← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14491–14530 · переход к 14496.

стр. 14491

وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يُطعِمَ المُكلَّفُ بَعضًا مِنْ العَشَرةِ ويَكسوَ بَعضًا منهم؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالى خيَّرَ مَنْ وجَبَت عليه الكَفارةُ بينَ الإِطعامِ والكِسوةِ فكانَ مَرجِعُهما إلى اختِيارِه في العَشرةِ وفي بَعضِهم (١). إِخراجُ القيمةِ في كَفارةِ اليَمينِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ جَوازِ إِخراجِ القيمةِ في كَفارةِ اليَمينِ هل يَجوزُ أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه تَجوزُ القيمةُ في الكِسوةِ والطَّعامِ؛ لأنَّ المَقصودَ فيه حُصولُ النَّفعِ للمَساكينِ بهذا القَدْرِ مِنْ المالِ ويَحصُلُ لهم مِنْ النَّفعِ بالقيمةِ مِثلُ حُصولِه بالطَّعامِ والكِسوةِ، ولمَّا صحَّ إِعطاءُ القيمةِ في الزِّكواتِ مِنْ جِهةِ الآثارِ والنَّظرِ وجَبَ مِثلُه في الكَفارةِ؛ لأنَّ أحَدًا لم يُفرِّقْ بَينَهما، ومع ذلك فليسَ يَمتنِعُ إِطلاقُ الاسمِ على مَنْ أَعطى غَيرَه دَراهمَ يَشتَري بها ما يَأكلُه ويَلبَسُه بأنْ يُقالَ: قد أطعَمَه وكَساه، وإذا كانَ إِطلاقُ ذلك سائِغًا انتَظمَه لَفظُ الآيةِ، ألَا تَرى أنَّ حَقيقةَ الإِطعامِ أنْ يُطعِمَه إِياه بأنْ يُبيحَه له فيَأكُلَه، ومعَ

стр. 14492

ذلك فلو ملَّكَه إِياه ولم يَأكُلْه المِسكينُ وباعَه أجَزأَه وإنْ لم يَتَناوَلْه حَقيقةُ اللَّفظِ بحُصولِ المَقصِدِ في وُصولِ هذا القَدْرِ مِنْ المالِ إليه، وإنْ لم يُطعِمْه ولم يَنتفِعْ به مِنْ جِهةِ الأكلِ، وكذلك لو أَعطاه كِسوةً فلم يَكتَسِ بها وباعَها، وإنْ لم يَكنْ له كاسيًا بإِعطائِه إذ كانَ مُوصِّلًا إليه هذا القَدرَ مِنْ المالِ بإِعطائِه إياه؟ ثبَتَ بذلك أنَّه ليسَ المَقصِدُ حُصولَ المَطعَمِ والاكتِساءِ وأنَّ المَقصِدَ وُصولُه إلى هذا القَدْرِ مِنْ المالِ، فلا يَختلِفُ حينَئِذٍ حُكمُ الدَّراهِمِ والثِّيابِ والطَّعامِ، ألَا تَرى أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدَّرَ في صَدقةِ الفِطرِ نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ ثم قالَ: «أغنوهم عن المَسألةِ في هذا اليَومِ»، فأخبَرَ أنَّ المَقصودَ حُصولُ الغِنى لهم عن المَسألةِ، لا مِقدارُ الطَّعامِ بعَينِه؛ إذ كانَ الغِنى عن المَسألةِ يَحصُلُ بالقيمةِ كحُصولِه بالطَّعامِ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُجزِئُ في الكَفارةِ إِخراجُ قيمةِ الطَّعامِ ولا الكِسوةِ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] هذا ظاهِرٌ في عَينِ الطَّعامِ والكِسوةِ فلا يَحصُلُ التَّكفيرُ بغَيرِه؛ لأنَّه لم يُؤَدِّ الواجِبَ إذا لم يُؤَدِّ ما أمَرَه اللَّهُ بأدائِه، ولأنَّ اللَّهَ تَعالى خَيَّرَ بينَ ثَلاثةِ أشياءَ، ولو جازَت القيمةُ لم يَنحَصِرِ التَّخييرُ في الثَّلاثةِ، ولأنَّه لو أُريدَت القيمةُ لم يَكُنْ للتَّخييرِ مَعنًى؛ لأنَّ قيمةَ الطَّعامِ إنْ ساوَت قيمةَ الكِسوةِ فهُما شَيءٌ واحِدٌ، فكَيفَ يُخيِّرُ بينَهما؟ وإنْ زادَت قيمةُ أحَدِهما على الآخَرِ فكَيفَ يُخيِّرُ بينَ

стр. 14493

شَيءٍ وبَعضِه، ثم يَنبَغي أنَّه إذا أَعطاه في الكِسوةِ ما يُساوي إِطعامَه أنْ يُجزِئَه، وهو خِلافُ الآيةِ وكذلك لو غَلَت قيمةُ الطَّعامِ فصارَ نِصفُ المُدِّ يُساوي كِسوةَ المِسكينِ يَنبَغي أنْ يُجزِئَه نِصفُ المُدِّ، وهو خِلافُ الآيةِ ولأنَّه أحَدٌ ما يُكفِّرُ به، فيَتعيَّنُ ما ورَدَ به النَّصُّ كالعِتقِ، أو فلا تُجزِئُ فيه القِيمةُ كالعِتقِ، فعلى هذا لو أَعطاهم أَضعافَ قيمةِ الطَّعامِ لا يُجزِئُه؛ لأنَّه لم يُؤَدِّ الواجِبَ فلا يَخرُجُ عن عُهدَتِه (١). إِعطاءُ أَقارِبِه مِنْ الكَفارةِ: قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ويُعطي مِنْ أَقاربِه مَنْ يَجوزُ أن يُعطيَه مِنْ زَكاةِ مالِه. وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ، ولا نَعلَمُ فيه مُخالِفًا، ولأنَّ الكَفارةَ حَقُّ مالٍ يَجِبُ للَّهِ تَعالى فجَرى مَجرى الزَّكاةِ فيمَن يُدفَعُ إليه مِنْ أَقاربِه ومَن لا يُدفَعُ إليه، وقد سَبَقَ ذلك في بابِ الزَّكاةِ. فَصلٌ: وكُلُّ مَنْ يُمنَعُ الزَّكاةَ مِنْ الغَنيِّ والكافِرِ والرَّقيقِ يُمنَعُ أخْذَ الكَفارةِ، وهل يُمنَعُ منها بَنو هاشِمٍ؟ فيه وَجهانِ، أحَدُهما: يُمنَعونَ منها؛ لأنَّها صَدَقةٌ واجِبةٌ، فمُنِعوا منها لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّا لا تَحِلُّ لنا الصَّدقةُ»، وقِياسًا على الزَّكاةِ، والثانِي: لا يُمنَعونَ؛ لأنَّها لم تَجِبْ بأصلِ الشَّرعِ، فأشبَهَت صَدَقةَ التَّطوُّعِ (٢).

стр. 14494

هل يَجوزُ إِطعامُ مِسكينٍ واحِدٍ عَشرةَ أَيامٍ أو لا بدَّ مِنْ إِطعامِ عَشَرةِ مَساكينَ؟ اتَّفقَ فُقهاءُ الأُمةِ على أنَّه إنْ أطعَمَ كلَّ يَومٍ مِسكينًا حتى أكمَلَ العَشرةَ أَجزأَه؛ لأنَّ الواجِبَ إِطعامُ عَشرةِ مَساكينَ وقد أَطعمَهم. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو أَطعمَ مِسكينًا واحِدًا عَشَرةَ أيامٍ، هل يُجزِئُه أو لا؟ فذهَبَ الحَنَفيةُ إلى أنَّه إذا أطعَمَ مِسكينًا واحِدًا عَشرةَ أَيامٍ أَكلتَينِ مُشبِعتَينِ أَجزَأه؛ لأنَّ المَقصودَ سَدُّ خَلةِ المُحتاجِ، والحاجةُ تَتجدَّدُ في كلِّ يَومٍ، فالدَّفعُ إليه في اليَومِ الثانِي كالدَّفعِ إلى غَيرِه. وكذا إذا أعطاه عَشَرةَ أيامٍ كلَّ يَومٍ نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ. وإنْ أَعطاه في يَومٍ واحِدٍ طَعامَ عَشرةِ أَيامٍ لم يُجزِه إلا عن يَومِه ذلك؛ لأنَّ التَّفريقَ واجِبٌ بالنَّصِّ، وهو قَولُه: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] ولم يُوجَدْ لا حَقيقةً ولا تَقديرًا فلا يَجوزُ، كالحاجِّ إذا رَمى الحَصياتِ السَّبعَ دُفعةً واحِدةً. ولو أطعَمَ عِشرينَ مِسكينًا دُفعةً واحِدةً فعليه أنْ يُطعِمَ إِحدى الفِرقتَينِ أكلةً مُشبِعةً أَخرى، وكذا إذا غدَّى عَشرةً وعشَّى عَشرةً غيرَهم فعليه أنْ يُطعِمَ إِحدى الفِرقتَينِ أَكلةً مُشبِعةً أَخرى (١).

