المَذمومِ، قَولُه: «هذا ما جزَمَ به النَّوويُّ في شَرحِ مُسلمٍ» أشارَ شَيخُنا إلى تَضعيفِه (١).
وقالَ الإِمامُ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: الإِضرارُ في الوَصيةِ على وُجوهٍ:
منها: أنْ يُقرَّ في وَصيَّتِه بمالِه أو ببعضِه لأَجنبيٍّ، أو يُقرَّ على نَفسِه بدَينٍ لا حَقيقةَ له إِبعادًا للمِيراثِ عن وارِثِه ومُستحِقِّه.
ومنها: أنْ يُقرَّ باستِيفاءِ دَينٍ له على غيرِه في مَرضِه لئلَّا يَصلَ إلى وارِثِه.
ومنها: أنْ يَبيعَ مالَه من غيرِه في مَرضِه ويُقرَّ باستِيفاءِ ثَمنِه.
ومنها: أنْ يَهبَ مالَه في مَرضِه أو يَتصدَّقَ بأكثَرَ من ثُلثِه في مَرضِه إِضرارًا منه بوَرثتِه.
ومنها: أنْ يَتعدَّى فيُوصيَ بأكثَرَ مما تَجوزُ له الوَصيةُ به، وهو الزِّيادةُ على الثُّلثِ.
فهذه الوُجوهُ كلُّها من المُضارَّةِ في الوَصيةِ، وقد بيَّنَ النَّبيُّ ﷺ ذلك في فَحوَى قَولِه لسَعدٍ: «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ، إنَّكَ أنْ تَدَعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ» (٢)، وحدَّثَنا عبدُ الباقي بنُ قانِعٍ قالَ: حدَّثنا أَحمدُ بنُ الحَسنِ المِصريُّ قالَ: حدَّثَنا عبدُ الصَّمدِ بنُ حَسانَ
стр. 14597
قالَ: حدَّثَنا سُفيانُ الثَّوريُّ عن داودَ -يَعني ابنَ أَبي هِندٍ- عن عِكرمةَ عن ابنِ عَباسٍ قالَ: «الإِضرارُ في الوَصيةِ من الكَبائرِ» ثم قرَأَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣]، قالَ «في الوَصيةِ»: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤] قال: «في الوَصية» (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَحرمُ الوَصيةُ لمَّن يَرثُه غيرَ زَوجٍ أو غيرَ زَوجةٍ بزائِدٍ على الثُّلثِ لأَجنبيٍّ على الصَّحيحِ، وقيلَ: تُكرهُ، ولوارِثٍ بشَيءٍ نَصًّا، سَواءٌ كانَت في صِحتِه أو مَرضِه.
أمَّا تَحريمُ الوَصيةِ لغيرِ وارِثٍ بزائِدٍ على الثُّلثِ فلقَولِه ﷺ لسَعدٍ حينَ قالَ: «أُوصي بمالي كلِّه؟ قالَ: لا. قُلتُ: فالشَّطرُ؟ قالَ: لا. قُلتُ: فالثُّلثُ؟ قالَ: الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ، أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ في أيديهم» (٢).
ورَوى مُسلمٌ عن عِمرانَ بنِ الحُصَينِ ﵁ «أنَّ رَجلًا من الأَنصارِ أوصَى عندَ مَوتِه بعِتقِ سِتةِ أعبُدٍ لا مالَ له غيرَهم، فدَعاهم رَسولُ اللهِ ﷺ فأقرَعَ بينَهم، فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً وقالَ له قَولًا شَديدًا» (٣).
وأمَّا تَحريمُها للوارِثِ بشَيءٍ فلقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ قد
стр. 14598
أعطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، فلا وَصيةَ لوارِثٍ» (١)، وتَصحُّ هذه الوَصيةُ المُحرَّمةُ وتَقفُ على إِجازةِ الوَرثةِ؛ لأنَّ المَنعَ لحَقِّ الوَرثةِ، فإذا رَضُوا بإِسقاطِه نفَذَ (٢).
وسيَأتي تَفصيلُ ذلك في بَيانِ حُكمِ الوَصيةِ للوارِثِ.
الحالةُ الثانيةُ: الوَصيةُ بمَعصيةٍ:
صرَّحَ عامةُ الفُقهاءِ بأنَّه تَحرمُ الوَصيةُ بمُحرَّمٍ كبِناءِ خَمارةٍ ونَحوِها، أو فيما يُغضبُ اللهَ تَعالى، أو بِناءِ كَنيسةٍ أو كِتابةِ التَّوراةِ أو الإِنجيلِ ونَحوِهما من الكُتبِ المُحرَّمةِ ككُتبِ السِّحرِ والشَّعوذةِ (٣).
стр. 14599
الوَصيةُ للأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ:
الكَلامُ في الوَصيةِ للأَقربينَ غيرِ الوارِثينَ يَكونُ في ثَلاثِ مَسائلَ:
المَسألةُ الأُولى: استِحبابُ الوَصيةِ للأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الأفضَلَ أنْ يَجعلَ وَصيَّتَه لأَقاربِه الذين لا يَرِثونَ إذا كانوا فُقراءَ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ الوَصيةَ للأَقاربِ أفضَلُ من الوَصيةِ لغيرِهم إذا لم يَكونوا وَرثةً، وكانوا في حاجةٍ، وكذلك لا خِلافَ علِمتُه بينَ العُلماءِ في جَوازِ وَصيةِ المُسلمِ لقَرابتِه الكُفارِ؛ لأنَّهم لا يَرِثونَه، وقد أوصَتْ صَفيةُ بِنتُ حُيَيٍّ لأخٍ لها يَهوديٍّ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: وذلك لأنَّ اللهَ تَعالى كتَبَ الوَصيةَ للوالِدَينِ والأَقرَبينَ فخرَجَ منه الوارِثونَ بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا وَصيةَ لوارِثٍ» وبَقيَ سائِرُ الأَقاربِ لهم، وأقَلُّ ذلك الاستِحبابُ.
وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقالَ تَعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧]، فبدَأَ بهم، ولأنَّ الصَّدقةَ عليهم في الحَياةِ أفضَلُ، فكذلك بعدَ المَوتِ (٢).
стр. 14600
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: لو كانَ للمَيتِ أَقاربُ لا يَرِثونَ كانَت الوَصيةُ لهم أَولى من الوَصيةِ بالعِتقِ وما أعلَمُ في هذا خِلافًا (١).
وقالَ أيضًا: ولهذا يُؤمرُ بأنْ يُوصيَ لأَقاربِه الذين لا يَرِثونَ، إمَّا أمْرَ إِيجابٍ على قَولِ بعضِ العُلماءِ وإمَّا أمْرَ استِحبابٍ كقَولِ الأَكثَرينَ، وهُما رِوايتانِ عن أَحمدَ، واللهُ أعلَمُ (٢).
المَسألةُ الثانيةُ: هل تَجبُ الوَصيةُ للأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الوَصيةِ للأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ هل تَجبُ أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّ الوَصيةَ لهم أَولى من غيرِهم، وعلى استِحبابِها لهم على ما تقدَّمَ.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في أحدِ القَولَينِ إلى أنَّها مُستحبةٌ ولا تَجبُ، سَواءٌ للأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ أو الأجنَبيِّينَ، وعلى أنَّ الوَصيةَ لغيرِ الأَقرَبينَ جائِزةٌ ولا تُردُّ.
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵁: وكانَ فَرضًا في كِتابِ اللهِ تَعالى على مَنْ ترَكَ خَيرًا -والخَيرُ المالُ- أنْ يُوصيَ لوالِدَيه وأَقرَبيه، ثم زعَمَ بعضُ أهلِ العِلمِ بالقُرآنِ أنَّ الوَصيةَ للوالِدَينِ والأَقرَبينَ الوارِثينَ مَنسوخةٌ.
واختلَفوا في الأقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ فأكثَرُ مَنْ لَقيتُ من أهلِ العِلمِ ممَّن
стр. 14601
حفِظتُ عنه قالَ: الوَصايا مَنسوخةٌ؛ لأنَّه إنَّما أُمرَ بها إذا كانَت إنَّما يُورَثُ بها، فلمَّا قسَّمَ اللهُ -تَعالى ذِكرُه- المَواريثَ كانَت تَطوُّعًا.
قالَ الشافِعيُّ: وهذا -إنْ شاءَ اللهُ تَعالى- كلُّه كما قالوا.
فإنْ قالَ قائِلٌ: ما دَلَّ على ما وَصفتَ؟ قيلَ له: قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] أخبَرَنا ابنُ عُيَينةَ عن سُليمانَ الأَحولِ عن مُجاهدٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا وَصيةَ لوارِثٍ»، وما وَصفتُ من أنَّ الوَصيةَ للوارِثِ مَنسوخةٌ بآيِ المَواريثِ وأنَّه لا وَصيةَ لوارِثٍ ممَّا لا أعرِفُ فيه عن أحدٍ ممَّن لَقيتُ خِلافًا.
قالَ الشافِعيُّ: وإذا كانَت الوَصايا لمَن أمَرَ اللهُ تَعالى ذِكرُه بالوَصيةِ مَنسوخةً بآيِ المَواريثِ، وكانَت السُّنةُ تَدلُّ على أنَّها لا تَجوزُ لوارِثٍ وتَدلُّ على أنَّها تَجوزُ لغيرِ قَرابةٍ، دَلَّ ذلك على نَسخِ الوَصايا للوَرثةِ، وأشبَهَ أنْ يَدلَّ على نَسخِ الوَصايا لغيرِهم، قالَ: ودَلَّ على أنَّ الوَصايا للوالِدَينِ وغيرِهما ممَّن يَرثُ بكلِّ حالٍ إذا كانَ في مَعنى غَيرِ وارِثٍ فالوَصيةُ له جائِزةٌ، ومِن قِبَلِ أنَّها إنَّما بطَلَت وَصيتُه إذا كانَ وارِثًا، فإذا لم يَكنْ وارِثًا فليس بمُبطِلٍ للوَصيةِ، وإذا كانَ المُوصي يَتناولُ مَنْ شاءَ بوَصيتِه كانَ والِدُه دونَ قَرابتِه إذا كانوا غيرَ وَرثةٍ في مَعنى مَنْ لا يَرثُ ولهم حَقُّ القَرابةِ وصِلةِ الرَّحمِ.
