وقالَ زُفرُ وأَحمدُ في رِوايةٍ: الرُّكنُ هو الإِيجابُ من المُوصي فقط، ولا تَقفُ الوَصيةُ على القَبولِ؛ لأنَّ مِلكَ المُوصَى له بمَنزلةِ مِلكِ الوارِثِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المِلكَينِ يَنتقِلُ بالمَوتِ، ثم مِلكُ الوارِثِ لا يَفتقِرُ إلى قَبولِه، وكذا مِلكُ المُوصَى له؛ لأنَّ الوَصيةَ أُختُ المِيراثِ؛ إذْ كلٌّ منهما خِلافُه لمَا أنَّه انتِقالٌ، ثم الإِرثُ يَثبُتُ من غيرِ قَبولٍ فكذلك الوَصيةُ (١).
قالَ الحَنفيةُ رَدًّا على زُفرَ: ولنا أنَّه تَمليكٌ بعَقدٍ فوقَفَ على القَبولِ كالتَّمليكِ بالهِبةِ والبَيعِ، فإنْ وُجدَ القَبولُ بعدَ المَوتِ تمَّتِ الوَصيةُ، وإنْ وُجدَ قبلَه لم يَتعلَّقْ به حُكمٌ، فإذا ماتَ المُوصي زالَ مِلكُه عن المُوصَى به؛ لأنَّ المَوتَ يُزيلُ الأَملاكَ، ولم يَدخُلْ في مِلكِ المُوصَى له؛ لأنَّه يَقفُ على قَبولِه، ولا يَملكُها الوَرثةُ لتَعلُّقِ حَقِّ المُوصَى له بها.
ولأنَّ الوَصيةَ إِثباتُ مِلكٍ جَديدٍ، ولهذا لا يَردُّ المُوصَى له بالعَيبِ ولا يُردُّ عليه بالعَيبِ، ولا يَملكُ أحدٌ إِثباتَ المِلكِ لغيرِه إلا بقَبولِه، أمَّا الوِراثةُ فخِلافُه حتى يَثبُتَ فيها هذه الأَحكامُ فيَثبُتَ جَبرًا من الشَّرعِ من غيرِ قَبولٍ (٢).
وعن الإِمامِ أَحمدَ أنَّه لا يُشتَرطُ في الوَصيةِ قَبولٌ، قالَ في «القَواعدِ الفِقهيةِ»: نَصَّ الإِمامُ أَحمدُ ﵀ في مَواضعَ على أنَّه لا يُعتبَرُ للوَصيةِ
стр. 14667
قَبولٌ، فيَملكُها قَهرًا كالمِيراثِ، وهو وَجهٌ للأَصحابِ، حَكاه غيرُ واحِدٍ. انتَهى.
قالَ المِرداويُّ: وذكَرَ الحَلوانِيُّ عن أَصحابِنا أنَّه يَملكُ الوَصيةَ بلا قَبولٍ كالمِيراثِ (١).
وهو قَولُ ابنِ الصَّباغِ من الشافِعيةِ؛ فإنَّه قالَ: يَنبَغي أنْ يُقالَ: إنَّ القَبولَ في الوَصيةِ ليسَ بشَرطٍ في صِحةِ المِلكِ (٢).
الوَصيةُ لها حالَتانِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ تَكونَ على غيرِ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الوَصيةَ إذا كانَت لجَماعةٍ غيرِ مُعيَّنينَ كالفُقراءِ والمَساكينِ لا يُشتَرطُ في حَقِّهم القَبولُ بعدَ المَوتِ لتَعذُّرِ ذلك من جَميعِهم، فسقَطَ اعتِبارُه كالوَقفِ عليهم، ولا يَتعيَّنُ واحِدٌ منهم فيُكتفَى به، وتَلزمُ بمَوتِ المُوصي بلا اشتِراطِ قَبولٍ (٣).
стр. 14668
والمُرادُ عندَ الشافِعيةِ بجَماعةٍ غيرِ مَحصورينَ أنْ يَكونَ عَددُهم يَعسُرُ عَدُّه، وإنْ أمكَنَ فحينَئذٍ تَلزمُ بمَوتِ المُوصي بلا اشتِراطِ قَبولٍ منهم لتَعذُّرِه، ويَجوزُ الاقتِصارُ على ثَلاثةٍ منهم، ولا تَجبُ التَّسويةُ بينَهم.
وأمَّا إنِ انحَصَروا بأنْ سهُلَ عادةً عَدُّهم كفُقراءِ بَلدةٍ وكانوا مَحصورينَ تعيَّنَ قَبولُهم، ووجَبَت التَّسويةُ بينَهم (١).
وكذا قالَ الحَنابِلةُ: الوَصيةُ إذا كانَت لعَددٍ يُمكنُ حَصرُه اشتُرطَ قَبولُه؛ لأنَّها تَمليكٌ له كالهِبةِ (٢).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ على مُعيَّنٍ كزَيدٍ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُوصَى له إذا كانَ مُعيَّنًا كزَيدٍ ومُحمدٍ أو كانَ عَددًا يُمكنُ حَصرُه فلا بُدَّ من قَبولِه للوَصيةِ؛ لأنَّها تَمليكُ مالٍ مُتعيَّنٍ لمَن هو من أهلِ المِلكِ، فاعتُبِرَ قَبولُه كالهِبةِ (٣).
стр. 14669
وعن الإِمامِ أَحمدَ أنَّه لا يُشتَرطُ للوَصيةِ قَبولٌ، فيَملكُها قَهرًا كالمِيراثِ (١) وقد تقدَّمَ.
بأيِّ شَيءٍ يَحصلُ القَبولُ؟
القَبولُ يَحصلُ بأحدِ ثَلاثةِ أُمورٍ:
الأمرُ الأولُ: القَولُ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ القَبولَ يَحصلُ بالقَولِ، وذلك بأنْ يَتلفَّظَ المُوصَى له بلَفظٍ يَدلُّ على قَبولِ الوَصيةِ مِثلَ: «قَبلتُ الوَصيةَ أو رَضيتُ بها» ونَحوِ ذلك (٢).
الأمرُ الثاني: عَدمُ الرَّدِّ:
نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ عَدمَ الرَّدِّ من المُوصَى له -وهو أنْ يَقعَ اليَأسُ عن رَدِّه- يَقومُ مَقامَ القَبولِ في حالةٍ واحِدةٍ إذا ماتَ المُوصَى له بعدَ مَوتِ المُوصي ولم يَقبَلْ أو يَردَّ.
стр. 14670
قالوا: والمُوصَى به يُملَكُ بالقَبولِ؛ لأنَّ الوَصيةَ مُثبِتةٌ للمِلكِ، والقَبولُ شَرطٌ للدُّخولِ فيه إلا في مَسألةٍ واحِدةٍ، وهي أنْ يَموتَ المُوصي ثم يَموتَ المُوصَى له قبلَ القَبولِ والرَّدِّ، فيَدخلَ المُوصَى به في مِلكِ وَرثةِ المُوصَى له؛ لأنَّ الوَصيةَ قد تمَّتْ من جانِبِ المُوصي بمَوتِه تَمامًا لا يَلحقُه الفَسخُ من جِهتِه، وإنَّما توقَّفَ لحَقِّ المُوصَى له، فإذا ماتَ دخَلَ في مِلكِه كما في البَيعِ المَشروطِ فيه الخيارُ للمُشتَري إذا ماتَ قبلَ الإِجازةِ (١).
الأمرُ الثالِثُ: الفِعلُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الفِعلِ، هل يَقومُ مَقامَ القَولِ في قَبولِ الوَصيةِ أو لا بُدَّ من القَولِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ وبعضُ الشافِعيةِ -وهو مُقتَضى كَلامِ المالِكيةِ- إلى أنَّ الفِعلَ يَقومُ مَقامَ القَولِ في الوَصيةِ.
قالَ الحَنفيةُ: القَبولُ تارةً يَكونُ باللَّفظِ وتارةً يَكونُ بالفِعلِ:
فالقَبولُ بالفِعلِ بأنْ يَبيعَ الوَصيُّ التَّركةَ قبلَ القَبولِ باللَّفظِ، فهو قَبولٌ؛ لأنَّه دِلالةُ الالتِزامِ، وهو مُعتبَرٌ بالمَوتِ، ويَنفُذُ البَيعُ لصُدورِه من الوَصيِّ سَواءٌ علِمَ بالإِيصاءِ أو لم يَعلَمْ بخِلافِ الوَكيلِ حيثُ لا يَكونُ وَكيلًا من غيرِ عِلمٍ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إِنابةٌ في حالِ قيامِ وِلايةِ المُوكَّلِ ولا يَصحُّ من غيرِ عِلمٍ
стр. 14671
كإِثباتِ المِلكِ في البَيعِ والشِّراءِ فلا بُدَّ من العِلمِ، وطَريقُ العِلمِ به أنْ يُخبِرَه واحِدٌ من أهلِ التَّمييزِ وقد تقدَّمَ بَيانُه، أمَّا الإِيصاءُ فخِلافُه؛ لأنَّه مُختصٌّ بحالِ انقِطاعِ وِلايةِ المَيِّتِ فلا يَتوقَّفُ على العِلمِ كالوِراثةِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَتعيَّنُ القَبولُ باللَّفظِ، بل يُجزئُ ما قامَ مَقامَه من الأخذِ والفِعلِ الدالِ على الرِّضا كما في الهِبةِ والبَيعِ، فيَجوزُ تَصرُّفُ المُوصَى له في الوَصيةِ بعدَ المَوتِ، ويَقومُ ذلك التَّصرفُ مَقامَ القَبولِ؛ لأنَّ سبَبَ المِلكِ قد استقَرَّ له استِقرارًا لا يَملِكُ إِبطالَه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ القَبولَ لا يَحصلُ بالفِعلِ، بل يُشتَرطُ قَبولُ الوَصيةِ باللَّفظِ.
قالَ القَليوبيُّ: قَولُه: (اشتُرطَ القَبولُ) أي: لَفظًا، فلا يَكفي الفِعلُ ولا التَّصرفُ (٣).
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وظاهِرُ كَلامِهم أنَّ المُرادَ القَبولُ اللَّفظيُّ، وهو كذلك، وإنْ بحَثَ الزَّركَشيُّ الاكتِفاءَ بالفِعلِ، وهو الأَخذُ، كالهَديةِ (٤).