стр. 14495

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُجزِئُه إنْ أَطعمَ مِسكينًا واحِدًا عَشرةَ أَيامٍ؛ لأنَّ هذا خِلافٌ مُجرَّدٌ لأمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولا يَقعُ اسمُ عَشرةِ مَساكينَ على مِسكينٍ واحِدٍ أصلًا. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ومَن لم يُصِبْ إلا مِسكينًا واحِدًا ردَّدَ عليه في كلِّ يَومٍ تَتِمةَ عَشرةِ أَيامٍ. وجُملَتُه أنَّ المُكفِّرَ لا يَخلو مِنْ أنْ يَجِدَ المَساكينَ بكَمالِ عَددِهم أو ألَّا يَجِدَهم، فإنْ وَجَدَهم لم يُجزِئْه إِطعامُ أقَلَّ مِنْ عَشَرةٍ في كَفارةِ اليَمينِ ولا أقَلَّ مِنْ سِتِّينَ في كَفارةِ الظِّهارِ وكَفارةِ الجِماعِ في رَمَضانَ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأجازَ الأوزاعيُّ دَفعَها إلى واحِدٍ، وقالَ أبو عُبَيدٍ: إنْ خَصَّ بها أهلَ بَيتٍ شَديدي الحاجةِ جازَ بدَليلِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ للمُجامِعِ في رَمضانَ حينَ أخبَرَه بشِدةِ حاجَتِه وحاجةِ أهلِه: «أطعِمْه عِيالَك»، ولأنَّه دفَعَ حَقَّ اللهِ تَعالى إلى مَنْ هو مِنْ أهلِ الِاستِحقاقِ فأجزَأه كما لو دفَعَ زَكاتَه إلى واحِدٍ، وقالَ أَصحابُ الرأيِ: يَجوزُ أنْ يُرَدِّدَها على مِسكينٍ واحِدٍ في عَشَرةِ أيامٍ إنْ كانَت كَفارَتُه يَمينًا، أو في سِتِّينَ إنْ كانَ الواجِبُ إطعامَ سِتِّينَ مِسكينًا، ولا يَجوزُ دَفعُها إليه في يَومٍ واحِدٍ، وحَكاه أبو الخَطابِ رِوايةً عن أحمدَ؛ لأنَّه في كلِّ يَومٍ قد أطعَمَ مِسكينًا ما يَجِبُ للمِسكينِ فأجزَأ كما لو أَعطى غَيرَه، ولأنَّه لو أطعَمَ هذا المِسكينَ مِنْ كَفارةٍ أخرى أجَزاه، فكذلك إذا أطعَمَه مِنْ هذه الكَفارةِ. ولنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، ومَن أَطعمَ واحِدًا فما أطعَمَ عَشَرةً فما امتَثلَ الأمرَ، فلا يُجزِئُه، ولأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ كَفارَتَه إطعامَ عَشَرةِ مَساكينَ، فإذا لم يُطعِمْ عَشَرةً فما أَتى

стр. 14496

بالكَفارةِ، ولأنَّ مَنْ لم يَجُزِ الدَّفعُ إليه في اليَومِ الأوَّلِ لم يَجُزْ في اليَومِ الثانِي مع اتِّفاقِ الحالِ، كالوَلَدِ، فأمَّا الواقِعُ على أهلِه فإنَّما أسقَطَ اللَّهُ تَعالى الكَفارةَ عنه لعَجزِه عنها، فإنَّه لا خِلافَ في أنَّ الإِنسانَ لا يَأكلُ كَفارةَ نَفسِه ولا يُطعِمُها عائِلَتَه وقد أُمرَ بذلك. الحالُ الثانيةُ: العاجِزُ عن عَدَدِ المَساكينِ كُلِّهم فإنَّه يُرَدِّدُ على المَوجودينَ منهم في كُلِّ يَومٍ حتى تَتِمَّ عَشَرةً فإنْ لم يَجِدْ إلا واحِدًا رَدَّدَ عليه تَتِمةَ عَشَرةِ أيامٍ وإنْ وَجَدَ اثنَينِ رَدَّدَ عليهما خَمسةَ أَيامٍ، وعلى هذا. وقالَ نَحوَ هذا الثَّوريُّ، وهو اختِيارُ أكثَرِ الأَصحابِ وعن أَحمدَ رِوايةٌ أُخرى: لا يُجزِئُه إلا كَمالُ العَدَدِ، وهو مَذهَبُ مالِكٍ والشافِعيِّ لِما ذكَرْنا في حالِ القُدرةِ. ولنا: أنَّ تَرديدَ الإِطعامِ في عَشرةِ أَيامٍ في مَعنى إِطعامِ عَشرةٍ؛ لأنَّه يَدفعُ الحاجةَ في عَشرةِ أَيامٍ فأشبَهَ ما لو أطعَمَ في كلِّ يَومٍ واحِدًا، والشَّيءُ بمَعناه يَقومُ مَقامَه بصُورَتِه عندَ تَعذُّرِها، ولهذا شُرِعَت الأَبدالُ لقِيامِها مَقامَ المُبدَلاتِ في المَعنى، ولا يُجتَزأُ بها مع القُدرةِ على المُبدَلاتِ كذا ههنا (١). وقد تَقدَّمَت المَسألةُ بالتَّفصيلِ في كِتابِ الظِّهارِ.

стр. 14497

تَقديمُ الكَفارةِ على الحِنثِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَوازِ الحِنثِ قبلَ إخراجِ الكَفارةِ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ فرَأى غَيرَها خَيرًا منها فليَأتِ الذي هو خَيرٌ، وليُكَفِّرْ عن يَمينِه» (١). قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الحِنثَ قبلَ الكَفارةِ مُباحٌ حَسَنٌ جائِزٌ وهو عِندَهم أوْلَى (٢). وقالَ القاضِي عياضٌ ﵀: قَولُه ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غَيرَها خَيرًا منها فليَأتِ الذي هو خَيرٌ، وليُكفِّرْ عن يَمينِه»، فيه حُجةٌ للكافَّةِ من الصَّحابةِ والتابِعينَ، وعُلماءِ الأَمصارِ في جَوازِ الحِنثِ قبلَ الكَفارةِ (٣). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في تَقديمِ الكَفارةِ على الحِنثِ هل تُجزِئُ أو لا بَعدَ إِجماعِهم على أنَّ الحِنثَ قبلَ الكَفارةِ مُباحٌ حَسَنٌ، وهو عِندَهم أوْلَى (٤). وقالَ الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: وأجمَعوا على أنَّه لا تَجِبُ عليه الكَفارةُ قبلَ الحِنثِ وعلى أنَّه يَجوزُ تأخيرُها عن الحِنثِ وعلى أنَّه لا يَجوزُ تَقديمُها على اليَمينِ (٥).

стр. 14498

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا هل يَجوزُ له تَقديمُ الكَفارةِ على الحِنثِ أو لا يَجوزُ؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ: القَولُ الأوَّلُ: هو مَذهبُ المالِكيةِ في المَشهورِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ وجَماهيرِ أهلِ العِلمِ، وهو مَذهَبُ أربَعةَ عَشرَ مِنْ الصَّحابةِ أنَّه يَجوزُ تَقديمُ الكَفارةِ على الحِنثِ لما رَواه مُسلِمٌ عن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمرةَ قالَ: قالَ لي رَسولُ اللَّهِ: «يا عبدَ الرَّحمنِ بنَ سَمرةَ … إذا حلَفتَ على يَمينٍ فرَأيتَ غَيرَها خَيرًا منها فكفِّرْ عن يَمينِكَ وائْتِ الذي هو خَيرٌ» (١)، وهذا نَصٌّ. وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا أحلِفُ على يَمينٍ فأَرى غَيرَها خَيرًا منها إلا كَفَّرتُ عن يَميني وأتَيتُ الذي هو خَيرٌ أو أتَيتُ الذي هو خَيرٌ وكَفَّرتُ عن يَميني» (٢). وهذا دَليلٌ على التَّخييرِ. ولأنَّه كَفَّرَ عن يَمينِه بَعدَ عَقدِها فأشبَهَ أنْ يُكفِّرَ بعدَ الحِنثِ، ولِأنَّه مَعنًى يَرفَعُ حُكمَ اليَمينِ، فلم يَقِفْ ثُبوتُ حُكمِه على وُجوبِ الحِنثِ، أصلُه الاستِثناءُ، ولأنَّ الكَفارةَ أَقوى مِنْ الاستِثناءِ بدَليلِ أنَّه يَرفَعُ اليَمينَ مُنفَصِلةً ومُتَّصِلةً. ولأنَّ اليَمينَ سَببُ الكَفارةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فأضافَ الكَفارةَ إلى اليَمينِ، والمَعاني تُضافُ إلى أَسبابِها وأيضًا فإنَّ الكَفارةَ بَدلٌ عن البِرِّ فيَجوزُ تَقديمُها قبلَ الحِنثِ (٣).

стр. 14499

القَولُ الثانِي: مَذهبُ الحَنفيةِ والإمامِ مالِكٍ في رِوايةِ أشهَبَ عنه أنَّه لا يَجوزُ تَقديمُ الكَفارةِ على الحِنثِ؛ لأنَّه حَقٌّ في مالٍ يَتعلَّقُ بسَببٍ لحَقِّ اللهِ فلم يَجُزْ تَقديمُه على وَقتِ وُجوبِه كسائِرِ الكَفاراتِ، ولأنَّه لم يَحنَثْ فلم يَكنْ للكَفارةِ حُكمٌ، كما لو أخرَجَها قبلَ اليَمينِ، ولأنَّ الحِنثَ هو الموجِبُ للكَفارةِ فلا يَجوزُ أن يُؤخَذَ مِنْ غيرِ وُجوبِها. ولأنَّ الكَفارةَ لسَتْرِ الجِنايةِ، ولا جِنايةَ قبلَ الحِنثِ؛ لأنَّها مَنوطةٌ به لا باليَمينِ؛ لأنَّه ذكَرَ اللَّهَ على وَجهِ التَّعظيمِ (١). القَولُ الثالِثُ: هو مَذهبُ الشافِعيةِ أنَّه يَجوزُ تَقديمُ الكَفارةِ قبلَ الحِنثِ بالإِطعامِ والكِسوةِ والعِتقِ، ولا تُجزِئُ بالصَّومِ، فلا يَجوزُ قبلَ الحِنثِ؛ لأنَّه عِبادةٌ بَدَنيةٌ فلا يَجوزُ تَقديمُها على وَقتِها كالصَّلاةِ وصَومِ رَمضانَ، وأمَّا التَّكفيرُ بالمالِ فيَجوزُ تَقديمُه كما يَجوزُ تَعجيلُ الزَّكاةِ. قالَ الإمامُ الشافِعيُّ: فمَن حلَفَ على شَيءٍ فأرادَ أن يَحنَثَ فأحَبُّ إلَيَّ لو لم يُكفِّرْ حتى يَحنَثَ، وإن كفَّرَ قبلَ الحِنثِ بإِطعامٍ رَجوتُ أنْ يُجزِئَ