стр. 14602
فإنْ قالَ قائِلٌ: فأينَ الدِّلالةُ على أنَّ الوَصيةَ لغيرِ ذي الرَّحمِ جائِزةٌ؟ قيلَ له -إنْ شاءَ اللهُ تَعالى-: حَديثُ عِمرانَ بنِ حُصينٍ «أنَّ رَجلًا أعتَقَ سِتةَ مَملوكينَ له ليسَ له مالٌ غيرُهم، فجَزَّأهم النَّبيُّ ﷺ ثَلاثةَ أجزاءٍ، فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً» (١) والمُعتَقُ عَربيٌّ، وإنَّما كانَت العَربُ تَملِكُ مَنْ لا قَرابةَ بينَها وبينَه، فلو لم تَجُزِ الوَصيةُ إلا لذي قَرابةٍ لم تَجُزْ للمَملوكينَ، وقد أجازَها لهم رَسولُ اللهِ ﷺ (٢).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: اختلَفوا فيمَن أوصَى لغيرِ قَرابتِه وترَكَ قَرابتَه الذين لا يَرِثونَ، فرُويَ عن عُمرَ أنَّه أوصى لأُمَّهاتِ أَولادِه لكلِّ واحِدةٍ بأربَعةِ آلافٍ، ورُويَ عن عائِشةَ أنَّها أوصَت لمَولاةٍ لها بأَثاثِ البَيتِ، ورُويَ عن سالِمٍ مِثلُ ذلك، قالَ الضَّحاكُ: «إنْ أوصَى لغيرِ قَرابتِه فقد ختَمَ عَملَه بمَعصيةٍ»، وقالَ طاوُسٌ: «مَنْ أوصَى فسَمَّى غيرَ قَرابتِه وترَكَ قَرابَتَه مُحتاجينَ رُدَّت وَصيتُه على قَرابتِه» ذكَرَه عبدُ الرَّزاقِ عن مَعمَرٍ عن ابنِ طاوُسٍ عن أَبيه، وهو مَشهورٌ عن طاوُسٍ، ورُويَ عن الحَسنِ البَصريِّ مِثلُه، وقالَ الحَسنُ أيضًا وجابِرُ بنُ زَيدٍ وسَعيدُ بنُ المُسيِّبِ: «إذا أوصَى لغيرِ قَرابتِه وترَكَ قرابَتَه؛ فإنَّه يَردُّ إلى قَرابتِه ثُلثَي الثُّلثِ ويُمضي ثُلثَه لمَن أوصَى له»، وبه قالَ إِسحاقُ بنُ رَاهَوَيهِ، ذكَرَه إِسحاقُ الكَوسَجُ عنه حدَّثَناه أَحمدُ بنُ مُحمدِ بنِ أَحمدَ وعُبيدُ بنُ مُحمدٍ قالا: حَدَّثنا الحَسنُ ابنُ سَلمةَ قالَ: حَدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ الجارودِ قالَ: حَدَّثنا إِسحاقُ بنُ مَنصورٍ عن إِسحاقَ فذكَرَه.
стр. 14603
وقالَ مالِكٌ وسُفيانُ الثَّوريُّ والأَوزاعيُّ وأَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَصحابُهم: إذا أَوصَى لغيرِ قَرابتِه وترَكَ قَرابتَه مُحتاجِينَ أو غيرَ مُحتاجينَ جازَ ما صنَعَ، وبئسَما فعَلَ إذا ترَكَ قرابَتَه مُحتاجينَ وأَوصَى لغيرِهم، وبه قالَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ: وهو قَولُ عُمرَ وعائِشةَ وابنِ عَباسٍ وعَطاءٍ ومُجاهدٍ وقَتادةَ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ وجُمهورِ أهلِ العِلمِ، واحتَجَّ الشافِعيُّ وغيرُه في جَوازِ الوَصيةِ لغيرِ الأَقاربِ بحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ في الذي أعتَقَ سِتةَ أعبُدٍ له عندَ مَوتِه في مَرضِه لا مالَ له غيرَهم فأقرَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ بينَهم فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً، فهذه وَصيةٌ لهم في ثُلثِه؛ لأنَّ أَفعالَ المَريضِ كلَّها وَصيةٌ في ثُلثِه، وهُم لا مَحالةَ من غيرِ قَرابتِه، وحَسبُكَ بجَماعةِ أهلِ الفِقهِ والحَديثِ يُجيزونَ الوَصيةَ لغيرِ القَرابةِ، وفي ذلك ما يُبيِّنُ لك المُرادَ من مَعاني الكِتابِ وباللهِ العِصمةُ والتَّوفيقُ (١).
وذهَبَ الإِمامُ أَبو بَكرِ بنُ عبدِ العَزيزِ من الحَنابِلةِ وجَماعةٌ من العُلماءِ إلى أنَّ الوَصيةَ للأَقرَبينَ الذين لا يَرِثونَ واجِبةٌ.
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ: ولا تَجبُ الوَصيةُ إلا على مَنْ عليه دَينٌ أو عندَه وَديعةٌ أو عليه واجِبٌ يُوصي بالخُروجِ منه؛ فإنَّ اللهَ تَعالى فرَضَ أَداءَ الأَماناتِ، وطَريقُه في هذا البابِ الوَصيةُ، فتَكونُ مَفروضةً عليه، فأمَّا الوَصيةُ بجُزءٍ من مالِه فليسَت بواجِبةٍ على أحدٍ في قَولِ الجُمهورِ، وبذلك قالَ الشَّعبيُّ والنَّخعيُّ والثَّوريُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ وغيرُهم،
стр. 14604
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: أجمَعوا على أنَّ الوَصيةَ غيرُ واجِبةٍ إلا على مَنْ عليه حُقوقٌ بغيرِ بَيِّنةٍ وأَمانةٍ بغيرِ إِشهادٍ، إلا طائِفةً شَذَّت فأوجَبَتها.
رُويَ عن الزُّهريِّ أنَّه قالَ: جعَلَ اللهُ الوَصيةَ حَقًّا ممَّا قَلَّ أو كثُرَ، وقيلَ لأَبي مِجلَزٍ: على كلِّ مَيتٍ وَصيةٌ؟ قالَ: إنْ ترَكَ خَيرًا.
وقالَ أَبو بَكرِ بنُ عبدِ العَزيزِ: هي واجِبةٌ للأَقرَبينَ الذين لا يَرِثونَ. وهو قَولُ داودَ، وحُكيَ ذلك عن مَسروقٍ وطاوُسٍ وإِياسٍ وقَتادةَ وابنِ جَريرٍ، واحتَجُّوا بالآيةِ وخَبَرِ ابنِ عُمرَ وقالوا: نُسخَت الوَصيةُ للوالِدَينِ والأَقرَبينَ الوارِثينَ وبَقيَت فيمَن لا يَرثُ من الأَقرَبينَ.
ولنا: أنَّ أكثَرَ أَصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ لم يُنقَلْ عنهم وَصيةٌ، ولم يُنقَلْ لذلك نَكيرٌ، ولو كانَت واجِبةً لم يُخِلُّوا بذلك ولنُقِلَ عنهم نَقلًا ظاهِرًا، ولأنَّها عَطيةٌ لا تَجبُ في الحَياةِ فلا تَجبُ بعدَ المَوتِ كعَطيةِ الأَجانبِ، فأمَّا الآيةُ فقالَ ابنُ عَباسٍ: نسَخَها قَولُه : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]، وقالَ ابنُ عُمرَ: نسَخَتها آيةُ المِيراثِ. وبه قالَ عِكرِمةُ ومُجاهدٌ ومالِكٌ والشافِعيُّ.
وذهَبَ طائِفةٌ ممَّن يَرى نَسخَ القُرآنِ بالسُّنةِ إلى أنَّها نُسخَت بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ قد أعطى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه فلا وَصيةَ لوارِثٍ»، وحَديثُ ابنِ عُمرَ مَحمولٌ على مَنْ عليه واجِبٌ أو عندَه وَديعةٌ (١).
стр. 14605
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: لو كانَ للمَيتِ أَقاربُ لا يَرِثونَ كانَت الوَصيةُ لهم أَولى من الوَصيةِ بالعِتقِ، وما أعلَمُ في هذا خِلافًا، وإنَّما أعلَمُ الاختِلافَ في وُجوبِ الوَصيةِ لهم؛ فإنَّ فيه عن أَحمدَ رِوايَتَينِ:
إحداهما: تَجبُ، كقَولِ طائِفةٍ من السَّلفِ والخَلفِ.
والثانيةُ: لا تَجبُ، كقَولِ الفُقهاءِ الثَّلاثةِ وغيرِهم، ولو وَصَّى لغيرِهم دونَهم فهل تُردُّ تلك الوَصيةُ على أَقاربِه دونَ المُوصَى له أو يُعطَى ثُلثُها للمُوصَى له وثُلثاها لأَقاربِه كما تُقسَّمُ التَّركةُ بينَ الوَرثةِ والمُوصَى له؟ على رِوايتَينِ عن أَحمدَ، وإنْ كانَ المَشهورُ عندَ أكثَرِ أَصحابِه هو القَولَ بنُفوذِ الوَصيةِ (١).
المَسألةُ الثالِثةُ: هل تُردُّ الوَصيةُ إذا أوصى لغيرِ الوارِثينَ الأَقرَبينَ أو لا؟
ذهَبَ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّ الإِنسانَ إذا أوصَى لغيرِ الوارِثينَ من قَرابتِه فوَصيَّتُه نافِذةٌ ولا تُردُّ، واحتَجُّوا على جَوازِ الوَصيةِ لغيرِ الأَقاربِ دونَ الأَقاربِ بحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ «في الذي أعتَقَ سِتةَ أعبُدٍ له عندَ مَوتِه في مَرضِه لا مالَ له غيرَهم، فأقرَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ بينَهم فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً» فهذه وَصيةٌ لهم في ثُلثِه؛ لأنَّ أَفعالَ المَريضِ كلَّها وَصيةٌ في
стр. 14606
ثُلثِه، وهُم لا مَحالةَ من غيرِ قَرابتِه، ولا يُقالُ: لعلَّهم كانوا أَقاربَ المُعتِقِ؛ لأنَّا نَقولُ: لم تَكُنْ عادةُ العَربِ أنْ تَملِكَ مَنْ بينَها وبينَه قَرابةٌ، وإنَّما تَملِكُ مَنْ لا قَرابةَ له أو كانَ من العَجمِ، فلو كانَت الوَصيةُ تَبطلُ لغيرِ القَرابةِ لبطَلَت في هؤلاء (١).
