ولو قالَ: «إنْ مِتَّ -بفَتحِ التاءِ- فأنتَ بَريءٌ»، لا تَصحُّ؛ لأنَّه تَعليقٌ بخَطرٍ، والمُرادُ بالخَطرِ هنا التَّعليقُ على مَعدومٍ مُترقَّبِ الوُقوعِ، وإنْ كانَ لا بُدَّ من وُقوعِه كالمَوتِ ومَجيءِ الغَدِ، واحتُرزَ به عما لو علَّقَ الإِبراءَ بشَرطٍ كائِنٍ، كقَولِه لمَدينِه: «إنْ كانَ لي عليكَ دَينٌ فقد أبرَأتُك عنه» فإنَّه يَصحُّ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَصحُّ تَعليقُ الوَصيةِ على شَرطٍ، فإذا قالَ المُوصي في صيغةِ وَصيتِه: «إنْ مِتُّ من مَرضي هذا أو مِتُّ من سَفري هذا فلفُلانٍ كذا»، ولم يَمُت من مَرضِه أو من سَفرِه بأنْ صَحَّ من مَرضِه أو قدِمَ من سَفرِه؛ فإنَّ الوَصيةَ تَبطلُ؛ لأنَّه علَّقَ الوَصيةَ بالمَوتِ فيهما، وهو لم يَمُتْ.
ومَحلُّ البُطلانِ إنْ لم يَكتُبْها في كِتابٍ أو كتَبَها فيه ولم يُخرِجْه من يَدِه، أو أخرَجَه إلا أنَّه استرَدَّه بعدَ رُجوعِه من سَفرِه أو بعدَ صِحتِه من مَرضِه.
وكذا لو كانَت في كِتابٍ ولم يُخرِجْه من يَدِه وماتَ من غيرِ ذلك المَرضِ أو ذلك السَّفرِ؛ فإنَّها أيضًا تَبطلُ.
أمَّا إنْ كتَبَها في كِتابٍ وأخرَجَه من يَدِه ولم يَستردَّه ممَّن أعطاه له حتى ماتَ؛ فإنَّ الوَصيةَ لا تَبطلُ.
وإذا قالَ: «متى حدَثَ لي المَوتُ أو إذا مِتُّ أو متى مِتُّ فلفُلانٍ في مالي كذا» فإنَّ الوَصيةَ تَكونُ نافِذةً صَحيحةً، وهذا إذا كانَت بغيرِ كِتابٍ
стр. 14702
وأشهَدَ أو بكِتابٍ ولم يُخرِجْه أو أخرَجَه ولم يَستردَّه بعدَ ذلك، وأمَّا إنِ استَردَّه فإنَّها تَبطلُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: يَجوزُ تَعليقُ الوَصيةِ على شَرطٍ في حَياةِ المُوصي، بأنْ يَقولَ: «إنْ حَجَّ فُلانٌ في حَياتي أو قدِمَ في حَياتي فقد أَوصَيت له بكذا؛ لأنَّ الوَصيةَ تَصحُّ في المَجهولِ، فصَحَّ تَعليقُها على شَرطٍ كالطَّلاقِ والعِتاقِ».
ويَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ بعدَ مَوتِ المُوصي، بأنْ يَقولَ: «إنْ حَجَّ فُلانٌ بعدَ مَوتي، أو تعلَّمَ القُرآنَ أو إنْ تزوَّجَ بِنتي أو إنْ رجَعَ من سَفرِه وما أشبَهَه فقد أَوصَيت له بكذا»؛ لأنَّ ما بعدَ المَوتِ في الوَصيةِ كحالِ الحَياةِ، فإذا جازَ تَعليقُ الوَصيةِ على شَرطٍ في حالةِ الحَياةِ جازَ بعدَ المَوتِ.
وكذا يَصحُّ تَعليقُها بمَرضِه ك «إنْ مِتُّ في مَرضي هذا فأَعطوا فُلانًا» فإنْ بَرئَ وماتَ بغيرِه بطَلَت، وإنْ ماتَ منه صَحَّت (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ الوَصيةُ مُطلَقةً ومُقيَّدةً:
فالمُطلَقةُ أنْ يَقولَ: «أَوصَيت لفُلانٍ بكَذا»، أو «إنْ مِتُّ فثُلثُ مالي لزَيدٍ أو للمَساكينِ».
والمُقيَّدةُ أنْ يَقولَ: «إنْ مِتُّ في مَرَضي هذا أو بَلَدي هذا أو عامي
стр. 14703
هذا أو في هذه السَّفرةِ فلزَيدٍ كذا»؛ لأنَّه تَبرعٌ يَملِكُ تَنجيزَه فملَكَ تَعليقَه كالعِتقِ، فإنْ بَرئَ المُوصي من مَرضِه أو قدِمَ المُوصي من سَفرِه أو خرَجَ من البَلدةِ ثم ماتَ بطَلَت الوَصيةُ المُقيَّدةُ لعَدمِ وُجودِ شَرطِها وبَقيَت المُطلَقةُ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: فَصلٌ: نقَلَ الحَسنُ بنُ ثَوابٍ عن أَحمدَ في رَجلٍ قالَ: «هذا ثُلثي لفُلانٍ، ويُعطَى فُلانٌ منه مِئةً في كلِّ شَهرٍ إلى أنْ يَموتَ، فهو للآخَرِ منهما، ويُعطَى هذا مِئةٌ في كلِّ شَهرٍ، فإنْ ماتَ وفضَلَ شَيءٌ رُدَّ إلى صاحِبِ الثُّلثِ»، فحُكمُ الوَصيةِ وإِنفاذُها على ما أمَرَ به المُوصي (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ أيضًا: إنْ وَصَّى لزَوجتِه وشرَطَ في وَصيتِه عَدمَ تَزويجِها فوافَقَت وأخَذَت الوَصيةَ ثم تزوَّجَت رَدَّت ما أخَذَت؛ لبُطلانِ الوَصيةِ بفَواتِ شَرطِها.
قالَ البُهوتيُّ: وإنْ دفَعَ لزَوجتِه مالًا على ألَّا تَتزوَّجَ بعدَ مَوتِه فتَزوَّجت ردَّت المالَ إلى وَرثتِه نَصًّا، وإنْ أَعطَته مالًا على ألَّا يَتزوَّجَ عليها رَدَّه إذا تزوَّجَ (٣).
стр. 14704
الرُّكنُ الثاني: المُوصي:
المُوصي: هو المُتبَرِّعُ الذي صدَرَت منه الوَصيةُ أو هو الآمِرُ بالتَّصرفِ.
اشتَرَط الفُقهاءُ في المُوصي عِدةَ شُروطٍ، بعضُها مُتَّفقٌ عليه وبعضُها مُختلَفٌ فيه، وهي على التَّفصيلِ الآتي:
١ - العَقلُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يُشتَرطُ في المُوصي أنْ يَكونَ عاقِلًا، فلا تَصحُّ وَصيةُ المَجنونِ في حالِ جُنونِه، وكذا المَعتوهُ والمُغمَى عليه؛ لأنَّ صِحةَ الوَصيةِ تَتعلَّقُ بالقَولِ، وقَولُ مَنْ هذه صِفتُه مُلغًى، والبِرسامُ والعَتهُ نَوعانِ من اختِلالِ العَقلِ كالمَجنونِ.
قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ: وأمَّا الذي يَرجعُ إلى المُوصي فأَنواعٌ، منها أنْ يَكونَ من أهلِ التَّبرعِ في الوَصيةِ بالمالِ وما يَتعلَّقُ به؛ لأنَّ الوَصيةَ بذلك تَبرعٌ بإِيجابِه بعدَ مَوتِه فلا بُدَّ من أَهليةِ التَّبرعِ، فلا تَصحُّ من الصَّبيِّ والمَجنونِ؛ لأنَّهما ليسا من أهلِ التَّبرعِ؛ لكَونِه من التَّصرفاتِ الضارةِ المَحضةِ؛ إذْ لا يُقابِلُه عِوضٌ دُنيويٌّ (١).
وقالَ ابنُ جُزيٍّ: المُوصي: هو كلُّ مالِكٍ حُرٍّ مُميِّزٍ، فلا تَصحُّ من المَجنونِ إلا حالَ إِفاقتِه (٢).
стр. 14705
قالَ الشافِعيةُ: المُوصي إنْ كانَ جائِزَ التَّصرفِ في مالِه جازَت وَصيتُه للأَخبارِ، وإنْ لم يَكنْ جائِزَ التَّصرفِ كالمَجنونِ والمُبَرسَمِ والمَعتوهِ فلا تَصحُّ وَصيتُه؛ لأنَّ صِحةَ الوَصيةِ تَتعلَّقُ بالقَولِ، وقَولُ مَنْ هذه صِفتُه مُلغًى، والبِرسامُ والعَتهُ نَوعانِ من اختِلالِ العَقلِ كالمَجنونِ، والصَّبيُّ غيرُ المُميِّزِ كالمَجنونِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: أمَّا الطِّفلُ -وهو مَنْ له دونَ السَّبعِ-، والمَجنونُ والمُبَرسَمُ فلا وَصيةَ لهم، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهم حُمَيدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ ومالِكٌ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ ﵃، وأَصحابُ الرأيِ ومَن تبِعَهم، ولا نَعلَمُ أحدًا خالَفَهم إلا إِياسَ بنَ مُعاويةَ قالَ في الصَّبيِّ والمَجنونِ: إذا وافَقَت وَصيَّتُهما الحَقَّ جازَت، وليسَ بصَحيحٍ؛ فإنَّه لا حُكمَ لكَلامِهما ولا تَصحُّ عِبادتُهما ولا شَيءَ من تَصرُّفاتِهما، فكذا الوَصيةُ، بل أوْلى؛ فإنَّه إذا لم يَصحَّ إِسلامُهما وصَلاتُهما التي هي مَحضُ نَفعٍ لا ضَررَ فيها، فلَأنْ يَكونا لا يَصحُّ بَذلُهما المالَ يَتضرَّرُ به وارِثُهما أوْلى، ولأنَّها تَصرفٌ يَفتقِرُ إلى إِيجابٍ وقَبولٍ فلا يَصحُّ منهما كالبَيعِ والهِبةِ.
ثم قالَ: وأمَّا الذي يُجَنُّ أَحيانًا ويُفيقُ أَحيانًا فإنْ وَصَّى حالَ جُنونِه
стр. 14706
لم تَصحَّ، وإنْ وَصَّى في حالِ عَقلِه صَحَّت وَصيتُه؛ لأنَّه بمَنزلةِ العُقلاءِ في شَهادتِه ووُجوبِ العِبادةِ عليه، فكذلك في وَصيتِه وتَصرفاتِه (١).