стр. 14500

عنه، وإن كفَّرَ بصَومٍ قبلَ الحِنثِ لم يُجْزِ عنه، وذلك أنا نَزعُمُ أنَّ للَّهِ ﵎ حَقًّا على العِبادِ في أنفُسِهم وأَموالِهم، فالحَقُّ الذي في أَموالِهم إذا قدَّموه قبلَ مَحَلِّه أجزَأهم، وأصلُ ذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ تَسَلَّفَ مِنْ العَباسِ صَدَقةَ عامٍ قبلَ أن يَدخُلَ، وأنَّ المُسلِمينَ قد قَدَّموا صَدقةَ الفِطرِ قبلَ أنْ يَكونَ الفِطرُ، فجَعَلنا الحُقوقَ التي في الأَموالِ قِياسًا على هذا، فأمَّا الأَعمالُ التي على الأَبدانِ فلا تُجزئُ إلا بعدَ مَواقيتِها، كالصَّلاةِ التي لا تُجزئُ إلا بعدَ الوَقتِ، والصَّومِ الذي لا يُجزِئُ إلا في الوَقتِ، أو القَضاءِ بعدَ الوَقتِ في الحَجِّ الذي لا يُجزِئُ العَبدَ ولا الصَّغيرَ مِنْ حَجةِ الإِسلامِ؛ لأنَّهما حَجَّا قبلَ أنْ يَجبَ عليهما (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ: الفَصلُ الثالِثُ: مَتى تَرفَعُ الكَفارةُ الحِنثَ؟ وكم تَرفَعُ؟ وأمَّا مَتى تَرفَعُ الكَفارةُ الحِنثَ وتَمحوه فإنَّهم اختَلَفوا في ذلك، فقالَ الشافِعيُّ: إذا كفَّرَ بعدَ الحِنثِ أو قَبلَه فقد ارتَفعَ الإثمُ، وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا يَرتفِعُ الحِنثُ إلا بالتَّكفيرِ الذي يَكونُ بعدَ الحِنثِ، لا قَبلَه، ورُويَ عن مالِكٍ في ذلك القَولانِ جَميعًا. وسَببُ اختِلافِهم شَيئانِ، أحَدُهما: اختِلافُ الرِّوايةِ في قَولِه ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يَمينٍ فرَأى غَيرَها خَيرًا منها فليَأتِ الذي هو خَيرٌ وليُكَفِّرْ عن يَمينِه» فإنَّ قَومًا رَوَوه هكذا، وقَومًا روَوه: «فليُكفِّرْ عن يَمينِه وليَأتِ

стр. 14501

الذي هو خَيرٌ»، وظاهِرُ هذه الرِّوايةِ أنَّ الكَفارةَ تَجوزُ قبلَ الحِنثِ، وظاهِرُ الثانيةِ أنَّها بعدَ الحِنثِ. والسَّبَبُ الثانِي اختِلافُهم في هل يُجزئُ تَقديمُ الحَقِّ الواجِبِ قبلَ وَقتِ وُجوبِه؛ لأنَّه مِنْ الظاهِرِ أنَّ الكَفارةَ إنَّما تَجبُ بعدَ الحِنثِ كالزَّكاةِ بعدَ الحَولِ. ولقائِلٍ أنْ يَقولَ: إنَّ الكَفارةَ إنَّما تَجبُ بإِرادةِ الحِنثِ والعَزمِ عليه كالحالِ في كَفارةِ الظِّهارِ، فلا يَدخلُه الخِلافُ مِنْ هذه الجِهةِ، وكانَ سَببُ الخِلافِ مِنْ طَريقِ المَعنى هو: هل الكَفارةُ رافِعةٌ للحِنثِ إذا وقَعَ أو مانِعةٌ له؟ فمَن قالَ: مانِعةٌ، أجازَ تَقديمَها على الحِنثِ، ومَن قالَ: رافِعةٌ، لم يُجِزْها إلا بعدَ وُقوعِه (١). إذا كَفَّرَ الرَّجلُ عن غَيرِه بغَيرِ إذنِه: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ كَفَّرَ عن غَيرِه كَفارةَ يَمينٍ أو غَيرِها بغَيرِ إذنِه، هل يُجزِئُه أو لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّه يُجزِئُه أنْ يُكفِّرَ عنه بأمرِه وبغَيرِ أمرِه. قالَ الإمامُ البُخاريُّ: بابُ ذَبحِ الرَّجلِ البَقرَ عن نِسائِه مِنْ غيرِ أمرِهنَّ: عن عَمرةَ بِنتِ عَبدِ الرَّحمَنِ قالَت: سَمِعتُ عائِشةَ ﵂ تَقولُ: خرَجْنا معَ رَسولِ اللهِ ﷺ لخَمسٍ بَقينَ مِنْ ذي القَعدةِ لا نَرى إلا الحَجَّ، فلمَّا دنَوْنا مِنْ مَكةَ أمَرَ رَسولُ اللهِ مَنْ لم يَكنْ معَه هَديٌ إذا طافَ وسَعى بينَ

стр. 14502

الصَّفا والمَروةِ أنْ يَحلَّ، قالَت: فدخَلَ علينا يَومَ النَّحرِ بلَحمِ بَقرٍ، فقُلتُ: ما هذا؟ قالَ: «نَحرُ رَسولِ اللهِ عن أَزواجِه» (١). قالَ ابنُ بَطَّالٍ: قالَ المُهلَّبُ: في حَديثِ عائِشةَ مِنْ الفِقهِ أنَّه مَنْ كفَّرَ عن غَيرِه كَفارةَ يَمينٍ أو ظِهارٍ، أو قَتلِ نَفسٍ، أو أهدَى عنه، أو أدَّى عنه دَينًا بغَيرِ أمرِه، أنَّ ذلك كُلَّه مُجزِئٌ عنه؛ لأنَّه لم يَعرِفْ نِساءُ النَّبيِّ ﷺ بما أدَّى عنهُنَّ مِنْ نَحرِ البَقَرِ لمَا وجَبَ عليهِنَّ مِنْ نُسُكِ التَّمتُّعِ، وهذا حُجةٌ لابنِ القاسِمِ في قَولِه: إذا أعتَقَ الرَّجلُ عَبدَه عن غَيرِه في كَفارةِ الظِّهارِ أنَّه يُجزِئُه، ولم يُجِزْ ذلك أشهَبُ وابنُ الموَّازِ، وقالا: لا يُعتِقُ عنه بغَيرِ عِلمِه؛ لأنَّه فَرضٌ وجَبَ عليه، ودَليلُ هذا الحَديثِ لازِمٌ لهما، ولمَن قالَ بقَولِهما مِنْ الفُقهاءِ (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وأشهَبُ مِنْ المالِكيةِ كما يَقولُ ابنُ عَبدِ البَرِّ إلى أنَّه إنْ كفَّرَ عنه بأمرِه جازَ، ولا يُجزِئُه إذا كفَّرَ عنه بغَيرِ أمرِه؛ لأنَّه لا نيةَ للكَفارةِ في تلك الكَفارةِ؛ لأنَّ الكَفارةَ فَرضٌ لا يَتأدَّى إلا بنيةٍ؛ لأنَّ النِّيةَ فيها مُستحقَّةٌ، وعَدمُ الإذنِ مانِعٌ مِنْ صِحةِ النِّيةِ، فكانَ ما أخرَجَه النائِبُ واقِعًا عن نَفسِه (٣).

стр. 14503

كتاب النذر

стр. 14504

كتاب النذر تَعريفُ النَّذرِ: النَّذرُ لغةً: الإيجابُ، يُقالُ: نذَرَ دمَ فُلانٍ، أيْ: أوجَبَ قتلَه (١). وقِيلَ: الوعدُ بخيرٍ أو شرٍّ أو التِزام ما ليسَ بلَازمٍ أو نحوِ ذلك (٢). أو: التِزامٌ بعملِ شيءٍ أو تَركِه (٣). النَّذرُ شَرعًا: عرَّفَ الفُقهاءُ النَّذرَ بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ: فقالَ الحَنفيةُ: «النَّذرُ عِبادةٌ مَقصودةٌ مِنْ جِنسِها واجبٌ كالصَّلاةِ

стр. 14505

والصَّومِ والحَجِّ والعِتقِ والصَّدقةِ، ولا يَصحُّ بما ليسَ للهِ تَعالى مِنْ جِنسِها واجبٌ كالتَّسبيحِ والتَّحميدِ وعيادةِ المَرضى وتَكفينِ المَيتِ وتَشييعِ الجِنازةِ وبِناءِ المَساجدِ ونحوِها، وإنْ كانَت قُربًا إلا أنَّها غيرُ مَقصودةٍ» (١). وقالَ المالِكيةُ: «النَّذرُ هو إيجابُ امرئٍ على نفسِه للهِ تَعالى أمرًا» (٢). وقيلَ: «التِزامُ مُسلِمٍ مُكلَّفٍ قُربةً ولو بالتَّعليقِ على مَعصيةٍ أو غَضبانٍ، ك «للهِ عليَّ»، أو «عليَّ أُضحيةٌ»، أو «إنْ حججْتُ»، أو «شَفى اللهُ مَريضي»، أو «إنْ جاءَني زيدٌ أو قتلْتُه فعليَّ صَومُ شَهرٍ، أو شَهرُ كذا»، وحصَلَ -أيْ: المُعلَّقُ عليه- فيَلزمُه نَذرُه». وقيلَ: «وهو التِزامُ طاعةٍ مُطلقًا أو مُقيَّدًا بصفةٍ ولو في الغَضبِ» (٣). وقيلَ: «النَّذرُ اللَّازمُ هو أنْ يُوجبَ الرَّجلُ على نَفسِه فِعلَ ما فعَلَه قُربةً للهِ وليسَ بواجبٍ؛ لأنَّ الطَّاعةَ الواجبةَ لا تَأثيرَ للنَّذرِ فيها وكذلك تَركُ المَعصيةِ لا تَأثيرَ للنذرِ فيه لوُجوبِ تَركِ ذلك عليه بالشَّرعِ دونَ النَّذرِ» (٤). وقالَ الشافِعيةُ: «النَّذرُ شَرعًا هو: الوَعدُ بخَيرٍ خاصةً».

