إلا أن الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو حنِثَ في الجَميعِ قبلَ التَّكفيرِ هل عليه في كلِّ يَمينٍ كَفارةٌ أم تَكفِيه كَفارةٌ واحِدةٌ للجَميعِ؟
فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنْ مَنْ حنِثَ، ولَو في ألفِ يَمينٍ باللهِ تَعالى، ولَم يُكفِّرْ: فكَفارةٌ واحِدةٌ نصَّ عليه، رَواها ابنُ مَنصورٍ عن أَحمدَ قالَ القاضِي: وهي الصَّحيحةُ. وقالَ أَبو بَكرٍ: ما نقَلَه المَروذيُّ عن أَحمدَ قولٌ لأَبي عبدِ اللهِ ومَذهبُه أنَّ كَفارةً واحِدةً تُجزِئُه، وهو قولُ إِسحاقَ؛ لأنَّها كَفاراتٌ مِنْ جنسٍ فتَداخلَت كالحُدودِ مِنْ جنسٍ وإن اختَلفَت مَحالُّها كما لو زَنى بنِساءٍ أو سرَقَ مِنْ جَماعةٍ (١).
وذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قولٍ إلى أنَّه عليه لكلِّ يَمينٍ كَفارةٌ؛ لأنَّهن أَيمانٌ لا يَحنثُ في إِحداهُنَّ بالحِنثِ في الأُخرَى فلَم تَتكفرْ إِحداهُما بكَفارةِ الأُخرى كما لو كفَّرَ عن إِحداهُما قبلَ الحِنثِ في الأُخرَى وكالأَيمانِ المُختَلفةِ الكَفارةِ وبهذا فارَقَ الأَيمانَ على شيءٍ واحِدٍ فإنَّه متى حنِثَ في إِحداهُما كانَ حانثًا في الأُخرَى فإنْ كانَ الحِنثُ واحِدًا كانَت الكَفارةُ واحِدةً وههُنا تَعدُّدُ الحِنثِ فتَعدَّدت الكَفاراتُ وفارَقَ الحُدودَ، فإنَّها وجَبَت للزَّجرِ وتَندَرئُ بالشُّبهاتِ بخِلافِ مَسأَلتِنا.
ولأنَّ الحُدودَ عُقوبةٌ بَدنيةٌ فالمُوالاةُ بينَها ربَّما أَفضَت إلى التَّلفِ
стр. 14457
فاجتُزئَ بأَحدِها، وههُنا الواجبُ إِخراجُ مالٍ يَسيرٍ أو صِيامِ ثَلاثةِ أَيامٍ فلا يَلزمُ الضَّررُ الكَثيرُ بالمُوالاةِ فيه ولا يُخشَى منه التَّلفُ (١).
الصُّورةُ الثالِثةُ: أنْ يَحلفَ على أَشياءَ مُختَلفةٍ يَمينًا واحِدًا:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الإِنسانَ إذا حلَفَ على أَشياءَ مُختلِفةٍ ك «واللهِ واللهِ لا أَدخلُ دارَ فُلانٍ ولا أُكلمُ فُلانًا ولا أَضربُ فُلانًا» ففعَلَ ذلك كلَّه حنِثَ في الجَميعِ ولزِمَه كَفارةٌ واحِدةٌ؛ لأنَّ اليَمينَ واحِدةٌ والحِنثَ واحدٌ، فإنَّه بفِعلٍ واحدٍ مِنْ المَحلوفِ عليه يَحنثُ وتَنحَلُّ اليَمينُ وليسَ عليه فيما فعَلَ منها بعدَ ذلك شيءٌ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا حلَفَ يَمينًا واحِدةً على أَجناسٍ مُختَلفةٍ فقالَ: «واللهِ لا أَكلتُ ولا شَربتُ ولا لبِستُ» فحنِثَ في الجَميعِ فكَفارةٌ واحِدةٌ لا أَعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ اليَمينَ واحِدةٌ والحِنثُ واحدُ، فإنَّه بفِعلٍ واحدٍ مِنْ المَحلوفِ عليه يَحنثُ وتَنحلُّ اليَمينُ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ومَن حلَفَ على أَشياءَ مُختَلفةٍ يَمينًا واحِدةً ثم فعَلَ شَيئًا منها حنِثَ في يَمينِه ولزِمَته الكَفارةُ ثم لا شيءَ عليه فيما فعَلَه بعدَ ذلك منها.
وقد قيلَ إنَّه لا يَحنثُ حتى يَفعلَ جَميعَ ما حلَفَ عليه (٣).
стр. 14458
الصُّورةُ الرابِعةُ: أنْ يُعدِّدَ ما يَحلِفَ به نحوَ «واللهِ لا أَفعلُ والرَّحمنِ لا أَفعلُ» أو «وعِزةِ اللهِ لا أَفعلُ»:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ مَنْ قالَ: «واللهِ العَظيمِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ» ونحو هذا مِنْ صِفاتِه ٥ أنَّها يَمينٌ واحِدةٌ سَواءٌ كانَ الاسمُ مُختَلفًا أو مُتفِقًا، فالمُختَلفُ نحوَ أنْ يَقولَ: «واللهِ الرَّحمنِ ما فَعلتُ كذا وكذا»؛ لأنَّه لَم يَذكرْ حرفَ العَطفِ، والثانِي يَصلُحُ صِفةً للأَولِ عُلمَ أنَّه أَرادَ به الصِّفةَ فيَكونُ حالِفًا بذاتِ مَوصوفٍ لا باسمِ الذاتِ على حِدةٍ وباسمِ الصِّفةِ على حِدةٍ، والمُتفقُ نحوَ أنْ يَقولَ: «واللهِ واللهِ ما فَعلتُ كذا»؛ لأنَّ الثانِي لا يَصلحُ نَعتًا للأَولِ ويَصلحُ تَكريرًا وتَأكيدًا له فيَكونُ يَمينًا واحِدةً، إلا أنْ يَنويَ به يَمينَينِ فيَكونُ على الخِلافِ السابِقِ في المَسألةِ الأُولى (١).
إلا أنَّهم اختَلَفوا إذا أَدخلَ بينَ القَسمَينِ حرفَ عَطفٍ نحوَ: «واللهِ والرَّحمنِ والعَظيمِ» هل تَتعدَّدُ الكَفارتُ أم يَلزمُه كَفارةٌ واحِدةٌ.
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إنْ أَدخلَ بينَ القِسمَينِ حرفَ عَطفٍ بأنْ قالَ: «واللهِ والرَّحمنِ لا أَفعلُ كذا» ذكَرَ مُحمدٌ في الجامِعِ أنَّهما يَمينانِ وهو إِحدى الرِوايتَينِ عن أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ؛ لأنَّه لَما عطَفَ أحدَ الاسمَينِ على الآخرِ فكانَ الثانِي غيرَ الأَولِ؛ لأنَّ المَعطوفَ غيرُ المَعطوفِ عليه فكانَ كلُّ واحِدٍ منهما يَمينًا على حِدةٍ بخِلافِ ما إذا لَم يَعطفْ؛ لأنَّه إذا لَم يَعطفْ أَحدَهما على الآخرِ يَجعلُ الثانِي صِفةً للأَولِ؛ لأنَّه يَصلحُ صِفةً؛
стр. 14459
لأنَّ الاسمَ يَختَلفُ ولهذا يَستَحلفُ القاضِي بالأَسماءِ والصِّفاتِ مِنْ غيرِ حرفِ العَطفِ فيَقولُ: «واللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ الطالِبِ المُدرِكِ»، ولا يَجوزُ أنْ يَستَحلفَ معَ حرفِ العَطفِ؛ لأنَّه ليسَ على المُدعَى عليه إلا يَمينٌ واحِدةٌ.
ورَوى الحَسنُ بنُ زِيادٍ عن أَبي حَنيفةَ أنَّه يَكونُ يَمينًا واحِدةً، وبه أخَذَ زُفرُ وقد رُويَ هذا أيضًا عن أَبي يُوسفَ في غيرِ رِوايةِ الأُصولِ؛ لأنَّ حرفَ العَطفِ قد يُستَعملُ للاستِئنافِ وقد يُستَعملُ للصِّفةِ فإنَّه يُقالُ: «فُلانٌ العالِمُ والزاهِدُ والجَوادُ والشُّجاعُ»، فاحتَملَ المُغايرةَ واحتَملَ الصِّفةَ، فلا تَثبتُ يَمينٌ أُخرَى معَ الشكِّ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ مَنْ حلَفَ على شيءٍ واحدٍ بأَيمانٍ مُختَلفةٍ مثلَ أن يَحلفَ بالعِتقِ والطَّلاقِ وباللهِ العَظيمِ أو على عَهدِ اللهِ ومِيثاقِه، ثم يَحنَثُ لزِمَه كلُّ ما حلَفَ به إلا أنْ يَنويَ التَّأكيدَ فتَكونُ يَمينًا واحِدةً؛ لأنَّه لما خالَفَ بينَ اللَّفظينِ، وكلُّ واحدٍ يَجوزُ أنْ يُستَأنفَ به اليَمينُ كانَت يَمينَينِ ووجَبَ أنْ يَكونَ لكلِّ لَفظٍ فائِدةٌ مُحدَّدةٌ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ ومُطرفٌ وابنُ الماجِشونِ وعِيسى بنُ دِينارٍ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّه إذا كرَّرَ أَيمانًا على شيءٍ واحدٍ وحنِثَ يَلزمُه كَفارةٌ واحِدةٌ؛ لأنَّها يَمينٌ واحِدةٌ زادَها تَغليظًا، فلَم تَجبْ بها إلا كَفارةٌ واحِدةٌ كقولِه: «واللهِ الطالِبِ الغالِبِ» (٣).
стр. 14460
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا حلَفَ بكلِّ الأَيمانِ التي يَجوزُ الحَلفُ بها على شيءٍ واحدٍ فحنِثَ فعليه كَفارةٌ؛ لأنَّه حِنثٌ واحِدٌ أَوجبَ جِنسًا واحِدًا مِنْ الكَفاراتِ فلَم يَجبْ به أَكثرُ مِنْ كَفارةٍ كما لو قصَدَ التَّأكيدَ والتَّفهيمَ.
ولو حلَفَ على شيءٍ واحدٍ بيَمينَينِ مُختَلفي الكَفارةِ لزِمَته في كلِّ واحِدةٍ مِنْ اليَمينَينِ كَفارتُها، هذا مثلُ الحَلفِ باللهِ وبالظِّهارِ وبعِتقِ عبدِه فإذا حنِثَ فعليه كَفارةُ يَمينٍ وكَفارةُ ظِهارٍ ويَعتِقُ العَبدَ؛ لأنَّ تَداخُلَ الأَحكامِ إنَّما يَكونُ معَ اتِّحادِ الجِنسِ كالحُدودِ مِنْ جِنسِ والكَفاراتِ ههُنا أَجناسٌ وأَسبابُها مُختَلفةٌ فلَم تَتداخَلْ كحدِّ الزِّنا والسَّرقةِ والقَذفِ والشُّربِ (١).
