← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا أمرَ بصَلاةِ جَماعةٍ في زَلزَلةٍ ولا ظُلمةٍ، ولا لصَواعقَ ولا رِيحٍ ولا غيرِ ذلك مِنْ الآياتٍ، وأُمر بالصَّلاةِ مُنفرِدينَ كما يُصلُّونَ مُنفرِدينَ سائِرَ الصَّلواتِ (١). قالَ النَّوويُّ ﵀: واتَّفقَ الأَصحابُ على أنَّه يُستحبُّ أن يُصلِّيَ مُنفرِدًا ويَدعُوَ ويَتضرَّعَ؛ لئلَّا يَكونَ غافِلًا (٢).

стр. 1507

فصل في صَلاةِ الاستِسقاءِ الاستِسقاءُ لُغةً: طَلبُ السُّقيا، أي: طَلبُ إِنزالِ الغَيثِ على البِلادِ والعِبادِ. والاسمُ: السُّقيا، بالضَّمِّ، واستَسقَيتَ فُلانًا: إذا طلَبتَ منه أن يَسقِيَك (١). والمعنَى الاصطِلاحيُّ لِلِاستِسقاءِ هو: طَلبُ إِنزالِ المَطرِ بكَيفيَّةٍ مَخصوصةٍ عندَ شدَّةِ الحاجةِ بأن يُحبَسَ المَطرُ ولم يَكنْ لهم أَوديةٌ وآبارٌ وأَنهارٌ يَشرَبونَ منها ويَسقونَ مَواشيَهم وزَرعَهم، أو كانَ ذلك إلا أنَّه لا يَكفي، فإذا كانَ كافيًا لا يُستَسقَى (٢). حكمُ صَلاةِ الاستِسقاءِ: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الخُروجَ إلى الاستِسقاءِ والبُروزَ عن المِصرِ والدُّعاءَ إلى اللهِ تَعالى والتَّضرُّعَ إليه في نُزولِ المَطَرِ سُنةٌ سنَّها رَسولُ اللهِ ﷺ .

стр. 1508

إلا أنَّهمُ اختَلَفوا: هل يُسنُّ له صَلاةٌ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدُ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّه يُسنُّ له الصَّلاةُ والجَماعةُ. لمَا رَواهُ عبَّادُ بنُ تَميمٍ عن عمِّه عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ قالَ: «إِنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ خرَجَ إلى المُصلَّى واستَسقَى فَاستَقبلَ القِبلَةَ وَقلَبَ رِداءَهُ وَصلَّى رَكعَتينِ»، قالَ سُفيانُ: قَلبُ الرِّداءِ جَعلُ اليَمِينِ الشِّمالَ وَالشِّمالِ اليَمِينَ (١). وعن عائشةَ ﵂ قالَت: شَكا النَّاسُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ قُحوطَ المَطرِ -امتِناعَه وعدمَ نُزولِه- فأمَرَ بمِنبَرٍ فوُضعَ له في المُصلَّى، ووعَدَ النَّاسَ يَومًا يَخرُجونَ فيه، قالَت عائشةُ: فَخرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ حينَ بَدا حَاجِبُ الشَّمسِ، فقعَدَ على المِنبَرِ فكبَّرَ ﷺ وحمِدَ اللَّهَ ، ثم قالَ: «إنَّكم شَكَوتُم جَدبَ دِيارِكُم، واستِئخارَ المَطرِ عن إِبَّانِ زَمانِه عَنكُم، وقد أَمرَكُم اللهُ أَنْ تَدعُوه، ووَعدكُم أَنْ يَستَجِيبَ لكُم»، ثم قالَ: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [﴿: ٢ - ٤]، لَا إِلهَ إلا اللهُ، يَفعلُ ما يُرِيدُ، اللَّهمَّ أنتَ اللهُ لَا إِلهَ إلا أنتَ الغَنِيُّ، ونَحنُ الفُقَراءُ، أَنزِلْ علَينا الغَيثَ، واجعَلَ ما أَنزَلتَ لنا قُوةً وبَلاغًا إلى حِينٍ»، ثم رفَعَ يَديهِ فلم يَزلْ في الرَّفعِ حتى بَدا بَياضُ إِبِطَيهِ، ثم حوَّلَ إلى النَّاسِ ظَهرَهُ وَقلَبَ -أو حوَّلَ- رِداءَهُ،