стр. 14506

وقيلَ: «التِزامُ قُربةٍ غيرِ لازمةٍ بأصلِ الشَّرعِ» (١). وقالَ الحَنابِلةُ: «النَّذرُ شَرعًا: وشَرعًا: إِلزامُ مُكلَّفٍ مُختارٍ نَفسَه للهِ تَعالى شَيئًا غيرَ مُحالٍ بكلِّ قَولٍ يدلُّ عليه» (٢). الفَرقُ بينَ النَّذرِ المُعلَّقِ واليَمينِ: الفَرقُ بينَ النَّذرِ وبينَ اليَمينِ ذاتِ التَّعليقِ: أنَّ النَّذرَ يُقصدُ به التَّقربُ، واليَمينُ يُقصدُ به الامتِناعُ مِنْ المُعلَّقِ عليه أو الحَثُّ على فِعلِه أو تَحققِ وُقوعِه على ما تقدَّمَ، بخِلافِ النَّذرِ. ولذا يَصحُّ في اليَمينِ إنْ تقدَّمَ قسمًا باللهِ؛ فتَقولُ في البِرِّ: «واللهِ لا أَدخلُ الدَّارَ وإنْ دخلْتُها يَلزمُني كذا»، والمَقصودُ الامتِناعُ مِنْ دُخولِها، وتَقولُ في الحِنثِ: «واللهِ لأَدخلنَّ الدَّارَ وإنْ لمْ أَدخلْ يَلزمُني كذا»، والمَقصودُ طَلبُ الدُّخولِ، وتَقولُ في بَيانِ تَحققِ الشَّيءِ: «واللهِ لقد قامَ زيدٌ وإنْ لَم يَكنْ قامَ يَلزمُني كذا»، بخِلافِ قَولِكَ: «إنْ شَفى اللهُ مَريضي فعليَّ كذا»، فإنَّه لا يَصلحُ لتَقديمِ يَمينٍ إلا على وَجهِ التَّبركِ أو تَوكيدِ الكَلامِ (٣). مَشروعيَّةُ النَّذرِ: أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على صِحةِ النَّذرِ ومَشروعيَّتِه في الجُملةِ وعلى وُجوبِ الوَفاءِ به، واستدَلُّوا على ثُبوتِ مَشروعِيَّته بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ والمَعقولِ.

стр. 14507

أَمَّا الكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]. وقَولُه تَعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقَولُه سُبحانَه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] والنَّذرُ نَوعُ عَهدٍ مِنْ النَّاذرِ معَ اللهِ جلَّ وعَلا فيَلزمُه الوَفاءُ بما عهِدَ. وقَولُه جلَّتْ عَظمتُه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] أيْ: بالعُهودِ. وقَولُه عزَّ شَأنُه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] أُلزمَ الوَفاءِ بعَهدِه حيثُ أوعَدَ على تَركِ الوَفاءِ. وأمَّا السُّنةُ: فعن عائشةَ ﵂، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فليُطعْه، ومَن نذَرَ أنْ يَعصيَ اللهَ فلا يَعصِه» (١). وعن عِمرانَ بنِ حُصينٍ ﵄ قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «خَيرُكم قَرني ثُم الذين يَلونَهم ثُم الذين يَلونَهم». قالَ عِمرانُ: لا أَدري أذكرَ النَّبيُّ ﷺ بَعدَ قَرنِه قَرنَينِ أو ثَلاثةً. قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ بَعدَكم قَومًا يَخونونَ ولا يُؤتمَنونَ ويَشهدونَ ولا يُستشهَدونَ ويَنذرونَ ولا يُوفُونَ ويَظهرُ فيهِم السِّمَنُ» (٢).

стр. 14508

وأمَّا الإِجماعُ: فقد أجمَعَ العُلماءُ على جَوازِه في الجُملةِ. قالَ الإِمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀: «العُلماءُ مُتفقونَ أنَّ الوَفاءَ بالنَّذرِ إذا كانَ طاعةً واجبٌ لازمٌ لمَن قدَرَ عليه» (١). قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: «وأجمَعَ المُسلمونَ على صِحةِ النَّذرِ في الجُملةِ ولُزومِ الوَفاءِ به» (٢). وقالَ النَّوويُّ ﵀ بعدَما ذكَرَ حَديثَ عِمرانَ: «فيه وُجوبُ الوَفاءِ بالنَّذرِ وهو واجبٌ بلا خِلافٍ» (٣). وقالَ الإِمامُ الكَاسانِيُّ ﵀: «وعليه إِجماعُ الأُمةِ» (٤). وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: «اتفقُوا على لُزومِ النَّذرِ المُطلقِ في القُربِ إلا ما حُكيَ عن بَعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ أنَّ النَّذرَ المُطلقَ لا يَجوزُ، وإنَّما اتفقُوا على لُزومِ النَّذرِ المُطلقِ إذا كانَ على وَجهِ الرِّضا لا على وَجهِ اللِّجاجِ، وصرَّحَ فيه بلَفظِ النَّظرِ لا إذا لمْ يُصرحْ، وسواءٌ كانَ النَّذرُ مُصرَّحًا فيه بالشَّيءِ المَنذورِ أو كانَ غيرَ مُصرَّحٍ، وكذلك أجمَعُوا على لُزومِ النَّذرِ الذي مَخرجُه مَخرجُ الشَّرطِ إذا كانَ نَذرًا بقُربةٍ» (٥).

стр. 14509

وأمَّا المَعقولُ: فهو أنَّ المُسلِمَ يَحتاجُ إلى أنْ يَتقرَّبَ إلى اللهِ بنَوعٍ مِنْ القُربِ المَقصودةِ التي له رُخصةُ تَركِها لمَا يَتعلقُ به مِنْ العاقبةِ الحَميدةِ وهي نَيلُ الدَّرجاتِ العُلى والسَّعادةِ العُظمى في دارِ الكَرامةِ، وطَبعُه لا يُطاوعُه على تَحصيلِه، بل يَمنعُه عنه لمَا فيه مِنْ المَضرَّةِ الحاضرةِ وهي المَشقةُ، ولا ضَرورةَ في التَّركِ فيَحتاجُ إلى اكتِسابِ سَببٍ يُخرجُه عن رُخصةِ التَّركِ ويُلحقُه بالفَرائضِ المُوظَّفةِ، وذلك يَحصلُ بالنَّذرِ؛ لأنَّ الوُجوبَ يَحملُه على التَّحصيلِ خَوفًا مِنْ مَضرَّةِ التَّركِ فيَحصلُ مَقصودُه (١). حُكمُ النَّذرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ النَّذرِ هل هو مُستحبٌّ أم مَكروهٌ أم مُباحٌ؟ على تَفصيلٍ بينَ الفُقهاءِ في هذا. فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ النَّذرَ قُربةٌ مَشروعةٌ، أما كونُه قُربةً فلمَا يُلازمُه مِنْ القُربِ كالصَّومِ والصَّلاةِ والحَجِّ والعِتقِ والصَّدقةِ ونحوِها، وأمَّا شَرعيتُه فللأَوامرِ الواردةِ بإِيفائِه، قالَ تَعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وقالَ ﷺ : «أوفِ بنَذرِكَ» وقالَ ﵊: «مَنْ نذَرَ وسَمى فعليه الوَفاءُ بما سَمى» وقالَ ﵊: «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فليُطعْه» (٢). إلى غيرِها مِنْ النُّصوصِ (٣).

стр. 14510

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يُندبُ النَّذرُ المُطلَقُ وهو ما ليسَ مُعلَّقًا على شيءٍ، ولا مُكرَّرًا، وهو ما أوجَبَه على نَفسِه شُكرًا للهِ تَعالى على نِعمةٍ وقَعَتْ ولمْ يُعلقْ على شيءٍ، كمَن شَفى اللهُ مَريضَه أو رزقَه وَلدًا أو زَوجةً فنذَرَ أنْ يَصومَ أو يَتصدقَ. ويُكرَه المُكرَّرُ كنَذرِ صَومِ كلِّ خَميسٍ لمَا فيه مِنْ الثِّقلِ على النَّفسِ، فيَكونُ إلى غيرِ الطَّاعةِ أَقربَ. ويُكرَه النَّذرُ المُعلقُ على غيرِ مَعصيةٍ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ خِلافًا لابنِ رُشدٍ القائلِ بالإِباحةِ نحوُ: «إنْ شَفى اللهُ مَريضي أو قدِمَ زَيدٌ مِنْ سَفرِه فعليَّ صَدقةٌ كذا»؛ لأنَّه كالمُجازاةِ والمُعارَضةِ لا القُربةِ المَحضةِ، وكذا لو كانَ المُعلقُ عليه طاعةً نحوُ: «إنْ حجَجْتُ فللهِ عليَّ كذا»؛ لأنَّه في قُوةِ: «إنْ أقدَرَني اللهُ على الحجِّ لأُجازينَّه بكذا». وإنْ علَّقَ القُربةَ على مَعصيةٍ حرُمَ ووجَبَ تَركُها، فإنْ فعَلَها أثِمَ ولزِمَ ما سمَّاه مِنْ القُربةِ وغيرِه نحوُ: «إنْ شَفى اللهُ مَريضي فعليَّ صَدقةٌ مِائةُ دينارٍ أو بَدنةٌ» فيَلزمُه مِائةُ دينارٍ أو بَدنةٌ (١). وأمَّا الشافِعيةُ فعندَهم أَربعةُ أَقوالٍ في النَّذرِ: أَحدُها: أنَّه مَكروهٌ لمَا رُويَ مِنْ طَريقِ سُفيانَ وشُعبةَ، كِلاهما عن