стр. 14672
وقالَ أَبو بَكرٍ عُثمانُ بنُ شطا الدِّمياطيُّ: (قَولُه: مع قَبولِ مُوصًى له) أي: باللَّفظِ، ولا يَكفي الفِعلُ، وقيلَ: يَكفي.
وعِبارةُ التُّحفةِ: قالَ الزَّركَشيُّ: ظاهِرُ كَلامِهم أنَّ المُرادَ القَبولُ اللَّفظيُّ، ويُشبهُ الاكتِفاءَ بالفِعلِ وهو الأخذُ كالهَديةِ. اه.
وسبَقَه إليه القَموليُّ فقالَ في «الرَّهن»: يَكفي التَّصرفُ بالرَّهنِ ونَحوِه، وكِلاهما ضَعيفٌ.
والفَرقُ بينَ هذا والهَديةِ ونَحوِ الوَكيلِ واضِحٌ؛ إذِ النَّقلُ للإِكرامِ الذي استَلزَمته الهَديةُ عادةً يَقتَضي عَدمَ الاحتِياجِ للفَظٍ في القَبولِ وليسَ كذلك هنا.
ونَحوُ الوَكالةِ لا يَقتَضي تَملُّكَ شَيءٍ فلا يُشبهُ ما هنا، وإنَّما يُشبِهُه -أي: ما هنا- الهِبةُ، وهي لا بُدَّ فيها من القَبولِ لَفظًا (١).
وَقتُ قَبولِ الوَصيةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ خِلافًا لزُفرَ على أنَّ العِبرةَ في قَبولِ الوَصيةِ بعدَ مَوتِ المُوصي، ولا حُكمَ للقَبولِ ولا للرَّدِّ قبلَ مَوتِه، فلو قبلَ في حَياتِه ثم رَدَّ بعدَ مَوتِه أو رَدَّ في حَياتِه ثم قبِلَ بعدَ مَوتِه فلا حُكمَ له؛ إذْ لا حَقَّ له في القَبولِ أو الرَّدِّ قبلَ المَوتِ فأشبَهَ إِسقاطَ الشُّفعةِ قبلَ البَيعِ، ولأنَّ الوَصيةَ لم تَقعْ بعدُ فأشبَهَ رَدَّ المَبيعِ قبلَ إِيجابِ البَيعِ، ولأنَّه ليسَ بمَحلٍّ للقَبولِ فلا يَكونُ مَحلًّا للرَّدِّ كما قبلَ الوَصيةِ.
стр. 14673
فلو رَدَّ المُوصَى له قبلَ مَوتِ المُوصي ولو كانَ حَياءً كما يَقعُ كَثيرًا ثم قبِلَ بعدَه صَحَّ قَبولُه بالاتِّفاقِ.
وكذا إذا قبِلَ في حَياتِه ثم رَدَّ بعدَ وَفاتِه صَحَّ الرَّدُّ؛ لأنَّ نَفعَ الوَصيةِ لنَفسِه ولا إِضرارَ به على المُوصي؛ لأنَّ المُوصَى به يَرجعُ إلى وَرثةِ المُوصي، ولا ضرَرَ له في ذلك (١).
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا يَكونُ قَبولٌ ولا رَدٌّ في وَصيةٍ حَياةَ المُوصي، فلو قبلَ المُوصَى له قبلَ مَوتِ المُوصي كانَ له الرَّدُّ إذا ماتَ، ولو رَدَّ في حَياةِ المُوصي كانَ له أنْ يَقبلَ إذا ماتَ، والوَرثةُ يُجبَرون على ذلك؛ لأنَّ تلك الوَصيةَ لم تَجبْ إلا بعدَ مَوتِ المُوصي، فأمَّا في حَياتِه فقَبولُه ورَدُّه وصَمتُه سَواءٌ؛ لأنَّ ذلك فيما لم يَملِكْ (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّه لا يَجبُ للمُوصَى له إلا بعدَ مَوتِ المُوصي (٣).
стр. 14674
وقالَ الكاسانِيُّ: إذا ثبَتَ أنَّ القَبولَ رُكنٌ في عَقدِ الوَصيةِ فوَقتُ القَبولِ ما بعدَ مَوتِ المُوصي، ولا حُكمَ للقَبولِ والرَّدِّ قبلَ مَوتِه، حتى لو رَدَّ قبلَ المَوتِ ثم قبِلَ بعدَه صَحَّ قَبولُه؛ لأنَّ الوَصيةَ إِيجابُ المِلكِ بعدَ المَوتِ، والقَبولُ أو الرَّدُّ يُعتبَرُ، كذا الإِيجابُ؛ لأنَّه جَوابٌ، والجَوابُ لا يَكونُ إلا بعدَ تقدُّمِ السُّؤالِ.
ونَظيرُه إذا قالَ لامرأتِه: «إذا جاءَ الغَدُ فأنتِ طالِقٌ على ألفِ دِرهمٍ»، أنَّه إنَّما يُعتبَرُ القَبولُ أو الرَّدُّ إذا جاءَ الغَدُ، كذا هذا، فإذا كانَ التَّصرفُ يَقعُ إِيجابًا بعدَ المَوتِ يُعتبَرُ القَبولُ بعدَه (١).
وقالَ المَوصِليُّ: قَبولُ الوَصيةِ بعدَ المَوتِ، حتى لو أَجازَها قبلَه أو رَدَّها فليسَ بشَيءٍ؛ لأنَّ حُكمَه -وهو ثُبوتُ المِلكِ- إنَّما يَثبتُ بعدَ المَوتِ، فلا اعتِبارَ بما يُوجدُ قبلَه كما إذا وُجدَ قبلَ العَقدِ، وهو إنَّما يَملكُه بالقَبولِ؛ لأنَّه تَمليكٌ بعَقدٍ فيَتوقَّفُ على القَبولِ كغيرِه من العُقودِ، بخِلافِ المِيراثِ؛ لأنَّه خِلافةٌ عن المَيتِ حتى يَثبتَ للوارِثِ خيارُ العَيبِ دونَ المُوصَى له، ويَثبتُ جَبرًا شَرعًا من غيرِ قَبولٍ، ولأنَّه لو ملَكَ المُوصَى به من غيرِ قَبولٍ كانَ للمُوصي إِلزامُه المِلكَ بغيرِ اختِيارِه، وليسَ ذلك إلا لمَن له عليه وِلايةٌ ولا وِلايةَ له عليه، ولأنَّه لو جازَ ذلك لأَوصَى له بما يَضرُّه مِثلَما إذا علَّقَ طَلاقَه بمِلكِه وأنَّه لا يَجوزُ، وإذا كانَ القَبولُ شَرطًا لا يَملِكُه المُوصَى له إلا بالقَبولِ (٢).
стр. 14675
وقالَ زُفرُ ﵀: إذا رَدَّ الوَصيةَ في حالِ حَياةِ المُوصي لم يَجُزْ قَبولُه بعدَ مَوتِه؛ لأنَّ إِيجابَه كانَ في حَياتِه وقد رَدَّه فبطَلَ (١).
إذا رَدَّ الوَصيةَ بعدَ المَوتِ وقبلَ القَبولِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ المُوصَى له إذا رَدَّ الوَصيةَ بعدَ مَوتِ المُوصي وقبلَ قَبولِه أنَّ الرَّدَّ صَحيحٌ؛ لأنَّه وَقتُ القَبولِ فصَحَّ منه الرَّدُّ كالشَّفيعِ إذا عَفا عن الشُّفعةِ بعدَ البَيعِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا رَدَّ الوَصيةَ بعدَ المَوتِ وقبلَ القَبولِ فيَصحُّ الرَّدُّ وتَبطُلُ الوَصيةُ، لا نَعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه أسقَطَ حَقَّه في حالٍ يَملِكُ فيها قَبولَه وأخْذَه، فأشبَهَ عَفوَ الشَّفيعِ عن الشُّفعةِ بعدَ البَيعِ (٢).
وقالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: وإنْ ماتَ المُوصَى له بعدَ مَوتِ المُوصي وقد رَدَّ الوَصيةَ قبلَ مَوتِه فقد بطَلَت برَدِّه، وليسَ لوارِثِه قَبولُها بعدَ مَوتِه إِجماعًا (٣).
وقالَ المِرداويُّ: وإنْ رَدَّ الوَصيةَ بعدَ مَوتِه بطَلَت بلا نِزاعٍ (٤).
بأيِّ شَيءٍ يَحصلُ رَدُّ الوَصيةِ من المُوصَى له:
قالَ الحَنابِلةُ: ويَحصلُ الرَّدُّ بقَولِه: «رَددتُ الوَصيةَ»، وقوله: «لا أَقبلُها»، وما أدَّى هذا المَعنى، نَحوَ: «أبطَلتُها».
стр. 14676
قالَ أَحمدُ: إذا قالَ: «أَوصَيت لرَجلٍ بألفٍ»، فقال: «لا أَقبلُها»، فهي لوَرثتِه، يَعني لوَرثةِ المُوصي (١).
إذا رَدَّ الوَصيةَ بعدَ القَبولِ والقَبضِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُوصَى له إذا رَدَّ الوَصيةَ بعدَ قَبولِه لها وقَبضِها لم يَصحَّ رَدُّه؛ لأنَّ مِلكَه قد استقَرَّ عليها فأشبَهَ رَدَّه لسائِرِ مِلكِه، إلا أنْ يَرضَى الوَرثةُ بذلك فتَكونَ هِبةً منه لهم تَفتقِرُ إلى شُروطِ الهِبةِ (٢).
