← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14421–14460 · переход к 14426.

стр. 14421

وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: قالَ مُحمدٌ ﵀ في قولِه: «وأَمانةِ اللهِ»: إنَّه يَمينٌ، ثم سُئلَ عن مَعناهُ فقالَ: لا أَدرِي فكأنَّه قالَ: وجَدَ العَربَ يَحلِفونَ بأَمانةِ اللهِ عادةً فجعَلَه يَمينًا وذكَرَ الطَّحاوِيُّ أنَّ قولَه: «وأَمانةِ اللهِ» لا يَكونُ يَمينًا؛ لأنَّه عِبادةٌ مِنْ العِباداتِ والطَّاعاتِ ولكنْ أمَرَ اللهُ تَعالى بها وهي غيرُ اللهِ تَعالى. وَجهُ رِوايةِ الأَصلِ أنَّه يَتعذَّرُ الإِشارةُ إلى شَيءٍ بعَينِه على الخُصوصِ أنَّه أَمانةُ اللهِ، والحَلفُ به مُتعارَفٌ وعلِمنَا أنَّهم يُريدونَ به الصِّفةَ فكأنَّه قالَ: «واللهِ الأَمينِ» (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه إذا حلَفَ بأَمانةِ اللهِ بأنْ قالَ: وأَمانةِ اللهِ فإنَّها يَمينٌ مُكفَّرةٌ؛ لأنَّها صِفةٌ مِنْ صِفاتِ الذَّاتِ يُوصَفُ بها الأَمينُ المُؤتَمنُ لَم يَزلْ تَعالى مَوصوفًا به فصارَ كقولِه: «وعَظمةِ اللهِ وقُدرتِه». إلا أنَّهم قالوا: هذا إذا قصَدَ بها صِفةَ البارِئِ تَعالى، فأمَّا إنْ أَرادَ ما جعَلَه اللهُ تَعالى في عِبادِه مِنْ الأَمانةِ فلا، وقالَه أَشهبُ. وحينَئذٍ تَكونُ يَمينًا غيرَ مَشروعةٍ (٢).

стр. 14422

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه إذا قالَ: «وأَمانةٍ، لا فَعلتُ كذا»، أو قالَ: «وأَمانتِه، لأَفعلَنَّ كذا»، فإنْ نَوى به اليَمينَ .. فهو يَمينٌ، وإنْ لَم نَوى به العِباداتِ التي أخَذَ اللهُ علَينا العَهدَ بأَدائِها .. لَم يَكنْ يَمينًا؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] قيلَ في التَّفسيرِ: هي الأَعمالُ بالثَّوابِ. وإنْ أُطلِقَ ففيه وَجهانِ: أَحدُهما: هو يَمينٌ؛ لأنَّ العادةَ قد جرَت بالحَلفِ بذلك، فانصَرفَ إِطلاقُها إلى اليَمينِ، كقولِه: «وعَظمةِ اللهِ». والثانِي -وهو المَنصوصُ وهو الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ-: أنَّه ليسَ بيَمينٍ؛ لأنَّ ظاهِرَ اللَّفظِ يَنصرفُ إلى ما وجَبَ له على خَلقِه مِنْ العِباداتِ، فلَم تَصرْ يَمينًا من غيرِ نيةٍ (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ مِنْ الأَيمانِ المُكفَّرةِ الحَلفِ بالأَمانةِ فإنْ أَضافَها إلى اللهِ، أو نَوى بها صِفةَ اللهِ تَعالى فهو يَمينٌ، وإنْ قالَ: والأَمانةِ. وأَطلَقَ فرِوايتانِ الصَّحيحُ منهما لا يَكونُ يَمينًا (٢).

стр. 14423

الحَلفُ بحقِّ اللهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن حلَفَ بحقِّ اللهِ هل هي يَمينٌ تُكفَّرُ أم ليسَت بيَمينٍ ولا كَفارةٍ فيها إنْ حنِثَ صاحبُها؟ فذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ الشَّيبانِيُّ وأَبو يُوسفَ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا كَفارةَ فيه لأنَّه ليسَ بيَمينٍ لأنَّ حقَّ اللهِ على عِبادِه الطَّاعاتُ كما فسَّرَ رَسولُ اللهِ ﷺ في قولِه لمُعاذٍ: «أَتدرِي ما حقُّ اللهِ تَعالى على عِبادِه أنْ يَعبدُوه ولا يُشرِكوا به شيئًا» (١) والحَلفُ بعِبادةِ اللهِ وطاعَتُه لا يَكونُ يَمينًا. ولو قالَ: والحقُّ يَكونُ يَمينًا لأنَّ الحقَّ مِنْ أَسماءِ اللهِ تَعالى قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور: ٢٥] وقيلَ: إنْ نَوى به اليَمينَ يَكونُ يَمينًا وإلا فلا لأنَّ اسمَ الحقِّ كما يُطلَقُ على اللهِ تَعالى يُطلَقُ على غيرِه فيَقفُ على النِّيةِ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ وأَبو يُوسفَ في رِوايةٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ حلَفَ بحقِّ اللهِ بأنْ قالَ: «وحقِّ اللهِ لا أَفعلُ كذا» فهي يَمينٌ مُكفَّرةٌ تَجبُ فيها الكَفارةُ إذا حنِثَ لأنَّها يَمينٌ في عُرفِ اللُّغةِ والشَّرعِ؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يَعقلُ عن قَصدِ الحالِفِ بها ما يَعقِلُ مِنْ قولِه «وعزَّةِ اللهِ وقُدرةِ اللهِ»؛ فوجَبَ أنْ يَكونَ يَمينًا، ولأنَّ حقَّ اللهِ صِفةٌ لذاتِه؛ لأنَّ مَعناها استِحقاقُه على عِبادِه طاعتَه، وذلك

стр. 14424

قَديمٌ غيرُ مُحدَثٍ؛ لأنَّه لَم يَزلْ مَوصوفًا بأنَّه مُستَحقٌّ على مَنْ يَخلُقه طاعَته وعِبادَته (١). وقالَ الشافِعيةُ: إذا قالَ: «وحقِّ اللهِ لأَفعلنَّ كذا»، فإن نَوى به اليَمينَ، فيَمينٌ، وإنْ نَوى غيرَها مِنْ العِباداتِ وغيرِها، فليسَ بيَمينٍ، وإن أَطلقَ فوَجهانِ: أَحدُهما: ليسَ بيَمينٍ. والثانِي: وهو الصَّحيحُ المَنصوصُ أنَّه يَمينٌ؛ لأنَّه غلَبَ استِعمالُه في اليَمينِ، فتَصيرُ هذه القَرينةُ صارِفةً للَّفظِ إلى مَعنى استِحقاقِ الإِلهيةِ والعَظمةِ. وقالَ المُتوليُّ: ولو قالَ: «وحقُّ اللهِ» -بالرَّفعِ- ونَوى اليَمينَ فيَمينٌ، وإنْ أَطلقَ، فلا، وإنْ قالَه بالنَّصبِ وأَطلقَ فوَجهانِ: والذي أَجابَ به البَغويُّ المَنعُ في النَّصبِ أَيضًا (٢).

стр. 14425

إذا قالَ: «أَسالُك باللهِ» أو أَقسمَ «عليك باللهِ» أو «واللهِ لتَفعلنَّ كذا»: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ قالَ: «أَسألُك باللهِ أو أُقسمُ عليك باللهِ أو أَعزمُ عليك باللهِ لتَفعلنَّ كذا أو لا تَفعلُ كذا» هل يُعتبَرُ يَمينًا فيه الكَفارةُ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ مَنْ قالَ لغيرِه: اللهِ لتَفعلَنَّ كذا أو واللهِ لتَفعلَنَّ كذا فقالَ الآخرُ: «نَعم» فإنْ أَرادَ المُبتدَيءُ الحَلفَ وكذا المُجيبُ فهما حالِفانِ على كلٍّ منهما كَفارةٌ إن لَم يَفعلِ المُجيبُ؛ لأنَّ قولَه «نَعم» جَوابٌ وهو يَستَدعي إِعادةَ ما في السُّؤالِ فكأنَّه قالَ: «نَعم واللهِ لأَفعلَنَّ كذا» وإنْ نَوى المُبتدَيءُ الاستِحلافَ والمُجيبُ الحَلفَ فالمُجيبُ هو الحالِفُ وإنْ لَم يَنوِ كلٌّ منهما شَيئًا فالحالِفُ هو المُجيبُ في قولِه «الله» وفي قولِه «واللهِ» -بالواوِ- فالحالِفُ هو المُبتدِيءُ وإنْ أَرادَ المُبتدِيءُ الاستِحلافَ فأَرادَ المُجيبَ أنْ لا يَكونَ عليه يَمينٌ وأنْ يَكونَ قولُه «نَعم» وعدًا بلا يَمينٍ فهو كما نَوى ولا يَمينٌ على واحِدةٍ منهما ولو قالَ باللهِ فهو كقولِه «واللهِ» في جَميعِ ذلك (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ مَنْ قالَ: «أَسألُك باللهِ لتَفعلَنَّ كذا» أو «أَعزمُ عليك باللهِ إلا ما فَعلتَ كذا» فامتَنعَ فلا شيءَ على كلِّ واحِدٍ منهما؛ لأنَّها ليسَت بيَمينٍ، أَرادَ اليَمينَ أو لَم يُردْها؛ لأنَّ هذه اللَّفظةَ لَم يَتقرَّرْ لها عُرفٌ شَرعًا ولا لُغةً، مَوضوعُها استِدعاءُ الفِعلِ على وَجهِ المَسألةِ، وذلك ليسَ

стр. 14426

مِنْ اليَمينِ في شيءٍ، ولأنَّ ذلك بمَثابةِ قولِه: «أَطلبُ منك وأَلتَمسُ ذلك» فليسَ بيَمينٍ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه إذا قالَ: «أَسألُكَ باللهِ أو أُقسمُ عليك باللهِ لتَفعَلنَّ» أو «أَعزمُ عليك باللهِ لتَفعلَنَّ كذا» فله فيه أَربعةُ أَحوالٍ: أَحدُها: أنْ يُريدَ يَمينًا لنَفسِه على فعلِ صاحبِه، فتَكونُ يَمينًا له مُعلَّقةٌ بفِعلِ غيرِه، فإنْ فعَلَ ما قالَ برَّ الحالِفُ، وإنْ لَم يَفعلْ حنِثَ الحالِفُ، ووجَبَت الكَفارةُ على الحالِفِ دونَ المَحلوفِ عليه؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فجعَلَ الكَفارةَ على الحالِفِ دونَ المُحنثِ، وقد جاءَت السُّنةُ بما يُوافِقُ هذا. رَوى راشدُ بنُ سَعدٍ عن عائِشةَ ﵂ قالَت: «أَهدَت لنا امرَأةٌ طبقًا فيه تَمرٌ فأَكلَت منه عائِشةٌ، وأَبقَت تُميراتٍ، فقالَت لها المَرأةُ: أَقسمتُ عليك إلا أَكلتِيه، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : بِريهَا؛ فإنَّ الإِثمَ على المُحنثِ»، فجعَلَ البِرَّ والحِنثَ على الحالِفِ والإِثمَ على المُحنثِ. والحالُ الثانِيةُ: أنْ يُريدَ الحالِفُ بيَمينِه يَمينًا يَعقدُها على المُستَحلفِ يَلزمُه برُّها وحِنثُها، فلا يَكونُ يَمينًا للحالِفِ؛ لأنَّه لَم يَردَّها، ولا تَكونُ يَمينًا للمُستَحلفِ؛ لأنَّه لَم يَحلفْ بها، ولأنَّه لَم تَنعقِدْ يَمينُ المُكرهِ معَ حَلفِه كانَت يَمينُ مَنْ لَم يَحلفْ أَولَى أنْ لا تَنعقِدَ.