حكمُ مَنْ حرَّمَ على نَفسِه شيئًا:
نصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ المُكلَّفَ إذا حرَّمَ على نَفسِه شَيئًا ممَّا أَباحَه اللهُ مِنْ طَعامٍ أو شَرابٍ أو لِباسٍ أو غيرِ ذلك سَواءٌ أَفردَ أو جمَعَ كقولِه: «إنْ فَعلتُ كذا فالحَلالُ عليَّ حَرامٌ» أو «الشيءُ الفُلانِيُّ عليَّ حَرامٌ» فإنَّه لا يَحرمُ عليه؛ لأنَّ المُحللَ والمُحرمَ هو اللهُ تَعالى، وله أنْ يَستَبيحَه بعدَ التَّحريمِ إلا أنَّهم اختَلَفوا هل يَلزمُه كَفارةُ يَمينٍ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أن مَنْ حرَّمَ على نَفسِه شَيئًا ممَّا يَملكُه لَم يَصرْ مُحرَّمًا عليه، وعليه إنِ استَباحهُ كَفارة يَمينٍ، بأنْ يَقولَ: «هذا الطَّعامُ عليَّ حَرامٌ»، أو: «حَرامٌ عليَّ أَكلُه»، فإنْ أكَلَه حنِثَ ولزِمَته الكَفارةُ، وصارَ كما إذا حرَّمَ أمَتَه أو زَوجتَه؛ لمَا رَواهُ الشَّيخانِ عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ يَقولُ:
стр. 14461
سَمعتُ عائِشَةَ ﵂ تَزعمُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَمكثُ عندَ زَينبَ بِنتِ جَحشٍ ويَشربُ عندَها عَسلًا، فتَواصَيتُ أَنا وحَفصةُ أنَّ أيَّتَنا دخَلَ عليها النَّبيُّ ﷺ فلتَقلْ: إنِّي أَجدُ منك رِيحَ مَغافيرَ، أكَلتَ مَغافيرَ؟ فدخَلَ على إِحداهِما، فقالَت ذلك له، فقالَ: لا بَلْ شَربتُ عَسلًا عندَ زَينبَ بِنتِ جَحشٍ، ولَن أَعودَ له فنزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشةَ وحَفصةَ: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقولِه بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا» (١). (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ مَنْ حرَّمَ على نَفسِه طَعامًا أو شَرابًا أو لِباسًا أو أَمةً أو شَيئًا مِنْ المُباحاتِ سِوى الزَّوجةِ، فلا حُكمَ لذلك ولا كَفارةَ يَمينٍ ولا غيرَها لقولِه تَعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، وقوله تَعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: ٥٩]، فوصَفَ ذلك بأنَّه افتِراءٌ على وَجهِ الزَّجرِ عن فِعلِه، فدلَّ أنَّه لا كَفارةَ فيه، ولأنَّه حرَّمَ على نَفسِه مُباحًا له نَهيٌ عن تَحريمِه كاللِّباسِ والطِّيبِ، ولأنَّ كلَّ ذاتٍ لا يَصحُّ فيها الطَّلاقُ أو الإِعتاقُ فلا يَتعَلقُ بتَحريمُها حُكمٌ كاللِّباسِ، لا شيءَ عليه (٣).
стр. 14462
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلَفوا فيمَن حرَّمَ على نَفسِه شَيئًا مِنْ المُباحاتِ فقالَ مالكٌ: لا يَلزمُ ما عدا الزَّوجةَ، وقالَ أهلُ الظاهرِ: ليسَ في ذلك شيءٌ، وقالَ أَبو حَنيفةَ: في ذلك كَفارةُ يَمينٍ.
وسَببُ اختِلافِهم مُعارضةُ مَفهومِ النَّظرِ لظاهِرِ قولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] وذلك أنَّ النَّذرَ ليسَ هو اعتِقادُ خِلافِ الحُكمِ الشَّرعيِّ أعنِي مِنْ تَحريمِ مُحللٍ أو تَحليلِ مُحرمٍ، وذلك أنَّ التَّصرفَ في هذا إنَّما هو للشَّارعِ فوجَبَ أنْ يَكونَ لمَكانِ هذا المَفهومِ أنَّ مَنْ حرَّمَ على نَفسِه شَيئًا أَباحَه اللهُ له بالشَّرعِ أنَّه لا يَلزمُه كما لا يَلزمُ إنْ نذَرَ تَحليلَ شيءٍ حرَّمَه الشُّرعُ وظاهرُ قولِه تَعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أثرُ العتبِ على التَّحريمِ يُوجبُ أن تَكونَ الكَفارةُ تُحلُّ هذا العَقدَ وإذا كانَ ذلك كذلك فهو غيرُ لازمٍ، والفِرقةُ الأُولَى تَأولَت التَّحريمَ المَذكورَ في الآيةِ أنَّه كانَ العَقدُ بيَمينٍ.
وقد اختَلفَ في الشيءُ الذي نزَلَت فيه هذه الآيةُ.
وفي كِتابِ مُسلمٍ أنَّ ذلك كانَ في شَربةِ عَسلٍ، وفيه عن ابنِ عَباسٍ أنَّه قالَ: إذا حرَّمَ الرَّجلُ عليه امرَأتِه فهو يَمينٌ يُكفِّرُها، وقالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (١).
стр. 14463
مَنْ حلَفَ على زَوجتِه أنْ لا تَخرجَ إلا بإِذنِه:
الزَّوجُ إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ خرَجتِ إلا بإِذنِي أو بغيرِ إِذنِي فأنتِ طالِقٌ» أو قالَ: «إنْ خرَجتِ إلا أنْ آذنَ لك أو حتى آذنَ لك أو إلى أنْ آذنَ لكِ» فالحُكمُ في هذه الأَلفاظِ الخَمسةِ أنَّها متى خَرجَت بغيرِ إِذنِه طلقَت وانحَلَّت يَمينُه؛ لأنَّ حَرفَ «أن» لا يَقتَضي تَكرارًا فإذا حنِثَ مرَّةً انحَلَّت كما لو قالَ: «أنتِ طالقٌ إنْ شِئتِ» وإنْ أذِنَ لها فخَرجَت لَم يَحنثْ بلا رَيبٍ؛ لعَدمِ المُخالَفةِ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ (١).
وأما لو أذِنَ لها ثم خَرجَت بإذنِه ثم خَرجَت بعدَ ذلك بغيرِ إذنِه هل تَطلقُ أو لا؟ فهذا لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أَقسامٍ:
القِسمُ الأَولُ: ما اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّها تَنعَقدُ على مَرةٍ واحِدةٍ، ولا تُوجبُ التَّكرارَ، وذلك لَفظَتا «إلى» و «حتى». فإذا قالَ لها: «أنتِ طالقٌ إنْ خرَجتِ إلى أنْ آذنَ لك، أو حتى آذنَ لك»، فتَنعقِدُ يَمينُه على خُروجِها مَرةً واحِدةً بإذنِه، فإن خَرجَت مَرةً واحِدةً بإذنِه برَّ، وانحَلَّت يَمينُه ولا يَحنَثُ، وإنْ خرَجَت بعدَ ذلك بغيرِ إذنهِ.
والقِسمُ الثانِي: ما اتَّفَقوا على أنَّها تَنعقِدُ على التَّكرارِ في البِرِّ والحِنثِ، وهي لَفظةٌ واحِدةٌ، وذلك قولُه: «كُلَّما دَخلتِ الدارَ بغيرِ إذني، فأنتِ طالقٌ».
стр. 14464
فلَفظةُ «كُلَّما» مَوضوعةٌ للتَّكرارِ، فبِرُّه يَكونُ بإِذنِه لها في كلِّ مَرةٍ، وحِنثُه يَكونُ بأنْ لا يَأذنَ لها في كلِّ مَرةٍ، وإنْ خَرجَت مَرةً بغيرِ إذنِه حنِثَ، وطلُقَت واحِدةً، ولَم تَسقطْ يَمينُه، وإنْ خرَجَت ثالِثةً بغيرِ إذنِه حنِثَ، وطلُقَت ثالِثةً، وسقَطَت يَمينُه بعدَها لاستِيفاءِ ما ملَكَه مِنْ طَلاقِها.
ولو أذِنَ لها بالخُروجِ ثَلاثَ مَراتٍ مِنْ ثَلاثِ خَرجاتٍ بَرَّ، ولَم تَخلُ يَمينُه؛ لبَقاءِ الطَّلاقِ، فإنْ خرَجَت رابِعةً بغيرِ إذنِه، طلُقَت، فيُقدرُ الحِنثُ بالثَّلاثِ، ولَم يَتقَدرْ بها البِرُّ؛ لاعتِبارِ الحِنثِ بما ملَكَه مِنْ عَددِ الطَّلاقِ، فلو خرَجَت مَرةً بإذنِه، وثانِيةً بغيرِ إذنِه، وثالِثةً بإذنِه، ورابِعةً بغيرِ إذنِه بَرَّ في خَرجَتينِ الأولى والثالِثةُ، وحنِثَ في خَرجَتينِ في الثانيةِ والرابِعةِ ثم على هذه العِبرةِ.
والقِسمُ الثالِثُ: ما اختُلفَ فيه: هل تَنعقِدُ يَمينُه على مَرةٍ واحِدةٍ أو على التَّكرارِ، وذلك فيما عدا القِسمَينِ الماضِيينِ مِنْ الأَلفاظِ، وهي خَمسةُ أَلفاظٍ:
أَحدُها: «إنْ خَرجتِ مِنْ الدارِ إلا بإِذني، فأنتِ طالقٌ».
والثانِيةُ: «إنْ خَرجتِ مِنْ الدارِ إلا أنْ آذنَ لك، فأنتِ طالقٌ».
والثالِثةُ: «إنْ خَرجتِ مِنْ الدارِ بغيرِ إذنِي، فأنتِ طالقٌ».
والرابِعةُ: «أيّ وقتٍ خَرجتِ مِنْ الدارِ بغيرِ إذنِي، فأنتِ طالقٌ».
والخامِسةُ: «متى خَرجتِ مِنْ الدارِ بغيرِ إذنِي، فأنتِ طالقٌ».
فاختَلَفوا في انعِقادِ اليَمينِ بهذه الأَلفاظِ هل تُوجبُ التَّكرارَ في البِرِّ والحِنثِ على ثَلاثةِ مَذاهبَ للفُقهاءِ:
стр. 14465
المَذهبُ الأَولُ: وهو مَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في رِوايةٍ أنَّها تَنعقِدُ على مَرةٍ واحِدةٍ في البِّرِّ والحِنثِ، ولا تُوجِبُ التَّكرارَ في بِرٍّ ولا حِنثٍ. فإنْ خَرجَت مَرةً واحِدةً بإذنٍ بَرَّ وانحَلَّت اليَمينُ، ولا يَحنثُ إنْ خرَجَت بعدَ ذلك بغيرِ إذنٍ.
وإنْ خرَجَت مَرةً واحِدةً بغيرِ إذنٍ حنِثَ، وسقَطَت اليَمينُ، ولا يَعودُ الحِنثُ إنْ خرَجَت بعدَه بغيرِ إذنٍ.
لأنَّ كلَّ يَمينٍ اشتَملَت على منعٍ وتَمكينٍ وجَبَ أنْ يَكونَ البِرُّ فيها مُقابلًا للحِنثِ في وُجوبِ التَّكرارِ وسُقوطِه كالمَعقودِ بلَفظِ الغايةِ في سُقوطِ التَّكرارِ، وكالمَعقودةِ ب «كُلَّما» في وُجوبِ التَّكرارِ.
ولأنَّ البِرَّ والحِنثَ في الأَيمانِ مُعتبَرانِ بالعَقدِ، فإن أَوجبَ تَكرارَ المَنعِ والتَّمكينِ أَوجبَ تَكرارَ البِرِّ والحِنثِ، وإنْ لَم يُوجِبْ تَكرارَهما لَم يَتكرَّرِ البِرُّ والحِنثُ.
ولفظُ التَّكرارِ مَعدومٌ في قولِه: «إنْ خَرجتِ إلا بإذنِي»، فانعَقدَ على مَرةٍ، ومَوجودٌ في قولِه: «كُلَّما خَرجتِ بغيرِ إذنِي»، فانعَقدَ على كلِّ مَرةٍ. ألا تَراه لو قالَ لها: «إنْ خرَجتِ بإذنِي، فأنتِ طالقٌ»، انعَقدَت على مَرةٍ، ولو قالَ: «كُلَّما خَرجتِ بإذنِي فأنتِ طالقٌ»، انعَقدَت على مَرةٍ، ولو قالَ: «كُلَّما خَرجتِ بإذنِي» انعَقدَت على التَّكرارِ، وما انعَقدَت عليه اليَمينُ سَواءٌ في البِرِّ والحِنثِ في التَّكرارِ والانفِرادِ؛ لأنَّ عَقدَها إنْ قابَلَت مُقتَضاها كانَ حُكمُها مَقصورًا عليه (١).