إذا رَدَّ الوَصيةَ بعدَ القَبولِ وقبلَ القَبضِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَصيِّ إذا قبِلَ الوَصيةَ ثم رَدَّها قبلَ أنْ يَقبضَها هل يَبطُلُ رَدُّه أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُوصَى له إذا رَدَّ الوَصيةَ بعدَ قَبولِه وقبلَ القَبضِ لم يَصحَّ الرَّدُّ مُطلقًا؛ لأنَّه قد ملَكَ المُوصَى به إمَّا بالقَبولِ وإمَّا بالمَوتِ فلم يَصحَّ رَدُّه؛ كما لو وهَبَه عَينًا وقبِلَها وقبَضَها بإِذنِه ثم رَدَّها، ولأنَّ القَبضَ ليسَ بشَرطٍ
стр. 14677
لوُقوعِ المِلكِ في الوَصيةِ إلا أنْ يَرضَى الوَرثةُ بذلك، فتَكونَ هِبةً منه لهم تَفتقِرُ إلى شُروطِ الهِبةِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ وهو قَولٌ للحَنابِلةِ اختارَه القاضي وابنُ عَقيلٍ: يَصحُّ رَدُّه مُطلقًا؛ لأنَّهم لمَّا مَلَكوا الرَّدَّ من غيرِ قَبولٍ مَلَكوا الرَّدَّ من غيرِ قَبضٍ، ولأنَّ مِلكَ الوَصيِّ لم يُستقَرَّ عليه قبلَ القَبضِ فصَحَّ رَدُّه كما قبلَ القَبولِ (٢).
وفي قَولٍ ثالِثٍ للحَنابِلةِ اختارَه ابنُ قُدامةَ: إذا كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا صَحَّ الرَّدُّ بعدَ قَبولِه وقبلَ قَبضِه؛ لأنَّه لا يَستقِرُّ مِلكُه عليه قبلَ قَبضِه، فأشبَهَ رَدَّه قبلَ القَبولِ، وإنْ كانَ غيرَ ذلك لم يَصحَّ الرَّدُّ؛ لأنَّ مِلكَه قد استقَرَّ عليه فهو كالمَقبوضِ (٣).
إذا امتنَعَ من القَبولِ أو الرَّدِّ:
قالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: إذا لم يَقبلِ المُوصَى له الوَصيةَ بعدَ مَوتِ المُوصي ولا رَدَّ الوَصيةَ فللوارِثِ مُطالبتُه بأحدِ الأمرَينِ؛ فإنِ
стр. 14678
امتنَعَ حُكِمَ عليه بالرَّدِّ وبطَلَ حَقُّه من الوَصيةِ؛ لأنَّها إنَّما تَنتقِلُ إلى مِلكِه بالقَبولِ ولم يُوجَدْ، ولأنَّ المِلكَ مُتردِّدٌ بينَه وبينَ الوَرثةِ، كما لو تحَجَّرَ أرضًا فامتنَعَ من إِحيائِها أو وقَفَ في مَشرَعةِ ماءٍ فلم يأخُذْ ولم يَنصرِفْ (١).
وفي قَولٍ للحَنابِلةِ: إذا لم يَقبَلْ بعدَ مَوتِه ولا رَدَّ فحُكمُه حُكمُ مُتحجِّرِ المَواتِ (٢).
لو رَدَّ الوَصيةَ وخَصَّ بها بعضَ الوَرثةِ:
ذهَبَ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوصَى له إذا رَدَّ الوَصيةَ وخَصَّ بها بعضَ الوَرثةِ لم يَختَصَّ بها، وإنَّما تَكونُ لجَميعِهم يَتحاصُّونَ فيها.
وقالَ السَّرخَسيُّ: وإذا أَوصَى رَجلٌ بوَصيةٍ فقبِلَها بعدَ مَوتِه ثم رَدَّها على الوَرثةِ فرَدُّه جائِزٌ إذا قبِلوا ذلك؛ لأنَّ الرَّدَّ عليهم فَسخٌ للوَصيةِ وهم قائِمونَ مَقامَ المَيتِ.
ولو تُصوِّرَ منه الرَّدُّ على المَيتِ كانَ ذلك صَحيحًا إذا قبِلَه، فكذلك إذا رَدَّها على الوَرثةِ الذين يَقومونَ مَقامَه، وهذا لأنَّ فَسخَ العَقدِ مُعتبَرٌ بالعَقدِ فإذا كانَ أصلُ هذا العَقدِ يَتمُّ بالإِيجابِ والقَبولِ كذلك يَجوزُ فَسخُه
стр. 14679
بالتَّراضي، وبهذا فارَقَ الصَّدقةَ والهِبةَ؛ فإنَّ ذلك ابتِداءُ التَّمليكِ، والشُّيوعُ فيما يَحتملُ القِسمةَ مع صِحتِه، وهذا فَسخُ الوَصيةِ، والشُّيوعُ لا يُؤثِّرُ في فَسخِ الوَصيةِ كما لا يُؤثِّرُ في أصلِ الوَصيةِ.
وإنْ رَدَّها على بعضِ الوَرثةِ دونَ بعضٍ ففي القياسِ هذا باطِلٌ؛ لأنَّ هذا تَمليكٌ منه لمَن رَدَّها عليه، فيَكونُ التَّملُّكُ بلَفظِ الهِبةِ والإِعطاءِ.
ولكنَّا نَستحسِنُ فنَجعلُ ذلك كالرَّدِّ على جَماعتِهم وكانَ بينَهم على فَرائضِ اللهِ تَعالى؛ لأنَّ أصلَ العَقدِ كانَ بينَه وبينَ المُوصي، والرَّدُّ فَسخٌ لذلك العَقدِ فيَجوزُ بينَه وبينَ المُوصي أيضًا، وأحدُ الوَرثةِ يَقومُ مَقامَ الوَرثةِ في حُقوقِهم كجَماعتِهم، فكانَ الرَّدُّ على أحدِهم بمَنزلةِ الرَّدِّ عليهم، أو هذا فَسخٌ لقَبولِه، وهو يَنفرِدُ بفَسخِ القَبولِ في حَقِّ نَفسِه، وإنَّما كانَ لا يَثبُتُ في حَقِّ الوَرثةِ إذا أبَوْا ذلك دَفعًا للضَّررِ عنهم وعن مُورِّثِهم، فإذا رَضُوا بذلك أو رَضيَ به أحدُهم وهو قائِمٌ مَقامَهم في فَسخِ القَبولِ منهم وصارَ كأنَّه رَدَّه قبلَ أنْ يَقبلَ، فيَكونُ مِيراثًا للوَرثةِ، وكذلك لو كانَ على المَيتِ دَينٌ فوَهَبه الطالِبُ للوَرثةِ أو لبعضِهم فهو هِبةٌ لهم كلِّهم كأنَّه وهَبَه للمَيتِ؛ لأنَّ أصلَ المَنفعةِ بهذه الهِبةِ للمَيتِ وأنَّه يُبرئُ ذِمتَه لها وأحدُ الوَرثةِ يَقومُ مَقامَه فيما هو من حَقِّه (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا رَدَّ ما أَوصَى له به رجَعَ مِيراثًا ويُحاُّص به أَربابُ الوَصايا؛ لأنَّه إنَّما أَوصَى لهم بوَصفِ مُزاحمتِه (٢).
стр. 14680
وقالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀ في «الأُم»: إذا أَوصَى لرَجلٍ بوَصيةٍ، ثم قالَ المُوصَى له بعدَ مَوتِ المُوصي: «رَدَدت الوَصيةَ لفُلانٍ»، وسمَّى واحِدًا من الوَرثةِ رجَعَ إلى المُوصَى له، وقيلَ له: ما أرَدتَ بقَولِك: «لفُلانٍ»؟ فإنْ قالَ: «أرَدتُ أنِّي رَدَدت الوَصيةَ إلى جَميعِ الوَرثةِ لأجلِ ذلك المُسمَّى»، عادَت إلى جَميعِ الوَرثةِ، وكانَ المُسمَّى كغيرِه، وإنْ قالَ: «إنِّي أرَدتُ بذلك أنِّي جعَلتُها للمُسمَّى خاصةً»، اختُصَّ المُسمَّى بمِلكِها دونَ سائِرِ الوَرثةِ (١).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: ولو قالَ: «رَدَدتُ الوَصيةَ لفُلانٍ»، يَعني أحدَ الوَرثةِ، قالَ في «الأُم»: إنْ قالَ: «أرَدتُ لرِضاه»، كانَ رَدًّا على جَميعِ الوَرثةِ، وإنْ قالَ: «أرَدتُ تَخصيصَه بالرَّدِّ عليه»، فهو هِبةٌ له خاصَّةً.
قالَ الأَصحابُ: هذا تَفريعٌ على تَصحيحِ الرَّدِّ بعدَ القَبولِ، وإلا فما لا يَملِكُه لا يُمكنُه أنْ يُملِّكَه غيرُه.
ثم لم يُعتبَرْ لَفظُ الهِبةِ والتَّمليكِ، وقالَ القاضي أَبو الطَّيبِ: لا بُدَّ منه، وهو القياسُ.
ولو ماتَ ولم يُبيِّنْ ما أَرادَه جُعلَ رَدًّا على جَميعِ الوَرثةِ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: وكلُّ مَوضعٍ صَحَّ فيه الرَّدُّ بطَلَت فيه الوَصيةُ، ويَرجعُ المُوصَى به إلى التَّركةِ فتَكونُ للوَرثةِ جَميعِهم؛ لأنَّ الأَصلَ ثُبوتُ الحُكمِ
стр. 14681
لهم، وإنَّما خرَجَ بالوَصيةِ، فإذا بطَلَت الوَصيةُ رجَعَ إلى ما كانَ عليه كأنَّ الوَصيةَ لم تُوجَدْ.
ولو خَصَّ به الرادُّ واحدًا منهم لم يَتخصَّصْ وكانَ بينَ الكلِّ؛ لأنَّ المَردودَ عادَ إلى ما كانَ قبلَ الوَصيةِ فلا اختِصاصَ؛ لأنَّ رَدَّه امتِناعٌ من تَملُّكِه فيَبقَى على ما كانَ عليه، ولأنَّه لم يَملِكْ دَفعَه إلى أَجنبيٍّ فلم يَملِكْ دَفعَه إلى وارِثٍ يَخصُّه به.