стр. 14427

والحالُ الثالِثةُ: أنْ يُريدَ بها السُّؤالَ والطَّلبَ، ولا يَقصِدُ بها يَمينًا لنَفسِه ولا لصاحِبِه، فلا تَكونُ يَمينًا بحالٍ. والحالُ الرابِعةُ: أنْ يُطلِقَها، ولا تَكونُ له نِيةٌ فيها بيَمينٍ ولا غيرِه، فلا تَكونُ يَمينًا، لا يَختلِفُ فيه مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه لَم يَقتَرنْ بها عُرفُ شَرعٍ ولا عُرفُ استِعمالٍ، فخرَجَت عن حُكمِ الأَيمانِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: فإن قالَ: «واللهِ ليَفعَلنَّ فُلانٌ كذا» أو «لا يَفعلُ» أو حلَفَ على حاضِرٍ فقالَ: «واللهِ لتَفعَلنَّ كذا» فأَحنثَه ولَم يَفعلْ فالكَفارةُ على الحالِفِ؛ لأنَّ الحالِفَ هو الحانِثُ فكانَت الكَفارةُ عليه كما لو كانَ هو الفاعِلُ لِما يُحنِثُه ولأنَّ سببَ الكَفارةِ إما اليَمينُ وإما الحِنثُ أو هما، وأيُّ ذلك قُدرَ فهو مَوجودٌ في الحالِفِ. وإن قالَ: «أَسألُك باللهِ لتَفعَلنَّ» وأَرادَ اليَمينَ فهي كالتي قبلَها يَحنَثُ إن لَم يَفعلِ المَحلوفُ عليه والكَفارةُ على الحالِفِ، وإنْ أَرادَ الشَّفاعةَ إليه باللهِ فليسَت بيَمينٍ لعَدمِ الإِقسامِ، ولا كَفارةَ على واحِدٍ منهما. وإنْ قالَ: «باللهِ لتَفعَلنَّ» فهي يَمينٌ؛ لأنَّه أَجابَ بجَوابِ القَسمِ إلا أنْ يَنويَ ما يَصرفُها، وإنْ قالَ: «باللهِ أَفعلُ» فليسَت يَمينًا؛ لأنَّه لَم يُجبْها بجَوابِ القَسمِ، ولذلك لا يَصلُحُ أنْ يَقولَ: «واللهِ أَفعلُ» ولا «باللهِ أَفعلُ»، وإنَّما صلَحَ ذلك في التاءِ؛ لأنَّها لا تُخصُّ بالقَسمِ فيَدلُّ على أنَّه سُؤالٌ فلا تَجبُ به كَفارةٌ.

стр. 14428

ويُسنُّ إِبرارُ القاسِمِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بإِبرارِ المُقسمِ رواه البُخاريُّ، وهذا واللهُ أَعلمُ على سَبيلِ النَّدبِ لا على سَبيلِ الإِيجابِ بدَليلِ أنَّ أَبا بكرٍ قالَ: «أَقسمتُ عليكَ يا رَسولَ اللهِ ﷺ لتُخبِرنِّي بما أَصبتُ ممَّا أَخطأتُ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : لا تُقسِمْ يا أَبا بَكرٍ» ولَم يُخبِرْه، ولَو وجَبَ عليه إِبرارُه لأَخبَرَّه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَحتَملُ أنْ يَجبَ عليه إِبرارُه إذا لَم يَكنْ فيه ضَررٌ ويَكونُ امتِناعُ النَّبيِّ ﷺ مِنْ إِبرارِ أَبي بَكرٍ لِما علِمَ مِنْ الضَّررِ فيه وإنْ أَجابَه إلى صُورةٍ ما أَقسَمَ عليه دونَ مَعناهُ عندَ تَعذُّرِ المَعنى فحَسنٌ فإنَّه رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ العَباسَ جاءَه برَجلٍ ليُبايعَه على الهِجرةِ فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لا هِجرةَ بعدَ الفَتحِ «وقالَ العَباسُ: أَقسمتُ عليك يا رَسولَ اللهِ ﷺ لتُبايِعنَّه فوضَعَ النَّبيُّ ﷺ يدَه في يدِه وقالَ: أَبررتُ قَسمَ عمِّي ولا هِجرةَ، وأَجابَه إلى صُورةِ المُبايعةِ دونَ ما قصَدَ بيَمينِه. ويُستَحبُّ إِجابةُ مَنْ سأَلَ باللهِ لِما رَوى ابنُ عُمرَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ استَعاذَ باللهِ فأَعيذُوه، ومَن سَألَكم باللهِ فأَعطُوه، ومَن استَجارَ باللهِ فأَجيرُوه، ومَن أَتى إليكم مَعروفًا فكافِئوه، فإنْ لَم تَجدوا فادْعوا له حتى تَعلَموا أنْ قد كافَأتُموه» (١). وعن أَبي ذرٍّ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ثَلاثةٌ يُحبُّهم اللهُ وثَلاثةٌ يُبغِضُهم اللهُ، أما الذينَ يُحبُّهم اللهُ: فرَجلٌ سأَلَ قومًا فسأَلَهم باللهِ ولَم

стр. 14429

يَسأَلْهم بقَرابةٍ بينَه وبينَهم فتَخلَّفَ رَجلٌ بأَعقابِهم فأَعطاهُ سرًّا لا يَعلمُ بعَطيتِه إلا اللهُ ، والذي أَعطاهُ وقَومٌ سارُوا لَيلتَهم حتى إذا كانَ النَّومُ أَحبَّ إليهم ممَّا يَعدلُ به فوَضَعوا رُؤوسَهم فقامَ يَتملَّقُني ويَتلو آياتِي، ورَجلٌ كانَ في سَريةٍ فلَقوا العَدوَّ فهُزِموا فأَقبلَ بصَدرِه حتى يُقتلَ أو يُفتَحَ له، والثَّلاثةُ الذينَ يُبغِضُهم اللهُ: الشَّيخُ الزانِي، والفَقيرُ المُختالُ، والغَنيُّ الظَّلومُ» (١) رَواهُما النَّسائيُّ (٢). إذا قالَ: «أنا يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ إنْ لَم أَفعلْ هذا أو إنْ فَعلتُ كذا»: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن قالَ: «إن فَعلتُ كذا فهو يَهوديٌّ أو نَصرانِيُّ أو كافِرٌ» هل هي يَمينٌ مُكفَّرةٌ فإنْ لَم يَفعلْ وجَبَ عليه الكَفارةُ أو ليسَت بيَمينٍ ولا كَفارةٍ فيها؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ حلَفَ بما يَحظرُه الشَّرعُ كقولِه: «إنْ فَعلتُ كذا وكذا فأنا بَريءٌ مِنْ اللهِ، أو مِنْ رَسولِه ﷺ أو «مِنْ الإِسلامِ» أو «أنا كافِرٌ به، أو بَريءٌ مِنْ الكَعبةِ» أو خارِجٌ مِنْ دِينِ الإِسلامِ»، أو «فأنا يَهودِيٌّ، أو وَثنيٌّ أو مُستَحلٌّ للخَمرِ أو المَيتةِ» لَم تَنعقِدْ يَمينُه، ولَم تَلزمْ بالحِنثِ فيها كَفارةٌ؛ لقولِ الله تَعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩]. فجعَلَها غايةَ الأَيمانِ وأَغلظَها، فلَم تَتغلَّظِ اليَمينُ بغيرِ اللهِ، وعن أَبي هُريرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ: «لا تَحلِفوا بآبائِكم، ولا بأُمهاتِكم، ولا بالأَندادِ، ولا تَحلِفوا إلا باللهِ، ولا تَحلِفوا باللهِ إلا

стр. 14430

وأنتم صادِقونَ» (١). وهذا نصٌّ. ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «مَنْ حلَفَ بغيرِ اللهِ فكَفارتُه أنْ يَقولَ: لا إلهَ إلا اللهُ». ورُويَ أنَّه قالَ: «فقد أَشرَكَ» (٢). فدلَّ على سُقوطِ الكَفارةِ في اليَمينِ بغيرِ اللهِ ولأنَّه حلَفَ بغيرِ اللهِ فوجَبَ أنْ لا تَلزمُه كَفارةٌ كما لو قالَ: «إنْ فَعلتُ كذا فأنا زانٍ» أو «شاربُ خَمرٍ» أو «قاتلُ نَفسٍ»، ولأنَّه حلَفَ بمَخلوقٍ يَحدثُ؛ لأنَّ اعتِقادَ الكُفرِ وبَراءتُه مِنْ الإِسلامِ مُحدثٌ، فوجَبَ أنْ لا تَلزمُه كَفارةٌ كما لو حلَفَ بالسَّماءِ والأَرضِ والمَلائكةِ والأَنبياءِ؛ ولأنَّه منَعَ نَفسَه مِنْ فِعلٍ بأَمرٍ مَحظورٍ، فوجَبَ أنْ لا تَكونَ يَمينًا تُوجبُ التَّكفيرَ، كما لو قالَ: «إنْ كَلمتُ زَيدًا فأنا فاسِقٌ»، أو «فعَليَّ قَتلُ نفسِي أو وَلدِي». ولأنَّ الوُجوبَ مِنْ الشارعِ ولَم يَردْ في هذه اليَمينِ نصٌّ ولا هي في قِياسِ المَنصوصِ فإنَّ الكَفارةَ إنَّما وجَبَت في الحَلفِ باسمِ اللهِ تَعظيمًا لاسمِه وإِظهارًا لشَرفِه وعَظمتِه ولا تَتحَققُ التَّسويةُ (٣).

стр. 14431

وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ قالَ: «إِنْ فَعلتُ كذا فأنا يَهودِيٌّ أو نَصرانِيٌّ أو مَجوسِيٌّ أو كَافِرٌ أو مُشْرِكٌ» كانَ يَمينًا، حتَّى إذا حنِثَ في ذلك لزِمتْه كَفارةُ يَمينٍ؛ لحَديثِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن الرَّجلِ يَقولُ: هو يَهودِيٌّ، أو نَصرانِيٌّ، أو مَجوسِيٌّ، أو بَريءٌ مِنْ الإِسلامِ في اليَمينِ يَحلفُ بها، فيَحنثُ في هذه الأَشياءِ؟ فقالَ: عليه كَفارةُ يَمِينٍ» (١). ولحَديثِ ثابِتِ بنِ الضَّحاكِ مَرفوعًا: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ بمِلةٍ غيرِ الإِسلامِ كاذبًا، فهو كما قالَ» (٢). وكذا إذا قالَ: هو بَريءٌ مِنْ القُرآنِ أو مِنْ الإِسلامِ إنْ فعَلَ كذا فهو يَمينٌ، وكذا إذا قالَ: هو بَريءٌ مِنْ هذه القِبلةِ أو مِنْ الصَّلاةِ أو مِنْ شَهرِ رَمضانَ فهو يَمينٌ، وهذا كلُّه إذا حلَفَ على المُستَقبلِ، أما إذا حلَفَ على الماضِي، مثلَ أنْ يَقولَ: هو يَهودِيٌّ أو نَصرانِيٌّ أو كافرٌ إنْ كانَ فعَلَ كذا وهو يَعلمُ أنَّه فعَلَه لا يَكفرُ؛ لأنَّ الكُفرَ بالاعتِقادِ، وهو لَم يَعتقِد الكُفرَ، وإنَّما قصَدَ أنْ يُصدَّقَ في مَقالَتِه. وإنْ قالَ: «إنْ فَعلتُ كذا فعليه غَضبُ اللهِ أو سَخطُه أو لَعنةُ اللهِ أو عِقابُه» فليسَ بحالِفٍ. وكذلك إنْ قالَ: «إنْ فَعلتُ كذا فأنا زانٍ أو شارِبُ خَمرٍ أو آكِلُ ربًا

стр. 14432

أو مَيْتَةٍ» فليسَ بحالِفٍ؛ لأنَّها مَعصيةٌ ومُرتكبُها لا يَكونُ كافرًا، ولأنَّ المَيتةَ قد أُبيحَت عندَ الضَّرورةِ. وأما إذا قالَ: «إنْ فَعلتُ كذا فأنَا مُستحِلٌّ للخَمرِ أو للمَيتةِ أو للرِّبَا» فإنَّه يَكونُ حالِفًا؛ لأنَّ مُعتقِدَ ذلك كافِرٌ، فهوَ كما إذا قالَ: «فأنا يَهوديٌّ» (١). إذا قالَ: «عليَّ نَذرٌ» أو «للهِ عليَّ نَذرٌ»: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن قالَ: «عليَّ نَذرٌ» أو «للهِ عليَّ نَذرٌ» هل يُعتبَرُ يَمينًا ويُكفَّرُ عنها أو لا كَفارةَ فيها؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ قالَ: «عليَّ نَذرٌ» أو نَذرَ للهِ فهو يَمينٌ وعليه كَفارةُ يَمينٍ؛ لحَديثِ ابنِ عَباسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ نذَرَ نَذرًا لَم يسَمِّه فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ ومَن نذَرَ نَذرًا في مَعصيةٍ فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ ومَن نذَرَ نَذرًا لا يُطيقُه فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ ومَن نذَرَ نَذرًا أطَاقَه فليَفِ به» (٢). وعن عُقبةَ بنِ عامرٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «كَفارةُ النَّذرِ إذا لَم يسمَّ كَفارة يَمينٍ» (٣).

