← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

واتَّفقَ القائِلونَ بجَوازِ الجَمعِ بسَببِ السَّفرِ على أنَّه يَجوزُ الجَمعُ للمُسافرِ بينَ الصَّلاتَينِ -الظُّهرِ والعَصرِ، أو المَغربِ والعِشاءِ- في وقتِ الأُولى منهما، وفي وقتِ الثانيةِ كذلك. غيرَ أنَّه إن كانَ نازِلًا في وقتِ الأُولى فالأفضَلُ أن يُقدِّمَ الثانيةَ في وقتِ الأُولى، وإن كانَ سائِرًا فيها فالأفضَلُ أن يُؤخّرَها إلى وقتِ الثانيةِ؛ لمَا رُويَ عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّه قالَ: «ألَا أُخبرُكم عَنْ صَلاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ إذَا زالَت الشَّمسُ وَهو في المَنزلِ (أي: مَكانِ النُّزولِ في السَّفرِ) قدَّمَ العَصرَ إلى وقتِ الظُّهرِ، ويَجمَعُ بينَهما في الزَّوالِ، وإِذا سافَرَ قبلَ الزَّوالِ أخَّرَ الظُّهرَ، إلى وقتِ العَصرِ، ثم جَمعَ بينَهما في وقتِ العَصرِ» (١). ولأنَّ هذا أرفَقُ بالمُسافرِ؛ فكانَ أفضَلَ. وأمَّا إن كانَ سائِرًا في وقتَيهِما أو نازِلًا فيه وأرادَ جَمعَهما، فالأفضَلُ تَأخيرُ الأُولى منهما إلى وقتِ الثانيةِ؛ لأنَّ وقتَ الثانيةِ وقتُ الأُولى حَقيقةً، بخِلافِ العَكسِ (٢).

стр. 1472

شُروطُ صحَّةِ الجَمعِ: أولاً: شُروطُ صحَّةِ جَمعِ التَّقديمِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ القائِلينَ بجَوازِ الجَمعِ إلى أنَّه يُشتَرطُ لجَمعِ التَّقديمِ أربَعةُ شُروطٍ: أوَّلُها: نيَّةُ الجَمعِ؛ لأنَّه عمَلٌ؛ فيَدخلُ في عُمومِ قولِه ﷺ : «إنَّما الأَعمالُ بِالنِّياتِ» (١)؛ ومحَلُّها الفاضِلُ في أوَّلِ الصَّلاةِ الأُولى، ويَجوزُ في أَثنائِها، إلى سَلامِها، فإن سلَّمَ مِنْ الأُولى دونَ أن يَنوِيَ الجَمعَ وأرادَ بعدَ ذلك أن يَجمعَ فلا يَجوزُ. ثانيها: البُداءةُ بالأُولى مِنْ الصَّلاتَينِ كالظُّهرِ والمَغربِ؛ لأنَّ الوقتَ لها والثانيةُ تَبَعٌ لها، والتَّابِعُ لا يَتقدَّمُ على مَتبُوعِه، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ جمَعَ هكذا، وقالَ: «صَلُّوا كما رَأيتُمونِي أُصلِّي» (٢)، فلو صلَّى العَصرَ قبلَ الظُّهرِ، أو العِشاءَ قبلَ المَغربِ لم يَصحَّ الظُّهرُ في الصُّورةِ الأُولى، ولا العِشاءُ في الثانيةِ، وعليه أن يُعيدَها بعدَ الأُولى إذا أرادَ الجَمعَ. ثالِثُها: المُوالاةُ بينَ الصَّلاتَينِ: وهي ألَّا يَفصِلَ بينَهما زَمنٌ طَويلٌ؛ لأنَّ مَعنى الجَمعِ المُتابَعةُ والمُقارَنةُ، ولا يَحصلُ ذلك مع التَّفريقِ الطَّويلِ، ولأنَّ الجَمعَ يَجعلُهما كصَلاةٍ واحدةٍ، فوجبَتِ المُوالاةُ، كرَكعاتِ الصَّلاةِ.

стр. 1473

أمَّا الفَصلُ اليَسيرُ فلا يَضرُّ؛ لأنَّ مِنْ العَسيرِ التَّحرُّزَ منه، فإن أطالَ الفَصلَ بينَهما بطَلَ الجَمعُ، سَواءٌ أفرَّق بينَهما النَّومُ، أم السَّهوُ، أم الشُّغلُ، أم غيرُ ذلك. والمَرجِعُ في الفَصلِ اليَسيرِ والطَّويلِ: العُرفُ، كما هو الشَّأنُ في الأُمورِ التي لا ضابِطَ لها في الشَّرعِ أو اللُّغةِ، كالحِرزِ والقَبضِ وغيرِهما. وقدَّرَ بعضُ الشافِعيةِ والحَنابلَةِ الفَصلَ اليَسيرَ بقَدرِ الإِقامةِ، وضعَّفَه النَّوويُّ، وزادَ الحَنابلَةُ: وقَدرَ الوُضوءِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَتى احتاجَ إلى الوُضوءِ والتَّيمُّمِ فعَلَه، إذا لم يَطُلِ الفَصلُ، وإن تَكلَّمَ بكَلامٍ يَسيرٍ لم يَبطُلِ الجَمعُ، وإن صلَّى بينَهما السُّنةَ بطَلَ الجَمعُ؛ لأنَّه فرَّقَ بينَهما بصَلاةٍ، فبطَل الجَمعُ كما لو صلَّى بينَهما غيرَهما، وعنه: لا يَبطُلُ؛ لأنَّه تَفريقٌ يَسيرٌ أشبَه بما لو توضَّأَ (١). رابِعُها: دَاومُ سَفرِه حالَ افتِتاحِ الأُولى والفَراغِ منها، وافتِتاحِ الثانيةِ، فإذا نَوى الإِقامةَ في أثناءِ الصَّلاةِ الأُولى، أو وصَلَ إلى بَلدِه وهو في الأُولى، أو صارَ مُقيمًا بينَ الصَّلاتَينِ انقَطعَ الجَمعُ؛ لزَوالِ سَببِه، ولزِمَه تَأخِيرُ الثانيةِ إلى وقتِها (٢).

стр. 1474

قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أمَّا إذا صارَ مُقيمًا بعدَ فَراغِه مِنْ الثانيةِ، فإن قُلنا: الإِقامةُ في أثنائِها لا تُؤثِّرُ في الجَمعِ، فهنا أَولى، وإلا فوَجهانِ حَكاهما الفُورانِيُّ والقاضِي حُسينٌ، وإمامُ الحَرمَينِ والمُتولِّي والبَغويُّ وآخرونَ: أصحُّهما: لا يَبطُلُ الجَمعُ، كما لو قصَرَ ثم أقامَ، وبهذا قطَعَ القاضِي أبو الطَّيِّبِ في كتابِه «المُجرَّد»، وغيرُه مِنْ العِراقِيِّينَ. والثاني: تبطُلُ، ويَلزمُه إعادةُ الثانيةِ في وقتِها؛ لزَوالِ السَّفرِ الذي هو سَببُ الجَمعِ، قالَ البَغويُّ والمُتولِّي وآخَرونَ: الخِلافُ فيما إذا أقامَ بعدَ فَراغِه مِنْ الصَّلاتَينِ في وقتِ الأُولى، أو في الثانيةِ قبلَ مُضِيِّ إِمكانِ فِعلِها. فإن أقامَ في وقتِ الثانيةِ بعدَ إِمكانِ فِعلِها لم تَجبْ إِعادتُها بلا خِلافٍ، وصرَّحَ إمامُ الحَرمَينِ بجَرَيانِ الخِلافِ مهما بقِيَ مِنْ وقتِ الثانيةِ شَيءٌ. هذا كلُّه إذا جمَعَ تَقديمًا. أمَّا إذا جمَعَ في وقتِ الثانيةِ فصارَ مُقيمًا بعدَ فَراغِهما لم يَضرَّ بالاتِّفاقِ، وإن كانَ قبلَ الفَراغِ مِنْ الأُولى صارَت قَضاءً. ذكرَه المُتولِّي والرَّافِعيُّ، فإن كانَت الإِقامةُ في أثناءِ الثانيةِ يَنبَغي أن تَكونَ الأُولى أداءً بلا خِلافٍ. الثانيةُ: قالَ أَصحابُنا: إذا جمَعَ كانَت الصَّلاتانِ أداءً، سَواءٌ جمَعَ تَقديمًا أو تَأخيرًا. وحَكى الغَزاليُّ وغيرُه وَجهًا أنَّه إذا جمَعَ تَأخيرًا فالمُؤخَّرةُ قَضاءٌ، والصَّحيحُ الأوَّلُ، وبه قطَعَ الجُمهورُ (١).

стр. 1475

ثانيًا: شُروطُ صحَّةِ جَمعِ التَّأخِيرِ: يُشتَرطُ لصحَّةِ جَمعِ التَّأخِيرِ نيَّةُ الجَمعِ، قبلَ خُروجِ وقتِ الأُولى بزَمنٍ لوِ ابتُدئَت فيه كانَت أداءً، فإن أخَّرَها بغيرِ نيَّةِ الجَمعِ أثِمَ، وتَكونُ قَضاءً؛ لِخلُوِّ وقتِها مِنْ الفِعلِ أو العَزمِ. وزادَ الشافِعيةُ شَرطًا آخرَ لجَمعِ التَّأخيرِ وهو، دَوامُ سَفرِه إلى تَمامِ الصَّلاتَينِ، فإن أقامَ قبلَ فَراغِه أصبَحَتِ الأُولى قَضاءً. أمَّا الحَنابلَةُ فيَشتَرطونَ استِمرارَ السَّفرِ إلى حِينِ دُخولِ وقتِ الثانيةِ، وعليه فلا يَضُرُّ زَوالُ السَّفرِ قبلَ فِعلِ الصَّلاتَينِ وبعدَ دُخولِ وقتِ الثانيةِ. ويُشتَرطُ التَّرتيبُ في الجَمعَينِ، ولا يُشتَرطُ غيرُ ذلك ممَّا تَقدَّم اشتِراطُه في جَمعِ التَّقديمِ مِنْ نيَّةِ الجَمعِ والمُوالاةِ؛ لأنَّ الثانيةَ مَفعولةٌ في وقتِها، فهي أداءٌ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه متى صلَّى الأُولى فالثانيةُ في وقتِها لا يَخرجُ بتَأخيرِها عن كَونِها مُؤدَّاةً. وفيه وَجهٌ عندَ الحَنابلَةِ أنَّ المُواصَلةَ مُشتَرطةٌ؛ لأنَّ حَقيقةَ الجَمعِ ضَمُّ الشَّيءِ إلى الشَّيءِ، ولا يَحصلُ مع التَّفريقِ، والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأُولى بعدَ وُقوعِها صَحيحةٌ لا تبطُلُ بشَيءٍ يُوجَدُ بعدَها، والثانيةُ لا تَقَعُ إلا في وقتِها (١).

