← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14526–14565 · переход к 14531.

стр. 14526

قَومٌ: أَقلُّ ما يَنطلقُ عليه الاسمُ مِنْ القُربِ صِيامُ يَومٍ أو صَلاةُ رَكعتَينِ. وإنَّما صارَ الجُمهورُ لوُجوبِ كَفارةِ اليَمينِ فيه للثَّابتِ مِنْ حَديثِ عُقبةَ ابنِ عامرٍ أنَّه ﵊ قالَ: «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ يَمينٍ» خرَّجَه مُسلِمٌ (١). وأمَّا مَنْ قالَ صِيامُ يَومٍ أو صَلاةُ رَكعتَينِ فإنَّما ذهَبَ مَذهبَ مَنْ يَرى أنَّ المُجزِئَ أَقلُّ ما يَنطلقُ عليه الاسمُ، وصَلاةُ رَكعتَينِ أو صيامُ يَومٍ أَقلُّ ما يَنطلقُ عليه اسمُ النَّذرِ. وأمَّا مَنْ قالَ فيه كَفارةُ الظِّهارِ فخارجٌ عن القِياسِ والسَّماعِ» (٢). القِسمُ الثالثُ: نَذرُ اللِّجاجِ والغَضبِ: نَذرُ اللِّجاجِ هو الذي يُخرجُه مَخرجَ اليَمينِ للحَثِّ على فِعلِ شيءٍ أو المَنعِ منه غيرَ قاصدٍ به للنَّذرِ ولا القُربةِ كقولِه: «إنْ كلَّمْتُ فُلانًا، أو دَخلتُ الدارَ، أو إنْ لمْ أَخرجْ مِنْ البَلدِ، فلله عليَّ صَومُ شَهرٍ، أو صَلاةٌ، أو حَجٌّ، أو إِعتاقُ رَقبةٍ»، ثُم كلَّمَه، أو دخَلَ، أو لمْ يَخرجْ، فإنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا ما الذي يَجبُ عليه هل يَجبُ عليه التِزامُ ما التزَمَه أم هو مُخيَّرٌ بينَ التِزامِ ما التزَمَه وبينَ كَفارةِ يَمينٍ؟ أم عليه كَفارةُ يَمينٍ فقط عندَ وُجودِ المُعلَّقِ عليه؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والإِمامُ أَبو حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه ومُحمدِ بنِ الحَسنِ كما سيَأتي وابنُ القاسمِ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّه مُخيَّرٌ فيه بينَ التِزامِ ما نذَرَه مِنْ العِتقِ والحَجِّ أو الصَّدقةِ اعتِبارًا بالنُّذورِ ولا

стр. 14527

شيءَ عليه وبينَ كَفارةِ يَمينٍ اعتِبارًا بالأَيمانِ، ونَذرُه في هذا المَوضعِ نَذرُ لِجاجٍ خرَجَ مَخرجَ اليَمينِ فكانَ فيه مُخيَّرًا بينَ التِزامِ ما التزَمَه وبينَ العُدولِ عنه إلى كَفارةِ يَمينٍ؛ لمَا رواه مُسلِمٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ اليَمينِ» (١). ولحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ: سمعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ ، يَقولُ: «لا نَذرَ في غَضبٍ، وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٢). ولمَا روَتْ عائشةُ: «مَنْ حلَفَ بالمَشيِ، أو بالهَديِ، أو جعَلَ مالَه في سَبيلِ اللهِ، أو في المَساكينِ، أو في رِتاجِ الكَعبةِ فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٣). ولأنَّه يُشبُه اليَمينَ مِنْ حيثُ إنَّه قصَدَ مَنعَ نَفسِه مِنْ فِعلِ شيءٍ، أو إِلزامَها فِعلَ شيءٍ، ويُشبهُ النَّذرَ مِنْ حيثُ إنَّه ألزَمَ نَفسَه قُربةً في ذِمتِه، ولا سَبيلَ إلى جَمعِهما ولا إلى تَعطيلِهما فخُيرَ بَينَ مُوجَبَيْهما، وهذا مَعنى قَولِه ﷺ : «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ يَمينٍ». ورُويَ ذلك عن عُمرَ وعائشةَ وابنِ عباسٍ وابنِ عُمرَ وحَفصةَ وأمِّ سَلمةَ ﵂ (٤).

стр. 14528

وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَتعينُ عليه كَفارةُ اليَمينِ في نَذرِ اللَّجاجِ ولا يُجزِئُه غيرُها حتى لو فعَلَ المَحلوفَ عليه لمَا رَواه مُسلِمٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ اليَمينِ» (١). ولا كَفارةَ في نَذرِ التَّبَرُّرِ قَطعًا فتَعينَ أنْ يَكونَ المُرادُ به نَذرُ اللَّجاجِ؛ لحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ ، يَقولُ: «لا نَذرَ في غَضبٍ، وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٢). ثم يُعضدُ ذلك ما رَوى أَبو داودَ في سُننِه عن سَعيدِ بنِ المُسيبِ، «أنَّ أَخوينِ مِنْ الأَنصارِ كانَ بينَهما مِيراثٌ فسأَلَ أَحدُهما صاحبَه القِسمةَ فقالَ إنْ عُدتَ تَسألُني عن القِسمةِ فكلُّ مالٍ لي في رتَاجِ الكَعبةِ فقالَ له عُمرُ: إنَّ الكَعبةَ غَنيةٌ عن مالكَ كفِّرْ عن يَمينِكَ وكَلِّمْ أَخاكَ، سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لا يَمينَ عليك ولا نَذرَ في مَعصيَةِ الربِّ وفي قَطيعةِ الرَّحمِ وفيما لا تَملكُ» (٣) (٤).

стр. 14529

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قولٍ والحَنفيةُ في ظاهرِ الرِّوايةِ -كما سيَأتي- إلى أنَّ نَذرَ اللِّجاجِ والغَضبِ يَلزمُ الوَفاءُ به كنَذرِ التَّبَرُّرِ كمَن قالَ حالَ غَضبِه: «إنْ دخلْتُ دارَ زَيدٍ فعليَّ كذا». وهو يَقصدُ مَنعَ نَفسِه مِنْ شيءٍ ومُعاقبتَها فيَلزمُه الوَفاءُ به كنَذرِ التَّبَرَّرِ؛ لأنَّ اختِلافَ الحالِ التي عقَدَ عليها النَّذرَ لا يُوجبُ سُقوطَ المَنذورِ وإِلزامَ غيرِه أصلَه حالَ التَّبَرُّرِ، ولأنَّها قُربةٌ ألزَمَها نفسَه على وجهِ النَّذرِ فإذا وُجدَ شَرطُها لمْ يَجزْ إِسقاطُهما كالحجِّ. قالَ الموَّاقُ ﵀: «ولو غَضبانَ». وقالَ ابنُ رُشدٍ: «نَذرُ الغَضبِ لازمٌ اتِّفاقًا كيَمينِه». وقالَ ابنُ بَشيرٍ: «قد قدَّمْناه أنَّ التِزامَ كلِّ الطاعاتِ يَلزمُ عندَنا كانَ على وَجهِ الرِّضا أو على سَبيلِ اللِّجاجِ، وهذا هو المَشهورُ وقد حَكى الأَشياخُ أنَّهم وقَفُوا على قَولِه لابنِ القاسمِ: «علَّقْتُ أنَّه ما كانَ مِنْ هذا القَبيلِ على سَبيلِ اللِّجاجِ والحَرجِ يَكفي فيه كَفارةُ يَمينٍ وهذا هو أَحدُ أَقوالِ الشافِعيِّ». وكانَ مَنْ لقِيناه مِنْ الشُّيوخِ يَميلُ إلى هذا المَذهبِ ويَعدُّونَه نَذرًا في مَعصيةٍ فلا يَلزمُه الوفاءُ». انتهى وقد تقدَّمَ في الصِّيامِ مِنْ هذا المَعنى عن شَيخِ الشُّيوخِ ابنُ لُبٍّ وأن كَفارةَ ذلك كَفارةُ يَمينٍ ورشَّحَه ابنُ عَبدِ البِرِّ قائلًا: «الحالفُ بالطاعةِ عندَ اللِّجاجِ والغَضبِ عن قَصدِ العِبادةِ بمَعزلٍ».

стр. 14530

وقد قالَ مالكٌ للقائلِ لناقتِه «أنتِ بَدنةٌ»: «أَزجرَها قصَدتَ؟» قالَ: نعم. قالَ: «لا شيءَ عليكَ». قالَ ابنُ رُشدٍ: «لأنَّه لمْ يَقصدِ القُربةَ» (١). أما الحَنفيةُ فجاءَ في «الدُّرّ المُختار»: «(أنَّ) المُعلَّقَ فيه تَفصيلٌ فإنْ (علَّقَه بشَرطٍ يُريدُه كأنْ قدِمَ غائبي) أو شُفيَ مَريضي (يُوفى) وُجوبًا (إِنْ وُجدَ) الشَّرطُ (و) إنْ علَّقَه (بما لمْ يَردَّه كإنْ زَنيتُ بفُلانةٍ) مَثلًا فحنِثَ (وَفَّى) بنَذرِه (أو كفَّرَ) ليَمينِه (على المَذهبِ)؛ لأنَّه نَذرٌ بظاهرِه يَمينٌ بمَعناه فيُخيَّرُ ضَرورةً». قالَ الإِمامُ ابنُ عابدينَ ﵀: «قولُه: (ثُم أنَّ المُعلَّقَ إلخ) اعلَمْ أنَّ المَذكورَ في كُتبِ ظاهرِ الرِّوايةِ أنَّ المُعلَّقَ يَجبُ الوَفاءُ به مُطلقًا أيْ سَواءٌ كانَ الشَّرطُ مما يُرادُ كَونُه أي يُطلَبُ حُصولُه ك «إنْ شَفى اللهُ مَريضي» أو لا ك «إنْ كلَّمْتُ زَيدًا أو دخلْتُ الدارَ فكذا»، وهو المُسمَّى عندَ الشافِعيةِ نَذرَ اللِّجاجِ، ورُويَ عن أَبي حَنيفةَ التَّفصيلُ المَذكورُ هنا، وأنَّه رجِعَ إليه قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أَيامٍ، وفي الهِدايةِ أنَّه قَولُ مُحمدٍ وهو الصَّحيحْ. اه ومَشى عليه أَصحابُ المُتونِ كالمُختارِ والمَجمعِ ومُختصرِ النِّقايةِ والمُلتقى وغيرِها، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ، وذكَرَ في «الفَتح» أنَّه المَرويُّ في «النَّوادر»، وأنَّه مُختارُ المُحقِّقينَ، وقد انعَكسَ الأَمرُ على صاحبِ البَحرِ