стр. 14466
والمَذهبُ الثانِي: وهو مَذهبُ المالِكيةِ في المَشهورِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ أنَّها تَنعقدُ على التَّكرارِ في البِرِّ والحِنثِ، وإنْ خَرجَت مَرةً بإذنٍ بَرَّ، ولَم يَنحلَّ اليَمينُ، وإن خَرجَت مَرةً بغيرِ إذنٍ حنِثَ، ولَم تَسقطِ اليَمينُ؛ لأنَّه علَّقَ الطَّلاقَ على شرطٍ وقد وُجدَ فيَقعُ الطَّلاقُ كما لو لَم تَخرجْ بإذنِه (١).
قالَ الحَنابِلةُ: إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ خَرجتِ بغيرِ إذنِي فأنتِ طالقٌ» أو «إنْ خَرجتِ إلا بإذنِي فأنتِ طالقٌ» أو «إنْ خَرجتِ حتى آذنَ لكِ فأنتِ طالقٌ» ثم أذِنَ لها فخَرجَت ثم خَرجَت بغيرِ إِذنِه طلُقَت؛ لأنَّ «خرَجَت» نَكرةٌ في سِياقِ الشَّرطِ، وهي تَقتَضي العُمومَ فقد صدَقَ أنَّها خرَجَت بغيرِ إذنِه إلا أنْ يَنويَ الإذنَ مَرةً ويَأذنَ لها فيه ثم تَخرجُ بعدُ فلا حِنثَ، أو يَقولَ الإذنَ مَرةً بلفظِه بأنْ يَقولَ: «إنْ خَرجتِ إلا بإذنِي مَرةً فأنتِ طالقٌ» فإذا أذِنَ فيه مَرةً لَم يَحنَثْ بخُروجِها بعدُ بغيرِ إذنِه، وأما إنْ قالَ: «إنْ خَرجتِ مَرةً بغيرِ إذنِي فأنتِ طالقٌ» ثم أذِنَ لها في الخُروجِ ثم خرَجَت بغيرِ إذنِه حنِثَ؛ لأنَّ الخُروجَ الثانِي خُروجٌ غيرُ مَأذونٍ فيه وهو مَحلوفٌ عليه أَشبهَ ما لو خرَجَت ابتِداءً بغيرِ إذنِه.
فإنْ أذِنَ لها في الخُروجِ كُلَّما شاءَت بأنْ قالَ لها: «اخرُجي كُلَّما شِئتِ» لَم تَطلُقْ بخُروجِها للإِذنِ العامِّ فلَم تَخرجْ إلا بإذنِه (٢).
والمَذهبُ الثالِثُ: وهو مَذهبُ الحَنفيةِ، قالوا: إذا حلَفَ على امرَأتِه
стр. 14467
بالطَّلاقِ أنْ لا تَخرجَ حتى يَأذنَ لها فأذِنَ لها مَرةً سقَطَت اليَمينُ؛ لأنَّ «حتى» للغايةِ، قالَ الله تَعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ [القدر: ٥] واليَمينُ يَتوقتُ بالتَّوقيتِ، ومَن حُكمِ الغايةِ أنْ يَكونَ ما بعدَها بخِلافِ ما قبلَها فإذا انتَهَت اليَمينُ بالإِذنِ مَرةً لَم يَحنَثْ بعدَ ذلك، وإنْ خرَجَت بغيرِ إذنِه إلا أنْ يَنويَ الإذنَ في كلِّ مَرةٍ فحينَئذٍ يَكونُ مُشدِّدًا الأمرَ على نَفسهِ بلفظٍ يَحتَملُه.
ولو قالَ: «لا تَخرُجي إلا بإذنِي» فلا بدَّ مِنْ الإذنِ لكلِّ مَرةٍ حتى إذا خرَجَت مَرةً بغيرِ إذنِه حنِثَ؛ لأنَّه استَثنَى خُروجًا بصِفةٍ وهو أنْ يَكونَ بإذنِه، فإنَّ الباءَ للإِلصاقِ فكلُّ خُروجٍ لا يَكونُ بتلكَ الصِّفةِ كانَ شرطَ الحِنثِ، ومَعنى كَلامِه إلا مُستَأذِنَة، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] أي: مَأموِرينَ بذلك، ونَظيرُه «إنْ خَرجتِ إلا بقِناعٍ أو إلا بملاءَةٍ» فإذا خرَجَت مَرةً بغيرِ قِناعٍ أو بغيرِ ملاءَةٍ حنِثَ ولا يَحنثُ بخُروجِها بوُقوعِ غرقٍ أو حرقٍ غالِبٍ فيها.
إلا أنَّه إنْ نَوى الإذنَ مَرةً صُدقَ دِيانةً؛ لأنَّه مُحتَملٌ كَلامُه لا قَضاءَ؛ لأنَّه خِلافُ الظاهِرِ وهو قولُ أَبي يُوسفَ وعليه الفَتوى والحِيلةُ في ذلك أنْ يَقولَ لها: «كُلَّما أَردتِ الخُروجَ فقد أَذنتُ لك».
فأما إذا قالَ: «إلا أنْ آذنَ لها» فهذا بمَنزلتِه «حتى» إذا وُجدَ الإِذنُ مَرةً لا يَبقى اليَمينُ فيه؛ لأنَّ «إلا أنْ» بمَعنى «حتى» فيما يتوَقتُ، قالَ الله تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] أي أنْ يُحاطَ بكم (١).
стр. 14468
إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ خَرجتِ إلى غيرِ الحَمامِ بغيرِ إذنِي فأنتِ طالقٌ» فخرَجَت إلى الحَمامِ ثم عدَلَت إلى غيرِه؟
إذا قالَ الزَّوجُ لزَوجتِه: «إنْ خَرجتِ إلى غيرِ الحَمامِ أو إلى عِيادةِ المَريضِ أو إلى المَكانِ الفُلانِي بغيرِ إذنِي فأنتِ طالقٌ» فخرَجَت إلى الحَمامِ أو إلى ذلك المَكانِ ثم عدَلَت إلى غيرِه هل تَطلُقُ أم لا؟ هذا على ثَلاثةِ أَضربٍ:
الضَّربُ الأَولُ: أن تَخرجَ إلى الحَمامِ، ثم تَعدلُ إلى غيرِ الحَمامِ، فلا حِنثَ عليه اعتِبارًا بقَصدِ الخُروجِ أنَّه كانَ إلى الحَمامِ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في وَجهٍ.
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَحنَثُ لأنَّ قَصدَه في الغالِبِ ألا تَذهبَ إلى غيرِ الحَمامِ وعِيادةِ المَريضِ وقد ذهَبَت إلى غيرِهما ولأنَّ حُكمَ الاستِدامةِ حُكمُ الابتِداءِ.
والضَّربُ الثانِي: أنْ تَخرجَ إلى غيرِ الحَمامِ، ثم تَعدلُ إلى الحَمامِ، فيَحنَثُ اعتِبارًا بقَصدِ الخُروجِ أنَّه كانَ إلى غيرِ الحَمامِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ.
والضَّربُ الثالِثُ: أنْ تَخرجَ جامِعةً في قَصدِها بينَ الحَمامِ وغيرِ الحَمامِ، فإنَّه يَحنَثُ عندَ الشافِعيةِ في الصَّحيحِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ خُروجَها إلى غيرِ الحَمامِ مَوجودٌ، فلم يَمنعِ اقتِرانُه بالخُروجِ إلى الحَمامِ مِنْ وُقوعِ الحِنثِ به، ولأنَّها إذا خرَجَت للحَمامِ وغيرِه فقد صدَقَ عليها أنَّها خرَجَت إلى غيرِ الحَمامِ أو خرَجَت إلى الحَمامِ.
стр. 14469
والوَجهُ الثانِي عندَ الشافِعيةِ: لا يَحنثُ به تَغليبًا لما لا يُوجبُ الحِنثَ على ما يُوجبُه، وهذا خَطأٌ ألا تَراه لو قالَ لها: «إنْ كَلَّمتِ زَيدًا، فأنتِ طالقٌ»، فكلَّمَت زَيدًا وعَمرًا معًا طلُقَت، ولَم يَمنَعْ كَلامُها لعَمروٍ مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ بكَلامِها لزَيدٍ؟ (١).
وجاءَ في «المُدونة الكُبرَى»: (قلتُ): أَرأَيت إنْ حلَفَ رَجلٌ أنْ لا يَأذنَ لامرَأتِه أنْ تَخرجَ إلا في عِيادةِ مَريضٍ فأذِنَ لها فخرَجَت في عِيادةِ مَريضٍ ثم عرَضَت لها حاجةٌ غيرُ العِيادةِ وهي عندَ المَريضِ فذهَبَت فيها أَيَحنثُ الزَّوجُ أم لا قالَ لا يَحنثُ؟ (قلتُ): أَرأيتَ إنْ حلَفَ أنْ لا يَأذنَ لامرَأتِه أنْ تَخرجَ إلا في عِيادةِ مَريضٍ فخرَجَت مِنْ غيرِ أنْ يَأذنَ لها إلى الحَمامِ أو إلى غيرِ ذلك أيَحنثُ أم لا؟ (قالَ): لا يَحنثُ في رَأيي؛ لأنَّ الزَّوجَ لَم يَأذنْ لها إلى حيثُ خرَجَت إلا أنْ يَعلمَ بذلك فيَتركُها فإنْ هو حينَ يَعلمُ بذلك لَم يَتركْها فإنَّه لا يَحنثْ (قلتُ): فإنْ لَم يَعلمْ حتى فرَغَت مِنْ ذلك ورجَعَت (قالَ): لا حِنثَ عليه في رَأيي، (قالَ سحنُونٌ): وقد ذُكرَ عن رَبيعةَ شيءٌ مثلُ هذا أنَّه حانِثٌ في غيرِ العِيادةِ إذا أقَرَّها لأنَّه قد كانَ يَقدرُ على ردِّها فلما ترَكَها فإنَّه أذِنَ لها في خُروجِها (٢).
стр. 14470
إذا قالَ لزَوجتِه: «إن خَرجتِ بغيرِ إذنِي فأنتِ طالقٌ» ثم أذِنَ لها ولم تَعلم فخرَجَت:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن قالَ لزَوجتِه: «إنْ خرَجتِ بغيرِ إذنِي فأنتِ طالقٌ» ثم أذِنَ لها ولَم تَعلم فخرَجَت هل يَحنَثُ وتَطلُقُ أم لا؟
فذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا قالَ لها: «إنْ خَرجتِ بغيرِ إذنِي فأنتِ طالقٌ» ثم أذِنَ لها ولَم تَعلمْ فخرَجَت فإنَّها تَطلُقُ؛ لأنَّ قَصدَه «لا تَخرُجي إلا بسببِ إذنِي» وقد صدَقَ عليها أنَّها خرَجَت بغيرِ سببِ إذنِه، ولأنَّ الإذنَ حُكمٌ مِنْ أَفعالِ أَحكامِ المُكلَّفينَ يَتعلَّقُ بقائلٍ ومَقولٍ له، فوجَبَ إذا فعَلَ عاريًا مِنْ علمٍ فأَعلَّه بثُبوتِ ذلك الحُكمِ له أنْ لا يَحكُمَ لفاعِلهِ بأنَّه فعَلَه على ذلك الوَجهِ، أَصلُه الأَمرُ والنَّهيُ، ولأنَّ مَنْ حلَفَ على امرَأتِه ألا تَخرجَ إلا بإذنِه فمَفهومُ ذلك مَنعُها مِنْ الافتِياتِ عليه وزَجرُها مِنْ اعتِقادِها أنَّها لا تَلزمُ مُراعاةَ إذنِه وقَصرُها على التَّصرفِ بينَ أَمرِه ونَهيِه فَقط، وإذا كانَ هذا هو الغَرضُ وكانَ ذلك لا يُوجدُ إلا معَ عِلمِها بالإذنِ كانَ مَضمومًا إليه ومَشروطًا معَه، فإذا وقَعَ عاريًا منه وجَبَ أنْ يَحنَثَ به، ولأنَّ الخُروجَ وُجدَ منها على الصِّفةِ التي كانَ عليها قبلَ الإذنِ مِنْ اعتِقادِ الافتِياتِ عليه فأَشبهَ أنْ تَخرجَ قبلَ إِذنِه.