стр. 1509

وهو رافِعٌ يَديهِ، ثم أَقبَلَ على النَّاسِ، ونزَلَ فَصلَّى رَكعَتينِ، فأنشَأَ اللهُ سَحابَةً فرَعدت وبرَقَت، ثم أَمطَرَت بإِذنِ اللَّهِ، فلم يَأتِ مَسجدَه حتى سالَتِ السُّيولُ، فلمَّا رَأى سُرعتَهم إلى الكِنِّ (١) ضحِكَ ﷺ حتى بدَت نَواجذُه، فقالَ: «أَشهَدُ أنَّ اللهَ على كلِّ شَيءٍ قَديرٌ وأنِّي عبدُ اللهِ ورَسولُه» (٢). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّه لا تُسنُّ الصَّلاةُ، بل يَخرجُ الإمامُ ويَدعُو، فإن صلَّى الناسُ وُحدانًا جازَ. وحُجةُ أَبي حَنيفةَ في هذا قولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] والمُرادُ منه الاستِغفارُ بالاستِسقاءِ، بدَليلِ قولِه: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، أمَرَ بالاستِغفارِ في الاستِسقاءِ. كما استُدلَّ له بحَديثِ أنَسٍ ﵁: أنَّ رَجلًا دخَلَ المَسجدَ يومَ جمُعةٍ مِنْ بابٍ كانَ نحوَ دارِ القَضاءِ، ورَسولُ اللهِ ﷺ قائِمٌ يَخطُبُ، فَاستَقبلَ رَسولَ اللهِ ﷺ قائِمًا، ثم قالَ: يا رَسولَ اللهِ، هلَكَت الأَموالُ وانقَطعَت السُّبلُ؛ فَادعُ اللهَ يُغِثنا. فَرفعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَديهِ، ثم قالَ: «اللَّهمَّ أَغِثنَا، اللَّهمَّ أَغِثنَا، اللَّهمَّ أَغِثنَا». قالَ

стр. 1510

أَنسٌ: ولا واللهِ، ما نَرى في السَّماءِ من سَحابٍ ولا قَزعَةٍ، وما بينَنا وَبينَ سَلعٍ مِنْ بَيتٍ ولا دارٍ، قالَ: فطَلَعت مِنْ وَرائِه سَحابَةٌ مِثلُ التُّرسِ، فلمَّا توسَّطَت السَّماءَ انتَشرَت ثم أَمطرَت، فلا واللهِ ما رَأَينا الشَّمسَ سِتًّا، ثم دخَلَ رَجلٌ مِنْ ذلك البابِ في الجمُعةِ -يَعني الثانيةَ- ورَسولُ اللهِ ﷺ قائِمٌ يَخطُبُ، فاستَقبلَه قائِمًا، فقالَ يا رَسولَ اللهِ: هلَكَت الأَموالُ، وَانقطعَتِ السُّبلُ؛ فَادعُ اللهَ يُمسِكهَا عَنَّا. قالَ: فرفَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَديهِ ثم قالَ: «اللَّهمَّ حَوالَينا ولا علَينا، اللَّهمَّ على الآكامِ والظِّرابِ وبُطونِ الأَودِيةِ ومَنابتِ الشَّجرِ. قالَ: فأَقلَعَت وَخرَجنا نَمشِي في الشَّمسِ» (١). وعن عمرَ ﵁ أنَّه خرَجَ بالعبَّاسِ فأجلَسَه على المِنبَرِ ووقفَ بجَنبِه يَدعُو ويَقولُ: «اللَّهُمَّ إنَّا نَتوسَّلُ إليكَ بعَمِّ نَبِيِّك ﷺ ، دَعا بدُعاءٍ طَويلٍ، فما نزَلَ عن المِنبَرِ حتى سُقُوا» (٢).

