← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14736–14775 · переход к 14741.

стр. 14736

فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ المُوصيَ إذا علِمَ بمَوتِ المُوصَى له فأَوصَى له فالوَصيةُ صَحيحةٌ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ فعَمَّ، ولأنَّه آدَميٌّ صَحَّت الوَصيةُ له كالحَيِّ، ولأنَّها أحدُ أَحوالِ الآدَميِّ فجازَت الوَصيةُ فيها كحالِ الحَياةِ، ولأنَّ الغَرضَ بالوَصيةِ نَفعُ المُوصَى له على وَجهٍ يَصحُّ من العُقلاءِ قَصدُه، وذلك يَختلِفُ باختِلافِ حالِ من يُوصَى له، تارةً يَكونُ بالتَّمليكِ للحَيِّ، وتارةً يَكونُ بغيرِه كالوَصيةِ للمَسجدِ والقَنطرةِ والجُسورِ وما أشبَهَ ذلك، فإذا أَوصَى لمَسجدٍ فقد عُلمَ أنَّه لم يُرِدْ تَمليكَه وإنَّما أرادَ صَرفَ الوَصيةِ في مَصالِحِه، وكذلك الجُسورُ والقَنطرةُ، وكذلك إذا أَوصَى لمَيتٍ وهو يَعلمُ أنَّه مَيتٌ، إنَّما أرادَ صَرفَ الوَصيةِ في وُجوهِ نَفعِه ومَصالحِه. والغَرضُ من الوَصيةِ للمَيتِ أنْ يَكونَ مالُه الذي يَتركُه يُتصدَّقُ به عنه ويُقضَى منه دُيونَه إنْ كانَ عليه دَينٌ، ويَرثُه وَرثتُه إنْ لم يَكنْ عليه دَينٌ أو يَرثونَ الباقيَ، وسَواءٌ علِمَ المُوصي أنَّ على المُوصَى له دَينًا أو له وارِثٌ أو لا. وحيث لم يَكنْ عليه دَينٌ ولا وارِثَ له فقَولانِ في المَذهبِ: أحدُهما: أنَّها تَكونُ لبَيتِ المالِ؛ لأنَّه وارِثٌ شَرعيٌّ فيُدفعُ له حيثُ لم يَكنْ له وارِثٌ ولا عليه دَينٌ. والثاني: تَبطلُ الوَصيةُ ولا تُعطَى لبَيتِ المالِ بِناءً على أنَّ بَيتَ المالِ حائِزٌ وليسَ بوارِثٍ (١).

стр. 14737

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوصيَ إذا أَوصَى لإِنسانٍ وهو يَعلمُ أنَّه مَيتٌ؛ فإنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ، وتَكونُ باطِلةً؛ لأنَّه لا خِلافَ أنَّه لو وهَبَ لزَيدٍ وهو مَيتٌ فالهِبةُ باطِلةٌ علِمَ بمَوتِه أو لم يَعلَمْ، ووَرثتُه لا يَقومونَ في قَبولِها مَقامَه، كذلك الوَصيةُ أوْلى؛ لأنَّها إنَّما أوجَبَها للمَيتِ، فإذا لم تَصحَّ للمَيتِ لم يَستحقُّوها عنه. ولأنَّه عَقدٌ يَفتقِرُ إلى القَبولِ فلم يَصحَّ للمَيتِ كالهِبةِ (١). ج- إذا أَوصَى لاثنَينِ أحدُهما حَيٌّ والآخَرُ مَيتٌ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَوصَى المُوصي لاثنَينِ أحدُهما حَيٌّ والآخَرُ مَيتٌ، هل يَأخذُ الحَيُّ جَميعَ الوَصيةِ أو يَأخذُ نِصفَها؟ فهذا لا يَخلو من حالتَينِ: الحالةُ الأُولى: أنْ يُوصيَ لاثنَينِ أحدُهما حَيٌّ والآخَرُ مَيتٌ: فذهَبَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ إلى أنَّ مَنْ أَوصَى لزَيدٍ وعَمرٍو بثُلثِ مالِه فإذا عَمرٌو مَيتٌ قبلَ الوَصيةِ فالثُّلثُ كلُّه لزَيدٍ، سَواءٌ علِمَ بمَوتِ المَيتِ

стр. 14738

أو جهِلَه؛ لأنَّ المَيتَ ليسَ بأهلٍ للوَصيةِ فلا يُزاحِمُ الحَيَّ الذي هو من أهلِها، فصارَ كما إذا أَوصَى لزَيدٍ وجِدارٍ. وعن أَبي يُوسفَ أنَّه قالَ: إذا كانَ يَعلمُ بمَوتِه فهو كذلك، وإنْ كانَ لا يَعلمُ بمَوتِه فللحَيِّ نِصفُ الثُّلثِ؛ لأنَّه لم يَرضَ للحَيِّ إلا بنِصفِ الثُّلثِ، ونِصفُه لوَرثةِ المَيتِ. ولو كانا حَيَّينِ وَقتَ الوَصيةِ ثم ماتَ أحدُهما قبلَ مَوتِ المُوصي بطَلَت في حِصتِه وانتقَلَ ذلك إلى وَرثةِ المُوصي، وللحَيِّ نِصفُ الثُّلثِ، وإنْ ماتَ أحدُهما بعدَ مَوتِ المُوصي كانَ نَصيبُه مَوروثًا عنه (١). وقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: إنْ وَصَّى لحَيٍّ ومَيتٍ يَعلمُ المُوصي بمَوتِه أو لم يَعلَمْ بمَوتِه فللحَيِّ النِّصفُ ولو لم يَقُلِ المُوصي بأنَّ المُوصَى به بينَهما؛ لأنَّه أَضافَ الوَصيةَ إليهما، فإذا لم يَكنْ أحدُهما مَحلًّا للتَّمليكِ بطَلَ في نَصيبِه وبَقيَ نَصيبُ الحَيِّ، وهو النِّصفُ. وعن أَبي الخَطابِ: إذا علِمَه مَيتًا فالجَميعُ للحَيِّ، وإنْ لم يَعلَمْه مَيتًا فللحَيِّ النِّصفُ، قالَ ابنُ قُدامةَ: وقد نُقلَ عن أَحمدَ ما يَدلُّ على هذا القَولِ، قالَ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ: إذا أَوصَى لفُلانٍ وفُلانٍ بمِئةٍ فبانَ أحدُهما مَيتًا فللحَيِّ خَمسونَ، فقيلَ له: أليسَ إذا قالَ: «ثُلثِي لفُلانٍ وللحائِطِ»، أنَّ الثُّلثَ كلَّه لفُلانٍ؟ فقالَ: وأيُّ شَيءٍ يُشبهُ هذا الحائِطَ له مِلكٌ؟ فعلى هذا إذا شرَّكَ

стр. 14739

بينَ من تَصحُّ الوَصيةُ له ومَن لا تَصحُّ، مِثلَ أنْ يُوصيَ لفُلانٍ وللمَلكِ وللحائِطِ أو لفُلانٍ المَيتِ فالمُوصَى به كلُّه لمَن تَصحُّ الوَصيةُ له إذا كانَ عارفًا بالحالِ؛ لأنَّه إذا شرَّكَ بينَهما في هذه الحالِ عُلمَ أنَّه قُصدَ بالوَصيةِ كلِّها مَنْ تَصحُّ الوَصيةُ له. وإنْ لم يُعلَمِ الحالُ فلمَن تَصحُّ الوَصيةُ له نِصفُها؛ لأنَّه قصَدَ إِيصالَ نِصفِها إليه وإلى الآخَرِ النِّصفَ الآخَرَ ظَنًّا منه أنَّ الوَصيةَ له صَحيحةٌ، فإذا بطَلَت الوَصيةُ في حَقِّ أحدِهما صَحَّت في حَقِّ الآخَرِ بقِسطِه كتَفريقِ الصَّفقةِ. ووَجهُ القَولِ الأولِ: أنَّه جعَلَ الوَصيةَ لاثنَينِ فلم يَستحِقَّ أحدُهما جَميعَها كما لو كانا ممَّن تَصحُّ الوَصيةُ لهما فماتَ أحدُهما، أو كما لو لم يَعلمِ الحالَ (١). وقالَ العِمرانِيُّ الشافِعيُّ: وإنْ وَصَّى بثُلثِه لحَيٍّ ومَيتٍ فللحَيِّ نِصفُ الثُّلثِ وتَبطلُ الوَصيةُ للمَيتِ. وقالَ أَبو حَنيفةَ: الثُّلثُ كلُّه للحَيِّ. وحَكاه المَسعوديُّ قَولًا آخَرَ لنا، وليسَ بمَشهورٍ (٢).

стр. 14740

وقالَ الإِمامُ البَغويُّ الشافِعيُّ: ولو أَوصَى بثُلثِه لحَيٍّ ومَيتٍ كانَ نِصفُه للحَيِّ، سَواءٌ كانَ عالِمًا بمَوتِ المَيتِ يَومَ الوَصيةِ أو كانَ يَظنُّه حَيًّا فبانَ مَيتًا. وقيلَ: كلُّه للحَيِّ (١). وأمَّا المالِكيةُ فلم أقِفْ لهم على قَولٍ إلا أنَّ مُقتَضى مَذهبِ المالِكيةِ أنَّه إذا أَوصَى لاثنَينِ أحدُهما حَيٌّ والآخَرُ مَيتٌ وكانَ يَعلمُ بمَوتِه فالثُّلثُ بينَهما نِصفانِ، نِصفُه للحَيِّ والنِّصفُ الآخَرُ للمَيتِ يُصرفُ في دَينِه أو إلى وَرثتِه. قالَ أَبو بَكرِ بنُ المُنذرِ: واختلَفوا في الرَّجلِ يَقولُ: لفُلانٍ ولفُلانٍ مِئةُ دِرهمٍ، وأحدُهما مَيتٌ فكانَ الثَّوريُّ والنُّعمانُ ويَعقوبُ ومُحمدٌ يَقولونَ: هي للحَيِّ منهما. وقالَ أَحمدُ وإِسحاقُ: ما للحَيِّ إلا خَمسونَ دِرهمًا، ولا وَصيةَ للمَيتِ (٢). والحالةُ الثانيةُ: أنْ يَقولَ: «ثُلثُ مالي بينَ زَيدٍ وعَمرٍو» وزَيدٌ مَيتٌ: نَصَّ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُوصيَ إذا قالَ: «ثُلثُ مالي بينَ زَيدٍ وعَمرٍو»، وزَيدٌ مَيتٌ كانَ لعَمرٍو نِصفُ الثُّلثِ؛ لأنَّ كَلمةَ «بينَ» كَلمةُ تَقسيمٍ واشتِراكٍ، فقد أَوصَى لكلِّ واحِدٍ منهما بنِصفِ الثُّلثِ بخِلافِ ما تقدَّمَ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ قالَ: «ثُلثُ مالي لفُلانٍ»، وسكَتَ كانَ له كلُّ الثُّلثِ، ولو قالَ: «ثُلثُ مالي بينَ فُلانٍ»، وسكَتَ لم يَستحِقَّ الثُّلثَ؟ (٣)