стр. 1476

جَمعُ الصَّلاةِ في السَّفرِ القَصيرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في جَوازِ الجَمعِ في السَّفرِ القَصيرِ، هل يَجوزُ أو لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في الرَّاجحِ عندَهم والحَنابلَةُ في المَذهبِ ومالِكٌ في إحدى الرِّوايتَينِ عنه إلى أنَّه لا يَجوزُ الجَمعُ في السَّفرِ القَصيرِ؛ لأنَّ الجَمعَ رُخصةٌ تَثبُتُ لدَفعِ المَشقَّةِ في السَّفرِ؛ فاختُّصَت بالطَّويلِ؛ كالقَصرِ والمَسحِ ثَلاثًا، ولأنَّه إخراجُ عِبادةٍ عن وقتِها، فلم يَجزْ في السَّفرِ القَصيرِ، كالفِطرِ في الصَّومِ، ولأنَّ دَليلَ الجَمعِ فِعلُ النَّبيِّ ﷺ ، والفِعلُ لا صِيغةَ له، وإنَّما هو قَضيةُ عَينٍ، فلا يثبُتُ حكمُها إلا في مِثلِها، ولم يُنقَل أنَّه جَمعَ إلا في سَفرٍ طَويلٍ. وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ في الرِّوايةِ الثانيةِ عنه والشافِعيةُ في المَرجوحِ عندَهم وطائِفةٌ مِنْ أَصحابِ الإمامِ أحمدَ منهم شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميَّةَ إلى جَوازِ الجَمعِ في السَّفرِ القَصيرِ؛ لأنَّه سَفرٌ يَجوزُ فيه التَّنفُّلُ على الرَّاحِلةِ، فجازَ فيه الجَمعُ، كالسَّفرِ الطَّويلِ، ولأنَّ أهلَ مَكةَ يَجمَعونَ بعَرفةَ ومُزدلِفةَ وهو سَفرٌ قَصيرٌ. وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميَّةَ: فإذا جَدَّ السَّيرُ بالمُسافرِ جمَعَ، سَواءٌ كانَ سَفرُه طَويلًا أو قَصيرًا، كما مَضَت سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ يَجمَعُ النَّاسَ بعَرفةَ ومُزدلِفةَ المَكيَّ وغيرَ المَكيِّ، مع أنَّ أهلَ مَكةَ سَفرُهم قَصيرٌ، وكذلك جمَعَ خُلفاؤُه الرَّاشِدونَ بعَرفةَ ومُزدلِفةَ (١).

стр. 1477

الجَمعُ لِلمرَضِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَريضِ، هل يَجوزُ له الجَمعُ مِنْ أجلِ المرَضِ، أو لا يَجوزُ؟ فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلَةُ إلى جَوازِ الجَمعِ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ، وبينَ المَغربِ والعِشاءِ بسَببِ المرَضِ، وإلى هذا ذهَبَ بعضُ الشافِعيةِ، كالمُتولِّي والقاضِي حُسينٍ وأبي سُليمانَ الخَطابيِّ، واستَحسنَه الرُّويانِيُّ، قالَ النَّوويُّ: وهذا الوَجهُ قَويٌّ جِدًّا، ويُستدَلُّ له بحَديثِ ابنِ عَباسٍ قالَ: «جمَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ بِالمَدينَةِ مِنْ غيرِ خَوفٍ ولا مطَرٍ». ووَجهُ الدِّلالةِ منه: أنَّ هذا الجَمعَ إما أن يَكونَ بالمرَضِ، وإما بغيرِه مما في مَعناه أو دُونَه، ولأنَّ حاجةَ المَريضِ آكَدُ مِنْ المَمطورِ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وفي رِوايةٍ -أي: في حَديثِ ابنِ عَباسٍ-: «مِنْ غيرِ خَوفٍ ولا سَفرٍ» (٢). وقد أجمَعنا على أنَّ الجَمعَ لا يَجوزُ لغيرِ عُذرٍ، فثبَتَ أنَّه كانَ لمرَضٍ.

стр. 1478

وقد رُويَ عن أَبي عبدِ اللهِ أنَّه قالَ في حَديثِ ابنِ عَباسٍ: هذا عِنْدِي في المَريضِ والمُرضِعِ، وقد ثبَتَ: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ سَهلَةَ بنتَ سُهيلٍ، وحَمنَةَ بنتَ جَحشٍ، لمَّا كانَتا مُستَحاضتَينِ بتَأخيرِ الظُّهرِ وتَعجيلِ العَصرِ، والجَمعِ بينَهما بِغُسلٍ واحِدٍ» (١). فأباحَ لهما الجَمعَ لِأجلِ الاستِحاضةِ، وأَخبارُ المَواقِيتِ مَخصوصةٌ بالصُّورِ التي أجمَعنا على جَوازِ الجَمعِ فيها، فيَختَصُّ منها محَلُّ النِّزاعِ بما ذكَرْنا (٢). إلا أنَّ المالِكيةَ يرَونَ أنَّ الجَمعَ الجائِزَ بسَببِ المرَضِ هو جَمعُ التَّقديمِ فَقط لمَن خافَ الإغماءَ أو الحُمَّى، أو كانَ به بَطنٌ أو غيرُها، وإن سلِمَ مِنْ هذه الأَمراضِ ولم تُصِبه، أعادَ الثانيةَ في وقتِها. أمَّا الحَنابلَةُ فيرَونَ أنَّ المَريضَ مُخيَّرٌ بينَ التَّقديمِ والتَّأخيرِ، كالمُسافرِ، فإنِ استَوَى عندَه الأَمرانِ فالتَّأخيرُ أَولى؛ لأنَّ وقتَ الثانيةِ وقتٌ للأُولى حَقيقةً بخِلافِ العَكسِ، والمرَضُ المُبيحُ لِلجَمعِ عندَ الحَنابلَةِ هو ما يَلحَقُه فيه بتَأديةِ كلِّ صَلاةٍ في وقتِها مَشقَّةٌ وضَعفٌ. وقالَ القاضِي حُسينٌ: يَجوزُ الجَمعُ بعُذرِ المرَضِ تَقديمًا وتَأخيرًا، والأَولى أن يَفعلَ أرفَقَهما به.

стр. 1479

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ الجَمعُ بسَببِ المرَضِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ مرِضَ أَمراضًا كَثيرةً، ولم يُنقَلْ جَمعُه بالمرَضِ صَريحًا، ولأنَّ أَخبارَ المَواقيتِ ثابِتةٌ فلا تُتركُ أو تُخالَفُ بأمرٍ مُحتمَلٍ وغيرِ صَريحٍ. وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: والسَّببُ في اختِلافِهم هو اختِلافُهم في تَعدِّي عِلةِ الجَمعِ في السَّفرِ، أعني المَشقَّةَ، فمَن طرَدَ العِلةَ رَأى أنَّ هذا مِنْ بابِ الأَولى والأَحرى، وذلك أنَّ المَشقَّةَ على المَريضِ في إِفرادِ الصَّلواتِ أشَدُّ منها على المُسافرِ، ومَن لم يَعدَّ هذه العِلةَ وجعَلَها كما يَقولونَ: قاصِرةً، أي: خاصَّةً بذلك الحُكمِ، دونَ غيرِه، لم يَجزْ ذلك (١). الجَمعُ للمَطرِ والثَّلجِ والبَردِ ونحوِها: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى جَوازِ الجَمعِ بينَ المَغربِ والعِشاءِ بسَببِ المَطرِ المُبلِّلِ للثِّيابِ والثَّلجِ والبَردِ؛ لمَا رَوى أبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ ﵁ قالَ: «مِنْ السُّنةِ إِذَا كانَ يَومٌ مَطِيرٌ أَنْ يُجمعَ بينَ المَغربِ وَالعِشاءِ» (٢). وهذا يَنصرِفُ إلى سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ .

стр. 1480

وقالَ نافِعٌ: «إنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كانَ يَجمَعُ إذَا جمَعَ الأُمراءُ بينَ المَغربِ وَالعِشاءِ» (١). إلا أنَّهمُ اختَلَفوا في الجَمعِ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ، فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ الجَمعُ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ بسَببِ المَطرِ ونحوِه؛ لِأثَرِ أَبي سَلمةَ بنِ عبد الرَّحمنِ، وأثَرِ ابنِ عمرَ المُتقدِّمينِ، ولأنَّ المَشقَّةَ في المَغربِ والعِشاءِ أشَدُّ؛ لِأجلِ الظُّلمةِ. أمَّا الشافِعيةُ والحَنابلَةُ في قَولٍ فيرَونَ أنَّه يَجوزُ الجَمعُ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ كذلك؛ بسَببِ المَطرِ ونحوِه؛ لمَا رَوى ابنُ عَباسٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «صلَّى الظُّهرَ والعَصرَ بالمَدينَةِ جَميعًا، والمَغربَ والعِشاءَ جَميعًا». وفي رِوايةٍ: «مِنْ غيرِ خَوفٍ ولا سَفرٍ». قالَ كلٌّ مِنْ الإمامِ مالِكٍ والشافِعيِّ: أَرى ذلك بعُذرِ المَطرِ؛ ولأنَّ العِلةَ هي وُجودُ المَطرِ سَواءٌ كانَ ذلك في اللَّيلِ والنَّهارِ. إلا أنَّ الإمامَ مالِكًا لم يَقلْ بالجَمعِ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ كما تَقدَّمَ. وقد بيَّنَ ابنُ رُشدٍ في «بِداية المُجتَهدِ» سَببَ التَّفريقِ؛ فقالَ ﵀: وأمَّا الجَمعُ في الحَضرِ لعُذرِ المَطرِ فأجازَهُ الشافِعيُّ لَيلًا كانَ أو نَهارًا، ومنَعَه مالِكٌ في النَّهارِ، وأجازَه في اللَّيلِ وأجازَهُ أيضًا في الطِّينِ دونَ المَطرِ في اللَّيلِ، وقد عدَلَ الشافِعيُّ مالِكًا في تَفريقِه بينَ صَلاةِ النَّهارِ في ذلك وصَلاةِ اللَّيلِ؛ لأنَّه رَوى الحَديثَ وتأوَّلَه، أعني خصَّصَ عُمومَه مِنْ جِهةِ القِياسِ،

стр. 1481

وذلك أنَّه قالَ في قولِ ابنِ عَباسٍ: «جمَعَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ، والمَغربِ والعِشاءِ في غيرِ خَوفٍ ولا سَفرٍ» أَرى ذلك كانَ في مَطرٍ، قالَ: فلم يَأخذْ بعُمومِ الحَديثِ ولا بتَأويلِه، أعني تَخصيصَه، بل ردَّ بَعضَه وتَأوَّلَ بَعضَه، وذلك شَيءٌ لا يَجوزُ بإِجماعٍ، وذلك أنَّه لم يَأخذْ بقولِه فيه جمَعَ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ، وأخَذَ بقولِه: والمَغربِ والعِشاءِ، وتأوَّلَه. وأحسَبُ أنَّ مالِكًا ﵀ إنَّما ردَّ بعضَ هذا الحَديثِ؛ لأنَّه عارَضَه العملُ، فأخَذَ منه بالبعضِ الذي لم يُعارِضه العملُ، وهو الجَمعُ في الحَضرِ بينَ المَغربِ والعِشاءِ، على ما رُويَ أنَّ ابنَ عمرَ كانَ إذا جمَعَ الأُمراءَ بينَ المَغربِ والعِشاءِ جمَعَ معهم، لكنَّ النَّظرَ في هذا الأصلِ -الَّذي هو العملُ- كيف يَكونُ دَليلًا شَرعيًّا فيه نَظرٌ؟ فإنَّ مُتقدِّمي شُيوخِ المالِكيةِ كانوا يَقولونَ: إنَّه مِنْ بابِ الإِجماعِ، وذلك لا وَجهَ له، فإنَّ إِجماعَ بعضِهم لا يُحتَجُّ به، وكان مُتأخِّرُوهم يَقولونَ: إنَّه مِنْ بابِ نَقلِ التَّواتُرِ، ويَحتَجونَ في ذلك بالصَّاعِ وغيرِه ممَّا نقَلَه أهلُ المَدينةِ خَلفًا عن سَلفٍ، والعملُ إنَّما هو فِعلٌ، والفِعلُ لا يُفيدُ التَّواتُرَ، إلا أن يَقتَرِنَ بالقولِ؛ فإنَّ التَّواتُرَ طَريقُه الخبَرُ، لا العملُ، وبأنَّ جَعلَ الأفعالِ تُفيدُ التَّواتُرَ عَسيرٌ، بل لعلَّه مَمنوعٌ، والأشبَهُ عِنْدِي أن يَكونَ مِنْ بابِ عُمومِ البَلوى الذي يَذهَبُ إليه أبو حَنيفةَ، وذلك أنَّه لا يَجوزُ أن تَكونَ أمثالُ هذه السُّننِ مع تَكرُّرِها وتَكرُّرِ وُقوعِها أَسبابُها غيرُ مَنسوخةٍ، ويَذهبُ العملُ بها على أهلِ المَدينةِ الذينَ تَلقَّوُا العملَ بالسُّننِ خَلفًا عن سَلفٍ، وهو أَقوى مِنْ عُمومِ البَلوى الذي يَذهبُ إليه أبو حَنيفةَ؛ لأنَّ أهلَ المَدينةِ أَحرى ألَّا يَذهبَ عليهم ذلك مِنْ غيرِهم مِنْ النَّاسِ الذينَ يَعدُّهم أبو حَنيفةَ في طَريقِ النَّقلِ.

стр. 1482

وبالجُملةِ العملُ لا يُشكُّ أنَّه قَرينةٌ إذا اقتَرنَت بالشَّيءِ المَنقُولِ إن وافَقَته أفادَت به غلَبةَ الظَّنِّ، وإن خالَفَته أفادَت به ضَعفَ الظَّنِّ. فأمَّا هل تَبلُغُ هذه القَرينةُ مَبلَغًا تُردُّ به أَخبارُ الآحادِ الثَّابِتةُ ففيه نَظرٌ، وعَسى أنَّها تَبلغُ في بعضٍ، ولا تَبلغُ في بعضٍ؛ لتَفاضُلِ الأَشياءِ في شدَّةِ عُمومِ البَلوى بها، وذلك أنَّه كلَّما كانَت الحاجةُ إلى السُّنةِ أمسَّ، وهي كَثيرةُ التَّكرارِ على المُكلَفينَ، كانَ نَقلُها مِنْ طَريقِ الآحادِ مِنْ غيرِ أن يَنتشِرَ قَولًا أو عمَلًا فيه ضَعفٌ، وذلك أنَّه يُوجِبُ ذلك أحَد أمرَينِ، إما أنَّها مَنسوخةٌ، وإمَّا أنَّ النَّقلَ فيه اختِلالٌ، وقد بيَّنَ ذلك المُتكلِّمونَ، كأبي المَعالي وغيرِه (١). إلا أنَّهمُ اختَلَفوا في مَسائلَ، منها: ١ - حكمُ جَمعِ التَّقديمِ والتَّأخيرِ: فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ إلى جَوازِ جَمعِ التَّقديمِ فقط، دونَ جَوازِ جَمعِ التَّأخيرِ؛ لأنَّ استِدامةَ المَطرِ ليسَت مُؤكَّدةً، فقد يَنقطِعُ المَطرُ فيؤدِّي إلى إخراجِ الصَّلاةِ عن وقتِها مِنْ غيرِ عُذرٍ. وذهَبَ الحَنابلَةُ والشافِعيُّ في القَديمِ إلى جَوازِ جَمعِ التَّأخيرِ بسَببِ المَطرِ، وإن كانَ جَمعُ التَّقديمِ أَولى؛ لأنَّه عُذرٌ يَجوزُ الجَمعُ به في وقتِ الأُولَى؛ فجازَ الجَمعُ في وقتِ الثانيةِ كالسَّفرِ (٢).

стр. 1483

اشتَرطَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ للجَمعِ بسَببِ المَطرِ البُداءةَ بالأُولَى مِنْ الصَّلاتَينِ، ونيَّةَ الجَمعِ، والمُوالاةَ على الصَّحيحِ عندَ الحَنابلَةِ على التَّفصيلِ الذي سبَقَ في الجَمعِ، بسَببِ السَّفرِ. وهناك شُروطٌ أُخرى اشتَرطَها الفُقهاءُ للجَمعِ بسَببِ المَطَرِ: أ- وُجودُ المَطرِ في أوَّلِ الصَّلاتَينِ، وعندَ السَّلامِ مِنْ الأُولَى، وعندَ دُخولِ الثانيةِ، فإن أتَمَّ الصَّلاتَينِ في وقتِ الأُولَى، ثم زالَ العُذرُ بعدَ فَراغِه منهما قبلَ دُخولِ وقتِ الثانيةِ أجزَأَته، ولم تَلزَمْه الثانيةُ في وقتِها؛ لأنَّ الصَّلاةَ وقَعَت صَحيحةً مُجزِئةً عما في ذمَّتِه، وبَرِئت ذمَّتُه منها، فلم تَشتَغلِ الذِّمةُ بها بعدَ ذلك؛ ولأنَّه أدَّى فَرضَه حالَ العُذرِ فلم يَبطُلْ بزَوالِه بعدَ ذلك؛ كالمُتيمِّمِ إذا وجَدَ الماءَ بعدَ فَراغِه مِنْ الصَّلاةِ. ب- ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ في قَولٍ إلى أنَّ الرُّخصةَ خاصَّةٌ بالمُصلِّي جَماعةً في مَسجدٍ، فلا يَجمَعُ مَنْ يُصلِّي في بَيتِه، ولو صلَّى في جَماعةٍ. وذهَبَ الحَنابلَةُ في القولِ الآخَرِ إلى أنَّ الرُّخصةَ عامَّةٌ، فلا فَرقَ بينَ مَنْ يُصلِّي جَماعةً في مَسجدٍ، وبينَ غيرِه ممَّن يُصلِّي في غيرِ مَسجدٍ، أو مُنفرِدًا؛ لأنَّ العُذرَ إذا وُجِدَ استَوَى فيه وُجودُ المَشقَّةِ وعدمُه. ذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلَةُ في الصَّحيحِ عندَهم وبعضُ الشافِعيةِ إلى أنَّ الطِّينَ أو الوَحلَ عُذرٌ يُبيحُ الجَمعَ كالمَطرِ؛ لأنَّ المَشقَّةَ تَلحَقُ بذلك في