قال ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختلَفوا فيمَن أوصَى لغيرِ قَرابتِه وترَكَ قَرابتَه الذين لا يَرِثونَ، فرُويَ عن عُمرَ أنَّه أوصَى لأُمَّهاتِ أَولادِه لكلِّ واحِدةٍ بأربَعةِ آلافٍ، ورُويَ عن عائِشةَ أنَّها أوصَت لمَولاةٍ لها بأَثاثِ البَيتِ، ورُويَ عن سالِمٍ مِثلُ ذلك، قالَ الضَّحاكُ: «إنْ أوصَى لغيرِ قَرابتِه فقد ختَمَ عمَلَه بمَعصيةٍ»، وقالَ طاوُسٌ: «مَنْ أوصَى فسَمَّى غيرَ قَرابتِه وترَكَ قَرابتَه مُحتاجينَ رُدَّت وَصيَّتُه على قَرابتِه»، ذكَرَه عبدُ الرَّزاقِ عن مَعمَرٍ عن ابنِ طاوُسٍ عن أَبيه، وهو مَشهورٌ عن طاوُسٍ، ورُويَ عن الحَسنِ البَصريِّ مِثلُه، وقالَ الحَسنُ أيضًا وجابِرُ بنُ زَيدٍ وسَعيدُ بنُ المُسيِّبِ: «إذا أوصَى لغيرِ قَرابتِه وترَكَ قَرابتَه فإنَّه يَردُّ إلى قَرابتِه ثُلثَي الثُّلثِ ويُمضي ثُلثَه لمَن أوصَى له»، وبه قالَ إِسحاقُ بنُ راهَوَيهِ، ذكَرَه إِسحاقُ الكَوسَجُ عنه، حَدَّثناه أَحمدُ بنُ مُحمدِ بنِ أَحمدَ وعُبَيدُ بنُ مُحمدٍ قالا: حدَّثَنا الحَسنُ بنُ سَلمَة قالَ: حَدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ الجارودِ قالَ: حدَّثَنا إِسحاقُ بنُ مَنصورٍ عن إِسحاقَ فذَكَره.
стр. 14607
وقالَ مالِكٌ وسُفيانُ الثَّوريُّ والأَوزاعيُّ وأَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَصحابُهم: إذا أوصَى لغيرِ قَرابتِه وترَكَ قَرابتَه مُحتاجينَ أو غيرَ مُحتاجينَ جازَ ما صنَعَ، وبئسَما فعَلَ إذا ترَكَ قَرابتَه مُحتاجينَ وأوصَى لغيرِهم. وبه قالَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ، وهو قَولُ عُمرَ وعائِشةَ وابنِ عَباسٍ وعَطاءٍ ومُجاهدٍ وقَتادةَ وسَعيدِ بنِ جُبَيرٍ وجُمهورِ أهلِ العِلمِ.
واحتَجَّ الشافِعيُّ وغيرُه في جَوازِ الوَصيةِ لغيرِ الأَقاربِ بحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ في الذي أعتَقَ سِتةَ أعبُدٍ له عندَ مَوتِه في مَرضِه لا مالَ له غيرَهم، فأقرَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ بينَهم فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً، فهذه وَصيةٌ لهم في ثُلثِه؛ لأنَّ أَفعالَ المَريضِ كلَّها وَصيةٌ في ثُلثِه، وهُم لا مَحالةَ من غيرِ قَرابتِه، وحَسبُك بجَماعةِ أهلِ الفِقهِ والحَديثِ يُجيزونَ الوَصيةَ لغيرِ القَرابةِ، وفي ذلك ما يُبيِّنُ لك المُرادَ من مَعاني الكِتابِ وباللهِ العِصمةُ والتَّوفيقُ (١).
وقالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵁: اختلَفوا في الأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ، فأكثَرُ من لَقيتُ من أهلِ العِلمِ ممَّن حفِظتُ عنه قالَ: الوَصايا مَنسوخةٌ؛ لأنَّه إنَّما أمَرَ بها إذا كانَت إنَّما يُورثُ بها، فلمَّا قسَّمَ اللهُ تَعالى ذِكرُه المَواريثَ كانَت تَطوُّعًا، قالَ الشافِعيُّ: وهذا إنْ شاءَ اللهُ تَعالى كلُّه كما قالوا.
فإنْ قالَ قائِلٌ: ما دَلَّ على ما وَصَفتَ؟ قيلَ له: قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ
стр. 14608
وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] أخبَرَنا ابنُ عُيَينةَ عن سُليمانَ الأَحولِ عن مُجاهدٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا وَصيةَ لوارِثٍ»، وما وَصفتُ من أنَّ الوَصيةَ للوارِثِ مَنسوخةٌ بآيِ المَواريثِ وأنَّه لا وَصيةَ لوارِثٍ ممَّا لا أعرِفُ فيه عن أحدٍ ممَّن لَقيتُ خِلافًا.
قالَ الشافِعيُّ: وإذا كانَت الوَصايا لمَن أمَرَ اللهُ تَعالى ذِكرُه بالوَصيةِ منسوخةً بآيِ المَواريثِ، وكانَت السُّنةُ تَدلُّ على أنَّها لا تَجوزُ لوارِثٍ، وتَدلُّ على أنَّها تَجوزُ لغيرِ قَرابةٍ، دَلَّ ذلك على نَسخِ الوَصايا للوَرثةِ، وأشبَهَ أنْ يَدلَّ على نَسخِ الوَصايا لغيرِهم، قالَ: ودَلَّ على أنَّ الوَصايا للوالِدَينِ وغيرِهما ممَّن يَرثُ بكلِّ حالٍ إذا كانَ في مَعنى غيرِ وارِثٍ فالوَصيةُ له جائِزةٌ، ومِن قِبَلِ أنَّها إنَّما بطَلَت وَصيتُه إذا كانَ وارِثًا، فإذا لم يَكنْ وارِثًا فليس بمُبطلٍ للوَصيةِ، وإذا كانَ المُوصي يَتناولُ مَنْ شاءَ بوَصيتِه كانَ والِدُه دونَ قَرابتِه إذا كانوا غيرَ وَرثةٍ في مَعنى مَنْ لا يَرثُ، ولهم حَقُّ القَرابةِ وصِلةِ الرَّحمِ.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فأينَ الدِّلالةَ على أنَّ الوَصيةَ لغيرِ ذي الرَّحمِ جائِزةٌ؟ قيلَ له -إنْ شاءَ اللهُ تَعالى-: حَديثُ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ «أنَّ رَجلًا أعتَقَ سِتةَ مَملوكينَ له ليسَ له مالٌ غيرُهم، فجَزَّأهم النَّبيُّ ﷺ ثَلاثةَ أَجزاءٍ، فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً» (١) والمُعتِقُ عَربيٌّ، وإنَّما كانَت العَربُ تَملِكُ مَنْ
стр. 14609
لا قَرابةَ بينَها وبينَه فلو لم تَجُزِ الوَصيةُ إلا لذي قَرابةٍ لم تَجُزْ للمَملوكينَ، وقد أَجازَها لهم رَسولُ اللهِ ﷺ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: فإنْ أوْصى لغيرِهم وترَكَهم صحَّت وَصيتُه في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهم سالِمٌ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ وعَطاءٌ ومالِكٌ والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ وإِسحاقُ وأَصحابُ الرأيِ.
وحُكيَ عن طاوُسٍ والضَّحاكِ وعبدِ المَلكِ بنِ يَعلَى أنَّهم قالوا: يُنزعُ عنهم ويُردُّ إلى قَرابتِه، وعن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ والحَسنِ وجابِرِ بنِ زَيدٍ: للذي أوصَى له ثُلثُ الثُّلثِ، والباقي يُردُّ إلى قَرابةِ المُوصي؛ لأنَّه لو أوصَى بمالِه كلِّه لجازَ منه الثُّلثُ، والباقي رَدٌّ على الوَرثةِ وأَقاربِه الذين لا يَرِثونَه في استِحقاقِ الوَصيةِ، كالوَرثةِ في استِحقاقِ المالِ كلِّه.
ولنا: ما رَوى عِمرانُ بنُ حُصَينٍ: «أنَّ رَجلًا أعتَقَ في مَرضِه سِتةَ أعبُدٍ لم يَكنْ له مالٌ غيرُهم، فبلَغَ ذلك النَّبيَّ ﷺ فدَعاهم، فجَزَّأهم ثَلاثةَ أَجزاءٍ ثم أقرَعَ بينَهم فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً» (٢). فأَجازَ العِتقَ في ثُلثِه لغيرِ قَرابتِه، ولأنَّها عَطيةٌ جازَت لغيرِ قَرابتِه كالعَطيةِ في الحَياةِ (٣).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: لو كانَ للمَيتِ أَقاربُ لا يَرِثونَ كانَت الوَصيةُ لهم أَولى من الوَصيةِ بالعِتقِ، وما أعلَمُ في هذا خِلافًا،
стр. 14610
وإنَّما أعلَمُ الاختِلافَ في وُجوبِ الوَصيةِ لهم؛ فإنَّ فيه عن أَحمدَ رِوايتَينِ:
إحداهما: تَجبُ، كقَولِ طائِفةٍ من السَّلفِ والخَلفِ.
والأُخرى: لا تَجبُ كقَولِ الفُقهاءِ الثَّلاثةِ وغيرِهم، ولو وَصَّى لغيرِهم دونَهم، فهل تُردُّ تلك الوَصيةُ على أَقاربِه دونَ المُوصَى له أو يُعطَى ثُلثُها للمُوصَى له وثُلثاها لأَقاربِه كما تُقسَّمُ التَّركةُ بينَ الوَرثةِ والمُوصَى له؟ على رِوايتَينِ عن أَحمدَ، وإنْ كانَ المَشهورُ عندَ أكثَرِ أَصحابِه هو القَولَ بنُفوذِ الوَصيةِ (١).
وقالَ الإِمامُ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: وقالَت طائِفةٌ: نُسخَ الوالِدانِ بالفَرضِ لهما في سُورةِ النِّساءِ، وبَقيَ الأَقرَبونَ ممَّن لا يَرثُ الوَصيةُ لهم جائِزةٌ، حرَّضَ اللهُ على ذلك، هكذا قالَ إِسحاقُ: وبه قالَ طاوُسٌ وقَتادةُ والحَسنُ، وقالَ ابنُ حَزمٍ: فَرضٌ على كلِّ مُسلمٍ أنْ يُوصيَ لقَرابتِه الذين لا يَرِثونَ إمَّا مُطلقًا وإمَّا لحاجِبٍ أو لمانِعٍ بما طابَت به نَفسُه، لا حَدَّ في ذلك، فإنْ لم يَفعَلْ أُعطُوا ما رآه الوَرثةُ أو الوَصيُّ، قالَ: وبوُجوبِ الوَصيةِ للقَرابةِ الذين لا يَرِثونَ، يَقولُ إِسحاقُ وأَبو سُليمانَ، وحَكى ابنُ المُنذرِ الإِجماعَ على أنَّ الوَصيةَ للقَرابةِ غيرِ الوارِثينَ جائِزةٌ، ثم حَكى خِلافًا فيما إذا ترَكَ الوَصيةَ لهم وأَوصَى لأَجنبيٍّ.