стр. 14741

قالَ الكَرابيسيُّ في «الفُروق»: إذا قالَ: «ثُلثُ مالي لفُلانٍ وفُلانٍ»، وأحدُهما مَيتٌ فالثُّلثُ كلُّه للحَيِّ، ولو قالَ: «ثُلثُ مالي بينَ فُلانٍ وفُلانٍ»، وأحدُهما مَيتٌ فللحَيِّ نِصفُ الثُّلثِ، والفَرقُ أنَّ لَفظَ «بينَ» لَفظُ اشتِراكٍ، بدَليلِ أنَّه لا يَصحُّ إِدخالُه على الواحِدِ، فإذا قالَ: «بينَ فُلانٍ وفُلانٍ»، فقد أشرَكَ بينَهما في اللَّفظِ، فلا يَجبُ لكلِّ واحِدٍ منهما إلا نِصفُه، فلا يَستحقُّ أكثَرَ من النِّصفِ، وفي مَسألتِنا قَولُه: «لفُلانٍ»، فليس بلَفظِ اشتِراكٍ، بدَليلِ أنَّه يَصحُّ لواحِدٍ، وهو أنْ يَقولَ: «ثُلثُ مالي لفُلانٍ»، وسكَتَ عليه؛ فإنَّه يَستحِقُّ الجَميعَ فثبَتَ أنَّه ليسَ بلَفظِ اشتِراكٍ، فقد أوجَبَ الجَميعَ للأولِ، والواجِبُ للثاني مُزاحمةً بينَه وبينَ الأولِ، ولا يَصحُّ وُجودُ المُزاحمةِ من المَيتِ فلم يُوجَدْ نُقصانٌ في الجاريةِ للأولِ فاستحَقَّ الجَميعَ. إذا أَوصَى بثُلثِ مالِه لفُلانٍ وله مالٌ فهلَكَ ذلك المالُ أو لم يَكنْ له مالٌ ثم اكتسَبَ مالًا فله ثُلثُ مالِه بعدَ مَوتِه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: ولو قالَ: «أَوصَيت لكلِّ واحِدٍ من فُلانٍ وفُلانٍ بنِصفِ الثُّلثِ أو بنِصفِ المِئةِ أو بخَمسينَ»، لم يَستحِقَّ أحدُهما أكثَرَ من نِصفِ الوَصيةِ سَواءٌ كانَ شَريكُه حَيًّا أو مَيتًا؛ لأنَّه عيَّنَ وَصيتَه في النِّصفِ، فلم يَكنْ له حَقٌّ فيما سِواه (٢).

стр. 14742

د- إذا أَوصَى لاثنَينِ حَيَّينِ فماتَ أحدُهما: قالَ ابنُ قُدامةَ: إنْ وَصَّى لاثنَينِ حَيَّينِ فماتَ أحدُهما فللآخَرِ نِصفُ الوَصيةِ لا نَعلمُ في هذا خِلافًا، وكذلك لو بطَلَت الوَصيةُ في حَقِّ أحدِهما لرَدِّه لها أو لخُروجِه عن أنْ يَكونَ من أهلِها (١). وقالَ الحَنفيةُ: لو كانا حَيَّينِ وَقتَ الوَصيةِ ثم ماتَ أحدُهما قبلَ مَوتِ المُوصي بطَلَت في حِصتِه وانتَقَل ذلك إلى وَرثةِ المُوصي، وللحَيِّ نِصفُ الثُّلثِ، وإنْ ماتَ أحدُهما بعدَ مَوتِ المُوصي كانَ نَصيبُه مَوروثًا عنه (٢). الشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ المُوصَى له ممَّن يَصحُّ أنْ يَملكَ: اشتَرطَ الفُقهاءُ في المُوصَى له أنْ يَكونَ أَهلًا للتَّمليكِ، فلا تَصحُّ الوَصيةُ لمَن لا يَملكُ، ومن فُروعِ هذا الشَّرطِ ما يَلي: أ- الوَصيةُ لدابةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الوَصيةِ للدَّابةِ هل تَصحُّ أو لا؟ وهل يُشتَرطُ أنْ يكونَ في الدابةُ نَفعٌ للآدَميِّ أو لا؟ وهل يُشتَرطُ قَبولُ صاحِبِ الدابةِ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ -في الجُملةِ عندَهم- إلى صِحةِ الوَصيةِ للدابةِ بأنْ تُصرفَ الوَصيةُ في عَلفِها، فإنْ أَوصَى لذاتِ الدابةِ فلا تَصحُّ اتِّفاقًا؛ لأنَّ الدابةَ لا تَملكُ حالًا ولا مآلًا، فاستَحالَ تَمليكُها.

стр. 14743

قالَ الحَنفيةُ: لو أَوصَى لفَرسِ فُلانٍ يُنفَقُ عليه كلَّ شَهرٍ عَشرةٌ فالوَصيةُ لصاحِبِ الفَرسِ، فلو نفَقَ أو باعَه بطَلَت الوَصيةُ (١). وقالَ الشافِعيةُ: الوَصيةُ لدابةِ غيرِه باطِلةٌ، سَواءٌ أقصَدَ تَمليكَها أم أطلَقَ؛ لأنَّ مُطلَقَ اللَّفظِ للتَّمليكِ وهي لا تَملكُ حالًا ولا مآلًا. قالَ الزَّركَشيُّ: وقياسُ ما مَرَّ من صِحةِ الوَقفِ على الخَيلِ المُسبَلةِ صِحةُ الوَصيةِ لها بل أوْلى، أي: عندَ الإِطلاقِ. فإنْ فسَّرَ الوَصيةَ لها بالصَّرفِ إلى عَلفِها فوَصيةٌ صَحيحةٌ، وتَكونُ لمالِكِها؛ لأنَّ عَلفَها عليه، فهو المَقصودُ بها كالوَصيةِ لعِمارةِ دارِه؛ فإنَّها له؛ لأنَّ عِمارتَها عليه، فهو المَقصودُ بها، ويُشتَرطُ قَبولُ مالِكِ الدابةِ لها، وكذا مالِكُ الدارِ كسائِرِ الوَصايا، ثم يَتعيَّنُ صَرفُه في الأُولَى لعَلفِها وفي الثانيةِ للعِمارةِ فيما يَظهرُ، رِعايةً لغَرضِ الوَصيِّ، فيَتولَّى الإِنفاقَ عليها الوَصيُّ أو نائِبُه من مالِكٍ أو غيرِه ثم القاضي أو نائِبُه كذلك. ولو ماتَ المُوصي قبلَ التَّفسيرِ رجعَ إلى وارِثِه، فإنْ قالَ: «أرادَ العَلفَ»، صَحَّت وإلا حلَفَ وبطَلَت، فإنْ قالَ: «لا أدْري ما أَرادَ»، بطَلَت فتَصحُّ في صُورةٍ وتَبطلُ في صُورتَينِ. ولو تَنازعَ الوارِثُ ومالِكُ الدابةِ فقالَ المالِكُ: «أَرادَ تَمليكي»، وقال الوارِثُ: «تَمليكَها» صُدِّق الوارِثُ بيَمينِه؛ لأنَّه غارِمٌ. ولو باعَها مالِكُها انتقَلَت الوَصيةُ للمُشتَري كما في العَبدِ، وهذا قَولُ النَّوويِّ.

стр. 14744

وقالَ الرافِعيُّ: هي للبائِعِ. قالَ السُّبكيُّ: وهو الحَقُّ إنِ انتقَلَت بعدَ المَوتِ، وإلا فالحَقُّ أنَّه للمُشتَري. وعليه لو قبِلَ البائِعُ ثم باعَ الدابةَ فظاهِرٌ أنَّه يَلزمُ صَرفُ ذلك لعَلفِها وإنْ صارَت مِلكَ غيرِه. ويُشتَرطُ في الدابةِ أنْ يَكونَ لها مالِكٌ، فالوَصيةُ لعَلفِ الطُّيورِ غيرِ المَملوكةِ باطِلةٌ كالوَقفِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا تَصحُّ الوَصيةُ لبَهيمةٍ إنْ قصَدَ المُوصي تَمليكَها؛ لاستِحالةِ تَمليكِها. وإنْ أَوصَى لفَرسٍ حَبيسٍ يُنفقُ عليه صَحَّ؛ لأنَّ ذلك قُربةٌ يَصحُّ بَذلُ المالِ فيها، فصَحَّت الوَصيةُ له كالوَصيةِ للفُقراءِ، وإذا أرادَ المُوصي تَمليكَ الفَرسِ لم تَصحَّ الوَصيةُ لاستِحالةِ تَمليكِه، ولا يُشتَرطُ قَبولُ صاحِبِ الفَرسِ. ويُصرفُ المُوصَى به في عَلفِ الفَرسِ الحَبيسِ؛ لأنَّ الوَصيةَ له أمرٌ بصَرفِ المالِ في مَصلحتِه. فإنْ ماتَ الفَرسُ المُوصَى له قبلَ صَرفِ المُوصَى به إليه أو بعضِه أو شرَدَ أو سُرقَ أو غُصبَ ولم يُمكِنْ عَودُه رُدَّ المُوصَى به أو باقيه إلى الوَرثةِ لبُطلانِ مَحلِّ الوَصيةِ؛ لأنَّه عيَّنَ للوَصيةِ جِهةً فإذا فاتَت عادَت إلى الوَرثةِ كما لو وَصَّى أنْ يُشتَرى عَبدُ زيدٍ فيُعتَقَ فماتَ العَبدُ أو لم يَبِعْه سيِّدُه أو تَعذَّرَ شِراؤُه.

стр. 14745

وقيلَ: لا يُردُّ إلى الوَرثةِ بل يُصرفُ إلى فَرسٍ آخَرَ حَبيسٍ، وهو احتِمالٌ لأَبي الخَطابِ (١). أمَّا المالِكيةُ فاشتَرطوا لصِحةِ الوَصيةِ للدابةِ أنْ يَكونَ فيها نَفعٌ للآدَميِّ، قالَ عُلَيشٌ في «مِنَح الجَليل»: ولا تَصحُّ الوَصيةُ لبَهيمةٍ لا مَنفعةَ فيها لآدَميٍّ (٢). ب- الوَصيةُ للمَلَكِ والجِنيِّ: نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ على عَدمِ صِحةِ الوَصيةِ للمَلَكِ أو للجِنيِّ. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: قالَ القاضي أَبو الطَّيبِ: ويُؤخذُ منه أيضًا أنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ لجِنيٍّ، وبه صرَّحَ ابنُ قُدامةَ الحَنبَليُّ؛ لأنَّه لا يَملِكُ بالتَّمليكِ (٣). قالَ الحَنابِلةُ: لا تَصحُّ الوَصيةُ لمَن لا يَملكُ كالمَلَكِ -بفَتحِ اللَّامِ، واحِدُ المَلائِكةِ- والجِنيُّ؛ لأنَّه تَمليكٌ، وهُما لا يَملكانِ فلم يَصحَّ لهما كالهِبةِ (٤).

