← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14631–14670 · переход к 14636.

стр. 14631

قالَ الحَنفيةُ في المُعتمَدِ عندَهم: يُستحبُّ أنْ يُوصيَ الإِنسانُ بدونِ الثُّلثِ سَواءٌ كانَ الوَرثةُ أَغنياءَ أو فُقراءَ؛ لأنَّ في التَّنقيصِ صِلةَ القَرابةِ بتَوفيرِ المالِ عليهم بخِلافِ استِكمالِ الثُّلثِ؛ لأنَّه استِيفاءُ تَمامِ الثُّلثِ فلا صِلةَ ولا مِنةَ. قالَ في «الهِدايةِ»: ثم هل الوَصيةُ بأقَلَّ من الثُّلثِ أَولى أو تَركُها؟ قالوا: إنْ كانَت الوَرثةُ فُقراءَ ولا يَستَغنونَ بما يَرِثونَ فالتَّركُ أوْلى؛ لمَا فيه من الصَّدقةِ على القَريبِ، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ أفضَلَ الصَّدقةِ الصَّدقةُ على ذي الرَّحمِ الكاشِحِ (١)» (٢)، ولأنَّ فيه رِعايةَ حَقِّ الفَقرِ والقَرابةِ جَميعًا. وإنْ كانوا أَغنياءَ أو يَستَغنونَ بنَصيبِهم فالوَصيةُ أوْلى؛ لأنَّه يَكونُ صَدقةً على الأَجنبيِّ، والتَّركُ هِبةٌ من القَريبِ. والأولُ أوْلى؛ لأنَّه يَبتَغي بها وَجهَ اللهِ تَعالى، وقد قيلَ في هذا الوَجهِ: يُخيَّرُ لاشتِمالِ كلٍّ على فَضيلةٍ وهي الصَّدقةُ أو الصِّلةُ (٣).

стр. 14632

قالَ ابنُ عابدِين: وحاصِلُه أنَّه لا تَنبَغي الوَصيةُ بتَمامِ الثُّلثِ، بل المُستحبُّ التَّنقيصُ عنه مُطلقًا؛ لأنَّه ﷺ قد استَكثَرَ الثُّلثَ بقَولِه «والثُّلثُ كَثيرٌ»، لكنَّ التَّنقيصَ عندَ فَقرِ الوَرثةِ -وإنْ كانَ مُستحبًّا- هناك ما هو أَولى منه، وهو التَّركُ أَصلًا؛ فإنَّ المُستحبَّ تَتفاوتُ دَرجاتُه، وكذا المَسنونُ والمَكروهُ وغيرُهما. هذا وفي «القُهُستاني»: إذا كانَ المالُ قَليلًا لا يَنبَغي أنْ يُوصيَ على ما قالَ أَبو حَنيفةَ، وهذا إذا كانَ الأَولادُ كِبارًا، فلو كانوا صغارًا فالتَّركُ أفضَلُ مُطلقًا على ما رُويَ عن الشَّيخَينِ كما في «قاضيخان» اه. فالتَّفصيلُ إنَّما هو في الكِبارِ، أمَّا الصِّغارُ فتَركُ المالِ لهم أفضَلُ ولو كانوا أَغنياءَ. تَنبيهٌ: قالَ في «الحاوي القُدسي»: مَنْ لا وارِثَ له ولا دَينَ عليه فالأوْلى أنْ يُوصيَ بجَميعِ مالِه بعدَ التَّصدُّقِ بيَدِه (١). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: المُستحبُّ أنْ يُوصيَ بالخُمسِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لسَعدٍ: «والثُّلثُ كَثيرٌ» مع إِخبارِه إياه بكَثرةِ مالِه وقِلةِ عِيالِه؛ فإنَّه قالَ في الحَديثِ: «إنَّ لي مالًا كَثيرًا ولا يَرِثُني إلا ابنَتي». وعن سَعدِ بنِ مالِكٍ قالَ: مَرِضت مَرضًا فعادَني رَسولُ اللهِ ﷺ ، فقالَ لي: «أَوصَيتَ؟» فقُلتُ: نَعَمْ، أَوصيتُ بمالي كلِّه

стр. 14633

للفُقراءِ وفي سَبيلِ اللهِ. فقالَ لي رَسولُ اللهِ ﷺ : «أَوصِ بالعُشرِ». فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ مالي كَثيرٌ ووَرثَتي أَغنياءُ. فلم يَزلْ رَسولُ اللهِ ﷺ يُناقِصُني وأُناقِصُه حتى قالَ: «أَوصِ بالثُّلثِ والثُّلثُ كَثيرٌ» (١). وقالَ أَبو عبدِ الرَّحمنِ: لم يَكنْ أحدٌ منا يَبلُغُ في وَصيتِه الثُّلثَ حتى يَنقُصَ منه شَيئًا؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ». وعلى هذا فالأفضَلُ للغَنيِّ الوَصيةُ بالخُمسِ، ونَحوُ هذا يُروَى عن أَبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ وعلِيِّ بنِ أَبي طالِبٍ ﵄ وهو ظاهِرُ قَولِ السَّلفِ وعُلماءِ أهلِ البَصرةِ. ولأنَّ أَبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أوصَى بالخُمسِ وقالَ: رَضيتُ بما رضِيَ اللهُ به لنَفسِه. يَعني قَولَه تَعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، ورُويَ أنَّ أَبا بَكرٍ وعلِيًّا ﵄ أَوصَيا بالخُمسِ، وعن علِيٍّ ﵁ أنَّه قالَ: «لَأنْ أُوصيَ بالخُمسِ أحَبُّ إلَيَّ من الرُّبعِ». وعن إِبراهيمَ قالَ: كانوا يَقولونَ: صاحِبُ الرُّبعِ أفضَلُ من صاحِبِ الثُّلثِ، وصاحِبُ الخُمسِ أفضَلُ من صاحِبِ الرُّبعِ. وعن الشَّعبيِّ قالَ: كانَ الخُمسُ أحَبَّ إليهم من الثُّلثِ، فهو مُنتَهى الجامِحِ.

стр. 14634

وعن العَلاءِ بنِ زِيادٍ قالَ: أَوصَى أَبي أنْ أَسألَ العُلماءَ: أيُّ الوَصيةِ أعدَلُ؟ فما تَتابَعوا عليه فهو وَصيتُه، فتَتابَعوا على الخُمسِ (١). الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ وَرثتُه فُقراءَ أو مُحتاجينَ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ المُوصي غَنيًّا لكنَّ وَرثتَه فُقراءُ، هل يُستحبُّ له أنْ يُوصيَ بالثُّلثِ أو بأقَلَّ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ الأَفضلَ أنْ يُوصيَ بما دونَ الثُّلثِ ويَتركَ المالَ لوَرثتِه؛ لأنَّ غُنيةَ الوَرثةِ تَحصلُ بما زادَ على الثُّلثِ إذا كانَ المالُ كَثيرًا، ولا تَحصلُ عندَ قِلتِه، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ لسَعدٍ: «إنَّك أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ في أَيديهم» (٢). قالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا وغيرُهم من العُلماءِ: إنْ كانَت الوَرثةُ أَغنياءَ استُحبَّ أنْ يُوصيَ بالثُّلثِ تبَرُّعًا، وإنْ كانوا فُقراءَ استُحبَّ أنْ يَنقُصَ من الثُّلثِ (٣). وفي قَولٍ للحَنفيةِ: يُندبُ تَركُ الوَصيةِ عندَ عَدمِ كلٍّ من غِنَى الوَرثةِ واستِغنائِهم بما يَرِثونَه؛ لمَا فيه من الصَّدقةِ على القَريبِ، ولأنَّ فيه رِعايةً لحَقِّ الفُقراءِ والقَرابةِ جَميعًا (٤).

стр. 14635

وقالَ الحَنفيةُ: والوَصيةُ بالخُمسِ أفضَلُ من الوَصيةِ بالرُّبعِ والوَصيةُ بالرُّبعِ أفضَلُ من الوَصيةِ بالثُّلثِ؛ لمَا رُويَ عن سَيِّدِنا علِيٍّ ﵁ أنَّه قالَ: «لَأنْ أُوصيَ بالخُمسِ أحَبُّ إليَّ من أنْ أُوصيَ بالرُّبعِ، ولَأنْ أُوصيَ بالرُّبعِ أحَبُّ إلَيَّ من أنْ أُوصيَ بالثُّلثِ»، ومَن أوصَى بالثُّلثِ لم يَتركْ شَيئًا، أي: لم يَترُكْ من حَقِّه شَيئًا لوَرثتِه؛ لأنَّ الثُّلثَ حَقُّه، فإذا أَوصَى بالثُّلثِ لم يَتركْ من حَقِّه شَيئًا لهم (١). وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ منهم ابنُ قُدامةَ: والذي يَقوَى عندي أنَّه متى كانَ المَتروكُ لا يَفضُلُ عن غِنى الوَرثةِ فلا تُستحبُّ الوَصيةُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّلَ المَنعَ من الوَصيةِ بقَولِه: «أنْ تَتركَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً»، ولأنَّ إِعطاءَ القَريبِ المُحتاجِ خَيرٌ من إِعطاءِ الأجنَبيِّ، فمَتى لم يَبلغِ المِيراثُ غِناهم كانَ تَركُه لهم كعَطيَّتِهم إياه، فيَكونُ ذلك أفضَلَ من الوَصيةِ به لغيرِهم، فعندَ هذا يَختلِفُ الحالُ باختِلافِ الوَرثةِ في كَثرتِهم وقِلتِهم وغِناهم وحاجتِهم، فلا يَتقيَّدُ بقَدرٍ من المالِ واللهُ أعلَمُ (٢). ثانيًا: إذا كانَ المُوصي فَقيرًا وله وَرثةٌ مُحتاجونَ: ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ وبَعضُ الشافِعيةِ إلى أنَّه يُكرهُ للفَقيرِ الذي له وَرثةٌ مُحتاجونَ أنْ يُوصيَ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ في الوَصيةِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] أي: مالًا.