وكلُّ مَوضعٍ امتنَعَ الرَّدُّ فيه لاستِقرارِ مِلكِه عليه فله أنْ يَختصَّ به واحدًا من الوَرثةِ؛ لأنَّه ابتِداءُ هِبةٍ ويَملِكُ أنْ يَدفعَه إلى أَجنبيٍّ، فملَكَ دَفعَه إلى وارِثٍ، فلو قالَ: «رَدَدت هذه الوَصيةَ لفُلانٍ»، قيلَ له: ما أرَدتَ بقَولِك: «لفُلانٍ»؟ فإنْ أراد تَمليكَه إياها وتَخصيصَه بها فقبِلها اختُصَّ بها، وإنْ قالَ: «أرَدتُ رَدَّها إلى جَميعِهم ليَرضَى فُلانٌ»، عادَت إلى جَميعِهم إذا قبِلوها، فإنْ قبِلَها بعضُهم دونَ بعضٍ فلمَن قبِلَ حِصتُه منها (١).
إذا رَدَّ الوَصيةَ بعدَ مَوتِ المُوصي هل له القَبولُ بعدَ ذلك؟
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ على أنَّ المُوصَى له إذا رَدَّ الوَصيةَ بعدَ مَوتِ المُوصي ولم يَقبلْها لم يَكنْ له أنْ يَقبلَها بعدَ هذا الإِيجابِ كالبَيعِ.
стр. 14682
قالَ الحَنفيةُ: ولو رَدَّها بعدَ المَوتِ ولم يَقبَلْها فهو رَدٌّ، ولا يَكونُ له أنْ يَقبلَ بعدَ هذا؛ لأنَّ الإِيجابَ بطَلَ بالرَّدِّ كإِيجابِ البَيعِ (١).
قالَ المالِكيةُ: إذا رَدَّ الوَصيةَ بعدَ مَوتِ المُوصي لم يَكنْ له القَبولُ بعدَ ذلك (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا رَدَّ الوَصيةَ بعدَ مَوتِ المُوصي فليسَ له الرُّجوعُ فيها.
قالَ العِمرانِيُّ: قالَ في «الأُم»: إذا رَدَّ المُوصَى له الوَصيةَ، ثم بَدا له غيرُ ذلك، وقالَ: «أُريدُ أنْ أرجِعَ فيها؛ لأنَّ الوارِثَ لم يَقبِضْها» لم يَكنْ للمُوصَى له ذلك؛ لأنَّ المُوصَى له لمَّا ملَكَ المُوصَى به وإنْ لم يَقبِضْه بالوَصيةِ ملَكَه الوارِثُ برَدِّ المُوصَى له، وإنْ لم يَقبِضْه الوارِثُ (٣).
وقالَ البُجَيرِميُّ الشافِعيُّ: وأمَّا ما بحَثَه بعضُ الشُّراحِ من عَودِ حَقِّه برُجوعِه قبلَ القِسمةِ لا بعدَها، تَنزيلًا لإِعراضِه مَنزلةَ الهِبةِ وللقِسمةِ مَنزلةَ قَبضِها، وكما لو أعرَضَ مالِكُ كِسرةٍ عنها له العَودُ لأَخذِها فبَعيدٌ، وقياسُه غيرُ مُسلَّمٍ؛ إذِ الإِعراضُ عنها ليسَ هِبةً ولا مُنزلًا مَنزلتَها؛ لأنَّ المُعرَضَ عنه هنا حَقُّ تَملُّكٍ، لا حَقُّ عَينٍ، ومن ثَمَّ جازَ من نَحوِ مُفلسٍ، ولأنَّ الإِعراضَ عن الكِسرةِ يُصيِّرُها مُباحةً لا مَملوكةً ولا مُستحَقةً للغيرِ، فجازَ للمُعرِضِ أَخذُها، والإِعراضُ هنا يَنقُلُ الحَقَّ للغيرِ فلم يَجُزْ له الرُّجوعُ فيه (٤).
стр. 14683
إذا ماتَ المُوصَى له قبلَ مَوتِ المُوصي:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُوصَى له إذا ماتَ قبلَ مَوتِ المُوصي فالوَصيةُ تَكونُ باطِلةً؛ لأنَّها عَطيةٌ صادَفَت المُعطَى مَيتًا فلم تَصحَّ، كما لو وهَبَ مَيتًا، وذلك؛ لأنَّ الوَصيةَ عَطيةٌ بعدَ المَوتِ، وإذا ماتَ قبلَ القَبولِ بطَلَت الوَصيةُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنْ ماتَ المُوصَى له قبلَ مَوتِ المُوصي بطَلَت الوَصيةُ، هذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، رُويَ ذلك عن علِيٍّ ﵁ وبه قالَ الزُّهريُّ وحَمادُ بنُ أَبي سُليمانَ ورَبيعةُ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ.
وقالَ الحَسنُ: تَكونُ لوَلدِ المُوصَى له، وقالَ عَطاءٌ: إذا علِمَ المُوصي بمَوتِ المُوصَى له ولم يُحدِثْ فيما أَوصَى به شَيئًا فهو لوارِثِ المُوصَى له؛ لأنَّه ماتَ قبلَ عَقدِ الوَصيةِ فيَقومُ الوارِثُ مَقامَه كما لو ماتَ بعدَ مَوتِ المُوصي وقبلَ القَبولِ.
ولنا: أنَّها عَطيةٌ صادَفَت المُعطَى مَيتًا فلم تَصحَّ، كما لو وهَبَ مَيتًا، وذلك لأنَّ الوَصيةَ عَطيةٌ بعدَ المَوتِ، وإذا ماتَ قبلَ القَبولِ بطَلَت الوَصيةُ أيضًا، وإنْ سلَّمنا بصِحتِها فإنَّ العَطيةَ صادَفَت حَيًّا بخِلافِ مَسألتِنا (١).
стр. 14684
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: إذا أَوصَى له وهو حَيٌّ ثم ماتَ المُوصَى له قبلَ مَوتِ المُوصي فقد بطَلَت وَصيتُه، كذلك قالَ لي مالِكٌ، وإنْ علِمَ المُوصي بمَوتِه فوَصيتُه باطِلةٌ (١).
وقالَ الماوَرديُّ: إنْ ماتَ المُوصَى له في حَياةِ المُوصي فالذي عليه جُمهورُ الفُقهاءِ أنَّ الوَصيةَ له قد بطَلَت، وليسَ لوارِثِه قَبولُها بعدَ مَوتِ المُوصي، وحُكيَ عن الحَسنِ البَصريِّ أنَّ الوَصيةَ لا تَبطلُ بمَوتِه ولوَرثتِه قَبولُها، وهذا فاسِدٌ من وَجهَينِ: أنَّ الوَصيةَ في غيرِ حَياةِ المُوصي غيرُ لازِمةٍ، وما ليسَ بلازِمٍ من العُقودِ يَبطلُ بالمَوتِ، ولأنَّ الوَصيةَ له لا لوَرثتِه، وهو لا يَملكُ الوَصيةَ في حَياةِ المُوصي (٢).
وهذا الاتِّفاقُ السابِقُ فيما لو كانَ الإِيصاءُ بغيرِ قَضاءِ الدَّينِ، فإنْ أَوصَى له بقَضاءِ دَينِه ثم ماتَ لم تَبطُلِ الوَصيةُ.
قالَ المِرداويُّ: لو ماتَ المُوصَى له بقَضاءِ دَينِه قبلَ مَوتِ المُوصي لم تَبطُلِ الوَصيةُ بلا نِزاعٍ؛ لأنَّ تَفريغَ ذِمةِ المَدينِ بعدَ مَوتِه كتَفريغِها قبلَه؛ لوُجودِ الشُّغلِ في الحالَينِ كما لو كانَ حَيًّا. ذكَرَه الحارِثيُّ (٣).
стр. 14685
إذا ماتَ المُوصَى له بعدَ قَبولِ الوَصيةِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ المُوصَى له إذا قبِلَ الوَصيةَ بعدَ مَوتِ المُوصي ثم ماتَ فقد ملَكَ الوَصيةَ وانتقَلَت إلى وَرثتِه سَواءٌ قبَضَها المُوصَى له في حَياتِه أو لا؛ لأنَّ القَبضَ ليسَ بشَرطٍ في تَملُّكِ الوَصيةِ (١).
إذا ماتَ المُوصَى له قبلَ أنْ يَقبلَ أو يَردَّ الوَصيةَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ماتَ المُوصَى له قبلَ أنْ يَقبلَ أو يَردَّ الوَصيةَ هل يَقومُ وارِثُ المُوصَى له مَقامَه في القَبولِ أو الرَّدِّ أو تَبطلُ الوَصيةُ بذلك أو تَنتقِلُ الوَصيةُ إلى وارِثِه وتَدخلُ في مِلكِه بغيرِ قَبولٍ منه؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: أنَّ المُوصَى له إذا ماتَ قبلَ أنْ يَقبلَ أو يَردَّ قامَ وارِثُه في ذلك مَقامَه، إذا كانَ مَوتُه بعدَ مَوتِ المُوصي، وإلى هذا ذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ؛ لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ ترَكَ حَقًّا فلوَرثتِه» (٢)، والقَبولُ حَقٌّ للمُورِّثِ فثبَتَ للوارِثِ كبَقيةِ الحُقوقِ، ولأنَّ ما استحَقَّه في التَّركةِ لم يَسقُطْ بالمَوتِ كالدَّينِ، ولأنَّ كلَّ سَببٍ استحَقَّ به تَملُّكَ عَينٍ بغيرِ اختِيارِ مالِكِها لم يَبطُلْ بمَوتِه قبلَ تَملُّكِها كالرَّدِّ بالعَيبِ.
стр. 14686
ولأنَّه خيارٌ ثابِتٌ في تَملُّكِ المالِ فقامَ الوارِثُ مَقامَه كخيارِ الشُّفعةِ، وفارَقَت الوَصيةُ الهِبةَ من حيثُ إنَّ الهِبةَ قبلَ القَبضِ غيرُ لازِمةٍ فجازَ أنْ تَبطُلَ بالمَوتِ، والوَصيةُ قبلَ القَبولِ لازِمةٌ فلم تَبطُلْ بالمَوتِ.
قالَ المالِكيةُ: وسَواءٌ ماتَ المُوصَى له المُعيَّنُ قبلَ عِلمِه بالوَصيةِ أو بعدَ عِلمِه، اللَّهمَّ إلا أنْ يَردَّ المُوصي المُوصَى له بعَينِه فليس لوارِثِه القَبولُ، وتَبطُلُ الوَصيةُ بمَوتِه.
