والثانِي: يَجوزُ لأنَّ مُطلَقَ النذرِ يُحملُ على ما تقرَّرَ في الشَّرعِ، والهَدي والأُضحيةُ المَعهودةِ في الشرعِ يَجوزُ الأَكلُ منها فحُملَ النَّذرُ عليها.
والثَّالثُ: أنَّه إنْ كانَ أُضحيةً جازَ أنْ يَأكلَ منها؛ لأنَّ الأُضحيةَ المَعهودةَ في الشَّرعِ يَجوزُ الأَكلُ منها، وإنْ كانَ هديًا لمْ يَجزْ أنْ يَأكلَ منه لأنَّ أَكثرَ الهَدايا في الشَّرعِ لا يَجوزُ الأَكلُ منها فحُملَ النَّذرُ عليها» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ في شَرحِه لكَلامِ الشِّيرازيِّ: «الحالُ الثانِي: أنْ يَكونَ الهَديُ أو الأُضحيةُ مَنذورًا، قالَ الأَصحابُ: كلُّ هَديٍ وجَبَ ابتِداءً مِنْ غيرِ التِزامٍ كدمِ التَّمتعِ والقِرانِ وجُبراناتِ الحَجِّ لا يَجوزُ الأَكلُ منه بلا خِلافٍ، فلو أكَلَ منه غرِمَ، ولا يَجبُ إِراقةُ الدَّمِ ثانيًا، وفيما يَغرمُه أَوجهٌ أَصحُّها: وهو نَصُّه في القَديمِ يَغرمُ قيمةَ اللَّحمِ، كما لو أتلَفَه غيرُه.
والثانِي: يَلزمُه مِثلُ ذلك اللَّحمِ فيَتصدَّقُ به.
والثَّالثُ: يَلزمُه شِقصٌ مِنْ حَيوانٍ مِثلِه، ويُشاركُ في ذَبيحةِ؛ لأنَّ ما أكَلَه بطَلَ حُكمُ إِراقةِ الدمِّ فيه فصارَ كما لو ذبَحَه وأكَلَ الجَميعَ فإنَّه يَلزمُه دمٌ آخرُ.
وأمَّا المُلتزِمُ بالنَّذرِ مِنْ الهدايا، فإنَّ عيَّنَه بالنَّذرِ عما في ذِمتِه مِنْ دمِ حَلقٍ أو تَطيُّبٍ ولِباسٍ وغيرِ ذلك لمْ يَجزْ له الأَكلُ منه، كما لو ذبَحَ شاةً بهذه النِّيةِ بغيرِ نَذرٍ وكالزَّكاةِ.
وإنْ نذَرَ نَذرَ مُجازاةٍ، كتَعليقِه التِزامَ الهَدي أو الأُضحيةِ بشِفاءِ المَريضِ
стр. 14562
ونَحوِه لمْ يَجزِ الأَكلُ منه أيضًا كجَزاءِ الصَّيدِ، ومُقتضى كَلامِ الأَصحابِ أنَّه لا فَرقَ بينَ كَونِ المُلتزَمِ مُعيَّنًا أو مُرسلًا في الذِّمةِ ثُم يَذبحُ عنه.
فإنْ أطلَقَ الالتِزامَ فلمْ يُعلِّقْه بشَيءٍ وقلْنا بالمَذهبِ إنَّه يَصحُّ نَذرُه ويَلزمُه الوَفاءُ؛ نُظِرَ فإنْ كانَ المُلتزَمُ مُعيَّنًا بأنْ قالَ: «لله عليَّ أنْ أُضحيَ بهذه أو أُهديَ هذه» ففي جَوازِ الأَكلِ منها قَولانِ، ووَجهٌ أو ثَلاثةُ أَوجهٍ:
أَصحُّها: لا يَجوزُ الأَكلُ مِنْ الهَدي ولا الأُضحيةِ. والثانِي: يَجوزُ.
والثَّالثُ: يَجوزُ مِنْ الأُضحيةِ دونَ الهَدي، وأَدلةُ الثَّلاثةِ في الكِتابِ. ومِن هذا القَبيلِ ما المُرسَل والمَنع سواءٌ عيَّنَ عَينَه ثُم ذبَحَ أو ذبَحَ بلا تَعيينٍ؛ لأنَّه عن دَينٍ في الذِّمةِ فأشبَهَ الجُبراناتِ. وبهذا قالَ الماوَرديُّ. وهو مُقتضى سياقِ الشَّيخِ أَبي علي.
وحيثُ منَعْنا الأَكلَ في المَنذورةِ فأكَلَ فعليه الغُرمُ.
وفيما يَغرمُه الأَوجهُ الثَّلاثةُ السابقةُ في الجُبراناتِ. وحيثُ جوَّزْنا الأَكلَ ففي قَدرِ ما يَأكلُه القَولانِ في أُضحيةِ التَّطوعِ. كذا قالَه البَغويُّ.
قالَ الرَّافعيُّ: «ولك أْنْ تَقولَ ذلك الخِلافَ في قَدرِ المُستحبِّ أَكلُه. ولا يَبعدُ أنْ يُقالَ لا يُستحبُّ الأَكلُ، وأَقلُّ ما في تَركِه الخُروجُ مِنْ الخِلافِ، واللهُ أَعلمُ» (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَجوزُ الأَكلُ مِنْ المَنذورِ لتَعيينِه للهِ تَعالى ولا مِنْ نَذرِ الأُضحيةِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ.
стр. 14563
وأجازَ أَبو بَكرٍ ومالَ إليه ابنُ قُدامةَ الأَكلَ مِنْ أُضحيةِ النَذرِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: «وإنْ نذَرَ أُضحيةً في ذِمتِه ثُم ذبَحَها فله أنْ يَأكلَ منها. وقالَ القاضِي: مِنْ أَصحابِنا مَنْ منَعَ الأَكلَ منها وهو ظاهُر كَلامِ أَحمدَ وبناه على الهَدي المَنذورِ.
ولنا: أنَّ النَّذرَ مَحمولٌ على المَعهودِ، والمَعهودُ مِنْ الأُضحيةِ الشَّرعيةِ ذَبحُها والأَكلُ منها، والنَّذرُ لا يُغيرُ مِنْ صِفةِ المَنذورِ إلا الإِيجابَ، وفارَقَ الهَديَ الواجبَ بأَصلِ الشَّرعِ لا يَجوزُ الأَكلُ منه، فالمَنذورُ مَحمولٌ عليه بخِلافِ الأُضحيةِ» (١).
وعلى المَذهبِ إنْ أكَلَ منها ما مُنعَ مِنْ أَكلِه ضمِنَه بمِثلِه لَحمًا؛ لأنَّ الجَميعَ مَضمونٌ عليه بمِثلِه حَيوانًا فكذلك أَبعاضُه، وكذلك إنْ أَعطى الجازِرَ منها شَيئًا ضمِنَه بمِثلِه.
وإنْ باعَ شَيئًا منها أو أتلَفَه ضمِنَه بمِثلِه؛ لأنَّه مَمنوعٌ مِنْ ذلك فأشبَهَ عطيَّتَه للجازرِ، وإنْ أتلَفَ أَجنبيٌّ منه شَيئًا ضمِنَه بقيمتِه؛ لأنَّ المُتلَفَ مِنْ غيرِ ذَواتٍ فلزِمَتْه قِيمتُه كما لو أتلَفَ لَحمًا لآدميٍّ مُعيَّنٍ (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: «واختلَفُوا فيما يَجوزُ للمُهدي أَكلُه مِنْ الهَدي وما لا يَجوزُ.
стр. 14564
فقالَ أَبو حَنيفةَ: «لا يَأكلُ مِنْ شيءٍ مِنْ الهَدي إلا مِنْ هَدي التَّمتعِ والقِرانِ والتَّطوعِ إذا بلَغَ مَحلَّه».
وقالَ مالكٌ: «يَأكلُ مِنْ الهَدي كلِّه إلا مِنْ جَزاءِ الصَّيدِ وفِديةِ الأَذى ونَذرِ المَساكينِ، وهَديِ التَّطوعِ إذا عطَبَ قبلَ أنْ يَبلغَ مَحلَّه».
وقالَ الشافِعيُّ: «لا يَأكلُ إلا مِنْ التَّطوعِ».
وقالَ أَحمدُ في إِحدى الرِّوايتَينِ كمَذهبِ أَبي حَنيفةَ، وفي الرِّواية الثَّانيةِ: لا يَأكلُ مِنَ النَّذرِ، ولا مِنْ جَزاءِ الصَّيدِ ويَأكلُ ما سِوى ذلك» (١).
стр. 14565
الرُّكنُ الثَّالثُ: الصِّيغةُ:
نصَّ عامةُ الفُقهاءِ على أنَّه يُشترطُ لصِحةِ النَّذرِ صِيغةٌ تَدلُّ على الالتِزامِ.
قالَ الحَنفيةُ: «فرُكنُ النَّذرِ هو الصِّيغةُ الدالةُ عليه، وهو قَولُه: «للهِ -عزَّ شَأنُه- عليَّ كذا، أو عليَّ كذا، أو هذا هَديٌ، أو صَدقةٌ، أو مالي صَدقةٌ، أو ما أَملكُ صَدقةٌ»، ونَحوُ ذلك» (١).