стр. 14433

وكذا إذا قالَ: «عليَّ يَمينٌ» أو «يَمينُ اللهِ عليَّ»: فهو حالِفٌ؛ لأنَّه صرَّحَ بإِيجابِ اليَمينِ على نَفسِه، واليَمينُ لا تَكونُ إلا باللهِ تَعالى (١). وأما الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: مَنْ قالَ: «عليَّ نَذرٌ» ولَم يُسمِّ شَيئًا فلا نَذرَ ولا كَفارةَ؛ لأنَّ النَّذرَ مَعناهُ مَعنى «عليَّ أنَّ أَبرَّ» وليسَ مَعناهُ مَعنى «أنِّي أَثمتُ» ولا «حَلفتُ فلَم أَفعلْ»، وإذا نَوى بالنَّذرِ شَيئًا مِنْ طاعةِ اللهِ فهو ما نَوى (قالَ الشافِعيُّ) فإنَّا نَقولُ فيمَنْ قالَ: «عليَّ نَذرٌ إنْ كلَّمتُ فُلانًا» أو «عليَّ نَذرٌ أنْ أُكلِّمَ فُلانًا» يُريدُ هِجرتَه أنَّ عليه كَفارةَ يَمينٍ وأنَّه إنْ قالَ: «عليَّ نَذرٌ أنْ أَهجُرَه» يُريدُ بذلك نَذرَ هِجرتِه نَفسِها لا يَعني قولَه: «أنْ أَهجُرَه» أو «لَم أَهجُرْه» فإنَّه لا كَفارةَ عليه وليُكلِّمَه؛ لأنَّه نَذرٌ في مَعصيةٍ (٢). الاستِثناءُ في اليَمينِ: أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على صِحةِ الاستِثناءِ في اليَمينِ فمَن حلَفَ يَمينًا وقالَ: إنْ شاءَ اللهُ، مُتَّصلًا بيَمينهِ فلَا حِنثَ عليه؛ لقولِه ﷺ : «مَنْ حلَفَ فقالَ: إنْ شاءَ اللهُ لَم يَحنَثْ» (٣).

стр. 14434

وعَن ابنِ عُمرَ ﵄ مَرفوعًا: «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ، فقالَ: إنْ شاءَ اللهُ فلَا حِنثَ عليه» (١). عن ابنِ عُمرَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ حلَفَ فاستَثنَى فإنْ شاءَ رجَعَ وإنْ شاءَ ترَكَ غيرَ حَنثٍ» (٢). وسَواءٌ كانَ الاستِثناءُ مُقدَّمًا أو مُؤخَّرًا بعدَ أنْ يَكونَ مَوصولًا؛ لأنَّه لا بدَّ مِنْ الاتِّصالِ، أيْ: اتِّصالُ الاستِثناءِ باليَمينِ؛ لأنَّ بعدَ الفَراغِ عن اليَمينِ رُجوعٌ، ولا رَجوعَ في اليَمينِ. وكذا إذا قالَ: «إذا شاءَ اللهُ»، أو: «إلا أنْ يَشاءَ اللهُ»، أو: «بقَضاءِ اللهِ»، أو: «بقُدرةِ اللهِ»، أو: «بما أَحبَّ اللهُ»، أو: «أَرادَ اللهُ»، أو: «إنْ أَعاننِي اللهُ»، أو: «بمَعونةِ اللهِ»، يُريدُ الاستِثناءَ، فهو مُستَثنٍ فيما بينَه وبينَ اللهِ. قالَ الإمامُ التِّرمذيُّ ﵀: والعَملُ على هذا عندَ أَكثرِ أهلِ العِلمِ مِنْ أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ وغيرِهم أنَّ الاستِثناءَ إذا كانَ مَوصولًا باليَمينِ فلا حِنثَ عليه، وهو قولُ سُفيانَ الثَّوريِّ والأَوزاعِيِّ ومالكِ بنِ أَنسٍ وعبدِ اللهِ بنِ المُباركِ والشافِعيِّ وأَحمدَ وإِسحاقَ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا أنَّ مَنْ حلَفَ باسمٍ مِنْ أَسماءِ اللهِ … ثم قالَ بلِسانِه: «إِنْ شاءَ اللهُ» أو «إلا أنْ يَشاءَ اللهُ» أو نحوَ

стр. 14435

ذلك مُتصلًا بيَمينِه ونَوى في حينِ لفظِه باليَمينِ أنْ يَستثِنيَ قبلَ تَمامِ لفظِه باليَمينِ أنَّه لا كَفارةَ عليه ولا يَحنَثُ إنْ خالَفَ ما حلَفَ عليه مُتعَمدًا أو غيرَ مُتعَمدٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأَجمعَ العُلماءُ على أنَّ الحالِفَ إذا وصَلَ يَمينَه باللهِ بالاستِثناءِ وقالَ إنْ شاءَ اللهُ فقد ارتَفعَ الحِنثُ عليه ولا كَفارةَ عليه لو حنِثَ وأَجمَعوا أنَّ الاستِثناءَ جائِزٌ في اليَمينِ باللهِ (٢). وقالَ الإمامُ البَغويُّ ﵀: والعَملُ على هذا عندَ عامَّةِ أهلِ العِلمِ أنَّ الاستِثناءَ إذا كانَ مَوصولًا باليَمينِ، فلا حِنثَ عليه، ولا فَرقَ بينَ اليَمينِ باللهِ، أو بالطَّلاقِ والعِتاقِ عندَ أَكثرِ أهلِ العِلمِ. وقالَ مالكٌ والأَوزاعِيُّ: إذا حلَفَ بطَلاقٍ أو عِتقٍ، فالاستِثناءُ لا يُغنِي عنه شَيئًا، ويَقعُ الطَّلاقُ والعِتاقُ، وقالَ أَصحابُ مالكٍ: الاستِثناءُ إنَّما يَعملُ في يَمينٍ يَدخلُها الكَفارةُ حتى قالَ مالِكٌ: إذا حلَفَ بالمَشيِ إلى بيتِ اللهِ، واستَثنى، فاستِثناؤُه ساقِطٌ، والحِنثُ له لَازمٌ. واختَلفَ أهلُ العِلمِ في الاستِثناءِ إذا كانَ مُنفصِلًا عن اليَمينِ، فذهَبَ أَكثرُهم إلى أنَّه لا يَعملُ إلا أن يَكونَ بينَ اليَمينِ والاستِثناءِ سَكتةٌ بَسيرةٌ كسَكتةِ الرَّجلِ للتَّذكرِ، أو للعِيِّ، أو للتَّنفسِ، فإنْ طالَ الفَصلُ، أو اشتَغلَ بكَلامٍ آخرَ بينَهما، ثم استَثنى، فلا يَصحُ.

стр. 14436

وذهَبَ بعضُهم إلى أنَّ الاستِثناءَ جائِزٌ ما دامَ في المَجلسِ، رُويَ ذلك عن طَاووسٍ والحَسنِ، وقالَ قَتادةُ: له أنْ يَستَثنيَ ما لَم يَتكَلمْ، أو يَقمْ، وقالَ أَحمدُ: له أنْ يَستَثنيَ ما دامَ في ذلك الأَمرِ، وقالَ ابنُ عَباسٍ: له الاستِثناءُ بعدَ حينٍ، وقالَ مُجاهدٌ: بعدَ سِنينَ، وقالَ سَعيدُ بنُ جُبيرٍ: بعدَ أَربعةِ أَشهرٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ الجدُّ ﵀: ويُسقِطُ الكَفارةَ -عمَّن حلَفَ بهذه اليَمينِ فحنِثَ فيها- الاستِثناءُ بمَشيةِ اللهِ تَعالى إذا وصَلَ ذلك بآخرِ كَلامِه وقصَدَ به حلَّ يَمينِه بإِجماعِ أهلِ العلمِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالكِيُّ ﵀: وأَجمعَت الأمةُ على أنَّ الرَّجلَ لو قالَ لرَجلٍ آخرَ له عليه حقٌّ: «واللهِ لأُعطِينَّك حقَّك غدًا إنْ شاءَ اللهُ» فجاءَ الغدُ ولَم يُعطِه شَيئًا أنَّه لا حِنثَ عليه في يَمينِه ولا يَلحقُه فيه كَذبٌ، والتَّأخيرُ مَعصيةٌ مِنْ الغَنيِّ القادِرِ (٣). وقالَ أيضًا ﵀: ولمَّا علِمَ اللهُ تَعالى أنَّ اليَمينَ يَرتبطُ، وأنَّ الخَلقَ يَتهافَتونَ إليها سِراعًا، جعَلَ منها مَخرجًا بالاستِثناءِ .... وإنْ كانَ جَرى بمَشيئةِ اللهِ تَعالى، انحَلَّت عندَ كافَّةِ الفُقهاءِ (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الحالِفُ إذا قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» معَ يَمينِه فهذا يُسمَّى استِثناءً فإنَّ ابنَ عُمرَ رَوى عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «مَنْ

стр. 14437

حلَفَ فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» فقد استَثنَى» (١) رواه أَبو داودَ وأَجمعَ العُلماءُ على تَسميتِه استِثناءً وأنَّه مَتى استَثنَى في يَمينِه لَم يَحنثْ فيها والأَصلُ في ذلك قولُ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ حلَفَ فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» لَم يَحنثْ» رَواه التِّرمذِيُّ ورَوى أَبو داودَ مَنْ «حلَفَ فاستَثنَى فإنْ شاءَ رجَعَ وإنْ شاءَ ترَكَ»، ولأنَّه مَتى قالَ: «لأَفعلَنَّ إنْ شاءَ اللهُ» فقد عَلمْنا أنَّه مَتى شاءَ اللهُ فعَلَ ومَتى لَم يَفعلْ لَم يَشأِ اللهُ ذلك فإنَّ ما شاءَ اللهُ كانَ وما لَم يَشأْ لَم يَكنْ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الاستِثناءَ بالجُملةِ له تَأثيرٌ في حلِّ الأَيمانِ واختَلَفوا في شُروطِ الاستِثناءِ الذي يَجبُ له هذا الحُكمُ بعدَ أنْ أَجمَعوا على أنَّه إذا اجتَمعَ في الاستِثناءِ ثَلاثةُ شُروطٍ أنْ يَكونَ مُتناسِقًا معَ اليَمينِ ومَلفوظًا به ومَقصودًا مِنْ أَولِ اليَمينِ أنَّه لا يَنعقدُ معَه اليَمينُ، واختَلَفوا في هذه الثَّلاثةِ مَواضعَ أَعنِي إذا فرَّقَ الاستِثناءَ مِنْ اليَمينِ أو نَواه ولَم يَنطقْ به أو حدَثَت له نِيةُ الاستِثناءِ بعدَ اليَمينِ وإنْ أَتى به مُتناسِقًا معَ اليَمينِ (٣). شُروطُ صِحةِ الاستِثناءِ في اليَمينِ: اشتَرطَ الفُقهاءُ عِدةَ شُروطٍ لا بدَّ مِنْ تَوافرِها لصِحةِ الاستِثناءِ في اليَمينِ وبَيانُها على النَّحوِ التالِي:

