من حُكمِ الإِسلامِ، والمُستأمَنُ غيرُ مُلتزِمٍ لذلك، ولهذا يَثبتُ هذا الحُكمُ في حَقِّ الذِّميِّ؛ لأنَّه مُلتزمٌ حُكمَ الإِسلامِ فيما يَرجعُ إلى المُعامَلاتِ، ووَصيةُ الذِّميِّ للحَربيِّ المُستأمَنِ بالثُّلثِ تَكونُ صَحيحةً بمَنزلةِ وَصيةِ المُسلمِ للذِّميِّ.
ووَصيةُ المُسلمِ أو الذِّميِّ لحَربيٍّ في دارِ الحَربِ لا تَكونُ صَحيحةً وإنْ أَجازَها الوَرثةُ إلا أنْ يَشاؤُوا أنْ يَهبُوا له شَيئًا من أَموالِهم فيَجوزَ ذلك إذا قبَضَ؛ لأنَّ مَنْ في دارِ الحَربِ في حَقِّ مَنْ هو في دارِ الإِسلامِ كالمَيتِ، فإنْ كانَ وارِثُ المُستأمَنِ معه بأَمانٍ فينا لم تَجُزْ وَصيتُه فيما زادَ على الثُّلثِ إلا بإِجازةِ الوارِثِ؛ لأنَّ حَقَّ وارِثِه ههنا مُراعًى بسَببِ الأَمانِ كحَقِّه، فإنْ حضَرَ له وارِثٌ آخَرُ من دارِ الحَربِ شارَكَ الذي كانَ حاضِرًا في مِيراثِه ولم يَكنْ للمُوصَى له إلا الثُّلثُ (١).
وقالَ شَيخي زادهْ: الوَصيةُ لحَربيٍّ هو في دارِهم باطِلةٌ؛ لأنَّها بِرٌّ وصِلةٌ وقد نُهينا عن بِرِّ مَنْ يُقاتِلُنا؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ … ﴾ [الممتحنة: ٩] الآيةَ، وفي «السِّيَر الكَبير» ما يَدلُّ على الجَوازِ ووَجهُ التَّوفيقِ أنَّه لا يَنبَغي أنْ يُفعلَ وإنْ فُعلَ جازَ، كذا في «الكافي» وفيه تَأمُّلٌ، وأمَّا وَصيةُ الحَربيِّ بعدَما دخَلَ دارَنا بأَمانٍ؛ فإنَّها جائِزةٌ؛ لأنَّ له وِلايةَ تَمليكِ المالِ في حَياتِه فكذا بعدَ مَماتِه، خَلا أنَّه لا فَرقَ بينَ وَصيتِه بالثُّلثِ أو بجَميعِ
стр. 14772
مالِه؛ لأنَّ المُسلمَ إنَّما مُنعَ من الوَصيةِ بما زادَ على الثُّلثِ لحَقِّ وَرثةِ المُسلِمينَ؛ فإنَّ حَقَّهم مَعصومٌ من الإِبطالِ بخِلافِ وَرثةِ الحَربيِّ؛ لأنَّ حَقَّهم غيرُ مَعصومٍ، فلذلك لم يَمنَعْ حَقُّهم صِحةَ الوَصيةِ بالجَميعِ كما في شُروحِ «الجامِع الصَّغير» (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ عابدِين: قَولُه: (لا حَربيٍّ في دارِه) أي: وإنْ أَجازَت الوَرثةُ لنَهَينا عن بِرِّهم بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ … ﴾ [الممتحنة: ٩] الآيةَ، فعَدمُ الجَوازِ لحَقِّ الشَّرعِ لا لحَقِّ الوَرثةِ، بخِلافِ الوَصيةِ للوارِثِ أو للأَجنبيِّ بما زادَ على الثُّلثِ؛ فإنَّه لحَقِّ الوَرثةِ؛ لأنَّ الحَربيَّ في دارِه كالمَيتِ في حَقِّنا والوَصيةُ للمَيتِ باطِلةٌ.
ونَصَّ مُحمدٌ في «الأَصل» على عَدمِ جَوازِ الوَصيةِ للحَربيِّ صَريحًا، وكذا في «الجامِع الصَّغير»، وذكَرَ شُراحُه أنَّ في «السِّيَر الكَبير» ما يَدلُّ على الجَوازِ، ورَدَّه العَلامةُ قاضي زاده بأنَّ لَفظَ «السِّيَر الكَبير»: لو أَوصَى مُسلمٌ لحَربيٍّ والحَربيُّ في دارِ الحَربِ لا يَجوزُ، واعتَرَضه في «العَزمية» بأنَّ ناقِلي الجَوازِ مُؤتَمنونَ في الأخذِ والنَّقلِ.
وذكَرَ العَلامةُ جوى زاده أنَّ مُرادَهم بما يَدلُّ على الجَوازِ ما ذكَرَه في «شَرح السِّير الكَبير» للسَّرخَسيِّ بقَولِه: لا بأسَ أنْ يَصلَ الرَّجلُ المُسلمُ المُشركَ قَريبًا كانَ أو بَعيدًا، مُحارِبًا كانَ أو ذِميًّا، واستدَلَّ عليه بأَحاديثَ،
стр. 14773
منها: أنَّه بعَثَ رَسولُ اللهِ ﷺ خَمسَمِئةِ دِينارٍ إلى مَكةَ حين قَحَطوا، وأمَرَ بدَفعِ ذلك إلى أَبي سُفيانَ بنِ حَربٍ وصَفوانَ بنِ أُميةَ ليُفرَّقا على فُقراءِ أهلِ مَكةَ، فقبِلَ ذلك أَبو سُفيانَ وأبو صَفوانَ.
قالَ: وبه نأخُذُ؛ لأنَّ صِلةَ الرَّحمِ مَحمودةٌ عندَ كلِّ عاقِلٍ وفي كلِّ دِينٍ، والإِهداءُ إلى الغيرِ من مَكارمِ الأَخلاقِ، قالَ ﷺ : «بُعثتُ لأُتمِّمَ مَكارمَ الأَخلاقِ»، فعَرَفنا أنَّ ذلك حَسنٌ في حَقِّ المُسلِمينَ والمُشرِكينَ جَميعًا. اه.
فالخِلافُ في جَوازِ صِلةِ الحَربيِّ وعَدمِه لا في جَوازِ الوَصيةِ وعَدمِه. اه، مُلخَّصًا، وتَمامُه في «الشُّرُنبُلالية».
والحاصِلُ: أنَّ التَّعليلَ بأنَّ الحَربيَّ كالمَيتِ اقتَضَى عَدمَ جَوازِ الوَصيةِ له، والتَّعليلُ بالنَّهيِ اقتَضَى عَدمَ جَوازِ كلٍّ من الوَصيةِ والصِّلةِ، وما في «السِّير» دَلَّ على جَوازِ الصِّلةِ دونَ الوَصيةِ خِلافًا لمَا فهِمَه شُراحُ «الجامِع»، فصارَ الخِلافُ في جَوازِ الصِّلةِ فقط.
أَقولُ: وقد رأيتُ نَصَّ الإِمامِ مُحمدٍ على جَوازِ الهَديةِ حيثُ قالَ في مُوطَّئِه في بابِ ما يُكرهُ من لُبسِ الحَريرِ والدِّيباجِ: ولا بَأسَ أيضًا بالهَديةِ إلى المُشركِ المُحاربِ ما لم يُهدَ إليه سِلاحٌ أو دِرعٌ، وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ والعامةِ من فُقهائِنا. اه (١).
стр. 14774
وقالَ الإِمامُ شَمسُ الدِّينِ السَّرخَسيُّ: ولو أَوصَى له -أي: للحَربيِّ المُستأمَنِ- مُسلمٌ أو ذِميٌّ بوَصيةٍ جازَ ذلك؛ لأنَّه ما دامَ في دارِنا فهو في المُعامَلاتِ بمَنزلةِ الذِّميِّ بدَليلِ عُقودِ التَّمليكاتِ في حالةِ الحَياةِ.
وذكَرَ في «الأَمالي» أنَّ على قَولِ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ لا تَصحُّ الوَصيةُ من المُسلمِ والذِّميِّ للمُستأمَنِ؛ لأنَّه -وإنْ كانَ في دارِنا صُورةً- هو من أهلِ دارِ الحَربِ حُكمًا حتى يَتمكَّنَ من الرُّجوعِ إلى دارِ الحَربِ، أو يَكونُ لا يَتمكَّنُ من إِطالةِ المُقامِ في دارِ الإِسلامِ، ووَصيةُ مَنْ هو مِنْ أهلِ دارِ الإِسلامِ لمَن هو من أهلِ دارِ الحَربِ باطِلةٌ؛ لأنَّ لتَبايُنِ الدارَينِ تَأثيرًا في قَطعِ العِصمةِ والمُوالاةِ.
ومُحمدٌ قالَ: الوَصيةُ تَبرعٌ بالتَّمليكِ ابتِداءً بعدَ المَوتِ، فتُعتبَرُ بالتَّبرعِ في حالةِ الحَياةِ كالهِبةِ والصَّدقةِ، وذلك صَحيحٌ من المُسلمِ للمُستأمَنِ فكذلك هذا.
وإنْ أَوصَى الحَربيُّ في دارِ الحَربِ بوَصيةٍ ثم أسلَمَ أهلُ الدارِ وصاروا ذِمةً ثم اختَصَموا في تلك الوَصيةِ، فإنْ كانَت قائِمةً بعَينِها أجَزتُها، وإنْ كانَت قد استُهلِكَت قبلَ الإِسلامِ أبطَلتُها، من قِبَلِ أنِّي لا آخُذُ أهلَ الحَربِ بما اغتصَبَ بعضُهم من بعضٍ، فالمُستهلَكُ قبلَ الإِسلامِ بمَنزلةِ المَغصوبِ، والمُستهلَكُ لا ضَمانَ فيه على المُستهلِكِ، وما كانَ قائِمًا بعَينِه فالإِسلامُ المَوجودُ منه بعدَ العَقدِ قبلَ حُصولِ المَقصودِ بمَنزلةِ المُقتَرنِ بالعَقدِ فيَجبُ تَنفيذُها (١).
стр. 14775
وقالَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ: لا تَصحُّ الوَصيةُ للحَربيِّ؛ لأنَّ ذلك قَوةٌ لهم، ويَرجعُ ذلك مِيراثًا ولا يُجعلُ في صَدقةٍ ولا غيرِها (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَصحُّ الوَصيةُ للحَربيِّ ويُحتملُ ألَّا تَصحَّ؛ لأنَّه لا يَصحُّ الوَقفُ عليه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وبعضُ المالِكيةِ كالقاضي عبدِ الوَهابِ إلى أنَّ الوَصيةَ تَصحُّ للحَربيِّ المُعيَّنِ كما تَصحُّ للذِّميِّ.
قالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: تَصحُّ الوَصيةُ لحَربيٍّ مُعيَّنٍ سَواءٌ أكانَ بدارِنا أم كانَ في دارِ الحَربِ بما له تَملُّكُه بأنْ يُوصَى له بغيرِ سِلاحٍ، فإنْ أَوصَى له بسِلاحٍ فلا تَصحُّ الوَصيةُ كبَيعِه له.
أمَّا إذا أَوصَى لمَن يُحاربُ فلا يَصحُّ قَطعًا، إنَّما تَصحُّ للحَربيِّ إذا قالَ: أَوصَيت لفُلانٍ، ولم يَزِدْ على هذا، وكانَ في الواقِعِ حَربيًّا، أمَّا لو قالَ: «أَوصَيت لزَيد الحَربيِّ أو الكافرِ أو المُرتدِّ» لم تَصحَّ؛ لأنَّ تَعليقَ الحُكمِ بمُشتَقٍّ يُؤذِنُ بعِلِّيةِ ما منه الاشتِقاقُ، فكأنَّه قالَ: «أَوصَيت لزَيدٍ لحِرابَتِه أو لكُفرِه أو لرِدَّتِه» تَفسُدُ الوَصيةُ؛ لأنَّه جعَلَ الكُفرَ حامِلًا على الوَصيةِ.
стр. 14776
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: لا تَصحُّ الوَصيةُ له؛ لأنَّه يُقتلُ فلا مَعنى للوَصيةِ له كالوَقفِ عليه (١).
وقالَ الماوَرديُّ: وأمَّا الوَصيةُ للكافرِ فجائِزةٌ ذِميًّا كانَ أو حَربيًّا، وقالَ أَبو حَنيفةَ: الوَصيةُ للحَربيِّ باطِلةٌ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أَباحَ للمُسلِمينَ أَموالَ المُشركينَ فلم يَجُزْ أنْ يُبيحَ للمُشركينَ أَموالَ المُسلِمينَ، وهذا فاسِدٌ من وَجهَينِ:
أَحدُهما: أنَّه لمَّا لم يَمنَعْ شِركَ الذِّميِّ لم يَمنَعْ شِركَ الحَربيِّ من الوَصيةِ كالنِّكاحِ.
والثاني: أنَّه لمَّا جازَت الهِبةُ للحَربيِّ وهو أَمضَى عَطيةً من الوَصيةِ كانَ أَولى أنْ تَجوزَ له الوَصيةُ، وسَواءٌ كانَ المُوصي مُسلمًا أو كافرًا (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَصحُّ الوَصيةُ للحَربيِّ في دارِ الحَربِ، نَصَّ عليه أَحمدُ، وهو قَولُ مالِكٍ وأكثَرِ أَصحابِ الشافِعيِّ ﵁.
وقالَ بعضُهم: لا تَصحُّ. وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ … ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨، ٩]، فيَدلُّ ذلك على أنَّ من قاتَلَنا لا يَحلُّ بِرُّه.
стр. 14777
ولنا: أنه تَصحُّ هِبتُه فصَحَّت الوَصيةُ له كالذِّميِّ، وقد رُويَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطَى عُمرَ حُلةً من حَريرٍ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، كَسَوتَنيها وقد قُلتَ في حُلةِ عُطارِدٍ ما قُلتَ. فقالَ: إنِّي لم أُعطِكها لتَلبسَها. فكَساها عُمرُ أخًا مُشركًا له بمَكةَ» (١).
وعن أَسماءَ بِنتِ أَبي بَكرٍ قالَت: «أتَتني أُمِّي وهي راغِبةٌ، تَعني الإِسلامَ، فسألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أتَتني أُمي وهي راغِبةٌ، أفأَصِلُها؟ قالَ: نَعَمْ» (٢)، وهذان فيهما صِلةُ أهلِ الحَربِ وبِرُّهم، والآيةُ حُجةٌ لنا فيمَن لم يُقاتِلْ، فأمَّا المُقاتِلُ فإنَّه نَهَى عن تَولِّيه لا عن بِرِّه والوَصيةِ له، وإنِ احتُجَّ بالمَفهومِ فهو لا يَراه حُجةً.
ثم قد حصَلَ الإِجماعُ على جَوازِ الهِبةِ، والوَصيةُ في مَعناها (٣).
وقالَ الحارِثيُّ: والصَّحيحُ من القَولِ أنَّه إذا لم يَتَّصفْ بالقِتالِ والمُظاهَرةِ صَحَّت، وإلا لم تَصحَّ (٤).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ: الوَصيةُ للمُشركينَ جائِزةٌ، كانوا أهلَ حَربٍ أو ذِمةٍ، وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا تَصحُّ لأهلِ الحَربِ، فدَليلُنا
стр. 14778
قَولُه تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ولأنَّ كلَّ مَنْ جازَت عَطيتُه في الحَياةِ جازَت بعدَ الوَفاةِ كالذِّميِّ، ولأنَّ كلَّ من صَحَّ تَمليكُه بغيرِ الوَصيةِ صَحَّ أنْ يَملكَ بالوَصية كالمُعاهَدِ والمُستأمَنِ، ولأنَّ اختِلافَ الأَديانِ أو الدارِ لا يُؤثِّرُ في التَّمليكِ بالوَصيةِ، أَصلُه وَصيةُ الذِّميِّ للمُسلمِ (١).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا في الوَصيةِ للكُفارِ، فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأَحمدُ: تَصحُّ لهم، سَواءٌ كانوا أهلَ حَربٍ أو ذِمةٍ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا تَصحُّ لأهلِ الحَربِ، وتَصحُّ لأهلِ الذِّمةِ خاصَّةً (٢).
ج- الوَصيةُ للمُرتدِّ:
اختَلفَ الفُقهاء في حُكمِ الوَصيةِ للمُرتدِّ هل تَصحُّ أو لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه تَصحُّ الوَصيةُ للمُرتدِّ المُعيَّنِ.
قالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: تَصحُّ الوَصيةُ لمُرتدٍّ مُعيَّنٍ إذا لم يَمُتْ مُرتدًّا كالهِبةِ والصَّدقةِ، وكذا إذا أَوصَى لمُسلمٍ فارتَدَّ تَصحُّ قَطعًا.
وهذا إذا لم يَلحَقِ المُرتدُّ بدارِ الحَربِ، فإنْ لحِقَ بدارِ الحَربِ وامتَنعَ منَّا لا تَصحُّ الوَصيةُ له قَطعًا.
стр. 14779
وإذا أَوصَى لمَن يَرتدُّ فهي باطِلةٌ قَطعًا؛ لأنَّه جعَلَ الكُفرَ حامِلًا على الوَصيةِ (١).
قالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا وَصيةُ المُرتدِّ فعلى ثَلاثةِ أَقسامٍ:
أَحدُها: أنْ يُوصيَ لمَن يَرتدُّ عن الإِسلامِ، فالوَصيةُ باطِلةٌ لعَقدِها على مَعصيةٍ.
والثاني: أنْ يُوصيَ بها لمُسلمٍ فيَرتدَّ عن الإِسلامِ بعدَ الوَصيةِ له، فالوَصيةُ جائِزةٌ؛ لأنَّها وَصيةٌ صادَفَت حالَ الإِسلامِ.
والثالِثُ: أنْ يُوصيَ بها لمُرتدٍّ مُعيَّنٍ، ففي الوَصيةِ وَجهانِ: أَحدُهما باطِلةٌ، والثاني جائِزةٌ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: تَصحُّ الوَصيةُ للمُرتدِّ كما تَصحُّ هِبتُه (٣).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا تَصحُّ الوَصيةُ للمُرتدِّ؛ لأنَّه يُقتلُ فلا مَعنى للوَصيةِ له، كالوَقفِ عليه، كما علَّلَه بذلك الشافِعيةُ، وعلَّلَه الحَنابِلةُ بأنَّ مِلكَه غيرُ
стр. 14780
مُستقِرٍّ ولا يَرثُ ولا يُورثُ فهو كالمَيتِ، ولأنَّ مِلكَه يَزولُ عن مالِه برِدتِه فلا يَثبتُ له المِلكُ بالوَصيةِ (١).
وفي قَولٍ ثالِثٍ للحَنابِلةِ قالَه ابنُ حِمدانَ: إنْ بَقيَ مِلكُه صَحَّ الإِيصاءُ له كالهِبةِ له مُطلَقًا، وإنْ زالَ مِلكُه في الحالِ فلا، وإنْ وقَفَ أمرُ مالِه على إِسلامِه فأسلَمَ احتمَلَ وَجهَينِ.
قالَ في القاعِدةِ السادِسةَ عَشرةَ: فيه وَجهانِ بِناءً على زَوالِ مِلكِه وبَقائِه، فإنْ قيلَ بزَوالِ مِلكِه لم تَصحَّ الوَصيةُ له، وإلا صَحَّت، وصحَّحَ الحارِثيُّ عَدمَ البِناءِ (٢).
د- الوَصيةُ لجِهةٍ عامَّةٍ غيرِ المُسلِمينَ (اليَهودِ والنَّصارَى أو غيرِهم من أهلِ الذِّمةِ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الوَصيةِ لجِهةٍ عامَّةٍ غيرِ المُسلِمينَ، كالوَصيةِ لأهلِ الذِّمةِ كاليَهودِ والنَّصارى، بأنْ يُوصيَ بثُلثِ مالِه على فُقراءِ أهلِ الذِّمةِ مَثلًا، هل يَجوزُ أو لا؟
стр. 14781
فذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ للكُفارِ، وإنْ صَحَّت للمُعيَّنِ منهم.
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: إنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ للكُفارِ، وإنْ صَحَّت للمُعيَّنِ الكافِرِ، فالفَرقُ بينَ أنْ يَكونَ الكُفرُ جِهةً أو تَكونَ الجِهةُ غيرَه، والكُفرُ ليسَ بمانِعٍ، كما أَوصَت صَفيةُ لأَخيها وهو يَهوديٌّ، فلو جُعلَ الكُفرُ جِهةً لم تَصحَّ الوَصيةُ اتِّفاقًا، كما لو قالَ: «أَوصَيت بثُلثي لمَن يَكفرُ باللهِ ورَسولِه ويَعبدُ الصَّليبَ ويُكذِّبُ مُحمدًا»، ﷺ ، بخِلافِ ما لو قالَ: «أَوصَيت به لفُلانٍ» وهو كذلك؛ فإنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ على جِهةِ مَعصيةٍ وفِعلٍ مُحرَّمٍ مُسلمًا كانَ المُوصي أو ذِميًّا، فلو وَصَّى ببِناءِ كَنيسةٍ أو بَيتِ نارٍ أو عِمارَتِهما أو الإِنفاقِ عليهما كانَ باطِلًا (١).
