُنعقِدةٌ إذا حنِثَ وجَبَ عليه كَفارةُ اليَمينِ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، فسمَّى العَهدَ يَمينًا وَنهى عن نَقدِه بعدَ تَوكيدِه، والمِيثاقُ عِبارةٌ عن العَهدِ، ولأنَّ عائِشةَ ﵂ حلَفَت بالعَهدِ أنْ لا تُكلِّمَ ابنَ الزُّبيرِ فلمَّا كلَّمتْه أَعتَقت أَربَعينَ رَقبةً، وكانَت إذا ذَكرَته تَبكي وتَقولُ: واعَهداهُ، ولأنَّ عهدَ اللهِ يَحتِملُ كَلامَه الذي أمَرَنا به ونَهانا كقولِه تَعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠]، وكَلامُه قَديمٌ صِفةٌ له، ويَحتَملُ أنَّه استِحقاقُه لِما تَعبدْنا به وقد ثبَتَ له عُرفُ الاستِعمالِ فيَجبُ أنْ يَكونَ يَمينًا بإِطلاقِه كما لو قالَ: «وكَلامِ اللهِ».

стр. 14418

وكذا إذا قالَ: «وعَهدِ اللهِ» أو «ومِيثاقِ اللهِ» عندَهم جَميعًا خِلافًا لأَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ فإنَّهما قالَا: لا يَكونُ يَمِينًا؛ لأنَّ عَهدَ اللهِ هو أَمرُه، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠]، وقالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ [طه: ١١٥]، فصارَ كأنَّه قالَ: «وأَمرِ اللهِ» (١). وذهَبَ الشافِعيةُ (والحَنابِلةُ في رِوايةٍ) إلى أنَّه إذا قالَ: «عليَّ عَهدُ اللهِ، ومِيثاقُه، وكَفالتُه، وأَمانتُه، لا فَعلتُ كذا»، أو قالَ: «وعَهدِ اللهِ، ومِيثاقِه، وكَفالتِه، وأَمانتِه، لأَفعلَنَّ كذا»، فإنْ نَوى به اليَمينَ .. فهو يَمينٌ، وإنْ نَوى به العِباداتِ التي أخَذَ اللهُ علينا العَهدَ بأَدائِها .. لَم يَكنْ يَمينًا؛ لأنَّه يَحتمِلُ أنْ يَكونَ ما أَوجبَه مِنْ فُروضٍ أنْ تُؤدَّى إليه، ويَحتمِلُ أنْ يُريدَ به ما أخَذَه اللهُ مِنْ الذُّريةِ في ظُهورِ الآباءِ مِنْ الاعتِرافِ به في قولِه تَعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ٧٢]، ويَحتمِلُ أنْ يُريدَ بها اليَمنَ، فلمَّا كانَ هنا يَحتمِلُ وُجوهًا وجَبَ أنْ يُرجعَ فيه إلى نِيتِه وإِرادتِه، فإنْ أَرادَ يَمينًا كانَت يَمينًا.

стр. 14419

وإنْ أَرادَ غيرَ اليَمينِ لَم تَكنْ يَمينًا، وإنْ لَم تَكنْ له إِرادةٌ وأَطلَقَ ففيه وَجهانِ: أَحدُهما: هو يَمينٌ؛ لأنَّ العادَةَ قد جرَت بالحَلفِ بذلك، فانصَرفَ إِطلاقُها إلى اليَمينِ، كقولِه: «وعَظمةِ اللهِ». والثانِي - وهو المَنصوصُ وهو الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ (وهي رِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ) -: أنَّه ليسَ بيَمينٍ؛ لأنَّ ظاهِرَ اللَّفظِ يَنصرِفُ إلى ما وجَبَ له على خَلقِه مِنْ العِباداتِ، فلَم تَصرْ يَمينًا مِنْ غيرِ نِيةٍ، وتُخالِفُ العَظمةَ؛ فإنَّها صِفةُ ذاتِه (١). الحَلفُ بالأَمانةِ: نصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الحَلفَ بالأَمانةِ مَنهيٌّ عنه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ حلَفَ بالأَمانةِ فليسَ منّا» (٢). ورُويَ عن زِيادِ بنِ حَديرٍ أنَّ رَجلًا حلَفَ عندَه بالأَمانةِ فجعَلَ يَبكِي بُكاءً شَديدًا فقالَ له الرَّجلُ: هل كانَ هذا يُكرَه؟ قالَ: «نَعم، كانَ عُمرُ يَنهى عن الحَلفِ بالأَمانةِ أَشدَّ النَّهيِ». وهو نَهيُ تَحريمٍ على الصَّحيحِ عندَ الحَنابِلةِ، وفي قَولٍ: نَهيُ كَراهةٍ.