ولأنَّ الإِذنَ إِعلامٌ وكذلك قيلَ في قولِه تَعالى: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] أيْ أَعلمْتُكم فاستَويا في العِلمِ، ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي إِعلامٌ، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] فاعلَموا به، واشتِقاقُه مِنْ الإِذنِ يَعني أَوقَعتُه في إذنِك وأَعلَمتُك به ومعَ عدمِ العِلمِ لا
стр. 14471
يَكونُ إِعلامًا فلا يَكونُ إِذنًا، ولأنَّ إذنَ الشارِعِ في أَوامرِه ونَواهِيه لا يَثبتُ إلا بعدَ العلمِ بها كذلك إذنُ الآدميِّ وعلى هذا يُمنَعُ وُجودُ الإِذنِ مِنْ جِهتِه (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ وأَبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ ومالكٌ في رِوايةٍ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا حلَفَ بطَلاقِها أنْ لا تَخرجُ إلا بإذنِه وخشِيَ أنْ تَخرجَ بغيرِ إذنِه عندَ الغَضبِ فاحتالَ وأذِنَ لها مِنْ حيثُ لا تَعلمُ فخرَجَت بعدَ ذلك لَم يَحنثْ ولا تَطلُقُ؛ لأنَّها خرَجَت بعدَ وُجودِ الإذنِ مِنْ جِهتِه فلَم يَحنَثْ كما لو علِمَت به، ولأنَّه لو عزضلَ وَكيلَه انعَزلَ وإنْ لَم يَعلمْ بالعَزلِ فكذلك تَصيرُ مَأذونًا لها وإنْ لَم تَعلمْ.
ولأنَّ الإِذنَ يَختَصُّ بالآذانِ، والعِلمُ به مُختَصٌّ بالمَأذونِ لها، وشَرطُ يَمينِه إنَّما كانَ مَعقودًا على ما يَختَصُّ به مِنْ الإِذنِ دونَ ما يَختَصُّ بها مِنْ العِلمِ. ألا تَرى أنَّ اسمَ الإِذنِ يَنطَلقُ على إذنِه دونَ عِلمِها، فوجَبَ أنْ يَكونَ تَفرُّدُه بالإذنِ مُوجبًا لوُجودِ الشَّرطِ، فلا يَقعُ به الحِنثُ، كما لو قالَ: «إنْ قُمتِ، فأنتِ طالقٌ»، طلُقَت بقِيامِه، وإنْ لَم تَعلمْ.
ولأنَّه لو كانَ العِلمُ شَرطًا في الإِذنِ لكانَ وُجودُه مِنْ الحالِفِ شَرطًا فيه، كما كانَ وُجودُ الإِذنِ منه شَرطًا فيه، فلمَّا ثبَتَ أنَّها لو علِمَت به مِنْ غيرِه
стр. 14472
صحَّ، ولو أذِنَ لها غيرُه لَم يَصحَّ، دلَّ على خُروجِه مِنْ حُقوقِ الإِذنِ، وصحَّ بمُجردِ القَولِ.
ولأنَّه قد حظَرَ الخُروجُ عليها باليَمينِ، وأَباحَ لها الخُروجَ بالإِذنِ، فصارَ عَقدُها جامِعًا بينَ حَظرٍ وإِباحةٍ، والاستِباحةُ إذًا صادَفت إِباحةً لَم يَعلمْ بها المُستَبيحُ جَرى عليها حُكمُ الإِباحةِ دونَ الحَظرِ، كمَن استَباحَ مالَ رَجلٍ قد أَباحَ له، وهو لا يَعلمُ بإِباحتِه، جَرى على المالِ المُبتَدئِ حُكمُ الإِباحةِ اعتِبارًا بالمُبيحِ، ولَم يَجرِ عليه الحَظرُ اعتِبارًا بالمُستَبيحِ. كذلك حُكمُ هذه الخُروجُ. وتَحريرُه: أنَّها استِباحةٌ بعدَ إِباحةٍ، فلَم يَكنْ فَقدُ العِلمِ بها مُؤثرًا في حُكمِها كالمالِ.
ولأنَّها لا تَعلمُ بإذنِه، لبُعدِها تارةً، ولنَومِها أُخرَى، وقد وافَقوا أنَّه لو أذِنَ لها، وهي نائِمةٌ، فخرَجَت غيرَ عالِمةٍ بإذنِه لَم يَحنثْ، كذلك إذا أذِنَ لها، وهي بَعيدةٌ، فلم تَعلمْ بإذنِه حتى خرَجَت وجَبَ أنْ لا يَحنثْ.
وتَحريرُه: أنَّها يَمينٌ تَعلَّقَ البِرُّ فيها بالإِذنِ، فوجَبَ أنْ لا يَكونَ عَدمُ العِلمِ به مُوجبًا للحِنثِ، كالنَّائمةِ والنَّاسيةِ (١).
كَفارةُ اليَمينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحانِثَ في يَمينِه يَجِبُ عليه الكَفارةُ، وهي أربَعةُ أنواعٍ: الثَّلاثةُ الأُوَلُ على التَّخييرِ: إطعامُ عَشرةِ مَساكينَ
стр. 14473
أو كِسوَتُهم أو تَحريرُ رَقبةٍ، والرابِعُ على التَّرتيبِ، أي لا يُجزِئُ إلا عندَ عَدمِ الأوَّلِ.
النَّوعُ الأوَّلُ: إطعامُ: أي إِعطاءُ الطَّعامِ لعَشَرةِ مَساكينَ.
النَّوعُ الثانِي: كِسوةُ عَشرةِ مَساكينَ: للرَّجلِ ثَوبٌ يَستُرُ جَميعَ بَدنِه إلى كَعبِه أو قَريبٍ منه، لا إزارٌ وعِمامةٌ، ولِلمَرأةِ دِرعٌ سابِغةٌ وخِمارٌ.
ولو كَساهم مِنْ غيرِ وَسَطِ كِسوةِ أهلِ مَحلَّتِه فإنَّه كَافٍ؛ لأنَّ المُرادَ منها السَّتْرُ لا الزِّينةُ، ويُعطى الصَّغيرُ كِسوةَ كَبيرٍ ولا يَكفي ما يَستُرُه خاصةً.
النَّوعُ الثالِثُ: عِتقُ رَقَبةٍ سَليمةٍ مِنْ العُيوبِ كالظِّهارِ.
وهذا كُلُّه مَحَلُّ إجماعٍ مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّ مَنْ حنِثَ في يَمينِه فهو مُخيَّرٌ، إن شاءَ أطعَمَ وإن شاءَ كَسا وإن شاءَ أعتَقَ، وقد نقَلَ الإِجماعَ على ذلك جَماعةٌ مِنْ العُلماءِ.
قال الإمامُ ابنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ: والمُكفِّرُ مُخيَّرٌ في تَكفيرِ يَمينِه التي حَنِثَ فيها بإحدى هذه الحالاتِ الثَّلاثِ التي سَماها اللَّهُ في كِتابِه، وذلك: إطعامُ عَشَرةِ مَساكينَ مِنْ أوسَطِ ما يُطعِمُ أهلَه، أو كِسوَتُهم، أو تَحريرُ رَقَبةٍ، بإِجماعٍ مِنْ الجَميعِ لا خِلافَ بَينَهم في ذلك (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحانِثَ في يَمينِه بالخيارِ، إنْ شاءَ أطعَمَ وإنْ شاءَ كَسا وإنْ شاءَ أعتَقَ (٢).
стр. 14474
وقالَ الإمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀: والعُلماءُ مُتَّفِقونَ أنَّ «أو» تَقتَضي التَّخييرَ، وأنَّ الحانِثَ في يَمينِه بالخيارِ، إنْ شاءَ كَسا وإنْ شاءَ أطعَمَ، وإنْ شاءَ أعتَقَ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ: وصِفةُ الكَفارةِ هي: مَنْ حنِثَ أو أرادَ الحِنثَ وإنْ لم يَحنَثْ بَعدُ، فهو مُخيَّرٌ بَينَ ما جاءَ به النَّصُّ، وهو إما أنْ يُعتِقَ رَقَبةً، وإما أنْ يَكسوَ عَشرةَ مَساكينَ، وإما أنْ يُطعِمَهم، أيَّ ذلك الفِعلِ فرَضَ يَجزيه، فإنْ لم يَقدِرْ على شَيءٍ مِنْ ذلك، ففَرضُه صيامُ ثَلاثةِ أَيامٍ، ولا يَجزيه الصَّومُ ما دامَ يَقدِرُ على ما ذَكَرنا مِنْ العِتقِ والكِسوةِ والإِطعامِ، بُرهانُ ذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ: واتَّفَقوا على أنَّ الكَفارةَ إِطعامُ عَشرةِ مَساكينَ أو كِسوَتُهم أو تَحريرُ رَقَبةٍ.
والحالِفُ مُخيَّرٌ في أيِّ ذلك شاءَ، فإنْ لم يَجِدْ مِنْ ذلك انتَقَلَ حينَئِذٍ إلى صيامِ ثَلاثةِ أيامٍ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحانِثَ في يَمينِه بالخيارِ، إنْ شاءَ أطعَمَ وإنْ شاءَ كَسا، وإنْ شاءَ أعتَقَ، أيَّ ذلك فَعَلَ أجزَأه؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالى عَطَفَ بَعضَ هذه الخِصالِ على بَعضٍ بحَرفِ «أو»، وهو
стр. 14475
للتَّخييرِ، قالَ ابنُ عَباسٍ ما كانَ في كِتابِ اللهِ «أو» فهو مُخيَّرٌ فيه، وما كانَ «فمَن لم يَجِدْ» فالأوَّلَ الأوَّلَ (١).
النَّوعُ الرابِعُ: صيامُ ثَلاثةِ أيامٍ إذا عجَزَ وَقتَ التَّكفيرِ عن الثَلاثةِ الماضيةِ: الإطعامِ والكِسوةِ والرَّقبةِ، فيَنتَقِلُ لصيامِ ثَلاثةِ أيامٍ ولا يُجزِئُه الصَّومُ عندَ القُدرةِ على هذه الأَشياءِ الثَّلاثةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]. فلا يُجزِئُه الصَّومُ وهو قادِرٌ على خَصلةٍ مِنْ الخِصالِ الثَلاثِ المُتقدِّمةِ بإجماعِ العُلماءِ؛ لنَصِّ الآيةِ.
قال الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الحالِفَ الواجِدَ الإطعامَ أو الكِسوةَ أو الرَّقبةَ لا يُجزِئُه الصَّومُ إذا حنِثَ في يَمينِه (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: وصِفةُ الكَفارةِ هي: مَنْ حنِثَ أو أرادَ الحِنثَ وإنْ لم يَحنَثْ بَعدُ، فهو مُخيَّرٌ بَينَ ما جاءَ به النَّصُّ، وهو إما أنْ يُعتِقَ رَقَبةً، وإما أنْ يَكسوَ عَشَرةَ مَساكينَ، وإما أنْ يُطعِمَهم، أيَّ ذلك الفِعلِ فرَضَ يَجزيه، فإنْ لم يَقدِرْ على شَيءٍ مِنْ ذلك، ففَرضُه صيامُ ثَلاثةِ أَيامٍ، ولا يَجزيه الصَّومُ ما دامَ يَقدِرُ على ما ذَكَرنا مِنْ العِتقِ والكِسوةِ والإِطعامِ، بُرهانُ ذلك
стр. 14476
قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ
أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ الكَفارةَ إطعامُ عَشَرةِ مَساكينَ أو كِسوَتُهم أو تَحريرُ رَقَبةٍ.