стр. 14746

الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ المُوصَى له مَعلومًا غيرَ مَجهولٍ وغيرَ مُبهَمٍ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُوصيَ إذا أَوصَى لإِنسانٍ مُعيَّنٍ غيرِ مُبهَمٍ وغيرِ مَجهولٍ ممَّن يَصحُّ له التَّمليكُ فالوَصيةُ صَحيحةٌ. وقد فرَّعَ الفُقهاءُ على هذا الشَّرطِ بعضَ المَسائلِ، منها: أ- الوَصيةُ لمُبهمٍ أو مَجهولٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوصَى له هل يُشتَرطُ كَونُه مَعلومًا مُعيَّنًا كزَيدٍ أو لا يُشتَرطُ وتَصحُّ الوَصيةُ لمَجهولٍ كأحدِ هذَينِ الرَّجلَينِ ولم يُعيِّنْ واحدًا منهما؟ أمَّا لو أَوصَى بثُلثِ مالِه لرَجلٍ من الناسِ فلا تَصحُّ الوَصيةُ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ هذه جَهالةٌ لا يُمكنُ إِزالتُها، والجَهالةُ التي لا يُمكنُ استِدراكُها تَمنعُ من تَسليمِ المُوصَى به إلى المُوصَى له فلا تَعني الوَصيةَ. وإنَّما الخِلافُ في الجَهالةِ التي يُمكنُ إِزالتُها كأَوصَيت لأَحدِ هذَينِ الرَّجلَينِ؛ فإنَّ العُلماءَ اختلَفوا فيها. فذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشتَرطُ في المُوصَى له المُعيَّنِ أنْ يَكونَ مَعلومًا، فلو قالَ: «أَوصَيت لأحدِ هذَينِ الرَّجلَينِ» لم يَصحَّ. لأَبي حَنيفةَ أنَّ الوَصيةَ تَمليكٌ عندَ المَوتِ فتَستَدعي كَونَ المُوصَى له مَعلومًا عندَ المَوتِ، والمُوصَى له عندَ المَوتِ مَجهولٌ فلم تَصحَّ الوَصيةُ من الأَصلِ، كما لو أَوصَى لواحِدٍ من الناسِ، فلا يُمكنُ القَولُ بالشُّيوعِ، ولا يُقامُ الوارِثُ مَقامَ المُوصي في البَيانِ؛ لأنَّ ذلك حُكمُ الإِيجابِ الصَّحيحِ ولم يَصحَّ،

стр. 14747

إلا أنَّ المُوصي لو بيَّنَ الوَصيةَ في أَحدِهما حالَ حَياتِه صَحَّت؛ لأنَّ البَيانَ إِنشاءُ الوَصيةِ لأَحدِهما فكانَ وَصيةً مُستأنَفةً لأَحدِهما عَينًا، وإنَّها صَحيحةٌ (١). قالَ الحَنابِلةُ: لا تَصحُّ الوَصيةُ لمَجهولٍ له، كأنْ يُوصيَ بثُلثِه لأحدِ هذَينِ الرَّجلَينِ أو المَسجدَينِ أو قال: «أَوصَيت بكذا لجاري فُلانٍ أو قَرابَتي فُلانٍ» باسمٍ مُشتَركٍ؛ لأنَّ تَعيينَ المُوصَى له شَرطٌ، فإذا قالَ: «لأحدِ هذَينِ»، فقد أبهَمَ المُوصَى له، وكذا الجارُ والقَريبُ، لوُقوعِه على كلٍّ من المُسمَّيَينِ، ما لم تَكُنْ قَرينةٌ تَدلُّ على أنَّه أَرادَ مُعيَّنًا من الجارِ والقَريبِ، فيُعطَى مَنْ دَلَّت القَرينةُ على إِرادتِه، فإنْ قالَ: «أَعطوا ثُلثِي أَحدَهما»، صَحَّ، كما لو قالَ: «أَعتِقوا أحدَ عَبدَيَّ»، وللوَرثةِ الخِيرةُ فيمَن يُعطونَه الثُّلثَ من الاثنَينِ. والفَرقُ بينَ هذه والتي قبلَها أنَّ قَولَه: «أَعطوا ثُلثِي أَحدَهما» أمرٌ بالتَّمليكِ فصَحَّ جَعلُه إلى اختيارِ الوَرثةِ، كما لو قالَ لوَكيلِه: «بِعْ سِلعَتي من أحدِ هذَينِ»، بخِلافِ قَولِه: «وَصَّيت» ونَحوَه؛ فإنَّه مِلكٌ مُعلَّقٌ بالمَوتِ فلم يَصحَّ لمُبهمٍ (٢). وذهَبَ الصاحِبانِ من الحَنفيةِ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ وأَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَصحُّ إذا قالَ: «أَوصَيت لأحدِ هذَينِ الرَّجلَينِ». غيرَ أنَّ الوَصيةَ عندَ أَبي يُوسفَ تَكونُ بينَهما نِصفَينِ.

стр. 14748

وعندَ مُحمدٍ الخيارُ إلى الوارِثِ يُعطي أيَّهما شاءَ. وَجهُ قَولِ مُحمدٍ أنَّ الإِيجابَ وقَعَ صَحيحًا؛ لأنَّ أَحدَهما -وإنْ كانَ مَجهولًا- فهذه جَهالةٌ تُمكنُ إِزالتُها، ألَا تَرى أنَّ المُوصي لو عيَّنَ أَحدَهما حالَ حَياتِه لتَعيَّنَ؟ ثم إنَّ مُحمدًا يَقولُ: لمَّا ماتَ عجَزَ عن التَّعيينِ بنَفسِه فيَقومُ وارِثُه مَقامَه في التَّعيينِ. وأَبو يُوسفَ يَقولُ: لمَّا ماتَ قبلَ التَّعيينِ شاعَت الوَصيةُ لهما وليسَ أَحدُهما بأوْلى من الآخَرِ، كمَن أعتَقَ أحدَ عَبدَيه ثم ماتَ قبلَ البَيانِ فالعِتقُ يَشيعُ فيهما جَميعًا فيُعتَقُ من كلِّ واحِدٍ منهما نِصفُه، كذا ههنا، يَكونُ لكلِّ واحِدٍ منهما نِصفُ الوَصيةِ (١). وعلى القَولِ بالصِّحةِ عندَ الحَنابِلةِ قيلَ: يُعيِّنُه الوَرثةُ. وقيلَ: يُعيَّنُ بقُرعةٍ، قالَ المِرداويُّ: قطَعَ به في «القَواعِد الفِقهية» وهو الصَّوابُ (٢). ب- الوَصيةُ لجَماعةٍ: الوَصيةُ لجَماعةٍ لا تخلو من حالَتَينِ: الحالةُ الأُولى: أنْ تَكونَ الوَصيةُ لجَماعةٍ أو لقَومٍ مُعيَّنينَ مَحصورينَ كالقَبيلةِ المَحصورةِ أو الفُقراءِ أو المَساكينِ، فقد اتَّفقَ الفُقهاءُ على صِحةِ الوَصيةِ لهم.

стр. 14749

الحالةُ الثانيةُ: أنْ يُوصيَ لقَومٍ غيرِ مَحصورينَ كقَبيلةٍ لا يُحصَوْن كبَني تَميمٍ وتَغلِبَ، فقد اختَلفَ الفُقهاءُ في صِحةِ الوَصيةِ لهم هل تَجوزُ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ من أَوصَى لقَومٍ غيرِ مَحصورينَ أنَّ الوَصيةَ صَحيحةٌ؛ لعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ولأنَّها وَصيةٌ لفِرقةٍ غيرِ مُعيَّنةٍ ولا مُحصاةٍ كالفُقراءِ، ولأنَّ النَّسبَ مَعنًى يُتعرَّفُ به الجِنسُ المُوصَى له، فإذا حصَلَت مَعرفتُه لم يَضرَّ الجَهلُ بعَددِهم وأَعيانِهم في صِحةِ الوَصيةِ لهم كالصِّفاتِ، مِثلَ قَولِه: العُلماءُ والفُقراءُ (١). إلا أنَّهم اختَلَفوا: ما الذي يُجزئُ في الدَّفعِ إليهم؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه يَجبُ عَدمُ التَّعميمِ؛ لأنَّه غيرُ مُمكنٍ. فقالَ المالِكيةُ: لا يَلزمُ تَعميمُ الجَميعِ لتَعذُّرِه، ولا التَّسويةُ بينَهم، بل يَجتهِدُ مُتولِّي التِّفرِقةِ في الذي حضَرَ منهم في القَدرِ الذي يُعطيه، فيُعطيهم بقَدرِ الحاجةِ ويَكونُ ذلك. أمَّا القَبيلةُ التي يُمكنُ حَصرُها فيَلزمُه التَّعميمُ (٢). وقالَ الشافِعيةُ: له الاقتِصارُ على ثَلاثةٍ منهم كما في الفُقراءِ، ولا يَجبُ عليه التَّسويةُ بينَ الثَّلاثةِ ولا يُشتَرطُ قَبولُهم (٣).

стр. 14750

وقالَ الحَنابِلةُ: يُجزئُ الدَّفعُ إلى واحِدٍ منهم كالدَّفعِ في الزَّكاةِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ -في مُقابلِ الأظهَرِ (٢) - إلى أنَّ الوَصيةَ لقَومٍ لا يُحصَوْن باطِلةٌ إذا لم يَكنْ في اللَّفظِ ما يُنبئُ عن الحاجةِ، وإنْ كانَ فيه ما يُنبئُ عن الحاجةِ فالوَصيةُ جائِزةٌ؛ لأنَّهم إذا كانوا لا يُحصَوْن ولم يَذكُرْ في اللَّفظِ ما يَدلُّ على الحاجةِ وقَعَت الوَصيةُ تَمليكًا منهم وهم مُجهولونَ، والتَّمليكُ من المَجهولِ جَهالةٌ لا يُمكنُ إِزالتُها فلا يَصحُّ. ثم اختُلفَ في تَفسيرِ الإِحصاءِ: قالَ أَبو يُوسفَ: إنْ كانوا لا يُحصَوْن إلا بكِتابٍ أو حِسابٍ فهم لا يُحصَوْن. وقالَ مُحمدٌ: إنْ كانوا أكثَرَ من مِئةٍ فهم لا يُحصَوْن. وقيلَ: إنْ كانوا بحيث لا يُحصيهم مُحصٍ حتى يُولَدَ منهم مَولودٌ ويَموتَ منهم مَيتٌ فهم لا يُحصَوْن. وقيلَ: يُفوَّضُ إلى رأيِ القاضي. وإنْ كانَ في اللَّفظِ ما يَدلُّ على الحاجةِ كانَت وَصيتُه بالصَّدقةِ، وهي إِخراجُ المالِ إلى اللهِ ، واللهُ واحِدٌ مَعلومٌ فصَحَّت الوَصيةُ. قالَ الكاسانِيُّ: ثم إذا صَحَّت الوَصيةُ فالأفضَلُ للوَصيِّ أنْ يُعطيَ الثُّلثَ لمَن يَقرُبُ إليه منهم، فإنْ جعَلَه في واحِدٍ فما زادَ جازَ عندَ أَبي حَنيفةَ وأبي

стр. 14751

يُوسفَ، وعندَ مُحمدٍ لا يَجوزُ إلا أنْ يُعطيَ اثنَينِ منهم فصاعِدًا، ولا يَجوزُ أنْ يُعطيَ واحِدًا إلا نِصفَ الوَصيةِ. وبَيانُ هذه الجُملةِ في مَسائلَ: إذا أَوصَى بثُلثِ مالِه للمُسلِمين لم تَصحَّ؛ لأنَّ المُسلِمين لا يُحصَوْن وليسَ في لَفظِ المُسلِمينَ ما يُنبئُ عن الحاجةِ، فوقَعَت الوَصيةُ تَمليكًا من مَجهولٍ فلم تَصحَّ. ولو أَوصَى لفُقراءِ المُسلِمينَ أو لمَساكينِهم صَحَّت الوَصيةُ؛ لأنَّهم -وإنْ كانوا لا يُحصَوْن- عندَهم اسمُ الفَقيرِ والمِسكينِ يُنبئُ عن الحاجةِ، فكانَت الوَصيةُ لهم تَقرُّبًا إلى اللهِ ﵎ طَلبًا لمَرضاتِه لا لمَرضاةِ الفَقيرِ، فيَقعُ المالُ للهِ تَعالى ، فالفُقراءُ يَتملَّكون بتَمليكِ اللهِ تَعالى منهم، واللهُ عَزَّ شَأنُه واحِدٌ مَعلومٌ، ولهذا كانَ إِيجابُ الصَّدقةِ من اللهِ من الأَغنياءِ على الفُقراءِ صَحيحًا وإنْ كانوا لا يُحصَوْن. وإذا صَحَّت الوَصيةُ فلو صرَفَ الوَصيُّ جَميعَ الثُّلثِ إلى فَقيرٍ واحِدٍ جازَ عندَ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ، وقالَ مُحمدٌ: لا يَجوزُ إلا أنْ يُعطيَ منهم اثنَينِ فصاعِدًا، ولا يَجوزُ أنْ يُعطيَ واحِدًا منهم إلا نِصفَ الثُّلثِ … وكذلك لو أَوصَى لفُقراءِ بَني فُلانٍ دونَ أَغنيائِهم، وبَنو فُلانٍ قَبيلةٌ لا تُحصَى ولا يُحصَى فُقراؤُهم، فالوَصيةُ جائِزةٌ لمَا قُلنا، بل أوْلى؛ لأنَّه لمَّا صَحَّت الوَصيةُ لفُقراءِ المُسلِمين مع كَثرتِهم فلَأنْ تَصحَّ لفُقراءِ القَبيلةِ أوْلى (١).