وقالَ البُهوتيُّ: لا تَصحُّ الوَصيةُ لكافِرٍ غيرِ مُعيَّنٍ، كالوَصيةِ لليَهودِ والنَّصارى ونَحوِهم كالمَجوسِ أو لفُقراءِ اليَهودِ ونَحوِهم كالوَقفِ عليهم (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى كَراهةِ الوَصيةِ للذِّميِّينَ الأَباعدِ وعلى جِهتِهم.
قالَ أَبو الوَليدِ بنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الوَصيةُ للأَباعدِ من الذِّميِّينَ فلا اختِلافَ في كَراهةِ ذلك؛ لأنَّ الوَصيةَ للمُسلِمينَ أفضَلُ، فالكَراهةُ إنَّما تَتعلَّقُ بإِيثارِ الذِّميِّينَ على المُسلِمين لا بالوَصيةِ نَفسِها للذِّميِّينَ؛ لأنَّ في ذلك أَجرًا على كلِّ حالٍ، ففي مُوطَّأِ ابنِ وَهبٍ عن مالِكٍ فيمَن نذَرَ صَدقةً على كافِرٍ
стр. 14782
يَلزمُه، وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: إنْ قالَ: «مالي صَدقةٌ على فُقراءِ اليَهودِ» يَلزمُه يَتصدَّقُ عليهم بثُلثِ مالِه، وقد قالَ اللهُ : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨] والأَسيرُ هو الكافِرُ، فإذا أَوصَى إليهم شَفقةً عليهم لفَقرِهم جازَ ذلك على كَراهةٍ؛ لأنَّ الأَجرَ في الصَّدقةِ على فُقراءِ المُسلِمينَ أحرى، والإِشفاقَ عليهم يَنبَغي أنْ يَكونَ أكثَرَ، وقد أَجازَ أشهَبُ الوَصيةَ للذِّميِّينَ كانوا ذَوي قَرابةٍ أو أجنَبيِّينَ إِجازةً مُطلقةً دونَ كَراهةٍ، ومَعنى ذلك في الأَجنبيِّينَ واللهُ أعلَمُ إذا كانَ لهم حَقٌّ من جِوارٍ أو من يَدٍ سَلفَت لهم إليه أو ما أشبَهَ ذلك، وأمَّا إنْ لم يَكنْ لذلك سَببٌ فالوَصيةُ مَحظورةٌ؛ إذْ لا يُوصي للكافِرِ من غيرِ سَببٍ ويَتركُ المُسلمَ إلا مُسلمُ سَوءٍ مَريضُ الإِيمانِ، قالَ اللهُ : ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ﴾ إلى قوله: ﴿ … أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى صِحةِ الوَصيةِ لأهلِ الذِّمةِ دونَ أهلِ الحَربِ، فقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وعُلمَ ممَّا تقرَّرَ أنَّه لا يُشتَرط في الوَصيةِ للذِّميِّ التَّعيينُ بخِلافِ الحَربيِّ والمُرتدِّ، فتَصحُّ لأهلِ الذِّمةِ دونَ أهلِ الحَربِ والرِّدةِ، فلا تَصحُّ لهما كما صرَّحَ به ابنُ سُراقةَ (٢).
وما يُفهمُ من كَلامِ القاضي عبدِ الوَهابِ المالِكيِّ أنَّه يَجوزُ الوَصيةُ لأهلِ الشِّركِ، قالَ ﵀: الوَصيةُ للمُشرِكينَ جائِزةٌ كانوا أهلَ حَربٍ أو ذِمةٍ،
стр. 14783
وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا تَصحُّ لأهلِ الحَربِ؛ فدَليلُنا قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ولأنَّ كلَّ مَنْ جازَت عَطيتُه في الحَياةِ جازَت بعدَ الوَفاةِ كالذِّميِّ، ولأنَّ كلَّ مَنْ صَحَّ تَمليكُه بغيرِ الوَصيةِ صَحَّ أنْ يَملكَ بالوَصيةِ كالمُعاهَدِ والمُستأمَنِ، ولأنَّ اختِلافَ الأَديانِ أو الدارِ لا يُؤثِّرُ في التَّمليكِ بالوَصيةِ، أَصلُه وَصيةُ الذِّميِّ للمُسلمِ (١).
هـ - الوَصيةُ بالمُصحفِ وبكُتبِ العِلمِ الشَّرعيِّ للكافرِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على عَدمِ صِحةِ الوَصيةِ بالمُصحفِ للكافرِ.
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵁: إذا أَوصَى المُسلمُ للنَّصرانيِّ بمُصحفٍ أو دَفتَرٍ فيه أَحاديثُ رَسولِ اللهِ ﷺ أَبطَلتُ الوَصيةَ، ولو أَوصَى بها النَّصرانيُّ لمُسلمٍ لم أُبطِلْها (٢).
وقالَ الشَّيخُ عُليشٌ المالِكيُّ: ولا تَصحُّ الوَصيةُ لكافرٍ بمُصحفٍ ورَقيقٍ مُسلمٍ (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا تَصحُّ الوَصيةُ لكافرٍ بمُصحفٍ ولا بعَبدٍ مُسلمٍ؛ لأنَّه لا يَجوزُ هِبتُهما له ولا بَيعُهما منه؛ لأنَّه لا يَصحُّ تَمليكُه ذلك (٤).
стр. 14784
الشَّرطُ السادِسُ: ألاَّ يَكونَ المُوصَى له وارِثًا عندَ المَوتِ:
الوَصيةُ للوَرثةِ:
أجمَعَ عُلماءُ المُسلِمينَ على أنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ لوارِثٍ وَقتَ مَوتِ المُوصي؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ قد أَعطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، فلا وَصيةَ لوارِثٍ» (١)، فقد نَفَى الشارِعُ ﷺ أنْ يَكونَ لوارِثٍ وَصيةٌ نَصًّا، وأَشارَ إلى تَحولِ الحَقِّ من الوَصيةِ إلى المِيراثِ، ولأنَّا لو جوَّزْنا الوَصيةَ للوَرثةِ لكانَ للمُوصي أنْ يُؤثِرَ بعضَ الوَرثةِ، وفيه إِيذاءُ بعضٍ وإِيحاشُهم فيُؤدِّي إلى قَطعِ الرَّحمِ وهو حَرامٌ، وما أَفضَى إلى الحَرامِ فهو حَرامٌ دَفعًا للتَّناقُضِ (٢).
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ منَعَ من عَطيةِ بعضِ وَلدِه وتَفضيلِ بعضِهم على بعضٍ في حالِ الصِّحةِ وقُوةِ المِلكِ وإِمكانِ تَلافي العَدلِ بينَهم بإِعطاءِ الذي لم يُعطِه فيما بعدَ ذلك؛ لمَا فيه مِنْ إِيقاعِ العَداوةِ والحَسدِ بينَهم، ففي حالِ مَوتِه أو مَرضِه وضَعفِ مِلكِه وتَعلُّقِ الحُقوقِ به وتَعذُّرِ تَلافي العَدلِ بينَهم أَولى وأحرى (٣).
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ من يُحفَظُ عنه من عُلماءِ الأَمصارِ من أهلِ المَدينةِ وأهلِ مَكةَ والكُوفةِ والبَصرةِ والشامِ ومِصرَ وسائِرِ
стр. 14785
العُلماءِ من أَصحابِ الحَديثِ وأهلِ الرأيِ على أنَّه لا وَصيةَ لوارِثٍ، إلا أنْ يُجيزَ ذلك الوَرثةُ، وجاءَت الأَخبارُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «لا وَصيةَ لوارِثٍ»، بمِثلِ ما اتَّفقَ عليه أهلُ العِلمِ (١).
قالَ الإِمامُ مالِكٌ ﵁: السُّنةُ الثابِتةُ عندَنا التي لا اختِلافَ فيها أنَّه لا تَجوزُ وَصيةٌ لوارِثٍ إلا أنْ يُجيزَ له ذلك وَرثةُ المَيتِ، وأنَّه إنْ أَجازَ له بعضُهم وأبَى بعضٌ جازَ له حَقُّ مَنْ أَجازَ منهم، ومَن أبَى أخَذَ حَقَّه من ذلك (٢).
وقالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵁: وما وَصَفت من أنَّ الوَصيةَ للوارِثِ مَنسوخةٌ بآيِ المَواريثِ وأنَّه لا وَصيةَ لوارِثٍ ممَّا لا أعرِفُ فيه عن أحدٍ ممَّن لَقيتُ خِلافًا (٣).
وقالَ أَبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: هذا إِجماعٌ من عُلماءِ المُسلِمينَ، أي: لا وَصيةَ لوارِثٍ، فارتفَعَ فيه القَولُ ووَجَب التَّسليمُ (٤).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقَوا على أنَّ الوَصيةَ لا تَجوزُ لوارِثٍ (٥).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقَوا على أنَّه لا وَصيةَ لوارِثٍ إلا أنْ يُجيزَ ذلك الوَرثةُ (٦).
стр. 14786
إذا لم يُجِزِ الوَرثةُ الوَصيةَ للوارِثِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الوَرثةَ إذا لم يُجيزوا وَصيةَ المُوصي للوارِثِ فالوَصيةُ لا تَصحُّ.
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ: مَسألةٌ: قالَ: ولا وَصيةَ لوارِثٍ إلا أنْ يُجيزَ الوَرثةُ ذلك، وجُملةُ ذلك أنَّ الإِنسانَ إذا وَصَّى لوارِثِه بوَصيةٍ فلم يُجِزْها سائِرُ الوَرثةِ لم تَصحَّ بغيرِ خِلافٍ بينَ العُلماءِ، قالَ ابنُ المُنذرِ وابنُ عبدِ البَرِّ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على هذا (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واتَّفقَ الجُمهورُ من فُقهاءِ الأَمصارِ على أنَّ الوَصيةَ للوارِثِ مَوقوفةٌ على إِجازةِ الوَرثةِ، فإنْ أَجازَها الوَرثةُ بعدَ المَوتِ جازَت، وإنْ رَدُّوها فهي مَردودةٌ (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّها لا تَجوزُ لوارِثٍ إذا لم يُجِزْها الوَرثةُ (٣).
