فصل في أَقسامُ المياهِ
الماءُ: جِسمٌ لَطيفٌ سَيالٌ به حَياةُ كلِّ نامٍ (١).
ويُمكنُ تَقسيمُ المياهِ باعتِبارِ وَصفِها إلى أربَعةِ أَقسامٍ، هذه الأَقسامُ هي:
ماءٌ مُطلَقٌ، وماءٌ مُستعمَلٌ، وماءٌ مُسخَّنٌ، وماءٌ مُختلِطٌ، والمُختلِطُ إمَّا أنْ يَكونَ مُختلِطًا بطاهِرٍ وإمَّا أنْ يَكونَ مُختلِطًا بنَجسٍ.
أولاً: الماءُ المُطلَقُ:
الماءُ المُطلَقُ في اصطِلاحِ الفُقهاءِ هو: ما صدَقَ عليه اسمُ ماءٍ بلا قَيدٍ لازِمٍ فيُقالُ: هذا ماءٌ، وشرِبتُ ماءً، وخلَقَ اللهُ الماءَ رَحمةً للعالَمينَ، ونَحوَ ذلك؛ لكَونِه إمَّا باقيًا على أصلِ خِلقتِه، وإمَّا مُتغيرًا، بما هو ضَروريٌّ له كالجارِي على الكِبريتِ وغيرِه، ممَّا يُلازمُ الماءَ في مَقرِّه، وإِضافتُه في نَحوِ ماءِ البَحرِ وماءِ البِئرِ، وإنْ كانَت قَيدًا إلا أنَّها غيرُ مُحتاجٍ إليها (٢).
стр. 177
وقيلَ: الماءُ المُطلَقُ هو الباقي على أصلِ خِلقتِه (١)، ولم تُخالِطْه نَجاسةٌ، ولم يَغلِبْ عليه شَيءٌ طاهِرٌ (٢).
وقد اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الماءَ المُطلَقَ طاهِرٌ في ذاتِه مُطهِّرٌ لغيرِه (٣).
وعبَّرَ الفُقهاءُ عن هذا النَّوعِ من الماءِ بالطَّهورِ، إلا أنَّهم اختَلَفوا في المُرادِ بالطَّهورِ.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه الطاهِرُ المُطهِّرُ.
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: قالَ أهلُ اللُّغةِ: الطَّهورُ هو العامِلُ للطَّهارةِ في غيرِه، كما يُقالُ: قَتولٌ، وقالَ ثَعلبٌ: الطَّهورُ: الطاهِرُ في نَفسِه المُطهِّرُ لغيرِه، وهذا ممَّا لم يُخالِفْ فيه إلا بعضُ أَصحابِ أبي حَنيفةَ، فقالوا: الطَّهورُ هو الطاهِرُ، على سَبيلِ المُبالَغةِ (٤).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: والطَّهورُ عندَنا هو المُطهِّرُ، وبه قالَ أحمدُ بنُ
стр. 178
حَنبَلٍ، وحَكاه بعضُ أَصحابِنا عن مالِكٍ، وحَكوْا عن بعضِ أَصحابِ أبي حَنيفةَ، وبَعضِ أهلِ اللُّغةِ أنَّ الطَّهورَ هو الطاهِرُ (١).
واستدَلَّ الجُمهورُ بما يَلي:
أولًا: أنَّ لَفظةَ «طَهورٌ» جاءَت في لِسانِ الشَّرعِ للمُطهِّرُ، ومِن هذا قَولُه تَعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان: ٤٨].
قالَ القُرطبيُّ ﵀: قَولُه تَعالى: ﴿مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ يُتطهَّرُ به، كما يُقالُ: وَضوءُ الماءِ، الذي يُتوضَّأُ به، وكلُّ طَهورٍ طاهِرُ، وليسَ كلُّ طاهِرٍ طَهورًا، فالطَّهورُ (بفَتحِ الطَّاءِ) الاسمُ، وكذلك الوَضوءُ والوَقودُ، وبالضَّمِّ المَصدرُ، وهذا هو المَعروفُ في اللُّغةِ، قالَه ابنُ الأَنباريِّ، فبيَّنَ أنَّ الماءَ المُنزلَ من السَّماءِ طاهِرٌ في نَفسِه مُطهِّرٌ لغيرِه؛ فإنَّ الطَّهورَ بِناءُ مُبالَغةٍ في طاهِرٍ، وهذه المُبالَغةُ اقتَضَت أنْ يَكونَ طاهِرًا مُطهِّرًا، وإلى هذا ذهَبَ الجُمهورُ.
وقيلَ: إنَّ «طَهورًا» بمَعنى: طاهِرًا، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ، وتعلَّقَ بقَولِه تَعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. يعني طاهرًا.
وقالَ القُرطبيُّ أيضًا: أجمَعَت الأُمةُ لُغةً وشَريعةً على أنَّ وَصفَ «طَهورًا» يَختصُّ بالماءِ فلا يَتعدَّى إلى سائِرِ المائِعاتِ، وهي طاهِرةٌ، فكانَ اقتِصارُهم بذلك على الماءَ أدَلُّ دَليلٍ على أنَّ الطَّهورَ هو المُطهِّرُ (٢).
стр. 179
ثانيًا: قالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيحِ: «هو الطَّهورُ مَاؤُه» (١). ومَعلومٌ أنَّهم: سأَلوا عن تَطهيرِ ماءِ البَحرِ لا عن طَهارتِه، ولولا أنَّهم يَفهَمونَ من الطَّهورِ المُطهِّرُ لم يَحصُلِ الجَوابُ (٢).
ثالِثًا: قَولُه ﷺ : «جُعلَت لي الأرضُ مَسجدًا وطَهورًا» (٣).
قالَ النَّوويُّ: المُرادُ: مُطهِّرةً، وبكَونِها مُطهِّرةً اختَصَّت هذه الأُمةُ لا بكَونِها طاهِرةً (٤).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: «وطَهورًا» استُدِلَّ به على أنَّ الطَّهورَ هو المُطهِّرُ لغيرِه؛ لأنَّ الطَّهورَ لو كانَ المُرادُ به الطاهِرَ لم تَثبُتِ الخُصوصيةُ، والحَديثُ إنَّما سِيقَ لإثباتِها.
وقد رَوى ابنُ المُنذرِ وابنُ الجارودِ بإِسنادٍ صَحيحٍ عن أنسٍ مَرفوعًا: «جُعِلَت لي كُلُّ أرضٍ طَيِّبةٍ مَسجدًا وطَهورًا».
ومَعنى «طَيِّبةٍ»: طاهِرةٍ، فلو كانَ مَعنى «طَهورًا»: طاهِرًا، للزِمَ تَحصيلُ الحاصِلِ (٥).
стр. 180
وتَحصيلُ الحاصِلِ بالنِّسبةِ له ﷺ مُحالٌ، فتعيَّنَ أنْ يَكونَ المُرادُ به المُطهِّرَ لغيرِه.
واستدَلَّ الحَنفيةُ على أنَّ الطَّهورَ هو الطاهِرُ بما يأتي:
أولًا: بقَولِه تَعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. ومَعلومٌ أنَّ أهلَ الجَنةِ لا يَحتاجونَ إلى التَّطهيرِ من حَدثٍ ولا نَجسٍ، فعُلمَ أنَّ المُرادَ بالطَّهورِ هو الطاهِرُ (١).
ثانيًا: قَولُ جَريرٍ في وَصفِ النِّساءِ:
عِذابِ الثَّنايا رِيقُهنَّ طَهورُ
والرِّيقُ لا يُتطهَّرُ به، وإنَّما أرادَ به الطاهِرَ (٢).
قالَ النَّوويُّ ﵀: أجابَ أَصحابُنا عن قَولِه تَعالى: ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، بأنَّه «تَعالى» وصَفَه بأعلى الصِّفاتِ، وهي: التَّطهيرُ، وكذا قَولُ جَريرٍ حُجةٌ لنا؛ لأنَّه قصَدَ تَفضيلَهنَّ على سائِرِ النِّساءِ، فوَصَف رِيقَهنَّ بأنَّه مُطهِّرٌ يُتطهَّرُ به لكَمالِهنَّ وطِيبِ رِيقِهنَّ، وامتِيازِه على غيرِه، ولا يَصحُّ حَملُه على ظاهِرِه؛ فإنَّه لا مَزيةَ لهُنَّ في ذلك؛ فإنَّ كلَّ النِّساءِ رِيقُهنَّ طاهِرٌ، بل البَقرُ والغَنمُ وكلُّ حَيوانٍ غيرِ الكَلبِ والخِنزيرِ (٣).
стр. 181
بَيانُ أَنواعِ الماءِ المُطلَقِ:
أَنواعُ الماءِ المُطلَقِ كما ذكَرَها الفُقهاءُ هي:
الأولُ: ماءُ السَّماءِ: أي: النازِلُ منها، يَعني المَطرَ، ومنه النَّدى، والأصلُ فيه قَولُه تَعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وقَولُه تَعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].
قالَ القُرطبيُّ ﵀: المياهُ المُنزلةُ من السَّماءِ والمُودعةُ في الأرضِ طاهِرةٌ مُطهِّرةٌ على اختِلافِ أَلوانِها وطُعومِها وأَرياحِها حتى يُخالطَها غيرُها (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا قَولُ عامةِ أهلِ العِلمِ (٢).