٢ - البُلوغُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في البُلوغِ، هل هو شَرطٌ في صِحةِ وَصيةِ المُوصي أو ليسَ بشَرطٍ وتَصحُّ وَصيةُ الصَّبيِّ المُميِّزِ غيرِ البالِغِ؟
الصَّبيُّ نَوعانِ: غيرُ مُميِّزٍ، ومُميِّزٌ، فأمَّا الصَّبيُّ غيرُ المُميِّزِ فلا تَصحُّ وَصيتُه باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ.
قالَ أَبو الوَليدِ الباجيُّ: وأمَّا الصَّغيرُ الذي لا يُميِّزُ فلا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنَّه لا تَجوزُ وَصيتُه، ووَجهُ ذلك أنَّه لا يَصحُّ قَصدُه كالمُغمَى عليه (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: أمَّا الطِّفلُ -وهو مَنْ له دونَ السَّبعِ- والمَجنونُ والمُبَرسَمُ فلا وَصيةَ لهم، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهم حُمَيدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ ومالِكٌ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ ﵃، وأَصحابُ الرأيِ ومَن تبِعَهم، ولا نَعلَمُ أحدًا خالَفَهم إلا إِياسَ بنَ مُعاويةَ قالَ في الصَّبيِّ والمَجنونِ: إذا وافَقَت وَصيَّتُهما الحَقَّ جازَت، وليسَ بصَحيحٍ؛ فإنَّه لا حُكمَ لكَلامِهما ولا تَصحُّ عِبادتُهما ولا شَيءَ من تَصرُّفاتِهما، فكذا الوَصيةُ، بل أوْلى؛ فإنَّه إذا لم يَصحَّ إِسلامُهما وصَلاتُهما التي هي مَحضُ نَفعٍ لا
стр. 14707
ضَررَ فيها، فلَأنْ يَكونا لا يَصحُّ بَذلُهما المالَ يَتضرَّرُ به وارِثُهما أوْلى، ولأنَّها تَصرفٌ يَفتقِرُ إلى إِيجابٍ وقَبولٍ فلا يَصحُّ منهما كالبَيعِ والهِبةِ (١).
أمَّا الصَّبيُّ المُميِّزُ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ في وَصيتِه هل تَصحُّ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ (٢) والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يُشتَرطُ البُلوغُ لصِحةِ الوَصيةِ، فتَصحُّ وَصيةُ الصَّبيِّ المُميِّزِ، واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه الإِمامُ مالِكٌ في مُوطَّئِه: بابُ جَوازِ وَصيةِ الصَّغيرِ والضَّعيفِ والمُصابِ والسَّفيهِ: حدَّثَني مالِكٌ عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي بَكرِ بنِ حَزمٍ عن أَبيه أنَّ عَمرَو بنَ سُلَيمٍ الزُّرَقيَّ أخبَرَه أنَّه قيلَ لعُمرَ بنِ الخَطابِ: إنَّ ههنا غُلامًا يَفاعًا لم يَحتلِمْ من غَسانَ ووارِثُه بالشامِ، وهو ذو مالٍ وليسَ له ههنا إلا ابنةُ عَمٍّ له، قالَ عُمرُ بنُ الخَطابِ: فليُوصِ لها. قالَ: فأَوصَى لها بمالٍ يُقالُ له: بِئرُ جُشَمَ، قالَ عَمرُو بنُ سُلَيمٍ: فبِيعَ ذلك المالُ بثَلاثينَ ألفَ دِرهمٍ. وابنةُ عَمِّه التي أَوصَى لها هي أُمُّ عَمرِو بنِ سُلَيمٍ الزُّرَقيِّ.
وحدَّثَني مالِكٌ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ عن أَبي بَكرِ بنِ حَزمٍ أنَّ غُلامًا من غَسانَ حضَرَته الوَفاةُ بالمَدينةِ ووارِثُه بالشامِ، فذُكرَ ذلك لعُمرَ بنِ الخَطابِ فقيلَ له: إنَّ فُلانًا يَموتُ أفيُوصي؟ قالَ: فليُوصِ. قالَ يَحيَى بنُ سَعيدٍ: قالَ
стр. 14708
أَبو بَكرٍ: وكانَ الغُلامُ ابنَ عَشرِ سِنينَ أو اثنَتَيْ عَشرةَ سَنةً، قالَ: فأَوصَى ببِئرِ جُشَمَ فباعَها أهلُها بثَلاثينَ ألفَ دِرهمٍ (١).
قالَ الإِمامُ مالِكٌ: الأمرُ عندَنا أنَّ الضَّعيفَ في عَقلِه والسَّفيهَ (المُبذِّرَ للمالِ) والمُصابَ المَجنونَ (الذي يُفيقُ أَحيانًا تَجوزُ وَصاياهم إذا كانَ معهم مِنْ عُقولِهم ما) أي: تَمييزٌ (يَعرِفونَ ما يُوصونَ به، فأمَّا مَنْ ليسَ معه من عَقلِه ما يَعرفُ بذلك ما يُوصي به، وكانَ مَغلوبًا على عَقلِه فلا وَصيةَ له) صَحيحةً، وحاصِلُه أنَّ المَدارَ على التَّمييزِ (٢).
قالَ الباجيُّ: قَولُه: أخبَرَه أنَّه قيلَ لعُمرَ: إنَّه بالمَدينةِ ووارِثُه بالشامِ وليسَ له بالمَدينةِ إلا بِنتُ عَمٍّ يُريدُ: أنَّها انفَرَدت بالقيامِ بأمرِه والرِّفقِ به، وإنْ كانَ وارِثُه الذي يُمكنُ أنْ يَنفرِدَ بذلك أو يُشاركَها فيه بالشامِ، ولعلَّه قد قصَدَ بذلك إلى بِنتِ عَمِّه هذه مع انفِرادِها بالقيامِ بأمرِه والتَّعبِ معه والتَّمريضِ له لا يَعودُ إليها شَيءٌ من مالِه، ولعلَّ الغُلامَ قد أشفَقَ من أنْ
стр. 14709
يُخرجَ جَميعَ مالِه مع رِفقِها به وانفِرادِها بالعَناءِ معه، فندَبَه عُمرُ ﵁ إلى أنْ يُوصيَ لها، وأعلَمَه أنَّ ذلك مُباحٌ له وسائِغٌ في الشَّرعِ، وإنْ كانَ لم يَبلُغِ الحُلمَ، وبهذا قالَ مالِكٌ واللَّيثُ، وأجمَعَ عليه عُلماءُ المَدينةِ بأنَّ وَصيةَ من يُميزُ ويَفهمُ ما يُوصَى به من السَّفيهِ والصَّغيرِ جائِزةٌ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: تَجوزُ وَصيةُ السَّفيهِ ولا تَجوزُ وَصيةُ مَنْ لم يَحتلِمْ، والدَّليلُ على ما نَقولُه أنَّ الصِّغرَ حَجرٌ، فلا يَمنعُ صِحةَ الوَصيةِ مع التَّمييزِ كالسَّفهِ (١).
وقالَ الإِمامُ أَبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أمَّا وَصيةُ الصَّغيرِ إذا كانَ يَعقلُ ما أَوصَى به ولم يأتِ بمُنكرٍ من القَولِ والفِعلِ فوَصيتُه جائِزةٌ ماضيةٌ عندَ مالِكٍ واللَّيثِ وأَصحابِهما، ولا حَدَّ عندَهم في صِغرِه عَشرَ سِنينَ ولا غيرِها إذا كانَ ممَّن يَفهمُ ما يأتِي به في ذلك وأَصابَ وَجهَ الوَصيةِ.
وقالَ عُبيدُ اللهِ بنُ الحَسنِ: إذا أَوصَى في وَسطِ ما يَحتلِمُ له الغِلمانُ جازَت وَصيتُه.
وقالَ أَبو حَنيفةَ وأَصحابُه: لا تَجوزُ وَصيةُ الصَّبيِّ.
وقالَ المُزنِيُّ: هو قِياسُ قَولِ الشافِعيِّ، ولم أجِدْ للشافِعيِّ في ذلك شَيئًا ذكَرَه ونَصَّ عليه، واختَلفَ أَصحابُه على قَولَينِ: أحدُهما كقَولِ مالِكٍ والثاني كقَولِ أَبي حَنيفةَ، وحُجتُهم أنَّه لا يَجوزُ طَلاقُه ولا عِتقُه
стр. 14710
ولا يُقبضُ منه في جِنايةٍ ولا يُحدُّ به في قَذفٍ، فليس كالبالِغِ المَحجورِ عليه، فكذلك وَصيتُه.
قالَ أَبو عُمرَ: قد أجمَعَ هؤلاء على أنَّ وَصيةَ البالِغِ المَحجورِ عليه جائِزةٌ، ومَعلومٌ أنَّ مَنْ يَعقلُ من الصِّبيانِ ما يُوصي به فحالُه حالُ المَحجورِ عليه في مالِه، وعِلةُ الحَجرِ تَبديدُ المالِ وإِتلافُه، وتلك عِلةٌ مُرتفِعةٌ عنه بالمَوتِ، وهو بالمَحجورِ عليه في مالِه أشبَهُ منه بالمَجنونِ الذي لا يَعقلُ، فوجَبَ أنْ تَكونَ وَصيتُه مع الأثَرِ الذي جاءَ فيه عن عُمرَ ﵁.
وقالَ مالِكٌ: إنَّه الأمرُ المُجمَعُ عليه عندَهم بالمَدينةِ وباللهِ التَّوفيقُ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ (ومَن جاوَزَ العَشرَ سِنينَ فوَصيتُه جائِزةٌ إذا وافَقَ الحَقَّ).
هذا المَنصوصُ عن أَحمدَ؛ فإنَّه قالَ في رِوايةِ صالِحٍ وحَنبلٍ: تَجوزُ وَصيتُه إذا بلَغَ عَشرَ سِنينَ. قالَ أَبو بَكرٍ: لا يَختلِفُ المَذهبُ أنَّ مَنْ له عَشرُ سِنينَ تَصحُّ وَصيتُه ومَن له دونَ السَّبعِ لا تَصحُّ وَصيتُه، وما بينَ السَّبعِ والعَشرِ على رِوايتَينِ.
وقالَ ابنُ أَبي موسى: لا تَصحُّ وَصيةُ الغُلامِ لدونِ العَشرِ ولا الجاريةِ قَولًا واحِدًا، وما زادَ على العَشرِ فتَصحُّ على المَنصوصِ، وفيه وَجهٌ آخَرُ لا
стр. 14711
تَصحُّ حتى يَبلغَ، وقالَ القاضي وأبو الخَطابِ: تَصحُّ وَصيةُ الصَّبيِّ إذا عقِلَ، ورُويَ عن عُمرَ ﵁ أنَّه أَجازَ وَصيةَ الصَّبيِّ، وهو قَولُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وشُريحٍ وعَطاءٍ والزُّهريِّ وإِياسٍ وعبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ والشَّعبيِّ والنَّخعيِّ ومالِكٍ وإِسحاقَ، قالَ إِسحاقُ: إذا بلَغ اثنَتَيْ عَشرةَ، وحَكاه ابنُ المُنذرِ عن أَحمدَ، وعن ابنِ عَباسٍ لا تَصحُّ وَصيتُه حتى يَبلغَ، وبه قالَ الحَسنُ ومُجاهدٌ وأَصحابُ الرأيِ، وللشافِعيِّ قَولانِ كالمَذهَبينِ.