стр. 1511

صِفةُ صَلاةِ الاستِسقاءِ: لا خِلافَ بينَ القائِلينَ بصَلاةِ الاستِسقاءِ أنَّها رَكعتَانِ، إلا أنَّهمُ اختَلَفوا في صِفَتِها. فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّ صِفتَها كصِفةِ صَلاةِ العِيدِ؛ لمَا رَواه ابنُ عَباسٍ قالَ: «خرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ مُتَبذِّلًا مُتواضِعًا مُتضرِّعًا، حتى أَتى المُصلَّى فرقِيَ على المِنبَرِ ولم يَخطُبْ خُطبَكُم هذه، ولَكنْ لم يَزلْ في الدُّعاءِ والتَّضرُّعِ وَالتَّكبيرِ ثم صلَّى رَكعَتينِ كما يُصلِّي في العِيدِ» (١). ولِما رَواه جَعفَرُ بنُ مُحمدٍ عن أبيه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأَبا بَكرٍ، وعمرَ، كانُوا يُصلُّونَ صَلاةَ الاستِسقاءِ، يُكبِّرونَ فِيهَا سَبعًا وَخَمسًا» (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلَةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ صِفتَها رَكعتانِ كصَلاةِ التَّطوُّعِ؛ لأنَّ عبدَ اللهِ بنَ زَيدٍ قالَ: «استَسقَى النَّبيُّ ﷺ فَصلَّى رَكعَتينِ، وقلَبَ رِداءَه» (٣)؛ ولم يَذكُرِ التَّكبيرَ (٤).

стр. 1512

الخُطبةُ في صَلاةِ الاستِسقاءِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ القائِلونَ بسُنِّيةِ الصَّلاةِ للِاستِسقاءِ على أنَّ لها خُطبةً، إلا رِوايةً عن الإمامِ أحمدَ ﵀ فإنَّه قالَ: لا يُخطَبُ لها، وإنَّما هو الاستِغفارُ والدُّعاءُ. إلا أنَّهم قد اختَلَفوا: هل هي قبلَ الصَّلاةِ أو بعدَها؟ على ثَلاثةِ آراءٍ: الأوَّلُ: أنَّ الخُطبةَ تَكونُ بعدَ الصَّلاةِ، وهو قولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلَةِ في الرَّاجحِ عندَهم والصَّاحبَينِ مِنْ الحَنفيةِ، قالَ ابنُ عبد البَرِّ: وعليه جَماعةُ الفُقهاءِ؛ لقولِ أَبي هُريرةَ ﵁: «صلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعَتينِ، ثم خطَبَنا»، ولقولِ ابنِ عَباسٍ: «صنَعَ في الِاستِسقاءِ، كمَا صنَعَ في العِيدَينِ» (١)، ولأنَّها صَلاةٌ ذاتُ تَكبيرٍ، فأشبَهَت صَلاةَ العِيدِ. الثاني: تَقديمُ الخُطبةِ على الصَّلاةِ، وهو رِوايةٌ للحَنابِلةِ، واختيارُ ابنِ المنذِرِ مِنْ الشافِعيةِ؛ لمَا رُويَ عن أنَسٍ وعائشةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطَبَ وصلَّى» (٢). وعن عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ قالَ: «خرَجَ النَّبيُّ ﷺ يَستَسقِي، فتَوجَّهَ إلى القِبلَةِ يَدعُو، وحوَّلَ رِداءَه، ثم صلَّى رَكعَتينِ، جهَرَ فيهمَا بِالقِراءةِ» (٣).

стр. 1513

الثالِثُ: هو مُخيَّرٌ بينَ الأمرَينِ قبلَ الصَّلاةِ أو بعدَها، وهو رِوايةٌ للحَنابِلةِ، لوُرودِ الأَخبارِ بكِلا الأمرَينِ، ولدِلالَتِها على كِلتا الصِّفتَينِ، فيَحتَملُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَلَ الأمرَينِ (١). كَيفيَّةُ الخُطبةِ ومُستحَباتُها: قالَ المالِكيةُ والشافِعيةُ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ مِنْ الحَنفيةِ: يَخطُبُ الإمامُ خُطبَتينِ كخُطبتَيِ العِيدِ بأَركانِهما وشُروطِهما وهَيئاتِهما. وقالَ الحَنابلَةُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ: يَخطُبُ الإمامُ خُطبةً واحدةً يَفتتِحُها بالتَّكبيرِ؛ لقولِ ابنِ عَباسٍ ﵁: «لم يَخطُب خُطبَكم هذه، ولَكِن لم يَزلِ في الدُّعاءِ والتَّضرُّعِ والتَّكبيرِ» (٢)، وهذا يَدلُّ على أنَّه ما فصَلَ بينَ ذلك بسُكوتٍ ولا جُلوسٍ، ولأنَّ المَقصودَ منها الدُّعاءُ، لا يَقطعُها بالجَلسةِ (٣). قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولا يُخرِجُ المِنبَرَ في الاستِسقاءِ، ولا يَصعَدُه لو كانَ في مَوضعِ الدُّعاءِ مِنبَرٌ؛ لأنَّه خِلافُ السُّنةِ، وقد عابَ النَّاسُ على مَروانَ ابنِ الحَكمِ عندَ إخراجِه المِنبَرَ في العِيدَينِ، ونَسبُوه إلى خِلافِ السُّنةِ، ولكِن