هل تَبطلُ الوَصيةُ للوارِثِ وإنْ أَجازَها الوَرثةُ أو لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَصيةِ للوَرثةِ هل تَصحُّ إذا أَجازَها الوَرثةُ أو تَبطلُ وإنْ أَجازوها؟
стр. 14787
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَصيةَ صَحيحةٌ إذا أَجازَها الوَرثةُ، كما إذا أَوصَى بأكثَرَ من الثُّلثِ وأَجازَه الوَرثةُ جازَ، فالوَصيةُ للوارِثِ مِثلُ ذلك، ولأنَّها عَطيةٌ من الوَرثةِ بعضِهم لبعضٍ فلذلك اعتَبَروا فيها الجَوازَ بعدَ مَوتِ المُوصي؛ لأنَّه حينَئذٍ يَصحُّ مِلكُهم وتَصحُّ عَطيتُهم، ولأنَّه تَصرفٌ صدَرَ من أهلِه في مَحلِّه فصَحَّ كما لو وَصَّى لأَجنبيٍّ، ولأنَّ امتِناعَ الجَوازِ كانَ لحَقِّهم لمَا يَلحقُهم من الأَذى والوَحشةِ بإِيثارِ بعضٍ، ولا يُوجدُ ذلك عندَ الإِجازةِ، ولأنَّ المَنعَ هو حَقٌّ للوَرثةِ ولأنَّه مَحجورٌ عليه لأَجلِهم لئلَّا يَفضُلَ بعضُهم على بعضٍ، فإذا أَجازوا فقد ترَكوا حَقَّهم فجازَ ذلك لهم؛ لأنَّ المَنعَ إنَّما تعلَّقَ بحَقِّهم فجازَ بإِجازتِهم، ولأنَّها وَصيةٌ بمُباحٍ فجازَ أنْ تَصحَّ كالوَصيةِ للأَجنبيِّ أو بزِيادةٍ على الثُّلثِ.
والخَبَرُ قد رُويَ فيه إلا أنْ يُجيزَ الوَرثةُ، والاستِثناءُ من النَّفيِ إِثباتٌ، فيَكونُ ذلك دَليلًا من صِحةِ الوَصيةِ عندَ الإِجازةِ، ولو خَلا من الاستِثناءِ كانَ مَعناه: لا وَصيةَ نافِذةً أو لازِمةً أو ما أشبَهَ هذا، أو يُقدَّرُ فيه: لا وَصيةَ لوارِثٍ عندَ عَدمِ الإِجازةِ من غيرِه من الوَرثةِ (١).
стр. 14788
إلا أنَّ الحَنابِلةَ قالوا بحُرمةِ الوَصيةِ للوارِثِ بشَيءٍ نَصًّا، سَواءٌ كانَت في صِحتِه أو مَرضِه غيرَ زَوجٍ أو زَوجةٍ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ قد أَعطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه فلا وَصيةَ لوارِثٍ» (١)، وتَصحُّ هذه الوَصيةُ المُحرمةُ وتَقفُ على إِجازةِ الوَرثةِ؛ لأنَّ المَنعَ لحَقِّ الوَرثةِ فإذا رَضُوا بإِسقاطِه نفَذَ (٢).
وذهَبَ الشافِعيُّ في قَولٍ مُخرَجٍ من كَلامٍ له في بعضِ كُتبِه، وهو قَولُ المُزنِيِّ والحَنابِلةِ في قَولٍ وأهلِ الظاهِرِ إلى أنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ للوارِثِ وإنْ أَجازَها الوَرثةُ؛ للنَّهيِ عنها ولثُبوتِ الحُكمِ بنَسخِها بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ قد أَعطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه فلا وَصيةَ لوارِثٍ» (٣)، ولم يَقُلْ: إلا أنْ يُجيزَها الوَرثةُ، فإذا منَعَ اللهُ تَعالى من ذلك فليس للوَرثةِ أنْ يُجيزوا ما أَبطَله اللهُ تَعالى على لِسانِ رَسولِه ﷺ ، إلا أنْ يَبتدِئوا هِبةً لذلك من عندِ أنفُسِهم فهو مالُهم.
وقالَ المُزنِيُّ: إنَّما مُنعَ الوارِثُ من الوَصيةِ لئلَّا يأخُذَ مالَ المَيتِ من وَجهَينِ مُختلفَينِ (٤).
стр. 14789
وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ ﵀: واختلَفوا كما قُلنا إذا أَجازَها الوَرثةُ، فقالَ الجُمهورُ: تَجوزُ، وقالَ أهلُ الظاهِرِ والمُزنِيُّ: لا تَجوزُ.
وسَببُ الخِلافِ هل المَنعُ لعِلةِ الوَرثةِ أو هو عِبادةٌ، فمَن قالَ: عِبادةٌ قالَ: لا تَجوزُ، وإنْ أَجازَها الوَرثةُ، ومَن قالَ بالمَنعِ لحَقِّ الوَرثةِ أَجازَها إذا أَجازَها الوَرثةُ، وتَردُّدُ هذا الخِلافِ راجِعٌ إلى تَردُّدِ المَفهومِ من قَولِه ﷺ : «لا وَصيةَ لوارِثٍ»، هل هو مَعقولُ المَعنى أو ليسَ بمَعقولٍ (١).
فائِدةُ الخِلافِ:
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وفائِدةُ الخِلافِ أنَّ الوَصيةَ إذا كانَت صَحيحةً فإِجازةُ الوَرثةِ تَنفيذٌ وإِجازةٌ مَحضةٌ يَكفي فيها قَولُ الوارِثِ: «أجَزتُ أو أمضَيتُ أو نفَّذتُ»، فإذا قالَ ذلك لزِمَت الوَصيةُ.
وإنْ كانَت باطِلةً كانَت الإِجازةُ هِبةً مُبتدأَةً تَفتقِرُ إلى شُروطِ الهِبةِ من اللَّفظِ والقَبولِ والقَبضِ كالهِبةِ المُبتدَأةِ، ولو رجَعَ المُجيزُ قبلَ القَبضِ فيما يُعتبَرُ فيه القَبضُ صَحَّ رُجوعُه (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ الذين أَجازوها إذا أذِنَ الوَرثةُ اختلَفوا هل تَكونُ ابتِداءً عَطيةً منهم أو تَنفيذًا لوَصيةِ المُوصي؟
فذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ والشافِعيةُ في قَولٍ وهو قَولٌ للحَنابِلةِ إلى أنَّ الوَرثةَ إذا أَجازوها للوارِثِ فهي ابتِداءُ عَطيةٍ منهم، لا تَنفيذٌ لوَصيةِ
стр. 14790
المُوصي، فعلى هذا لا بُدَّ من قَبولِ المُوصَى له وحيازَتِه قبلَ حُصولِ مانِعٍ للمُجيزِ، وأنْ يَكونَ المُجيزُ من أهلِ التَّبرعِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وابنُ القَصارِ وابنُ العَطارِ والقاضي عبدُ الوَهابِ من المالِكيةِ إلى أنَّه ليسَ ابتِداءَ عَطيةٍ، وإنَّما هو تَنفيذٌ لمَا فعَلَه المُوصي؛ لأنَّ المَنعَ هو لحَقِّ الوَرثةِ، فإذا أَجازوه؛ فإنَّما تَرَكوا ما كانَ لهم من حَقِّ الفَسخِ، فصَحَّ بَتركِهم الفَسخَ فِعلُ المَيتِ وصاروا كأنَّهم أذِنوا له بأنْ يُوصيَ بأكثَرَ من ثُلثِه، وصارَ المَيتُ كأنَّه أَوصَى بما له أنْ يُوصيَ وهو الثُّلثُ الذي لا اعتِراضَ لهم فيه.
فعلى هذا القَولِ لا تَحتاجُ إلى قَبولٍ ولا حَوزٍ، بل يَصحُّ بقَولِه: «أجَزتُ وأنفَذتُ وأمضَيتُ» ونَحوَ ذلك (١).
قالَ الإِمامُ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: ومَتى أَجازَت الوَرثةُ الوَصيةَ لم يَكنْ ذلك هِبةً مُستأنَفةً من جِهتِهم فتُحملُ على أَحكامِ الهِباتِ في شَرطِ القَبضِ والتَّسليمِ ونَفيِ الشُّيوعِ فيما يُقسَمُ والرُّجوعِ فيها، بل تَكونُ مَحمولةً على أَحكامِ الوَصايا الجائِزةِ دونَ الهِباتِ من قِبَلِ مُجيزِيها من الوَرثةِ (٢).
стр. 14791
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا في إِجازةِ الوَرثةِ، هل هي تَنفيذٌ لمَا كانَ أمَرَ به المُوصي أو هِبةٌ مُستأنَفةٌ؟
فقالَ مالِكٌ وأَبو حَنيفةَ وأَحمدُ: هي تَنفيذٌ لمَا كانَ أمَرَ به المُوصي وليسَ بابتِداءٍ.
وعن الشافِعيِّ قَولانِ، أَحدُهما كمَذهبِهم، والآخَرُ أنَّها هِبةٌ مُبتدَأةٌ يُعتبَرُ فيها ما يُعتبَرُ في الهِبةِ من الإِيجابِ والقَبولِ والقَبضِ (١).
وقالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ: فإنْ أَجازَه الوَرثةُ فهل يَكونُ ذلك تَنفيذًا لمَا فعَلَه المُوصي أو ابتِداءَ عَطيةٍ من الوَرثةِ؟ على قَولَينِ.
وقالَ الشَّيخُ أَبو إِسحاقَ: هل تَصحُّ الوَصيةُ بما زادَ على الثُّلثِ؟ فيه قَولانِ:
أَحدُهما: لا تَصحُّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى سَعدًا عن الوَصيةِ بما زادَ على الثُّلثِ، والنَّهيُ يَقتَضي فَسادَ المَنهيِّ عنه.
والثاني: تَصحُّ؛ لأنَّ الوَصيةَ صادَفَت مِلكَه، وإنَّما يَتعلَّقُ بها حَقُّ الوارِثِ فيما بَعدُ، وذلك لا يَمنعُ صِحةَ تَصرُّفِه، كما لو اشتَرى رَجلٌ شِقصًا فيه شُفعةٌ، فباعَ الشِّقصَ قبلَ أنْ يأخُذَه الشَّفيعُ.
فإنْ قُلنا: إنَّ إِجازةَ الوَرثةِ في الوَصيةِ للوارِثِ فيما زادَ على الثُّلثِ تَنفيذٌ لمَا فعَلَه المُوصي كَفاهم لَفظُ الإِجازةِ، ولا يَحتاجُ المُوصَى له إلى قَبولِ الإِجازةِ.