واحتَجُّوا بأنَّه تَبرعٌ بالمالِ فلا يَصحُّ من الصَّبيِّ كالهِبةِ والعِتقِ، ولأنَّه لا يُقبلُ إِقرارُه فلا تَصحُّ وَصيتُه كالطِّفلِ.
ولنا: ما رُويَ أنَّ صَبيًّا من غَسانَ له عَشرُ سِنينَ أَوصَى لأَخوالٍ له فرُفعَ ذلك إلى عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ فأَجازَ وَصيتَه، رَواه سَعيدٌ، ورَوى مالِكٌ في مُوطَّئِه عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي بَكرٍ عن أَبيه أنَّ عَمرَو بنَ سُليمٍ أَخبَره أنَّه قيلَ لعُمرَ بنِ الخَطابِ: إنَّ ههنا غُلامًا يَفاعًا لم يَحتلِمْ وورَثتُه بالشامِ وهو ذو مالٍ وليسَ له ههنا إلا ابنةُ عَمٍّ له، فقالَ عُمرُ: فليُوصِ لها. فأَوصَى لها بمالٍ يُقالُ له بِئرُ جُشَمَ، قالَ عَمرُو بنُ سُلَيمٍ: فبِعتُ ذلك المالَ بثَلاثينَ ألفًا، وابنةُ عَمِّه التي أَوصَى لها هي أُمُّ عَمرِو بنِ سُلَيمٍ.
قالَ أَبو بَكرٍ: وكانَ الغُلامُ ابنَ عَشرةٍ أو اثنَتَيْ عَشرةَ سَنةً، وهذه قِصةٌ انتَشَرت فلم تُنكَرْ، ولأنَّه تَصرُّفٌ تمحَّضَ نَفعًا للصَّبيِّ فصَحَّ منه كالإِسلامِ والصَّلاةِ، وذلك لأنَّ الوَصيةَ صَدقةٌ يَحصلُ ثَوابُها له بعدَ غِناه عن مِلكِه ومالِه فلا يَلحقُه ضَررٌ في عاجِلِ دُنياه ولا أُخراه، بخِلافِ الهِبةِ والعِتقِ المُنجَزِ؛ فإنَّه
стр. 14712
يَفوتُ من مالِه ما يَحتاجُ إليه، وإذا رُدَّت رجَعَت إليه، وههنا لا يَرجعُ إليه بالرَّدِّ، والطِّفلُ لا عَقلَ له ولا يَصحُّ إِسلامُه ولا عِباداتُه، وقَولُه إذا وافَقَ الحَقَّ، يَعني إذا وَصَّى بوَصيةٍ يَصحُّ مِثلُها من البائِعِ، صَحَّت منه وإلا فلا، قالَ شُريحٌ وعبدُ اللهِ بنُ عُتبةَ وهُما قاضيانِ، من أَصابَ الحَقَّ أجَزْنا وَصيتَه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُشتَرطُ في المُوصي البُلوغُ، فلا تَصحُّ وَصيةُ الصَّغيرِ وسَواءٌ كانَ الصَّبيُّ مَأذونًا في التِّجارةِ أو مَحجورًا؛ لأنَّ الوَصيةَ ليسَت من بابِ التِّجارةِ؛ إذِ التِّجارةُ مُعاوَضةُ المالِ بالمالِ، وإنَّما لم تَصحَّ لأنَّه تَبرعٌ بالمالِ، أشبَهَ هِبتَه، ولأنَّه لا عِبارةَ له، ولأنَّه لا يَجوزُ طَلاقُه ولا يُحدُّ ولا يُقتصُّ منه، فكانَ قَولُه كعَدمِ قَولِه في هذه الأَشياءِ كذلك في وَصيتِه، ولأنَّها تَبرعٌ والصَّبيُّ ليسَ من أهلِ التَّبرعِ، ألَا تَرى أنَّه لا يَصحُّ هِبتُه في حالِ صِحتِه، وحالُ الصِّحةِ آكَدُ في الثُّبوتِ من الوَصيةِ، بدَليلِ أنَّ للبالِغِ أنْ يَهبَ جَميعَ مالِه في حالِ صِحتِه ولا يَجوزُ أنْ يُوصيَ بأكثَرَ من الثُّلثِ، فإذا لم تَجُزْ هِبتُه لم تَجُزْ وَصيتُه.
قالَ الحَنفيةُ: ولو أَوصَى ثم ماتَ بعدَ الإِدراكِ لا تَصحُّ وَصيتُه لعَدمِ الأَهليةِ وَقتَ المُباشرةِ.
وكذا لو أَضافَ الوَصيةَ إلى ما بعدَ الإِدراكِ بأنْ قالَ: «إذا أدرَكتُ ثم مِتُّ فثُلثُ مالي لفُلانٍ» لم يَصحَّ؛ لأنَّ عِبارتَه لم تَقعْ صَحيحةً فلا تُعتبَرُ في
стр. 14713
إِيجابِ الحُكمِ بعدَ المَوتِ؛ لأنَّ عِبارةَ الصَّبيِّ فيما يَتضرَّرُ به مُلحَقةٌ بالعَدمِ لنُقصانِ عَقلِه، فلم تَصحَّ عِبارتُه من الأَصلِ بل بطَلَت، والباطِلُ لا حُكمَ له، بل هو ذاهِبٌ مُتلاشٍ في حَقِّ الحُكمِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: مَحلُّ الخِلافِ إذا أَوصَى وهو صَغيرٌ ثم ماتَ، أمَّا لو أَوصَى وهو صَغيرٌ ثم بلَغَ بعدَها ثم ماتَ صَحَّت قَولًا واحِدًا (٢).
٣ - وَصيةُ المَحجورِ عليه:
المَحجورُ عليه إمَّا أنْ يَكونَ من أجْلِ سَفهٍ وإمَّا من أجْلِ دَينٍ.
أولًا: وَصيةُ المَحجورِ عليه لسَفهٍ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى صِحةِ وَصيةِ السَّفيهِ، فإذا أَوصَى السَّفيهُ بوَصايا نُفِّذت كالصَّحيحِ، وذلك لصِحةِ عِبارتِه واحتياجِه إلى الثَّوابِ؛ لأنَّها تمَحَّضت نَفعًا له من غيرِ ضَررٍ فصحَّت منه كعِباداتِه، ولأنَّه إنَّما حُجرَ عليه لحِفظِ مالِه وليسَ في الوَصيةِ إِضاعةٌ له؛ لأنَّه إنْ عاشَ كانَ مالُه له، وإنْ ماتَ
стр. 14714
كانَ ثَوابُه له، وهو أَحوجُ إليه من غيرِه؛ لأنَّه إنَّما مُنعَ من إِخراجِ مالِه على غيرِ عِوضٍ خَوفًا من الفَقرِ عليه، والوَصيةُ تُنفَّذُ بعدَ مَوتِه والفَقرُ مَأمونٌ عليه في تلك الحالِ، وبدَليلِ وُقوعِ طَلاقِه وقَبولِ إِقرارِه بالعُقوباتِ، ولأنَّ الوَصيةَ تَجبُ بعدَ الاستِغناءِ عن المالِ في أُمورِ الدُّنيا، ومَصلحةُ المَحجورِ تَقضي بإِنفاذِ وَصيتِه لا بمَنعِها، ونقَلَ الإِجماعَ على ذلك ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُه (١).
قالَ الإِمامُ أَبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قد أجمَعَ هؤلاء على أنَّ وَصيةَ البالِغِ المَحجورِ عليه جائِزةٌ (٢).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: (قُلتُ): أرأيتَ المَحجورَ عليه إذا حضَرَته الوَفاةُ فأَوصَى بوَصايا، أيَجوزُ ذلك؟ (قالَ): نَعَمْ، قالَ مالِكٌ: الأمرُ المُجمَعُ عليه عندَنا أنَّ الأحمَقَ والسَّفيهَ والمُصابَ الذي يُفيقُ أَحيانًا وَصاياهم تَجوزُ إذا كانَ معهم من عُقولِهم ما يَعرِفونَ به الوَصيةَ. (قالَ): وأمَّا مَنْ ليسَ معه من عَقلِه ما يَعرِفُ به ما يُوصي به أو كانَ مَغلوبًا على عَقلِه فلا وَصيةَ له (٣).
стр. 14715
وقالَ الحَنفيةُ: إنْ أَوصَى السَّفيهُ بوَصايا في القُرَبِ وأَبوابِ الخَيرِ جازَ ذلك من ثُلثِ مالِه، يَعني: إذا كانَ له وارِثٌ استِحسانًا، والقِياسُ ألَّا تَجوزَ وَصيتُه كما لا تَجوزُ تَبَرُّعاتُه.
وَجهُ الاستِحسانِ أنَّ الحَجرَ عليه لمَعنى النَّظرِ له لكَي لا يُتلِفَ مالَه ويَبقى كَلًّا على غيرِه، وذلك في حَياتِه لا فيما يَنفُذُ من الثُّلثِ بعدَ وَفاتِه حالَ استِغنائِه عن مالِه، وفيها ما فيها من الثَّوابِ الجَزيلِ والذِّكرِ بعدَ وَفاتِه بالجَميلِ.
هذا إذا كانَ المُوصَى به مُوافِقًا لوَصايا أهلِ الخَيريةِ والصَّلاحِ نَحوَ الوَصيةِ بالحَجِّ أو للمَساكينِ أو بِناءِ المَساجدِ والأَوقافِ والقَناطرِ والجُسورِ، وأمَّا إذا أَوصَى بغيرِ القُرَبِ فلا يَنفُذُ.
قالَ مُحمدٌ ﵀: المَحجورُ بمَنزلةِ الصَّبيِّ إلا في أربَعةٍ:
أحدُها: أنَّ تَصرُّفَ الوَصيِّ في مالِ الصَّبيِّ جائِزٌ، وفي مالِ المَحجورِ عليه باطِلٌ.
والثاني: أنَّ إعتاقَ المَحجورِ وتَدبيرَه وطَلاقَه ونِكاحَه جائِزةٌ، ومن الصَّبيِّ باطِلةٌ.