стр. 14511

مَنصورٍ عن عَبدِ اللهِ بنِ مُرةَ عن ابنِ عُمرَ عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه نَهى عن النَّذرِ، وقالَ: إنَّه لا يَردُّ شَيئًا ولكنْ يُستخرجُ به مِنْ البَخيلِ» (١). هذا لَفظُ سُفيانَ ولَفظُ شُعبةَ: «إنَّه لا يَأتي بخَيرٍ» مَكانَ» إنَّه لا يَردُّ شَيئًا، وإِنَّه يُستخرجُ به مِنْ البَخيلِ» (٢). والثانِي: أنَّه خِلافُ الأَولى. والثَّالثُ: أنَّه قُربةٌ وبه جزَمَ المُتولِّي والغَزاليُّ والرَّافعيُّ وكذا النَّوويُّ في شَرحِ المُهذَّبِ لِقولِه تَعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] أيْ: يُجازي عليه. وقالوا: «إنَّ النَّهيَ الواردَ فيه تَأكيدٌ لأَمرِه وتَحذيرٌ عن التَّهاونِ به بعدَ إيجابِه»، قالَ: «ولو كانَ معناه الزَّجرُ عنه حتى لا يَفعلَ لَكانَ في ذلك إِبطالُ حُكمِه وإِسقاطُ لُزومِ الوَفاءِ به إذ كانَ بالنَّهي يَصيرُ مَعصيةً فلا يَلزمُ». قالَ: «وإنَّما وَجهُ الحَديثِ أنَّه قد أعلَمَهم أنَّ ذلك أمرٌ لا يَجرُّ لهم في العاجلِ نَفعًا ولا يَصرفُ عنهم ضرًّا ولا يَردُّ قَضاءً، فقالَ: لا تَنذروا على أنَّكم تُدركونَ بالنَّذرِ شَيئًا لمْ يُقدِّرْه اللهُ أو تَصرفونَ به عنكم ما جَرى به القَضاءُ عليكم فإذا نذَرْتُم ولمْ تَعتقدوا هذا فأَخرِجوا عنه بالوَفاء فإن الذي نذَرتُموه لازمٌ لكم. ويُحتملُ أنْ يَكونَ سَببُ النَّهي عن النَّذرِ كَونُ النَّاذرِ يَصيرُ مُلتزِمًا به فيَأتي به تَكلُّفًا بغيرِ نَشاطٍ.

стр. 14512

ويُحتملُ أنْ يَكونُ سَببُه كونُه يَأتي بالقُربةِ التي التزَمَها في نَذرِه على صُورةِ المُعاوضَةِ للأَمرِ الذي طلَبَه فيَنقصُ أَجرُه وشَأنُ العِبادةِ أنْ تَكونَ مُتمحِّضةً للهِ تَعالى. ويُحتملُ أنَّ النَّهيَ لكَونِه قد يَظنُّ بعضُ الجَهلةِ أنَّ النَّذرَ يَردُّ القَدرَ ويَمنعُ مِنْ حُصولِ المُقدَّرِ فنَهى عنه خَوفًا مِنْ جاهلٍ يَعتقدُ ذلك، وسياقُ الحَديثِ يُؤيدُ هذا. ويُحتملُ أنَّ النَّهيَّ مَحمولٌ على مَنْ عُلمَ مِنْ حالِه عَدمُ القيامِ بما التَزمَه جَمعًا بينَ الأَدلةِ فإنَّ قَولَه تَعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] يَقتضي استِحبابَ النَّذرِ» (١). الرَّابعُ: التَّفصيلُ: فيُستحبُّ نَذرُ التَّبررِ، وهو الذي ليسَ مُعلقًا على شيءٍ، ولا يُستحبُّ المُعلَّقُ واختارَه ابنُ الرِّفعةَ، وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: «وهذا أَوجهُ» (٢). وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النَّذرَ مَكروهٌ غيرُ مُستحبٍ؛ لأنَّه لا يَأتي بخَيرٍ ولا يَردُّ قَضاءً لمَا رُويَ مِنْ طريقِ سُفيانَ وشُعبةَ، كِلاهما عن مَنصورٍ عن عَبدِ اللهِ بنِ مُرَّةَ عن ابنِ عُمرَ عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه نَهى عن النَّذرِ، وقالَ: إنَّه لا يَردُّ شَيئًا ولكنْ يُستخرجُ به مِنْ البَخيلِ» (٣).

стр. 14513

هذا لَفظُ سُفيانَ ولَفظُ شُعبةَ: «إنَّه لا يَأتي بخَيرٍ» مَكانَ «إنَّه لا يَردُّ شَيئًا، وإِنَّه يُستخرجُ به مِنْ البَخيلِ» (١) والنَّهيُ: للكَراهةِ، لا التَّحريمِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى مدَحَ المُوفينَ به؛ لأنَّ ذَمَّهم بارتِكابِ المُحرَّمِ أَشدُّ مِنْ طاعتِهم في وَفائِه ولو كانَ مُستحبًّا لفعَلَه النَّبيُّ ﷺ وأَصحابُه. وقالَ ابنُ حامدٍ: «المَذهبُ أنَّه مُباحٌ». وحرَّمَه طائفةٌ مِنْ أَهلِ الحديثِ» (٢).

стр. 14514

أركانُ النَّذرِ: أركانُ النَّذرِ ثَلاثةٌ: النَّاذرُ والمَنذورُ والصيغةُ. الرُّكنُ الأوَّلُ: النَّاذرُ: الشَّخصُ المُلتَزِمُ: ويُشتَرَطُ فيه: أولًا: أنْ يَكونَ مُكلَّفًا: اتفَقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في النَّاذرِ أنْ يَكونَ مُكلَّفًا فلا يَلزمُ المَجنونَ ولا الصَّغيرَ، فلا يَصحُّ نَذرُ المَجنونِ والصَّبيِّ الذي لا يَعقلُ؛ لأنَّ حُكمَ النَّذرِ وُجوبُ المَنذورِ به، وهما ليسَا مِنْ أَهلِ الوُجوبِ، وكذا الصَّبيُّ العاقلُ لأنَّه ليسَ مِنْ أهلِ وُجوبِ الشَّرائعِ، ألَا تَرى أنَّه لا يَجبُ عليهما شيءٌ مِنْ الشَّرائعِ بإيجابِ الشَّرعِ ابتداءً؟ فكذا بالنَّذرِ إذ الوُجوبُ عندَ وُجودِ الصِّيغةِ مِنْ الأَهلِ في المَحلِّ بإيجابِ الله تَعالى لا بإِيجابِ العَبدِ؛ إذ ليسَ للعَبدِ وِلايةُ الإِيجابِ، وإنَّما الصِّيغةُ عَلمٌ على إِيجابِ اللهِ تَعالى. إلا أنَّه يُندبُ للصَّغيرِ أنْ يَفيَ به بعدَ البُلوغِ كما صرَّحَ به المالِكيةُ (١). ثانيًا: أنْ يَكونَ مُختارًا: اختَلفَ الفُقهاءُ في نَذرِ المُكرَهِ هل يَصحُّ منه أم لا؟

стр. 14515

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشتَرطُ في النَّاذرِ أنْ يَكونَ طائعًا مُختارًا فإنْ كانَ مُكرَهًا على النَّذرِ فلا يَصحُّ منه ولا يَلزمُ الوَفاءُ به (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الطَّواعيةَ ليسَتْ شرطًا في صِحةِ النَّذرِ فيَصحُّ مِنْ المُكرَهِ والهازلِ (٢). ويَصحُّ مِنْ السَّكرانِ على الصَّحيحِ عندَ الشافِعيةِ (٣). ثالثًا: أنْ يَكونَ مُسلمًا: اختَلفَ الفُقهاءُ في نَذرِ الكافرِ هل يَصحُّ منه أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الكافرَ إذا نذَرَ في حالِ كُفرِه لا يَلزمُه الوَفاءُ به بعدَ إِسلامِه، لكنْ يُندَبُ له أنْ يَفيَ به بعدَ الإِسلامِ (٤).

стр. 14516

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الإِسلامَ شَرطٌ في النَّاذرِ فلا يَصحُّ مِنْ كافرٍ لعَدمِ أَهليتِه للقُربةِ أوِ التِزامِها ولا يَلزمُه الوَفاءُ به بعدَ إِسلامِه إذا أسلَمَ لأنَّ كونَ المَنذورِ قُربةً شَرطُ صِحةِ النَّذرِ كما يَقولُ الحَنفيةُ، وفِعلُ الكافرِ لا يُوصفُ بكونِه قُربةً (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَصحُّ النَّذرُ مِنْ الكافرِ ولو كانَ بعِبادة، ويَلزمُه الوَفاءُ به إذا أسلَمَ لمَا رواه نَافعٌٍ عن عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ عن عُمرَ بن الخَطابِ ﵁ أنَّه قالَ: «يا رَسولَ اللهِ إنِّي نذَرْتُ في الجاهِليةِ أنْ أَعتكفَ لَيلةً في المَسجدِ الحرامِ فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : أوفِ نذرَكَ، فاعتكَفَ لَيلةً» (٢) (٣).