فحَكى عن الأئِمةِ الأربَعةِ وعَوامِّ أهلِ العِلمِ أنَّ وَصيتَه حيثُ جعَلَها.
стр. 14611
وعن عَطاءٍ والحَسنِ وعبدِ المَلكِ بنِ يَعلى أنَّها تُنزعُ من الأَجنبيِّ وتُردُّ على القَرابةِ.
وعن ابنِ المُسيِّبِ وجابِرِ بنِ زَيدٍ أنَّه يُعطَى المُوصَى له ثُلثُ الوَصيةِ ويُعطَى القَرابةُ ثُلثَيها (١).
الفَرقُ بينَ الهِبةِ والوَصيةِ:
الوَصيةُ والهِبةُ عَقدا تَبرعٍ، يَجتمِعانِ في كَونِهما من عُقودِ التَّبرعاتِ إلا أنَّهما يَفتَرقانِ في أُمورٍ، منها:
١ - أنَّ الهِبةَ هي التَّبرعُ بالمالِ حالَ الصِّحةِ، وأنْ يُقبَضَ في حَياةِ الإِنسانِ، وأمَّا الوَصيةُ فهي التَّبرعُ بالمالِ بعدَ المَوتِ.
وحُكمُ الهِبةِ في مَرضِ المَوتِ حُكمُ الوَصيةِ عندَ عامةِ الفُقهاءِ.
٢ - أنَّ الهِبةَ يُعتبَرُ القَبولُ لها عندَ مَنْ يَشتَرطُ القَبولَ حالَ الحَياةِ؛ لأنَّها تَمليكٌ في الحالِ، بخِلافِ الوَصيةِ؛ فإنَّ مَحلَّ قَبولِها بعدَ المَوتِ؛ لأنَّها تَمليكٌ بعدَه، حتى لو قُبلَت حالَ الحَياةِ ثم رُدَّت بعدَ المَوتِ لم تَصحَّ.
٣ - أنَّ الدَّينَ مُقدَّمٌ على الوَصيةِ، وكذلك الهِبةُ إذا كانَ مَحجورًا عليه، وإنْ لم يَكنْ مَحجورًا عليه؛ فإنَّها تُنفَّذُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ (٢).
стр. 14612
مِقدارُ الوَصيةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الوَصيةَ بالثُّلثِ لغيرِ الوارِثِ جائِزةٌ ولا تَحتاجُ إلى إذْنِ الوَرثةِ، بل تُنفَّذُ وإنْ لم يَأذَنوا.
قالَ الإِمامُ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الوَصيةَ بالثُّلثِ جائِزةٌ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الوَصيةَ بالثُّلثِ لغيرِ وارِثٍ جائِزةٌ وأنَّها لا تَفتقِرُ إلى إِجازةِ الوَرثةِ (٢).
وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الوَصايا مَقصورةٌ على ثُلثِ مالِ العَبدِ (٣).
واستدَلُّوا على ذلك بما صَحَّ من طُرقٍ عن سَعدِ بنِ أَبي وَقاصٍ ﵁ أنَّه قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَعودُني وأنا مَريضٌ بمَكةَ، فقُلتُ: لي مالٌ، أُوصي بمالي كلِّه؟ قالَ: لا. قُلتُ: فالشَّطرُ؟ قالَ: لا. قُلتُ: فالثُّلثُ؟ قالَ: «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ، أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ في أَيديهم» (٤).
стр. 14613
وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ تَصدَّقَ عليكم عندَ وَفاتِكم بثُلثِ أَموالِكم زيادةً لكم في أَعمالِكم وحَسناتِكم» (١).
الوَصيةُ بزِيادةٍ على الثُّلثِ:
الإِنسانُ له ثَلاثةُ أَحوالٍ، إمَّا أنْ يَكونَ له وَرثةٌ، وإمَّا ألَّا يَكونَ له وَرثةٌ وإمَّا أنْ يَكونَ له وَرثةٌ لا يَستغرِقونَ جَميعَ التَّركةِ.
الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ للمُوصي وَرثةٌ:
إذا كانَ للمَيتِ وَرثةٌ؛ فإنَّ العُلماءَ أَجمَعوا على أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُوصيَ بأكثَرَ من ثُلثِ مالِه، فإنْ أَوصَى بأكثَرَ من الثُّلثِ تَوقَّفَ على إِجازةِ الوَرثةِ، فإنْ أَجازُوه نفَذَ وإلا فلا.
قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ عُلماءُ المُسلِمينَ على أنَّه لا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يُوصيَ بأكثَرَ من ثُلثِه إذا ترَكَ وَرثةً من بَنينَ أو عَصبةٍ (٢).
وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الوَصايا مَقصورةٌ على ثُلثِ مالِ العَبدِ (٣).
وقالَ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: اتَّفقَوا على أنَّه لا يَجوزُ لمَن ترَكَ وَرثةً أو وارِثًا أنْ يُوصيَ بأكثَرَ من ثُلثِ مالِه لا في صِحتِه ولا في مَرضِه (٤).
стр. 14614
وقالَ الإِمامُ ابنُ بَطَّالٍ: وأجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يُوصىَ بأكثَرَ من الثُّلثِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ ما زادَ على الثُّلثِ إذا أَوصَى به مَنْ ترَكَ بَنينَ وعَصبةً لا يُنفَّذُ إلا الثُّلثُ، والباقي مَوقوفٌ على إِجازةِ الوَرثةِ، فإنْ أَجازوه نُفِّذَ، وإنْ أَبطَلوه لم يُنفَّذْ (٢).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ في هذه الأَعصارِ على أنَّ مَنْ له وارِثٌ لا تُنفَّذُ وَصيتُه بزِيادةٍ على الثُّلثِ إلا بإِجازتِه، وأَجمَعوا على نُفوذِها بإِجازتِه في جَميعِ المالِ (٣).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: واستقَرَّ الإِجماعُ على مَنعِ الوَصيةِ بأزيَدَ من الثُّلثِ (٤).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: العُلماءُ اتَّفَقوا على أنَّه لا تَجوزُ الوَصيةُ في أكثَرَ من الثُّلثِ لمَن ترَكَ وَرثةً (٥).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الوَصيةُ لغيرِ الوارِثِ تَلزمُ في الثُّلثِ من غيرِ إِجازةٍ، وما زادَ على الثُّلثِ يَقفُ على إِجازتِهم، فإنْ أَجازوه جازَ وإنْ رَدُّوه بطَلَ في قَولِ جَميعِ العُلماءِ (٦).
стр. 14615
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ جُمهورُ أهلِ العِلمِ على أنَّ الوَصيةَ لا تَجوزُ بأكثَرَ من الثُّلثِ إلا أنْ يُجيزَها الوَرثةُ، وعلى هذا جَماعةُ جُمهورِ الفُقهاءِ بالعِراقِ والحِجازِ والمَغربِ والشامِ.
وشذَّت طائِفةٌ منهم عبدُ الرَّحمنِ بنُ كَيسانَ فلم يُجيزوا الوَصيةَ بأكثَرَ من الثُّلثِ وإنْ أَجازَها الوَرثةُ، وقالوا: ليسَ لهم أنْ يُجيزوا للمُوصي ذلك، ولهم أنْ يُعطوا المُوصَى له من فَرائِضِهم وسائِرِ أَموالِهم ما شاؤُوا (١).
واستدَلُّوا على ذلك بما صَحَّ من طُرقٍ عن سَعدِ بنِ أَبي وَقاصٍ ﵁ أنَّه قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَعودُني وأنا مَريضٌ بمَكةَ، فقُلتُ: لي مالٌ، أُوصي بمالي كلِّه؟ قالَ: لا. قُلتُ: فالشَّطرُ؟ قالَ: لا. قُلتُ فالثُّلثُ؟ قالَ: «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ، أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ في أَيديهم» (٢).
وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ تَصدَّقَ عليكم عندَ وَفاتِكم بثُلثِ أَموالِكم زِيادةً لكم في أَعمالِكم وحَسناتِكم» (٣). وهذا يَدلُّ على أنَّه لا شَيءَ له في الزائِدِ عليه.
وحَديثُ عِمرانَ بنِ الحُصَينِ ﵁ «أنَّ رَجلًا من الأَنصارِ أوْصَى عندَ مَوتِه بعِتقِ سِتةِ أعبُدٍ لا مالَ له غيرَهم، فدَعاهم رَسولُ اللهِ ﷺ
стр. 14616
فأقرَعَ بينَهم، فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً وقالَ له قَولًا شَديدًا» (١). قالَ ابنُ قُدامةَ: يَدلُّ أيضًا على أنَّه لا يَصحُّ تَصرُّفُه فيما عَدا الثُّلثَ إذا لم يُجِزِ الوَرثةُ، ويَجوزُ بإِجازتِهم؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، والقَولُ في بُطلانِ الوَصيةِ بالزائِدِ على الثُّلثِ إذا لم يُجِزِ الوَرثةُ كالقَولِ في الوَصيةِ للوارِثِ على ما ذكَرنا (٢).
إلا أنَّ المالِكيةَ اختلَفوا فيما إذا أَجازَها الوَرثةُ، هل تَكونُ عَطيةً مُبتدأةً كما هو مُعتمدُ المَذهبِ أو تَكونُ تَنفيذًا لمَا فعَلَه المَيتُ كما هو قَولُ ابنِ القَصارِ وابنِ العَطارِ.
وتَظهَرُ فائِدةُ الخِلافِ أيضًا في أنَّه إذا كانَ الوارِثُ مُفلِسًا، وقُلنا: إنَّ الإِجازةَ عَطيةٌ من الوارِثِ كما هو المُعتمَدُ فلغُرمائِه مَنعُه من ذلك الزائِدِ، وهُم أحَقُّ به، وهذا مَعنى قَولِهم «العَطيةُ تَفتقِرُ إلى ما تَفتقِرُ إليه الهِباتُ»، وإنْ قُلنا: إنَّه تَنفيذٌ منه لمَا فعَلَه المَيتُ؛ لم يَتعلَّقْ حَقُّ الوارِثِ بمالِ المُوصي، وليسَ للغُرماءِ حَقُّ الاعتِراضِ عليه (٣).