إلا أنَّهم اختلَفوا هل للوَرثةِ أنْ يَردُّوها أو لا؟
فقالَ المالِكيةُ في المَذهبِ: تَجبُ الوَصيةُ لوَرثتِه وليسَ لهم أنْ يَردُّوها إلا على وَجهِ الهِبةِ لوَرثةِ المُوصي إنْ قبِلوا (١).
وقالَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إنَّ وَرثتَه مُخيَّرونَ بينَ القَبولِ والرَّدِّ؛ لأنَّه حَقٌّ ثبَتَ للمُورِّثِ فثبَتَ للوارثِ بعدَ مَوتِه، فعلى هذا إنْ رَدَّ الوارِثُ الوَصيةَ بطَلَت، وإنْ قبِلَها صَحَّت وثبَتَ المِلكُ بها،
стр. 14687
وإنْ كانَ الوارِثُ جَماعةً اعتُبِرَ القَبولُ أو الرَّدُّ من جَميعِهم، فإنْ رَدَّ بعضُهم وقبِلَ بعضٌ ثبَتَ للقابِلِ حِصتُه وبطَلَت الوَصيةُ في حَقِّ مَنْ رَدَّ.
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولو ماتَ المُوصي ثم ماتَ المُوصَى له قبلَ أنْ يَقبلَ أو يَردَّ كانَ لوَرثتِه أنْ يَقبَلوا أو يَردُّوا، فمَن قبلَ منهم فله نَصيبُه بمِيراثِه ممَّا قبِلَ، ومَن رَدَّ كانَ ما رَدَّ لوَرثةِ المَيتِ (١).
وقالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: إذا ماتَ المُوصَى له قبلَ قَبولِه ورَدِّه فعلى مَذهبِ الشافِعيِّ يَقومُ وارِثُه مَقامَه في القَبولِ والرَّدِّ، ولا تَبطُلُ الوَصيةُ بمَوتِه قبلَ القَبولِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: فإنْ كانَ فيهم مَنْ ليسَ من أهلِ التَّصرفِ قامَ وَليُّه مَقامَه في القَبولِ والرَّدِّ، وليسَ له أنْ يَفعلَ إلا ما للمَولَى عليه الحَظُّ فيه، فإنْ فعَلَ غيرُه لم يَصحَّ، فإذا كانَ الحَظُّ في قَبولِها فرَدَّها لم يَصحَّ رَدُّه وكانَ له قَبولُها بعدَ ذلك، وإنْ كانَ الحَظُّ في رَدِّها فقبِلَها لم يَصحَّ قَبولُه؛ لأنَّ الوَليَّ لا يَملِكُ التَّصرفَ في حَقِّ المَولى عليه بغيرِ ما له الحَظُّ فيه، فلو أَوصَى لصَبيٍّ بذي رَحمِه له يُعتَقُ بمِلكِه له وكانَ على الصَّبيِّ ضَررٌ في ذلك بأنْ تَلزمَه نَفقةُ المُوصَى به لكَونِه فَقيرًا لا كَسبَ له، والمَولَى عليه مُوسرٌ لم يَكنْ له قَبولُ الوَصيةِ، وإنْ لم يَكنْ عليه ضَررٌ لكَونِ المُوصَى به ذا كَسبٍ أو لكَونِ المَولَى عليه فَقيرًا لا تَلزمُه نَفقتُه تَعيَّن قَبولُ الوَصيةِ؛ لأنَّ في ذلك نَفعًا
стр. 14688
للمَولى عليه لعِتقِ قَرابتِه وتَحريرِه من غيرِ ضَررٍ يَعودُ عليه فتعَيَّن ذلك، واللهُ أعلَمُ (١).
القَولُ الثاني: الوَصيةُ تَبطلُ ولا يَقومُ الوارِثُ مَقامَه، ويَبطلُ حَقُّه من القَبولِ عليها، وهو قَولُ الأبهَريِّ من المالِكيةِ والحَنابِلةِ في رِوايةٍ؛ لأنَّه عَقدٌ يَفتقِرُ إلى القَبولِ، فإذا ماتَ مَنْ له القَبولُ قبلَه بطَلَ العَقدُ كالهِبةِ (٢).
القَولُ الثالِثُ: أنَّ المُوصَى له إذا ماتَ بعدَ مَوتِ المُوصي وقبلَ القَبولِ أو الرَّدِّ صارَ المُوصَى به مِلكًا لوَرثةِ المُوصَى له بغيرِ قَبولٍ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ في قَولٍ والحَنابِلةِ في قَولٍ وهذا استِحسانٌ عندَ الحَنفيةِ؛ لأنَّ الوَصيةَ من جانِبِ المُوصي قد تمَّت بمَوتِه تَمامًا لا يَلحقُه الفَسخُ من جِهتِه، وإنَّما تَوقَّفت لحَقِّ المُوصَى له، فإذا ماتَ دخَلَ في مِلكِه كما في البَيعِ المَشروطِ فيه الخيارُ إذا ماتَ قبلَ الإِجازةِ.
ولأنَّ أحدَ الرُّكنَينِ من جانِبِ المُوصَى له هو عَدمُ الرَّدِّ منه، وذلك بوُقوعِ اليَأسِ على الرَّدِّ منه، وقد حصَلَ ذلك بمَوتِه فتَمَّ الرُّكنُ.
وأمَّا على عِبارةِ القَبولِ فنَقولُ: إنَّ القَبولَ مِنْ المُوصَى له لا يُشتَرطُ لعَينِه، بل لوُقوعِ اليَأسِ عن الرَّدِّ وقد حصَلَ ذلك بمَوتِ المُوصَى له.
والقياسُ أنْ تَبطلَ الوَصيةُ؛ لأنَّ القَبولَ أحدُ رُكنَيِ العَقدِ وقد فاتَ
стр. 14689
بالمَوتِ فيَبطلَ الرُّكنُ الآخَرُ، كما إذا أوجَبَ البَيعَ ثم ماتَ المُشتَري قبلَ القَبولِ، أو أوجَبَ الهِبةَ ثم ماتَ المَوهوبُ له قبلَ القَبولِ، يَبطلُ الإِيجابُ لمَا قُلنا، كذا هذا.
وإنْ لم يَعلمِ المُوصَى له بالوَصيةِ حتى ماتَ أو علِمَ ولم يَقبَلْ حتى ماتَ فهو على القياسِ والاستِحسانِ اللذَينِ ذكَرنا (١).
وقالَ عَلاءُ الدِّينِ السَّمرقَنديُّ: ولو ماتَ المُوصَى له بعدَ مَوتِ المُوصي قبلَ القَبولِ والرَّدِّ فالقياسُ ألَّا يَكونَ لوَرثةِ المُوصَى له شَيءٌ؛ لأنَّ القَبولَ لم يُوجَدْ من المُوصَى له فيَبطلُ، وفي الاستِحسانِ يَصيرُ لوَرثتِه إمَّا لأنَّه وُجدَ القَبولُ منه دِلالةً أو لأنَّ الإِيجابَ قد تم بنَفسِه وتوقَّفَ على قَبولِه، فإذا ماتَ ثبَتَ المِلكُ له كأنَّه قبِلَ دِلالةً كالمُشتَري بالخيارِ إذا ماتَ يَلزمُ العَبدَ.
فلو رَدَّ وَرثتُه بعدَ مَوتِه هل يَصحُّ رَدُّهم؟ اختَلفَ المَشايخُ فيه: قيلَ: يَجوزُ الرَّدُّ؛ لأنَّه صَحَّ لوُجودِ القَبولِ منهم دِلالةً، فإذا وُجدَ الرَّدُّ صَريحًا يَبطلُ.
وقيلَ: لا يَجوزُ؛ لأنَّه صارَ مِيراثًا للوَرثةِ عن المُوصَى له لصَيرورتِه مِلكًا له بالمَوتِ ولا يَصحُّ رَدُّ المِيراثِ (٢).
стр. 14690
وقالَ أَبو القاسِمِ بنُ السِّمَنانِيِّ الحَنفيُّ ﵀: ولو ماتَ المُوصي ثم ماتَ بعدَه المُوصَى له ولم يَقبَلْ ولم يَردَّ فهو قَبولٌ، ويَنتقِلُ عندَ عُلمائِنا الثَّلاثةِ.
وقالَ زُفرُ: يَكونُ لوَرثةِ المُوصي ولا يَملكُها المُوصَى له كما لا يَملكُ البَيعَ بمَوتِ المُشتَري قبلَ القَبولِ.
وشبَّهَ أَصحابُنا ذلك بمَن له الخيارُ إذا ماتَ بطَلَ خيارُه وملَكَ الوَرثةُ ذلك؛ لأنَّ الوَصيةَ لزِمَت من جِهةِ المُوصي بحيث لا يَلحقُها الفَسخُ (١).
وقالَ أَبو الوَليدِ بنُ رُشدٍ: واختَلفَ إنْ ماتَ المُوصَى له بعدَ مَوتِ المُوصي قبلَ أنْ يَقبلَ، فقيل: إنَّ وَرثتَه يَنزِلونَ في القَبولِ أو الرَّدِّ مَنزلتَه، وهو قَولُ مالِكٍ في «المُدوَّنة».
وقيلَ: إنَّ الوَرثةَ لا يَنزِلونَ مَنزلتَه في ذلك، وتَبطلُ الوَصيةُ وتَرجعُ مِيراثًا لوَرثةِ المُوصي، وإلى هذا ذهَبَ أَبو بَكرٍ الأبْهَريُّ حَكاه عنه عبدُ الوَهابِ في «المُدوَّنة».
والقَولُ الثاني: تَجبُ له بمَوتِ المُوصي دونَ القَبولِ، وهو أحدُ قَولَيِ الشافِعيِّ، فعلى قَولِه إنْ ماتَ المُوصَى له بعدَ مَوتِ المُوصي وجَبَت الوَصيةُ لوَرثتِه، ولم يَكنْ لهم أنْ يَردُّوها إلا على وَجهِ الهِبةِ لوَرثةِ المُوصي إنْ قبِلوا، واللهُ أعلَمُ (٢).