стр. 14517

الرُّكنُ الثانِي: المَنذورُ: اشترَطَ الفُقهاءُ في المَنذورِ أنْ يَكونَ قُربةً فلا يَصحُّ بما ليسَ بقُربةٍ رَأسًا كالنَّذرِ بالمعاصي، وبناءً على هذا قسَّمُوا المَنذورَ إلى ثَمانيةِ أَقسامٍ: القسمُ الأولُ: نذرُ المَعصيةِ: اتفَقَ أَهلُ العِلمِ على أنَّه لا يَجوزُ النَّذرُ بالمعاصي بأنْ يَقولَ للهِ عليَّ أنْ أَشربَ الخَمرَ أو أنْ أَزنيَ أو أَقتلَ فُلانًا أو أَضربَه أو أَشتمَه ونحوُ ذلك لِقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فليُطعْه، ومَن نذَرَ أنْ يَعصيَ اللهَ فلا يَعصِه» (١). وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا وَفاءَ لنَذرٍ في مَعصيةٍ ولا فيما لا يَملُكُ العَبدُ» وفي رِوايةٍ: «لا نَذرَ في مَعصيةِ اللّهِ» (٢). ولأنَّ حُكمَ النَّذرِ وُجوبُ المَنذورِ به ووُجوبُ فِعلِ المَعصيةِ مُحالٌ. قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: نَذرُ المَعصيةِ لا يَحلُّ الوَفاءُ به إِجماعًا ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ نذَرَ أنْ يَعصيَ اللهَ فلا يَعصِه» ولأنَّ مَعصيةَ اللهِ لا تَحلُّ في حالٍ (٣). وقالَ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: «واتفَقُوا أنَّ مَنْ نذَرَ مَعصيةً فإنَّه لا يَجوزُ له الوَفاءُ بها» (٤).

стр. 14518

حُكمُ مَنْ نذَرَ صَومَ يَومِ العِيدينِ الفِطرِ أو النَّحرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يَحرمُ صَومُ يَومِ العِيدينِ نذرًا أو تَطوُّعًا. قالَ ابنُ بَطالٍ ﵀: «العُلماءُ مُجمِعونَ أنَّه لا يَجوزُ لأَحدٍ صَومُ يَومِ الفِطرِ والنَّحرِ، وأنَّ صَومَهما مُحرَّمٌ على قاضٍ فَرضًا أو ناذرٍ، ومَن نذَرَ صَومَهما فقد نذَرَ مَعصيةً، وهو داخلٌ تحتَ قَولِه ﵇: «مَنْ نذَرَ أنْ يَعصيَ اللهَ فلا يَعصِه». واختلَفُوا فى قَضائِهما لمَن نذَرَ صِيامَ يَومٍ بعَينِه فوافَقَهما» (١). وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: «لا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّه لا يَجوزُ على حالٍ مِنْ الأَحوالِ لا لمُتطوِّعٍ ولا لناذرٍ ولا لقاضٍ فَرضًا ولا لمُتمتِّعٍ لا يَجدُ هديًا ولا لأَحدٍ مِنْ النَّاسِ كلِّهم أنْ يَصومَهما -أيْ: يومَ الفِطرِ والأَضحى- وهو إِجماعٌ لا تَنازعُ فيه، فارتفَعَ القَولُ في ذلك، وهما يَومانِ حَرامٌ صيامُهما فمَن نذَرَ صيامَ واحدٍ منهما فقد نذَرَ مَعصيةً، وثبَتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «مَنْ نذَرَ أنْ يَعصيَ اللهَ فلا يَعصِه» ولو نذَرَ ناذرٌ صيامَ يَومٍ بعَينِه أو صيامًا بعَينِه مثلُ صيامِ سَنةٍ بعَينِها، وما كانَ مِثلُ ذلك فوافَقَ ذلك يَومَ فِطرٍ أو أَضحى فأجمَعُوا ألَّا يُصومُهما. واختلَفُوا في قَضائِهما، ففي أَحدِ قَوليِ الشافِعيِّ وزُفرِ بنِ الهُذيلِ وجماعةٍ: ليسَ عليه قَضاؤُهما، وهو قَولُ ابنُ كِنانةَ صاحِبِ مالكٍ. وقالَ أَبو حَنيفةَ وأَبو يُوسفَ ومُحمدٌ (وهو قَولُ الحَنابِلةِ): يَقضيهما،

стр. 14519

وهو قَولُ الحَسنِ بنِ يحيي والأَوزاعيِّ وآخرُ قَولي الشافِعيِّ، وقد رُويَ عن الأَوزاعيِّ أنَّه يَقضيهما إلا أنْ يَنويَ ألَّا يَقضيَهما ولا يَصومَهما. واختلفَ قَولُ مالكٍ في ذلك على ثَلاثةِ أَوجهٍ: أَحدُها: أنَّه يَقضيهما. والآخرُ: أنَّه يقضيهما إلا أن يَكون نوى أن لا يقضيهما. والثالثُ: أنَّه لا يَقضيهما إلا أنْ يَكونَ نَوى أنْ يَصومَهما رَوى الرِّوايةَ الأولى عنه ابنُ وهبٍ، والرِّوايتَينِ الأُخريَينِ ابنُ القاسمِ، قالَ ابنُ وَهبٍ: قالَ مالكٌ فيمَن نذَرَ أنْ يَصومَ ذا الحِجةِ فإنَّه يُفطرُ يَومَ النَّحرِ ويَومينِ بَعدَه ويَقضي، وأما آخرُ أَيامِ التَّشريقِ فإنَّه يَصومُه. ورَوى ابنُ القاسمِ عن مالكٍ فيمَن نذَرَ صيامَ سَنةٍ بعَينِها أنَّه يُفطِرُ يَومَ الفِطرِ وأَيامَ النَّحرِ ولا قَضاءَ عليه إلا أنْ يَكونَ نَوى أنْ يَصومَها، قالَ: ثُم سُئلَ بعدَ ذلك عمَّن أوجَبَ صيامَ ذي الحِجةِ، فقالَ: يَقضي أَيامَ الذَّبحِ إلا أنْ يَكونَ نَوى ألَّا قَضاءَ لها، قالَ ابنُ القاسم: قولُه الأَولُ أَحبُّ إِليَّ ألَّا قَضاءَ عليه إلا أنْ يَنويَ أنْ يَقضيَه» (١). هل يَجبُ على مَنْ نذَرَ مَعصيةٍ أنْ يُكفِّرَ كَفارةَ يَمينٍ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ نذَرَ نَذرَ مَعصيةٍ هل يَجبُ عليه كَفارةُ يَمينٌ أم لا يَجبُ عليه بعدَ اتفاقِهم على أنَّه لا يَحلُ له فَعلُه؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَلزمُه كَفارةٌ يَمينٍ إذا

стр. 14520

لمْ يأتِ به لمَا روَتْ عائشةُ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «لا نَذرَ في مَعصيةٍ وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (١). ولأنَّ النَّذرَ في حُكمِ اليَمينِ، ولأنَّه حَقٌّ للهِ تَعالى، تعلَّقَ لُزومُه بقَولِه كاليَمينِ. وقالَ النَّبيُّ ﷺ لأَبي إِسرائيلَ حينَ نذَرَ أنْ يَقومَ في الشَّمسِ ولا يَقعدُ ولا يَستظلَّ ولا يَتكلمَ: «مُروه فليَتكلمْ وليَجلسْ وليَستظلَّ وليُتمَّ صَومَه» (٢) ولمْ يَأمرْه بكَفارةٍ لأنَّ النَّذرَ التِزامُ الطاعةِ وهذا التِزامُ مَعصيةٍ، ولأنَّه نَذرٌ غيرُ مُنعقدٍ فلمْ يُوجبْ شَيئًا كاليَمينِ غيرِ المُنعقِدةِ، ولأنَّ الظِّهارَ مَعصيةٌ وقد أمَرَ اللهُ بالكَفارةِ فيه. وعن عِمرانَ بنِ حُصينٍ قالَ سمعت رَسول اللهِ ﷺ يَقولُ: «النّذرُ نَذرانِ فما كانَ مِنْ نَذرٍ في طاعةِ اللهِ فذلك للَّهِ وفيه الوَفاءُ وما كانَ مِنْ نَذرٍ في مَعصيةِ اللهِ فذلك للشَّيطانِ ولا وَفاءَ فيه ويُكفرُه ما يُكفرُ اليَمينُ» (٣) وهذا نصٌّ ولأنَّ النَّذرَ يَمينٌ. وعن عُقبةَ بنِ عامِرٍ أنَّه سأَلَ النَّبيُّ ﷺ عن أُختٍ له نذَرَت أن تَحجَّ حافِيةً غيرَ مُختمِرةٍ فقالَ: «مُرُوها فلتَختمِرْ وَلتَركبْ ولتَصمْ ثَلاثةَ أيَّامٍ». وقالَ النَّبيُّ ﷺ لأُختِ عُقبةَ لمَّا نذَرَتِ المَشيَّ إلى بَيتِ اللهِ

стр. 14521

الحَرامِ فلمْ تُطقْه: «تُكفِّرُ يَمينَها». صَحيحٌ أخرَجَه أَبو داودَ، وفي رِوايةٍ: «ولتَصمْ ثَلاثةَ أَيامٍ» (١). وقالَ ابنُ عَباسٍ في التي نذَرَت ذَبحَ ابنِها: «كَفِّري يَمينَكِ». ولو حلَفَ على فِعلِ مَعصيةٍ لزمَتْه الكَفارةُ فكذلك إذا نذَرَها (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وأَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ نذَرَ مَعصيةً كللهِ عليَّ أنَّ أَشربَ الخَمرَ أو أَزنيَ أو أَسرقَ أو أَقتلَ أو أَضربَ فُلانًا فليَستغفرِ اللهَ ولا كَفارةَ عليه لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نذَرَ أنْ يَعصيَ اللهَ فلا يَعصِه» (٣). وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا وَفاءَ لنذرٍ في مَعصيةٍ ولا فيما لا يَملكُ العَبدُ» وفي رِوايةٍ: «لا نَذرَ في مَعصيةِ اللهِ» (٤). ولمْ يَذكرْ كَفارةً ولو كانَت واجبةً لذكَرَها (٥).