وسيَأتي باقي كَلامِ أهلِ العِلمِ في حُكمِ إِجازةِ الوَرثةِ للوَصيةِ فيما زادَ على الثُّلثِ، والوَصيةُ للوارِثِ -إذا أَجازوها- هل هي هِبةٌ مُبتدأَةٌ أو تَنفيذٌ للوَصيةِ في مَسألةِ: «هل تَبطلُ الوَصيةُ للوارِثِ وإنْ أجازَها الوَرثةُ أو لا؟» بالتَّفصيلِ؟
стр. 14617
الحالةُ الثانيةُ: ألاَّ يَكونَ للمُوصي وَرثةٌ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو لم يَكنْ للمُوصي وَرثةٌ، هل يَجوزُ له أنْ يُوصيَ بزِيادةٍ على الثُّلثِ أو لا يَجوزُ كمَن عندَه وَرثةٌ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ (وهو مَرويٌّ عن ابنِ مَسعودٍ وأبي موسى الأَشعريِّ وإِسحاقَ) إلى أنَّ الإِنسانَ الذي لا وارِثَ له لا بنَسبٍ ولا نِكاحٍ جازَ له أنْ يُوصيَ بمالِه كلِّه؛ لأنَّ المَنعَ من الزِّيادةِ على الثُّلثِ إنَّما كانَ لتَعلُّقِ حَقِّ الوَرثةِ؛ بدَليلِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّك أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ في أَيديهم» (١)، ومَن لا وارِثَ له فليس ممَّن عُنيَ بالحَديثِ، وهو هنا لا وارِثَ له يَتعلَّقُ حَقٌّ بمالِه فأشبَهَ حالَ الصِّحةِ، ولأنَّه لم يَتعلَّقْ بمالِه حَقُّ وارِثٍ ولا غَريمٍ أشبَهَ حالَ الصِّحةِ أو أشبَهَ الثُّلثَ.
ولأنَّ المُسلِمينَ لا يَستحِقونَ مالَه بعدَ مَوتِه على سَبيلِ المِيراثِ؛ لأنَّه لو كانَ كذلك لمَا جازَ أنْ يَستحقَّه الرَّجلُ مع أَبيه؛ لأنَّ الأبَ والجَدَّ لا يَجتمِعانِ في مِيراثٍ واحِدٍ، فعلِمنا أنَّهم لا يَستحِقُّونه على جِهةِ المِيراثِ وإنَّما يُعطيهم الإِمامُ من جِهةِ أنَّه مالٌ لا مالِكَ له، وكانَ للإِمامِ أنْ يَضعَه حيثُ يَرى، فمالِكُه أَولى بذلك من الإِمامِ؛ لأنَّه كانَ مالِكًا له إلى أنْ تُوفِّيَ، ألَا تَرى أنَّه إذا كانَ له وارِثٌ فأَوصَى بأكثَرَ من الثُّلثِ أنَّه إذا لم تُجِزْه الوَرثةُ
стр. 14618
رُدَّ إليه ما زادَ؛ لأنَّه يأخُذُه مِيراثًا، فإذا لم يَكنْ مِيراثٌ فالوَصيةُ جائِزةٌ كالثُّلثِ الذي لا يُورَثُ إذا أَوصَى به.
وأيضًا فللإِمامِ أنْ يَجعلَه لرَجلٍ من المُسلِمينَ، فالمُوصي بذلك أَولى منه كما كانَ في حالِ الحَياةِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ ولا يَنفُذُ تَصرُّفُه فيما زادَ على الثُّلثِ، ولا فَرقَ في ذلك بينَ مَنْ له وارِثٌ ومَن ليس له وارِثٌ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ سَعدِ بنِ أَبي وَقاصٍ ﵁: «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ» (٢).
وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ تَصدَّقَ عليكم عندَ وَفاتِكم بثُلثِ أَموالِكم زِيادةً لكم في أَعمالِكم وحَسناتِكم» (٣). وهذا يَدلُّ على أنَّه لا شَيءَ له في الزائِدِ عليه، ولم يَخصَّ مَنْ كانَ له وارِثٌ أو غيرُه.
وحَديثُ عِمرانَ بنِ الحُصَينِ ﵁ «أنَّ رَجلًا من الأَنصارِ أَوصَى عندَ مَوتِه بعِتقِ سِتةِ أعبُدٍ لا مالَ له غيرَهم، فدَعاهم رَسولُ اللهِ ﷺ
стр. 14619
فأقرَعَ بينَهم، فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً وقالَ له قَولًا شَديدًا» (١)، قالَ الماوَرديُّ: ولم يَكنْ له وارِثٌ، ولأنَّه لو كانَ له وارِثٌ لوقَفَ على إِجازتِه، ولأنَّ مالَ مَنْ لا وارِثَ له يَصيرُ إلى بَيتِ المالِ إِرثًا لأمرَينِ:
أَحدُهما: أنَّه يَخلُفُ الوَرثةَ في استِحقاقِ مالِه، والثاني: أنَّه يَعقلُ عنه كوَرثتِه، فلمَّا رُدَّت وَصيتُه مع الوارِثِ إلى الثُّلثِ رُدَّت إلى الثُّلثِ مع بَيتِ المالِ؛ لأنَّه وارِثٌ، وقد تحرَّرَ منه قِياسانِ:
أَحدُهما: أنَّ كلَّ جِهةٍ استحَقَّت التَّركةَ بالوَفاةِ مُنِعت من الوَصيةِ بجَميعِ المالِ كالوَرثةِ.
والثاني: أنَّ ما مُنعَ من الوَصايا مع الوَرثةِ مُنعَ منها مع بَيتِ المالِ كالدُّيونِ.
فأمَّا الجَوابُ عن قَولِه ﷺ : «أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً» فهو أنَّه لم يَجعَلْ ذلك تَعليلًا لرَدِّ الزِّيادةِ على الثُّلثِ، ولو كانَ ذلك تَعليلًا لجازَت الزِّيادةُ على الثُّلثِ مع غِناهم إذا لم يَصيروا عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ، وإنَّما قالَه صِلةً في الكَلامِ وتَنبيهًا على الحَظِّ، وأمَّا قَولُ ابنِ مَسعودٍ: «يَضعُ مالَه حيثُ يَشاءُ»، فمالُه الثُّلثُ وَحدَه وله وَضعُه حيثُ شاءَ، وأمَّا الصَّدقةُ فهي كالوَصيةِ، إنْ كانَت في الصِّحةِ أُمضيَت مع وُجودِ الوارِثِ وعَدمِه، وإنْ كانَت في المَرضِ رُدَّت إلى الثُّلثِ مع وُجودِ الوارِثِ وعَدمِه (٢).
стр. 14620
وقالَ الزَّرقانِيُّ: قيلَ: وجَوازُ الوَصيةِ بأكثَرَ من الثُّلثِ لمَن لا وارِثَ له؛ لأنَّ مَفهومَ قَولِه: «أنْ تَذرَ وَرثتَك أَغنياءَ» أنَّ مَنْ لا وارِثَ له لا يُبالي بالوَصيةِ بما زادَ؛ لأنَّه لا يَتركُ من يَخشَى عليه الفَقرَ، وتُعقِّبَ بأنَّه ليسَ تَعليلًا مَحضًا وإنَّما فيه تَنبيهٌ على الأحَظِّ الأنفَعِ، ولو كانَ تَعليلًا مَحضًا لاقتَضَى جَوازَ الوَصيةِ بأكثَرَ من الثُّلثِ لمَن وَرثتُه أَغنياءُ، ولنفَذَ ذلك عليهم بغيرِ إِجازتِهم، ولا قائِلَ به، وعلى تَقديرِ أنَّه تَعليلٌ مَحضٌ فهو للنَّقصِ عن الثُّلثِ لا للزِّيادةِ عليه، فكأنَّه لمَّا شرَعَ الإِيصاءَ بالثُّلثِ وأنَّه لا اعتِراضَ فيه على المُوصي، قالَ: إلا أنَّ الانحِطاطَ عنه أوْلى، ولا سيَّما لمَن ترَكَ وَرثتَه فُقراءَ (١).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: أمَّا مَنْ لا وارِثَ له فمَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ أنَّه لا تَصحُّ وَصيتُه فيما زادَ على الثُّلثِ، وجوَّزَه أَبو حَنيفةَ وأَصحابُه وإِسحاقُ وأَحمدُ في إِحدَى الرِّوايتَينِ عنه، ورُويَ عن علِيٍّ وابنِ مَسعودٍ ﵄ (٢).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ: إذا لم يَكنْ له وارِثٌ مُعيَّنٌ لم يَكنْ له أنْ يُوصيَ إلا بالثُّلثِ، فإنْ زادَ كانَ ما زادَ لبَيتِ المالِ مِيراثًا، وقالَ أَبو حَنيفةَ: له أنْ يُوصيَ بكلِّ مالِه.
стр. 14621
فدَليلُنا قَولُه ﷺ : «إنَّ اللهَ تَعالى جعَلَ لكم ثُلثَ أَموالِكم عندَ مَوتِكم زِيادةً في أَعمالِكم»، وهذا نَهيٌ أنْ يَكونَ للمَريضِ حَقُّ تَصرُّفٍ فيما زادَ على الثُّلثِ، ولأنَّها عَطيةٌ تَلزمُ بالمَوتِ فكانَت في الثُّلثِ، أصلُه إذا كانَ له وارِثٌ مُعيَّنٌ، ولأنَّ له مَنْ يَعقِلُ عنه فلم يَكنْ له أنْ يُوصيَ بزِيادةٍ على الثُّلثِ، كما لو كانَ له أَموالٌ، ولأنَّ أَسبابَ التَّوارثِ مُختلفةٌ في القُوةِ والضَّعفِ، والنَّسبُ أَولى من الوَلاءِ، والوَلاءُ أَقوى من مُوالاةِ الدِّينِ، ثم قد ثبَتَ أنَّ مع بعضِ هذه الأَسبابِ ليسَ له أنْ يَزيدَ على الثُّلثِ فكانَ مع ما ضعُفَ عنها أوْلى.