والثاني: ماءُ البَحرِ: ذهَبَ الأئِمةُ الأربَعةُ إلى جَوازِ استِعمالِ ماءِ البَحرِ في الطَّهارةِ من الأَحداثِ والأَنجاسِ من غيرِ كَراهةٍ (٣). والأصلُ فيه ما رَواه أبو هُريرةَ ﵁ قالَ: سَألَ رَجلٌ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنا نَركبُ البَحرَ ونَحملُ معنا القليلَ من الماءِ؛ فإنْ تَوضَّأْنا به عطِشْنا، أفنتَوضَّأُ من ماءِ البَحرِ؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «هو الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيتَتُه» (٤).
стр. 182
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا قَولُ عامةِ أهلِ العِلمِ، إلا أنَّه حُكيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ وعَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّهما قالا في البَحرِ: التَّيممُ أعجَبُ إلينا منه، هو نارٌ.
وحَكاه الماوَرديُّ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ، والأولُ أَولى؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وماءُ البَحرِ ماءٌ لا يَجوزُ العُدولُ إلى التَّيممِ مع وُجودِه.
ورُويَ عن أبي هُريرةَ قالَ: سألَ رَجلٌ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنا نَركبُ البَحرَ، ونَحملُ معنا القَليلَ من الماءِ؛ فإنْ تَوضَّأْنا به عطِشْنا، أفنَتوضَّأُ بماءِ البَحرِ؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «هو الطَّهورُ ماؤُه الحِلُّ مَيْتتُه» أخرَجَه أبو داودَ، والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ، وقالَ: هذا حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ.
ورُويَ عن عُمرَ ﵁ أنَّه قالَ: «مَنْ لم يُطهِّرْه ماءُ البَحرِ فلا طهَّرَه اللهُ»، ولأنَّه ماءٌ باقٍ على أصلِ خِلقتِه، فجازَ الوُضوءُ به كالعَذبِ.
وقَولُهم: «هو نارٌ» إنْ أُريدَ به أنَّه نارٌ في الحالِ فهو خِلافُ الحِسِّ، وإنْ أُريدَ أنَّه يَصيرُ نارًا، لم يَمنعْ ذلك الوُضوءَ به حالَ كَونِه ماءً (١).
والثالِثُ: ماءُ النَّهرِ: والأصلُ فيه قَولُه ﵇: «أَرأيتُم لو أنَّ نَهرًا ببَابِ أَحدِكُم يَغتسِلُ منه كلَّ يومٍ خَمسَ مَراتٍ هل يَبقَى مِنْ دَرنِه شَيءٌ؟» (٢).
стр. 183
والرابِعُ: ماءُ البِئرِ: والأصلُ فيه ما ورَدَ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّه قالَ: قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، أنتَوضَّأُ من بِئرِ بُضاعةَ وهي بِئرٌ يُلقى فيها الحَيضُ ولُحومُ الكِلابِ والنَّتنُ (أي: كانَت تَجرُفُها إليها السُّيولُ من الطُّرقِ والأَفنيةِ ولا تُطرحُ فيها قَصدًا ولا عَمدًا) (١)، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ الماءَ طَهورٌ لا يُنجسُه شَيءٌ» (٢).
والخامِسُ: ماءُ العَينِ: وهو ما يَنبُعُ من الأرضِ.
والسادِسُ: ماءُ الثَّلجِ: وهو ما نزَلَ من السَّماءِ مائِعًا ثم جمَدَ، أو ما يَتمُّ تَجميدُه بالوَسائلِ الصِّناعيةِ الحَديثةِ.
والسابِعُ: ماءُ البَرَدِ: وهو ما نزَلَ من السَّماءِ جامِدًا ثم ماعَ على الأرضِ ويُسمَّى حَبَّ الغَمامِ وحَبَّ المُزنِ (٣).
والأصلُ في ماءِ الثَّلجِ والبَرَدِ: حَديثُ أبي هُرَيرةَ ﵁ أنَّه قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَسكتُ بينَ التَّكبيرِ وبينَ القِراءةِ إسكاتةً قالَ:
стр. 184
أحسَبُه قالَ: هُنيَّةً، فقُلتُ: بأبي وأُمي يا رَسولَ اللهِ إِسكاتُك بينَ التَّكبيرِ والقِراءةِ ما تَقولُ؟ قالَ: «أقولُ: اللَّهمَّ باعِدْ بيني وبينَ خَطايايَ كما باعَدتَ بينَ المَشرقِ والمَغربِ اللَّهمَّ نَقِّني من الخَطايا كما يُنقَّى الثَّوبُ الأبيَضُ من الدَّنسِ، اللَّهمَّ اغسِلْ خَطايايَ بالماءِ والثَّلجِ والبَردِ» (١).
وقد اختَلَف الفُقهاءُ في استِعمالِ بعضِ أَنواعِ الماءِ المُطلَقِ، فمِن قائِلٍ بالكَراهةِ، ومن قائلٍ بعَدمِها، ومِن قائِلٍ بصِحتِها، ومِن قائِلٍ بعَدمِ صِحتِها، وهذه الأَنواعُ تَتمثَّلُ فيما يَلي:
أولًا: ماءُ الثَّلجِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في جَوازِ التَّطهُّرِ بماءِ الثَّلجِ إذا ذابَ.
وإنَّما اختَلَفوا في استِعمالِه قبلَ الإذابةِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ في المُعتمدِ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى عَدمِ جَوازِ التَّطهُّرِ بالثَّلجِ قبلَ الإذابةِ ما لم يَتقاطَرْ ويَسِلْ على العُضوِ.
يَقولُ صاحِبُ «الدُّر المُختار»: «يُرفعُ الحَدثُ مُطلقًا بماءٍ مُطلَقٍ، هو ما يَتبادرُ عندَ الإِطلاقِ، كماءِ سَماءٍ وأودِيةٍ وعُيونٍ وآبارٍ وبِحارٍ وثَلجٍ مُذابٍ بحيثُ يَتقاطَرُ» (٢).
стр. 185
وقالَ الدَّرديرُ في «الشَّرح الكَبير»: «وهو -أي: الماءُ المُطلَقُ- ما صدَقَ عليه اسمُ ماءٍ بلا قَيدٍ، وإنْ جُمعَ من نَدًى أو ذابَ، أي: تميَّعَ بعدَ جُمودِه كالثَّلجِ، وهو ما يَنزلُ مائِعًا ثم يَجمُدُ على الأرضِ» (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الذائِبُ من الثَّلجِ والبَرَدِ طَهورٌ؛ لأنَّه ماءٌ نزَلَ من السَّماءِ، وفي دُعاءِ النَّبيِّ ﷺ : «اللَّهمَّ طَهرْني بالمَاءِ والثَّلجِ والبَردِ» مُتَّفقٌ عليه؛ فإنْ أخَذَ الثَّلجَ فأمَرَّه على أَعضائِه لم تَحصُلِ الطَّهارةُ به، ولو انبَلَّ به العُضوُ؛ لأنَّ الواجِبَ الغُسلُ، وأقَلُّ ذلك أنْ يَجريَ الماءُ على العُضوِ، إلا أنْ يَكونَ خَفيفًا فيَذوبَ ويَجريَ ماؤُه على الأَعضاءِ، فيَحصُلَ به الغُسلُ فيُجزئَه (٢).
القَولُ الثاني: ذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ من الحَنفيةِ إلى جَوازِ التَّطهُّرِ به مُطلقًا وإنْ لم يَتقاطَرْ (٣).
والقَولُ الثالِثُ: فرَّقَ الشافِعيةُ بينَ سَيلِ الثَّلجِ على العُضوِ لشِدةِ حَرٍّ وحَرارةِ الجِسمِ ورَخاوةِ الثَّلجِ، وبينَ عَدمِ سَيلِه، فإنْ سالَ على العُضوِ صَحَّ الوُضوءُ على الصَّحيحِ، لحُصولِ جَريانِ الماءِ على العُضوِ، وقيلَ: لا يَصحُّ؛ لأنَّه لا يُسمَّى غُسلًا، حَكاه جَماعةٌ منهم الماوَرديُّ صاحِبُ الحاوي والدارِميُّ.
стр. 186
قالَ النَّوويُّ ﵀: وهُما من كِبارِ أئِمتِنا العِراقيِّينَ، وعَزاه الدارِميُّ إلى أبي سَعيدٍ الإصطَخريِّ.
وإنْ لم يَسِلْ لم يَصحَّ بلا خِلافٍ في المَغسولِ، ويَصحُّ مَسحُ المَمسوحِ منه، وهو الرأسُ والخُفُّ والجَبيرةُ، وهو المَذهبُ عندَهم (١).
ثانيًا: ماءُ زَمزمَ:
اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ استِعمالِ ماءِ زَمزمَ من الحَدثِ أو لإِزالةِ النَّجسِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ وابنُ شَعبانَ من المالِكيةِ إلى جَوازِ استِعمالِ ماءِ زَمزمَ من غَيرِ كَراهةٍ في إِزالةِ الحَدثِ، أمَّا في إِزالةِ الأنجاسِ فيُكرهُ تَشريفًا له وإكرامًا، وفي قَولٍ للشافِعيةِ خِلافُ الأَولى (٢).
القَولُ الثاني: ذهَبَ المالِكيةُ إلى جَوازِ استِعمالِ ماءِ زَمزمَ من غَيرِ كَراهةٍ مُطلَقًا سَواءٌ أكانَ الاستِعمالُ في الطَّهارةِ من الحَدثِ أم في إِزالةِ النَّجسِ.