стр. 14752

وقالَ الإِمامُ أَبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ فيمَن أَوصَى لقَبيلةٍ لا يُحصَوْن: قالَ أَصحابُنا: إذا أَوصَى لبَني فُلانٍ، قَبيلةٍ لا يُحصَوْن فالوَصيةُ باطِلةٌ. وقالَ ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ: هي جائِزةٌ. وقالَ المُزنِيُّ في مُختصَرِه عن الشافِعيِّ: ولو أَوصَى له ولمَن لا يُحصَى بثُلثِه فالقياسُ أنَّه كأَحدِهم، فهذا يَدلُّ على جَوازِ الوَصيةِ لمَن لا يُحصَى. وقالَ الرَّبيعُ عن الشافِعيِّ: وإنْ حبَسَ على عَشيرةٍ وهم لا يُحصَوْن مِثلَ بَني تَميمٍ فقد قيلَ: إنْ أُعطيَ منهم ثَلاثةٌ فصاعِدًا أَجزأَه كالوَصيةِ للفُقراءِ. وقد قيلَ: لا شَيءَ لهم؛ لأنَّهم قَومٌ بأَعيانِهم لا يُدرَى ما يَصيرُ لكلِّ واحِدٍ منهم. قالَ أَبو جَعفَرٍ: قد اتَّفقَ الجَميعُ على جَوازِ الوَصيةِ للفُقراءِ وإنْ لم يَكونوا مُعيَّنينَ، إلا أنَّ ذلك إنَّما جازَ لأنَّها للهِ تَعالى، وإذا دخَلَ فيها الأَغنياءُ وهم غيرُ مَحصورينَ صارَت حَقًّا لآدَميٍّ، وحَقُّ الآدَميِّ لا يَثبُتُ لغيرِ عَينٍ، ألَا تَرى أنَّه لو أقَرَّ بمَجهولٍ غيرِ مُعيَّنٍ لم يَجُزْ إِقرارُه، كذلك الوَصيةُ، وأيضًا فإنَّ الوَصيةَ إذا كانَت لآدَميٍّ فإنَّما يَتمُّ قَبولُ المُوصَى له، والمُوصَى له ههنا غيرُ مُعيَّنٍ ولا يَصحُّ منه القَبولُ فلم تَصحَّ (١).

стр. 14753

الشَّرطُ الرابِعُ: ألاَّ تَكونَ الوَصيةُ في مَعصيةٍ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على صِحةِ الوَصيةِ من المُسلمِ لجِهةٍ عامَّةٍ كعِمارةِ المَساجدِ وتَرميمِها، وكذا الوَصيةُ للرِّباطِ وغيرِها من الجِهاتِ العامَّةِ التي فيها القُربةُ. وصرَّحَ جُمهورُ الفُقهاءِ الصاحِبانِ من الحَنفيةِ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يُشتَرطُ في المُوصَى له أنْ يَكونَ طاعةً غيرَ مَعصيةٍ، وبِناءً عليه صَرَّحوا بحُرمةِ ما يَلي: أولًا: الوَصيةُ ببِناءِ البَيعِ والكَنائسِ: أ- أنْ يُوصيَ ببِناءِ البِيعِ والكَنائسِ مُسلمٌ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يُشتَرطُ لصِحةِ الوَصيةِ من المُسلمِ أنْ تَكونَ في غيرِ مَعصيةٍ، فلا يَجوزُ للمُسلمِ أنْ يُوصيَ بمَعصيةٍ كبِناءِ كَنيسةٍ أو بَيتِ نارٍ أو مَكانٍ من أماكِنِ الكُفرِ أو الفِسقِ كالخَماراتِ وبُيوتِ القِمارِ، سَواءٌ كانَت ببِنائِه أو بشَيءٍ يُنفَقُ عليه؛ لأنَّ هذه وَصايا باطِلةٌ وأَفعالٌ مُحرَّمةٌ؛ لأنَّها مَعصيةٌ فلم تَصحَّ الوَصيةُ بها، كما لو وَصَّى بعَبدِه أو أَمتِه للفُجورِ، ولأنَّها مَجمَعٌ لمَا أبطَلَه اللهُ تَعالى من صَلاتِهم وإِظهارِ كُفرِهم، ففي ذلك إِعانةٌ لهم على مَعصيتِهم وتَعظيمِ كَنائسِهم، ولتَحريمِ ما يُستأنَفُ إِحداثُه في بِلادِ الإِسلامِ من البِيعِ والكَنائسِ. ووَجهُ عَدمِ الصِّحةِ أنَّ الوَصيةَ شُرعَت اجتِلابًا للحَسناتِ واستِدراكًا لمَا فاتَ وذلك يُنافي المَقصودَ؛ لأنَّ المَقصودَ من شَرعِ الوَصيةِ تَدارُكُ ما

стр. 14754

فاتَ في حالِ الحَياةِ من الإِحسانِ، فلا يَجوزُ أنْ تَكونَ من جِهةِ مَعصيةٍ، وإنَّما تَكونُ من جِهةِ قُربةٍ كالفُقراءِ، أو مُباحٍ لا يَظهرُ فيه قُربةٌ كالأَغنياءِ. قالَ ابنُ قُدامةَ: وذكَرَ القاضي أنَّه لو أَوصَى لحُصْرِ البِيَعِ وقَناديلِها وما شاكَلَ ذلك ولم يَقصدْ إِعظامَها بذلك صَحَّت الوَصيةُ؛ لأنَّ الوَصيةَ لأهلِ الذِّمةِ؛ فإنَّ النَّفعَ يَعودُ إليهم، والوَصيةُ لهم صَحيحةٌ. والصَّحيحُ أنَّ هذا ممَّا لا تَصحُّ الوَصيةُ به؛ لأنَّ ذلك إنَّما هو إِعانةٌ لهم على مَعصيتِهم وتَعظيمِ كَنائسِهم. ونُقلَ عن أَحمدَ كَلامٌ يَدلُّ على صِحةِ الوَصيةِ من الذِّميِّ بخِدمةِ الكَنيسةِ. والأوَّلُ أَولى وأصَحُّ، وإنْ وَصَّى ببِناءِ بَيتٍ يَسكنُه المُجتازونَ من أهلِ الذِّمةِ وأهلِ الحَربِ صَحَّ؛ لأنَّ بِناءَ مَساكنِهم ليسَ بمَعصيةٍ (١). ب- أنْ يُوصيَ ببِناءِ البِيعِ والكَنائسِ ذِميٌّ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الذِّميِّ إذا أَوصَى ببِناءِ كَنيسةٍ أو بَيعةٍ هل يَجوزُ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الصاحِبانِ من الحَنفيةِ -أبو يُوسفَ ومُحمدٌ-

стр. 14755

والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا تَصحُّ وَصيةُ الذِّميِّ بمَعصيةٍ كبِناءِ كَنيسةٍ أو بَيتِ نارٍ أو مَكانٍ من أَماكنِ الكُفرِ، سَواءٌ كانَت ببِنائِه أو بشَيءٍ يُنفَقُ عليه؛ لأنَّ هذه وَصايا باطِلةٌ وأَفعالٌ مُحرَّمةٌ؛ لأنَّها مَعصيةٌ، فلم تَصحَّ الوَصيةُ بها كما لو وَصَّى بعَبدِه أو أَمتِه للفُجورِ، وأنَّها مَجمَعٌ لمَا أبطَلَه اللهُ تَعالى من صَلاتِهم وإِظهارِ كُفرِهم، ففي ذلك إِعانةٌ لهم على مَعصيتِهم وتَعظيمِ كَنائسِهم ولتَحريمِ ما يُستأنَفُ إِحداثُه في بِلادِ الإِسلامِ من البِيعِ والكَنائسِ. ولأنَّ هذه في الحَقيقةِ مَعصيةٌ وإنْ كانَت في مُعتقدِهم قُربةً، والوَصيةُ بالمَعصيةِ باطِلةٌ؛ لمَا في تَنفيذِها من تَقريرِها. فإنْ أَوصَى أحدٌ من أهلِ الذِّمةِ بأنْ تُبنَى دارُه بَيعةً أو كَنيسةً لم يَجُزْ. قالَ الماوَرديُّ: وسَواءٌ تَحاكَموا إلينا في الوَصيةِ أو إلى حاكِمِهم، إلا أنَّهم إنْ تَحاكَموا إلينا أبطَلنا الوَصيةَ ومنَعنا من البِناءِ، وإنْ لم يَتحاكَموا إلينا مَنَعنا من البِناءِ ولم نَتعرَّضْ للوَصيةِ. فإنْ كانَت الوَصيةُ بعِمارةِ بَيعةٍ قد استُهدِمت أبطَلنا الوَصيةَ إنْ تَرافَعوا إلينا، ومَنَعنا من البِناءِ لبُطلانِ الوَصيةِ، وإنْ لم يَترافَعوا إلينا لم نَتعرَّضْ للوَصيةِ، فإنْ بَنَوْها لم يُمنَعوا لاستِحقاقِ إِقرارِهم الذي يُقدَّمُ عليها. ولو أَوصَى ببِناءِ كَنيسةٍ أو بَيعةٍ في دارِ الحَربِ لم يُعتَرضْ عليهم في الوَصيةِ ولا في البِناءِ؛ لأنَّ أَحكامَنا لا تَجري على دارِ الحَربِ، فإنْ تَرافَعوا في الوَصيةِ إلينا حكَمنا بإِبطالِها، ولم نَمنَعْ من بِنائِها (١).