وقالَ المالِكيةُ: «فيَلزمُ النَّذرُ بكلِّ لَفظٍ فيه إِلزامٌ مَندوبٌ، مثلُ: «إِنْ شَفى اللهُ مَريضِي أو قدِمَ غائبي أو نَجوتُ مِنْ أَمرِ كذا وكذا فأنا أَصومُ يَومَينِ أو أُصلي كذا أو أَتصدقُ بِكذا». ولا تَنحصرُ الصِّيغةُ في «للهِ عليَّ أو عليَّ كذا» فيَلزمُ بكلِّ لَفظٍ فيه إِلزامٌ ولا يُشترطُ أنْ يَأتِيَ بلَفظِ النَّذرِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، فلو قالَ: «للهِ عليَّ أنْ أَفعلَ كذا وكذا مِنْ القُربِ» ولمْ يَأتِ بلَفظِ النَّذر لزِمَه».
وفي قَولٍ: «لا بدَّ أنْ يَأتيَ بلَفظِ النَّذرِ بأنْ يَقولَ للهِ عليَّ نَذرُ كذا» (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: «يُشترطُ في الصِّيغةِ لَفظٌ يُشعرُ بالتِزامٍ ك «نذَرتُ للهِ أو لكَ أو عليَّ لك كذا أو لهذا»، ومثلُه «انتذَرْتُ وأنذَرْتُ» ما عاميٌّ لُغتُه ذلك،
стр. 14566
فلا يَنعقدُ بالنِّيةِ كسائرِ العُقودِ وتَنعقدُ بإِشارةِ الأَخرسِ المُفهمةِ، وبكِنايةِ الناطقِ معَ النِّيةِ» (١).
قالَ النَّوويُّ ﵀: «والأَكملُ في صِيغةِ النَّذرِ أنْ يَقولَ مثلًا: «إنْ شَفى اللهُ مَريضي فللهِ عليَّ كذا»، فلو قالَ: «فعليَّ هذا» ولمْ يَقلْ «للهِ»، فطَريقانِ: المَذهبُ -وبه قالَ الُمصنِّفُ والجُمهورُ- صِحتُه؛ لمَا ذكَرَه المُصنِّفُ.
والثانِي: فيه وَجهانِ حَكاهما الرافعيُّ وغيرُه، الصَّحيحُ منهما صِحةُ نَذرِه. والثانِي: لا يَصحُّ إلا بالتَّصريحِ بذِكرِ اللهِ تَعالى، وهو قَريبٌ مِنْ الوَجهِ الضَّعيفِ في وُجوبِ إِضافةِ الوُضوءِ والصَّلاةِ وسائرِ العِباداتِ إلى اللهِ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: صِيغةُ النَّذرِ أنْ يَقولَ: «للهِ عليَّ أنْ أَفعلَ كذا» وإنْ قالَ: «عليَّ نَذرُ كذا» لزِمَه أيضًا لأنَّه صرَّحَ بلَفظِ النَّذرِ.
وإنْ قالَ: «إنْ شَفانِي اللهُ فعليَّ صَومُ شَهرٍ» كانَ نَذرًا أو: «نذَرْتُ للهِ» أو «كللهِ عليَّ» ونَحوِه مما يُؤدِّي مَعناه ولا تُعتبَرُ له صيغةٌ بحيثُ لا يَنعقدُ إلا بها، بل يَنعقدُ بكلِّ ما يُؤدِّي مَعناه كالبَيعِ (٣).
هل يَنعقدُ النَّذرُ بالنِّيةِ فقط أم لا بدَّ مِنْ اللَّفظِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في النَّذرِ هل يَنعقدُ بالنِّيةِ أم لا بدَّ مِنْ التَّلفظِ به؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في الصَّحيحِ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَنعقدُ إلا باللَّفظِ، ولا يَلزمُ النَّذرُ بالنِّيةِ وحدَها ولا
стр. 14567
بالكَلامِ النَّفسيِّ، فلو نَوى النَّذرَ بقَلبِه ولمْ يَتلفظْ به لمْ يَنعقدْ كاليَمينِ؛ لأنَّه التِزامٌ فلمْ يَنعقدْ بغيرِ القَولِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في القَديمِ إلى أنَّ النَّذرَ لا يُشترطُ فيه اللَّفظُ، بل تَكفي نِيةُ النَّذرِ أو الكَلامُ النَّفسيُّ وإنْ لمْ يَتلفظْ به (٢).
стр. 14568
كتاب الوصية
تَعريفُ الوَصيةِ:
الوَصيةُ لُغةً: مُشتقةٌ من وَصيتُ الشَيءَ أُوصيه إذا وَصَلتُه، وسُمِّيت وَصيةً؛ لأنَّ الميِّتَ وصَلَ ما كانَ فيه من أمرِ حَياتِه بما بعدَه من أمرِ مَماتِه في نُفوذِ التَّصرفِ.
ويُقالُ: وَصَّى وأوْصَى إِيصاءً والاسمُ الوَصيةُ والوَصاةُ.
وتَأتي الوَصيةُ بمَعنى الأَمرِ، قالَ تَعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] وقالَ: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ومنه قَولُ الخَطيبِ: أُوصيكم بتَقوى اللهِ وطاعَتِه.
والوَصيُّ: الذي يُوصي، والذي يُوصَى له، وهو مِنْ الأَضدادِ، والوَصيةُ تُطلقُ أيضًا على المُوصَى به (١).
стр. 14569
الوَصيةُ اصطِلاحًا:
قالَ الحَنفيةُ: الوَصيةُ هي تَمليكُ مُضافٍ لمَا بعدَ المَوتِ بطَريقِ التَّبرعِ، سَواءٌ كانَ ذلك في الأَعيانِ أو في المَنافعِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: عَقدٌ يُوجبُ حَقًّا في ثُلثِ مالِ عاقِدِه يَلزمُ بمَوتِه أو نِيابةً عنه بعدَه (٢).
وقد ذكَرَ الحَطابُ عِدةَ تَعريفاتٍ للفُقهاءِ فقالَ: قالَ في «الشامِل»: والوَصيةُ تَمليكُ مُضافٍ لمَا بعدَ المَوتِ بطَريقِ التَّبرعِ. انتَهى.
ونقَلَه في «التَّوضيح» وابنُ عبدِ السَّلامِ عن بعضِ الحَنفيةِ.
قالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ: على أنَّه لا يَخلو عن مُناقَشاتٍ لا تَخفى عليكَ. انتَهى.
وقالَ في «اللُّبابِ»: الوَصايا حَقيقتُها تَصرُّفُ المالِكِ في جُزءٍ من حُقوقِه مَوقوفٌ على مَوتِه على وَجهٍ يَكونُ له الرُّجوعُ فيه. انتَهى.
ثم قالَ: الوَصيةُ حَقيقتُها إِسنادُ النَّظرِ في أمرِ المَحجورِ أو تَنفيذُ وَصيةٍ لثِقةٍ مَأمونٍ. انتَهى.
стр. 14570
ورسَمَها ابنُ عَرفةَ برَسمٍ شمِلَ الإِيصاءَ لشَخصٍ وإِسنادَ الوَصيةِ إليه، فقالَ: الوَصيةُ في عُرفِ الفُقهاءِ لا الفُرَّاضِ عَقدٌ يُوجِبُ حَقًّا في ثُلثِ عاقِدِه يَلزمُه بمَوتِه أو نِيابَتِه عنه بعدَه، انتهى.
ولا يَخفَى صِدقُ هذا الرَّسمِ على التَّدبيرِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الوَصيةُ شَرعًا: تَبرُّعٌ بحَقٍّ مُضافٍ ولو تَقديرًا لمَا بعدَ المَوتِ ليسَ بتَدبيرٍ ولا تَعليقِ عِتقٍ، وإنِ التَحَقا بها حُكمًا، كالتَّبرعِ المُنجَزِ في مَرضِ المَوتِ أو المُلتحِقِ به (٢).
قالَ القَليوبيُّ: وأَشاروا بقَولِهم: «ولو تَقديرًا» لشُمولِ نَحوِ «أوَصيتُ له بكذا»؛ فإنَّ بعدَ المَوتِ مُقدَّرٌ معه.
وقَولُ بَعضِهم: «ليَشملَ التَّبرعَ في مَرضِ المَوتِ؛ فإنَّه مُعتبَرٌ من الثُّلثِ» فيه نَظرٌ وغيرُ مُستقيمٍ؛ لأنَّه ليسَ وَصيةً، وإنْ كانَ له حُكمُها فيما ذُكرَ، وعليه فقَولُهم: «ليسَ بتَدبيرٍ … » إلخ مُستدرَكٌ فتَأمَّلْ (٣).
وقَولُهم: «أو ما التَحقَ به»: أي: بمَرضِ المَوتِ، كتَقديمِه لنَحوِ قَتلٍ (٤).
стр. 14571
وقالَ الدَّميريُّ: هي في الشَّرعِ: تَبرعٌ بحَقٍّ أو تَفويضُ تَصرُّفٍ خاصٍّ مُضافَيْن إلى ما بعدَ المَوتِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: الوَصيةُ شَرعًا: الأمرُ بالتَّصرُّفِ بعدَ المَوتِ أو التَّبرعُ بالمالِ بعدَه.