стр. 14691
وقالَ الزَّركَشيُّ: وحَكى الشَّريفُ وأبو الخَطابِ وَجهًا أنَّها تَنتقِلُ -والحالُ هذه- إلى الوارِثِ بلا قَبولٍ، نَظرًا -واللهُ أعلَمُ- إلى أنَّ القَبولَ لمَّا تعذَّرَ ممَّن له الإِيجابُ سقَطَ اعتِبارُه لمَكانِ العُذرِ، كما لو كانَت الوَصيةُ للمَساكينِ (١).
إذا ماتَ قبلَ القَبولِ والرَّدِّ فقبِلَه وَرثتُه هل تَكونُ الوَصيةُ لهم أو للمُوصَى له؟
تقدَّمَ أنَّ المالِكيةَ في المَذهبِ والشافِعيةَ والحَنابِلةَ في المَذهبِ يَقولونَ: إنَّ المُوصَى له إذا ماتَ بعدَ مَوتِ المُوصي قامَ وارِثُه مَقامَه في القَبولِ والرَّدِّ -ويَكونُ الرَّدُّ على وَجهِ الهِبةِ عندَ المالِكيةِ كما تقدَّمَ-، فعلى هذا إذا رَدَّ جَميعُ الوَرثةِ الوَصيةَ كانَت مِلكًا لوَرثةِ المُوصي وبطَلَت الوَصيةُ.
أمَّا إنْ قبِلَها وَرثةُ المُوصَى له جَميعًا فقد اختَلفَ الفُقهاءُ فيها، هل يُقضَى منها دَينُ المُوصَى له ويُنفَّذُ منها وَصاياه أو تَكونُ لوَرثتِه؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَرثةَ إذا قبِلوها تَكونُ مِلكًا للمُوصَى له لا للوَرثةِ، يُقضَى منها دَينُ المُوصَى له ونفَذَت منها وَصاياه؛ لأنَّ الوارِثَ ملَكَها بما ورِثَه عن المُوصَى له من القَبولِ، فصارَ كالمَملوكِ من تَركتِه؛ لأنَّها لو لم تَدخُلْ في مِلكِه لبطَلَت؛ لأنَّ الوَرثةَ غيرُ مُوصًى لهم فلم يَجُزْ أنْ يَملكَ الوَصيةَ مَنْ لم يُوصِ له.
стр. 14692
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَصيةَ يَملكُها الوَرثةُ دونَ المُوصَى له؛ لأنَّها تَكونُ مِيراثًا.
قالَ الشافِعيةُ: لحُدوثِ المِلكِ بقَبولِهم فعلى هذا: لو كانَت الوَصيةُ مالًا: لم يَقضِ منها دُيونَ المُوصَى له ولا تَنفُذُ منها وَصيتُه (١).
ولم أقِفْ للمالِكيةِ والحَنابِلةِ على نَصٍّ صَريحٍ في هذا؛ فإنَّهم يَقولونَ: يَقومُ وارِثُه مَقامَه في القَبولِ والرَّدِّ ولم يَذكُروا هل يُقضَى منه دَينُ المُوصَى له أو لا.
إذا قبِلَ بعضُ الوَرثةِ ورَدَّ بعضُهم:
تقدَّمَ أنَّ الوَرثةَ إذا لم يَقبَلوا الوَصيةَ بطَلَت، وإنْ قبِلوها لا تخلو من حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَقبَلوها جَميعًا: فهذا لا خِلافَ فيه أنَّ الوَصيةَ صَحيحةٌ عندَ مَنْ يَقولُ: إنَّ القَبولَ للوَرثةِ.
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَقبلَ بعضُهم ويَردَّ بعضٌ: فمَن قبِلَ منهم فله حُكمُه من لُزومِ الوَصيةِ في نَصيبِه.
ومَن رَدَّ منهم فله حُكمُه من سُقوطِ حَقِّه من نَصيبِه وعَودِه لوَرثةِ المُوصي، وهذا تَفصيلُ مَذهبِ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ.
стр. 14693
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: لو ماتَ المُوصي ثم ماتَ المُوصَى له قبلَ أنْ يَقبلَ أو يَردَّ كانَ لوَرثتِه أنْ يَقبَلوا أو يَردُّوا فمَن قبِلَ منهم فله نَصيبُه بمِيراثِه ممَّا قبِلَ، ومَن رَدَّ كانَ ما رَدَّ لوَرثةِ المَيتِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ رَدَّ الوارِثُ الوَصيةَ بطَلَت، وإنْ قبِلَها صَحَّت وثبَتَ المِلكُ بها، وإنْ كانَ الوارِثُ جَماعةً اعتُبِرَ القَبولُ أو الرَّدُّ من جَميعِهم، فإنْ رَدَّ بعضُهم وقبِلَ بعضٌ ثبَتَ للقابِلِ حِصتُه وبطَلَت الوَصيةُ في حَقِّ مَنْ رَدَّ.
فإنْ كانَ فيهم مَنْ ليسَ من أهلِ التَّصرفِ قامَ وَليُّه مَقامَه في القَبولِ والرَّدِّ، وليسَ له أنْ يَفعلَ إلا ما للمَولَى عليه الحَظُّ فيه، فإنْ فعَلَ غيرُه لم يَصحَّ، فإذا كانَ الحَظُّ في قَبولِها فرَدَّها لم يَصحَّ رَدُّه وكانَ له قَبولُها بعدَ ذلك، وإنْ كانَ الحَظُّ في رَدِّها فقبِلَها لم يَصحَّ قَبولُه؛ لأنَّ الوَليَّ لا يَملِكُ التَّصرفَ في حَقِّ المَولَى عليه بغيرِ ما له الحَظُّ فيه (٢).
قَبولُ بعضِ الوَصيةِ ورَدُّ بعضِها:
اختَلفَ فُقهاءُ الشافِعيةِ فيما لو قبِلَ المُوصَى له بعضَ المُوصَى به ورَدَّ بعضًا، هل تَصحُّ الوَصيةُ أو تَبطلُ؟
стр. 14694
احتِمالانِ:
أحدُهما: تَبطلُ كما رجَّحَه الشَّيخُ زَكريا الأَنصاريُّ (١).
والثاني: تَصحُّ الوَصيةُ كالهِبةِ كما رجَّحَه بعضُ اليَمانيِّينَ ورجَّحَه الخَطيبُ الشِّربينيُّ وقالَ: والفَرقُ بينَهما -أي: الوَصيةِ والهِبةِ- وبينَ البَيعِ فيما إذا قبِلَ بعضَه حيثُ لم يَصحَّ أنَّ البَيعَ فيه المُعاوضةُ فلم يُغتفَرْ فيه ما اغتُفِرَ فيهما (٢).
القَبولُ على الفَورِ أم على التَّراخي:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ -وهو مُقتَضى كَلامِ الحَنفيةِ- إلى أنَّه لا يُشتَرطُ في القَبولِ الفَورُ بعدَ مَوتِ المُوصي، بل يَصحُّ مُتراخيًا؛ لأنَّ الفَورَ إنَّما يُشتَرطُ في العُقودِ الناجِزةِ التي يُعتبَرُ فيها ارتِباطُ القَبولِ بالإِيجابِ، مع أنَّه لو اشتُرطَ الفَورُ لاشتُرطَ عَقبَ الإِيجابِ، ويُفارقُ الرَّدَّ بالعَيبِ والأخذَ بالشُّفعةِ؛ لأنَّهما لدَفعِ الضَّررِ فيَبطُلانِ بالتَّأخيرِ.
قالَ الشافِعيةُ: وهذا إذا كانَ المُوصَى له مُطلَقَ التَّصرفِ، فإنْ كانَ مَحجورًا عليه لسَفهٍ أو صِغرٍ وكذا بَقيةُ المَحاجيرِ فيَلزمُ وَليَّه القَبولُ أو الرَّدُّ فَورًا بحَسبِ المَصلحةِ؛ فإنِ امتنَعَ منه عندَ المَصلحةِ عِنادًا انعزَلَ، وإنِ امتنَعَ مُتأوَّلًا أو امتَنعَ مِنْ قَبولِ بعضِه قامَ القاضي مَقامَه في القَبولِ ولا يَردُّ (٣).
стр. 14695
وفي وَجهٍ للشافِعيةِ يُشتَرطُ الفَورُ في القَبولِ بعدَ المَوتِ، قالَ النَّوويُّ: وليسَ بشَيءٍ (١).
متى يُحكمُ بدُخولِ المُوصَى به في مِلكِ المُوصَى له؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوصَى به متى يَدخلُ في مِلكِ المُوصَى له، هل يَكونُ بمَوتِ المُوصي أو بقَبولِه بعدَ مَوتِ المُوصي أو هو مَوقوفٌ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المِلكَ في المُوصَى به يَثبُتُ للمُوصَى له بقَبولِه؛ لأنَّه تَمليكٌ بعَقدٍ فيَتوقَّفُ على القَبولِ كالبَيعِ.
وعليه فما حصَلَ من كَسبٍ أو نَماءٍ مُنفصلٍ في المُوصَى به بعدَ مَوتِ المُوصي وقبلَ القَبولِ والنَّماءِ المُنفصلِ كالوَلدِ والثَّمرةِ والكَسبِ فلوَرثةِ المُوصي؛ لأنَّه مِلكُهم فنَماؤُه لهم، وتَتبعُها الزِّيادةُ المُتصلةُ.
قالَ الشافِعيةُ: وسَواءٌ قبِلَ الوَصيةَ أو رَدَّها.
وفي وَجهٍ للشافِعيةِ أنَّه إذا قبِلَ الوَصيةَ تَكونُ الزَّوائدُ له؛ لأنَّ له حَقَّ التَّمليكِ من حينِ المَوتِ، فهي حادِثةٌ في مَحلِّ حَقِّه.
стр. 14696
قالَ النَّوويُّ: وحيث قُلنا تَرتدُّ الزَّوائدُ فإلى مَنْ تَرتدُّ؟ وَجهانِ: أحدُهما: إلى المُوصي فتَكونُ من جُملةِ تَركتِه يُقضَى منها دَينُه، وتَنفُذُ وَصاياه كالأَصلِ.
وأَصحُّهما: أنَّها للوارِثِ؛ لأنَّها حدَثَت بعدَ زَوالِ مِلكِ المُوصي (١).