стр. 14438

أولًا: أنْ يَكونَ الاستِثناءُ مُتصلًا باليَمينِ: نصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ على أنَّه يُشتَرطُ أن يَكونَ الاستِثناءُ مُتصِلًا باليَمينِ بحيثُ لا يَفصِلُ بينَهما كَلامُ أَجنبيٍّ ولا يَسكُتُ بينَهما سُكوتًا يُمكنُه الكَلامُ فيه، فأما السُّكوتُ لانقِطاعِ نفَسِه أو صَوتِه أو عيٍّ أو عارضٍ مِنْ عَطشِه أو شَيءٍ غيرِها فلا يَمنعُ صِحةَ الاستِثناءِ وثُبوتُ حُكمِه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ حلَفَ فاستَثنَى» (١) وهذا يَقتَضي كونَه عقيبَه ولأنَّ الاستِثناءَ مِنْ تَمامِ الكَلامِ فاعتُبِرَ اتِّصالُه به كالشَّرطِ وجَوابِهِ وخبَرِ المُبتدأِ والاستِثنَاءِ بإلا، ولأنَّ الحالِفَ إذا سكَتَ ثبَتَ حُكمُ يَمينِه وانعَقدَت مُوجبةً لحُكمِها وبعدَ ثُبوتِه لا يُمكِنُ دَفعُه ولا تَغييرُه، قالَ أَحمدُ: حَديثُ النَّبيِّ ﷺ لعبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمرةَ «إذا حلَفتَ على يَمينٍ فرَأيتَ غيرَها خَيرًا منها فكفِّرْ عن يَمينِك» ولَم يَقلْ «فاستَثنِ» ولَو جازَ الاستِثناءُ في كلِّ حالٍ لَم يَحنثْ حانِثٌ به. ولأنَّ عُرفَ الناسِ في الكَلامِ المُنفصِلِ أنْ يَكونَ مُخالفًا للكَلامِ المُتصلِ، ألَا تَراه لو قالَ لعَبدِه: «أنتَ حرٌّ»، وسكَتَ، ثم قالَ بعدَ زَمانٍ: «إنْ دخَلتَ الدارَ»، عُتقَ بالكَلامِ الأولِ، ولَم يَكنْ ما ذكَرَه مِنْ دُخولِ الدارِ شَرطًا، ولو قالَ له: «عليَّ عَشرةُ دَراهمَ» وسكَتَ ثم قالَ بعدَ وَقتٍ: «إلا خَمسةً» لَم يَكنْ ذلك استِثناءً ولزِمَته العَشرةُ، لاستِقرارِ حُكمِ الكَلامِ بالسُّكوتِ عليه، كذلك الاستِثناءُ بمَشيئةِ اللهِ تَعالى.

стр. 14439

ولأنَّه لو صحَّ الاستِثناءُ بعدَ طَويلِ الزَّمانِ لسقَطَت كَفاراتُ الأَيمانِ باستِثنائِه قبلَ الحِنثِ (١). وذهَبَ الإمامُ أَحمدَ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ الاستِثناءُ إذا لَم يَطلِ الفَصلُ بينَهما؛ لحَديثِ ابنِ عَباسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «واللهِ لأَغزوَنَّ قُريشًا» ثم سكَتَ ثم قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» (٢) فاستَثنَى النَّبيُّ ﷺ بعدَ سُكوتِه ويُشتَرطُ على هذه الرِّوايةِ أنْ لا يُطيلَ الفَصلَ بينَهما ولا يَتكلَّمُ بينَهما بكَلامٍ أَجنبيٍّ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وحَكى ابنُ أَبي مُوسى عن بعضِ أَصحابِنا أنَّه قالَ: يَصحُّ الاستِثناءُ ما دامَ في المَجلسِ، وحُكيَ ذلك عن الحَسنِ وعَطاءٍ، وعن عَطاءٍ أنَّه قالَ: قَدرُ حَلبِ الناقةِ الغَروزةِ، وعن ابنِ عَباسٍ أنَّ له أنْ يَستَثنيَ بعدَ حينٍ، وهو قولُ مُجاهدٍ، وهذا القَولُ لا يَصحُّ لِما ذكَرْناه، وتَقديرُه بمَجلسٍ أو غيرِه لا يَصلُحُ؛ لأنَّ التَّقديراتِ بابُها التَّوقيفُ فلا يُصارُ إليها بالتَّحكمِ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اشتِراطُ اتِّصالِه بالقَسمِ فإنْ قومًا اشتَرَطوا ذلك فيه وهو مَذهبُ مالكٍ، وقالَ الشافِعيُّ: لا بأسَ بينَهما

стр. 14440

بالسَّكتةِ الخَفيفةِ كسَكتةِ الرَّجلِ للتَّذكرِ أو للتَّنفسِ أو لانقِطاعِ الصَّوتِ. وقالَ قومٌ مِنْ التابِعينَ: يَجوزُ للحالِفِ الاستِثناءُ ما لَم يَقمْ مِنْ مَجلسِه وكانَ ابنُ عَباسٍ يَرى أنَّه له الاستِثناءُ أبدًا على ما ذُكرَ منه متى ما ذكَرَ، وإنَّما اتَّفقَ الجَميعُ على أنَّ استِثناءَ مَشيئةِ اللهِ في الأَمرِ المَحلوفِ على فِعلِه إنْ كانَ فِعلًا أو على تَركِه إنْ كانَ تَركًا رافعٌ لليَمينِ؛ لأنَّ الاستِثناءَ هو رَفعٌ للُزومِ اليَمينِ. قالَ أَبو بكرِ بنُ المُنذِرِ: ثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ حلَفَ فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» لَم يحَنثْ». وإنَّما اختَلَفوا هل يُؤثرُ في اليَمينِ إذا لَم تُوصلْ بها أو لا؟ يُؤثرُ لاختِلافِهم هل الاستِثناءُ حالٌّ للانعِقادِ أو هو مَانعٌ له؟ فإذا قُلنَا: إنَّه مانعٌ للانعِقادِ لا حالٌّ له اشتُرطَ أنْ يَكونَ مُتصِلًا باليَمينِ، وإذا قُلنَا: إنَّه حالٌّ لَم يَلزمْ فيه ذلك. والذينَ اتَّفَقوا على أنَّه حالٌّ اختَلَفوا هي هو حالٌّ بالقُربِ أو بالبُعدِ على ما حَكيْنا، وقد احتَجَّ مَنْ رَأى أنَّه حالٌّ بالقُربِ بما رَواه سَعدٌ عن سماكِ بنِ حَربٍ عن عِكرمةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «واللهِ لأَغزوَنَّ قُريشًا» قالَها ثَلاثَ مَراتٍ ثم سكَتَ ثم قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» فدلَّ هذا أنَّ الاستِثناءَ حالٌّ لليَمينِ لا مانعَ لها مِنْ الانعِقادِ. قالوا: ومِن الدَّليلِ على أنَّه حالٌّ بالقُربِ أنَّه لو كانَ حالًّا بالبُعدِ على ما رَواه ابنُ عَباسٍ لكانَ الاستِثناءُ يُغنِي عن الكَفارةِ والذي قالُوه بيِّنٌ (١).

стр. 14441

وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: وقالَ الجَوزجانِيُّ في مُترجمِه: حدَّثَني صَفوانُ ثَنا عُمرُ قالَ: سُئلَ الأَوزاعيُّ ﵀ عَنْ رَجلٍ حلَفَ: «واللهِ لأَفعَلنَّ كذا وكذا» ثمَّ سكَتَ ساعَةً لا يَتكلَّمُ ولا يُحدِّثُ نَفسَه بالاستِثناءِ، فيَقولُ لهُ إِنسانٌ إلَى جانِبه: «قُلْ: إنْ شاءَ اللهُ» فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ»، أَيُكفِّرُ عَنْ يَمينِه؟ فقالَ: أرَاهُ قدِ استَثنَى. وبهذا الإِسنادِ عن الأَوزاعِيِّ أنَّه سُئلَ عَنْ رَجلٍ وصَلَه قَريبُه بدَراهمَ فقالَ: «واللهِ لا آخذُها» فقالَ قَريبُه: «واللهِ لَتأخُذنَّها»، فلمَّا سمِعَه قالَ: «واللهِ لتأْخُذنَّها» استَثنَى في نَفسِه فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ»، وليسَ بينَ قَولِه: «واللهِ لا آخُذُها» وبينَ قَولِه: «إنْ شاءَ اللهُ» كَلامٌ إلَّا انتِظارُه ما يَقولُ قَريبُه، أَيُكفِّرُ عَنْ يَمينِه إنْ هوَ أخَذَها؟ فقالَ: لَم يَحنَثْ؛ لأنَّه قدِ استَثنَى. ولا رَيبَ أنَّ هذا أَفقهُ وأَصحُّ مِنْ قَولِ مَنْ اشتَرطَ نيَّتَه معَ الشُّروعِ في اليَمينِ، فإنَّ هذا القَولَ مُوافقٌ للسُّنةِ الصَّحيحةِ فِعلًا عن النَّبيِّ ﷺ ، وحِكايةً عَنْ أَخيه سُليمانَ أنَّه لَو قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ بعدَ ما حلَفَ وذكَّرَه الملَكُ كانَ نافِعًا له»، ومُوافقًا للقِياسِ ومَصالحِ العِبادِ، ومُقتَضى الحَنيفيَّةِ السَمحةِ، ولو اعتُبِرَ ما ذُكرَ مِنْ اشتِراطِ النِّيةِ في أوَّلِ الكِلامِ والاتِّصالِ الشَّديدِ لزالَت رُخصةُ الاستِثناءِ وقلَّ مَنْ انتَفعَ بها، إلَّا مَنْ قَدْ درَسَ عَلى هذَا القَولِ وجعَلَه منه على بالٍ. وقَد ضَيَّقَ بعضُ المالِكيةِ في ذلك فقالَ: لا يَكونُ الاستِثناءُ نافِعًا إلَّا وقَد أرَادَه صاحِبُه قبلَ أنْ يُتمِّمَ اليَمينَ، كمَا قالَ بعضُ الشافِعيةِ وقالَ ابنُ الموَّازِ: شَرطُ نَفعِه أنْ يَكونَ مُقارِنًا ولَو لآخِرِ حَرفٍ مِنْ حُروفِ اليَمينِ، ولَم يَشتِرطْ