كأنْ يُوصيَ إلى إنسانٍ بتَزويجِ بَناتِه أو غُسلِه أو الصَّلاةِ عليه إمامًا، أو الكَلامِ على صِغارِ أَولادِه أو تَفرِقةِ ثُلثِه ونَحوِه (٢).
وقالَ أَبو الخَطابِ: هي التَّبرعُ بما يَقفُ نُفوذُه على خُروجِه من الثُّلثِ.
قالَ المِرداويُّ: فعلى قَولِه تَكونُ العَطيةُ في مَرضِ المَوتِ وَصيةً، والصَّحيحُ خِلافُه.
قالَ في «المُستوعِبِ»: وفي حَدِّه اختِلافٌ من وُجوهٍ:
أحدُها: أنَّه يَدخلُ فيه تبَرُّعُه بِهِباتِه وعَطاياه المُنجَزةِ في مَرضِ مَوتِه، وذلك لا يُسمَّى وَصيةً.
ويَخرجُ منه وَصيةٌ بما زادَ على الثُّلثِ؛ فإنَّها وَصيةٌ صَحيحةٌ مَوقوفةٌ على إِجازةِ الوَرثةِ.
стр. 14572
ويَخرجُ منه أيضًا وَصيةٌ بفِعلِ العِباداتِ وقَضاءِ الواجِباتِ والنَّظرِ في أمرِ الأَصاغرِ من أَولادِه وتَزويجِ بَناتِه ونَحوِ ذلك (١).
تَعريفُ الإِيصاءِ:
الإِيصاءُ: مَصدرُ أَوصَى، يُقالُ: أَوصَى إليه: جعَلَه وَصيَّه يَتصرَّفُ في أمرِه ومالِه وعِيالِه بعدَ مَوتِه، وأَوصى فُلانًا بالشَيءِ أمرَه به وفرَضَه عليه (٢).
والإِيصاءُ في الاصطِلاحِ هو: إِقامةُ الشَّخصِ غيرَه مَقامَ نَفسِه في التَّصرفِ بعدَ المَوتِ، ولا يَكونُ إلا مُضافًا؛ إذِ الإِيصاءُ في الحالِ لا يُتصوَّرُ إلا إذا جُعلَ مَجازًا عن الوَكالةِ والقَضاءِ والإِمارةِ (٣).
والصِّلةُ بينَ الوَصيةِ والإِيصاءِ أنَّ كلًّا منهما أمرٌ بالتَّصرفِ لمَا بعدَ المَوتِ، غيرَ أنَّ الوَصيةَ تَمليكٌ والإِيصاءَ العَهدُ إلى مَنْ يَقومُ على مَنْ بعدَه.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: والإِيصاءُ يَعمُّ الوَصيةَ والوَصايا لُغةً، والتَّفرِقةُ بينَهما من اصطِلاحِ الفُقهاءِ، وهي تَخصيصُ الوَصيةِ بالتَّبرعِ المُضافِ لمَا بعدَ المَوتِ، والوِصايةُ بالعَهدِ إلى مَنْ يَقومُ على مَنْ بعدَه (٤).
مَكتوبةٌ» قالَ ابنُ عُمرَ: ما مرَّت علَيَّ لَيلةٌ مذ سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ ذلك إلا وعِندي وَصيَّتي (١).
وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ تَصدَّقَ عليكم عندَ وَفاتِكم بثُلثِ أَموالِكم زِيادةً لكم في أَعمالِكم وحَسناتِكم» (٢).
وعن نافِعٍ قالَ: قالَ ابنُ عُمرَ ﵄ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ يَقولُ: يا ابنَ آدَمَ اثنَتانِ لم تَكُنْ لك واحِدةٌ منهما، جعَلتُ لك نَصيبًا من مالِك حين أخَذتُ بكَظمِك لأُطهِّرَك به ولأُزكِّيَك بصَلاةِ عِبادي عليك بعدَ انقِضاءِ أجَلِك» (٣).
وعن جابِرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ ماتَ على وَصيةٍ ماتَ على سَبيلٍ وسُنةٍ، وماتَ على تُقًى وشَهادةٍ، وماتَ مَغفورًا له» (٤).
وعن أَبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذا ماتَ الإِنسانُ انقطَعَ عنه عَملُه إلا مِنْ ثَلاثةٍ: إلا مِنْ صَدقةٍ جاريةٍ أو عِلمٍ يُنتفَعُ به أو وَلدٍ صالِحٍ يَدعو له» (٥).
стр. 14575
وأمَّا الإِجماعُ؛ فقد أجمَعَ المُسلِمونَ على جَوازِ الوَصيةِ واستِحبابِها.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ يُحفَظُ عنه من أهلِ العِلمِ على أنَّ الوَصيةَ للوَالدَينِ اللَّذَينِ لا يَرِثانِ والأَقرباءِ الذين لا يَرِثونَ جائِزةٌ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ بعدَ ذِكرِ حَديثِ ابنِ عُمرَ: «ما حَقُّ امرِئٍ … » ففي هذا الحَديثِ الحَضُّ على الوَصيةِ والتَّأكيدُ في ذلك، وهذا على النَّدبِ لا على الإِيجابِ عندَ الجَميعِ لا يَختلِفونَ في ذلك (٢).
وقالَ أيضًا: واتَّفقَ فُقهاءُ الأَمصارِ على أنَّ الوَصيةَ مَندوبٌ إليها مَرغوبٌ فيها، وأنَّها جائِزةٌ لمَن أَوصى في كلِّ مالٍ قَلَّ أو كثُرَ ما لم يَتجاوَزِ الثُّلثَ، وممَّن قالَ بهذا مالِكٌ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ والأَوزاعيُّ والحَسنُ ابنُ حَيٍّ والشافِعيُّ وأَحمدُ وإِسحاقُ، ورُوي ذلك عن جَماعةٍ من السَّلفِ (٣).
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ المَقدسيُّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ في جَميعِ الأَمصارِ والأَعصارِ على جَوازِ الوَصيةِ (٤).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀ عندَ حَديثِ: «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلمٍ له شَيءٌ يُوصي فيه يَبيتُ لَيلتَينِ إلا ووَصيَّتُه عندَه مَكتوبةٌ»: فيه الحَثُّ على الوَصيةِ،
стр. 14576
وقد أجمَعَ المُسلِمونَ على الأمرِ بها، لكنَّ مَذهبَنا ومَذهبَ الجَماهيرِ أنَّها مَندوبةٌ لا واجِبةٌ (١).
وقالَ الإِمامُ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ: قد أجمَعَ المُسلِمونَ على الأمرِ بها، أي: الوَصيةِ، لكنَّ مَذهبَ مالِكٍ والشافِعيِّ وأَحمدَ وأَبي حَنيفةَ والجُمهورِ أنَّها مَندوبةٌ لا واجِبةٌ (٢).
وقالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ: وأمَّا الإِجماعُ؛ فإنَّ الأُمةَ من لَدُنْ رَسولِ اللهِ ﷺ إلى يَومِنا هذا يُوصونَ من غيرِ إِنكارٍ من أحدٍ، فيَكونُ إِجماعًا من الأُمةِ على ذلك (٣).
وقالَ الحِصنيُّ: أجمَعَ المُسلِمونَ على استِحبابِها (٤).
وأمَّا القِياسُ أو المَعقولُ فهو أنَّ الإِنسانَ يَحتاجُ إلى أنْ يَكونَ خَتمُ عَملِه بالقُربةِ زيادةً على القُرَبِ السابِقةِ على ما نطَقَ به الحَديثُ، أو تَداركًا لمَا فرَطَ في حَياتِه؛ لأنَّ الإِنسانَ مَغرورٌ بأَملِه، مُقصِّرٌ في عَملِه، فإذا عرَضَ له المَرضُ وخافَ الهَلاكَ يَحتاجُ إلى تَلافي بَعضِ ما فرَطَ منه، من التَّفريطِ بمالِه على وَجهٍ لو مَضى فيه يَتحقَّقُ مَقصِدُه المآلِيُّ، ولو أنهَضَه البُرءُ واتَّسعَ الوَقتُ وأحوَجَه إلى الانتِفاعِ به صرَفَه إلى مَطلبِه الحالِيِّ، فشرَعَها الشارِعُ
стр. 14577
تَمكينًا منه جَلَّ وعَلا من العَملِ الصالِحِ وقَضاءِ حاجَتِه عندَ احتِياجِه إلى تَحصيلِ المَصالحِ.
وهذه العُقودُ ما شُرِعَت إلا لحَوائجِ العِبادِ، فإذا مسَّت حاجَتُهم إلى الوَصيةِ وجَبَ القَولُ بجَوازِها.
وبه تَبيَّنَ أنَّ مِلكَ الإِنسانِ لا يَزولُ بمَوتِه فيما يَحتاجُ إليه، ألَا تَرى أنَّه بَقيَ في قَدرِ جَهازِه من الكَفنِ والدَّفنِ وبَقيَ في قَدرِ الدَّينِ الذي هو مُطالَبٌ به من جِهةِ العِبادِ لحاجةٍ إلى ذلك؟ كذلك ههنا (١).