والحالِفُ مُخيَّرٌ في أيِّ ذلك شاءَ، فإنْ لم يَجِدْ مِنْ ذلك انتَقلَ حينَئِذٍ إلى صِيامِ ثَلاثةِ أَيامٍ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنْ لم يَجِدْ طَعامًا ولا كِسوةً ولا عِتقًا انتَقلَ إلى صيامِ ثَلاثةِ أَيامٍ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا لا خِلافَ فيه (٣).
وقالَ الإمامُ الزَّركَشيُّ: إذا لم يَجِدْ واحِدًا مِنْ الثَّلاثةِ السابِقةِ وهي الإِطعامُ والكِسوةُ والعِتقُ بألَّا يَجِدَ ذلك أصلًا أو وجَدَه وتَعذَّرَ عليه شِراؤُه لعَدمِ الثَّمنِ، أو لكَونِه مُحتاجًا إلى ما هو أهَمُّ منه، كما هو مُفصَّلٌ في مَوضِعِه، فإنَّه يَنتقِلُ إلى صيامِ ثَلاثةِ أَيامٍ بالإِجماعِ، وشَهادةِ الكِتابِ (٤).
стр. 14477
التَّتابُعُ في صَومِ كَفارةِ اليَمينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجِبُ التَّتابعُ في صَومِ كَفارةِ اليَمينِ -وهي الأَيامُ الثَّلاثةُ- أو لا يَجبُ ويُستَحبُّ فقط؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيُّ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجبُ التَّتابُعُ في صَومِ كَفارةِ اليَمينِ، فلو فرَّقَ الصَّومَ لا يَجوزُ؛ لقِراءةِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ: (ثَلاثةِ أيامٍ مُتَتابِعاتٍ)، وقِراءَتُه مَشهورةٌ فكانَت كالخبَرِ المَشهورِ، وكذلك ورَدَ في قِراءةِ أُبَيٍّ، وهُما تَكفيانِك، وهو -وإنْ لم يَثبُتْ كَونُه قُرآنًا لعَدَمِ تَواتُرِه- لا أقَلَّ مِنْ أنْ يُنزَلَ مَنزِلةَ خَبَرِ الآحادِ، على أنَّهما سَمِعاه مِنْ النَّبيِّ ﷺ على سَبيلِ التَّفسيرِ، فظَنَّاه قُرآنًا، وإذا فهو حُجةٌ يَجِبُ المَصيرُ إليه.
وعلى هذا يَخرُجُ ما إذا أفطَرَ في خِلالِ الصَّومِ أنَّه يَستَقبِلُ الصَّومَ سَواءٌ أفطَرَ لغَيرِ عُذرٍ أو لعُذرِ مَرَضٍ أو سَفَرٍ لفَوتِ شَرطِ التَّتابُعِ عندَ الحَنفيةِ، وهو قَولٌ للحَنابِلةِ.
والقَولُ الثانِي عندَ الحَنابِلةِ -وهو الصَّحيحُ عندَهم- أنَّه لا يَستقبِلُ كما لو أفطَرَ في كَفارةِ الظِّهارِ (١).
стр. 14478
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجِبُ التَّتابُعُ في صَومِ الكَفارةِ؛ لأنَّ الأمرَ بالصَّومِ مُطلَقٌ، ولا يَجوزُ تَقييدُه إلا بدَليلٍ، ولأنَّه صامَ الأيامَ الثَّلاثةَ، فلم يَجِبِ التَّتابُعُ فيها كصيامِ المُتمتِّعِ ثَلاثةَ أيامٍ في الحَجِّ، ولأنَّ الصَّحابيَّ إنَّما نقَلَ ذلك على كَونِه قُرآنًا، وإذا لم يَثبُتْ كَونُه قُرآنًا سقَطَ اعتِبارُه رَأسًا (١).
مِقدارُ الإطعامِ لكلِّ يَومٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في القَدرِ المُجزِئِ مِنْ الإِطعامِ لكُلِّ مِسكينٍ كلَّ يَومٍ، هل هو نِصفُ صاعٍ أو صاعٌ -كما يَقولُ الحَنفيةُ-؟ أو مُدٌّ هاشِميٌّ -كما يَقولُ المالِكيةُ-؟ أو مُدٌّ بمُدِّ النَّبيِّ ﷺ كما يَقولُ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ-؟ أو أنَّه غيرُ مُقدَّرٍ والرُّجوعُ فيه إلى العُرفِ -كما يَقولُ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيِّمِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الواجِبَ إخراجُه -لكلِّ مِسكينٍ- نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ؛ لما رُويَ عن عُمرَ ﵁ أنَّه قالَ ليَسارِ ابنِ نُمَيرٍ: «إنِّي أحلِفُ ألَّا أُعطيَ أَقوامًا شَيئًا، ثم يَبدو لي فأفعَلُ، فإذا رَأيتَني فَعَلتُ ذلك فأطعِمْ عنِّي عَشَرةَ مَساكينَ كلَّ مِسكينٍ نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ» (٢).
стр. 14479
ورُويَ عن عَليٍّ مِثلُ ذلك.
أو يُخرِجُ قيمةَ ذلك مِنْ غيرِ الأَعدادِ المَنصوصةِ مُطلَقًا، وأما في الأَعدادِ المَنصوصةِ فلا يَجوزُ أداؤُها قيمةً إذا كانَت أقَلَّ قَدرًا مما قَدَّرَه الشَّرعُ.
وإنْ كانَت أكثَرَ مِنْ الآخَرَ أو مِثلَه قيمةً، حتى لو أدَّى نِصفَ صاعٍ مِنْ تَمرٍ جيِّدٍ تَبلغُ قيمَتُه نِصفَ صاعٍ مِنْ حِنطةٍ، لا يَجوزُ، وكذا لو أدَّى أقَلَّ مِنْ نِصفِ صاعٍ حِنطةً تَبلغُ قيمَتُه صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ، لا يَجوزُ؛ إذِ الأصلُ فيه أنَّ كلَّ جِنسٍ مَنصوصٌ عليه مِنْ الطَّعامِ لا يَكونُ بَدَلًا عن جِنسٍ آخَرَ مَنصوصٍ عليه، وإنْ كانَ في القيمةِ أكثَرَ؛ لأنَّه لا اعتِبارَ لمَعنى النَّصِّ في المَنصوصِ عليه، وإنَّما الاعتِبارُ له في غَيرِه.
فإنْ أعطَى مَنًّا مِنْ بُرٍّ ومَنوَينِ مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ جازَ؛ لحُصولِ المَقصودِ؛ إذ الجِنسُ مُتَّحِدٌ.
وإنْ غَدَّاهم وعَشَّاهم جازَ، قَليلًا كانَ ما أَكلوا أو كَثيرًا؛ لأنَّ المَنصوصَ عليه هو الإِطعامُ، وهو حَقيقةٌ في التَّمكينِ مِنْ الطُّعمِ، وفي الإِباحةِ ذلك كما في التَّمليكِ، ولو كانَ فيمَن عَشَّاهم صَبيٌّ فَطيمٌ لا يُجزئُه؛ لأنَّه لا يَستَوفي كامِلًا، ولا بدَّ مِنْ الإدامِ في خُبزِ الشَّعيرِ؛ ليُمكِنَه الاستيفاءُ إلى الشِّبعِ، وفي خُبزِ الحِنطةِ لا يُشتَرطُ الإدامُ.
والمُعتبَرُ في التَّمكينِ أَكلَتانِ مُشبِعتانِ، إما الغَداءُ والعَشاءُ وإما غَداءانِ أو عَشاءانِ لكُلِّ مِسكينٍ، فإنَّ المُعتبَرَ حاجةُ اليَومِ، وذلك بالغَداءِ والعَشاءِ.
стр. 14480
وإذا غَدَّى خَمسةً وعَشَّى خَمسةً آخَرينَ لا يَجوزُ، وعليه أن يُطعِمَ إِحدى الفِرقتَينِ أكلةً مُشبِعةً (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنّ مِقدارَ كَفارةِ اليَمينِ تَمليكُ عَشرةِ مَساكينَ أَحرارٍ مُسلِمينَ ولو كانوا صِغارًا، يُعطي لكُلِّ واحِدٍ مِنهم مُدًّا مِنْ أوسَطِ طَعامِ الأهلِ بمُدِّ النَّبيِّ ﷺ لا أقَلَّ، أو رِطلَينِ مِنْ تَمرٍ أو زَبيبٍ أو لَحمٍ، ويُجزِئُ إِشباعُهم مَرَّتَينِ كغَداءٍ وعَشاءٍ في يَومٍ أو أكثَرَ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الدَّفعَ المُبرِئَ له هو أنْ يَدفَعَ إلى كلِّ مِسكينٍ مُدًّا مِنْ جِنسِ الحَبِّ الذي يَكونُ فُطرةً، فتَخرُجُ مِنْ غالِبِ قُوتِ بَلَدِ المُكفِّرِ، ويَقولُ: «خُذْه، أو كُلْه، أو أبَحتُه لك».
وإنْ جمَعَ عَشرةً وغَدَّاهم وعَشَّاهم لم يُجزِئْه؛ لأنَّ الواجِبَ عليه دَفعُ الحَبِّ، وهذا لم يَدفعِ الحَبَّ، ولأنَّه لا يَتحقَّقُ أنَّ كلَّ واحِدٍ منهم أكَلَ قَدْرَ حَقِّه، وهو يَشُكُّ في إِسقاطِ الغَرَضِ عن ذِمَّتِه، والأصلُ بَقاؤُه (٣).
стр. 14481
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ الواجِبَ في قَدْرِ الطَّعامِ في الكَفاراتِ كلِّها مُدٌّ مِنْ بُرٍّ لكلِّ مِسكينٍ، أو نِصفُ صاعٍ مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ؛ لما رَواه الأثرَمُ بإِسنادِه عن أَبي هُريرةَ في حَديثِ المُجامِعِ في رَمضانَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «أُتيَ بعَرَقٍ فيه خَمسةَ عَشرَ صاعًا فقالَ: خُذْه وتَصدَّقْ به»، وإذا ثبَتَ في المُجامِعِ بالخَبَرِ ثبَتَ في غَيرِه بالقِياسِ عليه، ولأنَّه إِطعامٌ واجِبٌ لم يَختلِفْ باختِلافِ أَنواعِ المُخرَجِ كالفُطرةِ وفِديةِ الأَذى.
ولِما رَوى الإمامُ أحمدُ: ثَنا إِسماعيلُ ثَنا أيُّوبُ عن أَبي يَزيدَ المَدنِيِّ قالَ: جاءَتِ امرَأةٌ مِنْ بَني بَياضةَ بنِصفِ وَسقِ شَعيرٍ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ للمُظاهِرِ: «أطعِمْ هذا، فإنَّ مُدَّيْ شَعيرٍ مَكانَ مُدِّ بُرٍّ» (١)، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا نَصٌّ، ويَدلُّ على أنَّه مُدُّ بُرٍّ أنَّه قَولُ زَيدٍ وابنِ عَباسٍ وابنِ عُمرَ وأَبي هُريرةَ، ولم نَعرِفْ لهم في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فكانَ إِجماعًا، وعلى أنَّه نِصفُ صاعٍ مِنْ التَّمرِ والشَّعيرِ ما رَوى عَطاءُ بنُ يَسارٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ لخُوَيلةَ امرَأةِ أوسِ بنِ الصامِتِ: «اذهَبي إلى فُلانٍ الأَنصاريِّ، فإنَّ عندَه شَطرَ وَسقٍ مِنْ تَمرٍ أخبَرَني أنَّه يُريدُ أنْ يَتصدَّقَ به، فلتَأخُذيه فليَتصدَّقْ به على سِتِّينَ مِسكينًا»، وفي حَديثِ أوسِ بنِ الصامتِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنِّي سَأعينُه بعَرَقٍ مِنْ تَمرٍ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فإنِّي سَأعينُه بعَرَقٍ آخَرَ، قالَ: قد أحسَنتِ، اذهَبي فأَطعِمي بها عنه سِتِّينَ مِسكينًا وارجِعي إلى ابنِ عَمِّكِ»، ورَوى أبو داودَ بإِسنادِه عن أبي سَلَمةَ بنِ عَبدِ
стр. 14482
الرَّحمنِ أنَّه قالَ: «العَرَقُ زِنبيلٌ يأخُذُ خَمسةَ عَشرَ صاعًا»، فعَرقانِ يَكونانِ ثَلاثينَ صاعًا، يَكونُ لكلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ، ولأنَّها كَفارةٌ تَشتمِلُ على صيامٍ وإِطعامٍ، كانَ لكلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ مِنْ التَّمرِ والشَّعيرِ كفِديةِ الأَذى (١).