стр. 14531

فظنَّ أنَّ هذا لا أَصلَ له في الرِّوايةِ، وأنَّ رِوايةَ «النَّوادر» أنَّه مُخيَّرٌ فيهما مُطلقًا، وأنَّ في الخُلاصةِ قالَ: وبه يُفتي وقد علِمْتَ أنَّ المَرويَّ في النَّوادرِ هو التَّفصيلُ المَذكورُ، وذكَرَ في النَّهرِ أنَّ الذي في الخُلاصةِ هو التَّعليقُ بما لا يُرادُ كَونُه فالإِطلاقُ مَمنوعُ اه. والحاصلُ أنَّه ليسَ في المَسألةِ سِوى قَولينِ: الأولُ: ظاهرُ الرِّوايةِ عَدمُ التَّخييرِ أَصلًا. والثانِي: التَّفصيلُ المَذكورُ. وأمَّا ما توهَّمَه في البَحرِ مِنْ القَولِ الثالثِ هو التَّخييرُ مُطلقًا، وأنَّه المُفتى به فلا أَصلَ له كما أوضَحَه العَلامةُ الشُّرنبلاليُّ في رِسالتِه المُسماةِ (تُحفةَ التَّحريرِ) فافهمْ … قَولُه: (لأنَّه نَذرٌ بظاهرِه إلخ) لأنَّه قصَدَ به المَنعَ عن إيجادِ الشَّرطِ فيَميلُ إلى أيِّ الجِهتينِ شاءَ بخِلافِ ما إذا علَّقَ بشَرطٍ يُريدُ ثُبوتَه؛ لأنَّ مَعنى اليَمينِ -وهو قَصدُ المَنعِ- غيرُ مَوجودٍ فيه لأنَّ قَصدَه إِظهارُ الرَّغبةِ فيما جُعلَ شَرطًا درر. قولُه: (فيُخيَّرُ ضَرورةً) جَوابٌ عن قَولِ صَدرِ الشَّريعةِ. أقولُ: إنْ كانَ الشَّرطُ حَرامًا كإنْ زنيْتُ يَنبغي ألَّا يَتخيرَ لأنَّ التَّخييرَ تَخفيفٌ والحَرامُ لا يُوجبُ التَّخفيفَ. قالَ في الدُّررِ أَقولُ ليسَ المُوجبُ للتَّخفيفِ هو الحَرامُ بل وُجودُ دَليلِ التَّخفيفِ؛ لأنَّ اللَّفظَ لمَّا كانَ نَذرًا مِنْ وَجهٍ يَمينًا مِنْ وَجهٍ لزِمَ أنْ يُعملَ

стр. 14532

بمُقتضى الوَجهينِ ولمْ يَجزْ إِهدارُ أَحدِهما فلزِمَ التَّخييرُ المُوجبُ للتَّخفيفِ بالضَّرورةِ فتدبرْ» اه (١). وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: و «إنْ علَّقَ النَّذرَ بشَرطٍ فوُجدَ الشَّرطُ فعليه الوَفاءُ بنَفسِ النَّذرِ لإِطلاقِ الحَديثِ الذي رَويناه مِنْ البُخاريِّ وغيرِه، فإنَّه أمَرَ بذلك مِنْ غيرِ تَقييدٍ بمُنجزٍ ولا مُعلَّقٍ، ولأنَّ المُعلَّقَ بالشَّرطِ كالمُنجزِ عندَه فصارَ كأنَّه قالَ عندَ الشَّرطِ للهِ عليَّ كذا. وعن أَبي حَنيفةَ ﵀ أنَّه رجِعَ عنه أيْ عن لُزومِ عَينِ المَنذورِ إذا كانَ مُعلَّقًا بالشَّرطِ، أيْ أنَّه مُخيَّرٌ بينَ فِعلِه بعَينِه وكَفارةِ يَمينٍ، وهو قَولُ مُحمدٍ، فإذا قالَ: «إنْ فعلْتُ كذا فعليَّ حَجةٌ أو صَومُ سَنةٍ» إنْ شاءَ حجَّ أو صامَ سَنةً، وإنْ شاءَ كفَّرَ فإنْ كانَ فَقيرًا صارَ مُخيَّرًا بينَ صَومِ سَنةٍ وصَومِ ثَلاثةِ أَيامٍ. والأولُ -وهو لُزومُ الوَفاءُ به عَينًا- هو المَذكورُ فى ظاهرِ الرِّوايةِ، والتَّخييرُ عن أَبي حَنيفةَ في النَّوادرِ، ورُويَ عن عبدِ العَزيزِ بنِ خالدٍ التِّرمذيِّ قالَ: «خرجْتُ حاجًّا فلمَّا دخلْتُ الكُوفةَ قرأْتُ كِتابَ النُّذورِ والكَفاراتِ على أَبي حَنيفةَ، فلمَّا انتهيْتُ إلى هذه المَسألةِ قالَ: قفْ فإنَّ مِنْ رَأيي أنْ أَرجعَ، فلمَّا رجعْتُ مِنْ الحَجِّ إذا أَبو حَنيفةَ قد تُوفِّي، فأخبَرَنى الوَليدُ بنُ أَبانَ أنَّه رجَعَ قبلَ مَوتِه بسَبعةِ أَيامٍ، وقالَ: يَتخيرُ. وبهذا كانَ يُفتي إِسماعيلُ الزاهدُ. وقالَ الوَلوَالجي: «مَشايخُ بلخَ وبُخارى يُفتونَ بهذا، وهو اختِيارُ شَمسِ الأَئمةِ، قالَ: لكَثرةِ البَلوى في هذا الزَّمانِ».

стр. 14533

وَجهُ الظاهرِ النصوص مِنْ الآيةِ الكَريمةِ والأَحاديثِ. ووجهُ رِوايةِ النَّوادرِ ما في صَحيحِ مُسلمٍ مِنْ حَديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ عنه ﷺ قالَ: «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ اليَمينِ» فهذا يَقتضي أنْ يَسقطَ بالكَفارةِ مُطلقًا فيَتعارضُ فيُحملُ مُطلقُ الإِيفاءِ بعَينِه على المُنجزِ، ومُقتضى سُقوطِه بالكَفارةِ على المُعلَّقِ، ولا يُشكلُ؛ لأنَّ المُعلَّقَ مُنتفٍ فى الحالِ، فالنَّذرُ فيه مَعدومٌ فيَصيرُ كاليَمينِ في أنَّ سَببَ الإِيجابِ -وهو الحِنثُ- مُنتفٍ حالَ التَّكلمِ فيَلحقُ به بخِلافِ النَّذرِ المُنجَزِ؛ لأنَّه نَذرٌ ثابتٌ في وَقتِه فيُعملُ فيه حَديثُ الإِيفاءِ، واختارَ المُصنِّفُ والمُحقِّقونَ أنَّ المُرادَ بالشَّرطِ الذي تُجزئُ فيه الكَفارةُ الشَّرطُ الذي لا يُريدُ كونَه مِثلُ دُخولِ الدارِ وكَلامِ فُلانٍ؛ فإنَّه إذا لمْ يُردْ كَونَه يُعلَمُ أنَّه لمْ يُردْ كَونَ المَنذورِ حيثُ جعَلَه مانعًا مِنْ فِعلِ ذلك الشَّرطِ؛ لأنَّ تَعليقَ النَّذرِ على ما لا يُريدُ كَونَه بالضَّرورةِ يَكونُ لمَنعِ نَفسِه عنه، فإنَّ الإِنسانَ لا يُريدُ إِيجابَ العِباداتِ دائمًا وإنْ كانَتْ مَجلبةً للثَّوابِ مَخافةَ أنْ يَثقلَ فيَتعرضَ للعِقابِ، ولهذا صحَّ عنه ﷺ «أنَّه نَهى عن النَّذرِ» وقالَ: «إنَّه لا يَأتي بخيرٍ» (١) الحَديث. وأمَّا الشَّرطُ الذي يُريدُ كَونَه مثلُ قَولِه: «إنْ شَفى اللهُ مَريضي أو قدِمَ غائبى أو ماتَ عَدوي فللهِ عليَّ صَومُ شَهرٍ» فوُجدَ الشَّرطُ لا يُجزيه إلا فِعلُ عَينِ المَنذورِ؛ لأنَّه إذا أرادَ كَونَه كانَ مُريدًا كَونَ النَّذرِ فكانَ النَّذرُ في مَعنى المُنجَزِ فيَندرجُ في حُكمِه وهو وُجوبُ الإِيفاءِ به فصارَ مَحملُ ما يَقتضي

стр. 14534

الإِيفاءَ المُنجَزِ والمُعلَّقِ المُرادِ كَونُه، ومَحملُ ما يَقتضي إِجزاءُ الكَفارةِ المُعلَّقُ الذي لا يُرادُ كَونُه وهو المُسمَّى عندَ طائفةٍ مِنْ الفُقهاءِ (نَذرَ اللِّجاجِ)، ومَذهبُ أَحمدَ فيه كهذا التَّفصيلِ الذي اختارَه المُصنِّفُ. واستَدلَّ ابنُ الجَوزيِّ في التَّحقيقِ للاكتِفاءِ في خُصوصِ هذا النَّذرِ بحَديثِ مُسلِمٍ معَ أنَّه مُطلَقٌ، وليسَ هذا إلا لمَا قُلْنا، وهذا التَّقريرُ أَولى مما قيلَ؛ لأنَّ الشَّرطَ إذا لمْ يُرَدْ كَونُه كانَ في مَعنى اليَمينِ فإنَّها تُعقَدُ للمَنعِ فأجزَأَ فيه الكَفارةُ، بخِلافِ الذي يُريدُ كَونَه فإنَّه ورَدَ على هذا التَّقريرِ أنَّ اليَمينَ كما يَكونُ للمَنعِ يَكونُ للحَملِ فلا يَختصُّ مَعناها بما لا يُرادُ كَونُه، فالفَرقُ على هذا تَحكُّمٌ» (١). وقالَ شيخُ الإِسلامُ ابنُ تَيميةَ ﵀: «فأمَّا الحَلفُ بالنَّذرِ الذي هو (نَذرُ اللِّجاجِ والغَضبِ) مثلُ أنْ يَقولَ: «إنْ فعلْتُ كذا فعليَّ الحَجُّ، أو فمالي صَدقةٌ، أو فعليَّ صيام» يُريدُ بذلك أنْ يَمنعَ نَفسَه عن الفِعلِ أو أنْ يَقولَ: «إنْ لمْ أَفعلْ كذا فعليَّ الحَجُّ» ونحوُه فمَذهبُ أَكثرِ أَهلِ العِلمِ أنَّه يُجزئُه كَفارةُ يَمينٍ مِنْ أَهلِ مَكةَ والمَدينةِ والبَصرةِ والكُوفةِ، وهو قَولُ فُقهاءِ الحَديثِ كالشافِعيِّ وأَحمدَ وإِسحاقَ وأَبي عُبيدٍ وغيرِهم، وهذا إِحدى الرِّوايتَينِ عن أَبي حَنيفةَ، وهو الرِّوايةُ المُتأخِّرةُ عنه. ثم اختَلفَ هؤلاءِ فأَكثرُهم قالُوا هو مُخيَّرٌ بينَ الوَفاءِ بنَذرِه وبينَ كَفارةِ يَمينٍ، وهذا قَولُ الشافِعيِّ والمَشهورُ عن أَحمدَ.