стр. 1484

النِّعالِ والثِّيابِ، كما تَلحَقُ بالمَطرِ، ولأنَّ الوَحلَ يُلوِّثُ الثِّيابَ والنِّعالَ، ويَتعرَّضُ الإِنسانُ للزَّلقِ فتَتأذَّى نَفسُه وثِيابُه، وذلك أعظَمُ مِنْ البَللِ، وقد ساوَى الطِّينُ المَطرَ في العُذرِ في تَركِ الجمُعةِ والجَماعةِ، فدلَّ على تَساويهما في المَشقَّةِ المَرعيَّةِ في الحُكمِ، إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: إنِ اجتَمعَ المَطرُ والطِّينُ والظُّلمةُ أو اثنانِ منهما، أو انفَرَدَ المَطرُ، جازَ الجَمعُ، بخِلافِ انفِرادِ الظُّلمةِ، وفي انفِرادِ الطِّين قَولانِ، والمَشهورُ عدمُ الجَمعِ. وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ الجَمعُ بسَببِ الطِّينِ، أو الوَحلِ؛ لأنَّ ذلك كانَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولم يُنقَلْ أنَّه جمَعَ مِنْ أجلِه. يَرى الحَنابلَةُ في الأصَحِّ عندَهم أنَّه يَجوزُ الجَمعُ مِنْ أجلِ الرِّيحِ الشَّديدةِ في اللَّيلةِ المُظلِمةِ البارِدةِ؛ لأنَّ ذلك عُذرٌ في تَركِ الجمُعةِ والجَماعةِ، بدَليلِ ما رَواه ابنُ عمرَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يُنادي مُناديه في اللَّيلةِ المَطيرةِ، أوِ اللَّيلةِ البارِدةِ ذاتِ الرِّيحِ: «صَلُّوا في رِحالِكم» (١). ويَرى المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ في غيرِ الرَّاجحِ عندَهم أنَّه لا يُباحُ الجَمعُ مِنْ أجلِ الرِّيحِ الشَّديدةِ والظُّلمةِ؛ لأنَّ المَشقَّةَ فيهما دونَ المَشقَّةِ في المَطرِ، فلم يَصحَّ إلحاقُها بالمَطرِ؛ ولأنَّهما كانَتا في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ ولم يُنقَلْ أنَّه جمَعَ مِنْ أجلِهما (٢).

стр. 1485

الجَمعُ لِلخوفِ: ذهَبَ الحَنابلَةُ وبعضُ الشافِعيةِ والمالِكيةِ في رِوايةٍ إلى جَوازِ الجَمعِ بسَببِ الخَوفِ، واستدَلُّوا بحَديثِ ابنِ عَباسٍ ﵁ أنَّه قالَ: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ الظُّهرَ والعَصرَ بالمَدينَةِ جَميعًا، والمَغربَ والعِشاءَ جَميعًا». زادَ مُسلمٌ: «مِنْ غيرِ خَوفٍ ولا سَفرٍ» (١)، وهذا يَدلُّ على أنَّ الجَمعَ للخَوفِ أَولى. وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ في الرِّوايةِ الأُخرى إلى عدمِ جَوازِ الجَمعِ للخَوفِ؛ لثُبوتِ أَحاديثِ المَواقيتِ، ولا تَجوزُ مُخالَفتُها إلا بنَصٍّ صَريحٍ غيرِ مُحتمِلٍ لأَوجُهٍ (٢). أمَّا الحَنفيةُ فقد سبَقَ أنَّهم لا يُجيزونَ الجَمعَ مُطلَقًا، إلا في عَرفةَ ومُزدلِفةَ، ولا يُجيزونَ الجَمعَ لغيرِ ذلك، لا لمرَضٍ ولا لخَوفٍ ولا لمَطرٍ، إلخ.

стр. 1486

الجَمعُ في الحَضرِ بدُونِ سَببٍ: ذهَبَ الأئمَّةُ الأربَعةُ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ وجُمهورُ العُلماءِ إلى عدمِ جَوازِ الجَمعِ لغيرِ الأَعذارِ المَذكورةِ آنِفًا؛ لأنَّ أَخبارَ المَواقيتِ الثَّابتةَ لا تَجوزُ مُخالَفتُها إلا بدَليلٍ خاصٍّ، ولأنَّه تَواتَرَ عن النَّبيِّ ﷺ المُحافَظةُ على أَوقاتِ الصَّلواتِ، حتى قالَ ابنُ مَسعودٍ ﵁: «مَا رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى صَلاةً لغيرِ مِيقاتِها إلَّا صَلاتينِ، جمَعَ بينَ المَغربِ وَالعِشاءِ بجَمعٍ، يَعني المُزدلِفةَ» (١). قالوا: وأمَّا حَديثُ ابنِ عَباسٍ: «جمَعَ رَسولَ اللهِ ﷺ بينَ الظُّهرِ والعَصرِ والمَغربِ والعِشاءِ بالمَدينَةِ في غيرِ خَوفٍ ولا مَطرٍ»، فقيلَ لِابنِ عَباسٍ: لمَ فعَلَ ذلك؟ قالَ: «أَرادَ ألَّا يُحرِجَ أُمتَه» (٢). قالوا: فإنَّه يُحتَملُ أنَّه صلَّى الأُولَى في آخرِ وقتِها والثانيةَ في أوَّلِ وقتِها، فإنَّ عَمرَو بنَ دِينارٍ -رَاويَ هذا الحَديثِ عن جابرِ بنِ زَيدٍ عن ابنِ عَباسٍ- قالَ: قُلتُ لجابرٍ: «يا أَبا الشَّعثاءِ، أَظنُّه أخَّرَ الظُّهرَ وعجَّلَ العَصرَ وأخَّرَ المَغربَ وعجَّلَ العِشاءَ؟ قالَ: وأنا أَظنُّ ذَاكَ» (٣). قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀ بعدَما ذكَرَ هذا الحَديثَ: ولا حُجةَ في هذا الحَديثِ وما كانَ مِثلَه لمَن جعَلَ الوقتَ في صَلاتَيِ اللَّيلِ وفي صَلاتَيِ النَّهارِ في الحَضرِ كهو في السَّفرِ، وأجازَ الجَمعَ بينَ الصَّلاتَينِ في الحَضرِ في وقتِ

стр. 1487

إحداهُما؛ لأنَّه مُمكِنٌ أن تَكونَ صَلاتُه بالمَدينةِ في غيرِ خَوفٍ ولا سَفرٍ كانَت بأن أخَّرَ الأُولى مِنْ صَلاتَيِ النَّهارِ، فصلَّاها في آخرِ وقتِها، وصلَّى الثانيةَ في أوَّلِ وقتِها، وصنَعَ مثلَ ذلك بالعِشاءِ على ما ظنَّه أبو الشَّعثاءِ، وتَأوَّلَ الحَديثَ عليه هو وعَمرُو بنُ دِينارٍ، ومَوضعُهما مِنْ الفِقهِ المَوضعُ الذي لا فوقَه مَوضعٌ. وإذا كانَ ذلك غيرَ مَدفوعٍ إمكانُه، وكانَ ذلك الفِعلُ يُسمَّى جَمعًا في اللُّغةِ العَربيةِ، بطَلَت الشُّبهةُ التي نزَعَ بها مِنْ هذا الحَديثِ مَنْ أرادَ الجَمعَ في الحَضرِ بينَ الصَّلاتَينِ في وقتِ إحداهُما؛ لأنَّ جِبريلَ أقامَ لرَسولِ اللهِ ﷺ أَوقاتَ الصَّلواتِ، ثم سافَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ فجمَعَ بينَ الصَّلاتَينِ على حسَبِ ما تَقدَّمَ في هذا البابِ، وسُنَّ للمُسافرِ ذلك، كما سُنَّ له القَصرُ في السَّفرِ مع الأمنِ؛ تَوسعةً أذِنَ اللهُ له فيها، فسَنَّها ﷺ لأُمتِه، فلا يَتعدَّى بها إلى غيرِ ما وضَعَها عليه ﷺ ، وأمَّا قولُ ابنِ عَباسٍ إذ سُئلَ عن معنَى جَمعِ رَسولِ اللهِ ﷺ بينَ الصَّلاتَينِ في الحَضرِ فقالَ: «أَرادَ أَلَّا يُحرِجَ أُمتَه»، فمَعناه مَكشوفٌ على ما وَصَفناه، أي: ألَّا يُضيِّقَ على أُمتِه، فتُصلِّيَ في أوَّلِ الوقتِ أبدًا، وفي وَسَطِه أو آخرِه أبدًا، لا تَتعدَّى ذلك، ولكِن لتُصلِّيَ في الوقتِ كيف شاءَت في أوَّلِه أو في وَسطِه أو آخرِه؛ لأنَّ ما بينَ طرفَيِ الوقتِ وقتٌ كلُّه، وأمَّا أن تُقدَّمَ صَلاةُ الحَضرِ قبلَ دُخولِ وقتِها فلا، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 1488

وذهَبَ طائِفةٌ مِنْ الفُقهاءِ إلى جَوازِ الجَمعِ في الحَضرِ لِلحاجةِ، ما لم يَتَّخِذه عادةً، وهو قولُ ابنِ سِيرينَ وأشهَبَ مِنْ المالِكيةِ، وحَكاه الخَطابيُّ عن القفَّالِ والشَّاشيِّ الكَبيرِ عن أَبي إِسحاقَ المَروَزيِّ عن جَماعةٍ من أَصحابِ الحَديثِ، واختارَه ابنُ المنذِرِ، ويُؤيِّدُه ظاهرُ قولِ ابنِ عَباسٍ: «أَرادَ ألَّا يُحرِجَ أُمتَه»، فلم يُعلِّله بمرَضٍ ولا غيرِه (١).