стр. 14442

مالِكٌ شَيئًا مِنْ ذَلكَ، بَلْ قالَ في مُوطَّئِه: وهذا لَفظُ رِوايتِه قالَ عبدُ اللهِ بنُ يُوسفَ: أحسَنُ ما سَمعتُ في الثُّنيَا في اليَمينِ أنَّها لصاحبِها ما لَم يَقطَعْ كَلامَه، ومَا كانَ نَسقًا يَتبعُ بعضُه بعضًا قبلَ أنْ يَسكُتَ، فإذَا سكَتَ وقطَعَ كَلامَه فَلا ثُنيَا له. انتهى. ولَم أرَ عن أَحدٍ مِنْ الأئِمةِ قطُّ اشتِراطَ النِّيةِ معَ الشُّروعِ ولا قبلَ الفَراغِ، وإنَّما هذا مِنْ تَصرُّفِ الأَتباعِ (١). الشرطُ الثانِي: أنْ يَكونَ مَلفُوظًا بلِسانِه لا بقَلبهِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَشتَرطُ أنْ يَستَثنيَ بلِسانِه ولا يَنفعُه الاستِثناءُ بالقَلبِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: في قَولِ عامَّةِ أهلِ العِلمِ منهم الحَسنُ والنَّخَعيُّ ومالكٌ والثَّوريُّ والأَوزاعِيُّ واللَّيثُ والشافِعيُّ وإِسحاقُ وأَبو ثَورٍ وأَبو حَنيفةَ وابنُ المُنذِرِ ولا نَعلَمُ لهم مُخالفًا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ حلَفَ فقالَ إنْ شاءَ اللهُ» والقولُ هو النُّطقُ، ولأنَّ اليَمينَ لا تَنعقِدُ بالنِّيةِ فكذلك الاستِثناءُ وقد رُويَ عن أَحمدَ إنْ كانَ مَظلومًا فاستَثنَى في نَفسِه: رَجوتُ أنْ يَجوزَ إذا خافَ على نَفسِه فهذا في حقِّ الخائِفِ؛ لأنَّ يَمينَه غيرُ مُنعقِدةٍ أو لأنَّه بمَنزلةِ المُتأولِ وأما في حقِّ غيرِه فلا (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وقَولُه ﷺ : «لَو قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» لَم يَحنَثْ» فيهِ إِشارةٌ إلَى أنَّ الاستِثناءَ يَكونُ بالقَولِ ولا تَكفِي فيهِ النيَّةُ، وبهَذا

стр. 14443

قالَ الشَّافعيُّ وأبُو حَنيفةَ ومالِكٌ وأَحمدُ والعُلماءُ كافَّةً، إلَّا ما حُكيَ عَنْ بعضِ المالِكيةِ أنَّ قِياسَ قَولِ مالِكٍ صحَّةُ الاستِثناءِ بالنِّيةِ مِنْ غيرِ لَفظٍ (١). وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: لا يَكونُ الاستِثناءُ إلَّا نُطقًا، فإنْ نَواهُ أو عقَدَه مِنْ غيرِ نُطقٍ لَم يَنفعْه، والأصلُ فيهِ قولُه ﷺ : «مَنْ حلَفَ فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» رجَعَ غيرَ حانِثٍ»، وذلكَ يُفيدُ النُّطقَ؛ لأنَّه رَفعٌ لحُكمِ اليَمينِ كالكَفارةِ، ولَو نَوى أنَّ عبدَه حرٌّ عن الكَفارةِ لَم يُجزْ إلَّا أنْ يَتلفَّظَ به (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأما اشتِراطُ النُّطقِ باللِّسانِ فإنَّه اختُلفَ فيه فقيلَ: لا بدَّ فيه مِنْ اشتِراطِ اللَّفظِ أيَّ لَفظٍ كانَ مِنْ أَلفاظِ الاستِثناءِ، وسَواءٌ كانَ بأَلفاظِ الاستِثناءِ أو بتَخصيصِ العُمومِ أو بتَقييدِ المُطلَقِ هذا هو المُشهورُ. وقيلَ: إنَّما يَنفعُ الاستِثناءُ بالنِّيةِ بغيرِ لَفظٍ في حَرفٍ إلا فَقط أيْ بما يَدلُّ عليه لَفظٌ إلا وليسَ يَنفعُ ذلك فيما سِواهُ مِنْ الحُروفِ، وهذه التَّفرقةُ ضَعيفةٌ. والسَّببُ في هذا الاختِلافِ هو هل تَلزمُ العُقودُ اللَّازمةُ بالنِّيةِ فقط دونَ اللَّفظِ أو باللَّفظِ والنِّيةِ معًا مثلَ الطَّلاقِ والعِتقِ واليَمينِ وغيرِ ذلك (٣). الشرطُ الثالِثُ: أنْ يُقصدَ الاستِثناءُ قبلَ الفَراغِ مِنْ اليَمينِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الحالِفِ إذا حلَفَ ثم بعدَ فَراغِه مِنْ اليَمينِ استَثنَى

стр. 14444

ولَم يَكنْ نَوى الاستِثناءَ ولَم يَقصدْه هل يَصحُّ منه الاستِثناءُ عندَ عَدمِ القَصدِ أم يَصحُّ منه وإنْ لَم يَقصدْ؟ نَصَّ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وبعضُ المالِكيةِ على أنَّه يُشتَرطُ أنْ يَنوِيَ الاستِثناءَ قبلَ تَمامِ المُستَثنَى منه، أيْ قبلَ فراغِه مِنْ اليَمينِ، فإنْ قالَ: «أنتِ طالِقٌ ثَلاثًا إلَّا واحِدَةً» لا يُعتَدُّ بالاستِثناءِ إلَّا إنْ نَواه قبلَ تَمامِ قولِه: «أنتِ طالِقٌ ثَلاثًا»؛ لأنَّ اليَمينَ إنَّما تُعتبَرُ بتَمامِها، وهَذا صادِقٌ بأنْ يَنوِيَه أوَّلَها أو آخِرَها أو ما بينَهما فَلا يُشتَرطُ في أوَّلِه ولا يَكفِي بعدَ الفَراغِ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: واشتَرطَ القاضِي أنْ يَقصِدَ الاستِثناءَ فلو أَرادَ الجَزمَ فسبَقَ لِسانُه إلى الاستِثناءِ مِنْ غيرِ قَصدٍ أو كانَت عادتُه جارِيةً بالاستِثناءِ فجَرى لِسانُه على العادةِ مِنْ غيرِ قصٍّ لَم يَصحَّ؛ لأنَّ اليَمينَ لما لَم يَنعقِدْ مِنْ غيرِ قَصدٍ فكذلك الاستِثناءُ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، وذكَرَ بعضُهم أنَّه لا يَصحُّ الاستِثناءُ حتى يَقصدَه معَ ابتِداءِ يَمينِه فلو حلَفَ غيرَ قاصِدٍ للاستِثناءِ ثم عرَضَ له بعدَ فَراغِه مِنْ اليَمينِ فاستَثنَى لَم يَنفعْه ولا يَصحُّ؛ لأنَّ هذا يُخالِفُ عُمومَ الخبَرِ؛ فإنَّه قالَ: «مَنْ حلَفَ فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ» لَم يَحنَثْ»، ولأنَّ لَفظَ الاستثِناءِ يَكون عقيبَ يَمينِه فكذلك نِيتُه (٢).

стр. 14445

وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ وبعضُ الحَنابِلةِ كشَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القَيمِ إلى أنَّه تَصحُّ نيَّتُه بعدَ فَراغِه مِنْ كَلامِه، قالَ الموَّاقُ: وهوَ الأصَحُّ؛ لأنَّ لَفظَ الاستِثناءِ لمَّا لَم يُشتَرطْ تَقديمُه عَلى آخِرِ حَرفٍ مِنْ حُروفِ اليَمينِ لَم يُشتَرطْ ذلكَ في النِّيةِ؛ لأنَّ مُجرَّدَ النِّيةِ لا تُؤثِّرُ، ولَو أثَّرَ مُجرَّدُ النِّيةِ في حلِّ اليَمينِ لاستَغنَى عَنْ لَفظِه، وهَذا باطِلٌ باتِّفاقٍ (١). قالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: ليسَ مِنْ شَرطِه أنْ يُنوِيَ معَ عَقدِ اليَمينِ؛ لأنَّ ذلكَ يُوجِبُ أنْ لا تَحلَّ يَمينٌ ابتُدئَ عَقدُها دونَ نيَّتهِ، وذلِكَ باطِلٌ، فإذَا ابتَدأَ غيرَ ناوٍ ثمَّ نَوى قبلَ فَراغِه مِنْ اليَمينِ جازَ، وإنْ فرَغَ مِنْ التَّلفُّظِ بها ثمَّ أَتى بهِ مُتِّصلًا غيرَ مُتراخٍ عَلى الحدِّ الَّذي يَأتِي مِنْ غيرِ فَصلٍ صحَّ عندَ مالِكٍ، وعندَ ابنِ الموَّازِ لا يَصحُّ، فوَجهُ قولِ مالِكٍ عُمومُ الخبَرِ، واعتِبارًا بمَا لَو نَواهُ بعدَ الفَراغِ بعلَّةِ الاتِّصالِ معَ النِّيةِ، ووَجهُ قَولِ ابنِ الموَّازِ أنَّ اليَمينَ فرَغَ مِنها عارِيةً مِنْ الاستِثناءِ، فوُرودُه بعدَها لا يُؤثِّرُ كالتَّراخِي، والأوَّلُ أصَحُّ (٢). وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ﵀ عَنْ رَجلٍ حلَفَ بالطَّلاقِ ثمَّ استَثنَى هُنَيهةً بقَدرِ ما يُمكِنُ فيهِ الكَلامُ.

стр. 14446

فأجَابَ: لا يَقعُ فيهِ الطَّلاقُ ولا كَفارةَ عَليهِ والحَالُ هذه، ولَو قِيلَ له: «قُلْ: إنْ شاءَ اللهُ» يَنفعُه ذلك أيضًا ولَو لَم يَخطُرْ لهُ الاستِثناءُ إلَّا لمَّا قيلَ له، واللهُ أَعلمُ (١). وقالَ أَيضًا: وللعُلماءِ في الاستِثناءِ النَّافعِ قَولانِ: أحدُهما: لا يَنفعُه حتَّى يَنويَه قبلَ فَراغِ المُستَثنَى مِنهُ، وهوَ قَولُ الشَّافعيِّ والقاضِي أبِي يَعلَى ومَن تبِعَه، والثانِي: يَنفعُه وإنْ لَم يُردْه إلَّا بعدَ الفَراغِ، حتَّى لَو قالَ لهُ بعضُ الحاضِرينَ: «قُلْ: إنْ شاءَ اللهُ» نفَعَه، وهَذا هوَ مَذهبُ أَحمدَ الَّذي يَدلُّ عَليهِ كَلامُه، وعَليهِ مُتَقدِّمُو أَصحابهِ، واختِيارُ أبِي مُحمَّدٍ وغيرِه، وهوَ مَذهبُ مالكٍ، وهو الصَّوابُ، ولا يُعتبَرُ قَصدُ الاستِثناءِ، فلَو سبَقَ عَلى لِسانِه عادَةً أو أَتى به تبَرُّكًا رفَعَ حُكمَ اليَمينِ، وكَذا قَولُه: «إنْ أرَادَ اللهُ» وقصَدَ بالإِرادةِ مَشيئَتَه لا مَحبَّتَه وأَمرَه، ومَن شَكَّ في الاستِثناءِ وكانَ مِنْ عادَتِه الاستِثناءُ فهوَ كمَا لَو علِمَ أنَّه استَثنَى (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: وقالَ الجَوزجانِيُّ في مُترجمِه: حدَّثَني صَفوانُ ثَنا عُمرُ قالَ: سُئلَ الأَوزاعِيُّ ﵀ عَنْ رَجلٍ حلَفَ: «واللهِ لأَفعَلنَّ كذا وكذا» ثمَّ سكَتَ ساعَةً لا يَتكلَّمُ ولَا يُحدِّثُ نَفسَه بالاستِثناءِ، فيَقولُ لهُ إنسانٌ إلَى جَانِبهِ: «قُلْ: إنْ شاءَ اللهُ» فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ»، أَيُكفِّرُ عَنْ يَمينِه؟ فقالَ: أرَاهُ قدِ استَثنَى.