والثالِثُ: المَحجورُ عليه إذا أَوصَى بوَصيةٍ جازَت وَصيتُه من ثُلثِ مالِه، ومن الصَّبيِّ لا تَجوزُ.
والرابِعُ: جاريةُ المَحجورِ عليه إذا جاءَت بوَلدٍ فادَّعاه ثبَتَ نَسبُه منه، ومن الصَّبيِّ لا يَثبتُ (١).
стр. 14716
وقالَ الإِمامُ الطَّحاويُّ: قالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ في كِتابِ الحَجرِ: ولم يُحكَ خِلافٌ عن أحدٍ من أَصحابِ القياسِ في وَصايا الغُلامِ الذي قد بلَغَ وهو مُفسدٌ غيرُ مُصلِحٍ من التَّدبيرِ وغيرِه أنَّه باطِلٌ، ولكنَّا نَستحسِنُ في وَصاياه إذا وافَقَ فيها الحَقَّ ولم يأتِ سَرفًا يَستحقُّه المُسلِمونَ أنْ يَجوزَ من ثُلثِه كما تَجوزُ وَصيةُ غيرِه … قالَ أَبو جَعفرٍ: إنَّما مُنعَ المَحجورُ عليه للفَسادِ في مالِه احتِياطًا له، فإذا صارَ في حالِ المَوتِ استَغنَى عن ذلك فكانَ بمَنزلةِ مَنْ ليسَ بمَحجورٍ عليه، ألَا تَرى أنَّه يُحدُّ في القَذفِ ويَجوزُ طَلاقُه وهو مُفارقةٌ للصَّبيِّ من هذا الوَجهِ (١).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وكذا مَحجورٌ عليه بسَفهٍ تَصحُّ وَصيتُه على المَذهبِ لصِحةِ عِبارتِه، ونقَلَ فيه ابنُ عبدِ البَرِّ والأُستاذُ أَبو مَنصورٍ وغيرُهما الإِجماعَ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: فأمَّا المَحجورُ عليه لسَفهٍ؛ فإنَّ وَصيتَه تَصحُّ في قياسِ قَولِ أَحمدَ، قالَ الخَبْريُّ: وهو قَولُ الأكَثرينَ.
وقالَ أَبو الخَطابِ في وَصيتِه وَجهانِ، ولنا: أنَّه عاقِلٌ تَصحُّ وَصيتُه كالصَّبيِّ العاقِلِ، ولأنَّ وَصيتَه تمحَّضَت نَفعًا له من غيرِ ضَررٍ فصَحَّت كعِباداتِه (٣).
стр. 14717
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى عَدمِ صِحةِ وَصيةِ السَّفيهِ.
قالَ الماوَرديُّ: فأمَّا وَصيةُ المَحجورِ عليه بسَفهٍ، فإنْ قيلَ بجَوازِ وَصيةِ الصَّبيِّ فوَصيةُ السَّفيهِ أجوَزُ، وإنْ قيلَ ببُطلانِ وَصيةِ الصَّبيِّ كانَت وَصيةُ السَّفيهِ على وَجهَينِ؛ لاختِلافِهم في تَعليلِ وَصيةِ الصَّبيِّ فإنْ عُلِّلَ في إِبطالِ وَصيتِه بارتِفاعِ القَلمِ عنه جازَت وَصيةُ السَّفيهِ لجَريانِ القَلمِ عليه، وإنْ عُلِّلَ في إِبطالِ وَصيةِ الصَّبيِ بإِبطالِ عُقودِه بطَلَت وَصيةُ السَّفيهِ لبُطلانِ عُقودِه (١).
وقالَ المِرداويُّ: قَولُه: (ومِن السَّفيهِ في أصَحِّ الوَجهَينِ) وهو المَذهبُ وعليه جَماهيرُ الأَصحابِ وجزَمَ به في «الوَجيز» وفي غيرِه، وصَحَّحه في «الفائِق» والحارِثيُّ وصحَّحَه غيرُهم وقدَّمه في «المُغني» و «الشَّرح» و «الفُروع» وغيرِها.
والوَجهُ الثاني: لا تَصحُّ منه، حَكاه أَبو الخَطابِ، وذكَرَ المَجدُ في شَرحِه أنَّه المَنصوصُ.
قُلتُ: وهو ضَعيفٌ.
وأطلَقَهما في «الهِداية» و «المَذهب» و «المُستَوعب» و «الخُلاصة» و «المُحرَّر» و «الرِّعايَتَين» و «الحاوي الصَّغير».
تَنبيهٌ: مَحلُّ الخِلافِ فيما إذا أَوصَى بمالٍ.
стр. 14718
أمَّا وَصيتُه على أَولادِه فلا تَصحُّ قَولًا واحِدًا؛ لأنَّه لا يَملكُ التَّصرفَ بنَفسِه فوَصيتُه أحَقُّ وأوْلى، قالَه في «المُطلع».
قُلتُ: ظاهِرُ كَلامِ كَثيرٍ من الأَصحابِ في بابِ المُوصَى إليه صِحةُ وَصيتِه بذلك، وهو أَولى بالصِّحةِ من الوَصيةِ بالمالِ.
والظاهِرُ أنَّ الذي حَداه إلى ذلك تَعليلُ الأَصحابِ بكَونِه مَحجورًا عليه في تَصرُّفاتِه أو لكَونِه مُحتاجًا إلى الثَّوابِ، وتَصرُّفُه في هذه مَحضُ مَصلحةٍ من غيرِ ضَررٍ؛ لأنَّه إنْ عاشَ لم يَذهَبْ من مالِه شَيءٌ، ولا يَلزمُ من ذلك أنَّ الوَصيةَ على أَولادِه لا تَصحُّ، اللَّهمَّ إلا أنْ يَكونَ في المَسألةِ نَقلٌ خاصٌّ (١).
ثانيًا: وَصيةُ المَحجورِ عليه لفَلَسٍ:
الوَصيُّ المُفلِسُ إذا أَوصَى قبلَ الحَجرِ عليه فعامَّةُ العُلماءِ على صِحةِ وَصيتِه وصِحةِ جَميعِ تَصرُّفاتِه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما فعَلَه المُفلسُ قبلَ حَجرِ الحاكِمِ عليه من بَيعٍ أو هِبةٍ أو إِقرارٍ أو قَضاءِ بعضِ الغُرماءِ أو غيرِ ذلك فهو جائِزٌ نافِذٌ، وبهذا قالَ أَبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ ولا نَعلمُ أحدًا خالَفَهم، ولأنَّه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه نفَذَ تَصرفُه كغيرِه، ولأنَّ سَببَ المَنعِ الحَجرُ فلا يَتقدَّمُ التَّصرفُ سَببَه، ولأنَّه من أهلِ التَّصرفِ ولم يُحجَرْ عليه أشبَهَ المَليءَ (٢).
стр. 14719
وأمَّا إنْ أَوصَى بعدَ الحَجرِ عليه بسَببِ الفَلسِ فإمَّا أنْ يَموتَ والدَّينُ مُستغرِقٌ لمالِه فهذا لا تَصحُّ وَصيتُه، وإنْ كانَ الدَّينُ غيرَ مُستغرِقٍ لمالِه أو أَجازَها الغُرماءُ ففيه تَفصيلٌ عندَ العُلماءِ.
قالَ الكاسانِيُّ: وأمَّا الذي يَرجعُ إلى المُوصي فأَنواعٌ، منها ألَّا يَكونَ على المُوصي دَينٌ مُستغرِقٌ لتَرِكتِه فإنْ كانَ لا تَصحُّ وَصيتُه؛ لأنَّ اللهَ ﵎ قدَّمَ الدَّينَ على الوَصيةِ والمِيراثِ؛ في قَولِه ﵎ في آيةِ المَواريثِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ولمَا رُويَ عن سيِّدِنا علِيٍّ ﵁ أنَّه قالَ: «إنَّكم تَقرَؤونَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَضى بالدَّينِ قبلَ الوَصيةِ» (١)، أشارَ سيِّدُنا علِيٌّ ﵁ إلى أنَّ التَّرتيبَ في الذِّكرِ لا يُوجبُ التَّرتيبَ في الحُكمِ.
ولأنَّ الدَّينَ واجِبٌ والوَصيةَ تَبرعٌ، والواجِبُ مُقدَّمٌ على التَّبرعِ، ومَعنى تَقدُّمِ الدَّينِ على الوَصيةِ والمِيراثِ أنَّه يُقضَى الدَّينُ أولًا، فإنْ فضَلَ منه شَيءٌ يُصرفُ إلى الوَصيةِ والمِيراثِ وإلا فلا (٢).
وقالَ الدَّرديرُ: صَحَّ إِيصاءُ حُرٍّ مالِكٍ للمُوصَى به مِلكًا تامًّا، فمُستغرَقُ الذِّمةِ وغيرُ المالِكِ لا تَصحُّ وَصيتُهما.
стр. 14720
قالَ الدُّسوقيُّ: قَولُه: (فمُستغرَقُ الذِّمةِ … إلخ) تَعقَّبَه شَيخُنا بأنَّ مُستغرَقَ الذِّمةِ من أَفرادِ غيرِ المالِكِ، وليسَ خارِجًا بقَيدِ التَّمامِ، وإنَّما خرَجَ به العَبدُ؛ لأنَّ مِلكَه غيرُ تامٍّ، وهو قد خرَجَ بالحُريةِ، وحينَئذٍ لا حاجةَ لقَيدِ التَّمامِ، وقد يُقالُ: بل مُستغرَقُ الذِّمةِ مالِكٌ لمَا بيَدِه وإلا لمَا وُفِّيت منه دُيونُه، وتقدَّمَ أنَّ عِتقَه ماضٍ حيثُ جُهلَ أَربابُ التَّبعاتِ، نَعَمْ يُمنعُ من التَّصرفِ ولو رُزقَ بما يَفي لم يُتعرَّضْ له، تأمَّلْ (١).
وقالَ الماوَرديُّ: وأمَّا المَحجورُ عليه بالفَلسِ فإنْ رَدَّها الغُرماءُ بطَلَت، وإنْ أمضَوْها جازَت، فإنْ قُلنا: إنَّ حَجرَ الفَلسِ كحَجرِ المَرضِ، صَحَّت، وإنْ قُلنا: إنَّه كحَجرِ السَّفيهِ كانَت على وَجهَينِ (٢).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: ومَن عليه دَينٌ مُستغرِقٌ تَصحُّ وَصيتُه، كما يُؤخَذُ من كَلامِ القاضي (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ الوَصيةُ من المَحجورِ عليه لفَلسٍ؛ لأنَّ الحَجرَ عليه لحَظِّ الغُرماءِ ولا ضَررَ عليهم؛ لأنَّه إنَّما تَنفُذُ وَصيتُه في ثُلثِه بعدَ وَفاءِ دُيونِه حتى لو كانَت الوَصيةُ بعينٍ من مالِه؛ لأنَّه قد يَتحوَّلُ ما بَقيَ من الدَّينِ فلا يَتعيَّنُ المالُ الأولُ إذَنْ للغُرماءِ، وإنْ ماتَ قبلَ ذلك أُلغيَت الوَصيةُ.