стр. 1489

فصل في صَلاةِ الخَوفِ الخَوفُ: هو تَوقُّعُ مَكروهٍ عن أمارةٍ مَظنونةٍ أو مُتحَقَّقةٍ. وهو مَصدرٌ بمعنَى الخائِفِ، أو بحَذفِ مُضافٍ: الصَّلاةُ في حالةِ الخَوفِ (١). وليسَ المُرادُ من إضافةِ الصَّلاةِ إلى الخَوفِ يَقتَضي صَلاةً مُستقلَّةً، كقولِنا: «صَلاةُ العِيدِ»، ولا أنَّه يُؤثِّرُ في قَدرِ الصَّلاةِ وَوقتِها، كالسَّفرِ، فشُروطُ الصَّلاةِ وأَركانُها، وسُننُها، وعددُ رَكعاتِها في الخَوفِ كما في الأمنِ، وإنَّما المُرادُ أنَّ الخَوفَ يُؤثِّرُ في كَيفيَّةِ إقامةِ الفَرائضِ إذا صُلِّيت جَماعةً، وأنَّ الصَّلاةَ في حالةِ الخَوفِ تَحتمِلُ أُمورًا لم تكُن تَحتمِلُها في الأمنِ. وصَلاةُ الخَوفِ هي: الصَّلاةُ المَكتوبةُ يَحضُرُ وقتُها والمُسلِمونَ في مُقاتَلةِ العَدوِّ أو في حِراسَتِهم (٢).

стр. 1490

الحكمُ التَّكليفيُّ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى مَشروعيَّةِ صَلاةِ الخَوفِ في حَياةِ النَّبيِّ ﷺ ، وبعدَ وَفاتِه، وإلى أنَّها لا تَزالُ مَشروعةً إلى يَومِ القِيامةِ، وقد ثبَتَ ذلك بالكتابِ والسُّنةِ. أمَّا الكتابُ: فقولُه تَعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ٢٠]، وخِطابُ النَّبيِّ ﷺ خِطابٌ لأُمَّتِه، ما لم يَقُم دَليلٌ على اختِصاصِه؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى أمَرَنا باتِّباعِه بقولِه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وتَخصيصُه بالخِطابِ لا يَقتَضي تَخصيصَه بالحُكم، كما ثبَتَ بالسُّنةِ القولِيَّةِ، كقولِه ﷺ : «صَلُّوا كما رَأيتُمونِي أُصلِّي» (١)، وهو عامٌّ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: صَلاةُ الخَوفِ كانَت في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ مَشروعةً لكلِّ أهلِ عَصرِه معه ﷺ ، ومُنفرِدينَ عنه، واستَمرَت شَرعيَّتُها إلى الآنَ، وهي مُستمِرَّةٌ لِآخرِ الزَّمانِ. قالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ وسائِرُ أَصحابِنا: وبهذا قالَتِ الأمَّةُ بأَسرِها إلا أبا يُوسفَ والمُزنِيَّ، فقالَ أبو يُوسفَ: كانَت مُختصَةً بالنَّبيِّ ﷺ ومَن يُصلِّي معه، وذهَبَت بوَفاتِه، وقالَ المُزنِيُّ: كانَت ثم نُسخَت في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ .

стр. 1491

واحتُجَّ لِأبي يُوسفَ بالآيةِ، قالَ: والتَّغييرُ الذي يَدخلُها كانَ يَنجبِرُ بفِعلِها مع النَّبيِّ ﷺ ، بخِلافِ غيرِه. واحتَجَّ المُزنِيُّ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ فاتَه صَلواتٌ يومَ الخَندَقِ، ولو كانَت صَلاةُ الخَوفِ جائِزةً لَفعلَها ولم يُفوِّتِ الصَّلاةَ. واحتَجَّ أَصحابُنا بالآيةِ الكَريمةِ، والأصلُ هو التَّأسِّى به ﷺ ، والخِطابُ معه خِطابٌ لأُمتِه. وبقولِه ﷺ : «صَلُّوا كما رَأيتُمونِي أُصَلِّي». رَواهُ البُخاريُّ، وهو عامٌّ وبإِجماعِ الصَّحابةِ، فقد ثَبَتتِ الآثارُ الصَّحيحةُ عن جَماعةٍ مِنْ الصَّحابةِ ﵃ أنَّهم صَلوها في مَواطنَ بعدَ وَفاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ في مَجامعَ بحَضرةِ كِبارٍ مِنْ الصَّحابةِ. وممَّن صلَّاها: علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ في حُروبِه بصِفِّينَ وغيرِها، وحضَرَها مِنْ الصَّحابةِ خَلائقُ لا يَنحصِرونَ، ومنهم سَعدُ بنُ أَبي وقَّاصٍ، وأبو مُوسى الأشعَريُّ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ سمُرةَ، وحُذيفَةُ وسَعيدُ بنُ العاصِ، وغيرُهم، وقد رَوى أَحاديثَهمُ البَيهَقيُّ، وبَعضُها في سُننِ أَبي داودَ وغيرِه. قالَ البَيهَقيُّ: والصَّحابةُ الذينَ رَأَوا صَلاةَ النَّبيِّ ﷺ في الخَوفِ لم يَحمِلها أحَدٌ منهم على تَخصيصِها بالنَّبيِّ ﷺ ، ولا بزَمنِه، بل رَواها كلُّ واحدٍ وهو يَعتقدُها مَشروعةً على الصِّفةِ التي رآها (١).

стр. 1492

كَيفيَّةُ صَلاةِ الخَوفِ: ثبَتَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ في صَلاةِ الخَوفِ كَيفيَّاتٌ كَثيرةٌ، ومِن ثَم اختَلفَ الفُقهاءُ في كَيفيَّةِ صَلاةِ الخَوفِ؛ لتعَدُّدِ الرِّواياتِ في ذلك، إلا أنَّهمُ اتَّفقُوا على جَميعِ الصِّفاتِ المَرويَّةِ عن النَّبيِّ ﷺ في صَلاةِ الخَوفِ مُعتَدًّا بها، وإنما الخِلافُ بينَهم في التَّرجيحِ (١). قالَ الإمامُ أحمدُ: كلُّ حَديثٍ يُروَى في أَبوابِ صَلاةِ الخَوفِ فالعملُ به جائِزٌ، وقالَ: سِتةُ أَوجُهٍ أو سَبعةٌ يُروَى فيها، كلٌّ جائِزٌ. وقالَ الأثرَمُ: قُلتُ لِأبي عبدِ اللهِ: تَقُولُ بالأَحاديثِ كلِّها، كلُّ حَديثٍ في مَوضِعِه، أو تَختارُ واحدًا منها؟ قالَ: أنا أقُولُ: مَنْ ذهَبَ إليها كلِّها فحَسنٌ، وأمَّا حَديثُ سَهلٍ فأنا أَختارُه (٢). قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: ذهَبَ أبو حَنيفةَ إلى اختِيارِ ما رَواه ابنُ عمرَ، وهو أن يَجعلَهمُ الإمامُ طائفَتَينِ: طائِفةً وِجاهَ العَدُوِّ، وطائِفةً خلفَه، فيُصلِّيَ بالأُولَى وهي الطائِفةُ التي خلفَه رَكعةً، وسَجدتَينِ، فإذا رفَعَ رَأسَه مِنْ السَّجدةِ الثانيةِ مَضَت هذه الطَّائِفةُ إلى وِجاهِ العَدوِّ، وجاءَت تلك الطَّائِفةُ فأحرَمَت معه، فصلَّى بهمُ الإمامُ رَكعةً وسَجدتَينِ، وتَشهَّدَ وسلَّمَ، ولم يسلِّموا، وذَهَبوا إلى وِجاهِ العَدوِّ، وجاءَت الطَّائِفةُ الأُولَى فصَلوا رَكعةً وسَجدتَينِ بغيرِ قِراءةٍ، وتَنصرِفَ إلى مُقامِها،

стр. 1493

وتَجيءَ الطَّائِفةُ الثانيةُ فتُصلِّيَ رَكعةً وسَجدتَينِ بقِراءةٍ وتَشهُّدٍ ويسلِّموا (١). وذهَبَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ إلى ما رَواهُ سَهلُ بنُ أَبي حَثمةَ في صَلاةِ الخَوفِ، وهو أنَّه يُفرِّقُهم طائِفتَينِ: طائِفةً بإزاءِ العَدوِّ، وطائِفةً خلفَه، فيُصلِّي بالطَّائِفةِ التي خلفَه رَكعةً ويثبُتُ قائِمًا، وتُتِمُّ هي لِأنفُسِها أُخرى بالحَمدِ، وسُورةٍ، وتُسلِّمُ، وتَمضي لتَحرُسَ، وتَجيءُ الطَّائِفةُ التي كانَت مُوازيةً للعَدوِّ فيُصلِّي بهمُ الرَّكعةَ الثانيةَ وتَجلِسُ للتشهُّدِ، وتُتمُّ هي لِأنفُسِها الرَّكعةَ الأُخرى بالحَمدِ وسُورةٍ، ويُطيلُ الإمامُ التشهُّدَ حتى يُتمُّوا التشهُّدَ ويسلِّمَ بهم، إلا أنَّ مالِكًا قد رُويَت عنه رِوايةٌ أُخرى أنَّ الإمامَ يسلِّمُ ولا يَنتظِرُ الطَّائِفةَ الثانيةَ حتى يُسلِّمَ بهم (٢). وحَديثُ سَهلِ بنِ أَبي حَثْمةَ هذا رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ وأبو داودَ وغيرُهم عن صَالِحِ بن خوَّاتٍ عمَّن صلَّى مع رَسولِ اللهِ ﷺ يومَ