وقالَ البُهوتِيُّ ﵀: والمُخرَجُ في الكَفارةِ ما يُجزِئُ في الفُطرةِ، وهو البُرُّ والشَّعيرُ ودَقيقُهما وسَويقُهما والتَّمرُ والزَّبيبُ والأقِطُ، فإنْ كانَ قُوتُ بَلَدِه غيرَ ذلك كالذُّرةِ والدَّخَنِ والأرُزِّ لم يَجُزْ إخراجُه؛ لأنَّ الخَبَرَ ورَدَ بإِخراجِ هذه الأَصنافِ في الفُطرةِ فلم يَجُزْ غَيرُها كما لو لم يَكنْ قُوتَ بَلَدِه، واختارَ أبو الخَطابِ والمُوفَّقُ وغَيرُهما: يُجزِئُ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وإِخراجُ الحَبِّ أفضَلُ؛ للخُروجِ مِنْ الخِلافِ، وهي حالةُ كَمالِه؛ لأنَّه مُدَّخَرٌ ويَتهيَّأُ لمَنافِعِه كلِّها بخِلافِ غَيرِه.
ونقَلَ ابنُ هانِئٍ: التَّمرُ والدَّقيقُ أحَبُّ إلَيَّ مما سِواهما.
وفي «التَّرغيب»: التَّمرُ أعجَبُ إلى أحمدَ، قُلتُ: هو قِياسُ ما تَقدَّمَ في الفُطرةِ.
فإنْ أخرَجَ دَقيقًا جازَ، لكنْ يَزيدُ على المُدِّ قَدْرًا يَبلغُ المُدَّ حَبًّا، أو يُخرِجُه -أي الدَّقيقَ- بالوَزنِ رِطلًا عِراقيًّا وثُلُثًا؛ لأنَّ الحَبَّ تَتفرَّقُ أجزاؤُه بالطَّحنِ، فيَكونُ في مِكيالِ الحَبِّ أكثَرَ مما يَكونُ في مِكيالِ الدَّقيقِ.
ولا يُجزِئُ إِخراجُ خُبزٍ؛ لأنَّه خرَجَ عن الكَيلِ والادِّخارِ فأشبَهَ الهَريسةَ.
стр. 14483
وعنه -واختارَه جَمعٌ مِنهم الخِرَقيُّ- قالَ القاضِي وأَصحابُه: الأوْلَى الجَوازُ.
وفي «المُغني»: هذا أحسَنُ -أي إِجزاءُ الخُبزِ-؛ لقَولِه تَعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا مِنْ أوسَطِ ما يُطعِمُ أهلَه، وليسَ الادِّخارُ مَقصودًا في الكَفارةِ؛ فإنَّها مُقدَّرةٌ بما يَقوتُ المِسكينَ في يَومِه، وهذا مُهيَّأٌ للأكلِ المُعتادِ للاقتِياتِ.
وأمَّا الهَريسةُ فإنَّها خرَجَت عن الاقتِياتِ المُعتادِ إلى حَيِّزِ الأُدمِ.
ولا يُجزِئُ مِنْ البُرِّ أقلُّ مِنْ مُدٍّ، ولا يُجزِئُ مِنْ التَّمرِ والشَّعيرِ والزَّبيبِ والأقِطِ أقلُّ مِنْ مُدَّينِ، ولا مِنْ خُبزِ البُرِّ أقلُّ مِنْ رِطلَينِ بالعِراقيِّ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ ذلك لا يَبلُغُ مُدًّا.
ولا مِنْ خُبزِ الشَّعيرِ أقلُّ مِنْ أربَعةِ أَرطالٍ بالعِراقيِّ إنْ قُلنا بإِجزاءِ الخُبزِ.
إلا أنْ يَعلَمَ أنَّه -أي المُخرَجَ مِنْ الخُبزِ- مُدٌّ مِنْ البُرِّ أو مُدَّانِ مِنْ الشَّعيرِ فيُجزِئَ؛ لأنَّه الواجِبُ، ويُستحَبُّ إِخراجُ أُدمٍ مع المُجزِئِ، نَصَّ عليه (١).
وذهَبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيِّمِ -رحمهما الله- إلى أنَّ الواجِبَ يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، وأنَّه غيرُ مُقدَّرٍ في الشَّرعِ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: كَفارةُ اليَمينِ هي المَذكورةُ في سُورةِ المائِدةِ، قالَ تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾
стр. 14484
[المائدة: ٨٩]، فمَتى كانَ واجِدًا فعليه أنْ يُكفِّرَ بإحدى الثَّلاثِ، فإنْ لم يَجِدْ فصيامُ ثَلاثةِ أيامٍ، وإذا اختارَ أنْ يُطعِمَ عَشَرةَ مَساكينَ فله ذلك، «ومِقدارُ ما يُطعِمُ» مَبنيٌّ على أصلٍ، وهو أنَّ إطعامَهم هل هو مُقدَّرٌ بالشَّرعِ أو بالعُرفِ؟ فيه قَولانِ للعُلماءِ.
منهم مَنْ قالَ: هو «مُقدَّرٌ بالشَّرعِ» وهؤلاءِ على أَقوالٍ، منهم مَنْ قالَ: يُطعِمُ كلَّ مِسكينٍ صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ أو نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، كقَولِ أَبي حَنيفةَ وطائِفةٍ.
ومنهم مَنْ قالَ: يُطعِمُ كلَّ واحِدٍ نِصفَ صاعٍ مِنْ تَمرٍ وشَعيرٍ أو رُبعَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، وهو مُدٌّ، كقَولِ أَحمدَ وطائِفةٍ.
ومنهم مَنْ قالَ: بل يُجزِئُ في الجَميعِ مُدٌّ مِنْ الجَميعِ، كقَولِ الشافِعيِّ وطائِفةٍ.
«والقَولُ الثاني» أنَّ ذلك مُقدَّرٌ بالعُرفِ لا بالشَّرعِ؛ فيُطعِمُ أهلَ كلِّ بَلَدٍ مِنْ أوسَطِ ما يُطعِمونَ أهلِيهم قَدْرًا ونَوعًا، وهذا مَعنى ما رُويَ عن مالِكٍ، قالَ إِسماعيلُ بنُ إِسحاقَ: كانَ مالِكٌ يَرى في كَفارةِ اليَمينِ أنَّ المُدَّ يُجزِئُ بالمَدينةِ، قالَ مالِكٌ: وأمَّا البُلدانُ فإنَّ لهم عَيشًا غيرَ عَيشِنا، فأرى أنْ يُكَفِّروا بالوَسَطِ مِنْ عَيشِهم؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهو مَذهبُ داوُدَ وأصحابِه مُطلَقًا، والمَنقولُ عن أكثَرِ الصَّحابةِ والتابِعينَ هذا القَولُ؛ ولهذا كانوا يَقولونَ: الأوسَطُ خُبزٌ ولَبنٌ، خُبزٌ وسَمنٌ، خُبزٌ وتَمرٌ، والأَعلى خُبزٌ ولَحمٌ، وقد بَسَطنا الآثارَ عنهم
стр. 14485
في غيرِ هذا المَوضعِ وبَيَّنَّا أنَّ هذا القَولَ هو الصَّوابُ الذي يَدُلُّ عليه الكِتابُ والسُّنةُ والاعتِبارُ، وهو قِياسُ مَذهبِ أحمدَ وأُصولِه، فإنَّ أصلَه أنَّ ما لم يُقدِّرْه الشارِعُ يُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، وهذا لم يُقدِّرْه الشارِعُ، فيُرجَعُ فيه إلى العُرفِ، لا سيَّما مع قَولِه تَعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإنَّ أحمدَ لا يُقدِّرُ طَعامَ المَرأةِ والوَلَدِ ولا المَملوكِ، ولا يُقدِّرُ أُجرةَ الأَجيرِ المُستأجَرِ بطَعامِه وكِسوَتِه في ظاهِرِ مَذهَبِه، ولا يُقدِّرُ الضِّيافةَ الواجِبةَ عندَه قَولًا واحِدًا، ولا يُقدِّرُ الضِّيافةَ المَشروطةَ على أهلِ الذِّمةِ للمُسلِمينَ في ظاهِرِ مَذهبِه، هذا مع أنَّ هذه واجِبةٌ بالشَّرطِ، فكَيفَ يُقدِّرُ طَعامًا واجِبًا بالشَّرعِ بل ولا يُقدِّرُ الجِزيةَ في أظهَرِ الرِوايتَينِ عنه ولا الخَراجَ، ولا يُقدِّرُ أيضًا الأَطعِمةَ الواجِبةَ مُطلَقًا، سَواءٌ وجَبَت بشَرعٍ أو شَرطٍ، ولا غيرَ الأطعِمةِ مما وجَبَت مُطلَقًا؟! فطَعامُ الكَفارةِ أَولى ألَّا يُقدَّرَ.
و «الأقسامُ ثَلاثةٌ» فما له حَدٌّ في الشَّرعِ أو اللُّغةِ رُجِعَ في ذلك إليهما، وما ليسَ له حَدٌّ فيهما رُجِعَ فيه إلى العُرفِ (١).
وقالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: الذي دَلَّ عليه القُرآنُ والسُّنةُ أنَّ الواجِبَ في الكَفارةِ الإطعامُ فقط، لا التَّمليكُ، قال تَعالى في كَفارةِ اليَمينِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة ٨٩]، وقالَ في كَفارةِ الظِّهارِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، وقالَ في فِديةِ الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وليسَ في القُرآنِ في
стр. 14486
إِطعامِ الكَفاراتِ غيرُ هذا، وليسَ في مَوضعٍ واحِدٍ منها تَقديرُ ذلك بمُدٍّ ولا رِطلٍ.
وصَحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ لمَن وَطِئَ في نَهارِ رَمضانَ: «أطعِمْ سِتِّينَ مِسكينًا»، وكذلك قالَ للمُظاهِرِ ولم يَحُدَّ ذلك بمُدٍّ ولا رِطلٍ.
فالذي دَلَّ عليه القُرآنُ والسُّنةُ أنَّ الواجِبَ في الكَفاراتِ والنَّفقاتِ هو الإِطعامُ لا التَّمليكُ، وهذا هو الثابِتُ عن الصَّحابةِ ﵃.