قالَ ابنُ أبي زَيدٍ القَيروانِيُّ ﵀: ماءُ زَمزمَ وماءُ البَحرِ العَذبِ والمالِحِ طَيِّبٌ في ذاتِه لكلِّ ما يُستعمَلُ فيه، طاهِرٌ في نَفسِه ما دامَ غيرَ مُخالِطٍ بنَجسٍ، مُطهِّرٌ لغيرِه كالنَّجاساتِ، وما في مَعناها من الأَحداثِ، ما دامَ باقيًا على أصلِ خِلقتِه لم يُغيِّرْه شَيءٌ مما يَنفكُّ عنه غالِبًا، وإنَّما نَصَّ على هذه
стр. 187
الأشياءِ وإنْ كانَت داخِلةً فيما تقدَّمَ ليُنبِّهَ على ما في بَعضِها من الخِلافِ (١).
القَولُ الثالِثُ: ذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى كَراهيةِ استِعمالِه مُطلَقًا، أي: في إِزالةِ الحَدثِ والنَّجسِ. وخَصَّ شَيخُ الإِسلامِ الكَراهةَ بغُسلِ الجَنابةِ (٢).
قالَ في «الاختياراتِ»: ويُكرهُ الغُسلُ -لا الوُضوءُ- بماءِ زَمزمَ، قالَه طائِفةٌ من العُلماءِ (٣).
ثالِثًا: الماءُ الآجِنُ:
هو الماءُ الذي تغيَّرَ بطُولِ مُكثِه في المَكانِ من غيرِ مُخالطةِ شَيءٍ، ويَقرُبُ منه الماءُ الآسِنُ (٤).
ولا خِلافَ بينَ المَذاهبِ الأربَعةِ في جَوازِ استِعمالِ الماءِ الآجِنِ من غيرِ كَراهةٍ.
قالَ ابنُ الُمنذرِ ﵀: أجمَعوا على أنَّ الوُضوءَ بالماءِ الآجِنِ من غيرِ نَجاسةٍ حلَّتْ به جائِزٌ، وانفرَدَ ابنُ سِيرينَ فقالَ: لا يَجوزُ (٥).
стр. 188
ثانيًا: الماءُ المُستعمَلُ:
اختَلَف الأئِمةُ الأربَعةُ في المُرادِ بالماءِ المُستعمَلِ وفي حُكمِه، وذلك على التَّفصيلِ الآتي:
الماءُ المُستعمَلُ عندَ الحَنفيةِ:
الماءُ المُستعمَلُ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ: هو الماءُ الذي أُزيلَ بعدَ حَدثٍ أو استِعمالٍ في البَدنِ على وَجهِ القُربةِ، كالوُضوءِ على الوُضوءِ بنيَّةِ التَّقرُّبِ أو لإسقاطِ فَرضٍ.
وعندَ مُحمدِ بنِ الحَسنِ: هو الماءُ الذي استُعملَ لإِقامةِ قُربةٍ.
وعندَ زُفرَ: هو الماءُ المُستعمَلُ لإِزالةِ الحَدثِ.
والمَذهبُ عندَ الحَنفيةِ: أنَّ الماءَ يَصيرُ مُستعمَلًا بمُجردِ انفِصالِه عن البَدنِ (١).
ويَظهرُ أثَرُ هذا الخِلافِ عندَهم من المُرادِ من الماءِ المُستعمَلِ فيما يَلي:
أولًا: إذا توضَّأَ بنيَّةِ إِقامةِ القُربةِ نَحوَ الصَّلاةِ المَعهودةِ وصَلاةِ الجِنازةِ ودُخولِ المَسجدِ وقِراءةِ القُرآنِ ونَحوِها.
فإنْ كانَ مُحدِثًا صارَ الماءُ مُستعمَلًا بلا خِلافٍ؛ لوُجودِ السَّببَين، وهُما: إِزالةُ الحَدثِ، وإِقامةُ القُربةِ.
стр. 189
وإنْ كانَ غيرَ مُحدِثٍ يَصيرُ الماءُ مُستعمَلًا عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ؛ لوُجودِ إِقامةِ القُربةِ، لكَونِ الوُضوءِ على الوُضوءِ نُورًا على نُورٍ.
وعندَ زُفرَ: لا يَصيرُ الماءُ مُستعمَلًا لانعِدامِ إِزالةِ الحَدثِ.
ثانيًا: إذا توضَّأَ أو اغتسَلَ للتبَرُّدِ؛ فإنْ كانَ مُحدِثًا صارَ الماءُ مُستعمَلًا عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ وزُفرَ؛ لوُجودِ إِزالةِ الحَدثِ.
وعندَ مُحمدٍ لا يَصيرُ مُستعمَلًا لعَدمِ إِقامةِ القُربةِ، وإنْ لم يَكنْ مُحدِثًا لا يَصيرُ مُستعمَلًا بالاتِّفاقِ.
ثالِثًا: إذا توضَّأَ بالماءِ المُقيَّدِ كماءِ الوَردِ ونَحوِه لا يَصيرُ مُستعمَلًا بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ التَّوضُّؤَ به غيرُ جائِزٍ، فلم يُوجدْ إِزالةُ الحَدثِ ولا إِقامةُ القُربةِ.
رابِعًا: إذا غسَلَ الأشياءَ الطاهِرةَ من النَّباتِ والثِّمارِ والأَواني والأَحجارِ ونَحوِها، أو غسَلَ يَدَه من الطِّينِ والوَسخِ، أو غسَلَت المَرأةُ يَدَها من العَجينِ أو الحِناءِ ونَحوِ ذلك، لا يَصيرُ الماءُ مُستعمَلًا.
والماءُ المُستعمَلُ عندَ الحَنفيةِ ليسَ بطَهورٍ لحَدثٍ، بل لخَبثٍ على الراجِحِ المُعتمَدِ؛ فإنَّه يَجوزُ إِزالةُ النَّجاسةِ الحَقيقيةِ به (١).
стр. 190
الماءُ المُستعمَلُ عندَ المالِكيةِ:
ذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الماءَ المُستعمَلَ هو ما اسُتعمِلَ في رَفعِ حَدثٍ أو في إِزالةِ حُكمِ خَبثٍ، وأنَّ المُستعمَلَ في رَفعِ حَدثٍ: هو ما تقاطَرَ من الأَعضاءِ أو اتَّصلَ بها واستمَرَّ على اتِّصالِه، أو انفصَلَ عنها وكانَ المُنفصِلُ يَسيرًا، أو غسَلَ عُضوَه فيه كماءٍ في قَصريةٍ أدخَلَ يَدَه أو رِجلَه فيها ودلَكَها فيها؛ لأنَّ الاستعمالَ بالدَّلكِ لا بمُجردِ إِدخالِ العُضوِ.
وحُكمُه: أنَّه طاهِرٌ مُطهِّرٌ لكنْ يُكرهُ استِعمالُه في رَفعِ حَدثٍ أو اغتِسالاتٍ مَندوبةٍ مع وُجودِ غيرِه إذا كانَ يَسيرًا.
ولا يُكرهُ على الأَرجحِ استِعمالُه مَرةً أُخرى في إِزالةِ النَّجاسةِ أو غَسلِ إناءٍ ونَحوِه.
والكَراهةُ مُقيَّدةٌ بأمرَينِ كما يَقولُ الدُّسوقيُّ: أنْ يَكونَ ذلك الماءُ المُستعمَلُ قَليلًا كآنيةِ الوُضوءِ والغُسلِ.
وأنْ يُوجدَ غيرُه.
وإلا فلا كَراهةَ، كما أنَّه لا كَراهةَ إذا صُبَّ على الماءِ اليَسيرِ المُستعمَلِ ماءٌ مُطلَقٌ غيرُ مُستعمَلٍ؛ فإنْ صُبَّ عليه مُستعمَلٌ مِثلُه حتى كثُرَ لم تَنتَفِ
стр. 191
الكَراهةُ؛ لأنَّ ما ثبَتَ للأَجزاءِ يَثبُتُ للكلِّ، واستظهَرَ ابنُ عبدِ السَّلامِ نَفيَها (١).
وقالَ الشَّيخُ الدَّرديرُ: الماءُ اليَسيرُ الذي هو قَدرُ آنيةِ الغُسلِ، فأقَلُّ المُستعمَلِ في حَدثٍ يُكرهُ استِعمالُه في حَدثٍ بشُروطٍ ثَلاثةٍ: أنْ يَكونَ يَسيرًا، وأنْ يَكونَ استُعملَ في رَفعِ حَدثٍ لا حُكمِ خَبثٍ، وأنْ يَكونَ الاستِعمالُ الثاني في رَفعِ حَدثٍ (٢).
قالَ الشَّيخُ أحمدُ الصاويُّ: وعلى هذا فإنَّ الماءَ المُستعمَلَ في حُكمِ خَبثٍ لا يُكرهُ له استِعمالُه، وأنَّ الماءَ المُستعمَلَ في حَدثٍ لا يُكرهُ استِعمالُه في حُكمِ خَبثٍ (٣).