стр. 14535

ومنهم مَنْ قالَ: بل عليه الكَفارةُ عَينًا كما يَلزمُه ذلك في اليَمينِ باللهِ، وهو الروايةُ الأُخرى عن أَحمدَ، وقَولُ بَعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ. وقالَ مالكٌ وأَبو حَنيفةَ في الرِّوايةِ الأُخرى وطائفةٌ: بل يَجبُ الوَفاءُ بهذا النَّذرِ، وقد ذكَروا أنَّ الشافِعيِّ سُئلَ عن هذه المَسألةِ بمِصرَ فأَفتى فيها بالكَفارةِ، فقالَ له السائلُ: «يا أبا عَبدِ اللهِ هذا قَولُك؟» قالَ: «قَولُ مَنْ هو خَيرٌ مني، عَطاءُ بنُ أَبي رَباحٍ». وذكَرُوا أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ حنِثَ ابنُه في هذه اليَمينِ فأَفتاه بكَفارةِ يَمينٍ بقَولِ اللَّيثِ بنِ سَعدٍ، وقالَ: «إنْ عدْتَ أَفتيتُكَ بقَولِ مالكٍ» وهو الوَفاءُ به، ولهذا يُفرِّعُ أَصحابُ مالكٍ مَسائلَ هذه اليَمينِ على النَّذرِ لعُموماتِ الوَفاءِ بالنَّذرِ؛ لقَولِه ﷺ : «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فليُطعْه» ولأنَّه حُكمٌ جائزٌ مُعلَّقٌ بشَرطٍ فوجَبَ عندَ ثُبوتِ شَرطِه كسائرِ الأَحكامِ. والقَولُ الأولُ هو الصَّحيحُ والدَّليلُ عليه معَ ما سنَذكرُه إنْ شاءَ اللهُ مِنْ دِلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ ما اعتَمدَه الإِمامُ أَحمدُ وغيرُه، قالَ أَبو بَكرٍ الأَثرمُ في مَسائلِه: «سمِعْتُ أَبا عَبدِ اللهِ يَسألُ عن رَجلٍ قالَ مالُه في رِتاجِ الكَعبةِ، قالَ: كَفارةُ يَمينٍ واحتَجَّ بحَديثِ عائشةَ، قالَ: وسمِعْتُ أَبا عَبدِ اللهِ يُسألُ عن رَجلٍ يَحلفُ بالمَشي إلى بَيتِ اللهِ أو الصَّدقةِ بالمِلكِ ونَحوِ ذلك مِنْ الأَيمانِ، فقالَ: إذا حنِثَ فكَفارةٌ إلا أنِّي لا أَحملُه على الحِنثِ ما لمْ يَحنثْ. قيلَ له: تَفعلُ. قيلَ لأَبي عَبدِ الله: فإذاِ حنِثَ كفَّرَ؟ قالَ: نعم. قيلَ له: أليسَ كَفارةَ يَمينٍ؟ قالَ: نَعم.

стр. 14536

قالَ: وسمِعتُ أَبا عَبدِ اللهِ يَقولُ في حَديثِ لَيلى بنتِ العَجماءِ حينَ حلَفَتْ بكذا وكذا وكلُّ مَملوكٍ لها حرٌّ، فأَفتيتُ بكفارةِ يَمينٍ، فاحتَجَّ بحَديثِ ابنِ عُمرَ وابنِ عَباسٍ حينَ أَفتيا فيمَن حلَفَ بعِتقِ جاريةٍ وأَيمانٍ. فقالَ: أما الجاريةُ فتَعتقُ. وقالَ الأثرمُ: حدَّثنا الفَضلُ بنُ دُكينٍ ثنا حَسنٌ عن ابنِ أَبي نَجيحٍ عن عَطاءٍ عن عَائشةَ قالَت: «مَنْ قالَ مالي في مِيراثِ الكَعبةِ، وكلُّ مالي فهو هديٌّ، وكلُّ مالي في المَساكينِ فليُكفِّرْ يَمينَه». وقالَ حدَّثَنا عارمُ بنُ الفَضلِ ثنا مَعمرُ بنُ سُليمانَ قالَ: قالَ أبي: حدَّثَنا بَكرُ بنُ عَبدِ اللهِ أخبَرَنى أَبو رافعٍ قالَ: قالَت مَولاتي لَيلى بنتُ العَجماءِ: كلُّ مَملوكٍ لها حُرٌّ، وكلُّ مالٍ لها هَديٌّ وهي يَهوديةٌ وهي نَصرانيةٌ إنْ لمْ تُطلِّقِ امرأتَكَ، أو تُفرِّقْ بينَكَ وبينَ امرأتِكَ. قالَ: فأتيتُ زَينبَ بِنتَ أمِّ سَلمةَ وكانَت إذا ذُكرَت امرَأةٌ بالمَدينةِ فَقيهةٌ ذُكرَت زَينبُ، قالَ: فأتيتُها فجاءَت معي إليها، فقالَتْ: في البَيتِ هاروتَ وماروتَ. قالَتْ: يا زَينبُ -جعلَني اللهُ فداكِ- إنَّها قالَتْ: كلُّ مَملوكٍ لها حرٌّ، وكلُّ مالٍ لها هَديٌّ، وهي يَهوديةٌ وهي نَصرانيةٌ، فقالَت: يَهوديةٌ ونَصرانيةٌ خلِّي بينَ الرَّجلِ وبينَ امرَأتِه، فأتيتُ حَفصةَ أمَّ المُؤمِنينَ، فأرسَلَتْ إليها فأتَتْها، فقالَتْ: يا أمَّ المُؤمنينَ -جعلَني اللهُ فداكِ- إنَّها قالَتْ: كلُّ مَملوكٍ لها حرٌّ، وكلُّ مالٍ لها هَديٌّ، وهي يَهوديةٌ، وهي نَصرانيةٌ، فقالَتْ: يَهوديةٌ ونَصرانيةٌ خلِّي بينَ الرَّجلِ وبينَ امرَأتِه. قالَ: فأتيتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ فجاءَ معي إليها، فقامَ على البابِ فسلَّمَ فقالَ: أمِن حِجارةٍ أنتِ أم مِنْ حَديدٍ أنتِ أم مِنْ أيِّ شيءٍ أنتِ؟ أفتَتكِ زَينبُ

стр. 14537

وأفتَتكِ أمُّ المُؤمنينَ فلمْ تَقبلي فُتياها. قالَتْ: يا أَبا عَبدِ الرَّحمنِ -جعلَني اللهُ فداكَ- إنَّها قالَتْ: كلُّ مَملوكٍ لها حرٌّ، وكلُّ مالٍ لها هَديٌّ، وهي يَهوديةٌ وهي نَصرانيةٌ، فقالَ: يَهوديةٌ ونَصرانيةٌ، كفِّري عن يَمينِكِ وخَلِّي بينَ الرَّجلِ وبينَ امرَأتِه. وقالَ الأثرمُ: حدَّثَنا عَبدُ اللهِ بنُ رَجاءٍ أنبأَنا عِمرانُ عن قَتادةَ عن زُرارةَ ابنِ أَبي أَوفى: أنَّ امرَأةً سألَت ابنَ عَباسٍ أنَّ امرَأةً جعلَت بُردَها عليها هديًا إنْ لبسَتْه. فقالَ ابنُ عَباسٍ: في غَضبٍ أم في رِضًى؟ قالوا: في غَضبٍ. قالَ: إنَّ اللهَ ﵎ لا يُتقربُ إليه بالغَضبِ لتُكفِّرْ عن يَمينِها. وقالَ: حدَّثني ابنُ الطَّباعِ ثنا أَبو بَكرِ بنُ عَياشٍ عن العَلاءِ بنِ المُسيبِ عن يَعلى بنِ النَّعمانِ وعِكرمةَ عن ابنِ عَباسٍ: سُئلَ عن رَجلٍ جعَلَ مالَه في المَساكينِ. فقالَ: أمسِكْ عليكَ مالَكَ، وأَنفقْه على عيالِكَ، واقضِ به دينَكَ، وكفِّرْ عن يَمينِكَ. وروي الأَثرمُ عن أَحمدَ حدَّثَنا عَبدُ الرَّزاقِ ثنا بنُ جُريجٍ: سُئلَ عَطاءُ عن رَجلٍ قالَ: عليَّ أَلفُ بَدنةٍ. قالَ: يَمينٌ. وعن رَجلٍ قالَ عليَّ أَلفُ حَجةٍ. قالَ: يَمينٌ. وعن رَجلٍ قالَ: مالي هَديٌ. قالَ: يَمينٌ. وعن رَجلٍ قالَ مالي في المَساكينِ. قالَ: يَمينٌ. وقالَ أَحمدُ: حدَّثَنا عَبدُ الرَّزاقِ أنبأَنا معَمرٌ عن قَتادةَ عن الحَسنِ وجابرِ بنِ زَيدٍ في الرَّجلِ يَقولُ: إنْ لمْ أَفعلْ كذا وكذا فأنا مُحرِمٌ بحَجةٍ. قالا: ليسَ الإِحرامُ إلا على مَنْ نَوى الحَجَّ، يَمينٌ يُكفِّرُها.

стр. 14538

وقالَ أَحمدُ ثنا عَبدُ الرَّزاقِ أنبأَنا مَعمرٌ عن ابنِ طاووسٍ عن أَبيه قالَ: يَمينٌ يُكفِّرُها. وقالَ حَربٌ الكِرمانِيُّ: حدَّثَنا المُسيبُ بنُ واضحٍ ثنا يُوسفُ ابنُ أَبي السَّفرِ عن الأَوزاعيِّ عن عَطاءَ بنِ أَبي رَباحٍ: سألْتُ ابنَ عَباسٍ عن الرَّجلِ يَحلفُ بالمَشي إلى بَيتِ اللهِ الحَرامِ، قالَ: إنَّما المَشي على مَنْ نَواه، فأمَّا مَنْ حلِفَ في الغَضبِ فعليه كَفارةُ يَمينٍ. وأيضًا فإنَّ الاعتِبارَ في الكَلامِ بمَعنى الكَلامِ لا بلَفظِه، وهذا الحالفُ ليسَ مَقصودُه قُربةُ للهِ، وإنَّما مَقصودُه الحَضُّ على فِعلٍ أو المَنعُ منه، وهذا مَعنى اليَمينُ فإنَّ الحالفَ يَقصدُ الحَضَّ على فِعلٍ أو المَنعَ منه، ثُم إذا علَّقَ ذلك الفِعلَ باللهِ تَعالى أجزأَتْه الكَفارةُ فلا تُجزِئُه إذا علَّقَ به وُجوبَ عِبادةٍ أو تَحريمَ مُباحٍ بطَريقِ الأَولى؛ لأنَّه إذا علَّقَه باللهِ ثُم حنِثَ كانَ مُوجِبُ حِنثِه أنَّه قد هتَكَ إِيمانَه باللهِ حيثُ لم يَفِ بعَهدِه، وإذا علَّقَ به وُجوبَ فِعلٍ أو تَحريمَه فإنَّما يَكونُ مُوجِبُ حِنثِه تَركُ واجبٍ أو فِعلُ مُحرَّمٍ، ومَعلومٌ أنَّ الحِنثَ الذي مُوجِبُه خَللٌ في التَّوحيدِ أَعظمُ مما مُوجِبُه مَعصيةٌ مِنْ المَعاصي، فإذا كانَ اللهُ قد شرَعَ الكَفارةَ لإِصلاحِ ما اقتضَى الحِنثَ في التَّوحيدِ فَسادَه ونحوَ ذلك وجبَرَه، فلأنْ يَشرعَ لإِصلاحِ ما اقتضى الحِنثَ فَسادَه في الطاعةِ أَولى وأَحرى. وأيضًا فإنا نَقولُ إنَّ مُوجِبَ صِيغةِ القَسمِ مِثلُ مُوجِبِ صِيغةِ التَّعليقِ، والنَّذرُ نَوعٌ مِنْ اليَمينِ وكلُّ نَذرٍ فهو يَمينٌ، فقَولُ النَّاذرِ: «للهِ عليَّ أن أفعل» بمَنزلةِ قَولِه: «أَحلفُ باللهِ لأَفعلَنَّ» مُوجِبُ هذين القَولين التِزامُ الفِعلِ مُعلَّقًا باللهِ، والدَّليلُ على هذا قَولُ النَّبيِّ: «النَّذرُ حَلفٌ» فقَولُه: «إنْ فعَلْتُ كذا