стр. 14792
وإنْ قُلنا: إنَّ إِجازةَ الوَرثةِ ابتِداءُ عَطيةٍ منهم ففيه وَجهانِ:
أَحدُهما: قالَ الشَّيخانِ أَبو حامِدٍ وأَبو إِسحاقَ: لا يَصحُّ ذلك إلا بما تَصحُّ به الهِبةُ من الإِيجابِ والقَبولِ، والإذْنِ بالقَبضِ، والقَبضِ.
والثاني: قالَ القَفَّالُ والمَسعوديُّ وابنُ الصَّباغِ: يَكفيه لَفظُ الإِجازةِ على القَولَينِ؛ لأنَّ الشافِعيَّ ﵀ قالَ في جَميعِ كُتبِه: (إذا أَجازَ الوَرثةُ ذلك كانَت عَطيةً)، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا وَصيةَ لوارِثٍ إلا أنْ يُجيزَ الوَرثةُ» فعلَّقَها على الإِجازةِ، فدَلَّ على أنَّهم إذا أَجازوها بلَفظِ الإِجازةِ صَحَّ (١).
إذا أَجازَ بعضُ الوَرثةِ في حَياتِه هل لهم رَدُّه بعدَ وَفاتِه:
إذا أَجازَ الوَرثةُ الوَصيةَ للوارِثِ أو ما زادَ على الثُّلثِ للأَجنبيِّ في حَياةِ المُوصي فهذا لا يَخلو من حالتَينِ.
الحالةُ الأُولى: أنْ يُجيزوا في حالِ صِحةِ المُوصي:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم وحَكى ابنُ عبدِ البَرِّ الإِجماعَ على أنَّ الوَرثةَ إذا أَجازوا الوَصيةَ للوارِثِ أو بما زادَ على الثُّلثِ في حَياةِ المُوصي وهو صَحيحٌ لم يَلزَمْهم ذلك، ويَجوزُ لهم الرُّجوعُ فيما أَجازوه بعدَ مَوتِ المُوصي.
قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ: وأَجمَعوا على أنَّهم لو أَجازوا ذلك وهو صَحيحٌ لم يَلزَمْهم (٢).
стр. 14793
قالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: فإذا ثبَتَ أنَّ إِجازةَ الوَرثةِ في حالِ الحَياةِ غيرُ لازِمةٍ فالأوْلى لهم إِمضاءُ ما أَجازوه؛ لأنَّ في ذلك صِدقًا في قَولٍ ووَفاءً بوَعدٍ وبُعدًا من غَدرٍ، وطاعةً للمَيتِ وبِرًّا للحَيِّ، وكذلك لو أَجازوا وَصيتَه لبعضِ وَرثتِه في حَياتِه، وسَواءٌ أشهَدَ عليهم بالإِجازةِ أو لم يُشهِدْ (١).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يُجيزوا في مَرضِ المُوصي المَخوفِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَجازَ الوَرثةُ الوَصيةَ للوارِثِ أو ما زادَ على الثُّلثِ في مَرضِ المُوصي، ثم أَرادَ بعضُهم أو جَميعُهم أنْ يَرجعَ بعدَ مَوتِ المُوصي هل له ذلك أو لا؟
فذهَبَ الإِمامُ مالِكٌ إلى أنَّ المُوصيَ إذا أَوصَى لوَرثتِه أو بزائِدٍ على الثُّلثِ واستَأذنَ الوَرثةَ في ذلك وهو مَريضٌ فأذِنوا له وهو مَريضٌ مَحجورٌ عن أكثَرَ من ثُلثِه لزِمَهم ما أَجازوا من ذلك؛ لأنَّه يُحجَبُ عن مالِه بحَقِّهم فيَجوزُ ذلك عليهم.
ولأنَّ الرَّجلَ إذا كانَ صَحيحًا فهو أحَقُّ بمالِه كلِّه يَصنعُ فيه ما شاءَ، فإذا أذِنوا له في صِحتِه فقد تَرَكوا شَيئًا لم يَجبْ لهم، وذلك بمَنزِلةِ الشَّفيعِ يَتركُ شُفعتَه قبلَ البَيعِ، أو بمَنزِلةِ الوَليِّ إذا عَفا عمَّن قتَلَ وَليَّه، فتَركُه لمَا لم يَجِبْ له غيرُ لازِمٍ، فإذا أذِنوا له في مَرضِه فقد تَرَكوا ما وجَبَ لهم من الحَقِّ، فليسَ لهم أنْ يَرجِعوا فيه إذا كانَ قد أنفَذَه؛ لأنَّه قد فاتَ فإنْ لم يُنفِذِ المَريضُ ذلك كانَ للوارِثِ الرُّجوعُ فيه؛ لأنَّه لم يَفُتْ بالتَّنفيذِ (٢).
стр. 14794
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ: وإذا استَأذَنهم عندَ سَفرٍ فأذِنوا له ففيها رِوايتانِ:
إِحداهما: أنَّه لا يَلزمُ اعتِبارًا بالصِّحةِ، ولأنَّ تَصرفَه في هذه الحالِ من رأسِ المالِ.
والأُخرى: أنَّه يَلزمُ اعتِبارًا بالمَرضِ المَخوفِ؛ لأنَّها حالُ خَوفٍ وخَطرٍ، وهذا في السَّفرِ البَعيدِ الذي يُخافُ من مِثلِه (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَلزمُ الوَرثةَ ما أَجازوه في حَياةِ المُوصي ولا يَلزمُهم حتى يُجيزوا بعدَ مَوتِه، وسَواءٌ أَجازوا ذلك في مَرضِه أو صِحتِه إذا كانَ ذلك في حَياتِه؛ لأنَّه لمَّا كانَ للمُوصي إِبطالُ تلك الوَصيةِ في الحَياةِ مع كَونِه مالِكًا للمالِ فالوَرثةُ أحرى أنْ يَرجِعوا فيما أَجازوا، ولأنَّهم أَجازوا شَيئًا لم يَملِكوه في ذلك الوَقتِ، وإنَّما يَملكُ المالَ بعدَ وَفاتِه وقد يَموتُ الوارِثُ المُستأذِنُ قبلَه ولا يَكونُ وارِثًا، وقد يَرِثُه غيرُه، وقد أَجازَ من لا حَقَّ له فيه فلا يَلزمُه شَيءٌ منه.
ولأنَّهم ليسوا مالِكينَ للمالِ في حالِ الحَياةِ فلا تَعملُ إِجازتُهم فيه، كما لا تَجوزُ هِبتُهم ولا بَيعُهم، وإنْ حدَثَ المَوتُ بعدَه فالإِجازةُ أبعَدُ من ذلك، ولمَّا كانَ المُوصَى له إنَّما تَقعُ الوَصيةُ له بعدَ المَوتِ فكذلك الإِجازةُ،
стр. 14795
حُكمُها أنْ يَكونَ في حالِ وُقوعِ الوَصيةِ وألَّا تَعملَ الإِجازةُ قبلَ وُقوعِها، وأيضًا لمَّا كانَ للمَيتِ إِبطالُ الوَصيةِ في حالِ الحَياةِ مع كَونِه مالِكًا فالوَرثةُ أحرى بجَوازِ الرُّجوعِ عمَّا أَجازوه، وإذا جازَ لهم الرُّجوعُ فقد علِمتَ أنَّ الإِجازةَ لا تَصحُّ (١).
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإذا أَرادَ الرَّجلُ أنْ يُوصيَ لوارِثٍ فقالَ للوَرثةِ: «إنِّي أُريدُ أنْ أُوصيَ بثُلثي لفُلانٍ وارِثي فإنْ أَجزتُم ذلك فَعَلت، وإنْ لم تُجيزوا أَوصَيت بثُلثي لمَن تَجوزُ الوَصيةُ له»، فأَشهَدوا له على أنفُسِهم بأنْ قد أَجازوا له جَميعَ ما أَوصَى له وعَلِموه، ثم ماتَ، فخُيِّر لهم فيما بينَهم وبينَ اللهِ أنْ يُجيزوه؛ لأنَّ في ذلك صِدقًا ووَفاءً بوَعدٍ وبُعدًا من غَدرٍ وطاعةً للمَيتِ وبِرًّا للحَيِّ فإنْ لم يَفعَلوا لم يُجبِرْهم الحاكِمُ على إِجازتِه، ولم يُخرَجْ ثُلثُ مالِ المَيتِ في شَيءٍ إذا لم يُخرِجْه هو فيه، وذلك أنَّ
стр. 14796
إِجازتَهم قبلَ أنْ يَموتَ المَيتُ لا يُلزمُهم بها حُكمٌ من قِبَلِ أنَّهم أَجازوا ما ليسَ لهم، ألَا تَرى أنَّهم قد يَكونونَ ثَلاثةً واثنَينِ وواحِدًا فتَحدُثُ له أَولادٌ أكثَرُ منهم فيَكونونَ أَجازوا كلَّ الثُّلثِ وإنَّما لهم بعضُه، ويَحدثُ له وارِثٌ غيرُهم يَحجبُهم ويَموتونَ قبلَه فلا يَكونونَ أَجازوا في واحِدةٍ من الحالتَينِ في شَيءٍ يَملِكونَه بحالٍ؟ وإنَّ أكثَرَ أَحوالِهم فيه أنَّهم لا يَملِكونَه أبدًا إلا بَعدَما يَموتُ، أوَلا تَرى أنَّهم لو أَجازوها لوارِثٍ كانَ الذي أُجيزَت له الوَصيةُ قد يَموتُ قبلَ المُوصي؟ فلو كانَ مِلكُ الوَصيةِ بوَصيةِ المَيتِ وإِجازتِهم مِلْكَها كانَ لم يَملِكْها ولا شَيءَ من مالِ المَيتِ إلا بمَوتِه وبَقائِه بعدَه، فكذلك الذين أَجازوا له الوَصيةَ أَجازوها فيما لا يَملِكونَ وفيما قد لا يَملِكونَه أبدًا.
(قالَ): وهكذا لو استَأذَنهم فيما يُجاوزُ الثُّلثَ من وَصيتِه فأذِنوا له به، وهكذا لو قالَ رَجلٌ منهم: «مِيراثي منك لأَخي فُلانٍ أو لبَني فُلانٍ» لم يَكنْ له؛ لأنَّه أَعطاه ما لم يَملِكْ، وهكذا لو استأذَنَهم في عِتقِ عَبيدٍ له فأعتَقَهم بعدَ مَوتِه فلم يَخرُجوا من الثُّلثِ كانَ لهم رَدُّ مَنْ لا يَخرجُ من الثُّلثِ منهم، وخَيرٌ في هذا كلِّه أنْ يُجيزوه (١).