стр. 14721
وهذا إذا لم يُعاينِ المَوتَ، فأمَّا إذا عايَنَ المَوتَ لم تَصحَّ وَصيتُه؛ لأنَّ الوَصيةَ قَولٌ ولا قَولَ له والحالةُ هذه (١).
٤ - وَصيةُ السَّكرانِ:
السَّكرانُ يَنقسِمُ إلى قِسمَينِ، هُما: سَكرانُ لا يَعرفُ الأرضَ من السَّماءِ ولا الرَّجلَ من المَرأةِ، وسَكرانُ مُختلِطٌ معه بَقيةٌ من عَقلِه إلا أنَّه لا يَملِكُ الاختِلاطَ من نَفسِه فيُخطئُ ويُصيبُ.
قالَ ابنُ رُشدٍ: فأمَّا السَّكرانُ الذي لا يَعرفُ الأرضَ من السَّماءِ ولا الرَّجلَ من المَرأةِ فلا اختِلافَ في أنَّه كالمَجنونِ في جَميعِ أَفعالِه وأَقوالِه فيما بينَه وبينَ الناسِ وفيما بينَه وبينَ اللهِ إلا فيما ذهَبَ وَقتُه من الصَّلواتِ (٢).
وأمَّا السَّكرانُ المُختلِطُ الذي معه بَقيةٌ من عَقلِه فقد اختَلفَ أهلُ العِلمِ في وَصيتِه هل تَصحُّ أو لا؟
فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ ومُطرِّفٌ من المالِكيةِ إلى أنَّه لا تَصحُّ وَصيةُ السَّكرانِ؛ لأنَّه ليسَ بعاقِلٍ فلا تَصحُّ وَصيتُه كالمَجنونِ، وأمَّا إِيقاعُ طَلاقِه فإنَّما أوقَعَه مَنْ أوقَعَه تَغليظًا عليه لارتِكابِه المَعصيةَ فلا يَتعدَّى هذا إلى وَصيتِه؛ فإنَّه لا ضَررَ عليه فيها إنَّما الضَّررُ على وارِثِه (٣).
стр. 14722
وسُئلَ مُطرِّفٌ عن وَصيةِ السَّكرانِ إنْ أَوصَى، قالَ: إذا لم يَكنْ معه عَقلُه فكيف يَجوزُ؟ لا أرى وَصيتَه جائِزةً؛ لأنَّه كالمَجنونِ، ألَا تَرى لو أنَّ مَجنونًا لم يَكنْ معه عَقلُه أَوصَى فإنَّ وَصيتَه لا تَجوزُ؟ (١)
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى صِحةِ وَصيةِ السَّكرانِ إذا أَوصَى حالَ سُكرِه، إلا أنَّه إذا رجَعَ عنها بعدَ إِفاقتِه فله الرُّجوعُ؛ لأنَّها غيرُ لازِمةٍ كما سيَأتي مُفصَّلًا.
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا وَصيةُ السَّكرانِ بالعِتقِ وغيرِه فالصَّحيحُ على مَذهبِ مالِكٍ أنَّها جائِزةٌ على القَولِ الذي رجَعَ إليه سحنونٌ؛ لأنَّ حُكمَ وَصيتِه حُكمُ ما عقَدَه على نَفسِه من البَيعِ وغيرِه، ولا يُقالُ في شَيءٍ من ذلك على مَذهبِ مالِكٍ إنَّه غيرُ مُنعقدٍ عليه، وإنَّما يُقالُ فيه على مَذهبِه إنَّه غيرُ لازِمٍ له لو أرادَ الرُّجوعَ فيه إذا أفاقَ من سُكرِه، فإذا لم يَرجعْ في وَصيتِه حتى ماتَ وجَبَ أنْ تَنفُذَ كما تَنفُذُ وَصيةُ الصَّحيحِ من السُّكرِ (٢).
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وأمَّا السَّكرانُ المُتعدِّي بسُكرِه فإنَّه في رأيِ المُصنفِ غيرُ مُكلَّفٍ وتَصحُّ وَصيتُه، واستَثنَى الزَّركَشيُّ من المُغمَى عليه ما لو كانَ سَببُه سُكرًا عَصى به وكَلامُه مُنتظِمٌ فتَصحُّ وَصيتُه (٣).
стр. 14723
٥ - وَصيةُ المُكرهِ:
اشتَرطَ عامَّةُ الفُقهاءِ في المُوصي أنْ يَكونَ مُختارًا فإنْ أُكرهَ على الوَصيةِ لم تَصحَّ؛ لأنَّ الوَصيةَ إِيجابُ مِلكٍ فلا بُدَّ فيه من الرِّضا والاختيارِ كإِيجابِ المِلكِ في سائِرِ الأَشياءِ، ولأنَّها عَقدُ تَبرعٍ فيُشتَرطُ لها الرِّضا كسائِرِ التَّبرعاتِ.
قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ: ومنها رِضا المُوصي؛ لأنَّها إِيجابُ مِلكٍ أو ما يَتعلَّقُ بالمِلكِ فلا بُدَّ فيه من الرِّضا كإِيجابِ المِلكِ بسائِرِ الأَشياءِ، فلا تَصحُّ وَصيةُ الهازِلِ والمُكرهِ والخاطِئِ؛ لأنَّ هذه العَوارضَ تُفوِّتُ الرِّضا (١).
وقالَ الإِمامُ بُرهانُ الدِّينِ بنُ مازةَ الحَنفيُّ: ولا بُدَّ من ذِكرِ الطَّواعيةِ؛ فإنَّ وَصيةَ المُكرهِ لا تَصحُّ (٢).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: (قُلتُ): ولا يَجوزُ على المُستكرَهِ شَيءٌ من الأَشياءِ في قَولِ مالِكٍ، لا عِتقٌ ولا بَيعٌ ولا شِراءٌ ولا نِكاحٌ ولا وَصيةٌ ولا غيرُ ذلك. (قالَ): قالَ مالِكٌ: لا يَجوزُ على المُستكرَهِ شَيءٌ من الأَشياءِ لا عِتقٌ ولا طَلاقٌ ولا نِكاحٌ ولا بَيعٌ ولا شِراءٌ، وأمَّا الوَصيةُ فلم أسمَعْها من مالِكٍ، وهي لا تَجوزُ وَصيةُ المُستكرَهِ (٣).
وقالَ الدَّميريُّ الشافِعيُّ: قالَ: (وتَصحُّ وَصيةُ كلِّ مُكلَّفٍ حُرٍّ) بالإِجماعِ؛
стр. 14724
لأنَّها تَبرعٌ فلا تَصحُّ من ضِدِّهما، والمُرادُ: مُختارًا، فلا تَصحُّ من المُكرهِ (١).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: تَصحُّ وَصيةُ كلِّ مُكلَّفٍ حُرٍّ مُختارٍ بالإِجماعِ؛ لأنَّها تَبرعٌ (٢).
٦ - وَصيةُ الهازِلِ والمُخطئِ:
نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّه يُشتَرطُ في الوَصيِّ ألَّا يَكونَ هازِلًا، قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ: ومنها رِضا المُوصي؛ لأنَّها إِيجابُ مِلكٍ أو ما يَتعلَّقُ بالمِلكِ فلا بُدَّ فيه من الرِّضا كإِيجابِ المِلكِ بسائِرِ الأَشياءِ، فلا تَصحُّ وَصيةُ الهازِلِ والمُكرهِ والخاطِئِ؛ لأنَّ هذه العَوارضَ تُفوِّتُ الرِّضا (٣).
٧ - ألاَّ يَكونَ مُرتدًّا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ وَصيةِ المُرتدِّ، هل تَصحُّ مُطلَقًا أو لا تَصحُّ مُطلَقًا أو تَكونُ مَوقوفةً فإنْ عادَ إلى الإِسلامِ صَحَّت وإلا بطَلَت؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ وَصيةَ المُرتدِّ لا تَصحُّ ولا تَنفُذُ وإنْ تقدَّمَت رِدَّته الوَصيةَ؛ لأنَّ الوَصيةَ إنَّما تُعتبَرُ زَمنَ التَّمليكِ وهو زَمنُ المَوتِ.
قالَ القَرافِيُّ: قاعِدةٌ: تَنفيذُ تَصريفاتِ المُكلَّفينَ إنَّما هو وَسيلةٌ لبَقاءِ نُفوسِهم؛ فإنَّ بَقاءَ العَينِ مع تَعذُّرِ كلِّ المَقاصدِ مُحالٌ، والمُرتدُّ أسقَطَ
стр. 14725
الشَّرعُ حُرمةَ نَفسِه ودَمِه فتَصرُّفاتُه بطَريقِ الأوْلى، قاعِدةٌ تُعرفُ عندَ الأُصوليِّينَ بجَمعِ الفِرقِ، وهو أنْ يَقتضيَ المَعنى الواحِدُ حُكمَينِ مُتناقِضَينِ كالسَّفهِ يُوجبُ رَدَّ تَصرفاتِ السَّفيهِ والصَّبيِّ صَونًا لمالِهما على مَصالِحِهما، وتَنفُذُ وَصيتُهما صَونًا لمالِهما على مَصالحِهما؛ لأنَّ الوَصيةَ تُثمرُ خَيرًا لهما في الدارِ الآخِرةِ، ولو رُدَّت لأخَذَ المالَ الوارِثُ، فصَونُ المالِ على المَصالحِ اقتَضى تَنفيذَ التَّصرفِ ورَدَّه، وهُما حُكمانِ مُتناقِضانِ (١).
وذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنَّ وَصيةَ المُرتدِّ مَوقوفةٌ، فإنْ عادَ إلى الإِسلامِ صَحَّت وإنْ ماتَ أو قُتِل كافِرًا أو لحِقَ بدارِ الحَربِ عندَ أَبي حَنيفةَ بطَلَت وَصيتُه؛ لأنَّ مِلكَه مَوقوفٌ على الأصَحِّ (٢).
وذهَبَ الصاحِبانِ من الحَنفيةِ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى صِحةِ وَصيةِ المُرتدِّ وأنَّها نافِذةٌ، فلا تَبطلُ سَواءٌ عادَ إلى الإِسلامِ أو ماتَ على الكُفرِ والرِّدةِ (٣).
стр. 14726
وهذا الخِلافُ عندَ الحَنفيةِ بينَ الصاحِبَينِ وأبي حَنيفةَ في المُرتدِّ، أمَّا المُرتدةُ فتَصحُّ وَصيتُها بالإِجماعِ عندَهم؛ لأنَّها لا تُقتلُ.