стр. 14539

فعليَّ الحَجُّ للهِ» بمَنزلةِ قَولِه: إنْ فعَلْتُ كذا فواللهِ لأَحجَنَّ» وطَردُ هذا أنَّه إذا حلِفَ ليَفعلنَّ بِرًّا لزِمَه فِعلُه ولمْ يَكنْ له أنْ يُكفِّرَ، فإنَّ حَلفَه ليَفعلنَّه نَذرٌ لفِعلِه، وكذلك طَردُ هذا أنَّه إذا نذَرَ ليَفعلنَّ مَعصيةً أو مُباحًا فقد حلِفَ على فِعلِها بمَنزلةِ ما لو قالَ: «واللهِ لأَفعَلنَّ كذا»، ولو حلَفَ باللهِ ليَفعلَنَّ مَعصيةً أو مُباحًا لزِمَتْه كَفارةُ يَمينٍ، فكذلك لو قالَ: «للهِ عليَّ أنْ أَفعلَ كذا»، ومِن الفُقهاءِ مِنْ أَصحابِنا وغيرِهم مَنْ يُفرِّقُ بينَ البابينِ» (١). القِسمُ الرابعُ: نَذرُ الطاعةِ والتَّبررِ أيْ: التَّقربِ إلى اللهِ: نَذرُ الطاعَةِ والتَّبررِ له ثَلاثةُ أَنواعٍ: النَّوعُ الأَولُ: نَذرُ المُجازاةِ: نَذرُ المُجازاةِ وهو أنْ يَلتزمَ طاعةً في مُقابلةِ حُدوثِ نِعمةٍ أو اندِفاعِ نِقمةٍ كقَولِه: «إنْ شَفاني اللهُ أو إنْ رزَقَني اللهُ وَلدًا أو مالًا أو عِلمًا، أو شَفى اللهُ مَريضي أو نَجاني اللهُ مِنْ الحَبسِ» وما أشبه «فلله عليَّ صَومُ شَهرٍ أو إِعتاقٌ أو صَلاةٌ أو حجٌّ» مما له أَصلٌ في الوُجوبِ بالشَّرعِ فإنْ حصَلَ المُعلَّقُ عليه بأنْ رزَقَه اللهُ ما رَجا أو دفَعَ عنه ما خافَ لزِمَه الوَفاءُ بما نذَرَه بإِجماعِ أَهلِ العِلمِ. واستدَلوا على ذلك بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ. أما الكِتابُ: فقَولُه تَعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا

стр. 14540

وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥، ٧٧] فذمَّهم اللهُ على تَركِ الوَفاءِ بنَذرِهم وعاقَبَهم على تَركِه. وأما السُّنةُ: فعن ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ امرَأةً رَكبَتْ البَحرَ فنذَرَت إنْ نجَّاها اللهُ أنْ تَصومَ شَهرًا فنَجاها اللهُ فلمْ تَصمْ حتى ماتَت، فجاءَتْ ابنتُها أو أُختُها إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فأمَرَها أنْ تَصومَ عنها» (١). وأما الإِجماعُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ: «يَلزمُ الوَفاءُ به بإِجماعِ أَهلِ العِلمِ» (٢). وقالَ شَيخُ الإِسلامُ ابنُ تَيميةَ ﵀: «فإذا قالَ: «إنْ شَفى اللهُ مَريضى فعليَّ عِتقُ رَقبةٍ أو فعَبدي حُرٌّ» لزِمَه ذلك بالاتِّفاقِ» (٣). النَّوعُ الثانِي: التِزامُ طاعةٍ مِنْ غيرِ شَرطٍ: إذا التَزمَ طاعةً مِنْ غيرِ شَرطٍ كقَولِه ابتِداءً: «للهِ عليَّ صَومُ شَهرٍ أو أنْ أَتصدقَ أو أنْ أَحجَّ أو أَعتمرَ، أو أُصليَ» أو ما جَرى مَجرى هذا مِنْ أَنواعِ القُربِ فيَلزمُه الوَفاءُ به عندَ جَماهيرِ أَهلِ العِلمِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في الصَّحيحِ والحَنابِلةِ، وهو قَولُ أَكثرِ أَهلِ العِلمِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فليُطعْه» (٤). ولمْ يُفرِّقْ، ولأنَّه ألزَمَ

стр. 14541

نَفسَه قُربةً ما، لا على وَجهِ اللِّجاجِ والغَضبِ، فلزِمَه الوَفاءُ به، كما لو نذَرَ أُضحيةً (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه نَذرٌ غيرُ مُنعقِدٍ، ولا يَلزمُه الوَفاءُ به، ولكنْ يُستحبُّ له الوَفاءُ به؛ لأنَّ ما يُلزمُ الإِنسانُ نَفسَه مِنْ الحُقوقِ حَقانِ: حَقٌّ للآدميِّ وحَقٌّ للهِ، ثُم وجدْنا أنَّ حَقَّ الآدميِّ يَلزمُ عليه إذا كانَ بعِوضٍ، وهو عُقودُ المُعاوضاتِ، وأمَّا ما كانَ بغِيرِ عِوضٍ كالهِبةِ فلا يَلزمُ عليه بالقَولِ مِنْ غيرِ قَبضٍ، فكذلك حُقوقُ اللهِ تعالى. ولأنَّ النَّذرَ عندَ العَربِ وَعدٌ بشَرطٍ فكانَ عُرفُ اللِّسانِ فيه مُستعملًا (٢).

стр. 14542

النَّوعُ الثَّالثُ: نَذرُ طاعةٍ لا أَصلَ لها في الوُجوبِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن نذَرَ نَذرَ طاعةٍ لا أَصلَ له في الوُجوبِ كالاعتِكافِ وعيادةِ المَريضِ هل يَلزمُ الوَفاءُ به أم يُشترطُ أنْ يَكونَ المَنذورُ قُربةً للهِ تَعالى مِنْ جِنسِها واجبٌ كالصَّلاةِ والصَّومِ والحجِّ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابِلةُ وعامَّةُ أَهلِ العِلمِ إلى أنَّه يَصحُّ نَذرُ القُربةِ وإنْ لمْ يَكنْ مِنْ جِنسِه واجبٌ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فليُطعْه» (١). وذمَّ الذين يَنذرونُ ولا يُوفونَ بقَولِه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥، ٧٧] فذَّمَهم اللهُ على تَركِ الوَفاءِ بنَذرِهم وعاقَبَهم على تَركِه. ورَوى نَافعٌ عن عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ أنَّه قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي نذَرْتُ في الجاهليةِ أنْ أَعتكفَ ليلةً في المَسجدِ الحَرامِ، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «أوفِ نَذرَكَ، فاعتكَفَ ليلةً» (٢). ولأنَّه ألزَمَ نَفسَه قُربةً على وَجهِ التَّبرُّرِ فتلزَمُه كمَوضعِ الإِجماعِ وكما لو ألزَمَ نَفسَه أُضحيةً أو أوجَبَ هَديًا وكالاعتِكافِ وكالعُمرةِ فيَصحُّ نَذرُها وليسَتْ واجبةً عندَ الحَنفيةِ (٣).

стр. 14543

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّه يُشترَطُ في النَّذرِ أنْ يَكونَ قُربةً مَقصودةً مِنْ جِنسِها واجبٌ كالصَّومِ والصَّلاةِ والحَجِّ والعِتقِ والصَّدقةِ ونَحوِها، وأمَّا ما ليسَ مِنْ جِنسِه واجبٌ كالتَّسبيحِ وعيادةِ المرَضى وتَشييعِ الجَنائزِ والوُضوءِ والاغتِسالِ ودُخولِ المَسجدِ ومَسِّ المُصحفِ والأَذانِ وبِناءِ الرِّباطاتِ والمَساجدِ وغيرِ ذلك- فلا يَصحُّ وإنْ كانَتْ قُربًا؛ لأنَّها ليسَتْ بقُربٍ مَقصودةٍ، والأَصلُ فيه أنَّ إِيجابَ العَبدِ مُعتبَرٌ بإِيجابِ اللهِ تَعالى؛ إذ لا وِلايةَ له على الإِيجابِ ابتداءً، وإنَّما صحَّحْنا إِيجابَه في مِثلِ ما أوجَبَه اللهُ تَعالى تَحصيلًا للمَصلحةِ المُتعلِّقةِ بالنَّذرِ (١). القِسمُ الخامسُ: نَذرُ المَباحِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ نذَرَ نَذرًا مُباحًا كمَن نذَرَ أنْ يَأكلَ شَيئًا مُعينًا أو لا يَأكلَه، أو يَمشيَ أو لا يَمشيَ، أو يَشربَ أو لا يَشربَ، أو يُجامِعَ أو لا يُجامِعَ، ونَحوُ ذلك، أو نذَرَ أنْ يُطلِّقَ امرَأتَه على وَجهٍ مُباحٍ، هل يَصحُّ

стр. 14544

أو لا يَصحُّ ويَكونُ مُخيَّرًا بينَ فِعلِه وبينَ الكَفارةِ أم لا يَلزمُ الوَفاءُ به ولا تَجبُ عليه كَفارةٌ ولا شيءَ؟ فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ نذَرَ نَذرًا مُباحًا كلُبسِ الثَّوبِ ورُكوبِ الدابةِ وطَلاقِ المَرأةِ على وَجهٍ مُباحٍ فإنَّه مُخيَّرٌ بينَ الوَفاءِ به وبينَ كَفارةِ يَمينٍ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا نَذرَ إلا فيما ابتُغيَ به وَجهُ اللهِ» (١). فإنْ لمْ يَفِ فعليه كَفارةٌ لمَا روَتْ عائشةُ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «لا نَذرَ في مَعصيةٍ وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٢). وإذا وجبَتْ الكَفارةُ في المَعصيةِ ففي المُباحِ أَولى. وإنْ وَفَّى به أجزَأَه لمَا رواه أَبو داودَ: «أنَّ امرَأةً قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي نذَرْتُ أنْ أَضربَ على رَأسكِ بالدُّفِ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَوفي بنَذرِكَ» (٣). وإنْ تضمَّنَ خِصالًا كَثيرةً أجزَأَتْه كَفارةٌ واحدةٌ كاليَمينِ (٤). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ وأَحمدُ في قَولٍ إلى أنَّ مَنْ نذَرَ ما ليسَ بطاعةٍ ولا قُربةٍ كقولِه: «لله عليَّ أنْ أَدخلَ البَصرةَ أو لا أَدخلَها، أو آكلَ لَذيذًا، أو لا آكلَه، أو أَلبسَ جَديدًا، أو لا أَلبسَه» فليسَ في

стр. 14545

فِعلٍ شيءٍ مِنْ هذا ولا في تَركِه طاعةٌ للهِ تعالى، ولا قُربةٌ إليه ولا يَلزمُه فِعلُه ولا كَفارةَ عليه؛ لأنَّه قد أَباحَ فِعلَه وتَركَه فاستوى الأَمرانِ في الحُكمِ عندَه، ولمَا رواه البُخاريُّ عن عِكرِمةَ عن بنِ عبَّاسٍ قالَ: «بيْنَا النَّبيُّ ﷺ يَخطبُ إذا هو برَجلٍ قَائمٍ فسأَلَ عنه فقالُوا: أَبو إِسرائيلَ نذَرَ أنْ يَقومَ ولا يَقعدَ، ولا يَستظلَّ، ولا يَتكلمَ، ويَصومَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مُرهُ فليَتكلمْ وليَستَظلَّ وليَقعدْ وليُتمَّ صَومَه» (١). فأخبَرَه بإِتمامِ العِبادةِ ونهاه عن فِعلِ المُباحِ ولمْ يَأمرْه بكَفارةٍ. وعن حُميدٍ عن أَنسٍ قالَ نذَرَتِ امرَأةٌ أنْ تَمشيَ إلى بَيتِ اللهِ فسُئلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ عن ذلك فقالَ: «إنَّ اللهَ لغَنيٌّ عن مَشيها مرُوها فلتَركَبْ» (٢). وعن ثابتٍ البُنانيِّ عن أَنسِ بنِ مالكٍ: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رَأى رَجلًا يُهادَى بينَ ابنيه فسأَلَ عنه، فقَالُوا: نذَرَ أنْ يَمشيَ. فقالَ: «إنَّ اللهَ لغَنيٌّ عن تَعذيبِ هذا نَفسَه وأمَرَه أنْ يَركبَ» (٣). ولمْ يَأمرْه بكَفارةٍ، ولأنَّه نَذرٌ غيرُ مُوجِبٍ لفِعلِ ما نذَرَه فلمْ يُوجِبْ كَفارةً كنَذرِ المُستحيلِ. فإنْ جمَعَ بينَ مُباحٍ ومَندوبٍ لزِمَه الوَفاءُ بالمَشروعِ، وحُكمُه في المُباحِ كما لو انفَردَ، ولحَديثِ أبي إِسرائيلَ (٤).