قالَ الحَنفيةُ: المُوصَى به يُملَكُ بالقَبولِ؛ لأنَّ الوَصيةَ مُثبِتةٌ للمِلكِ، والقَبولُ شَرطٌ للدُّخولِ فيه، فإنْ قبِلَ المُوصَى له الوَصيةَ بعدَ مَوتِ المُوصي يَثبُتُ المِلكُ له في المُوصَى به قبَضَه أو لم يَقبِضْه، وإنْ رَدَّ المُوصَى له الوَصيةَ بطَلَت برَدِّه.
إلا في مَسألةٍ واحِدةٍ، وهي أنْ يَموتَ المُوصي ثم يَموتَ المُوصَى له قبلَ القَبولِ والرَّدِّ، فيَدخلُ المُوصَى به في مِلكِ وَرثةِ المُوصَى له؛ لأنَّ الوَصيةَ قد تمَّت من جانِبِ المُوصي بمَوتِه تَمامًا لا يَلحقُه الفَسخُ من جِهتِه، وإنَّما تُوقفَ لحَقِّ المُوصَى له، فإذا ماتَ دخَلَ في مِلكِه كما في البَيعِ المَشروطِ فيه الخيارِ للمُشتَري إذا ماتَ قبلَ الإِجازةِ (٢).
стр. 14697
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في وَجهٍ ذكَرَه أَبو الخَطابِ إلى أنَّ مِلكَ الوَصيةِ مَوقوفٌ ومَعنى الوَقفِ هنا: عَدمُ الحُكمِ عليه عقِبَ المَوتِ بشَيءٍ، فإنْ قبِلَ المُوصَى له تَبيَّنَّا أنَّ المِلكَ ثبَتَ له من حين مَوتِ المُوصي.
وإنْ لم يَقبَلْ تَبيَّنَّا أنَّه لم يَملِكْ، وأنَّ المِلكَ بعدَ المَوتِ كانَ للوَرثةِ؛ لأنَّ المُوصَى به بعدَ مَوتِ المُوصي لا يَخلو إمَّا أنْ يُقالَ: إنَّه مِلكٌ للمَيتِ، أو يُقالَ: إنَّه دخَلَ في مِلكِ الوَرثةِ، أو يُقالَ: إنَّه قد ملَكَه المُوصَى له، أو يُقالُ: إنَّه مُراعًى، فبطَلَ أنْ يُقالَ: إنَّه مِلكٌ للمَيتِ؛ لأنَّه جَمادٌ لا يَملكُ، وبطَلَ أنْ يُقالَ: إنَّه مِلكٌ للوَرثةِ؛ لأنَّهم لا يَملِكونَ إلا بعدَ الدَّينِ والوَصيةِ، ولأنَّه خِلافُ الإِجماعِ، وبطَلَ أنْ يُقالَ: إنَّه قد دخَلَ في مِلكِ المُوصَى له؛ لأنَّه لو ملَكَه لمَا صَحَّ رَدُّه له كالمِيراثِ.
فإذا بطَلَت هذه الأَقسامُ ثبَتَ أنَّه مُراعًى.
وعلى هذا تَكونُ الثَّمرةُ والكَسبُ وسائِرُ زَوائِدِ المُوصَى به إنْ حصَلَت قبلَ مَوتِ المُوصي فهي له ولا تَتناوَلُها الوَصيةُ، وإنْ حصَلَت بعدَ المَوتِ وقبلَ القَبولِ فهي للمُوصَى له وعليه المُؤنةُ، ولو رَدَّه ولم يَقبَلْ يَكونُ ما ذكَرَ للوارِثِ.
قالَ الشافِعيةُ: ويُطالَبُ المُوصَى له بالنَّفقةِ إنْ توقَّفَ في قَبولِه ورَدِّه، فإنْ لم يَقبَلْ ولم يَردَّ خيَّرَه الحاكِمُ بينَهما، فإنْ أبَى حكَمَ عليه بالإِبطالِ،
стр. 14698
كمُتحجِّرٍ امتنَعَ من الإِحياءِ، والكَلامُ في المُطالَبةِ حالًا، أمَّا النِّسبةُ لما يَستقِرُّ عليه الأمرُ فهي على المُوصَى له إنْ قبِلَ وعلى الوارِثِ إنْ رَدَّ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ المُوصَى له يَملِكُ الوَصيةَ بمَوتِ المُوصي؛ لأنَّه مالٌ مُستحَقٌّ بالمَوتِ فانتقَلَ إليه بالمَوتِ كالمِيراثِ.
وعليه تَكونُ الزَّوائدُ الحاصِلةُ بعدَ مَوتِ المُوصي للمُوصَى له؛ لأنَّ المِلكَ انتقَلَ إليه بمُجردِ المَوتِ، فإذا كانَ المُوصَى به شَجرًا أثمَرَ بعدَ المَوتِ أو غَنمًا نَما عليها صُوفٌ بعدَ المَوتِ وقبلَ القَبولِ وكذا سائِرُ الغَلَّاتِ تَكونُ للمُوصَى له، بخِلافِ ما حدَثَ من الغَلَّاتِ قبلَ المَوتِ؛ فإنَّه من جُملةِ مالِ المُوصي بلا نِزاعٍ (٢).
قالَ الشافِعيةُ في هذا القَولِ: سَواءٌ قبِلَ الوَصيةَ أو رَدَّها، وفي وَجهٍ أنَّه إذا رَدَّ الوَصيةَ تَرتَدُّ الزَّوائدُ (٣).
стр. 14699
قالَ الدُّسوقيُّ: وحاصِلُها أنَّ غَلةَ المُوصَى به الحادِثةَ بعدَ المَوتِ وقبلَ القَبولِ: قيلَ: كلُّها للمُوصَى له. وقيلَ: كلُّها للمُوصي. وقيلَ: له ثُلثُها فقط، وهو المُشارُ له بقَولِ المُصنفِ: «وقَومٌ بغَلةٍ … إلخ».
وسَببُ هذا الخِلافِ الواقِعِ في الغَلةِ المَذكورةِ الخِلافُ في أنَّ المُعتبَرَ في تَنفيذِ الوَصيةِ هل هو وَقتُ قَبولِ المُعيَّنِ لها؛ إذْ مُقتَضى كَونِ قَبولِ المُعيَّنِ بعدَ المَوتِ شَرطًا في تَنفيذِ الوَصيةِ أنْ يَكونَ المُعتبَرُ في تَنفيذِها وَقتَ القَبولِ، فإذا تأخَّرَ القَبولُ حتى حدَثَت الغَلةُ بعدَ المَوتِ لا يَكونُ شَيءٌ منها للمُوصَى له، بل كلُّها للمُوصي، أو المُعتبَرُ في تَنفيذِها هو وَقتُ المَوتِ؛ لأنَّ المِلكَ للمُوصَى له بالمَوتِ ومُقتَضى كَونِ المِلكِ له بالمَوتِ، أو تَكونُ الغَلةُ المَذكورةُ كلُّها للمُوصَى له، أو المُعتبَرُ في تَنفيذِها الأمرانِ معًا وهُما وَقتُ القَبولِ ووَقتُ المَوتِ لكَونِ القَبولِ شَرطًا في تَنفيذِها والمِلكُ بالمَوتِ؟
أَقوالٌ ثَلاثةٌ، فمَن اعتبَرَ في تَنفيذِها وَقتَ قَبولِ المُعيَّنِ لها فقط قالَ: الغَلةُ كلُّها للمُوصي، ومَن اعتبَرَ في تَنفيذِها وَقتَ المَوتِ فقط قالَ: كلُّها للمُوصَى له، ومَن راعَى الأمرَينِ معًا أعطَى للمُوصَى له منها ثُلثَها، ومُراعاةُ الأمرَينِ معًا هو المَشهورُ، وأَعدَلُ الأَقوالِ عندَ سحنونٍ وهو مَعنى قَولِ «المَج» العِبرةُ بيَومِ النُّفوذِ، فالغَلةُ قبلَه بعدَ المَوتِ تَركةٌ تَسري الوَصيةُ لثُلثِها (١).
стр. 14700
التَّصرفُ في المُوصَى به قبلَ القَبولِ:
ذهَبَ عامَّةُ العُلماءِ إلى أنَّ المُوصَى له لا يَجوزُ له التَّصرفُ في العَينِ المُوصَى بها ببَيعٍ أو إِجارةٍ أو رَهنٍ أو غيرِها قبلَ القَبولِ لعَدمِ مِلكِه لها.
أمَّا بعدَ ثُبوتِ المِلكِ بالقَبولِ فيَجوزُ تَصرُّفُه فيه ولو كانَ قبلَ القَبضِ ولو كانَ مَكيلًا ونَحوَه كما نَصَّ على ذلك الحَنابِلةُ؛ لأنَّ المِلكَ استقَرَّ فيه بالقَبولِ فلا يُخشَى انفِساخُه، ولا رُجوعَ ببَدلِه على أحدٍ كالوَديعةِ، بخِلافِ المَبيعِ؛ لأنَّه يُخشَى انفِساخُ البَيعِ فيه (١).
تَعليقُ الوَصيةِ على شَرطٍ وإِضافتُها إلى وَقتٍ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على جَوازِ تَعليقِ الوَصيةِ على شَرطٍ في حَياةِ المُوصي أو بعدَ مَوتِه إذا لم يَكنْ شَرطًا يُنافي مُقتَضى عَقدِ الوَصيةِ، وعلى جَوازِ إِضافتِها إلى وَقتٍ.
قالَ الحَنفيةُ: الإِيصاءُ -وهو إِقامةُ الشَّخصِ مَقامَ نَفسِه في التَّصرفِ بعدَ المَوتِ-، والوَصيةُ -وهي تَمليكُ المالِ بعدَ المَوتِ-، لا يَكونانِ إلا مُضافَينِ؛ إذِ الإِيصاءُ في الحالِ لا يُتصوَّرُ إلا إذا جُعلَ مَجازًا عن الوَكالةِ.
ولو قالَ لمَدينِه: «إذا مِتُّ فأنتَ بَريءٌ من دَيني الذي عليك»، صَحَّت وَصيتُه؛ لأنَّ تَعليقَ الوَصيةِ بالشَّرطِ جائِزٌ.