стр. 14756

وذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ اليَهوديَّ أو النَّصرانِيَّ إذا صنَعَ بَيعةً أو كَنيسةً في صِحتِه ثم ماتَ فهو مِيراثٌ؛ لأنَّ هذا بمَنزلةِ الوَقفِ عندَه، والوَقفُ عندَه يُورَثُ ولا يَلزمُ، فكذا هذا، وإنْ أَوصَى بذلك لقَومٍ مُسمَّينِ فهو جائِزٌ من الثُّلثِ. وإنْ أَوصَى بدارِه كَنيسةً لقَومٍ غيرِ مُسمَّينِ -أي: غيرِ مَحصورينَ- جازَت الوَصيةُ؛ لأنَّ الاعتِبارَ لمُعتقَدِهم؛ لأنَّ هذه قُربةٌ في مُعتقَدِهم، ونحن أُمِرنا بأنْ نَتركَهم وما يَدينونَ، فيَجوزُ بِناءً على اعتِقادِهم، ألَا يُرى أنَّه لو أَوصَى بما هو قُربةٌ حَقيقةً ومَعصيةٌ في مُعتقَدِهم لا تَجوزُ الوَصيةُ اعتِبارًا لاعتِقادِهم فكذا عَكسُه؛ فإنَّهم لو أوصَوْا بالحَجِّ لم يُعتبَرْ وإنْ كانَ عِبادةً عندَنا بلا خِلافٍ، فكذلك إذا أوصَوْا بما هو في مُعتقَدِهم عِبادةٌ صَحَّ، وإنْ كانَ عندَنا مَعصيةً؛ لأنَّا أُمِرنا أنْ نَتركَهم وما يَدينونَ. وهذا إذا أَوصَى ببِناءِ البَيعةِ أو الكَنيسةِ في القُرى، فأمَّا في المِصرِ فلا يَجوزُ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّهم لا يُمكَّنونَ من إِحداثِ ذلك في الأَمصارِ، وذكَرَ الفَرقَ بينَ بِناءِ البَيعةِ والكَنيسةِ والوَصيةِ بذلك. قالَ في «الهِدايةِ»: ثم الحاصِلُ أنَّ وَصايا الذِّميِّ على أربَعةِ أَقسامٍ:

стр. 14757

منها: أنْ تَكونَ قُربةً في مُعتقدِهم ولا تَكونُ قُربةً في حَقِّنا، وهو ما ذكَرناه، وما إذا أَوصَى الذِّميُّ بأنْ تُذبحَ خَنازيرُه وتُطعَمَ المُشركينَ، وهذه على الخِلافِ إذا كانَ لقَومٍ غيرِ مُسمَّينَ كما ذكَرناه، والوَجهُ ما بَيَّناه. ومنها: إذا أَوصَى بما يَكونُ قُربةً في حَقِّنا ولا يَكونُ قُربةً في مُعتقدِهم، كما إذا أَوصَى بالحَجِّ أو بأنْ يُبنَى مَسجدٌ للمُسلِمينَ أو بأنْ يُسرجَ في مَساجدِ المُسلِمينَ، فهذه الوَصيةُ باطِلةٌ بالإِجماعِ اعتِبارًا لاعتِقادِهم، إلا إذا كانَ لقَومٍ بأَعيانِهم لوُقوعِه تَمليكًا؛ لأنَّهم مَعلومونَ والجِهةُ مَشهورةٌ. ومنها: إذا أَوصَى بما يَكونُ قُربةً في حَقِّنا وفي حَقِّهم، كما إذا أَوصَى بأنْ يُسرجَ في بَيتِ المَقدسِ أو يُغزَى التُّركُ وهم من الرُّومِ، وهذا جائِزٌ سَواءٌ كانَت لقَومٍ بأَعيانِهم أو بغيرِ أَعيانِهم؛ لأنَّه وَصيةٌ بما هو قُربةٌ حَقيقةً وفي مُعتقَدِهم أيضًا. ومنها: إذا أَوصَى بما لا يَكونُ قُربةً لا في حَقِّنا ولا في حَقِّهم، كما إذا أَوصَى للمُغنِّياتِ والنائِحاتِ؛ فإنَّ هذا غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّه مَعصيةٌ في حَقِّنا وفي حَقِّهم، إلا أنْ يَكونَ لقَومٍ بأَعيانِهم فيَصحَّ تَمليكًا واستِخلافًا، وصاحِبُ الهَوى إنْ كانَ لا يَكفرُ فهو في حَقِّ الوَصيةِ بمَنزلةِ المُسلمِ؛ لأنَّا أُمِرنا ببِناءِ الأَحكامِ على الظاهِرِ، وإنْ كانَ يَكفرُ فهو بمَنزلةِ المُرتدِ فيَكونُ على الخِلافِ المَعروفِ في تَصرفاتِه بينَ أَبي حَنيفةَ وصاحِبَيه، وفي المُرتدةِ الأصَحُّ أنَّها تَصحُّ وَصاياها؛ لأنَّها تَبقَى على الرِّدةِ بخِلافِ المُرتدِّ؛ لأنَّه يُقتلُ أو يُسلمُ (١).

стр. 14758

وقالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ: ولو أَوصَى المُسلمُ لبَيعةٍ أو كَنيسةٍ بوَصيةٍ فهو باطِلٌ؛ لأنَّه مَعصيةٌ. ولو أَوصَى الذِّميُّ بثُلثِ مالِه للبَيعةِ أو لكَنيسةٍ أنْ يُنفقَ عليها في إِصلاحِها أو أَوصَى لبَيتِ النارِ أو أَوصَى بأنْ يُذبحَ لعِيدِهم أو للبَيعةِ أو لبَيتِ النارِ ذَبيحةٌ جازَ في قَولِ أَبي حَنيفةَ ﵀ وعندَهما لا يَجوزُ. وجُملةُ الكَلامِ في وَصايا أهلِ الذِّمةِ أنَّها لا تَخلو من أنْ يَكونَ المُوصَى به أمرًا هو قُربةٌ عندَنا وعندَهم، أو كانَ أمرًا هو قُربةٌ عندَنا لا عندَهم. فإنْ كانَ المُوصَى به شَيئًا هو قُربةٌ عندَنا وعندَهم بأنْ أَوصَى بثُلثِ مالِه أنْ يُتصدَّقَ به على فُقراءِ المُسلِمينَ أو على فُقراءِ أهلِ الذِّمةِ أو بعِتقِ الرِّقابِ أو بعِمارةِ المَسجدِ الأَقصَى ونَحوِ ذلك جازَ في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّ هذا ممَّا يَتقرَّبُ به المُسلِمونَ وأهلُ الذِّمةِ. وإنْ كانَ شَيئًا هو قُربةٌ عندَنا وليسَ بقُربةٍ عندَهم بأنْ أَوصَى بأنْ يُحجَّ عنه أو أَوصَى بأنْ يُبنى مَسجدٌ للمُسلِمينَ ولم يُبيِّنْ، لا يَجوزُ في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّهم لا يَتقرَّبونَ به فيما بينَهم، فكانَ مُستهزِئًا في وَصيتِه، والوَصيةُ يُبطِلُها الهَزلُ. وإنْ كانَ شيئًا هو قُربةٌ عندَهم لا عندَنا بأنْ أَوصَى بأرضٍ له تُبنَى بَيعةً أو كَنيسةً أو بَيتَ نارٍ أو بعِمارةِ البَيعةِ أو الكَنيسةِ أو بَيتِ النارِ أو بالذَّبحِ لعِيدِهم أو للبَيعةِ أو لبَيتِ النارِ فهو على الاختِلافِ الذي ذكَرنا أنَّه يَجوزُ عندَ أَبي حَنيفةَ ﵀ وعندَهما لا يَجوزُ.

стр. 14759

وَجهُ قَولِهما: أنَّ الوَصيةَ بهذه الأَشياءِ وَصيةٌ بما هو مَعصيةٌ والوَصيةُ بالمَعاصي لا تَصحُّ. وَجهُ قَولِ أَبي حَنيفةَ: أنَّ المُعتبَرَ في وَصيتِهم ما هو قُربةٌ عندَهم، لا ما هو قُربةٌ حَقيقةً؛ لأنَّهم ليسوا من أهلِ القُربةِ الحَقيقيةِ، ولهذا لو أَوصَى بما هو قُربةٌ عندَنا وليسَ بقُربةٍ عندَهم لم تَجُزْ وَصيتُه كالحَجِّ وبِناءِ المَسجدِ للمُسلِمينَ، فدَلَّ على أنَّ المُعتبَرَ ما هو قُربةٌ عندَهم، وقد وُجدَ، ولكنَّا أُمِرنا بألَّا نَتعرَّضَ لهم فيما يَدينونَ كما لا نَتعرَّضُ لهم في عِبادةِ الصَّليبِ وبَيعِ الخَمرِ والخِنزيرِ فيما بينَهم. ولو بَنى الذِّميُّ في حَياتِه بَيعةً أو كَنيسةً أو بَيتَ نارٍ كانَ مِيراثًا بينَ وَرثتِه في قَولِهم جَميعًا على اختِلافِ المَذهبَينِ. أمَّا على أَصلِهما فظاهِرٌ؛ لأنَّه مَعصيةٌ، وأمَّا عندَه فلأنَّه بمَنزلةِ الوَقفِ، والمُسلمُ لو جعَلَ دارًا وَقفًا إنْ ماتَ صارَت مِيراثًا، كذا هذا. فإنْ قيلَ: لم لا يُجعلُ حُكمُ البَيعةِ فيما بينَهم كحُكمِ المَسجدِ فيما بينَ المُسلِمينَ؟ فالجَوابُ: أنَّ حالَ المَسجدِ يُخالفُ حالَ البَيعةِ؛ لأنَّ المَسجدَ صارَ خالِصًا للهِ ﵎ وانقطَعَت عنه مَنافِعُ المُسلِمينَ، وأمَّا البَيعةُ فإنَّها باقيةٌ على مَنافعِهم؛ فإنَّه يَسكنُ فيها أَساقِفتُهم ويُدفنُ فيها مَوتاهم، فكانَت باقيةً على مَنافعِهم فأشبَهَ الوَقفَ فيما بينَ المُسلِمينَ، والوَقفُ فيما بينَ المُسلِمينَ لا يُزيلُ مِلكَ الرَّقبةِ عندَه، فكذا هذا.

стр. 14760

لو أَوصَى مُسلمٌ بغَلةِ جاريتِه أنْ تَكونَ في نَفقةِ المَسجدِ ومُؤنتِه فانهَدَم المَسجدُ وقد اجتمَعَ من غَلتِها شَيءٌ أنفَقَ ذلك في بِنائِه؛ لأنَّه بالانْهِدامِ لم يَخرجْ من أنْ يَكونَ مَسجدًا، وقد أَوصَى له بغَلتِها، فتُنفقُ في بِنائِه وعِمارتِه، واللهُ أعلَمُ (١). ثانيًا: الوَصيةُ بكِتابةِ التَّوراةِ والإِنجيلِ: صرَّحَ عامَّةُ الفُقهاءِ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في الأصَحِّ بعَدمِ صِحةِ الوَصيةِ بكِتابةِ التَّوراةِ والإِنجيلِ والزَّبورِ والصُّحفِ وما أُلحقَ بها؛ لأنَّها كُتبٌ مَنسوخةٌ، والاشتِغالُ بها غيرُ جائِزٍ لمَا فيها من التَّبديلِ والتَّغييرِ، وقد غضِبَ النَّبيُّ ﷺ حين رأى مع عُمرَ شَيئًا مَكتوبًا من التَّوراةِ. وألحَقَ الماوَرديُّ بذلك كُتبَ النُّجومِ والفَلسفةِ، وألحَقَ القاضي حُسينٌ بذلك كِتابةَ الغَزَلِ؛ فإنَّها مُحرمةٌ. ووَجهُ عَدمِ الصِّحةِ أنَّ الوَصيةَ شُرعَت اجتِلابًا للحَسناتِ واستِدراكًا لمَا فاتَ، وذلك يُنافي المَقصودَ؛ لأنَّ المَقصودَ من شَرعِ الوَصيةِ تَداركُ ما فاتَ في حالِ الحَياةِ من الإِحسانِ، فلا يَجوزُ أنْ تَكونَ من جِهةِ مَعصيةٍ وإنَّما تَكونُ من جِهةِ قُربةٍ كالفُقراءِ، أو مُباحٍ لا يَظهرُ فيه قُربةٌ كالأَغنياءِ. قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولو قالَ: «اكتُبوا بثُلثِي التَّوراةَ والإِنجيلَ» فَسختُه لتَبديلِهم؛ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ … ﴾ الآيةَ.