ولا حُجةَ في أحَدٍ دونَ اللهِ ورَسولِه وإِجماعِ الأُمةِ، وقد أمَرَنا تَعالى أنْ نَرُدَّ ما تَنازَعنا فيه إليه وإلى رَسولِه، وذلك خَيرٌ لنا حالًا وعاقِبةً، ورَأينا اللهَ سُبحانَه قالَ في الكَفارةِ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] و: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، فعلَّقَ الأمرَ بالمَصدَرِ الذي هو الإِطعامُ، ولم يَحُدَّ لنا جِنسَ الطَّعامِ ولا قَدْرَه، وحَدَّ لنا جِنسَ المُطعَمينَ وقَدْرَهم، فأطلَقَ الطَّعامَ وقيَّدَ المَطعومينَ، ورَأيناه سُبحانَه حَيثُ ذكَرَ إِطعامَ المِسكينِ في كِتابِه فإنَّما أرادَ به الإِطعامَ المَعهودَ المُتعارَفَ، كقَولِه تَعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٢، ١٥]، وقالَ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]، وكانَ مِنْ المَعلومِ يَقينًا أنَّهم لو غَدَّوْهم أو عَشَّوْهم أو أطعَموهم خُبزًا ولَحمًا أو خُبزًا ومَرَقًا ونَحوَه لَكانوا مَمدوحينَ داخِلينَ فيمَن أَثنى عليهم، وهو سُبحانَه عدَلَ عن الطَّعامِ الذي هو اسمٌ للمَأكولِ إلى الإِطعامِ الذي هو مَصدَرٌ صَريحٌ، وهذا نَصٌّ في أنَّه إذا أطعَمَ المَساكينَ ولم يُملِّكْهم فقد امتَثلَ ما أُمِرَ به وصَحَّ في كلِّ لُغةٍ وعُرفٍ أنَّه أطعَمَهم.
стр. 14487
قالوا: وفي أيِّ لُغةٍ لا يَصدُقُ لَفظُ الإِطعامِ إلا بالتَّمليكِ؟ ولمَّا قالَ أنَسٌ ﵁: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ أطعَمَ الصَّحابةَ في وَليمةِ زَينبَ خُبزًا ولَحمًا» كانَ قد اتَّخذَ طَعامًا ودَعاهم إليه على عادةِ الوَلائمِ، وكذلك قَولُه في وَليمةِ صَفيةَ: «أطعَمَهم حَيسًا»، وهذا أظهَرُ مِنْ أنْ نَذكُرَ شَواهِدَه، قالوا: وقد زادَ ذلك إيضاحًا وبَيانًا بقَولِه: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ومَعلومٌ يَقينًا أنَّ الرَّجلَ إنَّما يُطعِمُ أهلَه الخُبزَ واللَّحمَ والمَرَقَ واللَّبَنَ ونَحوَ ذلك، فإذا أطعَمَ المَساكينَ مِنْ ذلك فقد أطعَمَهم مِنْ أوسَطِ ما يُطعِمُ أهلَه بلا شَكٍّ، ولهذا اتَّفقَ الصَّحابةُ ﵃ في إِطعامِ الأهلِ على أنَّه غيرُ مُقدَّرٍ كما تَقدَّمَ، واللهُ سُبحانَه جعَلَه أصلًا لطَعامِ الكَفارةِ، فدَلَّ بطَريقِ الأوْلَى على أنَّ طَعامَ الكَفارةِ غيرُ مُقدَّرٍ.
وأمَّا مَنْ قدَّرَ طَعامَ الأهلِ فإنَّما أخَذَ مِنْ تَقديرِ طَعامِ الكَفارةِ، فيُقالُ: هذا خِلافُ مُقتَضى النَّصِّ؛ فإنَّ اللهَ أطلَقَ طَعامَ الأهلِ وجعَلَه أصلًا لطَعامِ الكَفارةِ، فعُلِمَ أنَّ طَعامَ الكَفارةِ لا يُقدَّرُ كما لا يُقدَّرُ أصلُه، ولا يُعرَفُ عن صَحابيٍّ ألبَتَّةَ تَقديرُ طَعامِ الزَّوجةِ مع عُمومِ هذه الواقِعةِ في كلِّ وَقتٍ (١).
مِقدارُ الكِسوةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في مِقدارِ الكِسوةِ التي تَجبُ عليه.
فقالَ الحَنفيةُ: الواجِبُ كِسوةُ عَشَرةِ مَساكينَ يُعطي لكُلِّ واحِدٍ ثَوبًا فما زادَ، وأدناه ما تَجوزُ فيه الصَّلاةُ، وهذا إذا كَسا رَجُلًا، أما إذا كَسا امرَأةً فلا بدَّ مِنْ أنْ يَزيدَها خِمارًا؛ لأنَّ رَأسَها عَورةٌ، ولا يَجوزُ لها الصَّلاةُ مع كَشفِه.
стр. 14488
ولو أَعطى عَشرةَ مَساكينَ ثَوبًا واحِدًا وهو يُساوي عَشرةَ أَثوابٍ لا يُجزئُه، فإنْ كانَت قيمَتُه مِثلَ إِطعامِ عَشَرةِ مَساكينَ أَجزَأه عن الإِطعامِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا يُجزئُ في الكِسوةِ إلا ما تَحِلُّ به الصَّلاةُ: للرَّجلِ ثَوبٌ يَستُرُ جَميعَ بَدَنِه إلى كَعبِه أو قَريبٍ منه لا إِزارٌ وعِمامةٌ، وللمَرأةِ دِرعٌ سابِغةٌ وخِمارٌ.
ولو كَساهم مِنْ غيرِ وَسَطِ كِسوةِ أهلِ مَحَلَّتِه فإنَّه كافٍ؛ لأنَّ المُرادَ منها السَّتْرُ لا الزِّينةُ.
والرَّضيعُ كالكَبيرِ فيُعطى ما يُعطى الكَبيرُ مِنْ الكِسوةِ ولا يَكفي ما يَستُرُه خاصةً، وقيلَ: الصَّغيرُ يُعتَبَرُ في نَفسِه فيُعطى ثَوبًا بقَدْرِه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إنْ أرادَ أنْ يُكفِّرَ بالكِسوةِ كَسا عَشرةَ مَساكينَ ما يَقعُ عليه اسمُ الكِسوةِ مِنْ قَميصٍ أو عِمامةٍ أو سَراويلَ أو رِداءٍ أو إزارٍ أو مِقنَعةٍ- وهو لِباسٌ للمَرأةِ تَستَتِرُ به، والقِناعُ ما تُغَطِّي به المَرأةُ رَأسَها- أو خِمارٍ؛ لأنَّ الشَّرعَ ورَدَ بالكِسوةِ مُطلَقةً وليسَ له عُرفٌ يُحمَلُ عليه فوجَبَ حَملُه على ما يَقَعُ عليه اسمُ الكِسوةِ واسمُ الكِسوةِ يَقَعُ على العِمامةِ والمِقنَعةِ والخِمارِ والسَّراويلِ فأجزَأه كالقَميصِ.
стр. 14489
ولا يُجزِئُ خُفٌّ وقُفازَانِ ومُكَعَّبٌ، وهو المَداسُ، ونَعلٌ ومِنطَقةٌ -بكَسرِ الميمِ-، وقَلَنسوةٌ، وهي بفَتحِ القافِ واللَّامِ، ما يُغَطَّى به الرأسُ، ونَحوُ ذلك مِمَّا لا يُسَمَّى كِسوةً كدِرعٍ مِنْ حَديدٍ، ويُجزِئُ فَروٌ ولُبَّدٌ اعتِيدَ في البَلدِ لُبسُهما، ولا يُجزِئُ التَّبانُ وهو سِروالٌ قَصيرٌ لا يَبلغُ الرُّكبةَ، ولا الخاتَمُ، والتِّكةُ، والعِرقيةُ.
ولا يُشتَرطُ صَلاحيَتُه للمَدفوعِ إليه، فيَجوزُ سَراويلُ صَغيرٍ لكَبيرٍ لا يَصلُحُ له، ويَجوزُ قُطنٌ وكَتَّانٌ وحَريرٌ وشَعرٌ وصُوفٌ مَنسوجٌ كُلٌّ منها لامرَأةٍ ورَجلٍ؛ لوُقوعِ اسمِ الكِسوةِ على ذلك، ولَبيسٍ لم تَذهَبْ قُوَّتُه، فإنْ ذهَبَت بحَيثُ صارَ مُسحَقًا لم يَجُزْ، ولا بُدَّ مع بَقاءِ قُوَّتِه مِنْ كَونِه غيرَ مُتخرَّقٍ ولا يُجزِئُ جَديدٌ مُهَلهَلُ النَّسجِ إذا كانَ لُبسُه لا يَدومُ إلا بقَدْرِ ما يَدومُ لُبسُ الثَّوبِ البالي لضَعفِ النَّفعِ به، ولا يَجوزُ نَجِسُ العَينِ مِنْ الثِّيابِ، ويُجزِئُ المُتنجِّسُ، وعليه أنْ يُعلِمَهم بنَجاسَتِه، ويَجوزُ ما غُسِلَ ما لم يَخرُجْ عن الصَّلاحيةِ كالطَّعامِ العَتيقِ، لانطِلاقِ الكِسوةِ عليه.
وكَونُه يُرَدُّ في البَيعِ لا يُؤثِّرُ في مَقصودِها كالعَيبِ الذي لا يَضُرُّ بالعَمَلِ في الرَّقيقِ، ويُندَبُ أنْ يَكونَ الثَّوبُ جَديدًا خامًا كانَ أو مَقصورًا لآيةِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، ولو أَعطى عَشرةً ثَوبًا طَويلًا لم يُجزِه، بخِلافِ ما لو قطَّعَه قِطعًا ثم دفَعَه إليهم (١).
стр. 14490
وقالَ الحَنابِلةُ: الكِسوةُ ما تُجزِئُ الصَّلاةُ به، للرَّجُلِ ثَوبٌ ولو عَتيقًا إذا لم تَذهَبْ قُوَّتُه، فإنْ بَليَ وذهَبَت مَنفَعَتُه لم يُجزِئْه؛ لأنَّه مَعيبٌ، أو قَميصٌ يُجزِئُه أنْ يُصلِّيَ فيه الفَرضَ بأنْ يَجعَلَ على عاتِقِه منه شَيئًا بَعدَ سَتْرِ عَورَتِه، أو ثَوبانِ يأتَزِرُ بأحَدِهما ويَرتَدي الآخَرَ، ولا يُجزِئُه مِئزَرٌ وَحدَه ولا سَراويلَ وَحدَها؛ لأنَّ الفَرضَ لا يُجزِئُ فيه.
وللمَرأةِ دِرعٌ -أي: قَميصٌ- وخِمارٌ يُجزِئُها أنْ تُصلِّيَ فيهما؛ لأنَّ ما دونُ ذلك لا يُجزِئُ لابِسَه في الصَّلاةِ ويُسَمَّى عُريانًا، وإنْ أَعطاها المُكفِّرُ ثَوبًا واسِعًا يُمكِنُ أنْ يَستُرَ الثَّوبُ بَدَنَها ورَأسَها أجَزأه إِناطةً بسَتْرِ عَورَتِها، ويَجوزُ أنْ يَكسوَهم مِنْ جَميعِ أَصنافِ الكِسوةِ مِمَّا يَجوزُ للآخِذِ لُبسُه مِنْ قُطنٍ وكَتَّانٍ وصُوفٍ وشَعرٍ ووَبَرٍ وخَزٍّ وحَريرٍ، وسَواءٌ كانَ مَصبوغًا أو لا، أو خامًا أو مَقصورًا، لعُمومِ الآيةِ (١).
التَّلفيقُ في الكَفارةِ أنْ يُطعِمَ بَعضًا ويَكسُوَ بَعضًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجوزُ أن يُلَفِّقَ في كَفارةِ اليَمينِ بأنْ يُطعِمَ مَثلًا خَمسةَ مَساكينَ ويَكسُوَ خَمسةَ مَساكينَ أو لا يَجوزُ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّه لا يُجزِئُ التَّلفيقُ في الكَفارةِ بينَ الإطعامِ والكِسوةِ، فإذا أطعَمَ خَمسةً وكَسا خَمسةً فإنَّه لا يُجزِئُ؛ لأنَّهما نَوعانِ مِنْ أَنواعِ الكَفارةِ فلم يَجُزْ إِخراجُ الكَفارةِ منهما كما لا يُجزِئُ إِعتاقُ نِصفِ رَقَبةٍ وإِطعامُ خَمسةٍ (٢).