стр. 14636

وقالَ النَّبيُّ ﷺ لسَعدِ بنِ أَبي وَقاصٍ ﵁: «إنَّك أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ في أَيديهم» (١). وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «ابدَأْ بنَفسِك ثم بمَن تَعولُ» (٢). وقالَ علِيٌّ ﵁ لرَجلٍ أَرادَ أنْ يُوصيَ: إنَّك لن تَدعَ طائِلًا، إنَّما تَركتَ شَيئًا يَسيرًا، فدَعْه لوَرثتِك، وعنه: أربَعُمِئةِ دِينارٍ ليسَ فيها فَضلٌ عن الوَرثةِ، ورُويَ عن عائِشةَ ﵂ أنَّ رَجلًا قالَ لها: لي ثَلاثةُ آلافِ دِرهمٍ وأربَعةُ أَولادٍ، أفأُوصي؟ فقالَت: اجعَلِ الثَّلاثةَ للأربَعةِ (٣). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ لم يَكنْ عندَه إلا اليَسيرُ التافِهُ من المالِ أنَّه لا يُندبُ إلى الوَصيةِ (٤). وقالَ الكاسانِيُّ: إنْ كانَ مالُه قَليلًا وله وَرثةٌ فُقراءُ فالأفضَلُ ألَّا يُوصيَ؛ لقَولِه ﷺ في حَديثِ سَعدٍ ﵁: «إنَّك أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ في أَيديهم» (٥)، ولأنَّ الوَصيةَ في هذه الحالةِ تَكونُ صِلةً للأجانِبِ، ولأنَّ التَّركُ يَكونُ صِلةً للأقارِبِ فكانَ أوْلى (٦).

стр. 14637

وقالَ ابنُ قُدامةَ: واختَلفَ أهلُ العِلمِ في القَدرِ الذي لا يُستحبُّ له لمالِكِه، فرُويَ عن أَحمدَ إذا ترَكَ دونَ الألفِ لا تُستحبُّ الوَصيةُ، وعن علِيٍّ إذا ترَكَ دونَ أربَعَمِئةِ دِينارٍ، وقالَ ابنُ عَباسٍ: إذا ترَكَ المَيتُ سَبعَمِئةِ دِرهمٍ لا يُوصي، وقالَ: مَنْ ترَكَ سِتينَ دِينارًا ما ترَكَ خَيرًا، وقالَ طاوُسٌ: الخَيرُ ثَمانونَ دِينارًا، وقالَ النَّخعيُّ: ألفٌ وخَمسُمِئةٍ، وقالَ أَبو حَنيفةَ: القَليلُ أنْ يُصيبَ أقَلَّ الوَرثةِ منها خَمسونَ دِرهمًا. والذي يَقوَى عندي أنَّه متى كانَ المَتروكُ لا يَفضُلُ على غِنى الوَرثةِ فلا تُستحبُّ الوَصيةُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّلَ المَنعَ من الوَصيةِ بقَولِه: «أنْ تَتركَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً»، ولأنَّ إِعطاءَ القَريبِ المُحتاجِ خَيرٌ من إِعطاءِ الأَجنبيِّ، فمَتى لم يَبلغِ المِيراثُ غِناهم كانَ تَركُه لهم كعَطيَّتِهم إياه، فيَكونُ ذلك أفضَلَ من الوَصيةِ به لغيرِهم، فعندَ هذا يَختلِفُ الحالُ باختِلافِ الوَرثةِ في كَثرتِهم وقِلتِهم وغِناهم وحاجتِهم فلا يَتقيَّدُ بقَدرٍ من المالِ واللهُ أعلَمُ. وقد قالَ الشَّعبيُّ: ما من مالٍ أعظَمَ أجرًا من مالٍ يَترُكُه الرَّجلُ لوَلدِه يُغنِيهم به عن الناسِ (١). وقالَ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ: وقالَ أَبو الفَرجِ السَّرخَسيُّ من الشافِعيةِ: إنَّ مَنْ قَلَّ مالُه وكثُرَ عِيالُه يُستحبُّ ألَّا يُفوِّتَه عليهم بالوَصيةِ، والصَّحيحُ المَعروفُ عندَ الشافِعيةِ استِحبابُ الوَصيةِ لمَن له مالٌ مُطلَقًا (٢).

стр. 14638

وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ: قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: أَجمَعوا على أنَّ من لم يَكنْ عندَه إلا اليَّسيرُ التافِهُ من المالِ لا تُندبُ له الوَصيةُ. وفي نَقلِ الإِجماعِ نَظرٌ، فالثابِتُ عن الزُّهريِّ أنَّه قالَ: جعَلَ اللهُ الوَصيةَ حَقًّا فيما قَلَّ أو كثُرَ، والمُصرَّحُ به عندَ الشافِعيةِ نَدبيةُ الوَصيةِ من غيرِ تَفريقٍ بينَ قَليلٍ وكَثيرٍ، نَعمْ قالَ أَبو الفَرجِ السَّرخَسيُّ منهم: إنْ كانَ المالُ قَليلًا والعِيالُ كَثيرًا استُحبَّ له تَوفيرُه عليهم، وقد تَكونُ الوَصيةُ بغيرِ المالِ، كأنْ يُعينَ مَنْ يَنظرُ في مَصالحِ وَلدِه أو يَعهدَ إليهم بما يَفعَلونَه مِنْ بَعدِه من مَصالحِ دِينِهم ودُنياهم، وهذا لا يَدفعُ أحدٌ نَدبيَّتَه. واختُلفَ في حدِّ المالِ الكَثيرِ في الوَصيةِ، فعن علِيٍّ أنَّ سَبعَمِئةٍ مالٌ قَليلٌ، وعنه: ثَمانُمِئةٍ مالٌ قَليلٌ، وعن ابنِ عَباسٍ نَحوُه، وعن عائِشةَ فيمَن ترَكَ عِيالًا كَثيرًا وترَكَ ثَلاثةَ آلافٍ: ليسَ هذا بمالٍ كَثيرٍ، وحاصِلُه أنَّه أمرٌ نِسبيٌّ يَختلِفُ باختِلافِ الأَشخاصِ والأَحوالِ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإذا أوصَى الرَّجلُ فواسِعٌ له أنْ يَبلغَ الثُّلثَ، وقالَ في قَولِ النَّبيِّ ﷺ لسَعدٍ: «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ أو كَبيرٌ، إنَّك أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَذرَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ» (٢)، قالَ الشافِعيُّ: غَيًّا، كما قالَ من بَعدِه في الوَصايا، وذلك بَيِّنٌ في

стр. 14639

كَلامِه؛ لأنَّه إنَّما قصَدَ اختيارَ أنْ يَتركَ المُوصي وَرثتَه أَغنياءَ، فإذا ترَكَهم أَغنياءَ اختَرتُ له أنْ يَستوعِبَ الثُّلثَ، وإذا لم يَدَعْهم أَغنياءَ كرِهتُ له أنْ يَستوعبَ الثُّلثَ، وأنْ يُوصيَ بالشَيءِ حتى يَكونَ يَأخذُ بالحَظِّ من الوَصيةِ، ولا وَقتَ في ذلك إلا ما وقَعَ عليه اسمُ الوَصيةِ لمَن لم يَدَعْ كَثيرَ مالٍ، ومَن ترَكَ أقَلَّ ممَّا يُغني وَرثتَه وأكثَرَ من التافِهِ زادَ شَيئًا في وَصيتِه، ولا أُحبُّ بُلوغَ الثُّلثِ إلا لمَن ترَكَ وَرثتَه أَغنياءَ. قالَ الشافِعيُّ: في قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ أو كَبيرٌ» يَحتملُ: الثُّلثُ غيرُ قَليلٍ، وهو أَولى مَعانيه؛ لأنَّه لو كرِهَه لسَعدٍ لقالَ له: غُضَّ منه، وقد كانَ يَحتملُ أنَّ له بُلوغَه ويَجبُ له الغَضُّ منه، وقَلَّ كَلامٌ إلا وهو مُحتملٌ، وأَوْلى مَعاني الكَلامِ به ما دَلَّ عليه الخَبَرُ، والدِّلالةُ ما وَصفتُ من أنَّه لو كرِهَه لسَعدٍ لأمَرَه أنْ يَغضَّ منه. قيلَ للشافِعيِّ: فهل اختَلفَ الناسُ في هذا؟ قالَ: لم أعلَمْهم اختلَفوا في أنَّه جائزٌ لكل مُوصٍ أنْ يَستكملَ الثُّلثَ قَلَّ ما ترَكَ أو كثُرَ، وليسَ بجائِزٍ له أنْ يُجاوزَه. فقيلَ للشافِعيِّ: وهل اختلَفوا في اختِيارِ النَّقصِ عن الثُّلثِ أو بُلوغِه؟ قالَ: نَعَمْ، وفيما وَصَفتُ لك من الدِّلالةِ عن رَسولِ اللهِ ﷺ ما أَغنَى عما سِواه (١).

стр. 14640

أَركانُ الوَصيةِ: الوَصيةُ لها أربَعةُ أَركانٍ: الرُّكنُ الأولُ: الصِّيغةُ (الإِيجابُ والقَبولُ). الرُّكنُ الثاني: المُوصي. الرُّكنُ الثالِثُ: المُوصَى له. الرُّكنُ الرابِعُ: المُوصَى به. وهي جَميعُها أَركانٌ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ، وأمَّا الحَنفيةُ فيَرَوْن أنَّ الرُّكنَ هو الإِيجابُ والقَبولُ والباقي شُروطٌ. ولكلِّ رُكنٍ من أَركانِ الوَصيةِ شُروطٌ نُبيِّنُها فيما يَلي.