إذا أَجازَ الوَرثةُ الوَصيةَ بعدَ مَوتِ المُوصي فليسَ لهم الرُّجوعُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الوَرثةَ إذا أَجازوا بعدَ مَوتِ المُوصي الزائِدَ على الثُّلثِ أو ما أَوصَى به لوارِثٍ أنَّه ليسَ لأحدٍ منهم الرُّجوعُ في الوَصيةِ.
стр. 14797
قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّهم إذا أَجازوا ما أَوصَى به مَوروثُهم لوارِثٍ منهم أو أَجازوا وَصيتَه بأكثَرَ من الثُّلثِ بعدَ مَوتِه لزِمَهم ذلك، ولم يَكنْ لهم أنْ يَرجِعوا في شَيءٍ منه قُبضَ أو لم يُقبَضْ، وإنَّ هذا لا يُحتاجُ فيه إلى قَبضٍ عندَ جَميعِهم (١).
وقالَ ابنُ المُنذرِ: وكانَ مالِكٌ، والشافِعيُّ، والثَّوريُّ، وأَبو ثَورٍ، وأَصحابُ الرأيِ يَقولونَ: إذا أَجازوا ذلك بعدَ وَفاتِه لزِمَهم (٢).
وقالَ الإِمامُ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّهم إذا أَجازوه بعدَ المَوتِ فليسَ لهم أنْ يَرجِعوا فيه (٣).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ ﵀: وإنْ أَجازوا بعدَ المَوتِ فذلك لازِمٌ من غيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الإِرثَ قد وجَبَ لهم، فإذا تَرَكوه بعدَ وُجوبِه جازَ كما لو وَهَبوه ابتِداءً (٤).
وقالَ زَكريا الأَنصاريُّ ﵀: فإنْ أَجازوا -أي: الوَرثةُ- فلا رُجوعَ لهم، ولو قبلَ القَبضِ بِناءً على الأصَحِّ من أنَّ إِجازتَهم تَنفيذٌ للوَصيةِ لا ابتِداءُ عَطيةٍ منهم (٥).
стр. 14798
إذا أَوصَى لوارِثٍ وقالَ: «إنْ أَجازَها الوَرثةُ وإلا فهي لفُلانٍ»:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ يُوصي لبَعضِ وَرثتِه بمالٍ ويَقولُ في وَصيتِه: «إنْ أَجازَها الوَرثةُ فهي له، وإنْ لم يُجيزوه فهو في سَبيلِ اللهِ أو على المَساكينِ»، فلم يُجيزوه، فهل يَرجعُ إليهم إذا لم يُجيزوه أو يَمضي في سَبيلِ اللهِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوصيَ إذا أَوصَى لبعضِ وَرثتِه بمالٍ وقالَ في وَصيتِه: «إنْ أَجازَها الوَرثةُ فهي له، وإنْ لم يُجيزوها فهو في سَبيلِ اللهِ أو على المَساكينِ»، فلم يُجِزِ الوَرثةُ؛ فإنَّها تَمضي في سَبيلِ اللهِ أو للمَساكينِ (١).
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: لو أَوصَى لوارِثٍ بوَصيةٍ فقالَ: «فإنْ أَجازَها الوَرثةُ وإلا فهي لفُلانٍ -رَجلٍ أَجنبيٍّ- أو في سَبيلِ اللهِ أو في شَيءٍ ممَّا تَجوزُ له الوَصيةُ به»، مَضى ذلك على ما قالَ، إنْ أَجازَها الوَرثةُ جازَت، وإنْ رَدُّوها فذلك لهم، وعليهم أنْ يُنفِذوها لمَن أَوصَى له بها إنْ لم يُجِزْها الوَرثةُ؛ لأنَّها وَصيةٌ لغيرِ وارِثٍ، وكذلك لو أَوصَى بوَصيةٍ لرَجلٍ فقالَ: «فإنْ ماتَ قَبلي فما أَوصَيت له به لفُلانٍ» فماتَ قبلَه، كانَت الوَصيةُ لفُلانٍ، وكذلك لو قالَ: «لفُلانٍ ثُلثي إلا أنْ يَقدمَ فُلانٌ فإنْ قدِمَ فُلانٌ هذا البَلدَ فهو له»، جازَ ذلك على ما قالَ (٢).
стр. 14799
وقالَ المالِكيةُ: إذا أَوصَى لوارِثِه بشَيءٍ وقالَ: إنْ لم يُجِزْ بَقيةُ الوَرثةِ له فللمَساكينِ أو نَحوِهم؛ فإنَّها تَكونُ باطِلةً، وتَرجعُ إلى الوَرثةِ مِيراثًا ولا شَيءَ للمَساكينِ؛ لأنَّه لمَّا بَدَأ بذِكرِ الوارِثِ دَلَّ على قَصدِ الضَّررِ، وما قصَدَ به الإِضرارَ لا يَمضي؛ لقَولِ اللهِ تَعالى في حَقِّ المُوصي: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، وظاهِرُه البُطلانُ في هذه الصُّورةِ، سَواءٌ أَجازوا أو لا، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ، وذلك لأنَّه لمَّا وقَعَت الوَصيةُ مَنهيًّا عنها لقَصدِه الضَّررَ حُكِم بفَسادِها، فلا يُبيحُها إِجازتُهم، بل إِجازتُهم ابتِداءُ عَطيةٍ فيُعتبَرُ شُروطُها -ككَونِهم رُشداءَ بلا دَينٍ- والقَبولُ والحِيازةُ.
وفي قَولٍ: تَنفُذُ إذا أَجازَها الوَرثةُ.
وأمَّا إذا عكَسَ الصُّورةَ بأنْ بَدَأ بالمَساكينِ مَثلًا بأنْ قالَ: «ثُلثُ مالي مَثلًا للمَساكينِ إلا أنْ يُجيزَه الوَرثةُ لابني زَيدٍ مَثلًا»؛ فإنَّها وَصيةٌ جائِزةٌ لابنِه إنْ أَجازَها الوَرثةُ وإلا فهي للمَساكينِ؛ لبَدئِه بهم -أي: بالمَساكينِ الذين تَصحُّ الوَصيةُ لهم- بخِلافِ السابِقةِ؛ فإنَّه بَدَأ بذِكرِ ما تَبطلُ به (١).
مَنْ له حَقُّ الإِجازةِ من الوَرثةِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإِجازةَ من الوَرثةِ لا تَصحُّ إلا من بالِغٍ عاقِلٍ، فإنْ كانَ فيهم صَغيرٌ أو مَجنونٌ لم تَصحَّ منه الإِجازةُ؛ لأنَّهما لا
стр. 14800
يُعتدُّ بكَلامِهما، فإِجازتُهما وعَدمُها على حَدٍّ سَواءٍ (١).
قالَ الشافِعيةُ: ولا من الحاكِمِ عليه ولا مِنْ وَليِّه؛ لمَا في الإِجازةِ عليه من تَضييعِ حَقِّه، ولا ضَمانَ على الوَليِّ المُجيزِ ما لم يُقبِضْ فإنْ أقبَضَ صارَ ضامِنًا لمَا أَجازَه من الزِّيادةِ (٢).
إلا أنَّهم اختلَفوا فيما لو كانَ بعضُ الوَرثةِ سَفيهًا، هل تَصحُّ إِجازتُه أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه يُشتَرط الرُّشدُ في المُجيزِ من الوَرثةِ.
قالَ المالِكيةُ: تَصحُّ الإِجازةُ من الوَرثةِ إذا كانوا بالِغينَ رُشداءَ، وتَكونُ الإِجازةُ ابتِداءَ عَطيةٍ منهم؛ لأنَّ الحَقَّ انتقَلَ لهم (٣).
وقالَ الشافِعيةُ: لا تَصحُّ إِجازةُ الوَرثةِ إلا من جائِزِ الأمرِ. فإنْ كانَ فيهم مَحجورٌ عليه بسَفهٍ لم تَصحَّ منه الإِجازةُ ولا من الحاكِمِ عليه ولا مِنْ وَليِّه؛ لمَا في الإِجازةِ عليه من تَضييعِ حَقِّه ولا ضَمانَ على الوَليِّ المُجيزِ ما لم يُقبِضْ. فإنْ أقبَضَ صارَ ضامِنًا لمَا أَجازَه من الزِّيادةِ (٤).
стр. 14801
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولو كانَ في الوَرثةِ صَغيرٌ أو بالِغٌ مَحجورٌ عليه أو مَعتوهٌ لم يَجُزْ على واحِدٍ من هؤلاء أنْ يُجيزَ في نَصيبِه بشَيءٍ جاوَزَ الثُّلثَ من الوَصيةِ، ولم يَكنْ لوَليِّ واحِدٍ من هؤلاء أنْ يُجيزَ ذلك في نَصيبِه، ولو أَجازَ ذلك في مالِه كانَ ضامِنًا له في مالِه، وإنْ وُجدَ في يَدَي من أُجيزَ له أُخذَ من يَدَيه، وكانَ للوَليِّ أنْ يَتبعَ من أَعطاه إياه بما أَعطَى منه؛ لأنَّه أَعطاه ما لا يَملكُ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَلزمُ الإِجازةُ بغيرِ قَبولٍ من مُجازٍ له وبغيرِ قَبضٍ ولو كانَت الإِجازةُ من سَفيهٍ ومُفلسٍ؛ لأنَّها تَنفيذٌ لا تَبرعٌ بالمالِ (٢).
وقالَ الحَنفيةُ: إنَّما تُعتبَرُ إِجازةُ مَنْ أَجازَ إذا كانَ المُجيزُ من أهلِ الإِجازةِ، بأنْ كانَ بالِغًا عاقِلًا، فإنْ كانَ مَجنونًا أو صَبيًّا لا يَعقلُ لا تُعتبَرُ إِجازتُه. فإنْ كانَ عاقِلًا بالِغًا لكنَّه مَريضٌ مَرضَ المَوتِ جازَت إِجازتُه، وتَكونُ إِجازةُ المَريضِ كابتِداءِ وَصيةٍ (٣).
إذا أَوصَى لاثنَينِ أَحدُهما وارِثٌ والآخَرُ أجنَبيٌّ:
إذا أَوصَى المُوصي بثُلثِ مالِه لبَعضِ وَرثتِه ولأجنَبيٍّ فإنْ أَجازَ بَقيةُ الوَرثةِ جازَتِ الوَصيةُ لهما جَميعًا باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ، وكانَ الثُّلثُ بينَ الأجنَبيِّ وبينَ الوارِثِ نِصفَينِ.