стр. 14522

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: «اختلَفُوا فيمَن نذَرَ مَعصيةً، فقالَ مالكٌ والشافِعيُّ وجُمهورُ العُلماءِ ليسَ يَلزمُه في ذلك شيءٌ». وقالَ أَبو حَنيفةَ وسُفيانُ والكُوفيونَ: «بل هو لازمٌ، واللازمُ عندَهم فيه هو كَفارةُ يَمينٍ لا فِعلُ المَعصيةِ». وسَببُ اختِلافِهم تَعارضُ ظَواهرِ الآثارِ في هذا البابِ، وذلك أنَّه رُويَ في هذا البابِ حَديثانِ: حَديثُ عائشةَ عن النَّبيِّ ﵊ أنَّه قالَ: «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فليُطعْه، ومَن نذَرَ أنْ يَعصيَ اللهَ فلا يَعصِه» فظاهرُ هذا أنَّه لا يَلزمُ النَّذرُ بالعِصيانِ. والحَديثُ الثانِي حَديثُ عِمرانَ بنِ حُصينٍ وحَديثُ أَبي هُريرةَ الثابتِ عن النَّبيِّ ﵊ أنَّه قالَ: «لا نَذرَ في مَعصيةِ اللهِ وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (١) وهذا نَصٌّ في مَعنى اللُّزومِ فمَن جمَعَ بينَهما في هذا قالَ: الحَديثُ الأوَّلُ تَضمنَ الإِعلامَ بأنَّ المَعصيةَ لا تَلزمُ، وهذا الثانِي تَضمنَ لُزومَ الكَفارةِ، فمَن رجَّحَ ظاهرَ حَديثِ عائشةَ إذْ لمْ يَصحَّ عندَه حَديثُ عِمرانَ وأَبي هُريرةَ قالَ: ليسَ يَلزمُ في المِعصيةِ شيءٌ. ومَن ذهَبَ مَذهبَ الجَمعِ بينَ الحَديثينِ أوجَبَ في ذلك كَفارةَ يَمينٍ. قالَ أَبو عُمرَ بنُ عَبدِ البَرِّ: «ضعف أهل الحديث حَديث عمران وأبي هُريرةَ قالوا لأنَّ حَديثَ أَبي هُريرةَ يَدورُ على سُليمانَ بنِ أَرقمَ وهو مَتروكُ الحَديثِ.

стр. 14523

وحَديثُ عِمرانَ بنِ الحُصينِ يَدورُ على زُهيرِ بنِ مُحمدٍ عن أَبيه، وأَبوه مَجهولٌ لمْ يَروِ عنه غيرُ ابنِه وزُهيرٌ أيضًا عندَه مَناكيرُ ولكنَّه خرَّجَه مُسلِمٌ مِنْ طَريقٍ عُقبةَ بنِ عامرٍ، وقد جَرتْ عادةُ المالِكيةِ أنْ يَحتجُّوا لمالكٍ في هذه المَسألةِ بمَا رُويَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ «رَأى رَجلًا قائمًا في الشَّمسِ فقالَ: «ما بالُ هذا؟» قالوا: «نذَرَ ألَّا يَتكلمَ ولا يَستظلَّ ولا يَجلسَ ويصومُ» فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مُروه فليَتكلمْ وليَجلسْ وليُتمَّ صيامَه» قالوا فأمَرَه أنْ يُتمَّ ما كانَ طاعةً للهِ ويَتركَ ما كانَ مَعصيةً، وليسَ بالظاهر أنَّ تَركَ الكَلامِ مَعصيةٌ، وقد أخبَرَ اللهُ أنَّه نَذرُ مَريمَ، وكذلك يُشبهُ أنْ يَكونَ القيامُ في الشَّمسِ ليسَ بمَعصيةٍ إلا ما يَتعلقُ بذلك مِنْ جِهةِ إِتعابِ النَّفسِ، فإنْ قيلَ فيه مَعصيةٌ، فبالقياسِ لا بالنَّصِّ، فالأصلُ فيه أنَّه مِنْ المُباحاتِ» (١). القِسمُ الثانِي: النَّذرُ المُطلَقُ أو المُبهَمُ: النَّذرُ المُطلقُ أو المُبهمُ مِثلُ أنْ يَقولَ: للهِ عليَّ نَذرٌ، أو إنْ شَفى اللهُ مَريضي فعليَّ نَذرٌ ولمْ يُسمِّ شَيئًا يَلزمُه ولمْ تَكنْ له نيةٌ بشيءٍ تخصَّصَ بزَمنٍ أو مَحلٍّ فهذا عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ صَحيحٌ ولازمٌ. وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: «اتفَقُوا على لُزومِ النَّذرِ المُطلقِ في القُربِ إلا ما حُكيَ عن بعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ أنَّ النَّذرَ المُطلَقَ لا يَجوزُ، وإنَّما اتفَقُوا على لُزومِ النَّذرِ المُطلَقِ إذا كانَ على وَجهِ الرِّضا لا على وَجهِ اللِّجاج وصرَّحَ فيه بلَفظِ النَّذرِ لا إذا لمْ يُصرحْ، وسَواءٌ كانَ النَّذرُ مُصرَّحًا

стр. 14524

فيه بالشَّيءِ المَنذورِ أو كانَ غيرُ مُصرَّحٍ، وكذلك أجمَعُوا على لُزومِ النَّذرِ الذي مَخرجُه مَخرجُ الشَّرطِ إذا كانَ نذرًا بقُربةٍ» (١). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا ما الذي يَجبُ عليه في النَّذرِ المُطلَقِ هل يَلزمُه كَفارةُ يَمينٍ أم هو مُخيَّرٌ بينَ كَفارةِ اليَمينِ وفِعلِ أيِّ قُربةٍ أم لا يَلزمُه شيءٌ أَصلًا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ نذَرَ نَذرًا مُطلقًا أو مُعلَّقًا على شيءٍ ولمْ يُسمِّ شَيئًا ولَم تَكنْ له نيةٌ بشيءٍ تخصَّصَ بزَمنٍ أو مَحلٍّ أنَّ عليه كَفارةَ يَمينٍ، لكنْ في المُطلقِ تَجبُ للحالِ، وفي المُعلَّقِ إذا وُجدَ الشَّرطُ؛ لمَا رَوى عُقبةُ بنُ عامرٍ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «كَفارةُ النَّذرِ إذا لمْ يُسمَّ كَفارةُ يَمينٍ» (٢) وعن ابنِ عَباسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «من نذَرَ نَذرًا لم يُسمِّه فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ، ومَن نذَرَ نَذرًا في مَعصيةٍ فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ ومَن نذَرَ نَذرًا لا يُطيقُه فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ ومَن نذَرَ نَذرًا أطاقَه فليَفِ بهِ» (٣). ولأنَّه لمْ يَجعلْ لنَذرِه مَخرجًا ولا سبيلَ إلى تَركِه مُهملًا لعَدمِ تَعيينِ ما يُخاطبُ به مما يَنذرُ ولا إلى الحُكمِ بأَحدِ الأَنواعِ؛ لأنَّه تَرجيحٌ بلا مُرجِّحٍ فكانَ العَدلُ كَفارةَ يَمينٍ والدَّليلُ عليه ما رَواه مُسلِمٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ

стр. 14525

قالَ: «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ اليَمينِ» (١). أيْ: النَّذرَ الذي لا مَخرجَ له ولا يُمكنُ حَملُه على ما له مَخرجٌ للزومِ ذلك المُعيَّنِ. وبهذا قالَ ابنُ مَسعودٍ وجابرٍ وعائشةُ ولم يُعرفْ لهم مُخالِفٌ في عَصرِهم فيَكونُ إِجماعًا (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه لو قالَ: عليَّ نَذرٌ صحَّ ويَتخيرُ بينَ قُربةٍ مِنْ القُربِ -كتَسبيحِ وصَلاةِ رَكعتينِ وصَومٍ يَومٍ- وكَفارةِ يَمينٍ. ونصُّ البُويطيُّ: يَقتضي أنَّه لا يَصحُّ ولا يَلزمُه شيءٌ، فلو كانَ ذلك في نذرِ التَّبررِ كأنْ قالَ: «إنْ شَفى اللهَ مَريضي فعليَّ نَذرٌ»، أو قالَ ابتداءً: «فلله عليَّ نَذرٌ»، لزِمَه قُربةٌ مِنْ القُربِ، والتَّعيينُ إليه كما ذكرَه البُّلقينيُّ (٣). قالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: «اختلَفُوا في الواجبِ في النَّذرِ المُطلقِ الذي ليسَ يُعينُ فيه الناذرُ شَيئًا سِوى أنْ يَقولَ للهِ عليَّ نَذرٌ، فقالَ كَثيرٌ مِنْ العُلماءِ في ذلك كَفارةُ يَمينٍ لا غيرُ، وقالَ قَومٌ: بل فيه كَفارةُ الظِّهارِ، وقالَ