سَببُ مَشروعيتِها:
وسَببُ الوَصيةِ سَببُ سائِرِ التَّبرعاتِ، وهو إِرادةُ تَحصيلِ الذِّكرِ الحَسنِ في الدُّنيا والوُصولِ إلى الدَّرجاتِ العاليةِ في العُقبى (٢).
نَسخُ الوَصيةِ للوالِدَينِ والأَقرَبينَ:
اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الوَصيةَ في أولِ الإِسلامِ كانَت واجِبةً للأَقرَبينَ بقَولِه تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨٠، ١٨١] ثم نُسخَ وُجوبُها عندَ
стр. 14578
المَذاهبِ الأَربعةِ وكَثيرٍ من العُلماءِ بآيةِ المَواريثِ، وبَقيَ جَوازُ الوَصيةِ لمَن لا يَرِثُ (١).
وعن عِكرمةَ عن ابنِ عَباسٍ ﵄: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، فكانَت الوَصيةُ كذلك حتى نسَخَتها آيةُ المِيراثِ (٢).
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵁: وكانَ فَرضًا في كِتابِ اللهِ تَعالى على مَنْ ترَكَ خَيرًا -والخَيرُ: المالُ- أنْ يُوصيَ لوالِدَيه وأقرَبِيه، ثم زعَمَ بعضُ أهلِ العِلمِ بالقُرآنِ أنَّ الوَصيةَ للوالِدَينِ والأقرَبينَ الوارِثينَ مَنسوخةٌ، واختلَفوا في الأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ، فأكثَرُ مَنْ لَقيتُ من أهلِ العِلمِ ممَّن حفِظتُ عنه قالَ: الوَصايا مَنسوخةٌ؛ لأنَّه إنَّما أمَرَ بها إذا كانَت إنَّما يُورَثُ بها، فلمَّا قسَّمَ اللهُ -تَعالى ذِكرُه- المَواريثَ كانَت تَطوُّعًا.
قالَ الشافِعيُّ: وهذا -إنْ شاءَ اللهُ تَعالى- كلُّه كما قالوا.
فإنْ قالَ قائِلٌ: ما دَلَّ على ما وصَفتَ؟ قيلَ له: قالَ اللهُ ﵎ ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١].
أخبَرَنا ابنُ عُيَينةَ عن سُليمانَ الأَحولِ عن مُجاهدٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا وَصيةَ لوارِثٍ» (٣) وما وَصفتُ من أنَّ الوَصيةَ
стр. 14579
للوارِثِ مَنسوخةٌ بآيِ المَواريثِ وأنَّه لا وَصيةَ لوارِثٍ مما لا أعرِفُ فيه عن أحدٍ ممَّن لَقيتُ خِلافًا، قالَ الشافِعيُّ: وإذا كانَت الوَصايا لمَن أمَرَ اللهُ -تَعالى ذِكرُه- بالوَصيةِ مَنسوخةً بآيِ المَواريثِ، وكانَت السُّنةُ تَدلُّ على أنَّها لا تَجوزُ لوارِثٍ، وتَدلُّ على أنَّها تَجوزُ لغيرِ قَرابةٍ، دَلَّ ذلك على نَسخِ الوَصايا للوَرثةِ، وأشبَهَ أنْ يَدلَّ على نَسخِ الوَصايا لغيرِهم (١).
قالَ أَبو عُمرَ: ليسَ في كِتابِ اللهِ ذِكرُ الوَصيةِ إلا في قَولِه : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠] وهذه الآيةُ نزَلَت قبلَ نُزولِ الفَرائضِ والمَواريثِ، فلمَّا أنزَلَ اللهُ حُكمَ الوالِدَينِ وسائِرِ الوارِثينَ في القُرآنِ نسَخَ ما كانَ لهم من الوَصيةِ، وجعَلَ لهم مَواريثَ مَعلومةً على حَسبِ ما أحكَمَ من ذلك ﵎.
وقد رُوي عن ابنِ عَباسٍ وسَعيدِ بنِ جُبَيرٍ والحَسنِ أنَّ آيةَ المَواريثِ نسَخَت الوَصيةَ للوالِدَينِ والأَقرَبينَ الوارِثينَ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ وأكثَرِ المالِكيِّينَ وجَماعةٍ من أهلِ العِلمِ، ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «لا وَصيةَ لوارِثٍ» (٢) وهذا بَيانٌ منه ﷺ أنَّ آيةَ المَواريثِ نسَخَت الوَصيةَ للوارِثينَ، وأمَّا مَنْ أجازَ نَسخَ القُرآنِ بالسُّنةِ من العُلماءِ
стр. 14580
فإنَّهم قالوا: هذا الحَديثُ نسَخَ الوَصيةَ للوَرثةِ، وللكَلامِ في نَسخِ القُرآنِ بالسُّنةِ مَوضعٌ غيرُ هذا (١).
حُكمُ الوَصيةِ:
لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الإِنسانَ إذا لم يَكنْ عليه دُيونٌ إمَّا للهِ وإمَّا للناسِ أو لم يَكنْ عندَه أَماناتٌ أنَّ الوَصيةَ في حَقِّه مُستحَبةٌ وليسَت واجِبةً، وقد نقَلَ عَددٌ منهم الإِجماعَ على ذلك.
أمَّا إنْ كانَت عليه دُيونٌ أو كانَ عندَه أَماناتٌ؛ فإنَّ الوَصيةَ في حَقِّه واجِبةٌ.
وقد استدَلُّوا على عَدمِ الوُجوبِ بما يَلي:
١ - ما رَواه الإِمامُ مُسلمٌ في رِوايةٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلمٍ له شَيءٌ يُريدُ أنْ يُوصيَ فيه يَبيتُ لَيلَتَينِ إلا ووَصيَّتُه مَكتوبةٌ عندَه» (٢) فجعَلَ ذلك مُتعلِّقًا بإِرادتِه، ولو كانَ واجِبًا لم يَكنْ كذلك، وبتَقديرِ أنْ يَكونَ في هذا اللَّفظِ ما يَدلُّ على الوُجوبِ فقد قيَّدَه في كلِّ الرِّواياتِ بقَولِه: «له شَيءٌ يُوصي فيه»، وذلك هو الدُّيونُ التي تَكونُ عليه، فهو الشَيءُ الذي يُوصَى فيه، ولو نَظَرنا إلى الرِّوايةِ التي لَفظُها «مالٌ يُوصَى فيه» فالدَّينُ الذي عليه مالٌ (٣).
стр. 14581
قالَ الكاسانِيُّ: وبَعضُ الناسِ يَقولُ: الوَصيةُ واجِبةٌ لمَا رُويَ عنه ﵊ أنَّه قالَ: «لا يَحلُّ لرَجلٍ يُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ له مالٌ يُريدُ أنْ يُوصيَ فيه يَبيتُ لَيلتَينِ إلا ووَصيَّتُه عندَ رأسِه»، وفي الحَديثِ نَفسِه ما يَنفي الوُجوبَ؛ لأنَّ فيه تَحريمَ تَركِ الإِيصاءِ عندَ إِرادةِ الإِيصاءِ، والواجِبُ لا يَقفُ وُجوبُه على إِرادةِ مَنْ عليه كسائِرِ الواجِباتِ، أو يُحملُ الحَديثُ بما عليه من الفَرائضِ والواجِباتِ كالحَجِّ والزَّكاةِ والكَفاراتِ، والوَصيةُ بها واجِبةٌ عندَنا على أنَّه من أَخبارِ الآحادِ ورَدَ فيما تَعمُّ به البَلوى، وأنَّه دَليلٌ على عَدمِ الثُّبوتِ فلا يُقبلُ.
وقيلَ: إنَّها كانَت واجِبةً في الابتِداءِ للوالِدَينِ والأَقرَبينَ المُسلِمينَ؛ لقَولِ اللهِ ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]، ثم نُسخَت.
واختُلفَ في الناسِخِ، قالَ بعضُهم: نسَخَها الحَديثُ، وهو ما رُويَ عن أَبي قِلابةَ ﵁ أنَّه ﵊ قالَ: «لا وَصيةَ لوارِثٍ» والكِتابُ الكَريمُ قد يُنسخُ بالسُّنةِ.
فإنْ قيلَ: إنَّما يُنسخُ الكِتابُ عندَكم بالسُّنةِ المُتواتِرةِ، وهذا من الآحادِ.
فالجَوابُ: أنَّ هذا الحَديثَ مُتواتِرٌ، غيرَ أنَّ التَّواتُرَ ضَربانِ، تَواتُرٌ من حيثُ الرِّوايةِ، وهو أنْ يَرويَه جَماعةٌ لا يُتصوَّرُ تَواطُؤُهم على الكَذبِ، وتَواتُرٌ من حيثُ ظُهورُ العَملِ به قَرنًا فقَرنًا من غيرِ ظُهورِ المَنعِ والنَّكيرِ عليهم في العَملِ به، إلا أنَّهم ما رَوَوْه على التَّواتُرِ؛ لأنَّ ظُهورَ العَملِ به
стр. 14582
أَغناهم عن رِوايتِه، وقد ظهَرَ العَملُ بهذا مع ظُهورِ القَولِ أيضًا من الأئِمةِ بالفَتوى به بلا تَنازُعٍ منهم.