стр. 14802
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا فيما لو رَدُّوا حِصةَ الوارِثِ، هل يَأخذُ الأجنَبيُّ جَميعَ الثُّلثِ أو حِصتَه من الثُّلثِ فقط؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَرثةَ لو رَدُّوا نَصيبَ الوارِثِ وأَجازوا للأجنَبيِّ فله الثُّلثُ كإِجازتِهم للوارِثِ، فيَكونُ له الثُّلثُ كامِلًا؛ لأنَّ لهم أنْ يُجيزوا لهما ويَردُّوا عليهما، فلهم أنْ يُجيزوا لأَحدِهما ويَردُّوا على الآخَرِ، ولأنَّهم خَصُّوا الوارِثَ بالإِبطالِ فالثُّلثُ كلُّه للأجنَبيِّ، وسقَطَت وَصيةُ الوارِثِ، فصارَ كأنَّه لم يُوصِ له (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَصيةَ في حَقِّ الأجنَبيِّ صَحيحةٌ، وله نِصفُ الوَصيةِ وهو السُّدسُ هنا، وتَبطلُ في حَقِّ الوارِثِ؛ لأنَّ الوَرثةَ لمَّا أبطَلوا وَصيةَ الوارِثِ صارَ كأنَّه لم يُوصِ إلا بالسُّدسِ للأجنَبيِّ، ولأنَّ المَيتَ لم يُرِدْ إِفرادَ الأجنَبيِّ حين أدخَلَ معه غيرَه، فكأنَّه أَعطاه الفاضِلَ من عَطيةِ الوارِثِ، ألَا تَرى أنَّ الوَرثةَ لو أَجازوا لم يَستحِقَّ الأجنَبيُّ إلا نِصفَ الوَصيةِ؟ وإنَّما يُؤثِّرُ مَنعُهم في غيرِ مَنْ يَأخذُ الفاضِلَ من مِقدارِ نَصيبِه (٢).
стр. 14803
قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو أَوصَى بثُلثِ مالِه لبعضِ وَرثتِه ولأجنَبيٍّ، فإنْ أَجازَ بَقيةُ الوَرثةِ جازَت الوَصيةُ لهما جَميعًا، وكانَ الثُّلثُ بينَ الأجنَبيِّ وبينَ الوارِثِ نِصفَينِ، وإنْ رَدُّوا جازَت في حِصةِ الأجنَبيِّ وبطَلَت في حِصةِ الوارِثِ.
وقالَ بعضُ الناسِ: يُصرفُ الثُّلثُ كلُّه إلى الأجنَبيِّ؛ لأنَّ الوارِثَ ليسَ بمَحلٍّ للوَصيةِ، فالتَحقَت الإِضافةُ إليه بالعَدمِ، كما لو أَوصَى لحَيٍّ ومَيتٍ فالوَصيةُ كُلِّها للحَيِّ لمَا قُلنا، كذا هذا.
وهذا غيرُ سَديدٍ؛ لأنَّ الوَصيةَ للوارِثِ ليسَت وَصيةً باطِلةً، بدَليلِ أنَّه لو اتَّصلَت بها الإِجازةُ جازَت، والباطِلُ لا يَحتملُ الجَوازَ بالإِجازةِ، وبه تبيَّنَ أنَّ الوارِثَ مَحلٌّ للوَصيةِ؛ لأنَّ التَّصرفَ المُضافَ إلى غيرِ مَحلِّه يَكونُ باطِلًا، دَلَّ على أنَّه مَحلٌّ وأنَّ الإِضافةَ إليه وقَعَت صَحيحةً، إلا أنَّها تَبطلُ في حِصتِه برَدِّ الباقينَ، وإذا وقَعَت صَحيحةً فقد أَوصَى لكلِّ واحِدٍ منهما بنِصفِ الثُّلثِ، ثم بطَلَت الوَصيةُ في حقِّ الوارِثِ بالرَّدِّ فبَقيَت في حَقِّ الأجنَبيِّ على حالِها، كما لو أَوصَى لأجنَبيَّينِ فرَدَّ أَحدُهما دونَ الآخَرِ، بخِلافِ المَريضِ إذا أقَرَّ بدَينٍ لبعضِ وَرثتِه ولأجنَبيٍّ، كما إذا أقَرَّ لهما بألفِ دِرهمٍ، والوارِثُ مع الأجنَبيِّ تَصادَقا أنَّه لا يَصحُّ لهما الإِقرارُ أَصلًا لا
стр. 14804
للوارِثِ ولا للأجنَبيِّ؛ لأنَّ الوَصيةَ تَمليكٌ فبُطلانُه في حَقِّ أَحدِهما لا يُوجبُ البُطلانَ في حَقِّ الآخَرِ (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: في الرَّجلِ يُوصي لوارِثٍ ولأجنَبيٍّ:
(قُلتُ): أرأيتَ إنْ أَوصَى رَجلٌ بعَبدِه لوارِثٍ وأَوصَى لأجنَبيٍّ بوَصيةٍ كيف يُصنعُ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ في رَجلٍ أَوصَى لأجنَبيٍّ بوَصيةٍ وأَوصَى لوارِثٍ أيضًا: يَتحاصَّانِ، يُحاصُّ الوارِثُ الأجنَبيَّ بالوَصيةِ فكذلك مَسألتُك، (قُلتُ): أَرأيتَ إنْ أَوصَى لوارِثٍ وغيرِ وارِثٍ، فقال: «ثُلثُ مالي لفُلانٍ ولفُلانٍ» وأَحدُهما وارِثٌ ومعه وَرثةٌ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: أمَّا نَصيبُ الوارِثِ من ذلك فباطِلٌ يُردُّ إلى جَميعِ الوَرثةِ إلا أنْ يُجيزوا له ذلك، وأمَّا غيرُ الوارِثِ فله نَصيبُه (٢).
إذا أَجازَ بعضُ الوَرثةِ ورَدَّ الباقونَ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُوصي إذا أَوصَى لوارِثٍ أو لأجنَبيٍّ فيما زادَ على الثُّلثِ فأَجازَ ذلك بعضُ الوَرثةِ ولم يُجِزْ باقي الوَرثةِ لزِمَ مَنْ أَجازَ منهم في حِصتِه من المِيراثِ لا غيرُ، ويَبطلُ في حَقِّ الرادِّ؛ لأنَّ لكلِّ واحِدٍ منهم وِلايةَ الإِجازةِ والرَّدِّ في قَدرِ حِصتِه، فتَصرُّفُ كلِّ واحدٍ منهم في نَصيبِه صدَرَ عن وِلايةٍ شَرعيةٍ فيَنفُذُ.
стр. 14805
ومَعناه أنَّه يُجعلُ في حَقِّ الذي أَجازَ كأنَّهم كلَّهم أَجازوا، وفي حَقِّ الذي لم يُجِزْ كأنَّهم كلَّهم لم يُجيزوا، بَيانُه: إذا ترَكَ ابنَينِ وأَوصَى لرَجلٍ بنِصفِ مالِه، فإنْ أَجازَ الوَرثةُ فالمالُ يَكونُ بينَهم أَرباعًا: للمُوصَى له رُبعانِ وهو النِّصفُ، وللابنَينِ رُبعانِ وهو النِّصفُ، وإنْ لم يُجيزوا فللمُوصَى له الثُّلثُ وللابنَينِ الثُّلثانِ، وإنْ أَجازَ أَحدُهما دونَ الآخَرِ يُجعلُ في حَقِّ الذي أَجازَ كأنَّهم كلَّهم أَجازوا، ويُعطَى للمُجيزِ رُبعُ المالِ، وفي حَقِّ الذي لم يُجِزْ كأنَّهم كلَّهم لم يُجيزوا، ويُعطَى له ثُلثُ المالِ، ويَكونُ الباقي للمُوصَى له، فيُجعلُ المالُ على اثنَيْ عَشرَ لحاجَتِنا إلى الثُّلثِ والرُّبعِ، فالرُّبعُ للذي أَجازَ وهو ثَلاثةٌ، والثُّلثُ للذي لم يُجِزْ وهو أربَعةٌ، ويَبقى خَمسةٌ للمُوصَى له (١).
إذا أَجازَ الوَرثةُ ثم قالوا: لم نَعلَمْ أنَّه كَثيرٌ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَجازَ الوَرثةُ ما زادَ على الثُّلثِ، ثم قالَ الوَرثةُ: «أَجزناه لأنَّنا ظَننَّا أنَّ الذي أَجَزنا يَسيرٌ، وقد بانَ لنا أنَّه كَثيرٌ»، هل يُقبلُ قَولُهم في ذلك أو لا؟
فقالَ الشافِعيةُ: وإنْ أَوصَى لرَجلٍ بثُلثَي مالِه وماتَ المُوصي فأَجازَ الوارِثُ الوَصيةَ ثم قالَ: «أَجَزته لأنَّني ظَنَنت أنَّ الذي أَجَزته يَسيرٌ وقد بانَ
стр. 14806
لي أنَّه كَثيرٌ» فإنْ كانَ مع المُوصَى له بَيِّنةٌ أنَّ الوارِثَ يَعلمُ قَدرَ ما أَجازَه لزِمَته الإِجازةُ في الجَميعِ.
وإنْ لم يَكنْ معه بَيِّنةٌ لزِمَ الوارِثُ الإِجازةَ في قَدرِ ما علِمَه من المالِ، والقَولُ قَولُه مع يَمينِه فيما لم يَعلَمْه؛ لأنَّ الإِجازةَ كالإِسقاطِ في أحدِ القَولَينِ، وكالهِبةِ في الآخَرِ، والجَميعُ لا يَصحُّ مع الجَهالةِ به.
وإنْ أَوصَى لرَجلٍ بعبدٍ وقيمَتُه أكثَرُ من ثُلثِ المالِ وأَجازَه الوارِثُ، ثم قالَ: «ظَنَنت أنَّ الزِّيادةَ على الثُّلثِ يَسيرةٌ فأَجَزته، وقد بانَ أنَّه كَثيرٌ» ففيه قَولانِ:
أَحدُهما: أنَّها كالمَسألةِ قبلَها.