стр. 1494

ذاتِ الرِّقاعِ صَلاةَ الخَوفِ: «أنَّ طائفَةً صَفَّت معه، وطائفَةٌ وِجاهَ العَدوِّ، فَصلَّى بالَّذينَ معه رَكعَةً، ثم ثبَتَ قائِمًا، وأتَمُّوا لِأَنفُسِهم، ثم انصَرَفُوا فصَفُّوا وِجاهَ العَدوِّ، وجاءَتِ الطَّائفَةُ الأُخرَى فصلَّى بِهم الرَّكعَةَ التي بَقيَت، ثم ثبَتَ جالسًا وأتَمُّوا لأَنفُسِهم، ثم سلَّمَ بِهم» (١). الصَّلاةُ حالَ المُسايَفةِ والقِتالِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في جَوازِ القِتالِ في الصَّلاةِ، فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه يَجوزُ القِتالُ في هذه الحالةِ الشَّديدةِ في الصَّلاةِ، ويُعفَى مما فيها مِنْ الحَركاتِ، مِنْ الضَّرباتِ والطَّعناتِ المُتوالِياتِ، والإمساكِ بسِلاحٍ مُتلطِّخٍ بالدَّمِ؛ لِلحاجةِ، ولا يَجوزُ تَأخيرُ الصَّلاةِ عن وقتِها؛ لِذلك قد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، وأخذُ السِّلاحِ لا يَكونُ إلا للقِتالِ، وقِياسًا على المَشيِ والرُّكوبِ اللَّذَينِ وردَا في الآيةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّه مُكلَفٌ لم يَجزْ له إِخلاءُ وقتِ الصَّلاةِ عن فِعلِها، كالمَريضِ، ولأنَّه عمَلٌ أُبيحَ مِنْ أجلِ الخَوفِ، فلم تبطُلِ الصَّلاةُ به، كاستِدبارِ القِبلةِ، والرُّكوبِ، والإيماءِ ولأنَّه لا يَخلو عندَ الحاجةِ إلى العملِ الكَثيرِ مِنْ أحَدِ ثَلاثةِ أُمورٍ: إمَّا تَأخيرِ الصَّلاةِ عن وقتِها ولا خِلافَ بينَنا في تَحريمِه، وإمَّا تَركِ القِتالِ وفيه هَلاكُه، وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [النساء: ١٩٥]، وأَجمعَ المُسلِمونَ على أنَّه لا يَلزمُه هذا، وإمَّا

стр. 1495

مُتابعةِ العملِ المُتنازَعِ فيه، وهو جائِزٌ بالإِجماعِ، فتَعيَّنَ فِعلُه وصحَّتِ الصَّلاةُ معه (١). وقالَ النَّوويُّ ﵀: ولا يَجوزُ الصِّياحُ ولا غيرُه مِنْ الكَلامِ، بلا خِلافٍ، فإن صاحَ فبانَ معه حَرفانِ بطَلَت صَلاتُه، بلا خِلافٍ؛ لأنَّه ليسَ مُحتاجًا إليه، بخِلافِ المَشيِ وغيرِه، ولا تَضرُّ الأفعالُ اليَسيرةُ بلا خِلافٍ؛ لأنَّها لا تَضرُّ في غيرِ الخَوفِ؛ ففيه أَولى، وأمَّا الأفعالُ الكَثيرةُ فإن لم تَتعلَّقْ بالقِتالِ بطَلَت الصَّلاةُ بلا خِلافٍ، وإن تَعلَّقَت به كالطَّعناتِ والضَّرباتِ المُتواليةِ، فإن لم يَحتَجْ إليها أُبطِلَت بلا خِلافٍ -أيضًا-؛ لأنَّها عبَثٌ، وإنِ احتاجَ إليها ففيه ثَلاثةُ أَوجُهٍ: أصحُّها عندَ الأكثَرينَ: لا تبطُلُ … ، قِياسًا على المَشيِ، ولأنَّ مَدارَ القِتالِ على الضَّربِ، ولا يَحصلُ المَقصودُ في الأغلَبِ بضَربةٍ وضَربتَينِ، ولا يُمكِنُ التَّفريقُ بينَ الضَّرباتِ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يُشتَرطُ لجَوازِ الصَّلاةِ بهذه الكَيفيَّةِ ألَّا يُقاتِلَ، قالَ الكاسانِيُّ: وأمَّا شَرائطُ الجَوازِ فمنها ألَّا يُقاتِلَ في الصَّلاةِ، فإن قاتَلَ في صَلاتِه فسَدَت صَلاتُه عندَنا … ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ شُغلَ عن أربَعِ صَلواتٍ يومَ الخَندَقِ فقَضاهُنَّ بعدَ هوِيٍّ مِنْ اللَّيلِ، وقالَ: «شغَلُونا عن الصَّلاةِ الوُسطَى، صَلاةِ العَصرِ، ملَأَ اللَّهُ بُيوتَهم وقُبورَهم نارًا» (٣). فلو

стр. 1496

جازَتِ الصَّلاةُ مع القِتالِ لمَا أخَّرَها رَسولُ اللهِ ﷺ ، ولأنَّ إِدخالَ عمَلٍ كَثيرٍ ليسَ مِنْ أَعمالِ الصَّلاةِ في الصَّلاةِ مُفسِدٌ في الأصلِ، فلا يُتركُ هذا الأصلُ إلا في مَورِدِ النَّصِّ، والنَّصُّ ورَدَ في المَشيِ، لا في القِتالِ، مع أنَّ مَورِدَ النَّصِّ، بَقاءُ الصَّلاةِ مع المَشيِ لا الأداءِ، والأداءُ فوقَ البَقاءِ، فأنَّى يَصحُّ الاستِدلالُ، بخِلافِ أخذِ السِّلاحِ؛ لأنَّه عمَلٌ قَليلٌ، ولأنَّ النَّصَّ ورَدَ بالجَوازِ معه (١).

стр. 1497

فصل في صَلاةِ الكُسوفِ الكُسوفُ: هو ذَهابُ ضَوءِ أحَدِ النَّيِّرينِ (الشَّمسِ، والقَمَرِ) أو بعضِه، ويتغيَّرُ إلى سَوادٍ، يُقالُ: كسَفَت الشَّمسُ، وكذا: خسَفَت، كمَا يُقالُ: كسَفَ القَمرُ، وكذا: خسَفَ، فالكُسوفُ والخُسوفُ مُتَرادِفانِ، وقيلَ: الكُسوفُ للشَّمسِ والخُسوفُ للقَمرِ، وهو الأشهَرُ في اللُّغةِ (١). وصَلاةُ الكُسوفِ: صَلاةٌ تُؤدَّى بكَيفيَّةٍ مَخصوصةٍ، عندَ ظُلمةِ أحَدِ النَّيِّرينِ أو أحَدِهما (٢). الحكمُ التَّكليفيُّ: أجمعَ الفُقهاءُ على أنَّ الصَّلاةَ لكُسوفِ الشَّمسِ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ، وتُسنُّ لها الجَماعةُ، وفي قَولٍ لِلحَنفيةِ واجِبةٌ. والصَّلاةُ لخُسوفِ القَمرِ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلَةِ، وتُسنُّ لها الجَماعةُ عندَ الفَريقَينِ، وعندَ الحَنفيةِ الصَّلاةُ له حَسنةٌ ويُستحبُّ أن

стр. 1498

يُصلِّيَ النَّاسُ له أَفذاذًا رَكعَتينِ كسائرِ الصَّلواتِ النَّافِلةِ (١). والأصلُ في ذلك قولُ النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّ الشَّمسَ والقَمرَ آيَتانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ، لَا يَنكسِفانِ (وفِي رِوايةٍ: لَا يَخسِفانِ) لمَوتِ أَحدٍ، ولا لحَياتِه، فإذا رَأيتُموهُما فَادعُوا اللَّهَ وصَلُّوا حتى يَنجَليَ» (٢). وقتُ صَلاةِ الكُسوفِ: ووقتُ صَلاةِ الكُسوفِ مِنْ حينِ الكُسوفِ إلى حِينِ التَّجلِّي؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «فإذا رَأَيتُموهُما فَادعُوا اللهَ وصَلُّوا حتى تَنجلِيَ» (٣). فجعَلَ الانجِلاءَ غايةً للصَّلاةِ، ولأنَّ الصَّلاةَ إنَّما سُنَّت رَغبةً إلى اللهِ في رَدِّها، فإذا حصَلَ ذلك حصَلَ مَقصودُ الصَّلاةِ (٤). صَلاةُ الكُسوفِ في الأَوقاتِ المَنهيِّ عنها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا وقَعَ الكُسوفُ في أَوقاتِ النَّهيِ: فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلَةُ في ظاهِرِ المَذهبِ ومالِكٌ في رِوايةٍ إلى أنَّها

стр. 1499

لا تُصلَّى في الأَوقاتِ التي نَهى الشَّارِعُ عن الصَّلاةِ فيها، كسائرِ الصَّلواتِ، وإنَّما يَجعلُ المُصلِّي مَكانَ الصَّلاةِ تَسبيحًا وتَهليلًا واستِغفارًا. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: لأنَّ هذه الصَّلاةَ إن كانَت نافِلةً فالنَّوافِلُ في هذه الأَوقاتِ مَكروهةٌ، وإن كانَت لها أسبابٌ عندَنا، كرَكعتَيِ التَّحيَّةِ، ورَكعتَيِ الطَّوافِ، وإن كانَت واجِبةً فأداءُ الواجِباتِ في هذه الأَوقاتِ مَكروهٌ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والإمامُ مالِكٌ وأحمدُ في رِوايةٍ عنهما إلى أنَّها تُصلَّى في كلِّ الأَوقاتِ، كسائرِ الصَّلواتِ التي لها سَببٌ مُتقدِّمٌ عنها، أو مُقارِنٌ، كالمَقضيَّةِ، وصَلاةِ الاستِسقاءِ ورَكعتَيِ الوُضوءِ وتَحيَّةِ المَسجدِ. وعنِ الإمامِ مالِكٍ رِوايةٌ ثالِثةٌ: أنَّها إذا طَلَعت مَكسوفةً يُصلَّى حالًا، وإذا دخَلَ العَصرُ مَكسوفةً، أو كسِفَت عندَهما، لم يُصلَّ لها (٢). الخُطبةُ في صَلاةِ الكُسوفِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ وأحمدُ في المَشهورِ عنه إلى أنَّه لا يُسنُّ لها خُطبةٌ؛ لمَا رَوت عائشةُ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ انصَرفَ وقدِ انجَلَت الشَّمسُ، فخطَبَ النَّاسَ وحمِدَ اللهَ وأَثنى عليه، ثم قالَ: «إِنَّ الشَّمسَ والقَمرَ آيَتانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنخَسفانِ لمَوتِ أَحدٍ ولا لحَياتِه، فإذا رَأَيتُم ذلك فَادعُوا اللهَ وكبِّرُوا وصَلُّوا وتَصدَّقُوا، ثم قالَ: يا أُمةَ مُحمَّدٍ، واللهِ ما مِنْ