стр. 14420

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما إذا حلَفَ بالأَمانةِ أو بأَمانةِ اللهِ هل يَنعقِدُ يَمينُه أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ في رِوايةِ الأَصلِ والمالِكيةُ إلى أنَّها يَمينٌ مُكفَّرةٌ، وكذا عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ إذا نَوى بها اليَمينَ، وإنْ لَم يَنوِ بها اليَمينَ أو أَطلَقَ فليسَت بيَمينٍ. وعندَ أَبي يُوسفَ وأَبي جَعفرٍ الطَّحاوِيِّ مِنْ الحَنفيةِ ليسَت بيَمينٍ، وبَيانُ ذلك فيما يَلي. فذهَبَ الحَنفيةُ في رِوايةِ الأَصلِ أنَّه لو قالَ: «وأَمانةِ اللهِ أنَّه يَكونُ يَمينًا». وذكَرَ ابنُ سَماعةَ عن أَبي يُوسفَ أنَّه لا يَكونُ يَمينًا. قالَ الكَاسانِيُّ: وذكَرَ الطَّحاوِيُّ عن أَصحابِنا جَميعًا أنَّه ليسَ بيَمينٍ. وَجهُ ما ذكَرَه الطَّحاوِيُّ أنَّ أَمانةَ اللهِ فَرائضُه التي تَعبَّدَ عِبادُه بها مِنْ الصَّلاةِ والصَّومِ وغيرِ ذلك، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [لقمان: ٧٢] فكانَ حَلفًا بغيرِ اسمِ اللهِ فلا يَكونُ يَمينًا. وَجهُ ما ذكَرَه في الأَصلِ أنَّ الأَمانةَ المُضافةَ إلى اللهِ تَعالى عندَ القَسمِ يُرادُ بها صِفتُه، ألا تَرى أنَّ الأَمينَ مِنْ أَسماءِ اللهِ تَعالى وأنَّه اسمٌ مُشتَقٌّ مِنْ الأَمانةِ؟ فكانَ المُرادُ بها عندَ الإِطلاقِ خُصوصًا في مَوضعِ القَسمِ صفةَ اللهِ (١).

стр. 14421

وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: قالَ مُحمدٌ ﵀ في قولِه: «وأَمانةِ اللهِ»: إنَّه يَمينٌ، ثم سُئلَ عن مَعناهُ فقالَ: لا أَدرِي فكأنَّه قالَ: وجَدَ العَربَ يَحلِفونَ بأَمانةِ اللهِ عادةً فجعَلَه يَمينًا وذكَرَ الطَّحاوِيُّ أنَّ قولَه: «وأَمانةِ اللهِ» لا يَكونُ يَمينًا؛ لأنَّه عِبادةٌ مِنْ العِباداتِ والطَّاعاتِ ولكنْ أمَرَ اللهُ تَعالى بها وهي غيرُ اللهِ تَعالى. وَجهُ رِوايةِ الأَصلِ أنَّه يَتعذَّرُ الإِشارةُ إلى شَيءٍ بعَينِه على الخُصوصِ أنَّه أَمانةُ اللهِ، والحَلفُ به مُتعارَفٌ وعلِمنَا أنَّهم يُريدونَ به الصِّفةَ فكأنَّه قالَ: «واللهِ الأَمينِ» (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه إذا حلَفَ بأَمانةِ اللهِ بأنْ قالَ: وأَمانةِ اللهِ فإنَّها يَمينٌ مُكفَّرةٌ؛ لأنَّها صِفةٌ مِنْ صِفاتِ الذَّاتِ يُوصَفُ بها الأَمينُ المُؤتَمنُ لَم يَزلْ تَعالى مَوصوفًا به فصارَ كقولِه: «وعَظمةِ اللهِ وقُدرتِه». إلا أنَّهم قالوا: هذا إذا قصَدَ بها صِفةَ البارِئِ تَعالى، فأمَّا إنْ أَرادَ ما جعَلَه اللهُ تَعالى في عِبادِه مِنْ الأَمانةِ فلا، وقالَه أَشهبُ. وحينَئذٍ تَكونُ يَمينًا غيرَ مَشروعةٍ (٢).