стр. 14447

وبهَذَا الإسنَادِ عن الأَوزاعِيِّ أنَّه سُئِلَ عَنْ رَجلٍ وصَلَهُ قَريبُهُ بدِراهِمِ فقالَ: «واللهِ لا آخُذُها» فقالَ قَريبُهُ: «واللهِ لَتأْخُذَنَّها»، فلمَّا سَمِعَه قالَ «واللهِ لَتأْخُذَنَّها» استَثنَى في نفْسِه فقالَ: «إنْ شاءَ اللهُ»، وليسَ بيْنَ قَولِهِ: «واللهِ لا آخُذُها» وبيْنَ قَولِه: «إنْ شاءَ اللهُ» كَلامٌ إلَّا انتِظارُه ما يَقول قَريبُهُ، أَيُكفِّرُ عَنْ يَمينِهِ إنْ هوَ أخَذَها؟ فقالَ: لَم يَحنَثْ؛ لأنَّه قَدِ استَثنَى. ولَا رَيبَ أنَّ هذا أَفقهُ وأَصحُّ مِنْ قولِ مَنْ اشتَرطَ نيَّتَه معَ الشُّروعِ في اليَمينِ، فإنَّ هَذا القَولَ مُوافِقٌ للسُّنةِ الصَّحيحَةِ فِعلًا عن النَّبيِّ ﷺ ، وحِكايةً عَنْ أَخيِه سُليمانَ أنَّه لَو قالَ: «إنْ شاءَ اللهُ بعدَ ما حلَفَ وذكَّرَه الملَكُ كانَ نافِعًا لهُ»، ومُوافِقًا للقِياسِ ومَصالِحِ العِبادِ، ومُقتضَى الحَنيفيةِ السَمحةِ، ولو اعتُبِرَ ما ذُكرَ مِنْ اشتِراطِ النِّيةِ في أوَّلِ الكِلامِ والاتِّصالِ الشَّديدِ لزالَتْ رُخصَةُ الاستِثناءِ وقلَّ مَنْ انتَفعَ بها، إلَّا مَنْ قَدْ درَسَ عَلى هذَا القَولِ وجعَلَه منه على بالٍ. وقَد ضيَّقَ بعضُ المالِكيةِ في ذلك فقالَ: لا يَكونُ الاستِثناءُ نافِعًا إلَّا وقَد أرَادَه صاحِبُه قبلَ أنْ يُتمِّمَ اليَمينَ، كمَا قالَ بعضُ الشافِعيةُ وقالَ ابنُ الموَّازِ: شَرطُ نَفعِه أنْ يَكونَ مُقارنًا ولَو لآخِرِ حَرفٍ مِنْ حُروفِ اليَمينِ، ولَم يَشتِرطْ مالِكٌ شَيئًا مِنْ ذلك، بَلْ قالَ في مُوطَّئِه: وهذا لَفظُ رِوايتِه قالَ عبدُ اللهِ بنُ يُوسفَ: أحسَنُ ما سمِعتُ في الثُّنيَا في اليَمينِ أنَّها لصاحبِها ما لَم يَقطَعْ كَلامَه، ومَا كانَ نَسقًا يَتبَعُ بعضُه بعضًا قبلَ أنْ يَسكُتَ، فإذَا سكَتَ وقطَعَ كَلامَه فَلا ثُنيَا له. انتهى

стр. 14448

ولَم أرَ عن أَحدٍ مِنْ الأَئمةِ قطُّ اشتِراطَ النِّيةِ معَ الشُّروعِ ولا قبلَ الفَراغِ، وإنَّما هذا مِنْ تَصرُّفِ الأَتباعِ (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: هل تَنفعُ النِّيةُ الحادِثةُ في الاستِثناءِ بعدَ انقِضاءِ اليَمينِ؟ فقيل أيضًا في المَذهبِ إنَّها تَنفعُ إذا حدَثَت مُتصِلةً باليَمينِ، وقيلَ: بل إذا حدَثَت قبلَ أنْ يَتمَّ النُّطقُ باليَمينِ، وقيلَ بلْ استِثناءٌ على ضَربينِ؛ استِثناءٌ مِنْ عددٍ، واستِثناءٌ مِنْ عُمومٍ بتَخصيصٍ أو مِنْ مُطلقٍ بتَقييدٍ فالاستِثناءُ مِنْ العددِ لا يَنفعُ فيه إلا حُدوثُ النِّيةِ قبلَ النُّطقِ باليَمينِ، والاستِثناءِ مِنْ العُمومِ يَنفعُ فيه حُدوثُ النِّيةِ بعدَ اليَمينِ إذا وصَلَ الاستِثناءُ نطقًا باليَمينِ. وسببُ اختِلافِهم هل الاستِثناءُ مانعٌ للعَقدِ أو حالٌّ له؟ فإنْ قُلنا إنَّه مانعٌ فلا بدَّ مِنْ اشتِراطِ حُدوثِ النِّيةِ في أولِ اليَمينِ، وإنْ قُلنا إنَّه حالٌّ لَم يَلزمْ ذلك، وقد أَنكرَ عبدُ الوَهابِ أنْ يُشتَرطَ حُدوثُ النِّيةِ في أَولِ اليَمينِ للاتِّفاقِ، وزعَمَ على أنَّ الاستِثناءَ حالٌّ لليَمينِ كالكَفارةِ سَواءٌ (٢). الشَّرطُ الرَّابعُ: أنْ يَكون مَسموعًا: اختَلفَ الفُقهاءُ هَلْ يُشترطُ في اللَّفظِ أنْ يَكونَ مَسموعًا أم يَكفِي تَحريكُ اللِّسانِ بالاستِثناءِ؟ للحَنفيةِ قَولانِ في المَسألةِ: أَحدُهما: أنَّه شَرطٌ أنْ يَكونَ مَسموعًا، فلَو حرَّكَ لِسانَه به دونَ سَماعٍ لَم يَصحَّ، وهذا عندَ الهِندوانِيِّ، ورجَّحَه الكاسانِيُّ وصاحبُ «الدُّرّ».

стр. 14449

والثَّاني -وهوَ اختيارُ الكَرخيِّ-: لا يُشترطُ، وهوَ الصَّحيحُ، فلَو حرَّكَ لسانَه بالاستِثناءِ صحَّ وإنْ لَم يَكنْ مَسموعًا. قالَ الإمامُ عَلاءُ الدِّينِ السَّمرقَنديُّ ﵀: ولَو حرَّكَ لِسانَه بالاستِثناءِ وأتَى بحُروفِه على الوَجهِ لكنَّه لَم يَسمعْ يَكونُ استِثناءً؛ لأنَّ هذا كَلامٌ وليسَ الشَّرطُ هو السَّماعُ، ألَا تَرى أنَّ الأَصمَّ يَصحُّ استِثناؤُه وإنْ لَم يَسمعْ هو (١). وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: فأمَّا السَّماعُ فليسَ بشَرطٍ؛ لكَونِه كَلامًا، فإنَّ الأصمَّ يَصحُّ استِثناؤُه وإنْ كانَ لا يَسمعُ، والصَّحيحُ ما ذكَرَه الفَقيهُ أَبو جَعفرٍ؛ لأنَّ الحُروفَ المَنظومَةَ -وإنْ كانَت كَلامًا عندَ الكَرخيِّ وعندَنا- هي دَلالةٌ عَلى الكَلامِ وعِبارةُ عنه، لا نَفسَ الكَلامِ في الغائِبِ والشَّاهِدِ جَميعًا، فلَم تُوجَدِ الحُروفُ المَنظومَةُ ههُنا؛ لأنَّ الحُروفَ لا تَتحقَّقُ بدونِ الصَّوتِ، فالحُروفُ المَنظومَةُ لا تَتحقَّقُ بدونِ الأَصواتِ المُتقطِّعةِ بتَقطيعٍ خاصٍّ، فإذا لَم يُوجدِ الصَّوتُ لَم تُوجَدِ الحُروفِ، فلَم يُوجَدِ الكَلامُ عندَه ولا دَلالةُ الكَلامِ عندَنا، فلَم يَكنْ استِثناءً، واللهُ المُوفِّقُ (٢). وقالَ في «الدُّرّ المُختَار»: (مَسموعًا) بحَيثُ لَو قرَّبَ شَخصٌ أُذنَه إلى فيه يَسمعُ، فصحَّ استِثناءُ الأصَمِّ. قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: (قولُه: مَسموعًا) هَذا عندَ الهِندوانِيِّ، وهوَ الصَّحيحُ كمَا في «البَدائِع»، وعندَ الكَرخيِّ ليسَ بشَرطٍ، (قولُه: بحَيثُ إلَخ)

стр. 14450

أَشارَ به إلى أنَّ المُرادَ بالمَسموعِ ما شَأنُه أنْ يُسمَعَ وإنْ لَم يَسمَعْه المُنشِئُ لكَثرةِ أَصواتٍ مَثلًا (١). وقالَ المالِكيةُ: يُشتَرطُ النُّطقُ بالاستِثناءِ بحَركةِ اللِّسانِ، ولَا يُشتَرطُ سَماعُ نَفسِه، بَلْ يَكفِي سِرًّا بحَركةِ لِسانٍ، بأنْ يُحرِّكَ شَفتَيه وإنْ لَم يُسمِعْ نَفسَه، ولا يُشتَرطُ الجَهرُ به، أمَّا إنْ أَجراهُ على قَلبِه بلا نُطقٍ فلا يُفيدُه (٢). وقالَ الشافِعيةُ: يُشتَرطُ أنْ يَتلفَّظَ بالاستِثناءِ بحَيثُ يُسمِعُ نَفسَه إنِ اعتَدلَ سَمعُه ولا عارِضَ، وإلا فلا يُقبَلُ. قالَ ابنُ حَجرٍ الهَيثميُّ ﵀: ويُشتَرطُ أنْ يَتلفَّظَ به بحَيثُ يُسمِعُ نَفسَه إنِ اعتَدلَ سَمعُه ولا عارِضَ، وإلا لَم يُقبَلْ. وقالَ الشَّروانِيُّ: قولُه: (وأنْ يَتلفَّظَ به إلخ) قالَ في «الأَنوار»: الخَامسُ مِنْ شُروطِ الاستِثناءِ: أنْ يُسمِعَ غيرَه (٣). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وهَل يُشتَرطُ أنْ يُسمِعَ نَفسَه؟ أو يَكفِي تَحرُّكُ لِسانِه بالاستِثناءِ وإنْ كانَ بحَيثُ لا يَسمَعُه؟ فاشتَرطَ أَصحابُ أَحمدَ

стр. 14451

وغيرُهم أنَّهُ لا بدَّ وأنْ يَكون بحَيثُ يَسمَعُه هو أو غيرُه، ولا دَليلَ على هذا مِنْ لُغةٍ ولا عُرفٍ ولا شَرعٍ، وليسَ في المَسألةِ إِجماعٌ. قَالَ أَصحابُ أبِي حَنيفةَ -واللَّفظُ لصاحِبِ «الذَّخِيرة»: وشَرطُ الاستِثناءِ أنْ يَتكلَّمَ بالحُروفِ، سَواءٌ كانَ مَسمُوعًا أو لَم يَكنْ عندَ الشَّيخِ أَبي الحَسنِ الكَرخيِّ. وكانَ الفَقيهُ أَبو جَعفرٍ يَقول: لا بدَّ وأنْ يُسمِعَ نَفسَه، وبه كانَ يُفتِي الشَّيخُ أَبو بَكرٍ مُحمدُ بنُ الفَضلِ، وكانَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ يَميلُ إلَى هَذا القَولِ، وباللهِ التَّوفيقُ، وهَذا بعضُ ما يَتعلَّقَ بمَخرجِ الاستِثناءِ، ولَعلَّكَ لا تَظفَرُ بهِ في غيرِ هَذا الكِتابِ (١). إذا حلَفَ وكرَّرَ اليَمينَ على شيءٍ واحدٍ أو على أَشياءَ مُتعَددةٍ: إذا حلَفَ وكرَّرَ اليَمينَ فهذا لا يَخلو مِنْ عِدةِ صُورٍ: الصُّورةُ الأُولى: إذا كرَّرَ اليَمينَ على شيءٍ واحدٍ مِرارًا: نصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الإِنسانَ إن كرَّرَ اليَمينَ على شيءٍ واحدٍ يُريدُ التَّوكيدَ مثلَ أنْ يَقولَ: «واللهِ لأَفعَلنَّ كذا .. واللهِ لأَفعَلنَّ كذا» أو قالَ: واللهِ لا أَكلتُ .. واللهِ لا أَكلتُ .. واللهِ لا أَكلتُ» كقولِ النَّبيِّ ﷺ : «واللهِ لأَغْزوَنَّ قُريشًا .. واللهِ لأَغْزوَنَّ قُريشًا .. واللهِ لأَغْزوَنَّ قُريشًا، ثمَّ قالَ إنْ شاءَ اللهُ» (٢)، فإذا حنَثَ فإنَّه لا يَلزمُه إلا كَفارةٌ واحِدةٌ.