ومِثلُه يُوجِبُ العَملَ قَطعًا، فيَجوزُ نَسخُ الكِتابِ الكَريمِ به كما يَجوزُ بالمُتواتِرِ في الرِّوايةِ، إلا أنَّهما يَفتَرِقانِ من وَجهٍ وهو أنَّ جاحِدَ المُتواتِرِ في الرِّوايةِ يَكفُرُ وأنَّ جاحِدَ المُتواتِرِ في ظُهورِ العَملِ لا يَكفرُ؛ لمَعنًى عُرفَ في أُصولِ الفِقهِ.
وقالَ بَعضُ العُلماءِ: نسَخَتها آيةُ المَواريثِ، وفي الحَديثِ ما يَدلُّ عليه؛ فإنَّه ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ ﵎ أعطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، فلا وَصيةَ لوارِثٍ»، وقَولُه: «كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه» أي: كلَّ حَقِّه.
فقد أَشارَ ﷺ إلى أنَّ المِيراثَ الذي أُعطيَ للوارِثِ هو كلُّ حَقِّه، فيَدلُّ على ارتِفاعِ الوَصيةِ وتَحوُّلِ حَقِّه من الوَصيةِ إلى المِيراثِ، وإذا تَحوَّلَ فلا يَبقَى له حَقٌّ في الوَصيةِ، كالقِبلةِ لمَّا تَحوَّلَت من بَيتِ المَقدسِ إلى الكَعبةِ، لم يَبقَ ببَيتِ المَقدسِ قِبلةٌ، وكالدَّينِ إذا تحوَّلَ من ذِمةٍ إلى ذِمةٍ لا يَبقَى في الذِّمةِ الأُولى، وكما في الحَوالةِ الحَقيقيةِ.
وقالَ بَعضُهم: الوَصيةُ بَقيَت واجِبةً للوالِدَينِ والأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ بسَببِ الكُفرِ والرِّقِّ، والآيةُ -وإنْ كانَت عامَّةً في المَخرجِ- خُصَّ منها الوالِدانِ والأَقرَبونَ الوارِثونَ بالحَديثِ، وهو قَولُه ﷺ : «لا وَصيةَ لوارِثٍ» فكانَ الحَديثُ مُخصِّصًا لعُمومِ الكِتابِ لا ناسِخًا، والحَملُ على التَّخصيصِ أَولى من الحَملِ على النَّسخِ، إلا أنَّ عامَّةَ أهلِ التَّأويلِ قالوا: إنَّ
стр. 14583
الوَصيةَ في الابتِداءِ كانَت فَريضةً للوالِدَينِ والأَقرَبينَ المُسلِمينَ ثم نُسخَت بحَديثِ أَبي قِلابةَ.
وقالَ بعضُهم: إنْ كانَ عليه حَجٌّ أو زَكاةٌ أو كَفارةٌ أو غيرُ ذلك من الواجِباتِ فالوَصيةُ بذلك واجِبةٌ، وإنْ لم يَكنْ فهي غيرُ واجِبةٍ بل جائِزةٌ، وبه أخَذَ الفَقيهُ أَبو اللَّيثِ (١).
٢ - ومِن جِهةِ المَعنى؛ لأنَّه لو لم يُوصِ لقُسِّم جَميعُ مالِه بينَ وَرثتِه بالإِجماعِ، فلو كانَت الوَصيةُ واجِبةً لأُخرجَ من مالِه سَهمٌ يَنوبُ عن الوَصيةِ (٢).
٣ - ولأنَّها إِثباتُ حَقٍّ في مالٍ بعَقدٍ كالهِبةِ والعاريةِ (٣).
٤ - قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الوَصيةَ غيرُ واجِبةٍ على أحدٍ إلا أنْ يَكونَ عليه دَينٌ أو تَكونَ عندَه وَديعةٌ أو أَمانةٌ فيُوصي بذلك، وفي إِجماعِهم على هذا بَيانٌ لمَعنى الكِتابِ والسُّنةِ في الوَصيةِ، وقد شذَّت طائِفةٌ فأوجَبَت الوَصيةَ لا يُعدُّونَ خِلافًا على الجُمهورِ، واحتَجُّوا بظاهِرِ القُرآنِ، وقالوا: المَعروفُ واجِبٌ كما يَجبُ تَركُ المُنكرِ، قالوا: وواجِبٌ على الناسِ كلِّهم أنْ يَكونوا من المُتَّقينَ.
وممَّا يَدلُّ على أنَّ الحَديثَ في الحَضِّ على الوَصيةِ نَدبٌ، لا إِيجابٌ، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يُوصِ، مع ما ذكَرنا من إِجماعِ الذين لا يَجوزُ
стр. 14584
عليهم السَّهوُ والغَلطُ ولا الجَهلُ بمَعنى كِتابِ اللهِ وسُنةِ رَسولِه ﷺ ثم رَوى بإِسنادِه عن طَلحةَ بنِ مُصرِّفٍ قالَ: «قُلتُ لابنِ أَبي أوْفَى: أوصَى رَسولُ اللهِ ﷺ بشَيءٍ؟ قالَ: لا. قُلتُ: كيفَ كتَبَ على الناسِ الوَصيةَ، أو أُمِروا بالوَصيةِ؟ قالَ: أوصَى بكِتابِ اللهِ» (١)(٢).
٥ - واستَدلُّوا على ذلك بقَولِه تَعالى في آيةِ الوَصيةِ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠] على أنَّها ليسَت واجِبةً وإنَّما مَندوبةٌ؛ لأنَّه لو كانَ فَرضًا لكانَ على جَميعِ المُسلِمينَ، فلمَّا خَصَّ اللهُ تَعالى مَنْ يَتَّقي، أي: يَخافُ تَقصيرًا، دَلَّ على أنَّه غيرُ لازِمٍ (٣).
وقالَ الإِمامُ القُرطُبيُّ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في وُجوبِ الوَصيةِ على مَنْ خلَّفَ مالًا، بعدَ إِجماعِهم على أنَّها واجِبةٌ على مَنْ قِبَلَه وَدائعُ وعليه دُيونٌ، وأكثَرُ العُلماءِ على أنَّ الوَصيةَ غيرُ واجِبةٍ على مَنْ ليسَ قِبَلَه شَيءٌ من ذلك، وهو قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ والثَّوريِّ، مُوسرًا كانَ المُوصي أو فَقيرًا (٤).
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ المَقدسيُّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ في جَميعِ الأَمصارِ والأَعصارِ على جَوازِ الوَصيةِ.
ولا تَجبُ الوَصيةُ إلا على مَنْ عليه دَينٌ أو عندَه وَديعةٌ أو عليه واجِبٌ يُوصي بالخُروجِ منه؛ فإنَّ اللهَ تَعالى فرَضَ أَداءَ الأَماناتِ، وطَريقُه في هذا
стр. 14585
البابِ الوَصيةُ، فتَكونُ مَفروضةً عليه، فأمَّا الوَصيةُ بجُزءٍ من مالِه فليسَت بواجِبةٍ على أحدٍ في قَولِ الجُمهورِ، وبذلك قالَ الشَّعبيُّ والنَّخعيُّ والثَّوريُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرَّأيِ وغيرُهم، وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: أَجمَعوا على أنَّ الوَصيةَ غيرُ واجِبةٍ إلا على مَنْ عليه حُقوقٌ بغيرِ بَيِّنةٍ وأَمانةٌ بغيرِ إِشهادٍ، إلا طائِفةً شَذَّت فأوجَبَتها.
رُويَ عن الزُّهريِّ أنَّه قالَ: جعَلَ اللهُ الوَصيةَ حَقًّا ممَّا قَلَّ أو كثُرَ، وقيلَ لأَبي مِجلَزٍ: على كلِّ مَيِّتٍ وَصيةٌ؟ قالَ: إنْ ترَكَ خَيرًا.
وقالَ أَبو بَكرِ بنُ عبدِ العَزيزِ: هي واجِبةٌ للأقرَبينَ الذين لا يَرِثونَ، وهو قَولُ داودَ، وحُكيَ ذلك عن مَسروقٍ وطاوُسٍ وإِياسٍ وقَتادةَ وابنِ جَريرٍ، واحتَجُّوا بالآيةِ وخبَرِ ابنِ عُمرَ، وقالوا: نُسخَت الوَصيةُ للوالِدَينِ والأَقرَبينَ الوارِثينَ، وبَقيَت فيمَن لا يَرثُ من الأَقرَبينَ.
ولنا: أنَّ أكثَرَ أَصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ لم يُنقَلْ عنهم وَصيةٌ، ولم يُنقَلْ لذلك نَكيرٌ، ولو كانَت واجِبةً لم يُخِلُّوا بذلك، ولنُقلَ عنهم نَقلًا ظاهِرًا، ولأنَّها عَطيةٌ لا تَجبُ في الحَياةِ فلا تَجبُ بعدَ المَوتِ كعَطيةِ الأَجانبِ، فأمَّا الآيةُ فقالَ ابنُ عَباسٍ عنها: نسَخَها قَولُه : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]، وقالَ ابنُ عُمرَ: نسَخَتها آيةُ المِيراثِ. وبه قالَ عِكرمةُ ومُجاهدٌ ومالِكٌ والشافِعيُّ.