стр. 14641

الرُّكنُ الأولُ: الصِّيغةُ: الصِّيغةُ رُكنٌ من أَركانِ الوَصيةِ وهي الإِيجابُ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، والقَبولُ عندَهم جَميعًا، خِلافًا لزُفرَ وأَحمدَ في رِوايةٍ. والإِيجابُ يَكونُ من المُوصي والقَبولُ يَكونُ من المُوصَى له، فما لم يُوجَدا جَميعًا لا يَتمُّ الرُّكنُ (١). أولاً: الإِيجابُ: يَتمُّ الإِيجابُ عندَ عامةِ الفُقهاءِ بأحدِ ثَلاثةِ أُمورٍ: الأمرُ الأولُ: باللَّفظِ: يَتمُّ الإِيجابُ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ بكلِّ لَفظٍ يَدلُّ على التَّمليكِ بعدَ المَوتِ. قالَ الحَنفيةُ: الصِّيغةُ أنْ يَقولَ: «أوصَيتُ بكذا لفُلانٍ». وما يَجري مَجراه من الأَلفاظِ المُستعمَلةِ فيها (٢).

стр. 14642

وقالَ المالِكيةُ: الصِّيغةُ ما دَلَّ على مَعنى الوَصيةِ، وتَكونُ بلَفظٍ يَدلُّ عليها صَراحةً، ك «أوصَيتُ»، أو كانَ غيرَ صَريحٍ في الدِّلالةِ عليها، لكنَّه يُفهَمُ منه إِرادةُ الوَصيةِ بالقَرينةِ، ك «أعطُوا الشَيءَ الفُلانيَّ لفُلانٍ بعدَ مَوتي» (١). وقالَ ابنُ شاسٍ: الوَصيةُ ليسَ لها لَفظٌ مَخصوصٌ، بل كلُّ لَفظٍ مُفهِمٍ قَصْدَ الوَصيةِ بالوَضعِ أو بالقَرينةِ، نَحوَ «أوصَيتُ»، أو «أعطُوه»، أو «جَعلتُه له»، أو «هو له» إذا فُهِمت الوَصيةُ بذلك (٢). فإنْ كانَ اللَّفظُ مُحتمِلًا للوَصيةِ وغيرِها وذُكرَ فيه الثُّلثُ فالمُعتبَرُ ما فهِمَه الشاهِدانِ عندَ تَحمُّلِ الشَّهادةِ من الوَصيةِ أو الوَعدِ بها أو تَبتيلِ العَطيةِ، فإنْ أدَّيا على أنَّهما فَهِما مَعنى الوَصيةِ والقَصدَ إليها عُملَ على ذلك، وإنْ أدَّيا على أنَّهما فهِما الوَعدَ بعَطيةٍ في الحَياةِ لا على تَبتيلِ العَطيةِ ولا على مَعنى الوَصيةِ فلا يَجبُ له بذلك شَيءٌ، وإنْ كانا قد فهِما تَبتيلَ العَطيةِ كانَت وَصيةً؛ لأنَّها عَطيةٌ في المَرضِ، وإنْ لم يَكنْ عندَ الشاهدَينِ زِيادةٌ على ما تَقيَّد عنهما لحَملِ ذلك على مَعنى الوَصيةِ لأجلِ ذِكرِ الثُّلثِ (٣). وقالَ الشافِعيةُ: صِيغةُ الوَصيةِ ما أشعَرَ بها من لَفظٍ أو نَحوِه كإِشارةٍ وكِتابةٍ صَريحًا كانَ أو كِنايةً.

стр. 14643

فمِن الصَّريحِ أنْ يَقولَ: «أوصَيتُ له بكذا»، وإنْ لم يَقُلْ: «بعدَ مَوتي»، لوَضعِها شَرعًا لذلك، أو «أعطُوه أو ادفَعوا إليه بعدَ مَوتي كذا، أو هو له، أو جعَلتُه له بعدَ موتي، أو مَلَّكتُه، أو وَهبتُه له بعدَ موتي»، وذلك لأنَّ إِضافةَ كلٍّ منها للمَوتِ تَصيرُ بمَعنى الوَصيةِ. أمَّا إذا اقتصَرَ على قَولِه: «وهَبتُه له»، ونَوى الوَصيةَ فالأصَحُّ أنَّه لا يَكونُ وَصيةً؛ لأنَّه أمكَنَ تَنفيذُه في مَوضوعِه الصَّريحِ وهو التَّمليكُ الناجِزُ، فيَكونُ هِبةً. ولو اقتصَرَ على قَولِه: «هو له»، فهو إِقرارٌ يُؤاخَذُ به؛ لأنَّه من صرائِحِه ووُجدَ نافِذًا في مَوضوعِه فلا يُجعلُ كِنايةً عن الوَصيةِ، إلا أنْ يَقولَ: «هو له من مالي»، أو يَقولَ: «عبدي هذا لفُلانٍ»، فيَصحُّ كِنايةً عن الوَصيةِ؛ لأنَّه لا يَصلحُ إِقرارًا. فإنْ ماتَ ولم تُعلَمْ نيَّتُه بطَلَ؛ لأنَّ الأصَلَ عَدمُها، والإِقرارُ هنا غيرُ مُتأتٍّ لقَولِه: «من مالي». ولو قالَ: «عَيَّنتُه له»، فهذا كِنايةٌ؛ لأنَّه يَحتملُ التَّعيينَ للتَّمليكِ بالوَصيةِ والتَّعيينِ للإِعارةِ. ولو قالَ: «كلُّ مَنْ ادَّعى علَيَّ شَيئًا بعدَ مَوتي فأَعطُوه ما يَدَّعيه ولا تُطالِبوه بالحُجةِ»، فهو وَصيةٌ، ويُعتبَرُ من الثُّلثِ، ولا يُطالَبُ بحُجةٍ ولا يَمينٍ، ويُعطَونَ جَميعَ ما ادَّعَوه إنْ لم يَزِدْ على الثُّلثِ، وإلا يُوزَّعْ عليهم

стр. 14644

بحَسبِ دَعواهم لو تَعدَّدوا، فلو تَقاسَموا الثُّلثَ ثم طرَأَ غيرُهم أُعطيَ ما ادَّعاه إنْ لم يَزِدْ على الثُّلثِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: تَنعقِدُ الوَصيةُ بقَولِه: «وَصَّيتُ لك بكذا، أو وَصَّيتُ لزَيدٍ بكذا، أو أَعطُوه من مالي بعدَ مَوتي كذا، أو ادفَعوه إليه بعدَ مَوتي، أو جعَلتُه له بعدَ مَوتي، أو هو له بعدَ مَوتي، أو هو له من مالي بعدَ مَوتي» ونَحوَ ذلك ممَّا يُؤدِّي مَعناها ك «مَلَّكتُه له بعدَ مَوتي» (٢). الأمرُ الثاني: الإِشارةُ المُفهِمةُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الصِّيغةِ هل تَنعقِدُ بالإِشارةِ المُفهِمةِ أو لا؟ الإِشارةُ إمَّا أنْ تَكونَ من الأَخرسِ وإمَّا أنْ تَكونَ ممَّن اعتُقِلَ لِسانُه وإمَّا أنْ تَكونَ من قادِرٍ على الكَلامِ. أ- الإِشارةُ من الأَخرسِ: لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الأَخرسَ إذا أوصَى بإِشارةٍ مُفهِمةٍ؛ فإنَّ وَصيتَه صَحيحةٌ مُعتبَرةٌ ويُعمَلُ بها إذا فُهِمت؛ لأنَّ تَعبيرَه إنَّما يَحصلُ بذلك عُرفًا، فهي كاللَّفظِ من قادِرٍ عليه، ولأنَّها أُقيمَت مَقامَ نُطقِه في طَلاقِه ولِعانِه وغيرِهما، وفيه تَنبيهٌ على صِحتِها منه بالكِتابةِ.

стр. 14645

وأمَّا إنْ كانَت إِشارتُه غيرَ مُفهِمةٍ فلا حُكمَ لها عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ وغيرِهم (١). ب- الإِشارةُ ممَّن اعتُقِلَ لِسانُه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن اعتُقِلَ لِسانُه وأصبَحَ لا يَتكلَّمُ لآفةٍ بعدَ أنْ كانَ ناطِقًا، هل تَصحُّ وَصيتُه بالإِشارةِ أو لا؟ فإنْ كانَت إِشارتُه غيرَ مَفهومةٍ فعامَّةُ الفُقهاءِ على عَدمِ صِحتِها كما في الأَخرسِ. وإنْ كانَت إِشارتُه مَفهومةً ولكنْ يُئسَ من نُطقِه وبُرئِه بشَهادةِ عُلماءِ الطِّبِّ جَرى عليه ما قدَّمناه من حُكمِ الأَخرسِ في أصلِ الخِلقِة في اعتِبارِ المَفهومِ من إِشارتِه والمَقروءِ من كِتابتِه عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ، الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في احتِمالٍ. وأمَّا إنْ كانَت إِشارتُه مَفهومةً ولم يَيأَسْ من بُرئِه فاختَلفَ أهلُ العِلمِ فيها هل تَصحُّ وَصيتُه أو لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في احتِمالٍ وابنُ المُنذرِ إلى أنَّ وَصيتَه صَحيحةٌ؛ لأنَّه غيرُ قادِرٍ على الكَلامِ، أشبَهَ الأَخرسَ، واحتَجَّ ابنُ

стр. 14646

المُنذرِ «بأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى وهو قاعِدٌ فأَشارَ إليهم فقَعَدوا» رواه البُخاريُّ (١). ولمَا رُويَ «أنَّ أُمامةَ بِنتَ العاصِ أُصمِتت فقيلَ لها: لفُلانٍ كذا ولفُلانٍ كذا، فأَشارَت أنْ نَعَمْ، فجعَلَ ذلك وَصيةً» (٢)، قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ: فإذا جازَ هذا في الصَّحيحِ لمَا لم يَقدِرْ على الكَلامِ كانَ في الذي لم يَزلْ أمرُه بالإِشارةِ أحْرى (٣). وعن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ قالَ: «عَدا يَهوديٌّ في عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ على جاريةٍ فأخَذَ أَوضاحًا كانَت عليها ورضَخَ رأسَها، فأتى بها أَهلُها رَسولَ اللهِ ﷺ وهي في آخِرِ رَمقٍ وقد أُصمِتت، فقالَ لها رَسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ قتَلَك؟ فُلانٌ؟ لغيرِ الذي قتَلَها، فأَشارَت برأسِها أنْ: لا، قالَ: فقالَ لرَجلٍ آخرَ غيرِ الذي قتَلَها فأَشارَت أنْ: لا، فقالَ: ففُلانٌ؟ لقاتِلِها، فأشارَتْ أنْ: نَعَمْ، فأمَرَ به رَسولُ اللهِ ﷺ فرُضخَ رأسُه بينَ حَجرَينِ» (٤).