стр. 14761

قالَ الماوَرديُّ: وهذا صَحيحٌ، الوَصيةُ بكِتابةِ التَّوراةِ والإِنجيلِ باطِلةٌ، سَواءٌ كانَ المُوصي بها مُسلمًا أو ذِميًّا، وتَصحُّ عندَ قَومٍ استِدلالًا بأمرَينِ: أَحدُهما: أنَّها من كُتبِ اللهِ المَنقولةِ بالاستِفاضةِ، فاستَحالَ فيه التَّبديلُ كالقُرآنِ. والثاني: أنَّ التَّبديلَ -وإنْ ظهَرَ منهم- كانَ في حُكمِ التأويلِ ولم يَكنْ في لَفظِ التَّنزيلِ. واللهُ تَعالى قد أخبَرَ عنهم -وخَبَرُه أصدَقُ- أنَّهم بدَّلوا كُتبَهم، فقالَ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]، وقالَ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، فأخبَرَ أنَّهم قد نَسَبوا إليه ما ليسَ منه، وحرَّفوا عنه ما هو منه، وهذا صَريحٌ في تَبديلِ المَعنى واللَّفظِ، وإنْ كانَ مُبدَّلًا كانَت تِلاوتُه مَعصيةً لتَبديلِه، لا لنَسخِه؛ فإنَّ في القُرآنِ مَنسوخًا يُتلَى كتِلاوةِ الناسِخِ، وإذا كانَت تِلاوتُه مَعصيةً كانَت الوَصيةُ بالمَعصيةِ باطِلةً. فأمَّا قَولُهم: إنَّه مُستَفيضُ النَّقلِ فاستَحالَ فيه التَّبديلُ، فالجَوابُ عنه أنَّ الاستِفاضةَ شَرطانِ: أَحدُهما: أنْ يَنقُلَه جَمٌّ غَفيرٌ وعَددٌ كَثيرٌ يَنتَفي عنهم التَّواطُؤُ والتَّساعُدُ على الكَذبِ والتَّغييرِ. والثاني: أنَّه يَستَوي حُكمُ طَرفيِ النَّقلِ ووَسطُه، وهذا -وإنْ وُجدَ فيه

стр. 14762

أحدُ الشَّرطَينِ من كَثرةِ العَددِ- لم يُوجَدْ فيه الشَّرطُ الثاني في استِواءِ الطَّرفَينِ والوَسطِ؛ لأنَّ التَّوراةَ حين أحرَقَها بختنصرُ اجتمَعَ عليها أربَعةٌ من اليَهودِ لَفَّقوها من حِفظِهم ثم استَفاضَت عنهم، فخرَجَت عن حُكمِ الاستِفاضةِ. فإنْ قيلَ: فهذا يَعودُ على القُرآنِ في استِفاضةِ نَقلِه؛ لأنَّ الذي حفِظَه من الصَّحابةِ سِتةٌ فلم تُوجَدْ الاستِفاضةُ في طَرفَيه ووَسطِه قيلَ: لئِنْ كانَ الذي يَحفظُ جَميعَ القُرآنِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ سِتةً، فقد كانَ أكثَرُ الصَّحابةِ يَحفَظونَ منه سُورًا أَجمَعوا عليها واتَّفقَوا على صِحتِها، فوُجدَت الاستِفاضةُ فيهم بانضِمامِهم إلى السِّتةِ، وقَولُهم: إنَّهم غيَّروا التَّأويلَ دونَ التَّنزيلِ؛ لأنَّهم قد أنكَروا تَغييرَ التَّأويلِ كما أنكَروا تَغييرَ التَّنزيلِ ولم يَكنْ إِنكارُهم حُجةً في تَغييرِ التَّأويلِ، وكذلك لا يَكونُ حُجةً في تَغييرِ التَّنزيلِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قد أخبَرَ بأنَّهم غيَّروه، فاقتَضى حَملَه على عُمومِ الأمرَينِ بغيرِ تَخصيصٍ (١). وهذا ما يُفهمُ من كَلامِ المالِكيةِ أيضًا؛ فإنَّهم صرَّحوا ببُطلانِ الوَصيةِ إذا كانَت على مَعصيةٍ (٢).

стр. 14763

الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يَكونَ المُوصَى له مُسلمًا: لا خِلافَ بينَ عُلماءِ الأُمةِ على أنَّ الوَصيةَ للمُسلمِ صَحيحةٌ، سَواءٌ كانَت من مُسلمٍ له أو مِنْ كافِرٍ، إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا في الوَصيةِ لغيرِ المُسلمِ هل تَجوزُ أو لا؟ وبَيانُ ذلك فيما يَلي: أ- الوَصيةُ للذِّميِّ: ذهَبَ عامةُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وغيرُهم إلى أنَّ الوَصيةَ للذِّميِّ صَحيحةٌ بدونِ كَراهةٍ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ … ﴾ الآيةَ، ولمَا رُويَ «أنَّ صَفيةَ زَوجَ النَّبيِّ ﷺ قالَت لأخٍ لها يَهوديٍّ: أَسلِمْ تَرِثْني، فسمِعَ بذلك قَومُه فقالوا: أتَبيعُ دِينَك بالدُّنيا؟ فأبَى أنْ يُسلمَ، فأَوصَت له بالثُّلثِ» (١) ولأنَّه يَجوزُ التَّصدُّقُ عليه في الحَياةِ جازَ بعدَ المَماتِ؛ لأنَّهم بعَقدِ الذِّمةِ ساوَوُا المُسلمينَ في المُعامَلاتِ، ولهذا جازَ التَّبرعُ من الجانبَينِ في حالةِ الحَياةِ، فكذا في حالةِ المَماتِ. قالَ النَّوويُّ ﵀: الوَصيةُ للذِّميِّ صَحيحةٌ بلا خِلافٍ (٢). وقالَ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: والوَصيةُ للذِّميِّ جائِزةٌ ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا، وقد قالَ ﷺ : «في كلِّ ذي كَبدٍ رَطبةٍ أَجرٌ» (٣) (٤).

стр. 14764

وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَصحُّ وَصيةُ المُسلمِ للذِّميِّ والذِّميِّ للمُسلمِ والذِّميِّ للذِّميِّ، رُويَ إِجازةُ المُسلمِ للذِّميِّ عن شُريحٍ والشَّعبيِّ والثَّوريِّ والشافِعيِّ ﵃ وإِسحاقَ وأَصحابِ الرأيِ، ولا نَعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم. وقالَ مُحمدُ بنُ الحَنفيةِ وعَطاءٌ وقَتادةُ في قَولِه تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] هو وَصيةُ المُسلمِ لليَهوديِّ والنَّصرانِيِّ. وقالَ سَعيدٌ: حدَّثَنا سُفيانُ عن أيُّوبَ عن عِكرمةَ «أنَّ صَفيةَ بِنتَ حُييٍّ باعَت حُجرتَها من مُعاويةَ بمِئةِ ألفٍ، وكانَ لها أخٌ يَهوديٌّ فعرَضَت عليه أنْ يُسلمَ فيَرثَ فأبَى، فأَوصَت له بثُلثِ المِئةِ». ولأنَّه تَصحُّ له الهِبةُ فصَحَّت الوَصيةُ له كالمُسلمِ، وأنَّها صَحَّت وَصيةُ المُسلمِ للذِّميِّ فوَصيةُ الذِّميِّ للمُسلمِ والذِّميِّ للذِّميِّ أوْلى، ولا تَصحُّ إلا بما تَصحُّ به وَصيةُ المُسلمِ للمُسلمِ، ولو أَوصَى لوارِثِه أو لأَجنَبيٍّ بأكثَرَ من ثُلثِه وقَفَ على إِجازةِ الوَرثةِ كالمُسلمِ سَواءٌ (١). وقالَ الحَنفيةُ: ويَجوزُ أنْ يُوصيَ المُسلمُ للكافِرِ الذِّميِّ دونَ الحَربيِّ والكافِرُ للمُسلمِ؛ لأنَّ الوَصيةَ للحَربيِّ باطِلةٌ، وإنَّما جازَت الوَصيةُ للذِّميِّ ولم تَجُزْ للحَربيِّ لقَولِه تَعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ … ﴾ [الممتحنة: ٨] (ثم قال:) ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ … ﴾ [الممتحنة: ٩] الآيةَ.

стр. 14765

قالَ الحَدادُ: وإنَّما أورَدَ هذه المَسألةَ لأنَّ فيها نَوعَ إِشكالٍ، وهو أنَّ الوَصيةَ أُختُ المِيراثِ ولا تَوارُثَ بينَ المُسلمِ والكافِرِ، والجَوابُ أنَّ الوَصيةَ تُشبهُ المِيراثَ من حيثُ الثُّبوتُ ولا تُشبهُه من حيثُ إنَّه ثبَتَ جَبرًا فلا يَكونُ النَّصُّ الوارِدُ فيه وارِدًا في الوَصيةِ. وقالَ السَّرخَسيُّ في الفَرقِ بينَهما: إنَّ الإِرثَ طَريقُه طَريقُ الوِلايةِ، أمَّا الوَصيةُ فتَمليكٌ مُبتدَأٌ، ولهذا لا يَردُّ المُوصَى له الوَصيةَ بالعَيبِ بخِلافِ الوارِثِ، كذا في «شاهان» (١). وقالَ المالِكيةُ: تَصحُّ الوَصيةُ للذِّميِّ؛ لأنَّه يَصحُّ تَملُّكُه، وسَواءٌ كانَ للذِّميِّ حَقُّ جِوارٍ أو لا، قَريبًا كانَ أو أجنَبيًّا (٢). وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: فَصلٌ: أَحكامُ الوَصيةِ للكُفارِ: وقد قالَ أَحمدُ في رِوايةِ حَربٍ وقد سألَه: الرَّجلُ يُوصي لقَرابتِه وله قَرابةٌ مُشرِكونَ، هل يُعطَوْن شَيئًا؟ قالَ: لا، إلا أنْ يُسمِّيَهم. «وقالَ أَبو طالِبٍ: سألتُ أَبا عبدِ اللهِ عن الرَّجلِ يُوصي لقَرابتِه وفيهم يَهوديٌّ أو نَصرانِيٌّ ومُسلِمونَ، قالَ: سماهم؟ قُلتُ: لا. قالَ: فلا يُعطَى اليَهوديُّ والنَّصرانِيُّ، يُعطَى المُسلِمونَ. قُلتُ: فإنْ سمَّى اليَهوديَّ والنَّصرانِيَّ؟ قالَ: إذا سماهم فنَعَمْ.

стр. 14766

وقد استَشكَل هذا مَنْ لم يُدرِكْ دِقةَ فِقهِ أَبي عبدِ اللهِ فقالَ بعضُ الأَصحابِ: كأنَّه رأى أنَّ وَصيتَه لأَقاربِه وصِلتَه لهم قَرينةٌ تَدلُّ على أنَّه أَرادَ أهلَ الإِسلامِ منهم، والكُفارُ -وإنْ دَخَلوا في القَرابةِ- يَجوزُ تَخصيصُهم بقَرينةٍ تُخرجُهم، فإذا سماهم فقد نَصَّ عليهم فيَستَحقُّونَ، وقد تَضمَّنَ جَوابُ أَحمدَ أُمورًا ثَلاثةً: أحدُها: صِحةُ الوَصيةِ للذِّميِّ المُعيَّنِ، وكذلك يَصحُّ الوَقفُ عليه، وفعَلَت صَفيةُ بِنتُ حُييٍّ أُمُّ المُؤمِنينَ هذا وهذا. قالَ سَعيدُ بنُ مَنصورٍ: حدَّثَنا سُفيانُ عن أيُّوبَ عن عِكرمةَ «أنَّ صَفيةَ بِنتَ حُييٍّ باعَت حُجرتَها من مُعاويةَ بمِئةِ ألفٍ، وكانَ لها أخٌ يَهوديٌّ فعرَضَت عليه أنْ يُسلِمَ فأبى، فأوصَت له بثُلثِ المِئةِ». وقالَ الشَّيخُ في «المُغني»: ورُويَ أنَّ صَفيةَ بِنتَ حُييٍّ وقَفَت على أخٍ لها يَهوديٍّ. الأمرُ الثاني: أنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ للكُفارِ، وإنْ صَحَّت للمُعيَّنِ الكافرِ، فالفَرقُ بينَ أنْ يَكونَ الكُفرُ جِهةً أو تَكونَ الجِهةُ غيرَه، والكُفرُ ليسَ بمانِعٍ، كما أَوصَت صَفيةُ لأَخيها وهو يَهوديُّ، فلو جُعلَ الكُفرُ جِهةً لم تَصحَّ الوَصيةُ اتِّفاقًا، كما لو قالَ: «أَوصَيت بثُلثي لمَن يَكفرُ باللهِ ورَسولِه ويَعبدُ الصَّليبَ ويُكذِّبُ مُحمدًا»، ﷺ ، بخِلافِ ما لو قالَ: «أَوصَيت به لفُلانٍ»، وهو كذلك؛ فإنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ على جِهةِ مَعصيةٍ وفِعلٍ مُحرمٍ، مُسلمًا كانَ المُوصي أو ذِميًّا، فلو وَصَّى ببِناءِ كَنيسةٍ أو بَيتِ نارٍ أو عِمارَتِهما أو الإِنفاقِ عليهما كانَ باطِلًا.