وذهَبَ طائِفةٌ ممَّن يَرى نَسخَ القُرآنِ بالسُّنةِ إلى أنَّها نُسخَت بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ قد أعطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، فلا وَصيةَ لوارِثٍ»
стр. 14586
وحَديثُ ابنِ عُمرَ مَحمولٌ على مَنْ عليه واجِبٌ أو عندَه وَديعةٌ (١).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀ عندَ حَديثِ: «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلمٍ له شَيءٌ يُوصي فيه يَبيتُ لَيلتَينِ إلا ووَصيَّتُه عندَه مَكتوبةٌ»: فيه الحَثُّ على الوَصيةِ، وقد أجمَعَ المُسلِمونَ على الأمرِ بها، لكنَّ مَذهبَنا ومَذهبَ الجَماهيرِ أنَّها مَندوبةٌ لا واجِبةٌ.
وقالَ داودُ وغيرُه من أهلِ الظاهِرِ: هي واجِبةٌ لهذا الحَديثِ، ولا دِلالةَ لهم فيه، فليس فيه تَصريحٌ بإِيجابِها.
لكنْ إنْ كانَ على الإِنسانِ دَينٌ أو حَقٌّ أو عندَه وَديعةٌ ونَحوُها لَزِمه الإِيصاءُ بذلك، قالَ الشافِعيُّ ﵀: مَعنى الحَديثِ: ما الحَزمُ والاحتِياطُ للمُسلمِ إلا أنْ تَكونَ وَصيَّتُه مَكتوبةً عندَه، ويُستحَبُّ تَعجيلُها، وأنْ يَكتبَها في صِحتِه ويُشهِدَ عليه فيها، ويَكتبَ فيها ما يَحتاجُ إليه، فإنْ تَجدَّد له أمرٌ يَحتاجُ إلى الوَصيةِ به ألحَقَه بها، قالوا: ولا يُكلَّفُ أنْ يَكتبَ كلَّ يَومٍ مُحقَّراتِ المُعامَلاتِ وجُزئياتِ الأُمورِ المُتكرِّرةِ، وأمَّا قَولُه ﷺ : «ووَصيَّتُه مَكتوبةٌ عندَه» فمَعناه: مَكتوبةٌ، وقد أشهَدَ (٢).
وقالَ الإِمامُ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ: قد أجمَعَ المُسلِمونَ على الأمرِ بها، أي: الوَصيةِ، لكنَّ مَذهبَ مالِكٍ والشافِعيِّ وأَحمدَ وأَبي حَنيفةَ والجُمهورِ أنَّها مَندوبةٌ لا واجِبةٌ (٣).
стр. 14587
حُكمُ الوَصيةِ حَسبَ صِفةِ حُكمِها الشَّرعيِّ:
الوَصيةُ تَجري عليها الأَحكامُ التَّكليفيةُ الخَمسةُ: الوُجوبُ والاستِحبابُ والإِباحةُ والكَراهةُ والحُرمةُ.
١ - الوُجوبُ:
تَكونُ الوَصيةُ واجِبةً باتِّفاقِ العُلماءِ إذا كانَ على الإِنسانِ دُيونٌ مَجهولةٌ، إمَّا للآدَميِّ وإمَّا للهِ تَعالى، كما سيَأتي تَفصيلُها والخِلافُ فيها بعدُ، أو عندَه وَديعةٌ أو عليه واجِبٌ يُوصي بالخُروجِ منه؛ فإنَّ اللهَ تَعالى فرَضَ أَداءَ الأَماناتِ، وطَريقُه في هذا البابِ الوَصيةُ، فتَكونُ مَفروضةً عليه، ولمَا رَواه نافِعٌ عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلمٍ له شَيءٌ يُوصي فيه يَبيتُ لَيلتَينِ إلا ووَصيَّتُه عندَه مَكتوبةٌ»، قالَ ابنُ عُمرَ: ما مَرَّت علَيَّ لَيلةٌ مُذْ سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ ذلك إلا وعندي وَصيَّتي (١)، وحَديثُ ابنِ عُمرَ هذا مَحمولٌ على مَنْ عليه واجِبٌ أو عندَه وَديعةٌ (٢).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الوَصيةَ غيرُ واجِبةٍ على أحدٍ إلا أنْ يَكونَ عليه دَينٌ أو تَكونَ عندَه وَديعةٌ أو أَمانةٌ فيُوصيَ بذلك (٣).
стр. 14588
وقالَ الإِمامُ القُرطُبيُّ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في وُجوبِ الوَصيةِ على مَنْ خلَّفَ مالًا، بعدَ إِجماعِهم على أنَّها واجِبةٌ على مَنْ قِبَلَه وَدائعُ وعليه دُيونٌ، وأكثَرُ العُلماءِ على أنَّ الوَصيةَ غيرُ واجِبةٍ على مَنْ ليسَ قِبَلَه شَيءٌ من ذلك، وهو قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ والثَّوريِّ، مُوسرًا كانَ المُوصي أو فَقيرًا (١).
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ المَقدسيُّ ﵀: لا تَجبُ الوَصيةُ إلا على مَنْ عليه دَينٌ أو عندَه وَديعةٌ أو عليه واجِبٌ يُوصي بالخُروجِ منه؛ فإنَّ اللهَ تَعالى فرَضَ أَداءَ الأَماناتِ، وطَريقُه في هذا البابِ الوَصيةُ، فتَكونُ مَفروضةً عليه، وحَديثُ ابنِ عُمرَ مَحمولٌ على مَنْ عليه واجِبٌ أو عندَه وَديعةٌ (٢).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: إنْ كانَ على الإِنسانِ دَينٌ أو حَقٌّ أو عندَه وَديعةٌ ونَحوُها لَزِمه الإِيصاءُ بذلك (٣).
وقالَ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ: الخامِسةُ: هذا الذي تقدَّمَ من حَملِ الأمرِ بالوَصيةِ على الاستِحبابِ هو في غيرِ الحُقوقِ الواجِبةِ، أمَّا إذا كانَ عندَ الإِنسانِ وَديعةٌ أو في ذِمتِه حَقٌّ للهِ تَعالى كزَكاةٍ أو حَجٍّ أو دَينٍ لآدَميٍّ؛ فإنَّه يَجبُ عليه أنْ يُوصيَ به، وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ في شَرحِ «العُمدة» كانَ الحَديثُ إنَّما يُحملُ على هذا النَّوعِ، ووقَعَ في كَلامِ الرافِعيِّ من أَصحابِنا في الكَلامِ على الوَصايا أنَّها مُستحَبةٌ في رَدِّ المَظالِمِ وقَضاءِ الدُّيونِ وتَنفيذِ
стр. 14589
الوَصايا وأُمورِ الأَطفالِ، وهذا مُخالفٌ لما تقرَّرَ في كَلامِه وكَلامِ غيرِه من وُجوبِ الوَصيةِ بالحُقوقِ الواجِبةِ، وحمَلَه النَّوويُّ في المَظالمِ وقَضاءِ الدُّيونِ على ما إذا كانَ قادِرًا عليهما في الحالِ، فإنْ كانَ عاجِزًا عنهما وجَبَ عليه أنْ يُوصيَ بهما، وعندي أنَّ الاستِحبابَ الذي في كَلامِ الرافِعيِّ هنا إنَّما مَرجعُه إلى تَعيينِ شَخصٍ يُسنَدُ تَعاطي ذلك إليه، فأمَّا الإِعلامُ به إذا لم يَكنْ به إِشهادٌ مُتقدِّمٌ فهو واجِبٌ، وليسَ في كَلامِه ما يُخالفُه، واللهُ أعلَمُ.
هذا الذي ذكَرناه من وُجوبِ الوَصيةِ بالحُقوقِ الواجِبةِ مَحلُّه ما إذا لم يَعلمْ به غيرُه، فأمَّا إذا علِمَ به غيرُه فلا تَجبُ، كذا عبَّرَ به الرافِعيُّ من أَصحابِنا، وقالَ النَّوويُّ: المُرادُ إذا لم يَعلمْ به مَنْ يَثبُتُ بقَولِه. وقُصدَ بذلك إِخراجُ الكافِرِ والفاسِقِ والصَّبيِّ والعَبدِ والمَرأةِ؛ فإنَّه لا يَكفي عِلمُهم، مع دُخولِهم في تَعبيرِ الرافِعيِّ، قالَ شَيخُنا الإِمامُ جَمالُ الدِّينِ عبدُ الرَّحيمِ الإِسنَويُّ: وهو غيرُ كافٍ أيضًا؛ فإنَّ قَولَ الوَرثةِ كافٍ في الثُّبوتِ مع أنَّ المُتَّجَهَ أنَّ عِلمَهم لا يَكفي؛ لأنَّهم الغُرماءُ، فلا بُدَّ من حُجةٍ تَقومُ عليهم عندَ إِنكارِهم (١).
وسيَأتي تَمامُ ذلك مُفصَّلًا فيما تَصحُّ وتَجبُ الوَصيةُ به في أَركانِ الوَصيةِ.