стр. 14546

القِسمُ السادسُ: نَذرُ المَكروهِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ نذَرَ نَذرًا مَكروهًا كمَن نذَرَ أنْ يُصليَ بعدَ الفَجرِ، وبعدَ العَصرِ، أو نذَرَ أنْ يَأكلَ ثُومًا أو بَصلًا، أو أنْ يُطلقَ زَوجتَه، هل يَنعقدُ هذا النَّذرُ أم لا يَنعقدُ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ نَذرَ المَكروهِ لا يَنعقدُ، ولا يَلزمُ الوَفاءُ به، لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا نَذرَ إلا فيما ابتُغيَ به وَجهُ اللهِ» (١). وهذا لمْ يُبتغَ به وَجهُ اللهِ تَعالى. ولمَا رواه البُخاريُّ عن عِكرِمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: بيْنَا النَّبيُّ ﷺ يَخطبُ إذا هو برَجلٍ قَائمٍ فسأَلَ عنه، فقالُوا: أَبو إِسرائيلَ نذَرَ أنْ يَقومَ ولا يَقعدَ، ولا يَستظلَّ، ولا يَتكلمَ، ويَصُومَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مُره فليَتكلَّم، وليَستظلَّ، وليَقعدْ وليُتمَّ صَومَه» (٢). فإنَّه نذَرَ أَفعالًا تُكرَه المُداومةُ

стр. 14547

عليها وقد تَحرمُ، ولمْ يَأمرْه النَّبيُّ بكَفارةٍ، ولو كانَ مُنعقدًا لأمَرَه بالكَفارةِ (١). قالَ الحَنفيةُ: يُشترَطُ في النَّذرِ أنْ يَكونَ قُربةً فلا يَصحُّ النَّذرُ بما ليسَ بقُربةٍ ولا بالمُباحِ كالأَكلِ والشُّربِ والجِماعِ أو للهِ عليَّ أنْ أُطلقَ امرأَتي. ويُشترطُ أنْ يَكونَ قُربةً مَقصودةً مِنْ جِنسِها واجبٌ كالصَّومِ والصَّلاةِ والحَجِّ، وأمَّا ما ليسَ مِنْ جِنسِها واجبٌ كتَشييعِ الجِنازةِ وعيادةِ المَريضِ فلا يَصحُّ النَّذرُ به. إلا أنَّه لو نذَرَ ما جِنسُه واجبٌ في وَقتٍ مَكروهٍ كصَلاةِ رَكعتينِ في الوَقتِ المَكروهِ جازَ له الأَداءُ فيه، والأَفضلُ أنْ يُصليَه في غيرِه (٢). وقالَ المالِكيةُ: يَحرمُ نَذرُ المَكروهِ والمُباحِ؛ لأنَّه عظَّمَ ما لمْ يُعظمْه الشَّرعُ نَحوُ: «للهِ عليَّ»، أو: «إنْ كلَّمْتُ زَيدًا لأُصلينَّ رَكعتينِ بعدَ فَرضِ العَصرِ أو الصُّبحِ، أو لأَقرأنَّ في السِّريةِ بالجَهرِ أو العَكسِ». وليسَ مِنْ المَكروهِ نَذرُ صَومِ رابعِ يَومِ النَّحرِ، ونَذرُ الإِحرامِ بالحَجِّ قبلَ أَشهرِه، ونَذرُ ما يَشقُّ فعلُه مِنْ صَلاةٍ أو صَومٍ، فإنَّ هذه المَذكوراتِ يَجبُ الوَفاءُ بنَذرِها؛ لأنَّ كَراهتَها لا لذاتِها، بخِلافِ نَذرِ صَلاةِ رَكعتينِ بعدَ الفَراغِ مِنْ صَلاةِ العَصرِ أو بعدَ طُلوعِ الفَجرِ فإنَّه لا يَلزمُ الوَفاءُ بنَذرِهما، وإنْ

стр. 14548

كَرها، لئلَّا يَتطرقَ النَّاذرُ بفِعلِهما إلى إيقاعِهما في وَقتِ الطُّلوعِ أو الغُروبِ، ومِن المَكروهِ الذي يَجبُ الوَفاءُ به نَذرُ يَومٍ مُكرَّرٍ ككلِّ خَميسٍ (١). وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: «تَنبيهٌ: سكَتَ المُصنفُ عن نَذرِ المَكروهِ كصَومِ الدَّهرِ غيرِ العيدِ والتَّشريقِ لمَن خافَ به ضَررًا أو فَوتَ حَقٍّ هل يَنعقدُ أو لا؟ قالَ في المَجموعِ: «يَنعقدُ ويَلزمُ الوَفاءُ به بلا خِلافٍ». قالَ الزَّركشيُّ: «وليسَ كما قالَ بل كَلامُ المُتولي يُفهمُ عَدمَ الانعِقادِ وأشارَ إليه الرَّافعيُّ تَفقهًا؛ لأنَّ النَّذرَ تَقرُّبٌ والمَكروهُ لا يُتقربُ به، وهذا هو المُختارُ» اه. وهذا ظاهرٌ؛ لأنَّ المُباحَ لا يَنعقدُ فالمَكروهُ بطَريقِ الأَولى. أمَّا إذا لمْ يَخفْ به فَوتَ حَقٍّ ولا ضَررَ عليه فيَنعقدُ، فإذا نذَرَ صومًا بعدَه لمْ يَنعقدْ؛ لأنَّ الزَّمنَ مُستحِقٌّ لغيرِه ويُستثنى مِنْ صِحةِ نَذرٍ صَومِ الدَّهرِ رَمضانُ أَداءً وقَضاءً والعيدانِ وأَيامُ التَّشريقِ والحَيضُ والنُّفاسُ وكَفارةٌ تقدَّمَتْ نَذرَه فإنْ تَأخرَّتْ عنه صامَ عنها وفَدى عن النَّذرِ ويَقضي فائتَ رَمضانَ ثُم إنْ كانَ فَواتُه بلا عُذرٍ فَدى عن صَومِ النَّذرِ قَضاءَ ما يُفطرُه مِنْ الدَّهرِ، فإنْ أفطَرَ فيه فإنْ كانَ لعُذرٍ كسَفرٍ ومَرضٍ فلا فِديةَ عليه، وإنْ كانَ سَفرَ نُزهةً وإلا وجَبَت الفِديةُ عليه لتَقصيرِه، ولو أرادَ وليُّه الصَّومَ عنه حيًّا لمْ يَصحَّ

стр. 14549

سواءٌ أكانَ بِرًّا أم لا، عجَزَ أم لا، على المُعتمدِ، ولو منَعَ المرأةَ زوجُها مِنْ صَومِ الدَّهرِ المَنذورِ بحَقٍّ سقَطَ الصَّومُ عنها ولا فِديةَ، أو بغيرِ حَقٍّ فلا يَسقطُ الصَّومُ عنها وعليها الفِديةُ إنْ لمْ تَصمْ، وإنْ أذِنَ لها فيه فلمْ تَصمْ تَعديًا فدَتْ. فُروعٌ: لا يَنعقدُ نَذرُ صَومِ يَومِ الشَّكِّ ولا الصَّلاةُ في الأَوقاتِ المَكروهةِ في غيرِ حَرمِ مَكةَ وإنْ صحَّ فِعلُ المَنذورِ فيهما، ولا نَذرُ التَّيممِ لأنَّه إنَّما يُؤتى به عندَ الضَّرورةِ، ويُؤخذُ مِنْ ذلك أنَّه إذا كانَ لغيرِ ضَرورةٍ كالتَّيممِ عن الغُسلِ المَندوبِ أنَّه يَصحُّ ولا يَصحُّ نَذرُ الغُسلِ لكلِّ صَلاةٍ بِناءً على الأَصحِّ مِنْ أنَّه لا يُسنُّ تَجديدُه وإنْ نذَرَ الوُضوءَ صحَّ وحُملَ على التَّجديدِ المَشروعِ وهو أنْ يَكونَ صَلى بالأولِ صَلاةً ما، وإنْ نذَرَ لكلِّ صَلاةٍ لزِمَه ويَكفيه في خُروجِه عن عُهدةِ نَذرِه وُضوءُ الحَدثِ كما مرَّتِ الإِشارةُ إليه، ولو نذَرَ صَومَ رَمضانَ في السَّفرِ انعَقدَ إنْ لمْ يَتضرَّرْ به وإلا فلا. أو نذَرَ القيامَ في الفَرضِ في المَرضِ إنْ تضرَّرَ بذلك لمْ يَنعقدْ وإلا انعَقدَ أو نذَرَ القيامَ في النَّفلِ عندَ عَدمِ الضَّررِ انعقَدَ. ولو نذَرَ الصَّومَ وشرَطَ ألَّا يُفطرَ في المَرضِ لمْ يَلزمْه الوَفاءُ به في المَرضِ؛ لأنَّ الواجبَ بالنَّذرِ لا يَزيدُ على الواجبِ بالشَّرعِ، وإنْ نذَرَ ألَّا يَفرَّ مِنْ جَماعةٍ مِنْ الكُفارِ وقدَرَ على مُقاومتِهم انعَقدَ نَذرُه وإلا فلا (١). ثُم قالَ: تَنبيهٌ: يُؤخذُ مما ذكَرَه المُصنِّفُ أنَّ نَذرَ صَومِ يَومِ الجُمُعةِ مُنفردًا يَنعقدُ وبه قالَ بعضُ المُتأخِّرينَ، وهو إنَّما يَأتي على قَولِ صَحةِ نَذرِ المَكروهِ كما مرَّ عن المَجموعِ، وأمَّا على المَشهورِ في المَذهبِ مِنْ أنَّ نَذرَ

стр. 14550

المَكروهِ لا يَصحُّ كما مرَّ فلا يَأتي إلا أنْ يُؤوَّلَ بأنَّه كانَ نذَرَ صَومَ يَومينِ مُتواليَينِ وصامَ أَحدَهما ونسِيَ الآخرَ فإنَّه حينَئذٍ لا كراهةَ، ويَصدقُ عليه أنَّه نذَرَ صَومَ يَومٍ مِنْ أُسبوعٍ ونسِيَه، وهذا تَأويلٌ ربما يَتعينُ ولا يَتوقفُ فيه إلا قَليلُ الفَهمِ أو مُعاندٌ» (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ -كما تقدَّمَ- والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى انعقادِ نَذرِ المَكروهِ فيَصحُّ عندَهم معَ الكَراهةِ. قالَ الحَنابِلةُ: إنْ نذَرَ مَكْروهًا مِنْ طَلاقٍ أو غيرِه أو أَكلَ ثُومٍ أو بَصلٍ أو تَركَ سُنةً فيُستحبُّ له أنْ يُكفِّرَ كَفارةَ يَمينٍ، ليَخرجَ مِنْ عُهدةِ النَّذرِ ولا يَفْعلَه؛ لأنَّ تَركَ المَكروهِ أَولى مِنْ فِعلِه، وإنْ فعَلَه فلا كَفارةَ؛ لأنَّه وَفَّى بنَذرِه (٢). القِسمُ السابعُ: نَذرُ الواجبِ العَينيِّ: نصَّ عامةُ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ على أنَّ نَذرَ الواجبِ العَينيِّ كنَذرِ الصَّلاةِ المَكتوبةِ وصَومِ رَمضانَ وحجِّ الفَريضةِ لا يَنعقدُ؛ لأنَّ هذه الواجباتِ واجبةٌ بإيجابِ الشَّرعِ فلا مَعنى لالتِزامِها؛ لأنَّ النَّذرَ التِزامٌ ولا يَصحُّ التِزامُ ما هو لازمٌ له، ولا كَفارةَ فيه عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في الصَّحيحِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ (٣).