الماءُ المُستعمَلُ عندَ الشافِعيةِ:
الماءُ المُستعمَلُ عندَ الشافِعيةِ: هو الماءُ القَليلُ المُستعمَلُ في فَرضِ الطَّهارةِ عن حَدثٍ كالغَسلةِ الأُولى فيه، أو في إِزالةِ نَجسٍ عن البَدنِ أو الثَّوبِ، أمَّا نَفلُ الطَّهارةِ كتَجديدِ الوُضوءِ والغَسلةِ الثانيةِ والغَسلةِ الثالِثةِ ففيه وَجهانِ، الصَّحيحُ -كما قالَ النَّوويُّ- أنَّه ليسَ بمُستعمَلٍ، وهو ظاهِرُ نَصِّ الشافِعيِّ (٤).
стр. 192
وقالَ أيضًا: واتَّفَقوا على أنَّ المُستعمَلَ في الغَسلةِ الرابِعةِ ليسَ بمُستعمَلٍ؛ لأنَّها ليسَت بنَفلٍ (١).
وفرَّقَ الشافِعيةُ بينَ الماءِ القَليلِ الذي لم يَبلغْ قُلَّتينِ، وبينَ الكَثيرِ الذي بلَغَ قُلَّتينِ فأكثَرَ.
فالصَّحيحُ من المَذهبِ أنَّ القَليلَ من الماءِ المُستعمَلِ طاهِرٌ في نَفسِه؛ لأنَّ السَّلفَ الصالِحَ كانوا لا يَحتَرزونَ عنه، ولا عما يَتقاطرُ عليهم منه.
فعن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: «جاءَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَعودُني وأنا مَريضٌ لا أَعقِلُ، فتَوضَّأَ وصَبَّ علَيَّ من وَضُوئِه فعَقَلتُ» (٢).
ولكنَّه غيرُ طَهورٍ، فلا يَرفعُ حَدثًا ولا يُزيلُ نَجسًا؛ لأنَّ السَّلفَ مع قِلةِ مياهِهم لم يَجمَعوا الماءَ المُستعمَلَ ثانيةً بل انتَقَلوا إلى التَّيممِ، كما لم يَجعَلوه للشُّربِ؛ لأنَّه مُستقذَرٌ.
فإن جُمعَ الماءُ المُستعمَلُ فبلَغَ قُلَّتينِ فطَهورٌ على الأصَحِّ (٣).
قالَ الشِّربينيُّ: واختُلفَ في عِلةِ مَنعِ استِعمالِ الماءِ المُستعمَلِ فقيل: وهو الأصَحُّ: إنَّه غيرُ مُطلَقٍ، كما صحَّحَه النَّوويُّ وغيرُه (٤)(٥).
стр. 193
فإنْ جُمعَ المُستعمَلُ على الجَديدِ فبلَغَ قُلَّتينِ فطَهورٌ في الأصَحِّ؛ لأنَّ النَّجاسةَ أشَدُّ من الاستِعمالِ، والماءُ المُتنجِّسُ لو جُمعَ حتى بلَغَ قُلَّتينِ -أي: ولا تَغيُّرَ به- صارَ طَهورًا قَطعًا، فالمُستعمَلُ أَولى.
ومُقابِلُ الأصَحِّ لا يَعودُ طَهورًا؛ لأنَّ قُوَّتَه صارَت مُستوفاةً بالاستِعمالِ فالتحَقَ بماءِ الوَردِ ونَحوِه: وهذا اختيارُ ابنِ سُرَيجٍ (١).
وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: الماءُ المُستعمَلُ ضَربانِ:
مُستعمَلٌ في طَهارةِ الحَدثِ، ومُستعمَلٌ في طَهارةِ النَّجسِ.
فأمَّا المُستعمَلُ في طَهارةِ الحَدثِ فيُنظرُ فيه؛ فإنِ استُعملَ في رَفعِ حَدثٍ فهو طاهِرٌ؛ لأنَّه ماءٌ طاهِرٌ لاقَى مَحلًّا طاهِرًا، كما لو غُسلَ به ثَوبٌ طاهِرٌ. وهل تَجوزُ به الطَّهارةُ أو لا؟ فيه طَريقانِ: من أَصحابِنا مَنْ قالَ: فيه قَولانِ:
стр. 194
(المَنصوصُ) أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّه زالَ عنه إطلاقُ اسمِ الماءِ فصارَ كما لو تغيَّرَ بالزَّعفرانِ.
ورُويَ عنه أنَّه قالَ: يَجوزُ الوُضوءُ به؛ لأنَّه استِعمالُ لم يُغيِّرْ صِفةَ الماءِ، فلم يَمنعِ الوُضوءَ به؛ كما لو غسَلَ به ثَوبًا طاهِرًا، ومِن أَصحابِنا مَنْ لم يُثبتْ هذه الرِّوايةَ.
ثم قالَ: وأمَّا المُستعمَلُ في النَّجسِ فيُنظرُ فيه: فإنِ انفصَلَ عن المَحلِّ وتغيَّرَ فهو نَجسٌ لقَولِه ﷺ : «الماءُ لا يُنجِّسُه شَيءٌ إلا ما غيَّرَ طَعمَه أو رِيحَه» (١).
وإنْ كانَ غيرَ مُتغيِّرٍ ففيه ثَلاثةُ أوجُهٍ:
أحَدُها: أنَّه طاهِرٌ وهو قَولُ أبي العَباسِ وأبي إِسحاقَ؛ لأنَّه ماءٌ لا يُمكنُ حِفظُه من النَّجاسةِ فلم يُنجَّسْ من غيرِ تَغيُّرٍ، كالماءِ الكَثيرِ إذا وقَعَت فيه نَجاسةٌ.
стр. 195
والثاني: أنَّه يُنجَّسُ، وهو قَولُ أبي القاسمِ الأنماطيِّ؛ لأنَّه ماءٌ قَليلٌ لاقَى نَجاسةً، فأشبَهَ ما إذا وقَعَت فيه نَجاسةٌ.
والثالِثُ: أنَّه إنِ انفصَلَ والمَحلُّ طاهِرٌ فهو طاهِرٌ، وإنِ انفصَلَ والمَحلُّ نَجسٌ فهو نَجسٌ، وهو قَولُ أبي العَباسِ بنِ القاصِّ؛ لأنَّ المُنفصلَ في جُملةِ الباقي في المَحلِّ، فكانَ حُكمُه في النَّجاسةِ والطَّهارةِ حُكمَه (١).
الماءُ المُستعمَلُ عندَ الحَنابِلةِ:
ظاهِرُ المَذهبِ عندَ الحَنابِلةِ أنَّ الماءَ الذي استُعملَ في رَفعِ الحَدثِ ولم يَتغيرْ أحدُ أَوصافِه طاهِرٌ غيرُ مُطهِّرٍ، لا يَرفعُ حَدثًا ولا يُزيلُ نَجسًا.
وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ أُخرى: أنَّه طاهِرٌ مُطهِّرٌ يَرفعُ الحَدثَ ويُزيلُ الخَبثَ (٢)؛ لأنَّه غُسلَ به مَحلٌّ طاهِرٌ، فلم تَزلْ به طَهوريتُه كما لو غسَلَ به الثَّوبَ، ولأنَّه لاقَى مَحلًّا طاهِرًا فلا يَخرجُ عن حُكمِه بتَعدِّيه الفَرضَ به، كالثَّوبِ يُصلَّى فيه مِرارًا.
أمَّا الماءُ المُستعمَلُ في طَهارةٍ مُستحَبةٍ غيرِ واجِبةٍ كتَجديدِ الوُضوءِ والغَسلةِ الثانيةِ والغَسلةِ الثالِثةِ في الوُضوءِ، والغُسلِ للجُمعةِ والعِيدَينِ وغيرِها ففيه رِوايتانِ:
стр. 196
إحداهُما: أنَّه كالمُستعمَلِ في رَفعِ الحَدثِ؛ لأنَّها طَهارةٌ مَشروعةٌ، أشبَهَ ما لو اغتسَلَ به من جَنابةٍ.
والثاني: لا يَمنعُ الطَّهوريةَ؛ لأنَّه لم يَزلْ مانِعًا من الصَّلاةِ، أشبَهَ ما لو تبَرَّدَ به؛ فإنْ لم تَكنِ الطَّهارةُ مَشروعةً لم يُؤثِّرِ استِعمالُ الماءِ فيها شَيئًا كالغَسلةِ الرابِعةِ في الوُضوءِ، وكانَ كما لو تبَرَّدَ، أو غسَلَ به ثَوبَه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تَختلفُ الرِّوايةُ أنَّ ما استُعملَ في التبَرُّدِ والتَّنظيفِ أنَّه باقٍ على إطلاقِه، ولا نَعلمُ فيه خِلافًا (١).
أمَّا الماءُ المُستعمَلُ في تَعبُّدٍ من غيرِ حَدثٍ كغَسلِ اليَدينِ من نَومِ اللَّيلِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ: فإنْ قُلنا: ليسَ ذلك بواجِبٍ، لم يُؤثِّرِ استِعمالُه في الماءِ، وإنْ قُلنا بوُجوبِه قالَ القاضِي: هو طاهِرٌ غيرُ مُطهِّرٍ، وذكَرَ أبو الخَطابِ فيه روايتَين:
إحداهُما: أنَّه يَخرجُ عن إطلاقِه؛ لأنَّه مُستعمَلٌ في طَهارةِ تَعبُّدٍ، أشبَهَ المُستعمَلَ في رَفعِ الحَدثِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى أنْ يَغمسَ القائِمُ من نَومِ اللَّيلِ يَدَه في الإناءِ قبلَ غَسلِها، فدَلَّ ذلك على أنَّه يُفيدُ مَنعًا.