стр. 14491
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يُطعِمَ المُكلَّفُ بَعضًا مِنْ العَشَرةِ ويَكسوَ بَعضًا منهم؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالى خيَّرَ مَنْ وجَبَت عليه الكَفارةُ بينَ الإِطعامِ والكِسوةِ فكانَ مَرجِعُهما إلى اختِيارِه في العَشرةِ وفي بَعضِهم (١).
إِخراجُ القيمةِ في كَفارةِ اليَمينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ جَوازِ إِخراجِ القيمةِ في كَفارةِ اليَمينِ هل يَجوزُ أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه تَجوزُ القيمةُ في الكِسوةِ والطَّعامِ؛ لأنَّ المَقصودَ فيه حُصولُ النَّفعِ للمَساكينِ بهذا القَدْرِ مِنْ المالِ ويَحصُلُ لهم مِنْ النَّفعِ بالقيمةِ مِثلُ حُصولِه بالطَّعامِ والكِسوةِ، ولمَّا صحَّ إِعطاءُ القيمةِ في الزِّكواتِ مِنْ جِهةِ الآثارِ والنَّظرِ وجَبَ مِثلُه في الكَفارةِ؛ لأنَّ أحَدًا لم يُفرِّقْ بَينَهما، ومع ذلك فليسَ يَمتنِعُ إِطلاقُ الاسمِ على مَنْ أَعطى غَيرَه دَراهمَ يَشتَري بها ما يَأكلُه ويَلبَسُه بأنْ يُقالَ: قد أطعَمَه وكَساه، وإذا كانَ إِطلاقُ ذلك سائِغًا انتَظمَه لَفظُ الآيةِ، ألَا تَرى أنَّ حَقيقةَ الإِطعامِ أنْ يُطعِمَه إِياه بأنْ يُبيحَه له فيَأكُلَه، ومعَ
стр. 14492
ذلك فلو ملَّكَه إِياه ولم يَأكُلْه المِسكينُ وباعَه أجَزأَه وإنْ لم يَتَناوَلْه حَقيقةُ اللَّفظِ بحُصولِ المَقصِدِ في وُصولِ هذا القَدْرِ مِنْ المالِ إليه، وإنْ لم يُطعِمْه ولم يَنتفِعْ به مِنْ جِهةِ الأكلِ، وكذلك لو أَعطاه كِسوةً فلم يَكتَسِ بها وباعَها، وإنْ لم يَكنْ له كاسيًا بإِعطائِه إذ كانَ مُوصِّلًا إليه هذا القَدرَ مِنْ المالِ بإِعطائِه إياه؟ ثبَتَ بذلك أنَّه ليسَ المَقصِدُ حُصولَ المَطعَمِ والاكتِساءِ وأنَّ المَقصِدَ وُصولُه إلى هذا القَدْرِ مِنْ المالِ، فلا يَختلِفُ حينَئِذٍ حُكمُ الدَّراهِمِ والثِّيابِ والطَّعامِ، ألَا تَرى أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدَّرَ في صَدقةِ الفِطرِ نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ ثم قالَ: «أغنوهم عن المَسألةِ في هذا اليَومِ»، فأخبَرَ أنَّ المَقصودَ حُصولُ الغِنى لهم عن المَسألةِ، لا مِقدارُ الطَّعامِ بعَينِه؛ إذ كانَ الغِنى عن المَسألةِ يَحصُلُ بالقيمةِ كحُصولِه بالطَّعامِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُجزِئُ في الكَفارةِ إِخراجُ قيمةِ الطَّعامِ ولا الكِسوةِ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] هذا ظاهِرٌ في عَينِ الطَّعامِ والكِسوةِ فلا يَحصُلُ التَّكفيرُ بغَيرِه؛ لأنَّه لم يُؤَدِّ الواجِبَ إذا لم يُؤَدِّ ما أمَرَه اللَّهُ بأدائِه، ولأنَّ اللَّهَ تَعالى خَيَّرَ بينَ ثَلاثةِ أشياءَ، ولو جازَت القيمةُ لم يَنحَصِرِ التَّخييرُ في الثَّلاثةِ، ولأنَّه لو أُريدَت القيمةُ لم يَكُنْ للتَّخييرِ مَعنًى؛ لأنَّ قيمةَ الطَّعامِ إنْ ساوَت قيمةَ الكِسوةِ فهُما شَيءٌ واحِدٌ، فكَيفَ يُخيِّرُ بينَهما؟ وإنْ زادَت قيمةُ أحَدِهما على الآخَرِ فكَيفَ يُخيِّرُ بينَ
стр. 14493
شَيءٍ وبَعضِه، ثم يَنبَغي أنَّه إذا أَعطاه في الكِسوةِ ما يُساوي إِطعامَه أنْ يُجزِئَه، وهو خِلافُ الآيةِ وكذلك لو غَلَت قيمةُ الطَّعامِ فصارَ نِصفُ المُدِّ يُساوي كِسوةَ المِسكينِ يَنبَغي أنْ يُجزِئَه نِصفُ المُدِّ، وهو خِلافُ الآيةِ ولأنَّه أحَدٌ ما يُكفِّرُ به، فيَتعيَّنُ ما ورَدَ به النَّصُّ كالعِتقِ، أو فلا تُجزِئُ فيه القِيمةُ كالعِتقِ، فعلى هذا لو أَعطاهم أَضعافَ قيمةِ الطَّعامِ لا يُجزِئُه؛ لأنَّه لم يُؤَدِّ الواجِبَ فلا يَخرُجُ عن عُهدَتِه (١).
إِعطاءُ أَقارِبِه مِنْ الكَفارةِ:
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ويُعطي مِنْ أَقاربِه مَنْ يَجوزُ أن يُعطيَه مِنْ زَكاةِ مالِه.
وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ، ولا نَعلَمُ فيه مُخالِفًا، ولأنَّ الكَفارةَ حَقُّ مالٍ يَجِبُ للَّهِ تَعالى فجَرى مَجرى الزَّكاةِ فيمَن يُدفَعُ إليه مِنْ أَقاربِه ومَن لا يُدفَعُ إليه، وقد سَبَقَ ذلك في بابِ الزَّكاةِ.
فَصلٌ: وكُلُّ مَنْ يُمنَعُ الزَّكاةَ مِنْ الغَنيِّ والكافِرِ والرَّقيقِ يُمنَعُ أخْذَ الكَفارةِ، وهل يُمنَعُ منها بَنو هاشِمٍ؟ فيه وَجهانِ، أحَدُهما: يُمنَعونَ منها؛ لأنَّها صَدَقةٌ واجِبةٌ، فمُنِعوا منها لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّا لا تَحِلُّ لنا الصَّدقةُ»، وقِياسًا على الزَّكاةِ، والثانِي: لا يُمنَعونَ؛ لأنَّها لم تَجِبْ بأصلِ الشَّرعِ، فأشبَهَت صَدَقةَ التَّطوُّعِ (٢).
стр. 14494
هل يَجوزُ إِطعامُ مِسكينٍ واحِدٍ عَشرةَ أَيامٍ أو لا بدَّ مِنْ إِطعامِ عَشَرةِ مَساكينَ؟
اتَّفقَ فُقهاءُ الأُمةِ على أنَّه إنْ أطعَمَ كلَّ يَومٍ مِسكينًا حتى أكمَلَ العَشرةَ أَجزأَه؛ لأنَّ الواجِبَ إِطعامُ عَشرةِ مَساكينَ وقد أَطعمَهم.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو أَطعمَ مِسكينًا واحِدًا عَشَرةَ أيامٍ، هل يُجزِئُه أو لا؟
فذهَبَ الحَنَفيةُ إلى أنَّه إذا أطعَمَ مِسكينًا واحِدًا عَشرةَ أَيامٍ أَكلتَينِ مُشبِعتَينِ أَجزَأه؛ لأنَّ المَقصودَ سَدُّ خَلةِ المُحتاجِ، والحاجةُ تَتجدَّدُ في كلِّ يَومٍ، فالدَّفعُ إليه في اليَومِ الثانِي كالدَّفعِ إلى غَيرِه.
وكذا إذا أعطاه عَشَرةَ أيامٍ كلَّ يَومٍ نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ.
وإنْ أَعطاه في يَومٍ واحِدٍ طَعامَ عَشرةِ أَيامٍ لم يُجزِه إلا عن يَومِه ذلك؛ لأنَّ التَّفريقَ واجِبٌ بالنَّصِّ، وهو قَولُه: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] ولم يُوجَدْ لا حَقيقةً ولا تَقديرًا فلا يَجوزُ، كالحاجِّ إذا رَمى الحَصياتِ السَّبعَ دُفعةً واحِدةً.
ولو أطعَمَ عِشرينَ مِسكينًا دُفعةً واحِدةً فعليه أنْ يُطعِمَ إِحدى الفِرقتَينِ أكلةً مُشبِعةً أَخرى، وكذا إذا غدَّى عَشرةً وعشَّى عَشرةً غيرَهم فعليه أنْ يُطعِمَ إِحدى الفِرقتَينِ أَكلةً مُشبِعةً أَخرى (١).
стр. 14495
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُجزِئُه إنْ أَطعمَ مِسكينًا واحِدًا عَشرةَ أَيامٍ؛ لأنَّ هذا خِلافٌ مُجرَّدٌ لأمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولا يَقعُ اسمُ عَشرةِ مَساكينَ على مِسكينٍ واحِدٍ أصلًا.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ومَن لم يُصِبْ إلا مِسكينًا واحِدًا ردَّدَ عليه في كلِّ يَومٍ تَتِمةَ عَشرةِ أَيامٍ.
وجُملَتُه أنَّ المُكفِّرَ لا يَخلو مِنْ أنْ يَجِدَ المَساكينَ بكَمالِ عَددِهم أو ألَّا يَجِدَهم، فإنْ وَجَدَهم لم يُجزِئْه إِطعامُ أقَلَّ مِنْ عَشَرةٍ في كَفارةِ اليَمينِ ولا أقَلَّ مِنْ سِتِّينَ في كَفارةِ الظِّهارِ وكَفارةِ الجِماعِ في رَمَضانَ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأجازَ الأوزاعيُّ دَفعَها إلى واحِدٍ، وقالَ أبو عُبَيدٍ: إنْ خَصَّ بها أهلَ بَيتٍ شَديدي الحاجةِ جازَ بدَليلِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ للمُجامِعِ في رَمضانَ حينَ أخبَرَه بشِدةِ حاجَتِه وحاجةِ أهلِه: «أطعِمْه عِيالَك»، ولأنَّه دفَعَ حَقَّ اللهِ تَعالى إلى مَنْ هو مِنْ أهلِ الِاستِحقاقِ فأجزَأه كما لو دفَعَ زَكاتَه إلى واحِدٍ، وقالَ أَصحابُ الرأيِ: يَجوزُ أنْ يُرَدِّدَها على مِسكينٍ واحِدٍ في عَشَرةِ أيامٍ إنْ كانَت كَفارَتُه يَمينًا، أو في سِتِّينَ إنْ كانَ الواجِبُ إطعامَ سِتِّينَ مِسكينًا، ولا يَجوزُ دَفعُها إليه في يَومٍ واحِدٍ، وحَكاه أبو الخَطابِ رِوايةً عن أحمدَ؛ لأنَّه في كلِّ يَومٍ قد أطعَمَ مِسكينًا ما يَجِبُ للمِسكينِ فأجزَأ كما لو أَعطى غَيرَه، ولأنَّه لو أطعَمَ هذا المِسكينَ مِنْ كَفارةٍ أخرى أجَزاه، فكذلك إذا أطعَمَه مِنْ هذه الكَفارةِ.
ولنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، ومَن أَطعمَ واحِدًا فما أطعَمَ عَشَرةً فما امتَثلَ الأمرَ، فلا يُجزِئُه، ولأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ كَفارَتَه إطعامَ عَشَرةِ مَساكينَ، فإذا لم يُطعِمْ عَشَرةً فما أَتى