стр. 14526

قَومٌ: أَقلُّ ما يَنطلقُ عليه الاسمُ مِنْ القُربِ صِيامُ يَومٍ أو صَلاةُ رَكعتَينِ. وإنَّما صارَ الجُمهورُ لوُجوبِ كَفارةِ اليَمينِ فيه للثَّابتِ مِنْ حَديثِ عُقبةَ ابنِ عامرٍ أنَّه ﵊ قالَ: «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ يَمينٍ» خرَّجَه مُسلِمٌ (١). وأمَّا مَنْ قالَ صِيامُ يَومٍ أو صَلاةُ رَكعتَينِ فإنَّما ذهَبَ مَذهبَ مَنْ يَرى أنَّ المُجزِئَ أَقلُّ ما يَنطلقُ عليه الاسمُ، وصَلاةُ رَكعتَينِ أو صيامُ يَومٍ أَقلُّ ما يَنطلقُ عليه اسمُ النَّذرِ. وأمَّا مَنْ قالَ فيه كَفارةُ الظِّهارِ فخارجٌ عن القِياسِ والسَّماعِ» (٢). القِسمُ الثالثُ: نَذرُ اللِّجاجِ والغَضبِ: نَذرُ اللِّجاجِ هو الذي يُخرجُه مَخرجَ اليَمينِ للحَثِّ على فِعلِ شيءٍ أو المَنعِ منه غيرَ قاصدٍ به للنَّذرِ ولا القُربةِ كقولِه: «إنْ كلَّمْتُ فُلانًا، أو دَخلتُ الدارَ، أو إنْ لمْ أَخرجْ مِنْ البَلدِ، فلله عليَّ صَومُ شَهرٍ، أو صَلاةٌ، أو حَجٌّ، أو إِعتاقُ رَقبةٍ»، ثُم كلَّمَه، أو دخَلَ، أو لمْ يَخرجْ، فإنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا ما الذي يَجبُ عليه هل يَجبُ عليه التِزامُ ما التزَمَه أم هو مُخيَّرٌ بينَ التِزامِ ما التزَمَه وبينَ كَفارةِ يَمينٍ؟ أم عليه كَفارةُ يَمينٍ فقط عندَ وُجودِ المُعلَّقِ عليه؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والإِمامُ أَبو حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه ومُحمدِ بنِ الحَسنِ كما سيَأتي وابنُ القاسمِ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّه مُخيَّرٌ فيه بينَ التِزامِ ما نذَرَه مِنْ العِتقِ والحَجِّ أو الصَّدقةِ اعتِبارًا بالنُّذورِ ولا

стр. 14527

شيءَ عليه وبينَ كَفارةِ يَمينٍ اعتِبارًا بالأَيمانِ، ونَذرُه في هذا المَوضعِ نَذرُ لِجاجٍ خرَجَ مَخرجَ اليَمينِ فكانَ فيه مُخيَّرًا بينَ التِزامِ ما التزَمَه وبينَ العُدولِ عنه إلى كَفارةِ يَمينٍ؛ لمَا رواه مُسلِمٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ اليَمينِ» (١). ولحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ: سمعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ ، يَقولُ: «لا نَذرَ في غَضبٍ، وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٢). ولمَا روَتْ عائشةُ: «مَنْ حلَفَ بالمَشيِ، أو بالهَديِ، أو جعَلَ مالَه في سَبيلِ اللهِ، أو في المَساكينِ، أو في رِتاجِ الكَعبةِ فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٣). ولأنَّه يُشبُه اليَمينَ مِنْ حيثُ إنَّه قصَدَ مَنعَ نَفسِه مِنْ فِعلِ شيءٍ، أو إِلزامَها فِعلَ شيءٍ، ويُشبهُ النَّذرَ مِنْ حيثُ إنَّه ألزَمَ نَفسَه قُربةً في ذِمتِه، ولا سَبيلَ إلى جَمعِهما ولا إلى تَعطيلِهما فخُيرَ بَينَ مُوجَبَيْهما، وهذا مَعنى قَولِه ﷺ : «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ يَمينٍ». ورُويَ ذلك عن عُمرَ وعائشةَ وابنِ عباسٍ وابنِ عُمرَ وحَفصةَ وأمِّ سَلمةَ ﵂ (٤).

стр. 14528

وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَتعينُ عليه كَفارةُ اليَمينِ في نَذرِ اللَّجاجِ ولا يُجزِئُه غيرُها حتى لو فعَلَ المَحلوفَ عليه لمَا رَواه مُسلِمٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ اليَمينِ» (١). ولا كَفارةَ في نَذرِ التَّبَرُّرِ قَطعًا فتَعينَ أنْ يَكونَ المُرادُ به نَذرُ اللَّجاجِ؛ لحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ ، يَقولُ: «لا نَذرَ في غَضبٍ، وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٢). ثم يُعضدُ ذلك ما رَوى أَبو داودَ في سُننِه عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ، «أنَّ أَخوينِ مِنْ الأَنصارِ كانَ بينَهما مِيراثٌ فسأَلَ أَحدُهما صاحبَه القِسمةَ فقالَ إنْ عُدتَ تَسألُني عن القِسمةِ فكلُّ مالٍ لي في رتَاجِ الكَعبةِ فقالَ له عُمرُ: إنَّ الكَعبةَ غَنيةٌ عن مالكَ كفِّرْ عن يَمينِكَ وكَلِّمْ أَخاكَ، سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لا يَمينَ عليك ولا نَذرَ في مَعصيَةِ الربِّ وفي قَطيعةِ الرَّحمِ وفيما لا تَملكُ» (٣) (٤).

стр. 14529

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قولٍ والحَنفيةُ في ظاهرِ الرِّوايةِ -كما سيَأتي- إلى أنَّ نَذرَ اللِّجاجِ والغَضبِ يَلزمُ الوَفاءُ به كنَذرِ التَّبَرُّرِ كمَن قالَ حالَ غَضبِه: «إنْ دخلْتُ دارَ زَيدٍ فعليَّ كذا». وهو يَقصدُ مَنعَ نَفسِه مِنْ شيءٍ ومُعاقبتَها فيَلزمُه الوَفاءُ به كنَذرِ التَّبَرَّرِ؛ لأنَّ اختِلافَ الحالِ التي عقَدَ عليها النَّذرَ لا يُوجبُ سُقوطَ المَنذورِ وإِلزامَ غيرِه أصلَه حالَ التَّبَرُّرِ، ولأنَّها قُربةٌ ألزَمَها نفسَه على وجهِ النَّذرِ فإذا وُجدَ شَرطُها لمْ يَجزْ إِسقاطُهما كالحجِّ. قالَ الموَّاقُ ﵀: «ولو غَضبانَ». وقالَ ابنُ رُشدٍ: «نَذرُ الغَضبِ لازمٌ اتِّفاقًا كيَمينِه». وقالَ ابنُ بَشيرٍ: «قد قدَّمْناه أنَّ التِزامَ كلِّ الطاعاتِ يَلزمُ عندَنا كانَ على وَجهِ الرِّضا أو على سَبيلِ اللِّجاجِ، وهذا هو المَشهورُ وقد حَكى الأَشياخُ أنَّهم وقَفُوا على قَولِه لابنِ القاسمِ: «علَّقْتُ أنَّه ما كانَ مِنْ هذا القَبيلِ على سَبيلِ اللِّجاجِ والحَرجِ يَكفي فيه كَفارةُ يَمينٍ وهذا هو أَحدُ أَقوالِ الشافِعيِّ». وكانَ مَنْ لقِيناه مِنْ الشُّيوخِ يَميلُ إلى هذا المَذهبِ ويَعدُّونَه نَذرًا في مَعصيةٍ فلا يَلزمُه الوفاءُ». انتهى وقد تقدَّمَ في الصِّيامِ مِنْ هذا المَعنى عن شَيخِ الشُّيوخِ ابنُ لُبٍّ وأن كَفارةَ ذلك كَفارةُ يَمينٍ ورشَّحَه ابنُ عَبدِ البِرِّ قائلًا: «الحالفُ بالطاعةِ عندَ اللِّجاجِ والغَضبِ عن قَصدِ العِبادةِ بمَعزلٍ».

стр. 14530

وقد قالَ مالكٌ للقائلِ لناقتِه «أنتِ بَدنةٌ»: «أَزجرَها قصَدتَ؟» قالَ: نعم. قالَ: «لا شيءَ عليكَ». قالَ ابنُ رُشدٍ: «لأنَّه لمْ يَقصدِ القُربةَ» (١). أما الحَنفيةُ فجاءَ في «الدُّرّ المُختار»: «(أنَّ) المُعلَّقَ فيه تَفصيلٌ فإنْ (علَّقَه بشَرطٍ يُريدُه كأنْ قدِمَ غائبي) أو شُفيَ مَريضي (يُوفى) وُجوبًا (إِنْ وُجدَ) الشَّرطُ (و) إنْ علَّقَه (بما لمْ يَردَّه كإنْ زَنيتُ بفُلانةٍ) مَثلًا فحنِثَ (وَفَّى) بنَذرِه (أو كفَّرَ) ليَمينِه (على المَذهبِ)؛ لأنَّه نَذرٌ بظاهرِه يَمينٌ بمَعناه فيُخيَّرُ ضَرورةً». قالَ الإِمامُ ابنُ عابدينَ ﵀: «قولُه: (ثُم أنَّ المُعلَّقَ إلخ) اعلَمْ أنَّ المَذكورَ في كُتبِ ظاهرِ الرِّوايةِ أنَّ المُعلَّقَ يَجبُ الوَفاءُ به مُطلقًا أيْ سَواءٌ كانَ الشَّرطُ مما يُرادُ كَونُه أي يُطلَبُ حُصولُه ك «إنْ شَفى اللهُ مَريضي» أو لا ك «إنْ كلَّمْتُ زَيدًا أو دخلْتُ الدارَ فكذا»، وهو المُسمَّى عندَ الشافِعيةِ نَذرَ اللِّجاجِ، ورُويَ عن أَبي حَنيفةَ التَّفصيلُ المَذكورُ هنا، وأنَّه رجِعَ إليه قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أَيامٍ، وفي الهِدايةِ أنَّه قَولُ مُحمدٍ وهو الصَّحيحْ. اه ومَشى عليه أَصحابُ المُتونِ كالمُختارِ والمَجمعِ ومُختصرِ النِّقايةِ والمُلتقى وغيرِها، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ، وذكَرَ في «الفَتح» أنَّه المَرويُّ في «النَّوادر»، وأنَّه مُختارُ المُحقِّقينَ، وقد انعَكسَ الأَمرُ على صاحبِ البَحرِ
следующие страницы →