стр. 14647

فجعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ إشارَتَها بمَنزلةِ دَعواها ذلك بلِسانِها من غيرِ اعتِبارٍ منه دَوامَ ذلك عليها مُدةً من الزَّمانِ، فدَلَّ على أنَّ من اعتُقِلَ لِسانُه فهو بمَنزلةِ الأَخرسِ، فيَجوزُ إِقرارُه بالإِيماءِ والإِشارةِ (١). قالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: الخَرَسُ على ضَربَينِ: أحدُهما: أنْ يَكونَ من أصلِ الخِلقةِ، والثاني: أنْ يَكونَ لعِلةٍ، فإنْ كانَ من أصلِ الخِلقةِ مَوجودًا مع الوِلادةِ فهذا مُستقِرٌّ لا يُرجَى زَوالُه، فيَكونُ هذا الأَخرسُ في الأَحكامِ المُتعلِّقةِ بأَقوالِه مُعتبَرًا بها حالَ الإِشارةِ، فإنْ كانَ غيرَ مَفهومِ الإِشارةِ وغيرَ مَقروءِ الكِتابةِ لم يَصحَّ منه عَقدٌ ولا قَذفٌ ولا لِعانٌ، وإنْ كانَ مَفهومَ الإِشارةِ مَقروءَ الكِتابةِ صَحَّت عُقودُه اتِّفاقًا. وأمَّا الخَرسُ الحادِثُ لعِلةٍ طرَأَت فيُرجَعُ فيه إلى عُلماءِ الطِّبِّ، فإنْ شهِدَ عُدولُهم بدَوامِه وعَدمِ بُرئِه جَرى عليه ما قدَّمناه من حُكمِ الخَرسِ في أصلِ الخِلقةِ في اعتِبارِ المَفهومِ من إِشارتِه والمَقروءِ من كِتابتِه، وقد أُصمِتت أُمامةُ بِنتُ أَبي العاصِ ﵂ في مَرضِ مَوتِها، فأَشارَت بوَصايا أَمضاها الصَّحابةُ ﵃، وقَضى رَسولُ اللهِ ﷺ في الأَنصاريةِ التي شدَخَ اليَهوديُّ رأسَها فأُصمِتت بإِشارتِها إلى قاتِلِها. وإنْ شهِدَ عُلماءُ الطِّبِّ بزَوالِه وحُدوثِ بُرئِه لم يَجرِ على إِشارتِه حُكمٌ، وكانَ كالناطِقِ المُشيرِ، وإنْ أُشكِلَ على الطِّبِّ وجَبَ التَّوقفُ عنه وتَركُ

стр. 14648

الحُكمِ بإِشارتِه حتى يَنتهيَ بتَطاولِ المُدةِ إلى زَمانٍ تَيأسُ فيه من بُرئِه فيُحكمُ حينَئذٍ بخَرسِه واعتِبارِ إشارتِه (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الناطِقَ إذا اعتُقلَ لِسانُه فعُرضَت عليه وَصيتُه فأَشارَ بها وفُهِمت إِشارتُه فلا تَصحُّ وَصيتُه إذا لم يَكنْ مَيؤُوسًا من نُطقِه، وفي مُصنفِ ابنِ أَبي شَيبةَ بسَندٍ صَحيحٍ عن قَتادةَ عن خِلاسٍ «أنَّ امرأةً قيلَ لها في مَرضِها: «أَوصِي بكَذا أَوصِي بكذا»، فأومَأتْ برَأسِها فلم يُجِزْه علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ» (٢). وقالَ الإِمامُ أَبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ ﵀: قالَ أَبو حَنيفةَ في الأَخرسِ يُقرأُ عليه وَصيتُه ويُقالُ له: «نَشهَدُ عليك بما فيه»، فيُشيرُ برَأسِه: نَعَمْ، قالَ: إذا جاءَ من ذلك ما يُعرفُ أنَّه إِقرارٌ أو كتَبَ فهو جائِزٌ، وإذا اعتُقلَ لِسانُ الرَّجلِ لم يَجُزْ أنْ يَشهَدوا على إِشارتِه. قالَ أَبو جَعفرٍ: يَعني بذلك مَنْ اعتُقلَ لِسانُه إذا لم يَطُلْ به ذلك، فأمَّا إذا يُئسَ من بُرئِه بمُضيِّ مُدةِ أجلِ عِنِّينٍ فهو بمَنزلةِ الأَخرسِ (٣). وأمَّا حَديثُ الجاريةِ فقالَ الإِمامُ الطَّحاويُّ: مَعلومٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَقتُلِ اليَهوديَّ بإِيمائِها وإنَّما قتَلَه بإِقرارٍ منه بذلك أو ببَيِّنةٍ؛ لأنَّ دَعوى

стр. 14649

المَجروحِ لا تُقبلُ على غيرِه وإنْ جازَ أنْ يَقتلَه بإِقرارِه، وإنْ لم يُنقَلْ إلينا كذلك يَجوزُ أنْ يَكونَ إنَّما قبِلَ الخُصومةَ من أَوليائِها في ذلك بدَعواهم، وكانَت فائِدُة استِثباتِها في ذلك وإِشارتِها أنَّه يُغلَّبُ معها في الظَّنِّ أنَّه هو القاتِلُ، فيَسعُ الأَولياءَ أنْ يَدَّعوا عليه، وإنْ لم يَغلِبْ ذلك في الظَّنِّ لمَا وسِعَهم أنْ يَعتَرضوا رَجلًا من عَرضِ الناسِ فيَدَّعوا ذلك عليه (١). وقالَ في «البَدائعِ»: إذا كانَ الخَرسُ أصليًّا بأنْ وُلدَ أخرَسَ صحَّت وَصيتُه إذا كانَت الإِشارةُ مَفهومةً في ذلك؛ لأنَّه إذا كانَت الإِشارةُ مَفهومةً في ذلك قامَت الإِشارةُ مَقامَ عِبارتِه. فأمَّا إذا كانَ عارضًا بأنْ طرَأَ عليه الخَرسُ فلا، إلا إذا دامَ به حتى وقَعَ اليَأسُ من كَلامِه وصارَت الإِشارةُ مَفهومةً فيُلحقُ بالأَخرسِ الأَصليِّ (٢). وفي «الفَتاوَى الهِندية»: مَريضٌ أَوصَى وهو لا يَقدرُ على الكَلامِ لضَعفِه فأَشارَ برأسِه ويُعلمُ منه أنَّه يَعقلُ إنْ فُهِمت منه الإِشارةُ جازَ وإلا فلا، وهذا إذا ماتَ قبلَ أنْ يَقدرَ على النُّطقِ؛ لأنَّه عندَ ذلك يَظهرُ أنَّه وقَعَ اليَأسُ من كَلامِه فصارَ كالأَخرسِ (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ: فأمَّا الناطِقُ إذا اعتُقلَ لِسانُه فعُرِضت عليه وَصيتُه فأَشارَ بها وفُهِمت إِشارتُه لم تَصحَّ وَصيتُه، ذكَره القاضي وابنُ عَقيلٍ،

стр. 14650

وبه قالَ الثَّوريُّ والأَوزاعيُّ وأَبو حَنيفةَ، وقالَ الشافِعيُّ وابنُ المُنذرِ: تَصحُّ وَصيتُه؛ لأنَّه غيرُ قادِرٍ على الكَلامِ، أشبَهَ الأَخرسَ، واحتَجَّ ابنُ المُنذرِ «بأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى وهو قاعِدٌ فأَشارَ إليهم فقَعَدوا» رَواه البُخاريُّ، وخرَّجه ابنُ عَقيلٍ وَجهًا إذا اتَّصَل باعتِقالِ لِسانِه المَوتُ. ولنا: أنَّه غيرُ مَيؤُوسٍ من نُطقِه فلم تَصحَّ وَصيتُه بإِشارتِه كالقادِرِ على الكَلامِ، والخَبَرُ لا يُلزِمُ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ قادِرًا على الكَلامِ، ولا خِلافَ في أنَّ إِشارةَ القادِرِ لا تَصحُّ بها وَصيةٌ ولا إِقرارٌ، ففارَقَ الأَخرسَ؛ لأنَّه مَيؤوسٌ من نُطقِه (١). ثم قالَ عن أثَرِ أُمامةَ: وهذا لا حُجةَ فيه؛ لأنَّه لم يُذكَرْ مَنْ الراوي لذلك، ولم يُعلَمْ أنَّه قَولُ مَنْ قَولُه حُجةٌ، ولا عُلمَ هل كانَ ذلك لخَرسٍ يُرجَى زَوالُه أو لا (٢). ج- إِشارةُ القادِرِ على الكَلامِ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في حُكمِ من كانَ قادرًا على الكَلامِ ووَصَّى بالإِشارةِ، كما إذا قرَأَ الشُّهودُ الوَصيةَ على المُوصي وقالوا: «نَشهَدُ أنَّها وَصيتُك»، فأَشارَ برأسِه ولم يَتكلَّمْ، هل يَجوزُ أو لا؟

стр. 14651

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وابنُ شَعبانَ من المالِكيةِ إلى عَدمِ صِحةِ وَصيتِه بالإِشارةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ: ولا خِلافَ في أنَّ إِشارةَ القادِرِ لا تَصحُّ بها وَصيةٌ ولا إِقرارٌ، وفارَقَ الأَخرسَ؛ فإنَّه مَيؤوسٌ من نُطقِه (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى صِحةِ الإِشارةِ من الناطِقِ. قالَ المالِكيةُ: تَنعقِدُ الصِّيغةُ بما دَلَّ على الوَصيةِ سَواءٌ كانَ بلَفظٍ أو إِشارةٍ مُفهِمةٍ ولو من قادِرٍ على النُّطقِ؛ لأنَّ حَقيقةَ الرِّضا والكَلامِ إنمَّا هي في القَلبِ، والعِبارةُ والإِشارةُ دَليلٌ عليها، فلا يَتوقَّفُ على لَفظٍ خاصٍّ، بل يُعملُ في ذلك اللَّفظِ الصَّريحِ وبما يُفهَمُ منه قَصدُ الوَصيةِ كإِشارةٍ مُفهِمةٍ، فإذا قرَأَ الشُّهودُ الوَصيةَ على المُوصي وقالوا: «نَشهَدُ أنَّها وَصيتُك»، فقالَ: نَعَمْ، أو أَشارَ برأسِه ولم يَتكلَّمْ، فذلك جائِزٌ (٢). قالَ الإِمامُ مالِكٌ: الإِشارةُ عِندي بمَنزلةِ الكَلامِ (٣).