стр. 14767

الأمرُ الثالِثُ الذي تَضمَّنَه جَوابُه: جَوازُ التَّخصيصِ بقَصدِ المُتكلِّمِ وبالقَرائنِ، وهذا هو الواجِبُ في كَلامِ الواقِفينَ والمُوصينَ والمُقرِّينَ، كما هو أَصلُه في أَيمانِ الحالِفينَ (١). وذهَبَ الإِمامُ مالِكٌ إلى كَراهةِ الوَصيةِ للذِّميِّ القَريبِ: لأنَّ الوَصيةَ للكافِرِ الذِّميِّ فيها أَجرٌ على كلِّ حالٍ، والكَراهةُ إنَّما لإِيثارِ الذِّميِّ على المُسلمِ لا بالوَصيةِ نَفسِها للذِّميِّ. وأمَّا الوَصيةُ للأباعِدِ من الذِّميِّينَ فلا اختِلافَ في كَراهةِ ذلك في المَذهبِ. قالَ أَبو الوَليدِ بنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ ﵀: مَسألةٌ: قالَ ابنُ القاسِمِ: وكرِهَ مالِكٌ الوَصيةَ لليَهودِ والنَّصارى، قالَ سحنونٌ: قالَ ابنُ القاسِمِ: وكانَ قبلَ ذلك يُجيزُه، ولستُ أرَى به بَأسًا إذا كانَ ذلك على وَجهِ الصِّلةِ، مِثلَ أنْ يَكونَ أَبوه نَصرانيًّا أو يَهوديًّا أو أَخوه أو أُختُه فيَصِلَهم على وَجهِ صِلةِ الرَّحمِ، فلا أَرى به بَأسًا وأَراه حَسنًا، وأمَّا بغيرِ هذا فلا. وفي رِوايةِ عيسى بنِ دِينارٍ: وسُئلَ ابنُ القاسِمِ عن هذا فقالَ: لا أَرى به بَأسًا لمِثلِ أُمِّه وأَبيه وإِخوتِه وما أشبَهَ ذلك من القَرابةِ، وأمَّا الأباعِدُ فلا يُعجبُني ذلك، ولْيَعطِفْ به على أهلِ الإِسلامِ. قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: حَدُّ الكَراهةِ ما في تَركِه ثَوابٌ وليسَ في فِعلِه عِقابٌ، فمَعنى كَراهيةِ مالِكٍ الوَصيةَ لليَهودِ والنَّصارى هو أنْ يُؤثِرَهم

стр. 14768

بالوَصيةِ لقَرابتِه منهم على المُسلِمينَ الأَجنبيِّينَ، فرأى الوَصيةَ للمُسلِمينَ الأَجنبيِّينَ أفضَلَ من الوَصيةِ لقَرابتِه الذِّميِّينَ. وقَولُه: «وكانَ قبلَ ذلك يُجيزُه» مَعناه من غيرِ كَراهيةٍ؛ لمَا جاءَ في صِلةِ الرَّحمِ من الأَجرِ، والوَجهُ في ذلك أنَّه لم يَترجَّحْ عندَه على هذا القَولِ الأفضَلُ من الوَجهَينِ، فأَجازَه من غيرِ كَراهةٍ، وهي رِوايةُ ابنِ وَهبٍ عنه أنَّ الوَصيةَ للكافِرِ جائِزةٌ، واحتَجَّ بالحُلةِ التي كَساها عُمرُ أخًا له مُشرِكًا بمَكةَ، وهو الذي ذهَبَ إليه ابنُ القاسِمِ في رِوايةِ عيسى عنه، وقَولُه قبلَ ذلك: «وأَراه حَسنًا» قَولٌ ثالِثٌ في المَسألةِ، وأنَّه رأى الأَجرَ في الوَصيةِ لصِلةِ رَحمِه وإنْ كانوا ذِميِّينَ أكثَرَ من الأَجرِ في المُسلِمينَ الأَجنبيِّينَ. وأمَّا الوَصيةُ للأَباعدِ من الذِّميِّينَ فلا اختِلافَ في كَراهةِ ذلك؛ لأنَّ الوَصيةَ للمُسلِمينَ أفضَلُ، فالكَراهةُ إنَّما تَتعلَّقُ بإِيثارِ الذِّميِّينَ على المُسلِمينَ لا بالوَصيةِ نَفسِها للذِّميِّينَ؛ لأنَّ في ذلك أَجرًا على كلِّ حالٍ، ففي مُوطَّأِ ابنِ وَهبٍ عن مالِكٍ فيمَن نذَرَ صَدقةً على كافرٍ أنَّ ذلك يَلزمُه، وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: إنْ قالَ: «مالي صَدقةٌ على فُقراءِ اليَهودِ» أنَّ ذلك يَلزمُه يَتصدَّقُ عليهم بثُلثِ مالِه، وقد قالَ اللهُ : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨] والأَسيرُ الكافرُ، فإذا أَوصَى إليهم شَفقةً عليهم لفَقرِهم جازَ ذلك على كَراهةٍ؛ لأنَّ الأَجرَ في الصَّدقةِ على فُقراءِ المُسلِمينَ أحرى والإِشفاقُ عليهم يَنبَغي أنْ يَكونَ أكثَرَ، وقد أجازَ أَشهَبُ الوَصيةَ للذِّميِّينَ كانوا ذَوي قَرابةٍ أو أَجنبيِّينَ إِجازةً مُطلَقةً دونَ كَراهةٍ،

стр. 14769

ومَعنى ذلك في الأَجنبيِّينَ واللهُ أعلَمُ إذا كانَ لهم حَقٌّ من جِوارٍ أو يَدٍ سلَفَت لهم إليه أو ما أشبَهَ ذلك، وأمَّا إنْ لم يَكنْ لذلك سَببٌ فالوَصيةُ مَحظورةٌ؛ إذْ لا يُوصي للكافرِ من غيرِ سَببٍ ويَتركُ المُسلمَ إلا مُسلمُ سُوءٍ مَريضُ الإِيمانِ، قالَ اللهُ : ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ﴾ [المجادلة: ٢٢] إلى قوله: ﴿ … أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (١). ب- الوَصيةُ للحَربيِّ والمُستأمَنِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الوَصيةِ للكافرِ الحَربيِّ هل تَصحُّ له أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ في المُعتمَدِ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في احتِمالٍ إلى أنَّه لا تَصحُّ الوَصيةُ للكافرِ الحَربيِّ. إلا أنَّ الحَنفيةَ يُفرِّقونَ بينَ ما إذا دخَلَ إلينا بأَمانٍ فعندَئذٍ تَصحُّ له الوَصيةُ، وبينَ ما إذا كانَ في بِلادِ الكُفارِ ولم يَدخُلْ إلينا بأَمانٍ، فإذا أَوصَى المُسلمُ لحَربيٍّ في دارِ الحَربِ لم تَصحَّ هذه الوَصيةُ، فإنْ خرَجَ الحَربيُّ المُوصَى له إلى دارِ الإِسلامِ بأَمانٍ وأَرادَ أخْذَ وَصيتِه لم يَكنْ له من ذلك شَيءٌ، وإنْ أَجازَت الوَرثةُ، هذا إذا كانَ المُوصي في دارِ الإِسلامِ وكانَ المُوصَى له حَربيًّا في دارِ الحَربِ، وأمَّا إذا كانَ المُوصي في دارِ الحَربِ أيضًا فقد اختَلفَ مَشايخُ الحَنفيةِ فيه.

стр. 14770

قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ومنها ألَّا يَكونَ حَربيًّا عندَ مُستأمَنٍ، فإنْ كانَ لا تَصحُّ الوَصيةُ له من مُسلمٍ أو ذِميٍّ؛ لأنَّ التَّبرعَ بتَمليكِ المالِ إياه يَكونُ إِعانةً له على الحَربِ، وهذا لا يَجوزُ، وأمَّا كَونُه مُسلمًا فليسَ بشَرطٍ حتى لو كانَ ذِميًّا فأَوصَى له مُسلمٌ أو ذِميٌّ جازَ … وإنْ كانَ مُستأمَنًا فأَوصَى له مُسلمٌ أو ذِميٌّ ذكَرَ في «الأَصل» أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّه في عَهدِنا فأشبَهَ الذِّميَّ الذي هو في عَهدِنا، وتَجوزُ الوَصيةُ للذِّميِّ، وكذا الحَربيُّ المُستأمَنُ. ورُويَ عن أَبي حَنيفةَ ﵁ أنَّه لا يَجوزُ، وهذه الرِّوايةُ بقَولِ أَصحابِنا ﵏ أشبَهُ؛ فإنَّهم قالوا: إنَّه لا يَجوزُ صَرفُ الكَفارةِ والنَّذرِ وصَدقةِ الفِطرِ والأُضحيةِ إلى الحَربيِّ المُستأمَنِ لمَا فيه من الإِعانةِ على الحَربِ، ويَجوزُ صَرفُها إلى الذِّميِّ؛ لأنَّا ما نَهَينا عن بِرِّ أهلِ الذِّمةِ لقَولِ اللهِ : ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]، وقيلَ: إنَّ في التَّبرعِ عليه في حالِ الحَياةِ بالصَّدقةِ والهِبةِ رِوايتَينِ عن أَصحابِنا، فالوَصيةُ له على تلك الرِّوايتَينِ أيضًا (١). وجاءَ في «شَرح السِّيَر الكَبير» للإِمامِ مُحمدِ بنِ الحَسنِ الشَّيبانِيِّ ﵀: ووَصيةُ المُستأمنِ بجَميعِ مالِه لمُسلمٍ أو ذِميٍّ تَكونُ صَحيحةً وليسَ لوارِثِه فيها حَقُّ الرَّدِّ؛ لأنَّ حُرمةَ مالِه لحَقِّه لا لحَقِّ وارِثِه الذي في دارِ الحَربِ، ولأنَّ بُطلانَ الوَصيةِ فيما زادَ على الثُّلثِ عندَ عَدمِ إِجازةِ الوَرثةِ