стр. 14551

وذهَبَ الحَنابِلةُ في احتِمالٍ -وقيلَ هو قياسُ المَذهبِ وحَكاه ابنُ مُفلحٍ أنَّه الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ- أنَّه يَنعقدُ نَذرُه مُوجبًا كَفارةَ يَمينٍ إنْ ترَكَه كما لو حلِفَ على فِعلِه؛ فإنَّ النَّذرَ كاليَمينِ وقد سمَّاه النَّبيُّ ﷺ يَمينًا، وكذلك لو نذَرَ مَعصيةً أو مُباحًا لمْ يَلزمْه ويُكفِّرُ إذا لم يَفعلْه (١). وهو أيضًا قَولٌ للشافِعيةِ، قالَ النَّوويُّ في «الرَّوضَة»: «الواجِباتُ، فلا يَصحُّ نَذرُها؛ لأنَّها واجبةٌ بإِيجابِ الشَّرعِ، فلا مَعنى لالتِزامِها، وذلك كنَذرِ الصَّلواتِ الخَمسِ، وصَومِ رَمضانَ، وكذا لو نذَرَ ألَّا يَشربَ الخَمرَ، ولا يَزنِيَ. وسواءٌ علَّقَ ذلك بحُصولِ نِعمةٍ، أو التزَمَه ابتداءً. وإذا خالفَ ما ذكَرَه ففي لُزومِ الكَفارةِ ما سبَقَ في قِسمِ المَعصيةِ -وهو أنَّه لا كَفارةَ- وادَّعى صاحبُ التَّهذيبِ أنَّ الظَّاهرَ هنا وُجوبُها» (٢). القِسمُ الثَّامنُ: نَذرُ المُستحيلِ أو غيرِ مُتصوَّرِ الوُجودِ: نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ -وهو مُقتضى كَلامِ المالِكيةِ والشافِعيةِ- على أنَّ نَذرَ المُستحيلِ -وهو نَذرُ ما يُحيلُ العَقلُ أو

стр. 14552

الشَّرعُ تَحققَه-، ومثالُ الأَولِ: نَذر صِيامِ أَمسِ أو اعتِكافِ شَهرٍ مَضى، ومِثالُ الثانِي: نَذرُ المَرأةِ صيامَ أيامِ حَيضِها، أو نَذرُ صِيامِ اللَّيلِ لأنَّ اللَّيلَ ليسَ مَحلًّا للصَّومِ والحَيضُ مُنافٍ له شَرعًا؛ إذ الطَّهارةُ عن الحَيضِ والنِّفاسِ شَرطُ وُجودِ الصَّومِ الشَّرعيِّ، فإذا نذَرَ هذا فإنَّه لا يَنعقدُ مثلُ هذا ولا يُوجبُ شَيئًا لأنَّه لا يُتصوَّرُ انعِقادُه ولا الوَفاءُ به، ولو حلِفَ على فِعلِه لمْ تَلزمْه كَفارةٌ فالنَّذرُ أَولى (١). وفي احتِمالٍ للحَنابلةِ أنَّه يُوجبُ الكَفارةَ كيَمينِ الغَموسِ؛ لأنَّ النَّذرَ يَمينٌ وموُجِبُه مُوجِبُها إلا في لُزومِ الوَفاءِ به إذا كانَ قُربةً وأمكَنَه فِعلُه (٢). مَنْ نذَرَ نَذرًا لا يُطيقُه أو عجَزَ عنه بعدَ قُدرتِه: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ نذَرَ طاعةً لمْ يُطقْ على أَدائِها ابتداءً أو كانَ قادرًا عليها ثُم عجَزَ عن أَدائِها بعدَ ذلك ما الذي يَجبُ عليه؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الوَفاءَ بالمَنذورِ به نَفسِه حَقيقةً إنَّما يَجبُ عندَ الإِمكانِ، فأمَّا عندَ التَّعذرِ فإنَّما يَجبُ الوَفاءُ به تَقديرًا بخَلفِه؛ لأنَّ الخَلفَ يَقومُ مَقامَ الَاصلِ كأنَّه هو كالتُّرابِ حالَ عَدمِ الماءِ، والَاشهرُ حالَ عَدمِ الأَقراءِ حتى لو نذَرَ الشَّيخُ الفانِي بالصومِ يَصحُّ نَذرُه وتَلزمُه الفِديةُ لأنَّه عاجزٌ عن الوَفاءِ بالصَّومِ حقيقةً فيَلزمُه الوَفاءُ به تَقديرًا بخَلفِه ويَصيرُ كأنَّه صامَ.

стр. 14553

وعلى هذا يُخرَّجُ أيضًا النَّذرُ بذَبحِ الوَلدِ أنَّه يَصحُّ عندَ اَبي حَنيفةَ عليه الرَّحمةُ ومُحمدٌ ﵀، ويَجبُ ذَبحُ الشَّاةِ لأنَّه إنْ عجَزَ عن تَحقيقِ القُربةِ بذَبحِ الوَلدِ حَقيقةً لمْ يَعجزْ عن تَحقيقِها بذَبحِه تَقديرًا بذَبحِ خَلفِه وهو الشاةُ كما في الشَّيخِ الفانِي إذا نذَرَ بالصَّومِ (١). إلا أنَّي وجَدْتُ في كِتابِ «المُعتصَرِ من المُختصَرِ مِنْ مُشكلِ الآثارِ» للإِمامِ يُوسفَ المَلَطيِّ الحَنفيِّ: «ولو كانَ النَّذرُ مما يَصحُّ فِعلُه شَرعًا فعجَزَ عن ذلك لضَعفِه يَجبُ عليه الكَفارةُ كما يُؤمرُ الحالفُ بالكَفارةِ إذا حنِثَ فيها قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «كَفارةُ النَّذرِ كَفارةُ اليَمينِ» (٢). على ما رَوى ابنُ عَباسٍ قالَ: «جاءَ رَجلٌ فقالَ يا رَسولَ اللهِ إنَّ أُختي نذَرَتْ أنْ تَحجَّ ماشيةً فقالَ: إنَّ اللهَ لا يَصنعُ بشَقاءِ أُختِكَ شَيئًا لتَحجَّ راكِبةً وتُكفِّرْ يَمينَها». ورَوى زيادةَ تَفسيرٍ فيه بيانُ المُوجِبِ للكَفارةِ، وهو ما رَوى عن عُقبةَ بنِ عامرٍ الجُهنيِّ: أنَّ أُختَه نذَرَتْ أنْ تَمشيَ إلى الكَعبةِ حافيةً غيرَ مُتخمِرةٍ فذكَرَ ذلك عُقبةُ لرَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: «مُر أُختَكَ فلتَركبْ ولتَختمرْ ولتَصمْ ثَلاثةَ أَيامٍ» وكانَ كَشفُها وَجهَها حَرامًا فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ بالكَفارةِ لمَنعِ الشَّريعةِ إيَّاها منه، وهو على ما زادَه بعضُ الرُّواةِ مِنْ قَولِه: «ويُكفِّرُ يَمينَه فيمَن نذَرَ أنْ يَعصيَ اللهَ». وعليها معَ ذلك الهَديُ لرُكوبِها فيما نذَرَتْ مِنْ المَشي، يُبينُ ذلك أنَّ الحَديثَ قد رُويَ مِنْ رِوايةِ ابنِ عباسٍ عن عُقبةَ: «أنَّه أَتى النَّبيَّ ﷺ فأخبَرَه أنَّ أُختَه

стр. 14554

نذَرَتْ أنْ تَمشيَ إلى الكَعبةِ حافيةً ناشرةً شَعرَها، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «مُرْها فلتَركبْ وتُخمرْ رَأسَها ولتُهدِ هَديًّا» فأوجَبَ عليها الهَديَ لمَكانِ المَشي الذي نذَرَتْه وهو مِنْ الطَّاعاتِ فعجَزَتْ عنه كما يُؤمَرُ به مَنْ قصَّرَ في شَيءٍ مِنْ حَجِّه، وسكَتَ فيه عن الكَفارةِ لمَا نذَرَتْه مِنْ المَعصيةِ في كَشفِ رَأسِها، وأوجَبَ عليها في الحَديثِ الأَولِ الكَفارةَ لمَا نذرَته مِنْ المَعصيةِ في كَشفِ رَأسِها وسكَتَ عن وُجوبِ الهَدي عليها لعَجزِها عن المَشي» (١). وقالَ المالِكيةُ: «مَنْ التزَمَ بالنَّذرِ ما لا يُطيقُه كانَ حرامًا عليه» (٢). ولمْ أَقفْ لهم على قَولٍ بخُصوصِ إذا عجَزَ عنه ماذا عليه. وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: «مَنْ نذَرَ ما لا يُطيقُ أنْ يَعملَه بحالٍ؛ سقَطَ النَّذرُ عنه؛ لأنَّه لا يَملكُ أنْ يَعملَه فهو كما لا يَملكُ مما سِواه» (٣). وقالَ الشافِعيةُ: مَنْ نذَرَ حَجًّا أو عُمرةً لزِمَه أنْ يَفعلَ ذلك بنَفسِه إنْ كانَ قادرًا على ذلك بنَفسِه، فإنْ كانَ عاجزًا عن الحَجِّ أو العُمرةِ بنَفسِه استنابَ مَنْ يَحجُّ عنه أو يَعتمرُ ولو بأُجرةٍ، كما يَجبُ عليه ذلك في حَجةِ الفَريضةِ إذا عجَزَ عن أَدائِها بنَفسِه استنابَ مَنْ يَحجُّ عنه. ويَندبُ تَعجيلُه بالوَفاءِ بما نذَرَه، في أَولِ فُرصةٍ تَسنحُ له؛ مُبادرةً إلى بَراءةِ ذِمتِه.