стр. 14652

الأمرُ الثالِثُ: الكِتابةُ: ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَصيةَ تَنعقدُ بالكِتابةِ، وإنِ اختلَفوا في الإِشهادِ عليها؛ لمَا رَواه نافِعٌ عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلمٍ له شَيءٌ يُوصي فيه يَبيتُ ليلَتَينِ إلا ووَصيتُه عندَه مَكتوبةٌ»، قالَ ابنُ عُمرَ: ما مَرَّت علَيَّ لَيلةٌ مُذْ سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ ذلك إلا وعِندي وَصيَّتي (١)، فالصِّيغةُ ما يَدلُّ على مُرادِ الشَّخصِ، وذلك يَحصلُ باللَّفظِ والإِشارةِ والكِتابةِ، ولو كانَت الوَصيةُ لا تَنعقدُ بالكِتابةِ لمَا كانَ هناك فائِدةٌ من الأمرِ بكِتابتِها والحَثِّ عليها، وهو عامٌّ في القادِرِ على النُّطقِ والعاجِزِ عنه؛ لأنَّ لَفظَ «امرِئٍ» نَكرةٌ في سِياقِ النَّفيِ فيَعمُّ. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ للمُوصي إذا كتَبَ كِتابًا وقرَأَه على الشُّهودِ وأقَرَّ بما فيه أنَّ الشَّهادةَ عليه جائِزةٌ (٢). قالَ ابنُ عَرفةَ: الصِّيغةُ ما دَلَّ على مَعنى الوَصيةِ، فيَدخلُ اللَّفظُ والكِتابةُ والإِشارةُ (٣).

стр. 14653

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وتَنفُذُ الوَصيةُ بالخَطِّ المَعروفِ، وكذا بالإِقرارِ إذا وُجدَ في دَفتَرِه، وهو مَذهبُ الإِمامِ أَحمدَ (١). إلا أنَّ الشافِعيةَ جعَلوا الكِتابةَ من الكِناياتِ. قالَ الشافِعيةُ: وتَصحُّ الوَصيةُ بالكِتابةِ ولو مِنْ ناطِقٍ، وهي كِنايةٌ فلا بُدَّ أنْ تَكونَ مع النِّيةِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ ما يُقبلُ مَقصودُه التَّعليقُ بالإِغرارِ كالكِتابةِ والخُلعِ يَنعقدُ بالكِتابةِ مع النِّيةِ، والوَصيةُ تَقبلُ التَّعليقَ بالإِغرارِ فأوْلى أنْ تَنعقدَ بالكِتابةِ. فإذا كتَبَ: «لزَيدٍ كذا»، ونَوى به الوَصيةَ له فلا بُدَّ من الاعتِرافِ بها نُطقًا منه أو مِنْ وَرثتِه بعدَ مَوتِه. وعن المُتولِّي أنَّه إذا كتَبَ: «أوصَيتُ لزَيدٍ بكذا» لم تَصحَّ إنْ كانَ ناطِقًا. قالَ الإِمامُ النَّوويُّ: واعلَمْ أنَّ انعِقادَ الوَصيةِ بالكِتابةِ ليسَ ببَعيدٍ، وإنِ استَبعَدوه؛ لأنَّ الكِتابةَ ككِناياتِ الأَلفاظِ، وقد سبَقَ في البَيعِ ذِكرُ الخِلافِ في انعِقادِ البَيعِ ونَحوِه بالكِناياتِ، وذكَرنا الآنَ أنَّ الوَصيةَ أشَدُّ قَبولًا للكِناياتِ (٢).

стр. 14654

إذا وُجدَت وَصيتُه بخَطِّه ولم يُشهِدْ عليها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن وُجدَت وَصيتُه بخَطِّه وعُرفَ أنَّه خَطُّه، هل تُقبلُ وَصيتُه بهذا أو لا بُدَّ من الإِشهادِ؟ فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ ومُحمدُ بنُ نَصرٍ المَروزيُّ إلى أنَّ مَنْ وُجدَت وَصيتُه بخَطِّه صَحَّت، نقَلَ إِسحاقُ بنُ إِبراهيمَ عن أَحمدَ أنَّه قالَ: «مَنْ ماتَ فوُجدَت وَصيتُه مَكتوبةً عندَ رَأسِه ولم يُشهِدْ عليها وعُرفَ خَطُّه وكانَ مَشهورَ الخَطِّ يُقبلُ ما فيها». ووَجهُ ذلك قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلمٍ له شَيءٌ يُوصي فيه يَبيتُ ليلَتَينِ إلا ووَصيتُه عندَه مَكتوبةٌ» (١)، ولم يَذكُرْ أمرًا زائِدًا على الكِتابةِ، فدَلَّ على الاكتِفاءِ بها، ولأنَّه لو لم يَجُزْ الاعتِمادُ على الخَطِّ لم تَكُنْ لكِتابةِ وَصيتِه فائِدةٌ. ولأنَّ الوَصيةَ يُتسامَحُ فيها ويَصحُّ تَعليقُها على الخَطرِ والغَررِ وتَصحُّ للحَملِ، وبالحَملِ وبما لا يُقدَرُ على تَسليمِه فجازَ أنْ يُتسامَحَ فيها بقَبولِ الخَطِّ كرِوايةِ الحَديثِ وكما لو كتَبَ الطَّلاقَ ولم يَتلفَّظْ به (٢).

стр. 14655

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وتَنفُذُ الوَصيةُ بالخَطِّ المَعروفِ، وكذا الإِقرارُ إذا وُجدَ في دَفتَرِه، وهو مَذهبُ الإِمامِ أَحمدَ (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ: وجُمهورُ أهلِ العِلمِ -بل إِجماعُ أهلِ الحَديثِ قاطِبةً- على اعتِمادِ الراوي على الخَطِّ المَحفوظِ عندَه وجَوازِ التَّحديثِ به، إلا خِلافًا شاذًّا لا يُعتدُّ به، ولو لم يُعتمَدْ على ذلك لضاعَ الإِسلامُ اليَومَ وسُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فليس بأيدي الناسِ بعدَ كِتابِ اللهِ إلا هذه النُّسخُ المَوجودةُ من السُّننِ، وكذلك كُتبُ الفِقهِ الاعتِمادُ فيها على النَّسخِ، وقد كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَبعثُ كُتبَه إلى المُلوكِ وغيرِهم وتَقومُ بها حُجَّتُه، ولم يَكنْ يُشافِهُ رَسولًا بكِتابِه بمَضمونِه قَطُّ ولا جَرى هذا في مُدةِ حَياتِه ﷺ ، بل يَدفعُ الكِتابَ مَختومًا ويأمُرُه بدَفعِه إلى المَكتوبِ إليه، وهذا مَعلومٌ بالضَّرورةِ لأهلِ العِلمِ بسِيرتِه وأَيامِه، وفي الصَّحيحِ عنه ﷺ أنَّه قالَ: «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلمٍ له شَيءٌ يُوصي به يَبيتُ لَيلتَينِ إلا ووَصيتُه مَكتوبةٌ عندَه»، ولو لم يَجُزْ الاعتِمادُ على الخَطِّ لم تَكُنْ لكِتابةِ وَصيتِه فائِدةٌ. قالَ إِسحاقُ بنُ إِبراهيمَ: قُلتُ لأَحمدَ: الرَّجلُ يَموتُ وتُوجدُ له وَصيةٌ تحتَ رأسِه من غيرِ أنْ يَكونَ أشهَدَ عليها أو أعلَمَ بها أحدًا، هل يَجوزُ إِنفاذُ ما فيها؟ قالَ: إنْ كانَ قد عُرفَ خَطُّه وكانَ مَشهورَ الخَطِّ؛ فإنَّه يَنفُذُ ما فيها.

стр. 14656

وقد نَصَّ في الشَّهادةِ أنَّه إذا لم يَذكُرْها ورأى خَطَّه لا يَشهَدُ حتى يَذكرَها، ونَصَّ فيمَن كتَبَ وَصيتَه وقالَ: «اشهَدوا علَيَّ بما فيها» أنَّهم لا يَشهَدونَ إلا أنْ يَسمَعوها منه أو تُقرأَ عليه فيُقرَّ بها. فاختَلفَ أَصحابُنا، فمِنهم من خرَّجَ في كلِّ مَسألةٍ حُكمَ الأُخرى وجعَلَ فيها وَجهَينِ بالنَّقلِ والتَّخريجِ، ومنهم مَنْ امتنَعَ من التَّخريجِ وأقَرَّ النَّصَّينِ وفرَّقَ بينَهما. واختارَ شَيخُنا التَّفريقَ، قالَ: والفَرقُ أنَّه إذا كتَبَ وَصيتَه وقالَ: اشهَدوا علَيَّ بما فيها؛ فإنَّهم لا يَشهَدونَ؛ لجَوازِ أنْ يَزيدَ في الوَصيةِ ويَنقُصَ ويُغيِّرَ، وأمَّا إذا كتَبَ وَصيتَه ثم ماتَ وعُرفَ أنَّه خَطُّه؛ فإنَّه يَشهدُ لزَوالِ هذا المَحذورِ، والحَديثُ المُتقدِّمُ كالنَّصِّ في جَوازِ الاعتِمادِ على خَطِّ المُوصي، وكُتبُه ﷺ إلى عُمالِه وإلى المُلوكِ وغيرِهم تَدلُّ على ذلك، ولأنَّ الكِتابةَ تَدلُّ على المَقصودِ فهي كاللَّفظِ، ولهذا يَقعُ بها الطَّلاقُ. قالَ القاضي: وثُبوتُ الخَطِّ في الوَصيةِ يَتوقَّفُ على مُعاينةِ البَيِّنةِ أو الحاكِمِ لفِعلِ الكِتابةِ؛ لأنَّها عَملٌ، والشَّهادةُ على العَملِ طَريقُها الرُّؤيةُ. وقَولُ الإِمامِ أَحمدَ: «إنْ كانَ قد عُرفَ خَطُّه وكانَ مَشهورَ الخَطِّ يَنفُذُ ما فيها». يَرُدُّ ما قالَه القاضي؛ فإنَّ أَحمدَ علَّقَ الحُكمَ بالمَعرفةِ والشُّهرةِ من غيرِ اعتِبارٍ لمُعاينةِ الفِعلِ، وهذا هو الصَّحيحُ؛ فإنَّ القَصدَ حُصولُ العِلمِ بنِسبةِ الخَطِّ إلى كاتِبِه، فإذا عُرفَ ذلك وتُيقِّنَ كانَ كالعِلمِ بنِسبةِ اللَّفظِ إليه؛ فإنَّ الخَطَّ دالٌّ على اللَّفظِ واللَّفظُ دالٌّ على القَصدِ والإِرادةِ، وغايةُ ما يُقدَّرُ