قالَ الإِمامُ الزَّيلَعيُّ ﵀: قالَ في «الهِداية» في المُرتدةِ: الأصَحُّ أنَّه تَصحُّ وَصاياها؛ لأنَّها تَبقى على الرِّدةِ بخِلافِ المُرتدِّ؛ لأنَّه يُقتلُ أو يُسلِمُ، فجعَلَها كالذِّميةِ.
وقالَ السُّغناقيُّ في «النِّهاية»: وذكَرَ صاحِبُ الكِتابِ في الزِّياداتِ على خِلافِ هذا.
وقالَ بعضُهم: لا تَكونُ بمَنزلةِ الذِّميةِ، وهو الصَّحيحُ، لا تَصحُّ منها وَصيةٌ، والفَرقُ بينَها وبينَ الذِّميةِ أنَّ الذِّميةَ تُقَرُّ على اعتِقادِها، وأمَّا المُرتدةُ فلا تُقَرُّ على اعتِقادِها.
قالَ الراجي عَفوَ رَبِّه: الأشبَهُ أنْ تَكونَ كالذِّميةِ فتَجوزُ وَصيتُها؛ لأنَّها لا تُقتلُ، ولهذا يَجوزُ جَميعُ تَصرفاتِها فكذا الوَصيةُ …
وذكَرَ العَتَّابيُّ في الزِّياداتِ أنَّ مَنْ ارتَدَّ عن الإِسلامِ إلى النَّصرانيةِ أو اليَهوديةِ أو المَجوسيةِ فحُكمُ وَصاياه حُكمُ من انتقَلَ إليهم، فما صَحَّ منهم صَحَّ منه، وهذا عندَهما، وأمَّا عندَ أَبي حَنيفةَ ﵁ فوَصيتُه مَوقوفةٌ ووَصايا المُرتدةِ نافِذةٌ بالإِجماعِ؛ لأنَّها لا تُقتلُ عندَنا.
وقالَ قاضي خان: المُرتدةُ: الصَّحيحُ أنَّها كالذِّميةِ فيَجوزُ منها ما جازَ من الذِّميةِ وما لا فلا (١).
стр. 14727
وَصيةُ الكافِرِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه لا يُشتَرطُ في المُوصي الإسلامُ، فتَصحُّ وَصيةُ الكافِرِ ولو حَربيًّا لعُمومِ الآيةِ والأَخبارِ، ولأنَّ ذلك كالإِعتاقِ والتَّمليكِ وهما يَصحانِ من الذِّميِّ والحَربيِّ.
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ: قَولُه: «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلمٍ» كذا في أكثَرِ الرِّواياتِ، وسقَطَ لَفظُ «مُسلمٍ» من رِوايةِ أَحمدَ عن إِسحاقَ بنِ عيسى عن مالِكٍ، والوَصفُ بالمُسلمِ خرَجَ مَخرجَ الغالِبِ فلا مَفهومَ له ولا ذِكرَ للتَّهييجِ لتَقعَ المُبادرةُ لامتِثالِه؛ لمَا يُشعِرُ به من نَفيِ الإِسلامِ عن تارِكِ ذلك، ووَصيةُ الكافِرِ جائِزةٌ في الجُملةِ، وحَكَى ابنُ المُنذرِ فيه الإِجماعَ، وقد بحَثَ فيه السُّبكيُّ من جِهةِ أنَّ الوَصيةَ شُرعَت زيادةً في العَملِ الصالِحِ، والكافِرُ لا عَملَ له بعدَ المَوتِ، وأَجابَ بأنَّهم نظَروا إلى أنَّ الوَصيةَ كالإِعتاقِ وهو يَصحُّ من الذِّميِّ والحَربيِّ واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ: ووَصيةُ الكافِرِ جائِزةٌ كما هو مَذهبُ الأئِمةِ الأربَعةِ وغيرِهم، وحَكاه ابنُ المُنذرِ عن إِجماعِ أهلِ العِلمِ الذين يُحفَظُ عنهم (٢).
قالَ الحَنفيةُ: وأمَّا إِسلامُ المُوصي فليس بشَرطٍ لصِحةِ وَصيتِه، فتَصحُّ وَصيةُ الذِّميِّ بالمالِ للمُسلمِ والذِّميِّ في الجُملةِ؛ لأنَّ الكُفرَ لا يُنافي أَهليةَ
стр. 14728
التَّمليكِ، ألَا تَرى أنَّه يَصحُّ بَيعُ الكافِرِ وهِبتُه؟ فكذا وَصيتُه، وكذا الحَربيُّ المُستأمَنُ إذا أَوصَى للمُسلمِ أو الذِّميِّ يَصحُّ في الجُملةِ لمَا ذكَرنا غيرَ أنَّه إنْ كانَ دخَلَ وارِثُه معه في دارِ الإِسلامِ وأَوصَى بأكثَرَ من الثُّلثِ وقَفَ ما زادَ على الثُّلثِ على إِجازةِ وارِثِه؛ لأنَّه بالدُّخولِ مُستأمَنًا التَزمَ أَحكامَ الإِسلامِ أو ألزَمَه من غيرِ التِزامِه لإِمكانِ إِجراءِ الأَحكامِ عليه ما دامَ في دارِ الإِسلامِ.
ومِن أَحكامِ الإِسلامِ أنَّ الوَصيةَ بما زادَ على الثُّلثِ ممَّن له وارِثٌ تَقفُ على إِجازةِ وارِثِه، وإنْ لم يَكنْ له وارِثٌ أَصلًا تَصحُّ من جَميعِ المالِ كما في المُسلمِ والذِّميِّ.
وكذلك إذا كانَ له وارِثٌ لكنَّه في دارِ الحَربِ؛ لأنَّ امتِناعَ الزِّيادةِ على الثُّلثِ لحَقِّ الوَرثةِ، وحَقُّهم غيرُ مَعصومٍ؛ لأنَّه لا عِصمةَ لأنفُسِهم وأَموالِهم، فألَّا يَكونَ لحِقَهم الذي في مالِ مُورِّثِهم عِصمةٌ أوْلى.
قالَ الكاسانِيُّ: وذكَرَ في الأَصلِ: ولو أَوصَى الحَربيُّ في دارِ الحَربِ بوَصيةٍ ثم أسلَمَ أهلُ الدارِ أو صاروا ذِمةً ثم اختَصَموا إلَيَّ في تلك الوَصيةِ، فإنْ كانَت قائِمةً بعَينِها أجَزتُها، وإنْ كانَت قد استُهلِكَت قبلَ الإِسلامِ أبطَلتُها؛ لأنَّ الحَربيَّ من أهلِ التَّمليكِ، ألَا يُرى أنَّه من أهلِ سائِرِ التَّمليكاتِ كالبَيعِ ونَحوِه؟ فكانَت وَصيتُه جائِزةً في نَفسِها، إلا أنَّه ليسَ لنا وِلايةُ إِجراءِ أَحكامِ الإِسلامِ وتَنفيذِها في دارِهم، فإذا أَسلَموا أو صاروا ذِمةً قَدِرنا على التَّنفيذِ فنُنفِّذُها ما دامَ المُوصَى به قائمًا، فأمَّا إذا صارَ مُستهلَكًا أَبطَلنا الوَصيةَ وأَلحَقناها بالعَدمِ؛ لأنَّ أهلَ الحَربِ إذا أَسلَموا أو صاروا ذِمةً
стр. 14729
لا يُؤاخَذونَ بما استَهلَك بعضُهم على بعضٍ وبما اغتصَبَ بعضُهم من بعضٍ، بل يَبطلُ ذلك كذا هذا (١).
وقالَ المَوصِليُّ: ووَصيةُ الذِّميِّ للبَيعةِ والكَنيسةِ تَجوزُ، اعلَمْ أنَّ وَصيةَ الذِّميِّ إمَّا أنْ تَكونَ قُربةً عندَنا وعندَهم، أو عندَهم، أو عندَنا، أو لا تَكونَ قُربةً أَصلًا؛ فالأولُ مِثلُ الوَصيةِ لبَيتِ المَقدسِ في عِمارتِه ودَهنِ مَصابيحِه، والوَصيةُ للغُزاةِ الذين يُقاتِلونَ مَنْ خالَفَهم من أهلِ الحَربِ، فهذه صَحيحةٌ؛ لأنَّها قُربةٌ في الحَقيقةِ وفي مُعتقدِهم، ومِثالُ الثاني أنْ يُوصيَ بدارِه لبَيعةٍ أو كَنيسةٍ أو لبِناءِ بَيعةٍ أو كَنيسةٍ، أو أَوصَى أنْ تُذبحَ خَنازيرُه ويُطعَمَ المُشرِكونَ؛ فإنَّه يَجوزُ، وقالَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ: لا يَجوزُ؛ لأنَّ ذلك مَعصيةٌ، وفي الجَوازِ تَقريرُها فلا تَجوزُ، ولأَبي حَنيفةَ أنَّ ذلك قُربةٌ في مُعتقدِهم وقد أُمِرنا أنْ نَتركَهم وما يَدينونَ، قالَ ﷺ : «اترُكوهم وما يَدينونَ» أي: يَعتقِدونَ، فيَجوزُ ذلك بِناءً على اعتِقادِهم، وأمَّا قَولُه بأنَّه تَقريرُ المَعصيةِ فليس بشَيءٍ؛ لأنَّ ذلك لو مُنعَ لما جازَ قَبولُ الجِزيةِ؛ لأنَّه تَقريرٌ لكُفرِهم وبَقائِهم عليه؛ ومِثالُ الثالِثةِ الوَصيةُ لمَساجِدِنا بالعِمارةِ والحَجِّ وغيرِ ذلك، فهي باطِلةٌ نَظرًا إلى اعتِقادِهم، ومِثالُ الرابِعةِ الوَصيةُ للنَّوائحِ والمُغنِّياتِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّه مَعصيةٌ عندَنا وعندَهم وفي جَميعِ الأَديانِ فلا وَجهَ إلى الجَوازِ، ولو كانَ لقَومٍ مَعلومينَ مُعيَّنينَ جازَ بطَريقِ التَّمليكِ لا بطَريقِ الوَصيةِ والاستِخلافِ، وكذلك الفَصلُ الثالِثُ: حَربيٌّ دخَلَ دارَنا بأَمانٍ فأَوصَى بجَميعِ مالِه لمُسلمٍ أو ذِميٍّ جازَ؛ لأنَّ
стр. 14730
عَدمَ الجَوازِ بما زادَ على الثُّلثِ إنَّما كانَ لحَقِّ الوَرثةِ، ألَا تَرى أنَّهم لو أَجازوا جازَ؟ وليسَ للوَرثةِ حَقٌّ مُحتَرمٌ لكَونِهم في دارِ الحَربِ؛ إذْ هُمْ كالأَمواتِ في أَحكامِنا فصارَ كأنْ لا وارِثَ له فيَصحُّ (١).