стр. 14422

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه إذا قالَ: «وأَمانةٍ، لا فَعلتُ كذا»، أو قالَ: «وأَمانتِه، لأَفعلَنَّ كذا»، فإنْ نَوى به اليَمينَ .. فهو يَمينٌ، وإنْ لَم نَوى به العِباداتِ التي أخَذَ اللهُ علَينا العَهدَ بأَدائِها .. لَم يَكنْ يَمينًا؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] قيلَ في التَّفسيرِ: هي الأَعمالُ بالثَّوابِ. وإنْ أُطلِقَ ففيه وَجهانِ: أَحدُهما: هو يَمينٌ؛ لأنَّ العادةَ قد جرَت بالحَلفِ بذلك، فانصَرفَ إِطلاقُها إلى اليَمينِ، كقولِه: «وعَظمةِ اللهِ». والثانِي -وهو المَنصوصُ وهو الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ-: أنَّه ليسَ بيَمينٍ؛ لأنَّ ظاهِرَ اللَّفظِ يَنصرفُ إلى ما وجَبَ له على خَلقِه مِنْ العِباداتِ، فلَم تَصرْ يَمينًا من غيرِ نيةٍ (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ مِنْ الأَيمانِ المُكفَّرةِ الحَلفِ بالأَمانةِ فإنْ أَضافَها إلى اللهِ، أو نَوى بها صِفةَ اللهِ تَعالى فهو يَمينٌ، وإنْ قالَ: والأَمانةِ. وأَطلَقَ فرِوايتانِ الصَّحيحُ منهما لا يَكونُ يَمينًا (٢).

стр. 14423

الحَلفُ بحقِّ اللهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن حلَفَ بحقِّ اللهِ هل هي يَمينٌ تُكفَّرُ أم ليسَت بيَمينٍ ولا كَفارةٍ فيها إنْ حنِثَ صاحبُها؟ فذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ الشَّيبانِيُّ وأَبو يُوسفَ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا كَفارةَ فيه لأنَّه ليسَ بيَمينٍ لأنَّ حقَّ اللهِ على عِبادِه الطَّاعاتُ كما فسَّرَ رَسولُ اللهِ ﷺ في قولِه لمُعاذٍ: «أَتدرِي ما حقُّ اللهِ تَعالى على عِبادِه أنْ يَعبدُوه ولا يُشرِكوا به شيئًا» (١) والحَلفُ بعِبادةِ اللهِ وطاعَتُه لا يَكونُ يَمينًا. ولو قالَ: والحقُّ يَكونُ يَمينًا لأنَّ الحقَّ مِنْ أَسماءِ اللهِ تَعالى قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور: ٢٥] وقيلَ: إنْ نَوى به اليَمينَ يَكونُ يَمينًا وإلا فلا لأنَّ اسمَ الحقِّ كما يُطلَقُ على اللهِ تَعالى يُطلَقُ على غيرِه فيَقفُ على النِّيةِ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ وأَبو يُوسفَ في رِوايةٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ حلَفَ بحقِّ اللهِ بأنْ قالَ: «وحقِّ اللهِ لا أَفعلُ كذا» فهي يَمينٌ مُكفَّرةٌ تَجبُ فيها الكَفارةُ إذا حنِثَ لأنَّها يَمينٌ في عُرفِ اللُّغةِ والشَّرعِ؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يَعقلُ عن قَصدِ الحالِفِ بها ما يَعقِلُ مِنْ قولِه «وعزَّةِ اللهِ وقُدرةِ اللهِ»؛ فوجَبَ أنْ يَكونَ يَمينًا، ولأنَّ حقَّ اللهِ صِفةٌ لذاتِه؛ لأنَّ مَعناها استِحقاقُه على عِبادِه طاعتَه، وذلك