والرِّوايةُ الثانيةُ: أنَّه باقٍ على إِطلاقِه؛ لأنَّه لم يَرفعْ حَدثًا، أشبَهَ المُتبرِّدَ به (٢).
стр. 197
وجُملةُ ما تقدَّمَ يَتلخَّصُ في الآتي:
ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ -وهو رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ- إلى أنَّ الماءَ المُستعمَلَ الذي قد تُوُضِّئَ به مَرةً لا يُتوضَّأُ به، ومَن تَوضَّأ به أعادَ أبَدًا؛ لأنَّه ليسَ بماءٍ مُطلَقٍ، ويَتيممُ واجِدُه؛ لأنَّه ليسَ بواجِدِ ماءٍ.
وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ إلى أنَّه لا يُتوضَّأُ به إذا وُجدَ غيرُه وقالَ: لا خَيرَ فيه؛ فإنْ لم يَجدْ غيرَه توَضَّأ به ولم يَتيممْ؛ لأنَّه ماءٌ طاهِرٌ لم يُغيرْه شَيءٌ.
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ إلى أنَّه طاهِرٌ مُطهِّرٌ يَجوزُ الوُضوءُ به.
أمَّا الماءُ الذي استُعملَ في التَّبريدِ والتَّنظيفِ فإنَّه باقٍ على إطلاقِه يَجوزُ التَّطهُّرُ به بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ (١).
стр. 198
ثالِثًا: الماءُ المُسخَّنُ:
الماءُ المُسخَّنُ إمَّا أنْ يَكونَ مُسخَّنًا بتأثيرِ الشَّمسِ فيه، وإمَّا أنْ يَكونَ مُسخَّنًا بتأثيرِ غيرِها.
أولًا: الماءُ المُسخَّنُ بتأثيرِ الشَّمسِ فيه (المُشمَّسُ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ استِعمالِ الماءِ المُشمَّسِ هل يَجوزُ استِعمالُه مُطلقًا من غيرِ كَراهةٍ أو يُكرهُ استِعمالُه؟ على قَولَينِ:
القَولُ الأولُ: جَوازُ استِعمالِه مُطلَقًا من غيرِ كَراهةٍ، سَواءٌ كانَ هذا الاستِعمالُ في البَدنِ أو في الثَّوبِ، وبهذا قالَ جُمهورُ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ وبَعضُ فُقهاءِ المالِكيةِ -كابنِ شَعبانَ وابنِ الحاجِبِ وابنِ عبدِ الحَكمِ-، وبَعضُ الشافِعيةِ كالنَّوويِّ والرُّويانِيِّ (١).
القَولُ الثاني: كَراهةُ استِعمالِ الماءِ المُشمَّسِ وهو مَذهبُ المالِكيةِ في المُعتمَدِ عندَهم والشافِعيةِ في المَذهبِ وبَعضِ الحَنفيةِ.
يَقولُ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ويُكرهُ شَرعًا الماءُ المُشمَّسُ تَنزيهًا، أي: ما سخَّنَته الشَّمسُ، أي: يُكرهُ استِعمالُه في البَدنِ في الطَّهارةِ وغيرِها، كأكلٍ وشُربٍ؛ لمَا رَوى الشافِعيُّ عن عُمرَ ﵁ أنَّه: «كانَ يَكرهُ
стр. 199
الاغتِسالَ بالماءِ المُشمَّسِ، وقالَ: يُورثُ البَرَصَ» لكنْ بشَرطِ أنْ يَكونَ ببِلادٍ حارةٍ، أي: تَقلِبُه الشَّمسُ عن حالتِه إلى حالةٍ أُخرى، كما نقَلَه في البَحرِ عن الأَصحابِ في آنيةٍ مُنطبِعةٍ غيرِ النَّقدَينِ، وهي كلُّ ما طُرقَ كالنُّحاسِ ونَحوِه، وأنْ يُستعملَ في حالِ حَرارتِه؛ لأنَّ الشَّمسَ بحِدَّتِها تَفصلُ منه زُهومةً تَعلو الماءَ، فإذا لاقَتِ البَدنَ بسُخونتِها خِيفَ أنْ تَقبضَ عليه فيَحتبسَ الدَّمُ فيَحصلَ البَرصُ (١).
وقالَ الدَّرديرُ: يُكرهُ الماءُ المُشمَّسُ، أي: المُسخَّنُ، أي: بالشَّمسِ في الأَقطارِ الحارةِ، كأرضِ الحِجازِ، لا في نَحوِ مِصرَ والرُّومِ، وقيَّدَ بَعضُهم الكَراهةَ أيضًا بالمُشمَّسِ في الأَواني والنُّحاسِ ونَحوِها لا الفَخَّارِ، وقيلَ: لا يُكرهُ مُطلقًا (٢).
وعقَّبَ الإمامُ الدُّسوقيُّ على قَولِ الدَّرديرِ في «الشَّرح الكَبير»: والمُعتمَدُ الكَراهةُ بقَولِه: وهو ما نقَلَه ابنُ الفُراتِ عن مالِكٍ، واقتصَرَ عليه جَماعةٌ من أهلِ المَذهبِ، لكنَّ هذه الكَراهةَ طِبِّيةٌ لا شَرعيةٌ؛ لأنَّ حَرارةَ الشَّمسِ لا تَمنعُ من إِكمالِ الوُضوءِ أو الغُسلِ، بخِلافِ ما لو كانَت كَراهتُه لشِدةِ حَرارتِه؛ فإنَّها شَرعيةٌ، والفَرقُ بينَ الكَراهتَين أنَّ الشَّرعيةَ يُثابُ تارِكُها بخِلافِ الطِّبيةِ (٣).
стр. 200
وقالَ ابنُ عابِدينَ في «حاشيتِه»: قدَّمنا في بابِ مَندوباتِ الوُضوءِ عن الإِمرادِ أنَّ منه ألَّا يَكونَ بماءٍ مُشمَّسٍ وبه صرَّحَ في «الحِلية» مُستدلًّا بما صَحَّ عن عُمرَ من النَّهيِ عنه، ولذا صرَّحَ في الفَتحِ بكَراهتِه، ومِثلُه في البَحرِ.
وقالَ في «مَعارج الدِّرايةِ» وفي «القُنية»: وتُكرهُ الطَّهارةُ بالمُشمَّسِ، لقَولِه ﷺ لعائِشةَ ﵂ حين سخَّنَت الماءَ بالشَّمسِ: «لا تَفعَلي يا حُمَيراءُ؛ فإنَّه يُورِثُ البَرَصَ».
وفي الغايةِ: يُكرهُ بالمُشمَّسِ في قُطرٍ حارٍّ في أَوانٍ مُنطبعةٍ (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ مُعلِّقًا على هذَين الحَديثَينِ:
أمَّا حَديثُ عائِشةَ فضَعيفٌ باتِّفاقِ المُحدِّثينَ، وقد رَواه البَيهَقيُّ من طُرقٍ وبيَّنَ ضَعفَها كلَّها، ومنهم مَنْ يَجعلُه مَوضوعًا، وقد رَواه الشافِعيُّ في «الأُم» بإِسنادِه عن عُمرَ بنِ الخَطابِ، وقالَ: إنَّه يُورثُ البَرصَ، وهذا ضَعيفٌ أيضًا باتِّفاقِ المُحدِّثينَ … فحصَلَ من هذا: أنَّ المُشمَّسَ لا أصلَ لكَراهتِه، ولم يَثبتْ عن الأطِباءِ فيه شَيءٌ، فالصَّوابُ: الجَزمُ بأنَّه لا كَراهةَ فيه … وهو الصَّوابُ المُوافِقُ للدَّليلِ ولنَصِّ الشافِعيِّ؛ فإنَّه قالَ في «الأُم»: لا أكرَهُ المُشمَّسَ إلا أنْ يَكونَ من جِهةِ الطِّبِّ، كذا رأيتُه في «الأُم» (٢). وكذا نقَلَه البَيهَقيُّ بإِسنادِه في كِتابِه «مَعرِفة السُّنَن والآثار» عن الشافِعيِّ (٣).
стр. 201
ثانيًا: الماءُ المُسخَّنُ بغيرِ الشَّمسِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الماءِ المُسخَّنِ بغيرِ الشَّمسِ أو المُسخَّنِ بالنَّجاسةِ هل يَجوزُ استِعمالُه بدونِ كَراهةٍ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وأبو حَنيفةَ إلى أنَّ الماءَ المُسخَّنَ بالنارِ لا يُكرهُ استِعمالُه لعَدمِ ثُبوتِ نَهيٍ عنه، ولذَهابِ الزُّهومةِ لقُوةِ تأثيرِها، وأضافَ الشافِعيةُ وأبو حَنيفةَ: ولو كانَ التَّسخينُ بنَجاسةٍ، وكرِهَ ذلك المالِكيةُ، أي: التَّسخينَ بالنَّجاسةِ (١).
أمَّا الحَنابِلةُ فجعَلوا الماءَ المُسخَّنَ بالنَّجاسةِ على ثَلاثةِ أقسامٍ:
قالَ ابنُ قُدامةَ: أحدُها: أنْ يَتحقَّقَ شَيءٌ من أَجزاءِ النَّجاسةِ إلى الماءِ فيُنجِّسَه إذا كانَ يَسيرًا.