стр. 14452

واختَلَفوا فيما لو أَرادَ الاستِئنافَ هل تَلزمُه كَفارةٌ واحِدةٌ أو كَفاراتٌ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إذا قالَ: «واللهِ لا أَفعلُ كذا .. واللهِ لا أَفعلُ كذا» لشيءٍ فإنْ أَرادَ التَّكرارَ فيَمينٌ واحِدةٌ وإنْ لَم تَكنْ له نِيةٌ أو أَرادَ التَّغليظَ فهما يَمينانِ، وإنْ قالَ ذلك في مَجلِسينِ فهما يَمينانِ؛ نَظرًا إلى أنَّ كلَّ واحِدةٍ يَمينٌ مُنعقِدةٌ، فأَشبَهت الأَيمانَ المُختَلفةَ الكَفارَة. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولو قالَ: «واللهِ واللهِ لا أَفعلُ كذا» ذكَرَ مُحمدٌ أنَّ القِياسَ أن يَكونَ عليه كَفارَتانِ ولكنِّي أَستَحسنُ فأَجعلُ عليه كَفارةً واحِدةً، وهذا كلُّه في الاسمِ المُتفقِ، ترَكَ مُحمدٌ القِياسَ وأخَذَ بالاستِحسانِ لمَكانِ العُرفِ؛ لِما زعَمَ أنَّ مَعانِيَ كَلامِ الناسِ عليه، هذا إذا ذكَرَ المُقسمَ به ولَم يَذكرِ المُقسمَ عليه حتى ذكَرَ اسمَ اللهِ ثانيًا، فأما إذا ذكَرَهما جَميعًا ثم أَعادَهما فإنْ كانَ بحرفِ العَطفِ بأنْ قالَ: «واللهِ لا أَفعلُ كذا .. والرَّحمنِ لا أَفعلُ كذا» أو قالَ: «واللهِ لا أَفعلُ كذا .. واللهِ لا أَفعلُ كذا» فلا شكَّ أنَّهما يَمينانِ سَواءٌ كانَ ذلك في مَجلِسينِ أو في مَجلسٍ واحدٍ، حتى لو فعَلَ كانَ عليه كَفارَتانِ، وكذا لو أَعادَهما بدونِ حرفِ العَطفِ بأنْ قالَ: «واللهِ لا أَفعلُ كذا» وقالَ: «واللهِ لا أَفعلُ كذا»؛ لأنَّه لما أَعادَ المُقسمَ عليه معَ الاسمِ الثانِي عُلمَ أنَّه أَرادَ به يَمينًا أُخرَى؛ إذْ لو أَرادَ الصِّفةَ أو التَّأكيدَ لَما أَعادَ المُقسمَ عليه. ولو قالَ: «واللهِ لا أَفعلُ كذا»، أو قالَ: «واللهِ لا أَفعلُ كذا»، وقالَ: «أَردتُ بالثانِي الخبَرَ عن الأَولِ». ذكَرَ الكَرخيُّ أنَّه يُصدَّقُ؛ لأنَّ الحُكمَ المُتعلِّقَ باليَمينِ باللهِ تَعالى هو

стр. 14453

وُجوبُ الكَفارةِ، وإنَّه أمرٌ بينَه وبينَ اللهِ تَعالى ولفظُه مُحتَملٌ في الجُملةِ وإنْ كانَ خِلافَ الظاهِرِ فكانَ مُصدقًا فيما بينَه وبينَ اللهِ . ورُويَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه لا يُصدَّقُ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه لو كرَّرَ اليَمينَ على شيءٍ واحدٍ في مَجلسٍ واحدٍ أو مَجالِسَ بأنْ قالَ: «واللهِ واللهِ» أو «واللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ» أو كيفَ كرَّرَ اليَمينَ فهي يَمينٌ واحِدةٌ إنْ نَوى التَّأكيدَ أو الإِنشاءَ دونَ تَعددِ الكَفاراتِ على المَشهورِ، وقيلَ: إنْ نَوى الإِنشاءَ عليه لكلِّ يَمينٍ كَفارةٌ. وأما إنْ قصَدَ تَعددَ الكَفاراتِ كمَن حلَفَ باللهِ أو بشيءٍ مِنْ صِفاتِه أنْ لا يَفعلَ كذا لشيءٍ واحدٍ ونَوى إنْ فعَلَه فعليه كَفاراتٌ بعددِ المُقسمِ به؛ فإنَّ الكَفارةَ تَتعددُ بتَعددِه قولًا واحدًا (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه إنْ حلَفَ على فِعلٍ مَرتَينِ بأنْ قالَ: «واللهِ لا دَخلتُ الدارَ .. واللهِ لا دَخلتُ الدارَ» نُظرَ فإنْ نَوى بالثانِي التَّأكيدَ لَم يَلزمْه إلا كَفارةٌ واحِدةٌ وإنْ نَوى الاستِئنافَ ففيه قَولانِ: أَحدُهما: يَلزمُه كَفارَتانِ؛ لأنَّهما يَمينانِ باللهِ فتَعلَّقَ بالحِنثِ فيهما كَفارَتانِ كما لو كانَت على فِعلينِ.

стр. 14454

والثانِي: تَجبُ كَفارةٌ واحِدةٌ وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ الثانِيةَ لا تُفيدُ إلا ما أَفادَت الأُولى فلَم يَجبْ أَكثرُ مِنْ كَفارةٍ كما لو قصَدَ بها التَّأكيدَ. وإن لَم يَكنْ له نيةٌ فإنْ قُلنا إنَّه إذا نَوى الاستِئنافَ لزِمَته كَفارةٌ واحِدةٌ فههُنا أَولَى، وإنْ قُلنا هناكَ تَجبُ كَفارَتانِ ففي هذا قَولانِ بِناءً على القَولينِ فيمن كرَّرَ لفظَ الطَّلاقِ ولَم يَنوِ (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ عليه كَفارةً واحِدةً وإنْ نَوى التَّكرارَ؛ لأنَّه حِنثٌ واحِدٌ أَوجبَ جِنسًا واحِدًا مِنْ الكَفاراتِ فلَم يَجبْ به أَكثرُ مِنْ كَفارةٍ كما لو قصَدَ التَّأكيدَ والتَّفهيمَ، ولأنَّ الكَفاراتِ زَواجِرُ بمَنزلةِ الحُدودِ، والحُدودُ تَتداخلُ، فكذلك الكَفاراتُ (٢). قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا فيما إذا كرَّرَ اليَمينَ على شيءٍ واحدٍ، وعلى أَشياءَ وحنِثَ. فقالَ أَبو حَنيفةَ ومالكٌ وأَحمدُ في إِحدى الرِوايتَينِ: عليه بكُلِّ يَمينٍ كَفارةٌ سَواءٌ كانَت على فِعلٍ واحدٍ أو على أَفعالٍ، إلا أنَّ مالِكًا اعتبَرَ إِرادةَ التَّأكيدِ فقالَ: إنْ أَرادَ التَّأكيدَ فكَفارةٌ واحِدةٌ، وإنْ أَرادَ الاستِئنافَ فلكلِّ يَمينٍ كَفارةٌ. وعن أَحمدَ رِوايةٌ أُخرَى: عليه كَفارةٌ واحِدةٌ في الجَميع وهي الجَميعُ، وهي التي اختارَها أَبو بَكرٍ عبدُ العَزيزِ مِنْ أَصحابِه، وظاهرُ كَلامِ الخِرقيِّ

стр. 14455

في أنَّه إذا حلَفَ بها على أَشياءَ مُختَلفةٍ ففي كلِّ واحدٍ منها كَفارةٌ، وإنْ كانَ على شيءٍ واحد فكفارةٌ واحِدةٌ. وقالَ الشافِعيُّ: إن كانَت على شيءٍ واحدٍ، ونَوى بما زادَ على الأُولَى التَّأكيدَ فهو على ما نَوى، ويَلزمُه كَفارةٌ واحِدةٌ، وإنْ أَرادَ بالتَّكرارِ الاستِئنافَ ففي الكَفارةِ قَولانِ: أَحدُهما: كَفارةٌ واحِدةٌ، والثانِي: كَفارَتانِ. وإنْ كانَت على أَشياءَ مُختَلفةٍ فكَفاراتٌ، لكلِّ شيءٍ منها كَفارةٌ (١). وقالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ: فإذا كرَّرَ اليَمينَ المُكفَّرةَ مَرتينِ أو ثَلاثًا على فِعلٍ واحدٍ فهل عليه كَفارةٌ واحِدةٌ أو كَفاراتٌ؟ فيه قَولانِ للعُلماءِ، وهما رِوايتانِ عن أَحمدَ أَشهرُهما عنه تُجزِئُه كَفارةٌ واحِدةٌ (٢). الصُّورةُ الثانِيةُ: أنْ يَحلِفَ أَيمانًا على أَجناسٍ مُختَلفةٍ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ حلَفَ أَيمانًا على أَجناسٍ فقالَ: «واللهِ لا أَكلتُ واللهِ لا شَربتُ واللهِ لا لَبستُ» فحنِثَ في وَاحدةٍ منها فعليه كَفارةٌ فإنْ أَخرجَها ثم حنِثَ في يَمينٍ أُخرَى لزِمَته كَفارةٌ أُخرى؛ لأنَّ الحِنثَ في الثانِيةِ تَجبُ به الكَفارةُ بعدَ أنْ كفَّرَ عن الأُولَى فأَشبهَ ما لو وَطئَ في رَمضانَ فكفَّرَ ثم وَطئَ مَرةً أُخرَى.