стр. 14590
٢ - الاستِحبابُ:
يُستحَبُّ للإِنسانِ إذا كانَ ترَكَ مالًا كَثيرًا أنْ يُوصيَ لأَقاربِه الفُقراءِ، وهُم أَولى من غيرِهم عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعية والحَنابِلة في المَذهبِ، وكذا المَساكينُ والعُلماءُ ونَحوُهم؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] فنُسخَ الوُجوبُ وبَقيَ الاستِحبابُ في حَقِّ مَنْ لا يَرثُ.
وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ تَصدَّقَ عليكم عندَ وَفاتِكم بثُلثِ أَموالِكم زيادةً لكم في أَعمالِكم وحَسناتِكم» (١).
وعن نافِعٍ قالَ: قالَ ابنُ عُمرَ ﵄: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ يَقولُ: يا ابنَ آدَمَ اثنَتان لم تَكُنْ لك واحِدةٌ منهما، جعَلتُ لك نَصيبًا من مالِكَ حين أخَذتُ بكَظَمِك لأُطهِّرَك به ولأُزكِّيَك بصَلاةِ عِبادي عليك بعدَ انقِضاءِ أَجلِك» (٢).
وكذا تُستحَبُّ الوَصيةُ بالكَفاراتِ وفِديةِ الصَّلاةِ والصِّيامِ ونَحوِها عندَ الحَنفيةِ (٣).
стр. 14591
٣ - الكَراهةُ:
تَكونُ الوَصيةُ مَكروهةً في حالاتٍ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ فَقيرًا له وَرثةٌ مُحتاجونَ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُكرهُ للفَقيرِ الذي له وَرثةٌ مُحتاجونَ أنْ يُوصيَ؛ لأنَّ اللهَ قالَ في الوَصيةِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠].
وقالَ النَّبيُّ ﷺ لسَعدِ بنِ أَبي وَقاصٍ ﵁: «إنَّكَ أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ في أَيديهم» (١).
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «ابدَأْ بنَفسِك ثم بمَن تَعولُ» (٢).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ لم يَكنْ عندَه إلا اليَسيرُ التافِهُ من المالِ لا يُندبُ إلى الوَصيةِ (٣).
وسيَأتي بَقيةُ الكَلامِ عليه في الأَفضلِ في مِقدارِ الوَصيةِ.
الحالةُ الثانيةُ: الزِّيادةُ على الثُّلثِ:
صرَّحَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ أنَّه تُكرهُ الوَصيةُ بالزِّيادةِ على الثُّلثِ (٤).
стр. 14592
الحالةُ الثالِثةُ: الوَصيةُ لأهلِ الفُسوقِ:
قالَ الحَنفيةُ: تُكرهُ الوَصيةُ لأهلِ الفُسوقِ والمَعاصي إذا غلَبَ على ظَنِّه أنَّه يَصرِفُها للفُسوقِ والفُجورِ (١).
٤ - الإِباحةُ:
تُباحُ الوَصيةُ لفَقيرٍ وَرثتُه أَغنياءُ على قَولٍ للحَنابِلةِ (٢).
وكذا تُباحُ الوَصيةُ للأَغنياءِ من الأَجانبِ والأَقاربِ عندَ الحَنفيةِ، قالَ ابنُ عابدِين: قَولُه: (ومُباحةٌ لغَنيٍّ) لعلَّ المُرادَ إذا لم يَقصِدِ القُربةَ، أمَّا لو أَوصى له لكَونِه من أهلِ العِلمِ أو الصَّلاحِ إِعانةً له أو لكَونِه رَحِمًا كاشِحًا أو ذا عِيالٍ فيَنبَغي نَدبُها (٣).
٥ - الحُرمةُ:
تَحرمُ الوَصيةُ في عِدةِ حالاتٍ:
الحالةُ الأُولى: الإِضرارُ في الوَصيةِ:
ذهَبَ عامَّةُ العُلماءِ إلى أنَّه يَحرمُ على الإِنسانِ أنْ يَضرَّ في الوَصيةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، أي: غيرَ مُدخِلٍ الضَّررَ على الوَرثةِ، وهو أنْ يُوصيَ بدَينٍ ليسَ عليه
стр. 14593
يُريدُ بذلك ضَررَ الوَرثةِ، فمنَعَ اللهُ منه، وقالَ : ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١٢] (١).
وعن الأشعَثِ بنِ جابِرٍ قالَ: حدَّثَني شَهرُ بنُ حَوشَبٍ أنَّ أَبا هُريرةَ حدَّثَه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إنَّ الرَّجلَ ليَعملُ والمَرأةُ بطاعةِ اللهِ سِتِّينَ سَنةً ثم يَحضُرُهما المَوتُ فيُضارانِ في الوَصيةِ فتَجبُ لهما النارُ». قالَ: وقرَأَ علَيَّ أَبو هُريرةَ من ههنا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] حتى بلَغَ: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣] (٢).
وفي لَفظِ أَحمدَ وابنِ ماجَه: «إنَّ الرَّجلَ ليَعمَلُ بعَملِ أهلِ الخَيرِ سَبعينَ سَنةً، فإذا أوصى حافَ في وَصيَّتِه فيُختَمُ له بشَرِّ عَملِه فيَدخلُ النارَ، وإنَّ الرَّجلَ ليَعمَلُ بعَملِ أهلِ الشَّرِّ سَبعينَ سَنةً، فيَعدلُ في وَصيَّتِه فيُختمُ له بخَيرِ عَملِه فيَدخلُ الجَنةَ»، قالَ: ثم يَقولُ أَبو هُريرةَ: واقرَؤُوا إنْ شِئتُم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣] إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤] (٣).
وقد عدَّها بعضُ العُلماءِ -كالذَّهبيِّ وابنِ حَجرٍ الهَيتَميِّ- من الكَبائرِ، لمَا رُويَ عن ابنِ عَباسٍ ﵄ قالَ: «الإِضرارُ في الوَصيةِ من الكَبائرِ» (٤).
стр. 14594
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وذلك -واللهُ أعلَمُ- لأنَّ الوَعيدَ أتى مَنوطًا بذِكرِ ذلك في القُرآنِ، قالَ اللهُ : ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢، ١٣]، ثم ذكَرَ الوَعيدَ بإثرِ ذلك فيمَن تَعدَّى حُدودَ اللهِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيثَميُّ: صرَّحَ جَمعٌ من أئِمَّتِنا ومن غيرِهم بأنَّ ذلك -أي: الإِضرارَ في الوَصيةِ- من الكَبائرِ.
قالَ ابنُ عادِلٍ في تَفسيرِه: اعلَمْ أنَّ الإِضرارَ في الوَصيةِ يَقعُ على وُجوهٍ:
منها: أنْ يُوصيَ بأكثَرَ من الثُّلثِ، أو يُقرَّ بكلِّ مالِه أو بعضِه لأَجنبيٍّ، أو يُقرَّ على نَفسِه بدَينٍ لا حَقيقةَ له دَفعًا للمِيراثِ عن الوَرثةِ، أو يُقرَّ بأنَّ الدَّينَ الذي كانَ له على فُلانٍ استَوفاه منه، أو يَبيعَ شَيئًا بثَمنٍ رَخيصٍ ويَشتريَ شَيئًا بثَمنٍ غالٍ، كلُّ ذلك لغَرضِ ألَّا يَصلَ المالُ إلى الوَرثةِ، أو يُوصيَ بالثُّلثِ لا لوَجهِ اللهِ ، لكنْ لغَرضِ تَنقيصِ الوَرثةِ، فهذا هو الإِضرارُ في الوَصيةِ.
ويَدلُّ على ذلك قَولُه تَعالى بعدَ هذه الآيةِ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣]، قالَ ابنُ عَباسٍ: في الوَصيةِ، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]، قالَ: في الوَصيةِ.
стр. 14595
وأيضًا: فمُخالَفةُ أمرِ اللهِ عندَ القُربِ من المَوتِ تَدلُّ على الخَسارةِ الشَّديدةِ، وذلك من أكبَرِ الكَبائرِ. انتَهى.
وجَرَى على ذلك كلِّه الزَّركَشيُّ؛ فإنَّ بعضَ المُتأخِّرينَ قالَ: رأيتُ بخَطِّ الزَّركَشيِّ ما لَفظُه … وساقَ ما ذكَرتُه عن ابنِ عادِلٍ جَميعَه إلا قَليلًا منه، وهو عَجيبٌ من الزَّركَشيِّ؛ فإنَّ ما أطلَقَه في الوَصيةِ بأكثَرَ من الثُّلثِ لا يأتِي على قَواعِدِنا؛ لأنَّ ذلك عندَنا مَكروهٌ، لا حَرامٌ، فَضلًا على كَونِه كَبيرةً.