والثاني: ألَّا يَتحقَّقَ وُصولُ شَيءٍ من أَجزاءِ النَّجاسةِ إلى الماءِ، والحائِلُ غيرُ حَصينٍ، فالماءُ على أصلِ الطَّهارةِ ويُكرهُ استِعمالُه.
والثالِثُ: إذا كانَ الحائِلُ حَصينًا، قالَ القاضِي: يُكرهُ، واختارَ الشَّريفُ أبو جَعفرٍ وابنُ عَقيلٍ أنَّه لا يُكرهُ؛ لأنَّه غيرُ مُتردِّدٍ في نَجاستِه بخِلافِ التي قبلَها.
стр. 202
وذكَرَ أبو الخَطابِ في كَراهةِ المُسخَّنِ بالنَّجاسةِ رِوايَتينِ على الإطلاقِ (١).
وقال شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: الماءُ المُسخَّنُ بالنَّجاسةِ طاهِرٌ، لكنْ هل يُكرهُ؟ على قَولَينِ، هُما رِوايتانِ عن أحمدَ.
إحداهُما: لا يُكرهُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ.
والثاني: يُكرهُ، وهو مَذهبُ مالِكٍ.
وللكَراهةِ مَأخَذانِ:
أحدُهما: الخَشيةُ من أنْ يَكونَ قد وصَلَ إلى الماءِ شَيءٌ من النَّجاسةِ، فيُكرهُ لاحتِمالِ تَنجُّسِه: فعلى هذا إذا كانَ بينَ المَوقِدِ وبينَ النارِ حاجِزٌ حَصينٌ لم يُكرهْ: وهذه طَريقةُ الشَّريفِ أبي جَعفرٍ وابنِ عَقيلٍ وغيرِهما.
والثاني: أنَّ سَببَ الكَراهةِ كَونُ استِعمالِ النَّجاسةِ مَكروهًا، وأنَّ السُّخونةَ حصَلَت بفِعلِ مَكروهٍ، وهذه طَريقةُ القاضِي أبي يَعلى، ومِثلُ هذا طَبخُ الطَّعامِ بالوَقودِ النَّجسِ؛ فإنَّ نُضْجَ الطَّعامِ كسُخونةِ الماءِ (٢).
стр. 203
رابِعًا: الماءُ المُختلِطُ:
وهو إمَّا أنْ يَكونَ مُختلِطًا بطاهِرٍ، أو يَكونَ مُختلِطًا بنَجسٍ.
والمُختلِطُ بطاهِرٍ إمَّا أنْ يُمكنَ التَّحرُّزُ منه وإمَّا ألَّا يُمكنَ التَّحرُّزُ منه، وكلٌّ منهما إمَّا أنْ يَتغيرَ بمُخالطةِ الطاهِرِ وإمَّا ألَّا يَتغيَّرَ.
والمُختلِطُ بنَجسٍ إمَّا أنْ يَتغيرَ وإمَّا ألَّا يَتغيرَ، وغيرُ المُتغيرِ إمَّا أنْ يَكونَ قَليلًا، وإمَّا أنْ يَكونَ كَثيرًا.
أولًا: الماءُ المُختلِطُ بالطاهِرِ وهو أقسامٌ:
القِسمُ الأولُ: حُكمُ المُختلِطِ بالطاهِرِ ولم يَتغيرْ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الماءَ إذا اختلَطَ به شَيءٌ طاهِرٌ ولم يَتغيرْ به لقِلَّتِه لم يَمنعِ الطَّهارةَ به؛ لأنَّ الماءَ باقٍ على إطلاقِه.
القِسمُ الثاني: حُكمُ الماءِ إذا اختلَطَ بطاهِرٍ لا يُمكنُ التَّحرزُ منه وتغيَّرَ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الماءَ إذا خالَطَه طاهِرٌ لا يُمكنُ الاحتِرازُ منه كالطُّحلُبِ والخَزِّ وسائِرِ ما يَنبُتُ في الماءِ، وكذلك وَرقُ الشَّجرِ الذي يَسقطُ في الماءِ، أو تَحمِلُه الرِّيحُ فتُلقيه فيه، وما تَجذِبُه السُّيولُ من العِيدانِ والتِّبنِ، ونَحوِه، فتُلقيه في الماءِ، وما هو في قَرارِ الماءِ، كالكِبريتِ وغيرِه، إذا جرَى عليه الماءُ فتغيَّرَ به، أو كانَ في الأرضِ التي يَقفُ الماءُ فيها؛ فإنَّه يَجوزُ التَّطهُّرُ به؛ لأنَّه يَشقُّ التَّحرُّزُ منه (١).
стр. 204
القِسمُ الثالِثُ: حُكمُ الماءِ الذي خالَطَه طاهِرٌ يُمكنُ الاحتِرازُ عنه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الماءِ الذي خالَطَه طاهِرٌ يُمكنُ الاحتِرازُ عنه، كزَعفرانٍ والصابونِ ونَحوِهما فتَغيَّرَ به أحدُ أَوصافِه، طَعمُه أو لَونُه أو رِيحُه، هل هو طاهِرٌ مُطهِّرٌ يَصحُّ التَّطهُّرُ به أو هو طاهِرٌ في نَفسِه غيرُ مُطهِّرٍ لغيرِه فلا يَرفعُ حَدثًا ولا يُزيلُ نَجسًا؟ على قَولَينِ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه طاهِرٌ مُطهِّرٌ.
قال شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وهذا القَولُ هو الصَّوابُ (١).
واستدَلُّوا على ذلك بقَولِه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].
وهذا عامٌّ في كلِّ ماءٍ؛ لأنَّه نَكرةٌ في سياقِ النَّفيِ، والنَّكرةُ في سياقِ النَّفيِ تَعمُّ؛ فلا يَجوزُ التَّيممُ مع وُجودِه (٢).
وبقَولِ النَّبيِّ ﷺ في الرَّجلِ الذي وقَصَته ناقَتُه فماتَ: «اغسِلُوه بمَاءٍ وسِدْرٍ» (٣)، فلولا أنَّه طهَورٌ لمَا أمرَه أنْ يَغتسلَ بذلك؛ لأنَّ غُسلَ المَيِّتِ لا يَجوزُ إلا بما يَجوزُ به الوُضوءُ، ولأنَّه طَهورٌ خالَطَه طاهِرٌ لم يَسلُبْه اسمَ الماءِ ولا رِقتَه ولا جَريانَه، فأشبَهَ المُتغيِّرَ بالدُّهنِ (٤).
стр. 205
وبما ورَدَ عن أُمِّ هانِئٍ ﵂ قالَت: «إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ اغتَسلَ هو ومَيمونةُ من إناءٍ واحِدٍ من قَصعةٍ فيها أثَرُ العَجينِ» (١).
القَولُ الثاني: ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه طاهِرٌ غيرُ مُطهِّرٍ كماءِ اللَّحمِ والباقِلاءِ، ويَجوزُ استِعمالُه في العاداتِ كالطَّبخِ وغيرِه دونَ الوُضوءِ والغُسلِ.
قالَ صاحِبُ «أسهَل المَدارِك» أبو بَكرِ بنُ حَسنِ بنِ عبدِ اللهِ الكِشناويُّ المالِكيُّ: والمُتغيرُ بالطاهِرِ كاللَّبنِ طاهِرٌ في نَفسِه غيرُ طَهورٍ، يُستعملُ في العاداتِ، كالطَّبخِ والشُّربِ ولا يُستعملُ في العِباداتِ كالوُضوءِ والغُسلِ (٢).
وقالَ النَّوويُّ: هذا الذي ذكَرْناه من مَنعِ الطَّهارةِ بالمُتغيرِ بمُخالطةِ ما ليسَ بمُطهِّرٍ، والماءُ يَستَغني عنه، هو مَذهبُنا، ومَذهبُ مالِكٍ وداودَ وكذا أحمدُ في أصَحِّ الرِوايَتينِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ بالمُتغيرِ بالزَّعفرانِ، وبكلِّ طاهِرٍ سَواءٌ قلَّ التَّغيرُ أو كثُرَ بشَرطِ كَونِه يَجري، لا بثَخينٍ إلا مَرقةَ اللَّحمِ ومَرقةَ الباقِلاءِ (٣).
стр. 206
واستدَلُّوا على ذلك -أي: المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ- بأنَّه ماءٌ تغيَّرَ بمُخالطةِ ما ليسَ بطَهورٍ يُمكنُ الاحتِرازُ منه فلم يَجزِ الوُضوءُ به كماءِ اللَّحمِ والباقِلاءِ المَغليِّ، ولأنَّ اختِلاطَ الماءِ بطاهِرٍ يُمكنُ الاحتِرازُ عنه كالزَّعفرانِ ونَحوِه يَمنعُه الإطلاقَ، ولهذا لا يَحنثُ بشُربِه الحالِفُ ألَّا يَشربَ ماءً (١).