стр. 14657

اشتِباهُ الخُطوطِ، وذلك كما يَعرِضُ من اشتِباهِ الصُّورِ والأَصواتِ، وقد جعَلَ اللهُ سُبحانَه لخَطِّ كلِّ كاتِبٍ ما يَتميَّزُ به عن خَطِّ غيرِه كتَميُّزِ صُورتِه وصَوتِه عن صُورتِه وصَوتِه، والناسُ يَشهَدونَ شَهادةً لا يَستَريبونَ فيها أنَّ هذا خَطُّ فُلانٍ، وإنْ جازَت مُحاكاتُه ومُشابَهتُه فلا بُدَّ من فَرقٍ، وهذا أمرٌ يَختصُّ بالخَطِّ العَربيِّ، ووُقوعُ الاشتِباهِ والمُحاكاةِ لو كانَ مانِعًا لمنَعَ من الشَّهادةِ على الخَطِّ عندَ مُعايَنتِه إذا غابَ عنه لجَوازِ المُحاكاةِ. دَلَّت الأدِلةُ المُتضافِرةُ التي تَقرُبُ من القَطعِ على قَبولِ شَهادةِ الأَعمى فيما طَريقُه السَّمعُ إذا عُرفَ الصَّوتُ، مع أنَّ تَشابُهَ الأَصواتِ إنْ لم يَكنْ أعظَمَ من تَشابُهِ الخُطوطِ فليس دونَه، وقد صرَّحَ أَصحابُ أَحمدَ والشافِعيِّ بأنَّ الوارِثَ إذا وجَدَ في دَفتَرِ مُورِّثِه: «لي عندَ فُلانٍ كذا» جازَ له أنْ يَحلفَ على استِحقاقِه، وأظُنُّه مَنصوصًا عليها، وكذلك لو وُجدَ في دَفترِه: «أدَّيتُ إلى فُلانٍ مالَه علَيَّ» جازَ له أنْ يَحلفَ على ذلك إذا وثِقَ بخَطِّ مُورِثِه وأَمانتِه، ولم يَزلِ الخُلفاءُ والقُضاةُ والأُمراءُ والعُمالُ يَعتمِدونَ على كُتبِ بَعضِهم إلى بَعضٍ ولا يُشهِدونَ حامِلَها على ما فيها ولا يَقرَؤُونَها عليه، هذا عَملُ الناسِ من زَمنِ نَبيِّهم إلى الآنَ، قالَ البُخاريُّ في صَحيحِه: بابُ الشَّهادةِ على الخَطِّ وما يَجوزُ من ذلك وما يُضيَّقُ منه عليه وكِتابِ الحاكِمِ إلى عُمالِه والقاضي إلى القاضي، وقالَ بعضُ الناسِ: كِتابُ الحاكِمِ جائِزٌ إلا في الحُدودِ، ثم قالَ: وإنْ كانَ القَتلُ خَطأً؛ لأنَّ هذا مالٌ يَزعمُه، وإنَّما صارَ مالًا بعدَ أنْ ثبَتَ القَتلُ، فالخَطأُ والعَمدُ واحِدٌ.

стр. 14658

وقد كتَبَ عُمرُ إلى عامِلِه في الحُدودِ، وكتَبَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ في سِنٍّ كُسِرت. وقالَ إِبراهيمُ: كِتابُ القاضي إلى القاضي جائِزٌ إذا عُرفَ الكِتابُ والخاتَمُ … (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُقبلُ الخَطُّ في الوَصيةِ حتى يُشهَدَ عليها ويَطَّلعَ الشُّهودُ على ما فيها أو تُقرأَ عليه فيُقرَّ بما فيها. (غيرَ أنَّ المالِكيةَ لا يَشتَرطونَ اطِّلاعَ الشُّهودِ على ما فيها كما سيأتي). قالَ ابنُ قُدامةَ: وبهذا قالَ الحَسنُ وأَبو قِلابةَ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ؛ لأنَّ الحُكمَ لا يَجوزُ برُؤيةِ خَطِّ الشاهِدِ بالشَّهادةِ فكذا ههنا، وأبلَغُ من هذا أنَّ الحاكِمَ لو رأى حُكمَه بخَطِّه تحتَ خَتمِه ولم يَذكُرْ أنَّه حكَمَ به أو رأى الشاهِدُ شَهادتَه بخَطِّه ولم يَذكُرِ الشَّهادةَ لم يَجُزْ للحاكِمِ إِنفاذُ الحُكمِ بما وجَدَه، ولا للشاهِدِ الشَّهادةُ بما رأى خَطَّه به فههنا أوْلى (٢). وقالَ المالِكيةُ: إذا وُجدَت وَثيقةٌ مَكتوبةٌ بخَطِّ المَيتِ وثبَتَ عندَ الحاكِمِ بالبَيِّنةِ الشَّرعيةِ أنَّها خَطُّ المُوصي والحالُ أنَّه لم يَقُلْ أَنفِذوها؛ فإنَّ ذلك لا

стр. 14659

يُفيدُ ولم تَنفُذْ بعدَ مَوتِه ولا يُعملُ بها؛ لأنَّه قد يَكتبُ ولا يَعزمُ، ولاحتِمالِ رُجوعِه، ومِثلُه إذا قرَأَها على الشُّهودِ ولم يَقُلْ أَنفِذوها ولم يُشهِدْ عليها، وأمَّا إنْ أشهَدَ عليها أو قرَأَها عليهم وقالَ: أَنفِذوها؛ فإنَّها تَنفُذُ بعدَ مَوتِه (١). إذا شهِدَ على الوَصيةِ ولم يَعلمْ ما فيها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أشهَدَ المُوصي على الوَصيةِ ولم يُطلِعِ الشُّهودَ على ما فيها، هل تَصحُّ الوَصيةُ أو لا بُدَّ من أنْ يَشهَدوا على ما فيها ويَطَّلعوا عليه؟ فذهَبَ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ حتى يَشهَدوا على ما فيها. قالَ ابنُ نَجيمٍ ﵀: وأمَّا الوَصيةُ بالكِتابةِ؛ فقالَ في «شَهادات المُجتَبى»: كتَبَ صَكًّا بخَطِّ يَدِه إِقرارًا بمالٍ أو وَصيةٍ ثم قالَ لآخَرَ: «اشهَدْ علَيَّ»، من غيرِ أنْ يَقرأَ، له وُسعُه أنْ يَشهدَ (انتَهى). وفي «الخانية» من الشَّهاداتِ: رَجلٌ كتَبَ صَكَّ وَصيةٍ وقالَ للشُّهودِ: «اشهَدوا بما فيه»، ولم يَقرَأْ وَصيتَه عليهم. قالَ عُلماؤُنا: لا يَجوزُ للشُّهودِ أنْ يَشهَدوا بما فيه، وقالَ بَعضُهم: يَسعُهم أنْ يَشهَدوا.

стр. 14660

والصَّحيحُ أنَّه لا يَسعُهم، وإنَّما يَحلُّ لهم أنْ يَشهَدوا بإِحدى مَعانٍ ثَلاثةٍ: إمَّا أنْ يَقرأَ الكِتابَ عليهم، أو كتَبَ الكِتابَ غيرُه وقرَأَ عليه بينَ يَديِ الشُّهودِ ويَقولَ لهم: «اشهَدوا علَيَّ بما فيه»، أو يَكتبَ هو بينَ يَديِ الشاهِدِ والشاهِدُ يَعلمُ بما فيه ويَقولَ هو: «اشهَدوا علَيَّ بما فيه» (١). وقالَ الشَّيخُ بُرهانُ الدِّينِ مازه: وفي وَصايا «الفَتاوي»: كتَبَ صَكَّ وَصيتِه وقالَ للشُّهودِ: «اشهَدوا بما فيه»، ولم يَقرأْ عليهم، قالَ الفَقيهُ أَبو جَعفرٍ ﵀: لا يَجوزُ لهم أنْ يَشهَدوا حتى يَعلَموا ما فيه في قَولِ عُلمائِنا المُتقدِّمينَ، وفي قَولِ نُصيرٍ ﵀: يَجوزُ، وبه كانَ يَأخذُ علِيُّ بنُ أَحمدَ ﵀. وفي «أدَب القاضي» للخَصافِ: رَجلٌ أشهَدَ على صَكٍّ أو كِتابِ وَصيةٍ ولم يُقرأْ عليه؛ فإنَّ ذلك لا يَجوزُ، وفُرِّق على قَولِ أَبي يُوسفَ بينَ هذا وبينَ كِتابِ القاضي؛ فإنَّه على قَولِه عِلمُ الشُّهودِ بما في الكِتابِ والخَتمِ لا على ما فيه، وقد وُجدَ الإِشهادُ على الكِتابِ والخَتمِ، أمَّا في الصَّكِّ والوَصيةِ فالإِشهادُ يَقعُ على البَيعِ أو على الحَقِّ الذي في الصَّكِّ. والإِشهادُ على ما في الصَّكِّ بأحدِ أُمورٍ ثَلاثةٍ: بأنْ يَقرأَ الكِتابَ على الشُّهودِ حتى يَكونَ ذلك إِقرارًا منه، أو بأنْ يَقرأَ الكِتابَ بينَ يَديِ الكاتِبِ وهو يَقولُ: «اشهَدوا علَيَّ بما فيه»، أو بأنْ يَكتبَ بينَ يَديِ الشاهِدِ، والشاهِدُ يَعلمُ ما كُتبَ فيه (٢).