فإنْ قيلَ: هذا مَبنيٌّ على أنَّ المالَ يَنتقِلُ إلى المُسلِمينَ إِرثًا فدَلُّوا على ذلك، قُلنا: لأنَّهم يَعقِلونَ عنه فجازَ أنْ يَرِثوه كالمَولَى، ولأنَّه مَيتٌ من أهلِ الإِسلامِ فلم يَنفَكَّ عن وارِثٍ كالذي له نَسبٌ مُعيَّنٌ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا اختِلافُهم في جَوازِ الوَصيةِ بأكثَرَ من الثُّلثِ لمَن لا وارِثَ له فإنَّ مالِكًا لا يُجيزُ ذلك والأَوزاعيَّ، واختَلفَ فيه قَولُ أَحمدَ، وأَجازَ ذلك أَبو حَنيفةَ وإِسحاقُ، وهو قَولُ ابنِ مَسعودٍ.
وسَببُ الخِلافِ هل هذا الحُكمُ خاصٌّ بالعِلةِ التي علَّله بها الشارِعُ أو ليسَ بخاصٍّ؟ وهو ألَّا يَتركَ وَرثتَه عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ كما قالَ ﷺ : «إنَّك أنْ تَذرَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَذرَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ» فمَن جعَلَ هذا السَّببَ خاصًّا وجَبَ أنْ يَرتفعَ الحُكمُ بارتِفاعِ هذه
стр. 14622
العِلةِ، ومَن جعَلَ الحُكمَ عِبادةً وإنْ كانَ قد عُلِّل بعِلةٍ أو جعَلَ جَميعَ المُسلِمينَ في هذا المَعنى بمَنزلةِ الوَرثةِ، قالَ: لا تَجوزُ الوَصيةُ بإِطلاقٍ بأكثَرَ من الثُّلثِ (١).
الحالةُ الثالِثةُ: إذا كانَ للمُوصي وارِثٌ لا يَستوعِبُ جَميعَ المالِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ للمُوصي وارِثٌ لا يَستوعِبُ جَميعَ تَركتِه كالبِنتِ والأُمِّ والزَّوجةِ أو الزَّوجِ، هل له أنْ يُوصيَ بما زادَ على الثُّلثِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ ولا يَنفُذُ تَصرُّفُه فيما زادَ على الثُّلثِ، ولا فَرقَ في ذلك بينَ مَنْ له وارِثٌ ومَن ليس له وارِثٌ؛ لمَا رَوَت عائِشةُ بِنتُ سَعدٍ قالَت: قالَ سَعدٌ: اشتَكَيت شَكوًى لي بمَكةَ فدخَلَ علَيَّ رَسولُ اللهِ ﷺ يَعودُني، قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ: إنِّي قد ترَكتُ مالًا وليسَ لي إلا ابنةٌ واحِدةٌ، أفأُوصي بثُلثَيْ مالي وأترُكُ لها الثُّلثَ؟ قالَ: لا. قال: أفأُوصي بالنِّصفِ وأترُكُ لها النِّصفَ؟ قالَ: لا. قالَ: أفأُوصي بالثُّلثِ وأترُكُ لها الثُّلثَينِ؟ قالَ: «الثُّلثُ، والثُّلثُ كَثيرٌ. ثَلاثَ مِرارٍ … » (٢) فمنَعَه النَّبيُّ ﷺ من الزِّيادةِ على الثُّلثِ، ولأنَّها تَستحِقُّ جَميعَ المالِ بالفَرضِ، فأشبَهَت العَصبةَ، وإنْ كانَ لها زَوجٌ أو للرَّجلِ امرأةٌ فكذلك؛ لأنَّ الوَصيةَ تَنْقُصُ حَقَّه؛ لأنَّه
стр. 14623
إنَّما يَستحقُّ فَرضَه بعدَ الوَصيةِ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، وللأدِلةِ المُتقدِّمةِ في المَسألةِ السابِقةِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوارِثَ إذا كانَ لا يَستحقُّ جَميعَ المالِ كالزَّوجِ والزَّوجةِ؛ فإنَّه يَجوزُ أنْ يُوصيَ بما زادَ على الثُّلثِ.
قالَ الحَنفيةُ: ولا يَمنعُ من ذلك استِحقاقُهما ما يَرِثانِه؛ لأنَّهما يَستحِقانِ سَهمًا من المِيراثِ لا يُزادُ عليه بحالٍ، فما زادَ على ذلك فهو مالُ المَريضِ لا حَقَّ فيه لأحدٍ، فجازَ أنْ يُوصيَ به.
فعلى هذا قالَ مُحمدٌ: إذا ترَكَت المَرأةُ زَوجًا ولم تَتْرُكْ وارِثًا غيرَه وأوصَت لأجنَبيٍّ بنِصفِ مالِها فالوَصيةُ جائِزةٌ، ويَكونُ للزَّوجِ ثُلثُ المالِ وللمُوصَى له النِّصفُ، ويَبقَى السُّدسُ لبَيتِ المالِ.
وإنَّما كانَ للزَّوجِ الثُّلثُ لأنَّه لا يَستحقُّ المِيراثَ إلا بعدَ إِخراجِ الوَصيةِ، فيَحتاجُ إلى أنْ يُخرَجَ الثُّلثُ أولًا للمُوصَى له؛ لأنَّه يَستحقُّه بكلِّ حالٍ، فيَبقَى الثُّلثانِ، يَستحقُّ الزَّوجُ نِصفَه مِيراثًا ويَبقَى نِصفُه للمُوصَى له تَكمِلةَ النِّصفِ، ويَبقَى السُّدسُ لا مُستحِقَّ له فيَكونُ لبَيتِ المالِ.
وكذا إذا أوصَت بذلك لزَوجِها كانَ المالُ كلُّه له نِصفُه مِيراثًا ونِصفُه
стр. 14624
وَصيةً؛ لأنَّه لا يَستحقُّ الوَصيةَ قبلَ المِيراثِ بخِلافِ الأَجنبيِّ؛ لأنَّ الزَّوجَ وارِثٌ، وإنَّما جازَت له الوَصيةُ؛ لأنَّه لا وارِثَ لها تَقفُ صِحةُ الوَصيةِ على إِجازتِه.
وعلى هذا إذا ترَكَ زَوجتَه لا وارِثَ له غيرَها وأوصَى لرَجلٍ بجَميعِ مالِه كانَ لها سُدسٌ وللمُوصَى له خَمسةُ أَسداسٍ؛ لأنَّها لا تَستحقُّ من المِيراثِ شَيئًا حتى يُخرَجَ الثُّلثُ الوَصيةُ، فإذا أُخرجَ الثُّلثُ استَحقَّت رُبعَ الباقي وما بَقيَ بعدَ ذلك يَكونُ للمُوصَى له بالجَميعِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: مَنْ لا وارِثَ له تَجوزُ وَصيتُه بجَميعِ المالِ، فلو ماتَ وترَكَ زَوجًا أو زَوجةً لا غيرُ، وكانَ قد أَوصَى بجَميعِ مالِه لزَيدٍ أو الفُقراءِ ورَدَّ الوَصيةَ أحدُ الزَّوجَينِ بطَلَت الوَصيةُ في قَدرِ فَرضِه من الثُّلثَينِ على الصَّحيحِ من المَذهبِ، فإنْ كانَ الرادُّ زَوجًا بطَلَت في الثُّلثِ؛ لأنَّ له نِصفَ الثُّلثَينِ، وإنْ كانَت زَوجةً بطَلَت في السُّدسِ؛ لأنَّ لها رُبعَ الثُّلثَينِ، فيأخُذُ المُوصى له الثُّلثَ؛ لأنَّه لا يَتوقَّفُ على إِجازةٍ، ثم يَأخذُ أحدُ الزَّوجَينِ فَرضَه من الباقي، وهو الثُّلثانِ، فيأخُذُ رُبعَهما وهو سُدسٌ إنْ كانَ الرادُّ زَوجتَه، ونِصفَها وهو ثُلثٌ إنْ كانَ الرادُّ زَوجًا، ثم يَأخذُ المُوصَى له من الباقي من الثُّلثَينِ؛ لأنَّ الزَّوجَينِ لا يُردُّ عليهما فلا يَأخُذانِ من المالِ أكثَرَ من فَرضَيهما.
وقيلَ: لا يَأخذُ المُوصَى له مع أحدِ الزَّوجَينِ سِوى الثُّلثِ، وقدَّمَه في «الشَّرح» و «الفائِق».
стр. 14625
قالَ المِرداويُّ: قُلتُ: هو ظاهِرُ كَلامِ المُصنِّفِ، وصاحِبِ «الوَجيز» وغيرِهما، حيثُ قالوا: ولا يَجوزُ لمَن له وارِثٌ الوَصيةُ بزِيادةٍ على الثُّلثِ.
وكذا الحُكمُ لو كانَ الوارِثُ واحِدًا من أهلِ الفُروضِ، وقُلنا بعَدمِ الرَّدِّ، قالَه في «الرِّعاية» وغيرِها.
ولو أوصى أحدُ الزَّوجَينِ للآخَرِ بمالِه كلِّه وليسَ للمُوصي وارِثٌ غيرُه أخذَ المُوصَى له المالَ كلَّه إِرثًا ووَصيةً على الصَّحيحِ من المَذهبِ.
وقيلَ: لا تَصحُّ، وله -على هذا- الثُّلثُ بالوَصيةِ، ثم فَرضُه من الباقي، والبَقيةُ لبَيتِ المالِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ خلَّفَ ذا فَرضٍ لا يَرِثُ المالَ كلَّه كبِنتٍ أو أُمٍّ لم يَكنْ له الوَصيةُ بأكثَرَ من الثُّلثِ؛ لأنَّ سَعدًا قالَ للنَّبيِّ ﷺ : «لا يَرِثُني إلا ابنَتي» فمنَعَه النَّبيُّ ﷺ من الزِّيادةِ على الثُّلثِ، ولأنَّها تَستحقُّ جَميعَ المالِ بالفَرضِ فأشبَهَت العَصبةَ، وإنْ كانَ لها زَوجٌ أو للرَّجلِ امرأةٌ فكذلك؛ لأنَّ الوَصيةَ تَنْقُصُ حَقَّه؛ لأنَّه إنَّما يَستحقُّ فَرضَه بعدَ الوَصيةِ لقَولِه تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١].
فأمَّا ذو الرَّحمِ فظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنَّه لا يُمنعُ الوَصيةَ بجَميعِ المالِ لقَولِه: «ولا عَصبةَ له ولا مَولى له»، وذلك لأنَّ ذا الرَّحمِ إِرثُه كالفَضلةِ
стр. 14626
والصِّلةِ، ولذلك لا يُصرفُ إليه شَيءٌ إلا عندَ عَدمِ الرَّدِّ، والمَولى لا تَجبُ نَفقتُه.