стр. 14456

إلا أن الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو حنِثَ في الجَميعِ قبلَ التَّكفيرِ هل عليه في كلِّ يَمينٍ كَفارةٌ أم تَكفِيه كَفارةٌ واحِدةٌ للجَميعِ؟ فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنْ مَنْ حنِثَ، ولَو في ألفِ يَمينٍ باللهِ تَعالى، ولَم يُكفِّرْ: فكَفارةٌ واحِدةٌ نصَّ عليه، رَواها ابنُ مَنصورٍ عن أَحمدَ قالَ القاضِي: وهي الصَّحيحةُ. وقالَ أَبو بَكرٍ: ما نقَلَه المَروذيُّ عن أَحمدَ قولٌ لأَبي عبدِ اللهِ ومَذهبُه أنَّ كَفارةً واحِدةً تُجزِئُه، وهو قولُ إِسحاقَ؛ لأنَّها كَفاراتٌ مِنْ جنسٍ فتَداخلَت كالحُدودِ مِنْ جنسٍ وإن اختَلفَت مَحالُّها كما لو زَنى بنِساءٍ أو سرَقَ مِنْ جَماعةٍ (١). وذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قولٍ إلى أنَّه عليه لكلِّ يَمينٍ كَفارةٌ؛ لأنَّهن أَيمانٌ لا يَحنثُ في إِحداهُنَّ بالحِنثِ في الأُخرَى فلَم تَتكفرْ إِحداهُما بكَفارةِ الأُخرى كما لو كفَّرَ عن إِحداهُما قبلَ الحِنثِ في الأُخرَى وكالأَيمانِ المُختَلفةِ الكَفارةِ وبهذا فارَقَ الأَيمانَ على شيءٍ واحِدٍ فإنَّه متى حنِثَ في إِحداهُما كانَ حانثًا في الأُخرَى فإنْ كانَ الحِنثُ واحِدًا كانَت الكَفارةُ واحِدةً وههُنا تَعدُّدُ الحِنثِ فتَعدَّدت الكَفاراتُ وفارَقَ الحُدودَ، فإنَّها وجَبَت للزَّجرِ وتَندَرئُ بالشُّبهاتِ بخِلافِ مَسأَلتِنا. ولأنَّ الحُدودَ عُقوبةٌ بَدنيةٌ فالمُوالاةُ بينَها ربَّما أَفضَت إلى التَّلفِ

стр. 14457

فاجتُزئَ بأَحدِها، وههُنا الواجبُ إِخراجُ مالٍ يَسيرٍ أو صِيامِ ثَلاثةِ أَيامٍ فلا يَلزمُ الضَّررُ الكَثيرُ بالمُوالاةِ فيه ولا يُخشَى منه التَّلفُ (١). الصُّورةُ الثالِثةُ: أنْ يَحلفَ على أَشياءَ مُختَلفةٍ يَمينًا واحِدًا: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ على أَشياءَ مُختلِفةٍ ك «واللهِ واللهِ لا أَدخلُ دارَ فُلانٍ ولا أُكلمُ فُلانًا ولا أَضربُ فُلانًا» ففعَلَ ذلك كلَّه حنِثَ في الجَميعِ ولزِمَه كَفارةٌ واحِدةٌ؛ لأنَّ اليَمينَ واحِدةٌ والحِنثَ واحدٌ، فإنَّه بفِعلٍ واحدٍ مِنْ المَحلوفِ عليه يَحنثُ وتَنحَلُّ اليَمينُ وليسَ عليه فيما فعَلَ منها بعدَ ذلك شيءٌ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا حلَفَ يَمينًا واحِدةً على أَجناسٍ مُختَلفةٍ فقالَ: «واللهِ لا أَكلتُ ولا شَربتُ ولا لبِستُ» فحنِثَ في الجَميعِ فكَفارةٌ واحِدةٌ لا أَعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ اليَمينَ واحِدةٌ والحِنثُ واحدُ، فإنَّه بفِعلٍ واحدٍ مِنْ المَحلوفِ عليه يَحنثُ وتَنحلُّ اليَمينُ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ومَن حلَفَ على أَشياءَ مُختَلفةٍ يَمينًا واحِدةً ثم فعَلَ شَيئًا منها حنِثَ في يَمينِه ولزِمَته الكَفارةُ ثم لا شيءَ عليه فيما فعَلَه بعدَ ذلك منها. وقد قيلَ إنَّه لا يَحنثُ حتى يَفعلَ جَميعَ ما حلَفَ عليه (٣).

стр. 14458

الصُّورةُ الرابِعةُ: أنْ يُعدِّدَ ما يَحلِفَ به نحوَ «واللهِ لا أَفعلُ والرَّحمنِ لا أَفعلُ» أو «وعِزةِ اللهِ لا أَفعلُ»: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ مَنْ قالَ: «واللهِ العَظيمِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ» ونحو هذا مِنْ صِفاتِه ٥ أنَّها يَمينٌ واحِدةٌ سَواءٌ كانَ الاسمُ مُختَلفًا أو مُتفِقًا، فالمُختَلفُ نحوَ أنْ يَقولَ: «واللهِ الرَّحمنِ ما فَعلتُ كذا وكذا»؛ لأنَّه لَم يَذكرْ حرفَ العَطفِ، والثانِي يَصلُحُ صِفةً للأَولِ عُلمَ أنَّه أَرادَ به الصِّفةَ فيَكونُ حالِفًا بذاتِ مَوصوفٍ لا باسمِ الذاتِ على حِدةٍ وباسمِ الصِّفةِ على حِدةٍ، والمُتفقُ نحوَ أنْ يَقولَ: «واللهِ واللهِ ما فَعلتُ كذا»؛ لأنَّ الثانِي لا يَصلحُ نَعتًا للأَولِ ويَصلحُ تَكريرًا وتَأكيدًا له فيَكونُ يَمينًا واحِدةً، إلا أنْ يَنويَ به يَمينَينِ فيَكونُ على الخِلافِ السابِقِ في المَسألةِ الأُولى (١). إلا أنَّهم اختَلَفوا إذا أَدخلَ بينَ القَسمَينِ حرفَ عَطفٍ نحوَ: «واللهِ والرَّحمنِ والعَظيمِ» هل تَتعدَّدُ الكَفارتُ أم يَلزمُه كَفارةٌ واحِدةٌ. فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إنْ أَدخلَ بينَ القِسمَينِ حرفَ عَطفٍ بأنْ قالَ: «واللهِ والرَّحمنِ لا أَفعلُ كذا» ذكَرَ مُحمدٌ في الجامِعِ أنَّهما يَمينانِ وهو إِحدى الرِوايتَينِ عن أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ؛ لأنَّه لَما عطَفَ أحدَ الاسمَينِ على الآخرِ فكانَ الثانِي غيرَ الأَولِ؛ لأنَّ المَعطوفَ غيرُ المَعطوفِ عليه فكانَ كلُّ واحِدٍ منهما يَمينًا على حِدةٍ بخِلافِ ما إذا لَم يَعطفْ؛ لأنَّه إذا لَم يَعطفْ أَحدَهما على الآخرِ يَجعلُ الثانِي صِفةً للأَولِ؛ لأنَّه يَصلحُ صِفةً؛

стр. 14459

لأنَّ الاسمَ يَختَلفُ ولهذا يَستَحلفُ القاضِي بالأَسماءِ والصِّفاتِ مِنْ غيرِ حرفِ العَطفِ فيَقولُ: «واللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ الطالِبِ المُدرِكِ»، ولا يَجوزُ أنْ يَستَحلفَ معَ حرفِ العَطفِ؛ لأنَّه ليسَ على المُدعَى عليه إلا يَمينٌ واحِدةٌ. ورَوى الحَسنُ بنُ زِيادٍ عن أَبي حَنيفةَ أنَّه يَكونُ يَمينًا واحِدةً، وبه أخَذَ زُفرُ وقد رُويَ هذا أيضًا عن أَبي يُوسفَ في غيرِ رِوايةِ الأُصولِ؛ لأنَّ حرفَ العَطفِ قد يُستَعملُ للاستِئنافِ وقد يُستَعملُ للصِّفةِ فإنَّه يُقالُ: «فُلانٌ العالِمُ والزاهِدُ والجَوادُ والشُّجاعُ»، فاحتَملَ المُغايرةَ واحتَملَ الصِّفةَ، فلا تَثبتُ يَمينٌ أُخرَى معَ الشكِّ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ مَنْ حلَفَ على شيءٍ واحدٍ بأَيمانٍ مُختَلفةٍ مثلَ أن يَحلفَ بالعِتقِ والطَّلاقِ وباللهِ العَظيمِ أو على عَهدِ اللهِ ومِيثاقِه، ثم يَحنَثُ لزِمَه كلُّ ما حلَفَ به إلا أنْ يَنويَ التَّأكيدَ فتَكونُ يَمينًا واحِدةً؛ لأنَّه لما خالَفَ بينَ اللَّفظينِ، وكلُّ واحدٍ يَجوزُ أنْ يُستَأنفَ به اليَمينُ كانَت يَمينَينِ ووجَبَ أنْ يَكونَ لكلِّ لَفظٍ فائِدةٌ مُحدَّدةٌ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ ومُطرفٌ وابنُ الماجِشونِ وعِيسى بنُ دِينارٍ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّه إذا كرَّرَ أَيمانًا على شيءٍ واحدٍ وحنِثَ يَلزمُه كَفارةٌ واحِدةٌ؛ لأنَّها يَمينٌ واحِدةٌ زادَها تَغليظًا، فلَم تَجبْ بها إلا كَفارةٌ واحِدةٌ كقولِه: «واللهِ الطالِبِ الغالِبِ» (٣).

стр. 14460

وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا حلَفَ بكلِّ الأَيمانِ التي يَجوزُ الحَلفُ بها على شيءٍ واحدٍ فحنِثَ فعليه كَفارةٌ؛ لأنَّه حِنثٌ واحِدٌ أَوجبَ جِنسًا واحِدًا مِنْ الكَفاراتِ فلَم يَجبْ به أَكثرُ مِنْ كَفارةٍ كما لو قصَدَ التَّأكيدَ والتَّفهيمَ. ولو حلَفَ على شيءٍ واحدٍ بيَمينَينِ مُختَلفي الكَفارةِ لزِمَته في كلِّ واحِدةٍ مِنْ اليَمينَينِ كَفارتُها، هذا مثلُ الحَلفِ باللهِ وبالظِّهارِ وبعِتقِ عبدِه فإذا حنِثَ فعليه كَفارةُ يَمينٍ وكَفارةُ ظِهارٍ ويَعتِقُ العَبدَ؛ لأنَّ تَداخُلَ الأَحكامِ إنَّما يَكونُ معَ اتِّحادِ الجِنسِ كالحُدودِ مِنْ جِنسِ والكَفاراتِ ههُنا أَجناسٌ وأَسبابُها مُختَلفةٌ فلَم تَتداخَلْ كحدِّ الزِّنا والسَّرقةِ والقَذفِ والشُّربِ (١). حكمُ مَنْ حرَّمَ على نَفسِه شيئًا: نصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ المُكلَّفَ إذا حرَّمَ على نَفسِه شَيئًا ممَّا أَباحَه اللهُ مِنْ طَعامٍ أو شَرابٍ أو لِباسٍ أو غيرِ ذلك سَواءٌ أَفردَ أو جمَعَ كقولِه: «إنْ فَعلتُ كذا فالحَلالُ عليَّ حَرامٌ» أو «الشيءُ الفُلانِيُّ عليَّ حَرامٌ» فإنَّه لا يَحرمُ عليه؛ لأنَّ المُحللَ والمُحرمَ هو اللهُ تَعالى، وله أنْ يَستَبيحَه بعدَ التَّحريمِ إلا أنَّهم اختَلَفوا هل يَلزمُه كَفارةُ يَمينٍ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أن مَنْ حرَّمَ على نَفسِه شَيئًا ممَّا يَملكُه لَم يَصرْ مُحرَّمًا عليه، وعليه إنِ استَباحهُ كَفارة يَمينٍ، بأنْ يَقولَ: «هذا الطَّعامُ عليَّ حَرامٌ»، أو: «حَرامٌ عليَّ أَكلُه»، فإنْ أكَلَه حنِثَ ولزِمَته الكَفارةُ، وصارَ كما إذا حرَّمَ أمَتَه أو زَوجتَه؛ لمَا رَواهُ الشَّيخانِ عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ يَقولُ:
следующие страницы →