والثاني: يَلزمُ الوارِثَ الإِجازةُ في العَبدِ، ولا يُقبلُ قَولُه أنَّه لا يَعلمُ قَدرَ ما أَجازَه؛ لأنَّ المُوصَى به ههنا شَيءٌ بعَينِه وقد أَجازَه فلم يُقبَلْ قَولُه، وفي التي قبلَها: الوَصيةُ في جُزءٍ مَشاعٍ، فقُبلَ قَولُه (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: وإذا أَجازَ الوَرثةُ الزِّيادةَ على الثُّلثِ ثم قالوا: «كُنَّا نَظُنُّ أنَّ الزِّيادةَ يَسيرةٌ، أو كُنَّا نَظُنُّ مالَه كَثيرًا، أو كُنَّا لا نَرى عليه دَينًا»، كانَ القَولُ قَولَهم مع أَيمانِهم، فإنْ قيلَ: إنَّ الإِجازةَ ابتِداءُ عَطيةٍ منهم بطَلَت في الزِّيادةِ على الثُّلثِ؛ لأنَّها هِبةٌ جهِلوا بعضَها فبطَلَت، وإنْ قُلنا: إنَّها تَنفيذٌ وإِمضاءٌ قيلَ لهم: قد لزِمَكم من إِمضاءِ الزِّيادةِ القَدرُ الذي كُنْتُمْ تَظنُّونَه يَزيدُ على الثُّلثِ؛ لأنَّكم قد علِمتُموه، وبطَلَت الزِّيادةُ فيما جهِلتُموه.
стр. 14807
فإنِ اختلَفوا مع المُوصَى له في القَدرِ الذي علِموه كانَ القَولُ فيه قَولَهم مع أَيمانِهم (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: مَنْ أَجازَ من الوَرثةِ عَطيةً أو وَصيةً وكانَت جُزءًا مَشاعًا نِصفًا أو ثُلثَينِ ثم قالَ: «إنَّما أجَزتُ ذلك لأنَّني ظَنَنت المالَ المُخلَّفَ قَليلًا بأنْ كانَ سِتةَ آلافٍ فقالَ ظَننتُه ثَلاثةَ آلافٍ» فالقَولُ قَولُه؛ لأنَّه أعلَمُ بحالِه والظاهِرُ معه، فصُدِّق مع يَمينِه؛ لأنَّه يُحتمَلُ كَذبُه، وللمُجيزِ الرُّجوعُ فيما زادَ على ظَنِّه؛ لأنَّ ما هو في ظَنِّه قد أَجازَه فلا اعتِراضَ له فيه، فبَقيَ ما ليسَ في ظَنِّه فيَرجعُ به.
إلا أنْ يَكونَ المالُ المُخلَّفُ ظاهِرًا لا يَخفَى، فلا يُقبلُ قَولُ المُجيزِ أنَّه ظَنَّه قَليلًا؛ لأنَّه خِلافُ الظاهِرِ، أو تَقومُ بَيِّنةٌ على المُجيزِ بعِلمِه بقَدرِ المالِ، فلا يُقبلُ قَولُه ولا رُجوعَ له عَملًا بالبَيِّنةِ.
وفي وَجهٍ ليسَ له الرُّجوعُ ولا يُقبلُ قَولُه؛ لأنَّه أَجازَ عَقدًا له الخيارُ في فَسخِه فبطَلَ خيارُه كما لو أَجازَ البَيعَ مَنْ له الخيارُ في فَسخِه بعَيبٍ أو خيارٍ أو أقَرَّ بدَينٍ ثم قالَ: «غلِطتُ».
وإنْ كانَ المُجازُ من عَطيةٍ أو وَصيةٍ عَينًا كعَبدٍ أو فَرسٍ، أو كانَ مَبلغًا مَعلومًا كمِئةِ دِرهمٍ أو عَشرةِ دَنانيرَ يَزيدُ على الثُّلثِ وَصَّى به أو وهَبَه المَريضُ فأَجازَ الوارِثُ وقالَ بعدَ الإِجازةِ: «ظَنَنت المالَ كَثيرًا تَخرُجُ الوَصيةُ من ثُلثِه فبانَ المالُ قَليلًا أو ظهَرَ عليه دَينٌ لم أعلَمْه»، لم يُقبَلْ قَولُه، فلا رُجوعَ له كما لو وهَبَه؛ لأنَّه مُفرطٌ.
стр. 14808
وفيه وَجهٌ آخَرُ: أنَّه يَملِكُ الفَسخَ؛ لأنَّه قد يَسمحُ بذلك ظَنًّا منه أنْ يَبقَى له من المالِ ما يَكفيه، فإذا بانَ خِلافُ ذلك لحِقَه الضَّررُ في الإِجازةِ فملَكَ الرُّجوعَ كالمَسألةِ التي قبلَها.
قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀: لو قالَ: «ظَنَنت قيمَتَه ألفًا فبانَ أكثَرَ قُبلَ قَولُه، وليسَ نَقضًا للحُكمِ بصِحةِ الإِجازةِ ببَيِّنةٍ أو إِقرارٍ.
قالَ: وإنْ أَجازَ وقالَ: أرَدتُ أَصلَ الوَصيةِ» قُبِلَ (١).
العِبرةُ بالوارِثِ وَقتَ مَوتِ المُوصي:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ العِبرةَ بكَونِه وارِثًا وَقتَ المَوتِ لا وَقتَ الوَصيةِ؛ لأنَّه تَمليكُ مُضافٍ إلى ما بعدَ المَوتِ فيُعتبَرُ في وَقتِ التَّمليكِ لا وَقتِ الوَصيةِ، فمَن كانَ وارِثًا وَقتَ الوَصيةِ غيرَ وارِثٍ وَقتَ المَوتِ صَحَّت له الوَصيةُ.
ومَن كانَ غيرَ وارِثٍ وَقتَ الوَصيةِ ثم صارَ وارِثًا وَقتَ المَوتِ لم تَصحَّ له الوَصيةُ.
مِثالُه: لو أَوصَى لأَخيه وله ابنٌ وَقتَ الوَصيةِ ثم ماتَ قبلَ مَوتِ المُوصي ثم ماتَ المُوصي لم تَصحَّ الوَصيةُ؛ لأنَّ المُوصَى له -وهو الأخُ-
стр. 14809
صارَ وارِثَ المُوصي عندَ مَوتِه، ولو أَوصَى لأخيه ولا ابنَ له وَقتَ الوَصيةِ ثم وُلدَ له ابنٌ ثم ماتَ المُوصي صحَّت الوَصيةُ؛ لأنَّ الأخَ ليسَ بوارِثِه عندَ المَوتِ لصَيرورتِه مَحجوبًا بالابنِ.
وكذا إذا أَوصَى لزَوجتِه ثم طلَّقَها وبانَت عندَ المَوتِ صَحَّت الوَصيةُ لها، ولو أَوصَى لأجنَبيةٍ ثم تزَوَّجها وماتَ وهي في نِكاحِه لا تَصحُّ الوَصيةُ لها.
وإنَّما اعتُبِرت الوِراثةُ وَقتَ مَوتِ المُوصي لا وَقتَ وَصيتِه؛ لأنَّ الوَصيةَ ليسَت بتَمليكٍ للحالِ ليُعتبَرَ كَونُه وارِثًا وَقتَ وُجودِها، بل هي تَمليكٌ عندَ المَوتِ، فيُعتبَرُ ذلك عندَ المَوتِ، وإنَّما تُردُّ الوَصيةُ وتَجوزُ إذا كانَ لها حُكمٌ ولا يَكونُ لها حُكمٌ إلا بعدَ مَوتِ المُوصي حتى تَجبَ أو تَبطُلَ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ومَن أُوصيَ له وهو في الظاهِرِ وارِثٌ فلم يَمُتِ المُوصي حتى صارَ المُوصَى له غيرَ وارِثٍ فالوَصيةُ له ثابِتةٌ؛ لأنَّ اعتِبارَ الوَصيةِ بالمَوتِ).
لا نَعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ اعتِبارَ الوَصيةِ بالمَوتِ، فلو أَوصَى لثَلاثةِ إِخوةٍ له مُتفرِّقينَ ولا وَلدَ له وماتَ قبلَ أنْ يُولدَ له وَلدٌ لم تَصحَّ الوَصيةُ
стр. 14810
لغيرِ الأخِ من الأبِ إلا بالإِجازةِ من الوَرثةِ، وإنْ وُلدَ له ابنٌ صَحَّت الوَصيةُ لهم جَميعًا من غيرِ إِجازةٍ إذا لم تَتجاوزِ الوَصيةُ الثُّلثَ، وإنْ وُلدَت له بِنتٌ جازَت الوَصيةُ لأَخيه من أَبيه وأَخيه من أُمِّه، فيَكونُ لهما ثُلثا المُوصَى به بينَهما على نِصفَينِ، ولا يَجوزُ للأخِ من الأبوَينِ؛ لأنَّه وارِثٌ، وبهذا يَقولُ الشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ وأَصحابُ الرأيِ وغيرُهم، ولا نَعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم، ولو أَوصَى لهم وله ابنٌ فماتَ ابنُه قبلَ مَوتِه لم تَجُزِ الوَصيةُ لأَخيه من أَبوَيه ولا لأَخيه من أُمِّه، وجازَت لأَخيه من أَبيه، فإنْ ماتَ الأخُ من الأبوَينِ قبلَ مَوتِه لم تَجُزْ للأخِ من الأَبِ أيضًا؛ لأنَّه صارَ وارِثًا.
فَصلٌ: ولو أَوصَى لامرأةٍ أجنَبيةٍ أو أَوصَت له ثم تزَوَّجها لم تَجُزْ وَصيتُهما إلا بالإِجازةِ من الوَرثةِ، وإنْ أَوصَى أَحدُهما للآخَرِ ثم طلَّقَها جازَت الوَصيةُ؛ لأنَّه صارَ غيرَ وارِثٍ إلا أنَّه إنْ طلَّقَها في مَرضِ مَوتِه فقياسُ المَذهبِ أنَّها لا تُعطَى أكثَرَ من مِيراثِها؛ لأنَّه يُتَّهمُ في أنَّه طلَّقَها ليُوصِّلَ إليها مالَه بالوَصيةِ، فلم يَنفُذْ لها ذلك كما لو طلَّقَها في مَرضِ مَوتِه أو وَصَّى لها بأكثَرَ ممَّا كانَت تَرِثُ (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: واتَّفقوا على اعتِبارِ كَونِ المُوصَى له وارِثًا بيَومِ المَوتِ، حتى لو أَوصَى لأَخيه الوارِثِ حيثُ لا يَكونُ له ابنٌ يَحجُبُ الأخَ المَذكورَ فوُلدَ له ابنٌ قبلَ مَوتِه يَحجُبُ الأخَ فالوَصيةُ للأخِ