ويَحتملُ ألَّا تَنفُذَ وَصيتُه بأكثَرَ من ثُلثِه؛ لأنَّ له وارِثًا، فيَدخلُ في مَعنى قَولِه ﷺ : «إنَّك أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ» (١)، ولأنَّهم وَرثةٌ يَستحقُّونَ مالَه بعدَ مَوتِه وصِلتَه لهم في حَياتِه فأشبَهوا ذَوي الفُروضِ والعَصباتِ، وتَقديمُ غيرِهم عليهم لا يَمنعُ مُساواتِهم لهم في مَسألتِنا، كذَوي الفُروضِ الذين يَحجُبُ بعضُهم بعضًا والعَصباتِ.
فَصلٌ: فإنْ خلَّفَ ذا فَرضٍ لا يَرثُ المالَ كلَّه وقالَ: أوصَيتُ لفُلانٍ بثُلثِي على أنَّه لا يَنقُصُ ذا الفَرضِ شَيئًا من فَرضِه، أو خلَّفَ امرأةً وقالَ: «أوَصيتُ لك بما فضَلَ من المالِ عن فَرضِها» صَحَّ في المَسألةِ الأُولى؛ لأنَّ ذا الفَرضِ يَرثُ المالَ كلَّه لولا الوَصيةُ، فلا فَرقَ في الوَصيةِ بينَ أنْ يَجعلَها من رأسِ المالِ أو من الزائِدِ على الفَرضِ.
وأمَّا المَسألةُ الثانيةُ فتَنبَني على الوَصيةِ بجَميعِ المالِ، فإنْ قُلنا: تَصحُّ، ثم صحَّت ههنا؛ لأنَّ الباقيَ عن فَرضِ الزَّوجةِ مالٌ لا وارِثَ له، فصَحَّت الوَصيةُ به كما لو لم تَكُنْ هناك زَوجةٌ، وإنْ قُلنا: لا تَصحُّ ثَمَّ فههنا مِثلُه؛ لأنَّ بَيتَ المالِ جُعلَ كوارِثٍ فصارَ كأنَّه ذو وَرثةٍ يَستغرِقونَ المالَ إذا عيَّنَ الوَصيةَ من نَصيبِ العَصبةِ منهم، فعلى هذا يُعطَى المُوصَى له الثُّلثَ من رأسِ المالِ ويَسقطُ تَخصيصُه (٢).
стр. 14627
وَقتُ اعتِبارِ الثُّلثِ في الوَصيةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في وَقتِ اعتِبارِ الثُّلثِ في الوَصيةِ، هل هو وَقتُ الوَصيةِ أو وَقتُ مَوتِ المُوصي أو وَقتُ تَنفيذِ الوَصيةِ؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ للفُقهاءِ:
القَولُ الأولُ: أنَّ الاعتِبارَ بوَقتِ مَوتِ المُوصي:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ وابنُ الحاجِبِ من المالِكيةِ (١) والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الاعتِبارَ بالمالِ وَقتُ مَوتِ المُوصي؛ لأنَّ الوَصيةَ عَقدُ استِخلافٍ مُضافٌ إلى ما بعدَ المَوتِ ويَثبُتُ حُكمُه بعدَه فيُشتَرطُ وُجودُ المالِ عندَ المَوتِ، سَواءٌ كانَ اكتسَبَه بعدَ الوَصيةِ أو قبلَها وسَواءٌ كانَ المُوصَى به عَينًا أو نَوعًا مُعيَّنًا، ولأنَّ الوَصيةَ وَعدٌ في حَياةِ المُوصي لا حُكمَ لها، وإنَّما تَجبُ ويَصيرُ لها حُكمٌ بوَفاتِه، فاعتُبِرَ المالُ وَقتَ وُجوبِها، ولأنَّه لا خِلافَ أنَّه لو وَصَّى بثُلثِ مالِه وله مالٌ فباعَه؛ فإنَّ الوَصيةَ تَتعلَّقُ بالثَّمنِ، فلو كانَ الاعتِبارُ بالمالِ وَقتَ الوَصيةِ لبطَلَت ههنا.
فعلى هذا: إذا وَصَّى بثُلثِ مالِه وكانَ له ألفٌ، فصارَ عندَ الوَفاةِ ألفَينِ، أو أوصَى بثُلثِ مالِه وكانَ له أَلفانِ ثم ماتَ وله ألفٌ، أو كانَ له مالٌ وَقتَ الوَصيةِ فهلَكَ واستَفادَ غيرُه؛ فإنَّ الوَصيةَ تَصحُّ في ثُلثِ المالِ المَوجودِ عندَ مَوتِه.
وإنْ كانَ له مالٌ ثم تلِفَ بعضُه بعدَ المَوتِ لم تَبطُلِ الوَصيةُ، وإنْ تلِفَ قبلَ مَوتِه بطَلَت الوَصيةُ إِجماعًا إنْ هلَكَ جَميعُه أو تَبطُلُ فيما تلِفَ وتَصحُّ في الباقي.
стр. 14628
وإنْ وَصَّى لرَجلٍ بثُلثِ مالِه، ولا مالَ له وَقتَ الوَصيةِ ففيه خِلافٌ:
فذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ حَكاه ابنُ اللَّبانِ إلى أنَّه لا تَصحُّ الوَصيةُ حتى يَكونَ له مالٌ وإنْ قَلَّ؛ لتَتوجَّه إليه الوَصيةُ، قالَ العِمرانِيُّ: وهذا ليسَ بشَيءٍ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّها تَصحُّ؛ فإنِ استَفادَ مالًا بعدَ ذلك تَعلَّقت به الوَصيةُ الأُولى لمَا ذكَرناه.
قالَ الحَنفيةُ: ولو لم يَكنْ له غَنمٌ عندَ الوَصيةِ فاستَفادَها ثم ماتَ فالصَّحيحُ أنَّ الوَصيةَ تَصحُّ؛ لأنَّها لو كانَت بلَفظِ المالِ تَصحُّ، فكذا إذا كانَت بلَفظِ نَوعِه؛ لأنَّ المُعتبَرَ وُجودُه عندَ المَوتِ لا غيرُ، ولو قالَ: له شاةٌ من مالي وليسَ له غَنمٌ، يُعطَى قيمةَ شاةٍ؛ لأنَّه لمَّا أَضافَ الشاةَ إلى المالِ علِمنا أنَّ مُرادَه الوَصيةُ بماليةِ الشاةِ (٢).
القَولُ الثاني: الاعتِبارُ بوَقتِ الوَصيةِ:
ذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّ الاعتِبارَ به هو وَقتُ الوَصيةِ؛ لأنَّ الوَصيةَ عَقدٌ على المالِ، فكانَ الاعتِبارُ بقَدرِ المالِ وَقتَ العَقدِ كالبَيعِ والنَّذرِ، كما لو نذَرَ أنْ يَتصدَّقَ بثُلثِ مالِه.
стр. 14629
فعلى هذا: إذا أَوصَى له بثُلثِ مالِه ولا مالَ له وَقتَ الوَصيةِ لم تَصحَّ له الوَصيةُ، وإنِ استَفادَ مالًا بعدَ ذلك لم تَتعلَّقْ به الوَصيةُ الأُولى.
وإنْ كانَ ثُلثُه عندَ الوَصيةِ ألفًا فصارَ عندَ الوَفاةِ ألفَينِ لم تَلزمِ الوَصيةُ في الزِّيادةِ.
وإنْ كانَ له مالٌ عندَ الوَصيةِ فهلَكَ ذلك المالُ واستَفادَ مالًا آخَرَ لم تَتعلَّقْ به الوَصيةُ الأُولى (١).
القَولُ الثالِثُ: الاعتِبارُ يَكونُ وَقتَ تَنفيذِ الوَرثةِ للوَصيةِ:
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ وَقتَ اعتِبارِ قيمةِ الثُّلثِ في التَّركةِ هو وَقتُ تَنفيذِ الوَرثةِ للوَصيةِ لا يَومَ المَوتِ، فإذا أَوصَى له بمِئةٍ، وهي ثُلثُ مالِه يَومَ المَوتِ وكانَ مالُه يَومَ التَّنفيذِ مِئةً وخَمسينَ أُعطيَ خَمسينَ، وكذا إذا قالَ: «أَوصَيتُ له بثُلثِ مالي»، فالعِبرةُ بمالِه يَومَ التَّنفيذِ (٢).
وهذا الخِلافُ السابِقُ إذا لم يَكُنِ المُوصَى به عَينًا أو نَوعًا مُعيَّنًا، وأمَّا إذا أَوصَى بعَينٍ أو بنَوعٍ من مالِه كثُلثِ غَنمِه فهلَكَت قبلَ مَوتِه تَبطلُ الوَصيةُ؛ لأنَّها تَعلَّقت بالعَينِ فتَبطلُ بفَواتِها قبلَ المَوتِ حتى لو اكتسَبَ غَنمًا أُخرى أو عَينًا أُخرى بعدَ ذلك لا يَتعلَّقُ حَقُّ المُوصَى له بذلك، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ كما سيَأتي في تَلفِ العَينِ المُوصَى بها.
стр. 14630
الأفضَلُ في مِقدارِ الوَصيةِ:
اختَلفَ العُلماءُ في القَدرِ الذي تُستحبُّ الوَصيةُ به، هل الأفضَلُ أنْ يُوصيَ بالثُّلثِ أو بالرُّبِع أو بالخُمسِ أو ألَّا يُوصيَ أَصلًا أو الحُكمُ يَختلِفُ بينَ الغَنيِّ الذي يُخلِّفُ مالًا كَثيرًا وبينَ الذي لا يُخلِّفُ مالًا؟
أولاً: إذا كانَ عندَه مالٌ كَثيرٌ:
إذا كانَ عندَه مالٌ كَثيرٌ فهذا لا يَخلو من حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ وَرثتُه أَغنياءَ:
نَصَّ الشافِعيةُ والقاضي وأبو الخَطابِ من الحَنابِلةِ والكاسانِيُّ من الحَنفيةِ على أنَّ المُوصيَ إذا كانَ غَنيًّا ووَرثتُه أَغنياءَ فالأفضَلُ له أنْ يُوصيَ بجَميعِ الثُّلثِ؛ لأنَّه لمَّا كُرهَ له استِيفاءُ الثُّلثِ إذا كانوا فُقراءَ دَلَّ على أنَّه يُستحبُّ له أنْ يَستوفِيَ الثُّلثَ إذا كانوا أَغنياءَ (١).
قالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا وغيرُهم من العُلماءِ: إنْ كانَت الوَرثةُ أَغنياءَ استُحبَّ أنْ يُوصيَ بالثُّلثِ تبَرُّعًا (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ في المَشهورِ عندَهم والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُستحبُّ أنْ يَنقُصَ عن الثُّلثِ وإنْ كانَ وَرثتُه أَغنياءَ.
стр. 14631
قالَ الحَنفيةُ في المُعتمَدِ عندَهم: يُستحبُّ أنْ يُوصيَ الإِنسانُ بدونِ الثُّلثِ سَواءٌ كانَ الوَرثةُ أَغنياءَ أو فُقراءَ؛ لأنَّ في التَّنقيصِ صِلةَ القَرابةِ بتَوفيرِ المالِ عليهم بخِلافِ استِكمالِ الثُّلثِ؛ لأنَّه استِيفاءُ تَمامِ الثُّلثِ فلا صِلةَ ولا مِنةَ.
قالَ في «الهِدايةِ»: ثم هل الوَصيةُ بأقَلَّ من الثُّلثِ أَولى أو تَركُها؟
قالوا: إنْ كانَت الوَرثةُ فُقراءَ ولا يَستَغنونَ بما يَرِثونَ فالتَّركُ أوْلى؛ لمَا فيه من الصَّدقةِ على القَريبِ، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ أفضَلَ الصَّدقةِ الصَّدقةُ على ذي الرَّحمِ الكاشِحِ (١)» (٢)، ولأنَّ فيه رِعايةَ حَقِّ الفَقرِ والقَرابةِ جَميعًا.
وإنْ كانوا أَغنياءَ أو يَستَغنونَ بنَصيبِهم فالوَصيةُ أوْلى؛ لأنَّه يَكونُ صَدقةً على الأَجنبيِّ، والتَّركُ هِبةٌ من القَريبِ.
والأولُ أوْلى؛ لأنَّه يَبتَغي بها وَجهَ اللهِ تَعالى، وقد قيلَ في هذا الوَجهِ: يُخيَّرُ لاشتِمالِ كلٍّ على فَضيلةٍ وهي الصَّدقةُ أو الصِّلةُ (٣).
стр. 14632
قالَ ابنُ عابدِين: وحاصِلُه أنَّه لا تَنبَغي الوَصيةُ بتَمامِ الثُّلثِ، بل المُستحبُّ التَّنقيصُ عنه مُطلقًا؛ لأنَّه ﷺ قد استَكثَرَ الثُّلثَ بقَولِه «والثُّلثُ كَثيرٌ»، لكنَّ التَّنقيصَ عندَ فَقرِ الوَرثةِ -وإنْ كانَ مُستحبًّا- هناك ما هو أَولى منه، وهو التَّركُ أَصلًا؛ فإنَّ المُستحبَّ تَتفاوتُ دَرجاتُه، وكذا المَسنونُ والمَكروهُ وغيرُهما.
هذا وفي «القُهُستاني»: إذا كانَ المالُ قَليلًا لا يَنبَغي أنْ يُوصيَ على ما قالَ أَبو حَنيفةَ، وهذا إذا كانَ الأَولادُ كِبارًا، فلو كانوا صغارًا فالتَّركُ أفضَلُ مُطلقًا على ما رُويَ عن الشَّيخَينِ كما في «قاضيخان» اه.
فالتَّفصيلُ إنَّما هو في الكِبارِ، أمَّا الصِّغارُ فتَركُ المالِ لهم أفضَلُ ولو كانوا أَغنياءَ.
تَنبيهٌ: قالَ في «الحاوي القُدسي»: مَنْ لا وارِثَ له ولا دَينَ عليه فالأوْلى أنْ يُوصيَ بجَميعِ مالِه بعدَ التَّصدُّقِ بيَدِه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: المُستحبُّ أنْ يُوصيَ بالخُمسِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لسَعدٍ: «والثُّلثُ كَثيرٌ» مع إِخبارِه إياه بكَثرةِ مالِه وقِلةِ عِيالِه؛ فإنَّه قالَ في الحَديثِ: «إنَّ لي مالًا كَثيرًا ولا يَرِثُني إلا ابنَتي».
وعن سَعدِ بنِ مالِكٍ قالَ: مَرِضت مَرضًا فعادَني رَسولُ اللهِ ﷺ ، فقالَ لي: «أَوصَيتَ؟» فقُلتُ: نَعَمْ، أَوصيتُ بمالي كلِّه
стр. 14633
للفُقراءِ وفي سَبيلِ اللهِ. فقالَ لي رَسولُ اللهِ ﷺ : «أَوصِ بالعُشرِ». فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ مالي كَثيرٌ ووَرثَتي أَغنياءُ. فلم يَزلْ رَسولُ اللهِ ﷺ يُناقِصُني وأُناقِصُه حتى قالَ: «أَوصِ بالثُّلثِ والثُّلثُ كَثيرٌ» (١).
وقالَ أَبو عبدِ الرَّحمنِ: لم يَكنْ أحدٌ منا يَبلُغُ في وَصيتِه الثُّلثَ حتى يَنقُصَ منه شَيئًا؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ».
وعلى هذا فالأفضَلُ للغَنيِّ الوَصيةُ بالخُمسِ، ونَحوُ هذا يُروَى عن أَبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ وعلِيِّ بنِ أَبي طالِبٍ ﵄ وهو ظاهِرُ قَولِ السَّلفِ وعُلماءِ أهلِ البَصرةِ.
ولأنَّ أَبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أوصَى بالخُمسِ وقالَ: رَضيتُ بما رضِيَ اللهُ به لنَفسِه. يَعني قَولَه تَعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، ورُويَ أنَّ أَبا بَكرٍ وعلِيًّا ﵄ أَوصَيا بالخُمسِ، وعن علِيٍّ ﵁ أنَّه قالَ: «لَأنْ أُوصيَ بالخُمسِ أحَبُّ إلَيَّ من الرُّبعِ».
وعن إِبراهيمَ قالَ: كانوا يَقولونَ: صاحِبُ الرُّبعِ أفضَلُ من صاحِبِ الثُّلثِ، وصاحِبُ الخُمسِ أفضَلُ من صاحِبِ الرُّبعِ.
وعن الشَّعبيِّ قالَ: كانَ الخُمسُ أحَبَّ إليهم من الثُّلثِ، فهو مُنتَهى الجامِحِ.
стр. 14634
وعن العَلاءِ بنِ زِيادٍ قالَ: أَوصَى أَبي أنْ أَسألَ العُلماءَ: أيُّ الوَصيةِ أعدَلُ؟ فما تَتابَعوا عليه فهو وَصيتُه، فتَتابَعوا على الخُمسِ (١).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ وَرثتُه فُقراءَ أو مُحتاجينَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ المُوصي غَنيًّا لكنَّ وَرثتَه فُقراءُ، هل يُستحبُّ له أنْ يُوصيَ بالثُّلثِ أو بأقَلَّ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ الأَفضلَ أنْ يُوصيَ بما دونَ الثُّلثِ ويَتركَ المالَ لوَرثتِه؛ لأنَّ غُنيةَ الوَرثةِ تَحصلُ بما زادَ على الثُّلثِ إذا كانَ المالُ كَثيرًا، ولا تَحصلُ عندَ قِلتِه، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ لسَعدٍ: «إنَّك أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ في أَيديهم» (٢).
قالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا وغيرُهم من العُلماءِ: إنْ كانَت الوَرثةُ أَغنياءَ استُحبَّ أنْ يُوصيَ بالثُّلثِ تبَرُّعًا، وإنْ كانوا فُقراءَ استُحبَّ أنْ يَنقُصَ من الثُّلثِ (٣).
وفي قَولٍ للحَنفيةِ: يُندبُ تَركُ الوَصيةِ عندَ عَدمِ كلٍّ من غِنَى الوَرثةِ واستِغنائِهم بما يَرِثونَه؛ لمَا فيه من الصَّدقةِ على القَريبِ، ولأنَّ فيه رِعايةً لحَقِّ الفُقراءِ والقَرابةِ جَميعًا (٤).
стр. 14635
وقالَ الحَنفيةُ: والوَصيةُ بالخُمسِ أفضَلُ من الوَصيةِ بالرُّبعِ والوَصيةُ بالرُّبعِ أفضَلُ من الوَصيةِ بالثُّلثِ؛ لمَا رُويَ عن سَيِّدِنا علِيٍّ ﵁ أنَّه قالَ: «لَأنْ أُوصيَ بالخُمسِ أحَبُّ إليَّ من أنْ أُوصيَ بالرُّبعِ، ولَأنْ أُوصيَ بالرُّبعِ أحَبُّ إلَيَّ من أنْ أُوصيَ بالثُّلثِ»، ومَن أوصَى بالثُّلثِ لم يَتركْ شَيئًا، أي: لم يَترُكْ من حَقِّه شَيئًا لوَرثتِه؛ لأنَّ الثُّلثَ حَقُّه، فإذا أَوصَى بالثُّلثِ لم يَتركْ من حَقِّه شَيئًا لهم (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ منهم ابنُ قُدامةَ: والذي يَقوَى عندي أنَّه متى كانَ المَتروكُ لا يَفضُلُ عن غِنى الوَرثةِ فلا تُستحبُّ الوَصيةُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّلَ المَنعَ من الوَصيةِ بقَولِه: «أنْ تَتركَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً»، ولأنَّ إِعطاءَ القَريبِ المُحتاجِ خَيرٌ من إِعطاءِ الأجنَبيِّ، فمَتى لم يَبلغِ المِيراثُ غِناهم كانَ تَركُه لهم كعَطيَّتِهم إياه، فيَكونُ ذلك أفضَلَ من الوَصيةِ به لغيرِهم، فعندَ هذا يَختلِفُ الحالُ باختِلافِ الوَرثةِ في كَثرتِهم وقِلتِهم وغِناهم وحاجتِهم، فلا يَتقيَّدُ بقَدرٍ من المالِ واللهُ أعلَمُ (٢).
ثانيًا: إذا كانَ المُوصي فَقيرًا وله وَرثةٌ مُحتاجونَ:
ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ وبَعضُ الشافِعيةِ إلى أنَّه يُكرهُ للفَقيرِ الذي له وَرثةٌ مُحتاجونَ أنْ يُوصيَ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ في الوَصيةِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] أي: مالًا.