стр. 14555

فإنْ تمكَّنَ مِنْ الحَجِّ أو العُمرةِ فأخَّرَ أَداءَها فماتَ حُجَّ عنه أو اعتُمرَ مِنْ مالِه؛ لتَقصيرِه بعدَ حُصولِ التَّمكنِ. أمَّا إذا ماتَ قبلَ التَّمكنِ مِنْ الحَجِّ أو العُمرةِ فلا شَيءَ عليه لعَدمِ تَقصيرِه حينَئذٍ. وإنْ نذَرَ أنْ يَحجَّ أو يَعتمرَ ماشيًا لزِمَه المَشيُ إنْ كانَ قادرًا على المَشيِ؛ لأنَّه التزَمَ جَعلَ المَشيِ وَصفًا للعِبادةِ، فهو كما لو نَذرَ أنْ يَصومَ مُتتابِعًا. أمَّا إذا لمْ يَكنْ قادرًا على المَشيِ فإنَّه لا يَلزمُه المَشيُ، بل يَجوزُ له الرُّكوبُ لعَجزِه عن المَشيِ. فعن عُقبةَ بنِ عامرٍ قالَ: «نذَرَتْ أُختِي أنْ تَمشيَ إلى بَيتِ اللهِ، وأمَرَتْني أنْ أَستفتيَ لها النَّبيَّ ﷺ ، فاستَفتَيتُه»، فقالَ ﷺ : «لتَمشِ، ولتَركبْ» (١). ومعناه لتَمشِ إذا قدَرَتْ وتَركبْ إذا عجَزَتْ أو شَقَّ عليها المَشيُ. ومَن نذَرَ صَلاةً أو صَومًا أو اعتِكافًا في وَقتٍ مُعيَّنٍ فعجَزَ عن أَداءِ هذه القُربِ فيه، لزِمَه القَضاءُ ولا تَجبُ عليه كَفارةٌ للتَّأخيرِ عن هذا الوَقتِ المُعيَّنِ، وإنْ نذَرَ صَدقةً فأعسَرَ بها سقَطَ عنه النَّذرُ ما دامَ مُعسِرًا فإذا أَيسرَ بعدَ ذلك وجَبَ أَداؤُها، وإنْ نذَرَ حجًّا في سَنةٍ مُعيَّنةٍ فمنَعَه مَرضٌ أو نَحوُه قبلَ الإِحرامِ؛ فلا قَضاءَ عليه، وكذلك لا قَضاءَ لو كانَ مَعضوبًا وَقتَ النَّذرِ

стр. 14556

أو طرأَ العَضبُ ولمْ يَجدِ المالَ حتى مضَتِ السَّنةُ المُعيَّنةُ، فإنْ منَعَه المَرضُ بعدَ الإِحرامِ فالمَذهبُ الذي قطَعَ به الجُمهورُ وُجوبُ القَضاءِ، وكذلك الحُكمُ إذا امتنَعَ الحَجُّ في ذلك العامِ بعدَ الاستِطاعةِ. والدَّليلُ على وُجوبِ قَضاءِ الصَّومِ والصَّلاةِ دونَ الحَجِّ؛ لأنَّ الوَاجبَ بالنَّذرِ كالواجبِ بالشَّرعِ، وقد تَجبُ الصَّلاةُ والصَّومُ معَ العَجزِ فلزِما بالنَّذرِ، والحَجُّ لا يَجبُ إلا عندَ الاستِطاعةِ فكذا حُكمُ النَّذرِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ نذَرَ طاعةً لا يُطيقُها أو كانَ قادرًا عليها فعجَزَ عنها فعليه كَفارةُ يَمينٍ لمَا رَوى عُقبةُ بنُ عامرٍ ﵁ أنَّه قالَ: «نذَرَتْ أختِي أنْ تَمشيَ إلى بَيتِ اللهِ حافيةً فأَمَرَتْني أنْ أَستَفتيَ لها رَسولَ اللهِ ﷺ فاستَفتَيتُه» فقالَ: «لتَمشِ ولتَركبْ» (٢). ولأَبي داودَ: «ولتُكفرْ عن يَمينِها» (٣) وفي رِوايةٍ: «ولتَصمْ ثَلاثةَ أَيامٍ» (٤). وعن عائشةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا نَذرَ في مَعصيةٍ، وكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٥).

стр. 14557

وعن ابنِ عَباسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ نذَرَ نَذرًا لمْ يُسمِّه فَكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ، ومَن نَذرَ نَذرًا في مَعصيةٍ فَكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ، ومَن نذَرَ نَذرًا لا يُطيقُه فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ، ومَن نذَرَ نَذرًا أطاقَه فليَفِ به» (١). فإذا كفَّرَ وكانَ المَنذورُ غيرَ الصيامِ لمْ يَلزمْه شيءٌ آخرُ، وإنْ كانَ صيامًا فعن أَحمدَ رِوايتانِ: إِحداهما: يَلزمُه لكلِّ يَومٍ إِطعامُ مِسكينٍ وهي المَذهبُ؛ لأنَّه صَومٌ وُجدَ سَببُ إيجابِه عَينًا، فإذا عجَزَ عنه لزِمَه أنْ يُطعمَ عن كلِّ يَومٍ مِسكينًا كصيامِ رَمضانَ، ولأنَّ المُطلَقَ مِنْ كَلامِ الآدميينَ يُحملُ على المَعهودِ شَرعًا ولو عجَزَ عن الصَّومِ المَشروعِ أطعَمَ عن كلِّ يَومٍ مِسكينًا، وكذلك إذا عجَزَ عن الصَّومِ المَنذورِ. والثانيةُ: لا يَلزمُه شيءٌ آخرُ مِنْ إِطعامٍ ولا غيرِه؛ لقَولِه ﵇: «ومَن نذَرَ نَذرًا لا يُطيقُه فكَفارتُه كَفارةُ يَمينٍ» (٢) وهذا يَقتضي أنْ تَكونَ كَفارةُ اليَمينِ جَميعَ كَفارتِه، ولأنَّه نَذرٌ عجَزَ عن الوَفاءِ به فكانَ الواجبُ فيه كَفارةُ يَمينٍ كسائرِ النُّذورِ، ولأنَّ مُوجِبَ النَّذرِ مُوجِبُ اليَمينِ إلا معَ إِمكانِ الوَفاءِ به إذا كانَ قُربةً، قالَ ابنُ قُدامةُ ﵀: «ولا يَصحُّ قياسُه على صَومِ رَمضانَ لوَجهينِ: أَحدُهما: أنَّ رَمضانَ يُطعمُ عنه عندَ العَجزِ بالمَوتِ فكذلك في الحَياةِ، وهذا بخِلافِه، ولأنَّ صَومَ رَمضانَ آكدٌ بدَليلِ وُجوبِ الكَفارةِ بالجِماعِ فيه وعِظمِ إِثمِ مَنْ أفطَرَ بغيرِ عُذرٍ.

стр. 14558

والثانِي: أنَّ قياسَ المَنذورِ على المَنذورِ أَولى مِنْ قياسِه على المَفروضِ بأَصلِ الشَّرعِ، ولأنَّ هذا قد وجَبَتْ فيه كَفارةٌ فأجزَأَتْ عنه بخِلافِ المَشروعِ. وقَولُهم: «إنَّ المُطلَقَ مِنْ كَلامِ الآدميِّ مَحمولٌ على المَعهودِ في الشَّرعِ». قلْنا ليسَ هذا بمُطلَقٍ، وإنَّما هو مَنذورٌ مُعيَّنٌ ويَتخرجُ ألَّا تَلزمُه كَفارةٌ في العَجزِ عنه كما في العَجزِ الواجبِ بأَصلِ الشَّرعِ. فصلٌ: وإنْ عجَزَ لعارضٍ يُرجى زَوالُه مِنْ مَرضٍ أو نحوِه انتظَرَ زَوالَه ولا تَلزمُه كَفارةٌ ولا غيرُها لأنَّه لمْ يَفتِ الوَقتُ فيُشبُه المَريضَ في شَهرِ رَمضانَ فإنِ استَمرَّ عَجزُه إلى أنْ صارَ غيرَ مَرجوِّ الزَّوالِ صارَ إلى الكَفارةِ والفِديةِ على ما ذكَرْنا مِنْ الخِلافِ فيه، فإنْ كانَ العَجزُ المَرجوُّ الزَّوالِ عن صَومٍ مُعيَّنٍ فاتَ وَقتُه انتظَرَ الإِمكانَ ليَقضيَه، وهل تَلزمُه لفَواتِ الوَقتِ كَفارةٌ على رِوايتَينِ ذكَرَهما أَبو الخَطابِ: إِحداهما: تَجبُ الكَفارةُ لأنَّه أخَلَّ بما نذَرَه على وَجهِه فلزِمَتْه الكَفارةُ كما لو نذَرَ المَشيَ إلى بَيتِ اللهِ الحَرامِ فعجَزَ، ولأنَّ النَّذرَ كاليَمينِ ولو حلَفَ ليَصومنَّ هذا الشَّهرَ فأفطَرَه لعُذرٍ لزِمَتْه كَفارةٌ كذا هاهنا. والثَّانيةُ: لا تَلزمُه لأنَّه أَتى بصِيامٍ أَجزَأَه عن نَذرِه مِنْ غيرِ تَفريطٍ منه فلمْ تَلزمْه كَفارةُ يَمينٍ كما لو صامَ ما عيَّنَه. فصلٌ: وإنْ نذَرَ غيرَ الصِّيامِ فعجَزَ عنه كالصَّلاةِ ونَحوِها فليسَ عليه إلا الكَفارةُ؛ لأنَّ الشَّرعَ لمْ يَجعلْ لذلك بَدلًا يُصارُ إليه فوجَبَتِ الكَفارةُ

стр. 14559

لمُخالفتِه نَذرَه فقطْ، وإنْ عجَزَ عنه لعارضٍ فحُكمُه حُكمُ الصيامِ سَواءً فيما فصَّلْناه (١). حُكمُ الأَكلِ مِنْ النَّذرِ والهَدي والأَضاحي: الأَصلُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ أنَّه لا يَحلُّ للنَّاذرِ أنْ يَأكلَ مِنْ النَّذرِ قالَ الحَنفيةُ: إذا نذَرَ ذَبحَ شاةٍ ولو نذَرَ أنْ يُضحيَ ولمْ يُسمِّ شَيئًا يَقعُ على الشاةِ ولا يَأكلُ الناذرُ منها، ولو أكَلَ فعليه قيمةُ ما أكَلَه لأنَّ سَبيلَها التَّصدقُ، وليسَ للمُتصدِّقِ أنْ يَأكلَ مِنْ صَدقتِه (٢). وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ الأَكلُ مِنْ النَّذرِ المُعيِّنِ للمَساكينِ باللَّفظِ أو بالنِّيةِ بأنْ قالَ: «هذا نَذرٌ للهِ عليَّ» ونَوى أنْ يَكونَ للمَساكينِ كانُوا مُعيَّنينَ أم لا، فيَحرمُ على المُتقرِّبِ به ورَسولِه ومَأمورِهما مِمَّنْ ليسَ مُستحِقًّا الأَكلَ منه. وأما نَذرُ المَساكينِ غيرِ المُعينِ لهم بلَفظٍ ولا نِيةٍ «كعليَّ هَديٌّ أو بَدنةٌ للمَساكينِ» فيَجوزُ الأَكلُ منه قبلَ مَحلِّه» وأمَّا النَّذرُ غيرُ المُعيَّنِ لغيرِ المَساكينِ فيَجوزُ أنْ يَأكلَ منه مُطلقًا ويَتزودَ ويُطعمَ الغَنيَّ والفَقيرَ، وسواءٌ بلَغَتِ المَحلَّ أو عطَبَتْ، وإنَّما كانَ يَأكلُ

стр. 14560

منه قبلُ؛ لأنَّ عليه بَدلَه ويَأكلُ منه بعدَه لأنَّ آكلَه غيرُ مُعيَّنٍ فهو على سُنةِ الهَدايا (١). وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: «وإنْ كانَ نَذرًا نظَرْتَ فإنْ كانَ قد عيَّنَه عما في ذِمتِه لمْ يَجزْ أنْ يَأكلَ منه؛ لأنَّه بَدلٌ عن واجبٍ فلمْ يَجزْ أنْ يَأكلَ منه كالدمِ الذي يَجبُ بتَركِ الإِحرامِ مِنْ المِيقاتِ. وإنْ كانَ نَذرَ مُجازاةٍ كالنَّذرِ لشِفاءِ المَريضِ وقُدومِ الغائبِ لمْ يَجزْ أنْ يَأكلَ منه لأنَّه جزاءٌ فلمْ يَجزْ أنْ يَأكلَ منه كجَزاءِ الصَّيدِ، فإنْ أكَلَ شَيئًا منه ضمِنَه. وفي ضَمانِه ثَلاثةُ أَوجهٍ: أَحدُها: يَلزمُه قيمةُ ما أكَلَ كما لو أكَلَ منه أَجنبيٌّ. والثانِي: يَلزمُه مِثلُه مِنْ اللَّحمِ؛ لأنَّه لو أكَلَ جَميعَه ضمِنَه بمِثلِه فإذا أكَلَ بعضَه ضمِنَه بمِثلِه. والثَّالثُ: يَلزمُه أنْ يَشتريَ جُزءًا مِنْ حَيوانٍ مِثلِه، ويُشاركَ في ذَبحِه. وإنْ كانَ نَذرًا مُطلقًا ففيه ثَلاثةُ أَوجهٍ: أَحدُها: أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَأكلَ منه لأنَّه إِراقةُ دَمٍ واجبٍ فلا يَجوزُ أنْ يَأكلَ منه كدمِ الطِّيبِ واللِّباسِ.