стр. 14771

من حُكمِ الإِسلامِ، والمُستأمَنُ غيرُ مُلتزِمٍ لذلك، ولهذا يَثبتُ هذا الحُكمُ في حَقِّ الذِّميِّ؛ لأنَّه مُلتزمٌ حُكمَ الإِسلامِ فيما يَرجعُ إلى المُعامَلاتِ، ووَصيةُ الذِّميِّ للحَربيِّ المُستأمَنِ بالثُّلثِ تَكونُ صَحيحةً بمَنزلةِ وَصيةِ المُسلمِ للذِّميِّ. ووَصيةُ المُسلمِ أو الذِّميِّ لحَربيٍّ في دارِ الحَربِ لا تَكونُ صَحيحةً وإنْ أَجازَها الوَرثةُ إلا أنْ يَشاؤُوا أنْ يَهبُوا له شَيئًا من أَموالِهم فيَجوزَ ذلك إذا قبَضَ؛ لأنَّ مَنْ في دارِ الحَربِ في حَقِّ مَنْ هو في دارِ الإِسلامِ كالمَيتِ، فإنْ كانَ وارِثُ المُستأمَنِ معه بأَمانٍ فينا لم تَجُزْ وَصيتُه فيما زادَ على الثُّلثِ إلا بإِجازةِ الوارِثِ؛ لأنَّ حَقَّ وارِثِه ههنا مُراعًى بسَببِ الأَمانِ كحَقِّه، فإنْ حضَرَ له وارِثٌ آخَرُ من دارِ الحَربِ شارَكَ الذي كانَ حاضِرًا في مِيراثِه ولم يَكنْ للمُوصَى له إلا الثُّلثُ (١). وقالَ شَيخي زادهْ: الوَصيةُ لحَربيٍّ هو في دارِهم باطِلةٌ؛ لأنَّها بِرٌّ وصِلةٌ وقد نُهينا عن بِرِّ مَنْ يُقاتِلُنا؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ … ﴾ [الممتحنة: ٩] الآيةَ، وفي «السِّيَر الكَبير» ما يَدلُّ على الجَوازِ ووَجهُ التَّوفيقِ أنَّه لا يَنبَغي أنْ يُفعلَ وإنْ فُعلَ جازَ، كذا في «الكافي» وفيه تَأمُّلٌ، وأمَّا وَصيةُ الحَربيِّ بعدَما دخَلَ دارَنا بأَمانٍ؛ فإنَّها جائِزةٌ؛ لأنَّ له وِلايةَ تَمليكِ المالِ في حَياتِه فكذا بعدَ مَماتِه، خَلا أنَّه لا فَرقَ بينَ وَصيتِه بالثُّلثِ أو بجَميعِ

стр. 14772

مالِه؛ لأنَّ المُسلمَ إنَّما مُنعَ من الوَصيةِ بما زادَ على الثُّلثِ لحَقِّ وَرثةِ المُسلِمينَ؛ فإنَّ حَقَّهم مَعصومٌ من الإِبطالِ بخِلافِ وَرثةِ الحَربيِّ؛ لأنَّ حَقَّهم غيرُ مَعصومٍ، فلذلك لم يَمنَعْ حَقُّهم صِحةَ الوَصيةِ بالجَميعِ كما في شُروحِ «الجامِع الصَّغير» (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ عابدِين: قَولُه: (لا حَربيٍّ في دارِه) أي: وإنْ أَجازَت الوَرثةُ لنَهَينا عن بِرِّهم بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ … ﴾ [الممتحنة: ٩] الآيةَ، فعَدمُ الجَوازِ لحَقِّ الشَّرعِ لا لحَقِّ الوَرثةِ، بخِلافِ الوَصيةِ للوارِثِ أو للأَجنبيِّ بما زادَ على الثُّلثِ؛ فإنَّه لحَقِّ الوَرثةِ؛ لأنَّ الحَربيَّ في دارِه كالمَيتِ في حَقِّنا والوَصيةُ للمَيتِ باطِلةٌ. ونَصَّ مُحمدٌ في «الأَصل» على عَدمِ جَوازِ الوَصيةِ للحَربيِّ صَريحًا، وكذا في «الجامِع الصَّغير»، وذكَرَ شُراحُه أنَّ في «السِّيَر الكَبير» ما يَدلُّ على الجَوازِ، ورَدَّه العَلامةُ قاضي زاده بأنَّ لَفظَ «السِّيَر الكَبير»: لو أَوصَى مُسلمٌ لحَربيٍّ والحَربيُّ في دارِ الحَربِ لا يَجوزُ، واعتَرَضه في «العَزمية» بأنَّ ناقِلي الجَوازِ مُؤتَمنونَ في الأخذِ والنَّقلِ. وذكَرَ العَلامةُ جوى زاده أنَّ مُرادَهم بما يَدلُّ على الجَوازِ ما ذكَرَه في «شَرح السِّير الكَبير» للسَّرخَسيِّ بقَولِه: لا بأسَ أنْ يَصلَ الرَّجلُ المُسلمُ المُشركَ قَريبًا كانَ أو بَعيدًا، مُحارِبًا كانَ أو ذِميًّا، واستدَلَّ عليه بأَحاديثَ،

стр. 14773

منها: أنَّه بعَثَ رَسولُ اللهِ ﷺ خَمسَمِئةِ دِينارٍ إلى مَكةَ حين قَحَطوا، وأمَرَ بدَفعِ ذلك إلى أَبي سُفيانَ بنِ حَربٍ وصَفوانَ بنِ أُميةَ ليُفرَّقا على فُقراءِ أهلِ مَكةَ، فقبِلَ ذلك أَبو سُفيانَ وأبو صَفوانَ. قالَ: وبه نأخُذُ؛ لأنَّ صِلةَ الرَّحمِ مَحمودةٌ عندَ كلِّ عاقِلٍ وفي كلِّ دِينٍ، والإِهداءُ إلى الغيرِ من مَكارمِ الأَخلاقِ، قالَ ﷺ : «بُعثتُ لأُتمِّمَ مَكارمَ الأَخلاقِ»، فعَرَفنا أنَّ ذلك حَسنٌ في حَقِّ المُسلِمينَ والمُشرِكينَ جَميعًا. اه. فالخِلافُ في جَوازِ صِلةِ الحَربيِّ وعَدمِه لا في جَوازِ الوَصيةِ وعَدمِه. اه، مُلخَّصًا، وتَمامُه في «الشُّرُنبُلالية». والحاصِلُ: أنَّ التَّعليلَ بأنَّ الحَربيَّ كالمَيتِ اقتَضَى عَدمَ جَوازِ الوَصيةِ له، والتَّعليلُ بالنَّهيِ اقتَضَى عَدمَ جَوازِ كلٍّ من الوَصيةِ والصِّلةِ، وما في «السِّير» دَلَّ على جَوازِ الصِّلةِ دونَ الوَصيةِ خِلافًا لمَا فهِمَه شُراحُ «الجامِع»، فصارَ الخِلافُ في جَوازِ الصِّلةِ فقط. أَقولُ: وقد رأيتُ نَصَّ الإِمامِ مُحمدٍ على جَوازِ الهَديةِ حيثُ قالَ في مُوطَّئِه في بابِ ما يُكرهُ من لُبسِ الحَريرِ والدِّيباجِ: ولا بَأسَ أيضًا بالهَديةِ إلى المُشركِ المُحاربِ ما لم يُهدَ إليه سِلاحٌ أو دِرعٌ، وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ والعامةِ من فُقهائِنا. اه (١).

стр. 14774

وقالَ الإِمامُ شَمسُ الدِّينِ السَّرخَسيُّ: ولو أَوصَى له -أي: للحَربيِّ المُستأمَنِ- مُسلمٌ أو ذِميٌّ بوَصيةٍ جازَ ذلك؛ لأنَّه ما دامَ في دارِنا فهو في المُعامَلاتِ بمَنزلةِ الذِّميِّ بدَليلِ عُقودِ التَّمليكاتِ في حالةِ الحَياةِ. وذكَرَ في «الأَمالي» أنَّ على قَولِ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ لا تَصحُّ الوَصيةُ من المُسلمِ والذِّميِّ للمُستأمَنِ؛ لأنَّه -وإنْ كانَ في دارِنا صُورةً- هو من أهلِ دارِ الحَربِ حُكمًا حتى يَتمكَّنَ من الرُّجوعِ إلى دارِ الحَربِ، أو يَكونُ لا يَتمكَّنُ من إِطالةِ المُقامِ في دارِ الإِسلامِ، ووَصيةُ مَنْ هو مِنْ أهلِ دارِ الإِسلامِ لمَن هو من أهلِ دارِ الحَربِ باطِلةٌ؛ لأنَّ لتَبايُنِ الدارَينِ تَأثيرًا في قَطعِ العِصمةِ والمُوالاةِ. ومُحمدٌ قالَ: الوَصيةُ تَبرعٌ بالتَّمليكِ ابتِداءً بعدَ المَوتِ، فتُعتبَرُ بالتَّبرعِ في حالةِ الحَياةِ كالهِبةِ والصَّدقةِ، وذلك صَحيحٌ من المُسلمِ للمُستأمَنِ فكذلك هذا. وإنْ أَوصَى الحَربيُّ في دارِ الحَربِ بوَصيةٍ ثم أسلَمَ أهلُ الدارِ وصاروا ذِمةً ثم اختَصَموا في تلك الوَصيةِ، فإنْ كانَت قائِمةً بعَينِها أجَزتُها، وإنْ كانَت قد استُهلِكَت قبلَ الإِسلامِ أبطَلتُها، من قِبَلِ أنِّي لا آخُذُ أهلَ الحَربِ بما اغتصَبَ بعضُهم من بعضٍ، فالمُستهلَكُ قبلَ الإِسلامِ بمَنزلةِ المَغصوبِ، والمُستهلَكُ لا ضَمانَ فيه على المُستهلِكِ، وما كانَ قائِمًا بعَينِه فالإِسلامُ المَوجودُ منه بعدَ العَقدِ قبلَ حُصولِ المَقصودِ بمَنزلةِ المُقتَرنِ بالعَقدِ فيَجبُ تَنفيذُها (١).

стр. 14775

وقالَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ: لا تَصحُّ الوَصيةُ للحَربيِّ؛ لأنَّ ذلك قَوةٌ لهم، ويَرجعُ ذلك مِيراثًا ولا يُجعلُ في صَدقةٍ ولا غيرِها (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَصحُّ الوَصيةُ للحَربيِّ ويُحتملُ ألَّا تَصحَّ؛ لأنَّه لا يَصحُّ الوَقفُ عليه (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وبعضُ المالِكيةِ كالقاضي عبدِ الوَهابِ إلى أنَّ الوَصيةَ تَصحُّ للحَربيِّ المُعيَّنِ كما تَصحُّ للذِّميِّ. قالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: تَصحُّ الوَصيةُ لحَربيٍّ مُعيَّنٍ سَواءٌ أكانَ بدارِنا أم كانَ في دارِ الحَربِ بما له تَملُّكُه بأنْ يُوصَى له بغيرِ سِلاحٍ، فإنْ أَوصَى له بسِلاحٍ فلا تَصحُّ الوَصيةُ كبَيعِه له. أمَّا إذا أَوصَى لمَن يُحاربُ فلا يَصحُّ قَطعًا، إنَّما تَصحُّ للحَربيِّ إذا قالَ: أَوصَيت لفُلانٍ، ولم يَزِدْ على هذا، وكانَ في الواقِعِ حَربيًّا، أمَّا لو قالَ: «أَوصَيت لزَيد الحَربيِّ أو الكافرِ أو المُرتدِّ» لم تَصحَّ؛ لأنَّ تَعليقَ الحُكمِ بمُشتَقٍّ يُؤذِنُ بعِلِّيةِ ما منه الاشتِقاقُ، فكأنَّه قالَ: «أَوصَيت لزَيدٍ لحِرابَتِه أو لكُفرِه أو لرِدَّتِه» تَفسُدُ الوَصيةُ؛ لأنَّه جعَلَ الكُفرَ حامِلًا على الوَصيةِ.
следующие страницы →