стр. 14661

وقالَ الشافِعيةُ: ولو كتَبَ: «إنِّي أوصَيتُ لفُلانٍ بكذا» وهو ناطِقٌ، وأشهَدَ جَماعةً بأنَّ الكِتابَ خَطُّه وما فيه وَصيتُه ولم يُطلِعْهم على ما فيه لم تَنعقدْ وَصيتُه بذلك، ولا يُعملُ بما فيه حتى يَشهدَ الشُّهودُ به مُفصَّلًا، كما لو قيلَ له: «أوصَيتَ لفُلانٍ بكذا؟»، فأَشارَ أنْ: نَعَمْ. ونقَلَ الإِمامُ المُتولِّي أنَّ مُحمدَ بنَ نَصرٍ المَروَزيَّ من أَصحابِنا قالَ: يَكفي الإِشهادُ عليه مُبهَمًا. ورَوى أَبو الحَسنِ العَباديُّ أنَّه قالَ: يَكفي الكِتابُ من غيرِ إِشهادٍ، واحتَجَّ بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إلا ووَصيتُه مَكتوبةٌ عندَه»، أشعَرَ ذلك باعتِبارِ الكِتابةِ. قالَ الإِمامُ النَّوويُّ: واعلَمْ أنَّ انعِقادَ الوَصيةِ بالكِتابةِ ليسَ ببَعيدٍ وإنِ استَبعَدوه؛ لأنَّ الكِتابةَ ككِناياتِ الأَلفاظِ، وقد سبَقَ في البَيعِ ذِكرُ الخِلافِ في انعِقادِ البَيعِ ونَحوِه بالكِناياتِ، وذكَرنا الآنَ أنَّ الوَصيةَ أشَدُّ قَبولًا للكِناياتِ. وليس للشاهِدِ التَّحملُ حتى يُقرأَ عليه الكِتابُ (١). وقالَ إِمامُ الحَرمَينِ أَبو المَعالي الجُوينيُّ: ثم ظاهِرُ الحَديثِ قد يُوهِمُ أنَّه لو كتَبَ كِتابَ الوَصيةِ يُكتَفى بكِتابتِه، ويُعوَّلُ على كِتابِه، وليسَ الأمرُ

стр. 14662

كذلك عندَ عامَّةِ العُلماءِ، فلا بُدَّ أنْ يُشهِدَ شاهدَينِ عَدلَينِ، ولا يَكفي أنْ يُشهِدَهما على ما في الكِتابِ من غيرِ أنْ يَطَّلِعا عليه. وممَّا شُهرَ من هَفواتِ بعضِ الأئِمةِ وهم من المُنتَمينَ إلى أَصحابِنا ما حُكيَ أنَّ الأميرَ نَصرَ بنَ أَحمدَ من أُمراءِ خُراسانَ أرادَ أنْ يُوصيَ بوَصايا فيَكتبَها فيُعملَ بكِتابِه، فاستَشارَ العُلماءَ، فلم يُفتُوا له بذلك، فاستَشارَ مُحمدَ ابنَ نَصرٍ المَروَزيَّ فأفتَى له بالتَّعويلِ على كِتابِه إذا استَوثَقَ فيه، ووضَعَه على يَدِ مَأمونٍ بمَشهدِ أُمناءَ، واحتَجَّ بظاهِرِ الحَديثِ، فحَظيَ عندَه وارتفَعَ قَدرُه. وأجمَعَ عُلماءُ الزَّمانِ على تَخطئتِه. ولا يَنبَغي أنْ يُجيلَ الإِنسانُ فِكرَه في هذا الفَصلِ؛ فإنَّه مِنْ أعظَمِ أَركانِ الشَّهاداتِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ على هذا القَولِ: إنْ كتَبَ وَصيتَه وقالَ: اشهَدوا علَيَّ بما في هذه الوَرقةِ، أو قالَ: هذه وَصيَّتي فاشهَدوا علَيَّ بها، فلا تَصحُّ الوَصيةُ، فقد حُكيَ عن أَحمدَ أنَّ الرَّجلَ إذا كتَبَ وَصيتَه وختَمَ عليها وقالَ للشُّهودِ: «اشهَدوا علَيَّ بما في هذا الكِتابِ» لا يَجوزُ حتى يَسمَعوا منه ما فيه أو يُقرأَ عليه فيُقرَّ بما فيه. لكنْ إنْ تَحقَّقَ بعدَ خَتمِها أنَّه خَطُّه عُملَ بالخَطِّ لا بالإِشهادِ عليها مَختومةً؛ لأنَّه كِتابٌ لا يَعلمُ الشاهِدُ ما فيه فلم يَجُزْ أنْ يَشهدَ عليه ككِتابِ القاضي إلى القاضي.

стр. 14663

قالَ ابنُ قُدامةَ: وأمَّا ما ثبَتَ من الوَصيةِ بشَهادةٍ أو إِقرارِ الوَرثةِ به؛ فإنَّه يَثبُتُ حكُمهُ ويُعملُ به ما لم يُعلمْ رُجوعُه عنه وإنْ طالَت مُدتُه وتَغيَّرت أَحوالُ المُوصَى به، مِثلَ أنْ يُوصيَ في مَرضٍ فيَبرأَ منه ثم يَموتَ بعدُ أو يُقتلَ؛ لأنَّ الأَصلَ بَقاؤُه فلا يَزولُ حُكمُه بمُجردِ الاحتِمالِ والشَّكِّ كسائِرِ الأَحكامِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في احتِمالٍ (ومُحمدُ بنُ نَصرٍ المَروَزيُّ من الشافِعيةِ على تَفصيلٍ له تَقدَّمَ) إلى أنَّه لا يُشتَرطُ لصِحةِ الوَصيةِ المَكتوبةِ الاطِّلاعُ على ما فيها، بل يَكفي الإِشهادُ عليها. قالَ المالِكيةُ: المُوصي إذا كتَبَ وَصيتَه بخَطِّه أو أَملاها لمَن كتَبَها وقالَ للشُّهودِ: «اشهَدوا على أنَّ ما في هذه الوَثيقةِ وَصيَّتي أو على أنِّي أَوصَيتُ بما فيها» ولم يَقرَأْها عليهم؛ فإنَّه يَجوزُ، ويَجوزُ لهم القُدومُ على الشَّهادةِ بأنَّه أوصَى بما انطَوَت عليه هذه الوَثيقةُ، بأنْ يَقولوا: «نحن نَشهدُ بأنَّه أوصى بما انطَوَت عليه هذه الوَصيةُ أي: الوَثيقةُ»، وإنْ لم يَقرَأْها عليهم، ولا فتَحَ الكِتابَ لهم ولو بَقيَ الكِتابُ عندَه إلى أنْ ماتَ، بشَرطِ أنْ يُشهِدَهم بما في كِتابِ وَصيتِه أو يَقولَ لهم: «أَنفِذوه»، وبشَرطِ ألَّا يُوجدَ في الوَثيقةِ مَحوٌ ولا تَغييرٌ، وأنْ يَعرِفوا الوَثيقةَ بعَينِها (٢).

стр. 14664

وقالَ ابنُ قُدامةَ: وإنْ كتَبَ وَصيتَه وقالَ: «اشهَدوا علَيَّ بما في هذه الوَرقةِ»، أو قالَ: «هذه وَصيَّتي فاشهَدوا علَيَّ بها»، فيَحتملُ كَلامُ الخِرقيِّ جَوازَه؛ لأنَّه إذا قبِلَ خَطَّه المُجردَ فهذا أوْلى، وممَّن قالَ ذلك عبدُ المَلكِ بنِ يَعلى ومَكحولٌ ونُمَيرُ بنُ إِبراهيمَ ومالِكٌ واللَّيثُ والأَوزاعيُّ ومُحمدُ بنُ مَسلمةَ وأبو عُبيدٍ وإِسحاقُ. واحتَجَّ أَبو عُبَيدٍ بكُتبِ رَسولِ اللهِ ﷺ إلى عُمالِه وأُمرائِه في أمرِ وِلايتِه وأَحكامِه وسُننِه، ثم ما عمِلَ به الخُلفاءُ الراشِدونَ المَهديُّونَ بعدَه من كُتبِهم إلى وُلاتِهم بالأَحكامِ التي فيها الدِّماءُ والفُروجُ والأَموالُ، يَبعَثونَ بها مَختومةً لا يَعلمُ حامِلُها ما فيها، وأَمضَوْها على وُجوهِها، وذكَرَ استِخلافَ سُليمانَ بنِ عبدِ المَلكِ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ بكِتابٍ كتَبَه وختَمَ عليه ولا نَعلمُ أحدًا أنكَرَ ذلك مع شُهرتِه وانتِشارِه في عُلماءِ العَصرِ فكانَ إِجماعًا (١). ثانيًا: القَبولُ: القَبولُ هو كلُّ أمرٍ يُشعِرُ بتَمليكِ الوَصيةِ وقَبولِ الأمرِ بالتَّصرفِ ولو بعَدمِ الرَّدِّ من المُوصَى له بعدَ مَوتِ المُوصي.