стр. 14424

قَديمٌ غيرُ مُحدَثٍ؛ لأنَّه لَم يَزلْ مَوصوفًا بأنَّه مُستَحقٌّ على مَنْ يَخلُقه طاعَته وعِبادَته (١). وقالَ الشافِعيةُ: إذا قالَ: «وحقِّ اللهِ لأَفعلنَّ كذا»، فإن نَوى به اليَمينَ، فيَمينٌ، وإنْ نَوى غيرَها مِنْ العِباداتِ وغيرِها، فليسَ بيَمينٍ، وإن أَطلقَ فوَجهانِ: أَحدُهما: ليسَ بيَمينٍ. والثانِي: وهو الصَّحيحُ المَنصوصُ أنَّه يَمينٌ؛ لأنَّه غلَبَ استِعمالُه في اليَمينِ، فتَصيرُ هذه القَرينةُ صارِفةً للَّفظِ إلى مَعنى استِحقاقِ الإِلهيةِ والعَظمةِ. وقالَ المُتوليُّ: ولو قالَ: «وحقُّ اللهِ» -بالرَّفعِ- ونَوى اليَمينَ فيَمينٌ، وإنْ أَطلقَ، فلا، وإنْ قالَه بالنَّصبِ وأَطلقَ فوَجهانِ: والذي أَجابَ به البَغويُّ المَنعُ في النَّصبِ أَيضًا (٢).

стр. 14425

إذا قالَ: «أَسالُك باللهِ» أو أَقسمَ «عليك باللهِ» أو «واللهِ لتَفعلنَّ كذا»: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ قالَ: «أَسألُك باللهِ أو أُقسمُ عليك باللهِ أو أَعزمُ عليك باللهِ لتَفعلنَّ كذا أو لا تَفعلُ كذا» هل يُعتبَرُ يَمينًا فيه الكَفارةُ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ مَنْ قالَ لغيرِه: اللهِ لتَفعلَنَّ كذا أو واللهِ لتَفعلَنَّ كذا فقالَ الآخرُ: «نَعم» فإنْ أَرادَ المُبتدَيءُ الحَلفَ وكذا المُجيبُ فهما حالِفانِ على كلٍّ منهما كَفارةٌ إن لَم يَفعلِ المُجيبُ؛ لأنَّ قولَه «نَعم» جَوابٌ وهو يَستَدعي إِعادةَ ما في السُّؤالِ فكأنَّه قالَ: «نَعم واللهِ لأَفعلَنَّ كذا» وإنْ نَوى المُبتدَيءُ الاستِحلافَ والمُجيبُ الحَلفَ فالمُجيبُ هو الحالِفُ وإنْ لَم يَنوِ كلٌّ منهما شَيئًا فالحالِفُ هو المُجيبُ في قولِه «الله» وفي قولِه «واللهِ» -بالواوِ- فالحالِفُ هو المُبتدِيءُ وإنْ أَرادَ المُبتدِيءُ الاستِحلافَ فأَرادَ المُجيبَ أنْ لا يَكونَ عليه يَمينٌ وأنْ يَكونَ قولُه «نَعم» وعدًا بلا يَمينٍ فهو كما نَوى ولا يَمينٌ على واحِدةٍ منهما ولو قالَ باللهِ فهو كقولِه «واللهِ» في جَميعِ ذلك (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ مَنْ قالَ: «أَسألُك باللهِ لتَفعلَنَّ كذا» أو «أَعزمُ عليك باللهِ إلا ما فَعلتَ كذا» فامتَنعَ فلا شيءَ على كلِّ واحِدٍ منهما؛ لأنَّها ليسَت بيَمينٍ، أَرادَ اليَمينَ أو لَم يُردْها؛ لأنَّ هذه اللَّفظةَ لَم يَتقرَّرْ لها عُرفٌ شَرعًا ولا لُغةً، مَوضوعُها استِدعاءُ الفِعلِ على وَجهِ المَسألةِ، وذلك ليسَ
следующие страницы →