стр. 14701
ولو قالَ: «إنْ مِتَّ -بفَتحِ التاءِ- فأنتَ بَريءٌ»، لا تَصحُّ؛ لأنَّه تَعليقٌ بخَطرٍ، والمُرادُ بالخَطرِ هنا التَّعليقُ على مَعدومٍ مُترقَّبِ الوُقوعِ، وإنْ كانَ لا بُدَّ من وُقوعِه كالمَوتِ ومَجيءِ الغَدِ، واحتُرزَ به عما لو علَّقَ الإِبراءَ بشَرطٍ كائِنٍ، كقَولِه لمَدينِه: «إنْ كانَ لي عليكَ دَينٌ فقد أبرَأتُك عنه» فإنَّه يَصحُّ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَصحُّ تَعليقُ الوَصيةِ على شَرطٍ، فإذا قالَ المُوصي في صيغةِ وَصيتِه: «إنْ مِتُّ من مَرضي هذا أو مِتُّ من سَفري هذا فلفُلانٍ كذا»، ولم يَمُت من مَرضِه أو من سَفرِه بأنْ صَحَّ من مَرضِه أو قدِمَ من سَفرِه؛ فإنَّ الوَصيةَ تَبطلُ؛ لأنَّه علَّقَ الوَصيةَ بالمَوتِ فيهما، وهو لم يَمُتْ.
ومَحلُّ البُطلانِ إنْ لم يَكتُبْها في كِتابٍ أو كتَبَها فيه ولم يُخرِجْه من يَدِه، أو أخرَجَه إلا أنَّه استرَدَّه بعدَ رُجوعِه من سَفرِه أو بعدَ صِحتِه من مَرضِه.
وكذا لو كانَت في كِتابٍ ولم يُخرِجْه من يَدِه وماتَ من غيرِ ذلك المَرضِ أو ذلك السَّفرِ؛ فإنَّها أيضًا تَبطلُ.
أمَّا إنْ كتَبَها في كِتابٍ وأخرَجَه من يَدِه ولم يَستردَّه ممَّن أعطاه له حتى ماتَ؛ فإنَّ الوَصيةَ لا تَبطلُ.
وإذا قالَ: «متى حدَثَ لي المَوتُ أو إذا مِتُّ أو متى مِتُّ فلفُلانٍ في مالي كذا» فإنَّ الوَصيةَ تَكونُ نافِذةً صَحيحةً، وهذا إذا كانَت بغيرِ كِتابٍ
стр. 14702
وأشهَدَ أو بكِتابٍ ولم يُخرِجْه أو أخرَجَه ولم يَستردَّه بعدَ ذلك، وأمَّا إنِ استَردَّه فإنَّها تَبطلُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: يَجوزُ تَعليقُ الوَصيةِ على شَرطٍ في حَياةِ المُوصي، بأنْ يَقولَ: «إنْ حَجَّ فُلانٌ في حَياتي أو قدِمَ في حَياتي فقد أَوصَيت له بكذا؛ لأنَّ الوَصيةَ تَصحُّ في المَجهولِ، فصَحَّ تَعليقُها على شَرطٍ كالطَّلاقِ والعِتاقِ».
ويَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ بعدَ مَوتِ المُوصي، بأنْ يَقولَ: «إنْ حَجَّ فُلانٌ بعدَ مَوتي، أو تعلَّمَ القُرآنَ أو إنْ تزوَّجَ بِنتي أو إنْ رجَعَ من سَفرِه وما أشبَهَه فقد أَوصَيت له بكذا»؛ لأنَّ ما بعدَ المَوتِ في الوَصيةِ كحالِ الحَياةِ، فإذا جازَ تَعليقُ الوَصيةِ على شَرطٍ في حالةِ الحَياةِ جازَ بعدَ المَوتِ.
وكذا يَصحُّ تَعليقُها بمَرضِه ك «إنْ مِتُّ في مَرضي هذا فأَعطوا فُلانًا» فإنْ بَرئَ وماتَ بغيرِه بطَلَت، وإنْ ماتَ منه صَحَّت (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ الوَصيةُ مُطلَقةً ومُقيَّدةً:
فالمُطلَقةُ أنْ يَقولَ: «أَوصَيت لفُلانٍ بكَذا»، أو «إنْ مِتُّ فثُلثُ مالي لزَيدٍ أو للمَساكينِ».
والمُقيَّدةُ أنْ يَقولَ: «إنْ مِتُّ في مَرَضي هذا أو بَلَدي هذا أو عامي
стр. 14703
هذا أو في هذه السَّفرةِ فلزَيدٍ كذا»؛ لأنَّه تَبرعٌ يَملِكُ تَنجيزَه فملَكَ تَعليقَه كالعِتقِ، فإنْ بَرئَ المُوصي من مَرضِه أو قدِمَ المُوصي من سَفرِه أو خرَجَ من البَلدةِ ثم ماتَ بطَلَت الوَصيةُ المُقيَّدةُ لعَدمِ وُجودِ شَرطِها وبَقيَت المُطلَقةُ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: فَصلٌ: نقَلَ الحَسنُ بنُ ثَوابٍ عن أَحمدَ في رَجلٍ قالَ: «هذا ثُلثي لفُلانٍ، ويُعطَى فُلانٌ منه مِئةً في كلِّ شَهرٍ إلى أنْ يَموتَ، فهو للآخَرِ منهما، ويُعطَى هذا مِئةٌ في كلِّ شَهرٍ، فإنْ ماتَ وفضَلَ شَيءٌ رُدَّ إلى صاحِبِ الثُّلثِ»، فحُكمُ الوَصيةِ وإِنفاذُها على ما أمَرَ به المُوصي (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ أيضًا: إنْ وَصَّى لزَوجتِه وشرَطَ في وَصيتِه عَدمَ تَزويجِها فوافَقَت وأخَذَت الوَصيةَ ثم تزوَّجَت رَدَّت ما أخَذَت؛ لبُطلانِ الوَصيةِ بفَواتِ شَرطِها.
قالَ البُهوتيُّ: وإنْ دفَعَ لزَوجتِه مالًا على ألَّا تَتزوَّجَ بعدَ مَوتِه فتَزوَّجت ردَّت المالَ إلى وَرثتِه نَصًّا، وإنْ أَعطَته مالًا على ألَّا يَتزوَّجَ عليها رَدَّه إذا تزوَّجَ (٣).
стр. 14704
الرُّكنُ الثاني: المُوصي:
المُوصي: هو المُتبَرِّعُ الذي صدَرَت منه الوَصيةُ أو هو الآمِرُ بالتَّصرفِ.
اشتَرَط الفُقهاءُ في المُوصي عِدةَ شُروطٍ، بعضُها مُتَّفقٌ عليه وبعضُها مُختلَفٌ فيه، وهي على التَّفصيلِ الآتي:
١ - العَقلُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يُشتَرطُ في المُوصي أنْ يَكونَ عاقِلًا، فلا تَصحُّ وَصيةُ المَجنونِ في حالِ جُنونِه، وكذا المَعتوهُ والمُغمَى عليه؛ لأنَّ صِحةَ الوَصيةِ تَتعلَّقُ بالقَولِ، وقَولُ مَنْ هذه صِفتُه مُلغًى، والبِرسامُ والعَتهُ نَوعانِ من اختِلالِ العَقلِ كالمَجنونِ.
قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ: وأمَّا الذي يَرجعُ إلى المُوصي فأَنواعٌ، منها أنْ يَكونَ من أهلِ التَّبرعِ في الوَصيةِ بالمالِ وما يَتعلَّقُ به؛ لأنَّ الوَصيةَ بذلك تَبرعٌ بإِيجابِه بعدَ مَوتِه فلا بُدَّ من أَهليةِ التَّبرعِ، فلا تَصحُّ من الصَّبيِّ والمَجنونِ؛ لأنَّهما ليسا من أهلِ التَّبرعِ؛ لكَونِه من التَّصرفاتِ الضارةِ المَحضةِ؛ إذْ لا يُقابِلُه عِوضٌ دُنيويٌّ (١).
وقالَ ابنُ جُزيٍّ: المُوصي: هو كلُّ مالِكٍ حُرٍّ مُميِّزٍ، فلا تَصحُّ من المَجنونِ إلا حالَ إِفاقتِه (٢).
стр. 14705
قالَ الشافِعيةُ: المُوصي إنْ كانَ جائِزَ التَّصرفِ في مالِه جازَت وَصيتُه للأَخبارِ، وإنْ لم يَكنْ جائِزَ التَّصرفِ كالمَجنونِ والمُبَرسَمِ والمَعتوهِ فلا تَصحُّ وَصيتُه؛ لأنَّ صِحةَ الوَصيةِ تَتعلَّقُ بالقَولِ، وقَولُ مَنْ هذه صِفتُه مُلغًى، والبِرسامُ والعَتهُ نَوعانِ من اختِلالِ العَقلِ كالمَجنونِ، والصَّبيُّ غيرُ المُميِّزِ كالمَجنونِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: أمَّا الطِّفلُ -وهو مَنْ له دونَ السَّبعِ-، والمَجنونُ والمُبَرسَمُ فلا وَصيةَ لهم، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهم حُمَيدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ ومالِكٌ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ ﵃، وأَصحابُ الرأيِ ومَن تبِعَهم، ولا نَعلَمُ أحدًا خالَفَهم إلا إِياسَ بنَ مُعاويةَ قالَ في الصَّبيِّ والمَجنونِ: إذا وافَقَت وَصيَّتُهما الحَقَّ جازَت، وليسَ بصَحيحٍ؛ فإنَّه لا حُكمَ لكَلامِهما ولا تَصحُّ عِبادتُهما ولا شَيءَ من تَصرُّفاتِهما، فكذا الوَصيةُ، بل أوْلى؛ فإنَّه إذا لم يَصحَّ إِسلامُهما وصَلاتُهما التي هي مَحضُ نَفعٍ لا ضَررَ فيها، فلَأنْ يَكونا لا يَصحُّ بَذلُهما المالَ يَتضرَّرُ به وارِثُهما أوْلى، ولأنَّها تَصرفٌ يَفتقِرُ إلى إِيجابٍ وقَبولٍ فلا يَصحُّ منهما كالبَيعِ والهِبةِ.
ثم قالَ: وأمَّا الذي يُجَنُّ أَحيانًا ويُفيقُ أَحيانًا فإنْ وَصَّى حالَ جُنونِه