القِسمُ الرابِعُ: حُكمُ الماءِ إذا تغيَّرَ بمُجاوَرةِ طاهِرٍ:
إذا تغيَّرَ الماءُ بمُجاورةِ طاهِرٍ كالدُّهنِ والطاهِراتِ الصُّلبةِ كالعُودِ والكافورِ، إذا لم يَهلِكْ في الماءِ ولم يَمُعْ فيه فهو طاهِرٌ مُطهِّرٌ عندَ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ وبَعضِ المالِكيةِ وهو الأظهَرُ عندَ الشافِعيةِ؛ لأنَّ هذا التَّغيُّرَ إنَّما هو من جِهةِ المُجاورةِ فلا يَضرُّ؛ لأنَّه لا يَمنعُ إطلاقَ اسمِ الماءِ عليه، فهو يُشبهُ تَروُّحَ الماءِ بريحِ شَيءٍ على جانِبِه (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمدِ عندَهم والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ إلى أنَّه طاهِرٌ غيرُ مُطهِّرٍ، قياسًا على المُختلِطِ بالزَّعفرانِ (٣).
стр. 207
أمَّا إذا هلَكَ المُجاورُ الطاهِرُ وماعَ في الماءِ فحُكمُه حُكمُ الطاهِرِ لا الطَّهورِ، فلا يَجوزُ استِعمالُه في رَفعِ الحَدثِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما يَتغيرُ به الماءُ بمُجاورتِه من غيرِ مُخالطةٍ كالدُّهنِ على اختِلافِ أنواعِه، والطاهِراتِ الصُّلبةِ كالعُودِ والكافورِ والعَنبَرِ، إذا لم يَهلِكْ في الماءِ ولم يَمُعْ فيه لا يُخرجُه عن إطلاقِه؛ لأنَّه تَغييرُ مُجاورةٍ، أشبَهَ ما لو تروَّحَ شَيءٌ على جانِبِه ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا.
وفي مَعنى المُتغيرِ بالدُّهنِ ما تغيَّرَ بالقَطرانِ والزِّفتِ والشَّمعِ؛ لأنَّ في ذلك دُهنيةً يَتغيرُ بها الماءُ تَغيُّرَ مُجاورةٍ فلا يَمنعُ كالدُّهنِ (١).
ثانيًا: حُكمُ الماءِ المُختلِطِ بنَجسٍ، وهو قِسمانِ:
القِسمُ الأولُ: حُكمُ الماءِ المُختلِطِ بنَجسٍ وتَغيرَ أحدُ أَوصافِه:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الماءَ إذا خالَطَه نَجاسةٌ، وغيَّرَت أحدَ أَوصافِه، كانَ الماءُ نَجسًا، سَواءٌ أكانَ الماءُ قَليلًا أم كَثيرًا.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الماءَ القَليلَ والكَثيرَ إذا وقَعَت فيه نَجاسةٌ فغيَّرَت للماءِ طَعمًا أو لَونًا أو رِيحًا، نُجِّسَ ما دامَ كذلك (٢).
стр. 208
القِسمُ الثاني: حُكمُ الماءِ المُختلِطِ بنَجسٍ ولم يَتغيرْ أحدُ أَوصافِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الماءِ إذا خالَطَته نَجاسةٌ ولم يَتغيرْ أحَدُ أَوصافِه، لَونُه أو طَعمُه أو رائِحتُه، هل يَجوزُ التَّطهُّرُ به أو لا؟ على قَولَينِ:
القَولُ الأولُ: أنَّه طاهِرٌ سَواءٌ أكان كَثيرًا أم قَليلًا، وهذه رِوايةٌ عن الإمامِ مالِكٍ وإحدَى الرِوايَتينِ عن الإمامِ أحمدَ اختارَها طائِفةٌ من أَصحابِه ونصَرَها ابنُ عَقيلٍ واختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ، وبه قالَ بعضُ الشافِعيةِ كابنِ المُنذرِ والغَزاليِّ والرُّويانِيِّ (١).
واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه أبو سَعيدٍ الخُدريُّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قيلَ له: أنتوَضَّأُ من بِئرِ بُضاعةَ؟ وهي بِئرٌ يُطرحُ فيها الحَيضُ ولَحمُ الكِلابِ والنَّتنُ؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «الماءُ طَهورٌ لا يُنجِّسُه شَيءٌ» (٢).
قالوا: وهذا اللَّفظُ عامٌّ في القَليلِ والكَثيرِ، وهو عامٌّ في جَميعِ النَّجاساتِ (٣).
قالَ الدُّسوقيُّ: إنَّ الماءَ اليَسيرَ -وهو ما كانَ قَدرَ آنيةِ الوُضوءِ أو الغُسلِ فما دونَهما- إذا حلَّت فيه نَجاسةٌ قَليلةٌ كالقَطرةِ ولم تُغيرْه؛ فإنَّه يُكرهُ استِعمالُه في رَفعِ حَدثٍ أو في حُكمِ خَبثٍ ومُتوقِّفٌ على طَهورٍ كالطَّهارةِ المَسنونةِ والمُستحبةِ.
стр. 209
وأمَّا استِعمالُه في العاداتِ فلا كَراهةَ فيه، فالكَراهةُ خاصةٌ بما يَتوقفُ على طَهورٍ.
ثم قالَ: الحاصِلُ أنَّ الكَراهةَ مُقيَّدةٌ بقُيودٍ سَبعةٍ:
أنْ يَكونَ الماءُ الذي حلَّت فيه النَّجاسةُ يَسيرًا، وأنْ تَكونَ النَّجاسةُ التي حلَّت فيه قَطرةً فما فَوقَها، وألَّا تُغيِّرَه، وأنْ يُوجدَ غيرُه، وألَّا يَكونَ له مادةٌ كبِئرٍ، وألَّا يَكونَ جاريًا، وأنْ يُرادَ استِعمالُه فيما يَتوقفُ على طَهورٍ كرَفعِ حَدثٍ وحُكمِ خَبثٍ وأَوضيةٍ واغتِسالاتٍ مَندوبةٍ؛ فإنِ انتَفى قَيدٌ منها فلا كَراهةَ (١).
القَولُ الثاني: فَرقٌ بينَ كَونِ الماءِ قَليلًا وبينَ كَونِه كَثيرًا؛ فإنْ كانَ الماءُ قَليلًا يُنجَّسُ، وإنْ كانَ كَثيرًا لا يُنجَّسُ.
وإلى هذا ذهَبَ الحَنفيةُ، وهي الرِّوايةُ الثانيةُ عن مالِكٍ، وهي المَذهبُ عندَ الشافِعيةِ، وهو المَشهورُ عندَ الحَنابِلةِ (٢).
لكنَّ أَصحابَ هذا القَولِ اختَلَفوا في الحَدِّ الفاصِلِ بينَ القَليلِ والكَثيرِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
стр. 210
القَولُ الأولُ: وهو مَذهبُ الحَنفيةِ أنَّ الماءَ إنْ كانَ بحالٍ يَخلُصُ بَعضُه إلى بَعضٍ، أي: يَتمازجُ الماءُ بَعضُه ببَعضٍ فهو قَليلٌ، وإنْ كانَ لا يَخلُصُ فهو كَثيرٌ.
فكلُّ ما لا يَخلُصُ بَعضُه إلى بَعضٍ فهو كَثيرٌ لا يُنجَّسُ بوُقوعِ النَّجاسةِ فيه، أي: لا يَتحركُ أحَدُ طَرفَيه بتَحرُّكِ الطَّرفِ الآخَرِ، وما يَخلُصُ بَعضُه إلى بَعضٍ فهو قَليلٌ يُنجَّسُ بوُقوعِ النَّجاسةِ فيه.
وحَدُّه بالمِساحةِ عَشرةُ أذرُعٍ في عَشرةِ أذرُعٍ؛ فإنْ كان دونَها فيُنجَّسُ وإنْ لم يَظهرْ أثَرُ النَّجاسةِ فيه، أو جاريًا وظهَرَ فيه أثَرُها.
والأثَرُ: طَعمٌ أو لَونٌ أو رِيحٌ؛ لأنَّها لا تَبقى مع الجَريانِ.
ولا بدَّ أنْ يَكونَ عُمقُه بحالٍ لا تَنكشِفُ أرضُه بالغَرفِ منه.
إلا أنَّ الحَنفيةَ اختَلَفوا في تَفسيرِ الخُلوصِ.
قالَ الكاسانِيُّ: اختَلَفوا في تَفسيرِ الخُلوصِ فاتَّفقَت الرِّواياتُ عن أَصحابِنا أنَّه يُعتبَرُ الخُلوصُ بالتَّحريكِ، وهو أنَّه إنْ كانَ بحالٍ لو حُركَ طَرفٌ منه يَتحركُ الطَّرفُ الآخَرُ فهو مما يَخلُصُ.
وإنَّما اختَلَفوا في جِهةِ التَّحريكِ، فرَوى أبو يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه يُعتبَرُ التَّحريكُ بالاغتِسالِ من غيرِ عُنفٍ، ورَوى مُحمدٌ عنه أنَّه يُعتبَرُ التَّحريكُ بالوُضوءِ، وفي رِوايةٍ باليَدِ من غيرِ اغتِسالٍ ولا وُضوءٍ.
أمَّا الغَديرُ العَظيمُ الذي لو حُركَ طَرفٌ منه لا يَتحركُ الطَّرفُ الآخَرُ إذا
стр. 211
وقَعَت في أحدِ جانبَيه نَجاسةٌ جازَ الوُضوءُ من الجانِبِ الآخَرِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ النَّجاسةَ لا تَصلُ إليه (١).
واستدَلُّوا بما ورَدَ عن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا استَيقظَ أحدُكم من نَومِه فلا يَغمِسْ يَدَه في الإناءِ حتى يَغسلَها ثَلاثًا؛ فإنَّه لا يَدري أين باتَتْ يَدُه» (٢).