стр. 14665

ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ -خِلافًا لزُفرَ- والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ القَبولَ رُكنٌ من أَركانِ الوَصيةِ، فلا بُدَّ من قَبولِ المُوصَى له، فما لم يُوجَدِ القَبولُ أو عَدمُ الرَّدِّ من المُوصَى له، وهو أنْ يَقعَ اليَأسُ من رَدِّه لم تَصحَّ الوَصيةُ؛ لأنَّ الوَصيةَ أحدُ أَنواعِ العَطايا، فاشتُرطَ فيها القَبولُ كالهِبةِ وغيرِها. ولقَولِه ﵎: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، فظاهِرُه ألَّا يَكونَ للإِنسانِ شَيءٌ بدونِ سَعيِه، فلو ثبَتَ المِلكُ للمُوصَى له من غيرِ قَبولٍ لثبَتَ من غيرِ سَعيِه، وهذا مَنفيٌّ إلا ما خُصَّ بدَليلٍ. ولأنَّ القَولَ بثُبوتِ المِلكِ له من غيرِ قَبولِه يُؤدِّي إلى الإِضرارِ به من وَجهَينِ: أحدُهما: أنَّه يَلحقُه ضَررُ المِنةِ، ولهذا توقَّفَ ثُبوتُ المِلكِ للمَوهوبِ له على قَبولِه دَفعًا لضَررِ المِنةِ. والثاني: أنَّ المُوصَى به قد يَكونُ شَيئًا يَتضرَّرُ به المُوصَى له كالعَبدِ الأَعمى والزَّمِنِ والمُقعَدِ ونَحوِ ذلك (١).

стр. 14666

وقالَ زُفرُ وأَحمدُ في رِوايةٍ: الرُّكنُ هو الإِيجابُ من المُوصي فقط، ولا تَقفُ الوَصيةُ على القَبولِ؛ لأنَّ مِلكَ المُوصَى له بمَنزلةِ مِلكِ الوارِثِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المِلكَينِ يَنتقِلُ بالمَوتِ، ثم مِلكُ الوارِثِ لا يَفتقِرُ إلى قَبولِه، وكذا مِلكُ المُوصَى له؛ لأنَّ الوَصيةَ أُختُ المِيراثِ؛ إذْ كلٌّ منهما خِلافُه لمَا أنَّه انتِقالٌ، ثم الإِرثُ يَثبُتُ من غيرِ قَبولٍ فكذلك الوَصيةُ (١). قالَ الحَنفيةُ رَدًّا على زُفرَ: ولنا أنَّه تَمليكٌ بعَقدٍ فوقَفَ على القَبولِ كالتَّمليكِ بالهِبةِ والبَيعِ، فإنْ وُجدَ القَبولُ بعدَ المَوتِ تمَّتِ الوَصيةُ، وإنْ وُجدَ قبلَه لم يَتعلَّقْ به حُكمٌ، فإذا ماتَ المُوصي زالَ مِلكُه عن المُوصَى به؛ لأنَّ المَوتَ يُزيلُ الأَملاكَ، ولم يَدخُلْ في مِلكِ المُوصَى له؛ لأنَّه يَقفُ على قَبولِه، ولا يَملكُها الوَرثةُ لتَعلُّقِ حَقِّ المُوصَى له بها. ولأنَّ الوَصيةَ إِثباتُ مِلكٍ جَديدٍ، ولهذا لا يَردُّ المُوصَى له بالعَيبِ ولا يُردُّ عليه بالعَيبِ، ولا يَملكُ أحدٌ إِثباتَ المِلكِ لغيرِه إلا بقَبولِه، أمَّا الوِراثةُ فخِلافُه حتى يَثبُتَ فيها هذه الأَحكامُ فيَثبُتَ جَبرًا من الشَّرعِ من غيرِ قَبولٍ (٢). وعن الإِمامِ أَحمدَ أنَّه لا يُشتَرطُ في الوَصيةِ قَبولٌ، قالَ في «القَواعدِ الفِقهيةِ»: نَصَّ الإِمامُ أَحمدُ ﵀ في مَواضعَ على أنَّه لا يُعتبَرُ للوَصيةِ

стр. 14667

قَبولٌ، فيَملكُها قَهرًا كالمِيراثِ، وهو وَجهٌ للأَصحابِ، حَكاه غيرُ واحِدٍ. انتَهى. قالَ المِرداويُّ: وذكَرَ الحَلوانِيُّ عن أَصحابِنا أنَّه يَملكُ الوَصيةَ بلا قَبولٍ كالمِيراثِ (١). وهو قَولُ ابنِ الصَّباغِ من الشافِعيةِ؛ فإنَّه قالَ: يَنبَغي أنْ يُقالَ: إنَّ القَبولَ في الوَصيةِ ليسَ بشَرطٍ في صِحةِ المِلكِ (٢). الوَصيةُ لها حالَتانِ: الحالةُ الأُولى: أنْ تَكونَ على غيرِ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الوَصيةَ إذا كانَت لجَماعةٍ غيرِ مُعيَّنينَ كالفُقراءِ والمَساكينِ لا يُشتَرطُ في حَقِّهم القَبولُ بعدَ المَوتِ لتَعذُّرِ ذلك من جَميعِهم، فسقَطَ اعتِبارُه كالوَقفِ عليهم، ولا يَتعيَّنُ واحِدٌ منهم فيُكتفَى به، وتَلزمُ بمَوتِ المُوصي بلا اشتِراطِ قَبولٍ (٣).

стр. 14668

والمُرادُ عندَ الشافِعيةِ بجَماعةٍ غيرِ مَحصورينَ أنْ يَكونَ عَددُهم يَعسُرُ عَدُّه، وإنْ أمكَنَ فحينَئذٍ تَلزمُ بمَوتِ المُوصي بلا اشتِراطِ قَبولٍ منهم لتَعذُّرِه، ويَجوزُ الاقتِصارُ على ثَلاثةٍ منهم، ولا تَجبُ التَّسويةُ بينَهم. وأمَّا إنِ انحَصَروا بأنْ سهُلَ عادةً عَدُّهم كفُقراءِ بَلدةٍ وكانوا مَحصورينَ تعيَّنَ قَبولُهم، ووجَبَت التَّسويةُ بينَهم (١). وكذا قالَ الحَنابِلةُ: الوَصيةُ إذا كانَت لعَددٍ يُمكنُ حَصرُه اشتُرطَ قَبولُه؛ لأنَّها تَمليكٌ له كالهِبةِ (٢). الحالةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ على مُعيَّنٍ كزَيدٍ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُوصَى له إذا كانَ مُعيَّنًا كزَيدٍ ومُحمدٍ أو كانَ عَددًا يُمكنُ حَصرُه فلا بُدَّ من قَبولِه للوَصيةِ؛ لأنَّها تَمليكُ مالٍ مُتعيَّنٍ لمَن هو من أهلِ المِلكِ، فاعتُبِرَ قَبولُه كالهِبةِ (٣).

стр. 14669

وعن الإِمامِ أَحمدَ أنَّه لا يُشتَرطُ للوَصيةِ قَبولٌ، فيَملكُها قَهرًا كالمِيراثِ (١) وقد تقدَّمَ. بأيِّ شَيءٍ يَحصلُ القَبولُ؟ القَبولُ يَحصلُ بأحدِ ثَلاثةِ أُمورٍ: الأمرُ الأولُ: القَولُ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ القَبولَ يَحصلُ بالقَولِ، وذلك بأنْ يَتلفَّظَ المُوصَى له بلَفظٍ يَدلُّ على قَبولِ الوَصيةِ مِثلَ: «قَبلتُ الوَصيةَ أو رَضيتُ بها» ونَحوِ ذلك (٢). الأمرُ الثاني: عَدمُ الرَّدِّ: نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ عَدمَ الرَّدِّ من المُوصَى له -وهو أنْ يَقعَ اليَأسُ عن رَدِّه- يَقومُ مَقامَ القَبولِ في حالةٍ واحِدةٍ إذا ماتَ المُوصَى له بعدَ مَوتِ المُوصي ولم يَقبَلْ أو يَردَّ.

стр. 14670

قالوا: والمُوصَى به يُملَكُ بالقَبولِ؛ لأنَّ الوَصيةَ مُثبِتةٌ للمِلكِ، والقَبولُ شَرطٌ للدُّخولِ فيه إلا في مَسألةٍ واحِدةٍ، وهي أنْ يَموتَ المُوصي ثم يَموتَ المُوصَى له قبلَ القَبولِ والرَّدِّ، فيَدخلَ المُوصَى به في مِلكِ وَرثةِ المُوصَى له؛ لأنَّ الوَصيةَ قد تمَّتْ من جانِبِ المُوصي بمَوتِه تَمامًا لا يَلحقُه الفَسخُ من جِهتِه، وإنَّما توقَّفَ لحَقِّ المُوصَى له، فإذا ماتَ دخَلَ في مِلكِه كما في البَيعِ المَشروطِ فيه الخيارُ للمُشتَري إذا ماتَ قبلَ الإِجازةِ (١). الأمرُ الثالِثُ: الفِعلُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الفِعلِ، هل يَقومُ مَقامَ القَولِ في قَبولِ الوَصيةِ أو لا بُدَّ من القَولِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ وبعضُ الشافِعيةِ -وهو مُقتَضى كَلامِ المالِكيةِ- إلى أنَّ الفِعلَ يَقومُ مَقامَ القَولِ في الوَصيةِ. قالَ الحَنفيةُ: القَبولُ تارةً يَكونُ باللَّفظِ وتارةً يَكونُ بالفِعلِ: فالقَبولُ بالفِعلِ بأنْ يَبيعَ الوَصيُّ التَّركةَ قبلَ القَبولِ باللَّفظِ، فهو قَبولٌ؛ لأنَّه دِلالةُ الالتِزامِ، وهو مُعتبَرٌ بالمَوتِ، ويَنفُذُ البَيعُ لصُدورِه من الوَصيِّ سَواءٌ علِمَ بالإِيصاءِ أو لم يَعلَمْ بخِلافِ الوَكيلِ حيثُ لا يَكونُ وَكيلًا من غيرِ عِلمٍ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إِنابةٌ في حالِ قيامِ وِلايةِ المُوكَّلِ ولا يَصحُّ من غيرِ عِلمٍ
следующие страницы →