وقالَ المالِكيةُ: تَصحُّ وَصيةُ الكافِرِ وتُنفَّذُ كما تُنفَّذُ صَدقتُه؛ لأنَّه حُرٌّ مالِكٌ مُميِّزٌ، ولأنَّ اختِلافَ الأَديانِ أو الدارِ لا يُؤثِّرُ في التَّمليكِ بالوَصيةِ إلا أنْ يُوصيَ بخَمرٍ أو خِنزيرٍ لمُسلمٍ لعَدمِ قَبولِ ذلك للمِلكِ، أمَّا إذا أَوصَى بخَمرٍ أو خِنزيرٍ لكافِرٍ صَحَّت وَصيتُه؛ لأنَّه أَوصَى بها لمَن يَصحُّ مِلكُه لها، وثَمرةُ الصِّحةِ الحُكمُ بإِنفاذِها إذا تَرافَعوا إلينا (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: تَصحُّ وَصيةُ الكافِرِ ذِميًّا كانَ أو حَربيًّا بما تَصحُّ وَصيةُ المُسلمِ به وإنِ اعتَقَده مَعصيةً، كعِمارةِ مَساجدِنا مع اعتِقادِنا أنَّه لا قُربةَ فيه إذا ماتَ كافِرًا.
وإنْ أَوصَى بما نَراه مَعصيةً وهو يَعتقِدُه طاعةً لم يَنفُذْ إذا رُفعَ إلينا، كعِمارةِ كَنيسةٍ أو بِنائِها أو كِتابةِ التَّوراةِ والإِنجيلِ أو قِراءَتِهما وما أشبَهَهما، وكذا بخَمرٍ ولا خِنزيرٍ سَواءٌ أَوصَى لمُسلمٍ أو ذِميٍّ (٣).
стр. 14731
وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ وَصيةُ الكافِرِ مُطلَقًا؛ لأنَّ هِبتَه صَحيحةٌ فالوَصيةُ أوْلى (١).
٨ - أنْ يَكونَ مالِكًا للمُوصَى به مِلكًا تامًّا:
اشتَرَط عامَّةُ الفُقهاءِ في الشَّيءِ المُوصَى به أنْ يَكونَ مَملوكًا للمُوصي وَقتَ نَفاذِ الوَصيةِ.
قالَ الإِمامُ أَبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ: لم يَختلِفوا فيمَن أَوصَى لرَجلٍ بشَيءٍ ثم ماتَ وهو في غيرِ مِلكِه أنَّ وَصيتَه بذلك غيرُ جائِزةٍ (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقد أجمَعوا على أنَّه لو أَوصَى بشَيءٍ وماتَ وهو في غيرِ مِلكِه أنَّ الوَصيةَ باطِلةٌ (٣).
وقالَ الدَّرديرُ: صَحَّ إِيصاءُ حُرٍّ مالِكٍ للمُوصَى به مِلكًا تامًّا، فمُستغرَقُ الذِّمةِ وغيرُ المالِكِ لا تَصحُّ وَصيتُهما (٤).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: ويُؤخذُ من اعتِبارِ تَصوُّرِ المِلكِ اشتِراطُ كَونِ المُوصَى به مَملوكًا للمُوصي، فتَمتنِعُ الوَصيةُ بمالِ الغيرِ (٥).
стр. 14732
الرُّكنُ الثالِثُ: المُوصَى له:
المُوصَى له هو: مَنْ تبَرَّعَ له المُوصي بجُزءٍ من مالِه بعدَ وَفاتِه.
وقد اشتَرَط الفُقهاءُ في المُوصَى له عِدةَ شُروطٍ، بَيانُها فيما يَلي:
هو كلُّ مَنْ يُتصوَّرُ له المِلكُ من كَبيرٍ أو صَغيرٍ، واشتَرَط الفُقهاءُ في المُوصَى له عِدةَ شُروطٍ، منها ما يَلي:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ المُوصَى له مَوجودًا يُتصوَّرُ له المِلكُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوصَى له هل يُشتَرطُ أنْ يَكونَ مَوجودًا حين الوَصيةِ أو لا يُشتَرطُ، وهذا يَظهرُ في الوَصيةِ للحَملِ والوَصيةِ للمَيتِ.
أ- الوَصيةُ للحَملِ:
الوَصيةُ للحَملِ لا تَخلو من حالتَينِ: إمَّا أنْ يَكونَ الحَملُ مَوجودًا حينَ الوَصيةِ وإمَّا ألَّا يَكونَ مَوجودًا كمَن أَوصَى لحَملٍ سيَحدثُ.
الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ الحَملُ مَوجودًا حين الوَصيةِ:
لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على جَوازِ الوَصيةِ للحَملِ المَوجودِ ولو نُطفةً أو عَلقةً، مِثلَ أنْ يَقولَ: «أَوصَيتُ بثُلثِ مالي لمَا في بَطنِ فُلانةَ»؛ لأنَّ الحَملَ لمَّا ملَكَ بالإِرثِ -وهو أضيَقُ- ملَكَ بالوَصيةِ التي هي أوسَعُ، بدَليلِ أنَّ كلَّ مَنْ ورِثَ المالَ صَحَّت الوَصيةُ له، وقد تَصحُّ الوَصيةُ لمَن لا يَرثُ وهو العَبدُ، والحَملُ ممَّن يَرثُ فصَحَّت له الوَصيةُ.
ولأنَّ الوَصيةَ استِخلافٌ من وَجهٍ؛ لأنَّه يَجعَلُه خَليفةً في بعضِ مالِه بعدَ
стр. 14733
مَوتِه، لا أنَّه يَملكُه في الحالِ، والاستِخلافُ يَصلُحُ له الجَنينُ إِرثًا فكذا يَصلُحُ وَصيةً؛ لأنَّهما أُختانِ، ولأنَّ أكثَرَ ما في الحَملِ الغَررُ والجَهالةُ به، وذلك لا يُؤثِّرُ في الوَصيةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ: وأمَّا الوَصيةُ للحَملِ فصَحيحةٌ أيضًا، لا نَعلمُ فيه خِلافًا، وبذلك قالَ الثَّوريُّ والشافِعيُّ وإِسحاقُ وأبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ، وذلك لأنَّ الوَصيةَ جَرَت مَجرى المِيراثِ من حيثُ كَونُها انتِقالَ المالِ من الإِنسانِ بعدَ مَوتِه إلى المُوصَى له بغيرِ عِوضٍ كانتِقالِه إلى وارِثِه، وقد سَمَّى اللهُ تَعالى المِيراثَ وَصيةً بقَولِه : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] وقالَ : ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] والحَملُ يَرثُ فتَصحُّ الوَصيةُ له، ولأنَّ الوَصيةَ أوسَعُ من المِيراثِ؛ فإنَّها تَصحُّ للمُخالِفِ في الدِّينِ وللعَبدِ، بخِلافِ المِيراثِ، فإذا ورِثَ الحَملُ فالوَصيةُ له أوْلى، ولأنَّ الوَصيةَ تَتعلَّقُ بخَطرٍ وغَررٍ فتَصحُّ للحَملِ كالعِتقِ (١).
وقد اشتَرطَ الفُقهاءُ لصِحةِ الوَصيةِ للحَملِ المَوجودِ أنْ يَنفصِلَ الحَملُ حَيًّا؛ فإنِ انفصَلَ الحَملُ مَيتًا بطَلَت الوَصيةُ؛ لأنَّه لا يَرثُ، ولأنَّه يَحتمِلُ ألَّا يَكونَ حَيًّا حينَ الوَصيةِ فلا تَثبتُ له الوَصيةُ والمِيراثُ بالشَّكِّ.
стр. 14734
ولو وضَعَته حَيًّا فماتَ صَحَّت الوَصيةُ وكانَت لوارِثِ الحَملِ كالمِيراثِ.
وسَواءٌ ماتَ لعارِضٍ من ضَربِ البَطنِ أو ضَربِ دَواءٍ أو غيرِه لمَا بَيَّنَّا من أنَّه لا يَرثُ، وإنْ وضَعَته حَيًّا صحَّت الوَصيةُ له إذا حَكَمنا بوُجودِه حالَ الوَصيةِ (١).
الحالةُ الثانيةُ: ألَّا يَكونَ الحَملُ مَوجودًا كمَن أَوصَى لحَملٍ سيَحدثُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا أَوصَى لمَن سيُولَدُ لفُلانٍ أو لمَا تَحمِلُ هذه المَرأةُ، هل يَصحُّ أو يُشتَرطُ أنْ يَكونَ مَوجودًا وَقتَ الوَصيةِ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يُشتَرطُ أنْ يَكونَ الحَملُ مَوجودًا وَقتَ الوَصيةِ، فتَصحُّ الوَصيةُ للحَملِ وإنْ كانَ مَعدومًا ولم يَحدُثْ وَقتَ الوَصيةِ، فإذا حمَلَت بعدَ الوَصيةِ صَحَّت الوَصيةُ؛ لأنَّ المُوصي لم يَعتبِرْ وُجودَه.
стр. 14735
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشتَرطُ لصِحةِ الوَصيةِ للحَملِ أنْ يَكونَ مَوجودًا وَقتَ الوَصيةِ، فلا تَصحُّ الوَصيةُ لمَن سيُولَدُ أو لمَن ستَحمِلُه هذه المَرأةُ؛ لأنَّ الوَصيةَ تَمليكٌ فلا تَصحُّ للمَعدومِ، ولأنَّ الوَصيةَ أُجريَت مُجرَى المِيراثِ، ولو ماتَ إِنسانٌ لم يَرِثْه من الحَملِ إلا مَنْ كانَ مَوجودًا، كذلك الوَصيةُ (١).