стр. 1500

أَحدٍ أَغيَرُ مِنْ اللهِ أَنْ يَزنِيَ عَبدُهُ أو تَزنِيَ أَمَتُه؛ يا أُمةَ مُحمَّدٍ، واللهِ لو تَعلَمونَ ما أَعلَمُ لضَحِكتُم قَلِيلًا وَلبكَيتُم كَثيرًا» (١). قالوا: فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَهم بالصَّلاةِ والدُّعاءِ والتَّكبيرِ والصَّدقةِ، ولم يَأمرْهم بخُطبةٍ، ولو كانَت سُنةً لَأمرَهم بها، ولأنَّها صَلاةٌ يَفعلُها المُنفرِدُ في بَيتِه، فلم يُشرعْ لها خُطبةٌ، وإنَّما خطَبَ النَّبيُّ ﷺ بعدَ الصَّلاةِ ليُعلِّمَهم حُكمَها، وهذا مُختَصٌّ به. وذهَبَ الشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُسنُّ أن يَخطُبَ الإمامُ لها خُطبَتينِ بعدَ الصَّلاةِ، وصِفَتُها كخُطبَتيِ الجمُعةِ في الأَركانِ والشُروطِ وغيرِها؛ لحَديثِ عائشةَ السابقِ. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: والسَّببُ في اختِلافِهم: اختِلافُ العِلةِ التي مِنْ أجلِها خطَبَ رَسولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ لمَّا انصَرفَ مِنْ صَلاةِ الكُسوفِ على ما في حَديثِ عائشةَ، وذلك أنَّها رَوت أنَّه لمَّا انصرَفَ مِنْ الصَّلاةِ وقد تَجلَّتِ الشَّمسُ، حمِدَ اللهَ وأَثنى عليه، ثم قالَ: «إنَّ الشَّمسَ والقَمرَ آيَتانِ من آياتِ اللهِ … » الحَديثَ. فزعَمَ الشافِعيُّ أنَّه إنَّما خطَبَ لأنَّ مِنْ سُنةِ هذه الصَّلاةِ الخُطبةَ، كالحالِ في صَلواتِ العِيدَينِ والاستِسقاءِ، وزعَمَ بعضُ من قالَ بقولِ أولئك أنَّ خُطبةَ النَّبيِّ ﷺ إنَّما كانَت يَومئذٍ لأنَّ النَّاسَ زَعَموا أنَّ الشَّمسَ إنَّما كَسفَت لمَوتِ إِبراهيمَ ابنِه ﵇ (٢).

стр. 1501

كَيفيةُ صَلاةِ الكُسوفِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ صَلاةَ الكُسوفِ رَكعتانِ، إلا أنَّهمُ اختَلَفوا في كَيفيَّةِ الصَّلاةِ بها. فذهَبَ الأئمَّةُ الثَّلاثةُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ: إلى أنَّها رَكعتانِ، في كلِّ رَكعةٍ قِيامانِ، وقِراءتانِ، ورُكوعانِ، وسَجدَتانِ. واستدَلُّوا على ذلك بما رَواهُ ابنُ عَباسٍ ﵄ قالَ: «انكَسفتِ الشَّمسُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فصلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ معه، فَقامَ قِيامًا طَويلًا قَدرَ نحوِ سُورةِ البَقرَةِ، ثم ركَعَ رُكوعًا طَويلًا، ثم رفَعَ فقامَ قِيامًا طَويلًا وهو دونَ القِيامِ الأَوَّلِ، ثم ركَعَ رُكوعًا طَويلًا، وهو دونَ الرُّكوعِ الأَوَّلِ، ثم سجَدَ، ثم قامَ … » (١). قالوا: وإن كانَت هناك رِواياتٌ أُخرى فإنَّ هذه الرِّوايةَ هي أشهَرُ الرِّواياتِ في البابِ، والخِلاُف بينَ الأئمَّةِ في الكَمالِ، لا في الإِجزاءِ والصِّحةِ، فلو صلَّاها رَكعَتينِ كسُنةِ الظُّهرِ ونحوِها صحَّت صَلاتُه للكُسوفِ، وكانَ تاركًا لِلأفضَلِ، وأدنى الكَمالِ عندَهم أن يُحرِمَ بنيَّةِ صَلاةِ الكُسوفِ، ويَقرأَ فاتِحةَ الكتابِ، ثم يَركَعَ ثم يَرفَعَ رَأسَه ويَطمَئن، ثم يَركَعَ ثانيًا، ثم يَرفَعَ ويَطمَئنُّ، ثم يَسجُدَ سَجدتَينِ فهذه رَكعةٌ، ثم يُصلِّيَ رَكعةً أُخرى كذلك.

стр. 1502

وأعلى الكَمالِ أن يُحرِمَ ويَستفتِحَ، ويَستَعيذَ، ويَقرأَ الفاتِحةَ، وسُورةَ البَقرةِ، أو قَدرَها في الطُّولِ، ثم يَركَعُ رُكوعًا طَويلًا فيُسبِّحَ قَدرَ مِئةِ آيَةٍ، ثم يَرفعُ مِنْ رُكوعِه، فيُسبِّحُ، ويَحمدُ في اعتِدالِه، ثم يَقرأُ الفاتِحةَ، وسُورةً دونَ القِراءةِ الأُولى: آلِ عِمرانَ، أو قَدرَها، ثم يَركَعَ فيُطيلَ الرُّكوعَ، وهو دونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثم يَرفعَ مِنْ الرُّكوعِ، فيُسبِّحَ ويَحمدَ، ولا يُطيلَ الاعتِدالَ، ثم يَسجُدَ سَجدتَينِ طَويلَتينِ، ولا يُطيلَ الجُلوسَ بينَ السَّجدتَينِ، ثم يَقومَ إلى الرَّكعةِ الثانيةِ، فيَفعلَ مثلَ ذلك، لكن يَكونُ دونَ الأوَّلِ في الطُّولِ في كلِّ ما يَفعلُ، ثم يَتشهَّدَ ويسلِّمَ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ صَلاةَ الكُسوفِ تَكونُ رَكعَتينِ، كلُّ رَكعةٍ برُكوعٍ واحدٍ وسَجدتَينِ، كسائرِ الصَّلواتِ؛ لمَا رَواه أَبو بَكرةَ قالَ: «خسَفتِ الشَّمسُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فخرَجَ يَجرُّ رِداءَهُ حتى انتَهى إلى المَسجدِ، وثابَ النَّاسُ إليه، فصلَّى بِهم رَكعَتينِ … » الحَديثَ (٢). قالوا: ومُطلَقُ اسمِ الصَّلاةِ يَنصرِفُ إلى الصَّلاةِ المَعهودةِ، وفي رِوايةٍ: «فصلَّى رَكعَتينِ كما يُصلُّونَ» (٣).

стр. 1503

فَواتُ صَلاةِ الكُسوفِ: تَفوتُ صَلاةُ كُسوفِ الشَّمسِ بأحدِ أمرَينِ: الأوَّلُ: انجِلاءُ جَميعِها، فإنِ انجلَى بعضُها فله الشُّروعُ في الصَّلاةِ لِلبقيَّةِ، كما لو لم يَنكَسِف إلا ذلك القَدرُ منها. والآخَرُ: بغُروبِها كاسِفةً. ولو حالَ سَحابٌ وشَكَّ في الانجِلاءِ صلَّى؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الكُسوفِ ولو كانَت الشَّمسُ تحتَ غَمامٍ وشَكَّ هل كُسِفَت أو لا، لم يُصلِّ حتى يَستيقِنَ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الكُسوفِ. ويَفوتُ خُسوفُ القَمرِ بأحدِ أمرَينِ: الأوَّلُ: الانجِلاءُ الكامِلُ. الآخَرُ: طُلوعُ الشَّمسِ (١). الجَهرُ بالقِراءةِ والإسرارُ بها: ذهَبَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ إلى أنَّه لا يَجهَرُ في صَلاةِ كُسوفِ الشَّمسِ؛ لمَا رَواهُ ابنُ عَباسٍ قالَ: «كُنت إلى جَنبِ رَسولِ اللهِ ﷺ يومَ كسَفَت الشَّمسُ، فلَم أَسمَعْ له قِراءةً» (٢).

стр. 1504

وبحَديثِ ابنِ عَباسٍ أيضًا، وفيه: «فَقامَ قِيامًا طَويلًا قَدرَ نحوِ سُورَةِ البَقرَةِ» (١). قالوا: وهذا دَليلٌ على أنَّه لم يَسمَعْه؛ لأنَّه لو سمِعَه لم يُقدِّرْه بغيرِه. ورَوى سمُرةُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في خُسوفِ الشَّمسِ، فلَم أَسمَعْ له صَوتًا» (٢). ولأنَّها صَلاةُ نَهارٍ لم يَجهَرْ فيها، كالظُّهرِ. وذهَبَ الإمامُ أحمدُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيةِ وحَكاهُ التِّرمذيُّ عن الإمامِ مالِكٍ إلى أنَّه يَجهَرُ بها؛ لحَديثِ عائشةَ ﵂: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى صَلاةَ الكُسُوفِ وَجهرَ بِالقِراءةِ فيها» (٣). ولأنَّها نافِلةٌ شُرعَت لها الجَماعةُ، فكانَ مِنْ سُننِها الجَهرُ، كصَلواتِ الاستِسقاءِ والعِيدِ والتَّراويحِ (٤). أمَّا صَلاةُ خُسوفِ القَمرِ فقدِ اتَّفقُوا على أنَّه يُجهَرُ فيها بالقِراءةِ؛ لمَا رَوت عائشةُ ﵂: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جهَرَ في صَلاةِ الخُسوفِ بِقِراءتِه» (٥).