стр. 14561

والثانِي: يَجوزُ لأنَّ مُطلَقَ النذرِ يُحملُ على ما تقرَّرَ في الشَّرعِ، والهَدي والأُضحيةُ المَعهودةِ في الشرعِ يَجوزُ الأَكلُ منها فحُملَ النَّذرُ عليها. والثَّالثُ: أنَّه إنْ كانَ أُضحيةً جازَ أنْ يَأكلَ منها؛ لأنَّ الأُضحيةَ المَعهودةَ في الشَّرعِ يَجوزُ الأَكلُ منها، وإنْ كانَ هديًا لمْ يَجزْ أنْ يَأكلَ منه لأنَّ أَكثرَ الهَدايا في الشَّرعِ لا يَجوزُ الأَكلُ منها فحُملَ النَّذرُ عليها» (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ في شَرحِه لكَلامِ الشِّيرازيِّ: «الحالُ الثانِي: أنْ يَكونَ الهَديُ أو الأُضحيةُ مَنذورًا، قالَ الأَصحابُ: كلُّ هَديٍ وجَبَ ابتِداءً مِنْ غيرِ التِزامٍ كدمِ التَّمتعِ والقِرانِ وجُبراناتِ الحَجِّ لا يَجوزُ الأَكلُ منه بلا خِلافٍ، فلو أكَلَ منه غرِمَ، ولا يَجبُ إِراقةُ الدَّمِ ثانيًا، وفيما يَغرمُه أَوجهٌ أَصحُّها: وهو نَصُّه في القَديمِ يَغرمُ قيمةَ اللَّحمِ، كما لو أتلَفَه غيرُه. والثانِي: يَلزمُه مِثلُ ذلك اللَّحمِ فيَتصدَّقُ به. والثَّالثُ: يَلزمُه شِقصٌ مِنْ حَيوانٍ مِثلِه، ويُشاركُ في ذَبيحةِ؛ لأنَّ ما أكَلَه بطَلَ حُكمُ إِراقةِ الدمِّ فيه فصارَ كما لو ذبَحَه وأكَلَ الجَميعَ فإنَّه يَلزمُه دمٌ آخرُ. وأمَّا المُلتزِمُ بالنَّذرِ مِنْ الهدايا، فإنَّ عيَّنَه بالنَّذرِ عما في ذِمتِه مِنْ دمِ حَلقٍ أو تَطيُّبٍ ولِباسٍ وغيرِ ذلك لمْ يَجزْ له الأَكلُ منه، كما لو ذبَحَ شاةً بهذه النِّيةِ بغيرِ نَذرٍ وكالزَّكاةِ. وإنْ نذَرَ نَذرَ مُجازاةٍ، كتَعليقِه التِزامَ الهَدي أو الأُضحيةِ بشِفاءِ المَريضِ

стр. 14562

ونَحوِه لمْ يَجزِ الأَكلُ منه أيضًا كجَزاءِ الصَّيدِ، ومُقتضى كَلامِ الأَصحابِ أنَّه لا فَرقَ بينَ كَونِ المُلتزَمِ مُعيَّنًا أو مُرسلًا في الذِّمةِ ثُم يَذبحُ عنه. فإنْ أطلَقَ الالتِزامَ فلمْ يُعلِّقْه بشَيءٍ وقلْنا بالمَذهبِ إنَّه يَصحُّ نَذرُه ويَلزمُه الوَفاءُ؛ نُظِرَ فإنْ كانَ المُلتزَمُ مُعيَّنًا بأنْ قالَ: «لله عليَّ أنْ أُضحيَ بهذه أو أُهديَ هذه» ففي جَوازِ الأَكلِ منها قَولانِ، ووَجهٌ أو ثَلاثةُ أَوجهٍ: أَصحُّها: لا يَجوزُ الأَكلُ مِنْ الهَدي ولا الأُضحيةِ. والثانِي: يَجوزُ. والثَّالثُ: يَجوزُ مِنْ الأُضحيةِ دونَ الهَدي، وأَدلةُ الثَّلاثةِ في الكِتابِ. ومِن هذا القَبيلِ ما المُرسَل والمَنع سواءٌ عيَّنَ عَينَه ثُم ذبَحَ أو ذبَحَ بلا تَعيينٍ؛ لأنَّه عن دَينٍ في الذِّمةِ فأشبَهَ الجُبراناتِ. وبهذا قالَ الماوَرديُّ. وهو مُقتضى سياقِ الشَّيخِ أَبي علي. وحيثُ منَعْنا الأَكلَ في المَنذورةِ فأكَلَ فعليه الغُرمُ. وفيما يَغرمُه الأَوجهُ الثَّلاثةُ السابقةُ في الجُبراناتِ. وحيثُ جوَّزْنا الأَكلَ ففي قَدرِ ما يَأكلُه القَولانِ في أُضحيةِ التَّطوعِ. كذا قالَه البَغويُّ. قالَ الرَّافعيُّ: «ولك أْنْ تَقولَ ذلك الخِلافَ في قَدرِ المُستحبِّ أَكلُه. ولا يَبعدُ أنْ يُقالَ لا يُستحبُّ الأَكلُ، وأَقلُّ ما في تَركِه الخُروجُ مِنْ الخِلافِ، واللهُ أَعلمُ» (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَجوزُ الأَكلُ مِنْ المَنذورِ لتَعيينِه للهِ تَعالى ولا مِنْ نَذرِ الأُضحيةِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ.

стр. 14563

وأجازَ أَبو بَكرٍ ومالَ إليه ابنُ قُدامةَ الأَكلَ مِنْ أُضحيةِ النَذرِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: «وإنْ نذَرَ أُضحيةً في ذِمتِه ثُم ذبَحَها فله أنْ يَأكلَ منها. وقالَ القاضِي: مِنْ أَصحابِنا مَنْ منَعَ الأَكلَ منها وهو ظاهُر كَلامِ أَحمدَ وبناه على الهَدي المَنذورِ. ولنا: أنَّ النَّذرَ مَحمولٌ على المَعهودِ، والمَعهودُ مِنْ الأُضحيةِ الشَّرعيةِ ذَبحُها والأَكلُ منها، والنَّذرُ لا يُغيرُ مِنْ صِفةِ المَنذورِ إلا الإِيجابَ، وفارَقَ الهَديَ الواجبَ بأَصلِ الشَّرعِ لا يَجوزُ الأَكلُ منه، فالمَنذورُ مَحمولٌ عليه بخِلافِ الأُضحيةِ» (١). وعلى المَذهبِ إنْ أكَلَ منها ما مُنعَ مِنْ أَكلِه ضمِنَه بمِثلِه لَحمًا؛ لأنَّ الجَميعَ مَضمونٌ عليه بمِثلِه حَيوانًا فكذلك أَبعاضُه، وكذلك إنْ أَعطى الجازِرَ منها شَيئًا ضمِنَه بمِثلِه. وإنْ باعَ شَيئًا منها أو أتلَفَه ضمِنَه بمِثلِه؛ لأنَّه مَمنوعٌ مِنْ ذلك فأشبَهَ عطيَّتَه للجازرِ، وإنْ أتلَفَ أَجنبيٌّ منه شَيئًا ضمِنَه بقيمتِه؛ لأنَّ المُتلَفَ مِنْ غيرِ ذَواتٍ فلزِمَتْه قِيمتُه كما لو أتلَفَ لَحمًا لآدميٍّ مُعيَّنٍ (٢). وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: «واختلَفُوا فيما يَجوزُ للمُهدي أَكلُه مِنْ الهَدي وما لا يَجوزُ.

стр. 14564

فقالَ أَبو حَنيفةَ: «لا يَأكلُ مِنْ شيءٍ مِنْ الهَدي إلا مِنْ هَدي التَّمتعِ والقِرانِ والتَّطوعِ إذا بلَغَ مَحلَّه». وقالَ مالكٌ: «يَأكلُ مِنْ الهَدي كلِّه إلا مِنْ جَزاءِ الصَّيدِ وفِديةِ الأَذى ونَذرِ المَساكينِ، وهَديِ التَّطوعِ إذا عطَبَ قبلَ أنْ يَبلغَ مَحلَّه». وقالَ الشافِعيُّ: «لا يَأكلُ إلا مِنْ التَّطوعِ». وقالَ أَحمدُ في إِحدى الرِّوايتَينِ كمَذهبِ أَبي حَنيفةَ، وفي الرِّواية الثَّانيةِ: لا يَأكلُ مِنَ النَّذرِ، ولا مِنْ جَزاءِ الصَّيدِ ويَأكلُ ما سِوى ذلك» (١).

стр. 14565

الرُّكنُ الثَّالثُ: الصِّيغةُ: نصَّ عامةُ الفُقهاءِ على أنَّه يُشترطُ لصِحةِ النَّذرِ صِيغةٌ تَدلُّ على الالتِزامِ. قالَ الحَنفيةُ: «فرُكنُ النَّذرِ هو الصِّيغةُ الدالةُ عليه، وهو قَولُه: «للهِ -عزَّ شَأنُه- عليَّ كذا، أو عليَّ كذا، أو هذا هَديٌ، أو صَدقةٌ، أو مالي صَدقةٌ، أو ما أَملكُ صَدقةٌ»، ونَحوُ ذلك» (١). وقالَ المالِكيةُ: «فيَلزمُ النَّذرُ بكلِّ لَفظٍ فيه إِلزامٌ مَندوبٌ، مثلُ: «إِنْ شَفى اللهُ مَريضِي أو قدِمَ غائبي أو نَجوتُ مِنْ أَمرِ كذا وكذا فأنا أَصومُ يَومَينِ أو أُصلي كذا أو أَتصدقُ بِكذا». ولا تَنحصرُ الصِّيغةُ في «للهِ عليَّ أو عليَّ كذا» فيَلزمُ بكلِّ لَفظٍ فيه إِلزامٌ ولا يُشترطُ أنْ يَأتِيَ بلَفظِ النَّذرِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، فلو قالَ: «للهِ عليَّ أنْ أَفعلَ كذا وكذا مِنْ القُربِ» ولمْ يَأتِ بلَفظِ النَّذر لزِمَه». وفي قَولٍ: «لا بدَّ أنْ يَأتيَ بلَفظِ النَّذرِ بأنْ يَقولَ للهِ عليَّ نَذرُ كذا» (٢). وقالَ الشافِعيةُ: «يُشترطُ في الصِّيغةِ لَفظٌ يُشعرُ بالتِزامٍ ك «نذَرتُ للهِ أو لكَ أو عليَّ لك كذا أو لهذا»، ومثلُه «انتذَرْتُ وأنذَرْتُ» ما عاميٌّ لُغتُه ذلك،
следующие страницы →