ب- الوَصيةُ للمَيتِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُوصيَ إذا لم يَعلَمْ بمَوتِ المُوصَى له ثم أَوصَى له ثم تَبيَّنَ أنَّه كانَ مَيتًا قبلَ الوَصيةِ فالوَصيةُ باطِلةٌ؛ إذِ المَيتُ لا يَصحُّ تَمليكُه (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا فيما لو علِمَ المُوصي مَوتَ المُوصَى له ثم أَوصَى له، هل تَصحُّ الوَصيةُ وتُصرفُ في دَينِه إنْ كانَ أو تُصرفُ في وُجوهِ الخَيرِ عنه أو تَكونُ لوَرثتِه، أو لا تَصحُّ وتَبطلُ وَصيتُه؟
стр. 14736
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ المُوصيَ إذا علِمَ بمَوتِ المُوصَى له فأَوصَى له فالوَصيةُ صَحيحةٌ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ فعَمَّ، ولأنَّه آدَميٌّ صَحَّت الوَصيةُ له كالحَيِّ، ولأنَّها أحدُ أَحوالِ الآدَميِّ فجازَت الوَصيةُ فيها كحالِ الحَياةِ، ولأنَّ الغَرضَ بالوَصيةِ نَفعُ المُوصَى له على وَجهٍ يَصحُّ من العُقلاءِ قَصدُه، وذلك يَختلِفُ باختِلافِ حالِ من يُوصَى له، تارةً يَكونُ بالتَّمليكِ للحَيِّ، وتارةً يَكونُ بغيرِه كالوَصيةِ للمَسجدِ والقَنطرةِ والجُسورِ وما أشبَهَ ذلك، فإذا أَوصَى لمَسجدٍ فقد عُلمَ أنَّه لم يُرِدْ تَمليكَه وإنَّما أرادَ صَرفَ الوَصيةِ في مَصالِحِه، وكذلك الجُسورُ والقَنطرةُ، وكذلك إذا أَوصَى لمَيتٍ وهو يَعلمُ أنَّه مَيتٌ، إنَّما أرادَ صَرفَ الوَصيةِ في وُجوهِ نَفعِه ومَصالحِه.
والغَرضُ من الوَصيةِ للمَيتِ أنْ يَكونَ مالُه الذي يَتركُه يُتصدَّقُ به عنه ويُقضَى منه دُيونَه إنْ كانَ عليه دَينٌ، ويَرثُه وَرثتُه إنْ لم يَكنْ عليه دَينٌ أو يَرثونَ الباقيَ، وسَواءٌ علِمَ المُوصي أنَّ على المُوصَى له دَينًا أو له وارِثٌ أو لا.
وحيث لم يَكنْ عليه دَينٌ ولا وارِثَ له فقَولانِ في المَذهبِ:
أحدُهما: أنَّها تَكونُ لبَيتِ المالِ؛ لأنَّه وارِثٌ شَرعيٌّ فيُدفعُ له حيثُ لم يَكنْ له وارِثٌ ولا عليه دَينٌ.
والثاني: تَبطلُ الوَصيةُ ولا تُعطَى لبَيتِ المالِ بِناءً على أنَّ بَيتَ المالِ حائِزٌ وليسَ بوارِثٍ (١).
стр. 14737
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوصيَ إذا أَوصَى لإِنسانٍ وهو يَعلمُ أنَّه مَيتٌ؛ فإنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ، وتَكونُ باطِلةً؛ لأنَّه لا خِلافَ أنَّه لو وهَبَ لزَيدٍ وهو مَيتٌ فالهِبةُ باطِلةٌ علِمَ بمَوتِه أو لم يَعلَمْ، ووَرثتُه لا يَقومونَ في قَبولِها مَقامَه، كذلك الوَصيةُ أوْلى؛ لأنَّها إنَّما أوجَبَها للمَيتِ، فإذا لم تَصحَّ للمَيتِ لم يَستحقُّوها عنه.
ولأنَّه عَقدٌ يَفتقِرُ إلى القَبولِ فلم يَصحَّ للمَيتِ كالهِبةِ (١).
ج- إذا أَوصَى لاثنَينِ أحدُهما حَيٌّ والآخَرُ مَيتٌ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَوصَى المُوصي لاثنَينِ أحدُهما حَيٌّ والآخَرُ مَيتٌ، هل يَأخذُ الحَيُّ جَميعَ الوَصيةِ أو يَأخذُ نِصفَها؟
فهذا لا يَخلو من حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يُوصيَ لاثنَينِ أحدُهما حَيٌّ والآخَرُ مَيتٌ:
فذهَبَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ إلى أنَّ مَنْ أَوصَى لزَيدٍ وعَمرٍو بثُلثِ مالِه فإذا عَمرٌو مَيتٌ قبلَ الوَصيةِ فالثُّلثُ كلُّه لزَيدٍ، سَواءٌ علِمَ بمَوتِ المَيتِ
стр. 14738
أو جهِلَه؛ لأنَّ المَيتَ ليسَ بأهلٍ للوَصيةِ فلا يُزاحِمُ الحَيَّ الذي هو من أهلِها، فصارَ كما إذا أَوصَى لزَيدٍ وجِدارٍ.
وعن أَبي يُوسفَ أنَّه قالَ: إذا كانَ يَعلمُ بمَوتِه فهو كذلك، وإنْ كانَ لا يَعلمُ بمَوتِه فللحَيِّ نِصفُ الثُّلثِ؛ لأنَّه لم يَرضَ للحَيِّ إلا بنِصفِ الثُّلثِ، ونِصفُه لوَرثةِ المَيتِ.
ولو كانا حَيَّينِ وَقتَ الوَصيةِ ثم ماتَ أحدُهما قبلَ مَوتِ المُوصي بطَلَت في حِصتِه وانتقَلَ ذلك إلى وَرثةِ المُوصي، وللحَيِّ نِصفُ الثُّلثِ، وإنْ ماتَ أحدُهما بعدَ مَوتِ المُوصي كانَ نَصيبُه مَوروثًا عنه (١).
وقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: إنْ وَصَّى لحَيٍّ ومَيتٍ يَعلمُ المُوصي بمَوتِه أو لم يَعلَمْ بمَوتِه فللحَيِّ النِّصفُ ولو لم يَقُلِ المُوصي بأنَّ المُوصَى به بينَهما؛ لأنَّه أَضافَ الوَصيةَ إليهما، فإذا لم يَكنْ أحدُهما مَحلًّا للتَّمليكِ بطَلَ في نَصيبِه وبَقيَ نَصيبُ الحَيِّ، وهو النِّصفُ.
وعن أَبي الخَطابِ: إذا علِمَه مَيتًا فالجَميعُ للحَيِّ، وإنْ لم يَعلَمْه مَيتًا فللحَيِّ النِّصفُ، قالَ ابنُ قُدامةَ: وقد نُقلَ عن أَحمدَ ما يَدلُّ على هذا القَولِ، قالَ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ: إذا أَوصَى لفُلانٍ وفُلانٍ بمِئةٍ فبانَ أحدُهما مَيتًا فللحَيِّ خَمسونَ، فقيلَ له: أليسَ إذا قالَ: «ثُلثِي لفُلانٍ وللحائِطِ»، أنَّ الثُّلثَ كلَّه لفُلانٍ؟ فقالَ: وأيُّ شَيءٍ يُشبهُ هذا الحائِطَ له مِلكٌ؟ فعلى هذا إذا شرَّكَ
стр. 14739
بينَ من تَصحُّ الوَصيةُ له ومَن لا تَصحُّ، مِثلَ أنْ يُوصيَ لفُلانٍ وللمَلكِ وللحائِطِ أو لفُلانٍ المَيتِ فالمُوصَى به كلُّه لمَن تَصحُّ الوَصيةُ له إذا كانَ عارفًا بالحالِ؛ لأنَّه إذا شرَّكَ بينَهما في هذه الحالِ عُلمَ أنَّه قُصدَ بالوَصيةِ كلِّها مَنْ تَصحُّ الوَصيةُ له.
وإنْ لم يُعلَمِ الحالُ فلمَن تَصحُّ الوَصيةُ له نِصفُها؛ لأنَّه قصَدَ إِيصالَ نِصفِها إليه وإلى الآخَرِ النِّصفَ الآخَرَ ظَنًّا منه أنَّ الوَصيةَ له صَحيحةٌ، فإذا بطَلَت الوَصيةُ في حَقِّ أحدِهما صَحَّت في حَقِّ الآخَرِ بقِسطِه كتَفريقِ الصَّفقةِ.
ووَجهُ القَولِ الأولِ: أنَّه جعَلَ الوَصيةَ لاثنَينِ فلم يَستحِقَّ أحدُهما جَميعَها كما لو كانا ممَّن تَصحُّ الوَصيةُ لهما فماتَ أحدُهما، أو كما لو لم يَعلمِ الحالَ (١).
وقالَ العِمرانِيُّ الشافِعيُّ: وإنْ وَصَّى بثُلثِه لحَيٍّ ومَيتٍ فللحَيِّ نِصفُ الثُّلثِ وتَبطلُ الوَصيةُ للمَيتِ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: الثُّلثُ كلُّه للحَيِّ.
وحَكاه المَسعوديُّ قَولًا آخَرَ لنا، وليسَ بمَشهورٍ (٢).
стр. 14740
وقالَ الإِمامُ البَغويُّ الشافِعيُّ: ولو أَوصَى بثُلثِه لحَيٍّ ومَيتٍ كانَ نِصفُه للحَيِّ، سَواءٌ كانَ عالِمًا بمَوتِ المَيتِ يَومَ الوَصيةِ أو كانَ يَظنُّه حَيًّا فبانَ مَيتًا.
وقيلَ: كلُّه للحَيِّ (١).
وأمَّا المالِكيةُ فلم أقِفْ لهم على قَولٍ إلا أنَّ مُقتَضى مَذهبِ المالِكيةِ أنَّه إذا أَوصَى لاثنَينِ أحدُهما حَيٌّ والآخَرُ مَيتٌ وكانَ يَعلمُ بمَوتِه فالثُّلثُ بينَهما نِصفانِ، نِصفُه للحَيِّ والنِّصفُ الآخَرُ للمَيتِ يُصرفُ في دَينِه أو إلى وَرثتِه.
قالَ أَبو بَكرِ بنُ المُنذرِ: واختلَفوا في الرَّجلِ يَقولُ: لفُلانٍ ولفُلانٍ مِئةُ دِرهمٍ، وأحدُهما مَيتٌ فكانَ الثَّوريُّ والنُّعمانُ ويَعقوبُ ومُحمدٌ يَقولونَ: هي للحَيِّ منهما.
وقالَ أَحمدُ وإِسحاقُ: ما للحَيِّ إلا خَمسونَ دِرهمًا، ولا وَصيةَ للمَيتِ (٢).
والحالةُ الثانيةُ: أنْ يَقولَ: «ثُلثُ مالي بينَ زَيدٍ وعَمرٍو» وزَيدٌ مَيتٌ:
نَصَّ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُوصيَ إذا قالَ: «ثُلثُ مالي بينَ زَيدٍ وعَمرٍو»، وزَيدٌ مَيتٌ كانَ لعَمرٍو نِصفُ الثُّلثِ؛ لأنَّ كَلمةَ «بينَ» كَلمةُ تَقسيمٍ واشتِراكٍ، فقد أَوصَى لكلِّ واحِدٍ منهما بنِصفِ الثُّلثِ بخِلافِ ما تقدَّمَ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ قالَ: «ثُلثُ مالي لفُلانٍ»، وسكَتَ كانَ له كلُّ الثُّلثِ، ولو قالَ: «ثُلثُ مالي بينَ فُلانٍ»، وسكَتَ لم يَستحِقَّ الثُّلثَ؟ (٣)