قالوا: فلو كانَ ماءُ الإناءِ لا يُنجَّسُ بالغَمسِ لم يَكنْ للنَّهيِ -لوَهمِ النَّجاسةِ- مَعنًى، ومَعلومٌ أنَّ ماءَ الإناءِ إذا حرَّكَه آدَميٌّ من أحدِ طَرفَيْه سرَتِ الحَركةُ فيه إلى الطَّرفِ الآخَرِ.
وكذا الأخبارُ مُستفيضةٌ بالأمرِ بغَسلِ الإناءِ من وُلوغِ الكَلبِ مع أنَّه لا يَتغيَّرُ لَونُه ولا طَعمُه ولا رِيحُه (٣).
القَولُ الثاني: وهو مَذهبُ الإمامِ مالِكٍ، ويَرى أنَّه إنْ تغيَّرَ لَونُه أو طَعمُه أو ريحُه فهو قَليلٌ، وإنْ لم يَتغيرْ فهو كَثيرٌ (٤).
القَولُ الثالِثُ: وهو مَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ أنَّ الماءَ إذا بلَغَ قُلَّتينِ فهو كَثيرٌ، وإلا فهو قَليلٌ.
واستدَلُّوا على هذا بما رَواه ابنُ عُمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ
стр. 212
سُئلَ عن الماءِ يَكونُ في الفَلاةِ من الأرضِ وما يَنوبُه من السِّباعِ والدَّوابِّ قالَ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا كانَ الماءُ قُلَّتينِ لم يَحملِ الخَبثَ» وفي رِوايةٍ: «لم يُنجسْه شَيءٌ» (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَحديدُه بالقُلَّتينِ يَدلُّ على أنَّ ما دونَهما يُنجَّسُ، إذ لو استَوى حُكمُ القُلَّتينِ وما دونَهما لم يَكُنِ التَّحديدُ مُفيدًا (٢).
وقالَ الشِّيرازيُّ ﵀: ولأنَّ القُلَّتينِ يُمكنُ حِفظُهما من النَّجاسةِ في الظُّروفِ، والكَثيرُ لا يُمكنُ حِفظُه من النَّجاسةِ فنَجعلُ القُلَّتينِ حَدًّا فاصِلًا بينَهما (٣).
تَنبيهٌ:
قالَ الحافِظُ ﵀: قَولُه: «لم يَحمِلِ الخَبَثَ» مَعناه: لم يُنجَّسْ بوُقوعِ النَّجاسةِ فيه، كما فُسرَ في الرِّوايةِ الأُخرى التي رَواها أبو داودَ وابنُ حِبانَ
стр. 213
وغيرُهما: «إذا بلَغَ الماءُ قُلَّتينِ لم يَتنجَّسْ»، والتَّقديرُ: لم يَقبلِ النَّجاسةَ، بل يَدفعُها عن نَفسِه، ولو كانَ المَعنى: أنَّه يَضعُفُ عن حَملِه لم يَكنْ للتَّقيُّدِ للقُلَّتينِ مَعنًى ما دونَهما أَولى بذلك، وقيلَ: مَعناه: لا يَقبلُ حُكمَ النَّجاسةِ كما في قَولِه تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] أي: لم يَقبَلوا حُكمَها (١).
حُكمُ الماءِ المُختلِطِ بنَجسٍ في حالَتَي الجَريان والرُّكودِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الماءِ المُختلِطِ بنَجسٍ في حالَتَي الجَريانِ والرُّكودِ:
وفيما يَلي أَقوالُهم:
أولًا: مَذهبُ الحَنفيةِ:
فرَّقَ الحَنفيةُ بينَ كَونِ الماءِ جاريًا أو راكِدًا؛ فإنْ وقَعَ في الماءِ نَجاسةٌ وكانَ جاريًا وكانَت النَّجاسةُ غيرَ مَرئيةٍ، ولم يَتغيرْ أحَدُ أَوصافِ الماءِ: فهو طاهِرٌ عندَهم.
يَقولُ الإمامُ الكاسانِيُّ الحَنفيُّ ﵀: فإنْ وقَعَ -أي: النَّجسُ- في الماءِ فإنْ كانَ جاريًا وكانَ النَّجسُ غيرَ مَرئيٍّ كالبَولِ والخَمرِ ونَحوِهما لا يُنجَّسُ ما لم يَتغيرْ لَونُه أو طَعمُه أو ريحُه، ويتوضَّأُ منه من أيِّ مَوضعٍ كانَ من الجانِبِ الذي وقَعَ فيه النَّجسُ، أو من جانِبٍ آخَرَ.
стр. 214
كذا ذكَرَه مُحمدٌ في كِتابِ الأشرِبةِ لو أنَّ رَجلًا صَبَّ خابيةً (١) من الخَمرِ في الفُراتِ، ورَجلًا آخَرَ أسفَلَ منه يَتوضَّأُ إنْ تغيَّرَ لَونُه أو طَعمُه أو ريحُه لا يَجوزُ، وإذا لم يَتغيرْ يَجوزُ.
ثم قالَ: وعن أبي حَنيفةَ في الجاهِلِ بالَ في الماءِ الجارِي وهناك رَجلٌ أسفَلَ منه يَتوضَّأُ به؟ قالَ: لا بأسَ به، وهذا لأنَّ الماءَ الجارِي مما لا يَخلصُ بَعضُه إلى بَعضٍ، فالماءُ الذي يَتوضَّأُ به يَحتملُ أنَّه نَجسٌ ويَحتملُ أنَّه طاهِرٌ، والماءُ طاهِرٌ في الأصلِ، وإنْ كانَت النَّجاسةُ مَرئيةً كالجِيفةِ ونَحوِها؛ فإنْ كانَ جَميعُ الماءِ يَجري على الجِيفةِ لا يَجوزُ التَّوضُّؤُ من أسفَلِ الجِيفةِ؛ لأنَّه نَجسٌ بيَقينٍ، والنَّجسُ لا يَطهرُ بالجَريانِ.
وإنْ كانَ أكثَرُه يَجري على الجِيفةِ فكذلك؛ لأنَّ العِبرةَ للغالِبِ.
وإنْ كانَ أقَلُّه يَجري على الجِيفةِ، والأكثَرُ يَجري على الطاهِرِ يَجوزُ التَّوضُّؤُ به من أسفَلِ الجيفةِ؛ لأنَّ المَغلوبَ مُلحقٌ بالعَدمِ في أَحكامِ الشَّرعِ.
وإنْ كانَ يَجري عليها النِّصفُ، أو دونَ النِّصفِ فالقياسُ أنَّه يَجوزُ التَّوضؤُ به؛ لأنَّ الماءَ كانَ طاهِرًا بيَقينٍ، فلا يُحكمُ بكَونِه نَجسًا بالشَّكِّ، وفي الاستِحسانِ لا يَجوزُ احتياطًا.
ثم قالَ: واختَلفَ المَشايخُ في حَدِّ الجَريانِ.
قال بَعضُهم: هو أنْ يَجريَ بالتِّبنِ والوَرقِ.
стр. 215
وقال بَعضُهم: إنْ كانَ بحيثُ لو وضَعَ رَجلٌ يَدَه في الماءِ عرَضًا لم يَنقطعْ جَريانُه فهو جارٍ، وإلا فلا.
ورُويَ عن أبي يُوسفَ: إنْ كانَ بحالٍ لو اغتَرَفَ إِنسانٌ الماءَ بكَفَّيه لم يَنحسِرْ وَجهُ الأرضِ بالاغتِرافِ فهو جارٍ وإلا فلا.
وقيلَ: ما يَعُدُّه الناسُ جاريًا فهو جارٍ، وما لا فلا، وهو أصَحُّ الأقاويلِ.
وإنْ كانَ الماءُ راكِدًا وكانَ قَليلًا يُنجَّسُ وإنْ كانَ كَثيرًا لا يُنجَّسُ (١).
وقد بيَّنتُ حَدَّ القَليلِ والكَثيرِ كما سبَقَ.
ثانيًا: مَذهبُ المالِكيةِ:
قالَ الدُّسوقيُّ: إنَّ الماءَ اليَسيرَ -وهو ما كانَ قَدرَ آنيةِ الوُضوءِ أو الغُسلِ فما دونَهما- إذا حلَّت فيه نَجاسةٌ قَليلةٌ كالقَطرةِ ولم تُغيِّرْه؛ فإنَّه يُكرهُ استِعمالُه في رَفعِ حَدثٍ أو في حُكمِ خَبثٍ ومُتوقِّفٌ على طَهورٍ كالطَّهارةِ المَسنونةِ والمُستحبةِ.
وأمَّا استِعمالُه في العاداتِ فلا كَراهةَ فيه، فالكَراهةُ خاصَّةٌ بما يَتوقفُ على طَهورٍ.
ثم قالَ: الحاصِلُ أنَّ الكَراهةَ مُقيَّدةٌ بقُيودٍ سَبعةٍ: أنْ يَكونَ الماءُ الذي حلَّت فيه النَّجاسةُ يَسيرًا، وأنْ تَكونَ النَّجاسةُ التي حلَّت فيه قَطرةً فما فوقَها، وألَّا تُغيِّرَه، وأنْ يُوجدَ غيرُه، وألَّا يَكونَ له مادةٌ كبِئرٍ، وألَّا يَكونَ