نَعَم، الظاهِرُ أنَّه يَحرمُ عليه ذلك إنْ قصَدَ حِرمانَ وَرثتِه وعلِمَ أنَّ من أوصى له يَستولي على أكثَرَ من الثُّلثِ ظُلمًا وعُدوانًا، وحينَئذٍ لا يَبعُدُ أنْ تُعدَّ وَصيَّتُه حينَئذٍ كَبيرةً؛ لأنَّ فيه أبلَغَ الإِضرارِ بالوَرثةِ، سيَّما في هذه الحالةِ التي يَصدُقُ فيها الكاذِبُ ويَتوبُ فيها الفاجِرُ، فإِقدامُه على ذلك دَليلٌ ظاهِرٌ على قَسوةِ قَلبِه وفَسادِ لُبِّه وغايةِ جَرأتِه، فلذلك يُختمُ له بشَرِّ عَملِه فيَدخلُ النارَ.
ومن الإِضرارِ في الوَصيةِ أنْ يُوصيَ على نَحوِ أَطفالِه من يَعلمُ من حالِه أنَّه يأكُلُ مالَهم أو يَكونُ سَببًا لضَياعِه لكَونِه لا يُحسنُ التَّصرُّفَ فيه أو لنَحوِ ذلك (١).
وقالَ الرَّمليُّ: قالَ الأذرَعيُّ: ويَظهرُ الجَزمُ بالتَّحريمِ إذا قُصدَ به حِرمانُ الوارِثِ؛ لمَا فيه من المُضادةِ وتَضييعِ المالِ؛ إذْ لا ثَوابَ مع هذا القَصدِ
стр. 14596
المَذمومِ، قَولُه: «هذا ما جزَمَ به النَّوويُّ في شَرحِ مُسلمٍ» أشارَ شَيخُنا إلى تَضعيفِه (١).
وقالَ الإِمامُ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: الإِضرارُ في الوَصيةِ على وُجوهٍ:
منها: أنْ يُقرَّ في وَصيَّتِه بمالِه أو ببعضِه لأَجنبيٍّ، أو يُقرَّ على نَفسِه بدَينٍ لا حَقيقةَ له إِبعادًا للمِيراثِ عن وارِثِه ومُستحِقِّه.
ومنها: أنْ يُقرَّ باستِيفاءِ دَينٍ له على غيرِه في مَرضِه لئلَّا يَصلَ إلى وارِثِه.
ومنها: أنْ يَبيعَ مالَه من غيرِه في مَرضِه ويُقرَّ باستِيفاءِ ثَمنِه.
ومنها: أنْ يَهبَ مالَه في مَرضِه أو يَتصدَّقَ بأكثَرَ من ثُلثِه في مَرضِه إِضرارًا منه بوَرثتِه.
ومنها: أنْ يَتعدَّى فيُوصيَ بأكثَرَ مما تَجوزُ له الوَصيةُ به، وهو الزِّيادةُ على الثُّلثِ.
فهذه الوُجوهُ كلُّها من المُضارَّةِ في الوَصيةِ، وقد بيَّنَ النَّبيُّ ﷺ ذلك في فَحوَى قَولِه لسَعدٍ: «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ، إنَّكَ أنْ تَدَعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ» (٢)، وحدَّثَنا عبدُ الباقي بنُ قانِعٍ قالَ: حدَّثنا أَحمدُ بنُ الحَسنِ المِصريُّ قالَ: حدَّثَنا عبدُ الصَّمدِ بنُ حَسانَ
стр. 14597
قالَ: حدَّثَنا سُفيانُ الثَّوريُّ عن داودَ -يَعني ابنَ أَبي هِندٍ- عن عِكرمةَ عن ابنِ عَباسٍ قالَ: «الإِضرارُ في الوَصيةِ من الكَبائرِ» ثم قرَأَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣]، قالَ «في الوَصيةِ»: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤] قال: «في الوَصية» (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَحرمُ الوَصيةُ لمَّن يَرثُه غيرَ زَوجٍ أو غيرَ زَوجةٍ بزائِدٍ على الثُّلثِ لأَجنبيٍّ على الصَّحيحِ، وقيلَ: تُكرهُ، ولوارِثٍ بشَيءٍ نَصًّا، سَواءٌ كانَت في صِحتِه أو مَرضِه.
أمَّا تَحريمُ الوَصيةِ لغيرِ وارِثٍ بزائِدٍ على الثُّلثِ فلقَولِه ﷺ لسَعدٍ حينَ قالَ: «أُوصي بمالي كلِّه؟ قالَ: لا. قُلتُ: فالشَّطرُ؟ قالَ: لا. قُلتُ: فالثُّلثُ؟ قالَ: الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ، أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ في أيديهم» (٢).
ورَوى مُسلمٌ عن عِمرانَ بنِ الحُصَينِ ﵁ «أنَّ رَجلًا من الأَنصارِ أوصَى عندَ مَوتِه بعِتقِ سِتةِ أعبُدٍ لا مالَ له غيرَهم، فدَعاهم رَسولُ اللهِ ﷺ فأقرَعَ بينَهم، فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً وقالَ له قَولًا شَديدًا» (٣).
وأمَّا تَحريمُها للوارِثِ بشَيءٍ فلقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ قد
стр. 14598
أعطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، فلا وَصيةَ لوارِثٍ» (١)، وتَصحُّ هذه الوَصيةُ المُحرَّمةُ وتَقفُ على إِجازةِ الوَرثةِ؛ لأنَّ المَنعَ لحَقِّ الوَرثةِ، فإذا رَضُوا بإِسقاطِه نفَذَ (٢).
وسيَأتي تَفصيلُ ذلك في بَيانِ حُكمِ الوَصيةِ للوارِثِ.
الحالةُ الثانيةُ: الوَصيةُ بمَعصيةٍ:
صرَّحَ عامةُ الفُقهاءِ بأنَّه تَحرمُ الوَصيةُ بمُحرَّمٍ كبِناءِ خَمارةٍ ونَحوِها، أو فيما يُغضبُ اللهَ تَعالى، أو بِناءِ كَنيسةٍ أو كِتابةِ التَّوراةِ أو الإِنجيلِ ونَحوِهما من الكُتبِ المُحرَّمةِ ككُتبِ السِّحرِ والشَّعوذةِ (٣).
стр. 14599
الوَصيةُ للأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ:
الكَلامُ في الوَصيةِ للأَقربينَ غيرِ الوارِثينَ يَكونُ في ثَلاثِ مَسائلَ:
المَسألةُ الأُولى: استِحبابُ الوَصيةِ للأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الأفضَلَ أنْ يَجعلَ وَصيَّتَه لأَقاربِه الذين لا يَرِثونَ إذا كانوا فُقراءَ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ الوَصيةَ للأَقاربِ أفضَلُ من الوَصيةِ لغيرِهم إذا لم يَكونوا وَرثةً، وكانوا في حاجةٍ، وكذلك لا خِلافَ علِمتُه بينَ العُلماءِ في جَوازِ وَصيةِ المُسلمِ لقَرابتِه الكُفارِ؛ لأنَّهم لا يَرِثونَه، وقد أوصَتْ صَفيةُ بِنتُ حُيَيٍّ لأخٍ لها يَهوديٍّ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: وذلك لأنَّ اللهَ تَعالى كتَبَ الوَصيةَ للوالِدَينِ والأَقرَبينَ فخرَجَ منه الوارِثونَ بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا وَصيةَ لوارِثٍ» وبَقيَ سائِرُ الأَقاربِ لهم، وأقَلُّ ذلك الاستِحبابُ.
وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقالَ تَعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧]، فبدَأَ بهم، ولأنَّ الصَّدقةَ عليهم في الحَياةِ أفضَلُ، فكذلك بعدَ المَوتِ (٢).
стр. 14600
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: لو كانَ للمَيتِ أَقاربُ لا يَرِثونَ كانَت الوَصيةُ لهم أَولى من الوَصيةِ بالعِتقِ وما أعلَمُ في هذا خِلافًا (١).
وقالَ أيضًا: ولهذا يُؤمرُ بأنْ يُوصيَ لأَقاربِه الذين لا يَرِثونَ، إمَّا أمْرَ إِيجابٍ على قَولِ بعضِ العُلماءِ وإمَّا أمْرَ استِحبابٍ كقَولِ الأَكثَرينَ، وهُما رِوايتانِ عن أَحمدَ، واللهُ أعلَمُ (٢).
المَسألةُ الثانيةُ: هل تَجبُ الوَصيةُ للأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الوَصيةِ للأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ هل تَجبُ أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّ الوَصيةَ لهم أَولى من غيرِهم، وعلى استِحبابِها لهم على ما تقدَّمَ.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في أحدِ القَولَينِ إلى أنَّها مُستحبةٌ ولا تَجبُ، سَواءٌ للأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ أو الأجنَبيِّينَ، وعلى أنَّ الوَصيةَ لغيرِ الأَقرَبينَ جائِزةٌ ولا تُردُّ.
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵁: وكانَ فَرضًا في كِتابِ اللهِ تَعالى على مَنْ ترَكَ خَيرًا -والخَيرُ المالُ- أنْ يُوصيَ لوالِدَيه وأَقرَبيه، ثم زعَمَ بعضُ أهلِ العِلمِ بالقُرآنِ أنَّ الوَصيةَ للوالِدَينِ والأَقرَبينَ الوارِثينَ مَنسوخةٌ.
واختلَفوا في الأقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ فأكثَرُ مَنْ لَقيتُ من أهلِ العِلمِ ممَّن