стр. 1505

الصَّلاةُ لغيرِ الكُسوفِ مِنْ الآياتِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الصَّلاةِ لغيرِ الكُسوفِ مِنْ الآياتِ، كالرِّيحِ الشَّديدةِ، والزَّلزَلةِ، وغيرِهما، هل يُصلَّى لها أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه تُستَحبُّ الصَّلاةُ لكلِّ فَزعٍ، كالرِّيحِ الشَّديدةِ والزَّلزَلةِ والظُّلمةِ والمَطرِ الدَّائمِ ولرَميِ الكَواكبِ والصَّواعقِ؛ لكَونِها مِنْ الأَفزاعِ والأَهوالِ. وقد رُويَ عن ابنِ عَباسٍ ﵄: «أَنَّه صلَّى لزَلزَلةٍ بالبَصرَةِ» (١). ولأنَّها آيةٌ مِنْ آياتِ اللهِ يُخوِّفُ اللهُ تَعالى بها عِبادَه. وذهَبَ الحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يُصلِّي لِشَيءٍ مِنْ ذلك، إلا للزَّلزَلةِ الدَّائِمةِ؛ لفِعلِ ابنِ عَباسٍ ﵄، أمَّا غيرُها فلم يُنقَل عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أحَدٍ من أَصحابِه الصَّلاةُ له. وقالَ المالِكيةُ: يُكرَهُ الصَّلاةُ لِهذه الأَشياءِ مُطلقًا سِوى الكُسوفِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُصلِّ لغيرِه، وقد كانَ في عَصرِه بعضُ هذه الآياتِ، وكذلك خُلفاؤُه، ولم يثبُتْ أنَّ أَحدًا منهم صلَّى لها. وقالَ الشافِعيةُ: لا يُصلَّى لغيرِ الكُسوفَينِ صَلاةُ جَماعةٍ؛ لأنَّ هذه الآياتِ قد كانَت، ولم يُنقَلْ أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى لها جَماعةً غيرَ الكُسوفِ، بل يُستحبُّ أن يُصلِّيَ في بَيتِه وأن يَتضرَّعَ إلى اللهِ تَعالَى بالدُّعاءِ عندَ رُؤيةِ هذه الآياتِ.

стр. 1506

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا أمرَ بصَلاةِ جَماعةٍ في زَلزَلةٍ ولا ظُلمةٍ، ولا لصَواعقَ ولا رِيحٍ ولا غيرِ ذلك مِنْ الآياتٍ، وأُمر بالصَّلاةِ مُنفرِدينَ كما يُصلُّونَ مُنفرِدينَ سائِرَ الصَّلواتِ (١). قالَ النَّوويُّ ﵀: واتَّفقَ الأَصحابُ على أنَّه يُستحبُّ أن يُصلِّيَ مُنفرِدًا ويَدعُوَ ويَتضرَّعَ؛ لئلَّا يَكونَ غافِلًا (٢).

стр. 1507

فصل في صَلاةِ الاستِسقاءِ الاستِسقاءُ لُغةً: طَلبُ السُّقيا، أي: طَلبُ إِنزالِ الغَيثِ على البِلادِ والعِبادِ. والاسمُ: السُّقيا، بالضَّمِّ، واستَسقَيتَ فُلانًا: إذا طلَبتَ منه أن يَسقِيَك (١). والمعنَى الاصطِلاحيُّ لِلِاستِسقاءِ هو: طَلبُ إِنزالِ المَطرِ بكَيفيَّةٍ مَخصوصةٍ عندَ شدَّةِ الحاجةِ بأن يُحبَسَ المَطرُ ولم يَكنْ لهم أَوديةٌ وآبارٌ وأَنهارٌ يَشرَبونَ منها ويَسقونَ مَواشيَهم وزَرعَهم، أو كانَ ذلك إلا أنَّه لا يَكفي، فإذا كانَ كافيًا لا يُستَسقَى (٢). حكمُ صَلاةِ الاستِسقاءِ: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الخُروجَ إلى الاستِسقاءِ والبُروزَ عن المِصرِ والدُّعاءَ إلى اللهِ تَعالى والتَّضرُّعَ إليه في نُزولِ المَطَرِ سُنةٌ سنَّها رَسولُ اللهِ ﷺ .

стр. 1508

إلا أنَّهمُ اختَلَفوا: هل يُسنُّ له صَلاةٌ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدُ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّه يُسنُّ له الصَّلاةُ والجَماعةُ. لمَا رَواهُ عبَّادُ بنُ تَميمٍ عن عمِّه عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ قالَ: «إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ خرَجَ إلى المُصلَّى واستَسقَى فَاستَقبلَ القِبلَةَ وَقلَبَ رِداءَهُ وَصلَّى رَكعَتينِ»، قالَ سُفيانُ: قَلبُ الرِّداءِ جَعلُ اليَمِينِ الشِّمالَ وَالشِّمالِ اليَمِينَ (١). وعن عائشةَ ﵂ قالَت: شَكا النَّاسُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ قُحوطَ المَطرِ -امتِناعَه وعدمَ نُزولِه- فأمَرَ بمِنبَرٍ فوُضعَ له في المُصلَّى، ووعَدَ النَّاسَ يَومًا يَخرُجونَ فيه، قالَت عائشةُ: فَخرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ حينَ بَدا حَاجِبُ الشَّمسِ، فقعَدَ على المِنبَرِ فكبَّرَ ﷺ وحمِدَ اللَّهَ ، ثم قالَ: «إنَّكم شَكَوتُم جَدبَ دِيارِكُم، واستِئخارَ المَطرِ عن إِبَّانِ زَمانِه عَنكُم، وقد أَمرَكُم اللهُ أَنْ تَدعُوه، ووَعدكُم أَنْ يَستَجِيبَ لكُم»، ثم قالَ: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [﴿: ٢ - ٤]، لَا إِلهَ إلا اللهُ، يَفعلُ ما يُرِيدُ، اللَّهمَّ أنتَ اللهُ لَا إِلهَ إلا أنتَ الغَنِيُّ، ونَحنُ الفُقَراءُ، أَنزِلْ علَينا الغَيثَ، واجعَلَ ما أَنزَلتَ لنا قُوةً وبَلاغًا إلى حِينٍ»، ثم رفَعَ يَديهِ فلم يَزلْ في الرَّفعِ حتى بَدا بَياضُ إِبِطَيهِ، ثم حوَّلَ إلى النَّاسِ ظَهرَهُ وَقلَبَ -أو حوَّلَ- رِداءَهُ،

стр. 1509

وهو رافِعٌ يَديهِ، ثم أَقبَلَ على النَّاسِ، ونزَلَ فَصلَّى رَكعَتينِ، فأنشَأَ اللهُ سَحابَةً فرَعدت وبرَقَت، ثم أَمطَرَت بإِذنِ اللَّهِ، فلم يَأتِ مَسجدَه حتى سالَتِ السُّيولُ، فلمَّا رَأى سُرعتَهم إلى الكِنِّ (١) ضحِكَ ﷺ حتى بدَت نَواجذُه، فقالَ: «أَشهَدُ أنَّ اللهَ على كلِّ شَيءٍ قَديرٌ وأنِّي عبدُ اللهِ ورَسولُه» (٢). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّه لا تُسنُّ الصَّلاةُ، بل يَخرجُ الإمامُ ويَدعُو، فإن صلَّى الناسُ وُحدانًا جازَ. وحُجةُ أَبي حَنيفةَ في هذا قولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] والمُرادُ منه الاستِغفارُ بالاستِسقاءِ، بدَليلِ قولِه: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، أمَرَ بالاستِغفارِ في الاستِسقاءِ. كما استُدلَّ له بحَديثِ أنَسٍ ﵁: أنَّ رَجلًا دخَلَ المَسجدَ يومَ جمُعةٍ مِنْ بابٍ كانَ نحوَ دارِ القَضاءِ، ورَسولُ اللهِ ﷺ قائِمٌ يَخطُبُ، فَاستَقبلَ رَسولَ اللهِ ﷺ قائِمًا، ثم قالَ: يا رَسولَ اللهِ، هلَكَت الأَموالُ وانقَطعَت السُّبلُ؛ فَادعُ اللهَ يُغِثنا. فَرفعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَديهِ، ثم قالَ: «اللَّهمَّ أَغِثنَا، اللَّهمَّ أَغِثنَا، اللَّهمَّ أَغِثنَا». قالَ

стр. 1510

أَنسٌ: ولا واللهِ، ما نَرى في السَّماءِ من سَحابٍ ولا قَزعَةٍ، وما بينَنا وَبينَ سَلعٍ مِنْ بَيتٍ ولا دارٍ، قالَ: فطَلَعت مِنْ وَرائِه سَحابَةٌ مِثلُ التُّرسِ، فلمَّا توسَّطَت السَّماءَ انتَشرَت ثم أَمطرَت، فلا واللهِ ما رَأَينا الشَّمسَ سِتًّا، ثم دخَلَ رَجلٌ مِنْ ذلك البابِ في الجمُعةِ -يَعني الثانيةَ- ورَسولُ اللهِ ﷺ قائِمٌ يَخطُبُ، فاستَقبلَه قائِمًا، فقالَ يا رَسولَ اللهِ: هلَكَت الأَموالُ، وَانقطعَتِ السُّبلُ؛ فَادعُ اللهَ يُمسِكهَا عَنَّا. قالَ: فرفَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَديهِ ثم قالَ: «اللَّهمَّ حَوالَينا ولا علَينا، اللَّهمَّ على الآكامِ والظِّرابِ وبُطونِ الأَودِيةِ ومَنابتِ الشَّجرِ. قالَ: فأَقلَعَت وَخرَجنا نَمشِي في الشَّمسِ» (١). وعن عمرَ ﵁ أنَّه خرَجَ بالعبَّاسِ فأجلَسَه على المِنبَرِ ووقفَ بجَنبِه يَدعُو ويَقولُ: «اللَّهُمَّ إنَّا نَتوسَّلُ إليكَ بعَمِّ نَبِيِّك ﷺ ، دَعا بدُعاءٍ طَويلٍ، فما نزَلَ عن المِنبَرِ حتى سُقُوا» (٢).
следующие страницы →