стр. 1514

يَخطُبُ على الأرضِ مُعتمِدًا على قَوسٍ أو سَيفٍ، وإن تَوكَّأَ على عصًا فحَسنٌ؛ لأنَّ خُطبَتَه تَطولُ، فيَستَعينُ بالاعتِمادِ على عصًا (١). وصرَّحَ المالِكيةُ بأنَّ الخُطبةَ على الأرضِ مَندوبةٌ، وعلى المِنبَرِ مَكروهةٌ (٢). وقالَ الحَنفيةُ والحَنابلَةُ والشافِعيةُ في قَولٍ: يُكبِّرُ في الخُطبةِ كما في صَلاةِ العِيدِ، ويُكثِرُ مِنْ الاستِغفارِ والصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ . وقالَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَشهورِ عندَهم: يُستبدَلُ بالتَّكبيرِ الاستِغفارُ بلا حَدٍّ عندَ المالِكيةِ، وعندَ الشافِعيةِ يَستغفِرُ اللهَ في أوَّلِ الخُطبةِ الأُولَى تِسعًا، وفي الثانيةِ سَبعًا، يَقولُ: أستَغفِرُ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هو الحَيُّ القيُّومُ، وأتوبُ إليه، ويَختِمُ كَلامَه بالاستِغفارِ، ويُكثِرُ منه في الخُطبةِ، ومِن قولِه تَعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١)﴾ [نوح: ١٠ - ١١]، ويُخوِّفُهم مِنْ المَعاصي التي هي سَببُ الجَدبِ، ويَأمرُهم بالتَّوبةِ والإنابةِ والصَّدقةِ والبِرِّ. وقالَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ: يَستَقبلُ الإمامُ النَّاسَ في الخُطبةِ مُستدبِرًا القِبلةَ، حتى إذا قَضى خُطبَتَه تَوجَّه بوَجهِه إلى القِبلةِ يَدعُو. وقالَ الحَنابلَةُ: يُستحبُّ لِلخَطيبِ استِقبالُ القِبلةِ في أثناءِ الخُطبةِ؛ لمَا رَوى عبدُ اللهِ بنُ زَيدٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرَجَ يَستَسقِي،

стр. 1515

فتَوجَّهَ إلى القِبلَةِ يَدعُو»، وفي لَفظٍ: «فحوَّلَ إلى النَّاسِ ظَهرَه، واستَقبلَ القِبلَةَ يَدعُو» (١). صِيغُ الدُّعاءِ المَأثورةُ: يُستحبُّ الدُّعاءُ بما أُثرَ عن النَّبيِّ ﷺ فعَن جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «اللَّهمَّ اسقِنَا غَيثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نافِعًا غيرَ ضَارٍّ، عاجِلًا غيرَ آجِلٍ». قالَ: «فأَطبَقَت عليهمُ السَّماءُ» (٢). وعَن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أَبيه عن جَدِّه قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا استَسقَى قالَ: «اللَّهمَّ اسقِ عِبادَك وبَهائمَك وَانشُر رَحمتَك وَأَحيِ بَلدَك الميِّتَ» (٣). وفي حَديثِ عائشةَ السابقِ ذِكرُه أنَّه لمَّا قُحطَ النَّاسُ ووَعدهمُ الخُروجَ: … فقَعد على المِنبَرِ، فكبَّرَ وحمِدَ اللهَ ثم قالَ: «إنَّكُم شَكَوتُم جَدبَ دِيارِكُم وَاستِئخارَ المَطرِ عن إِبَّانِ زَمانِه عَنكُم، وقد أَمرَكُم اللهُ أَنْ تَدعُوه، ووَعدكُم أَنْ يَستَجِيبَ لكُم»، ثم قالَ: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [﴿: ٢ - ٤]، لَا إِلهَ إلا اللهُ، يَفعلُ ما يُرِدُ، اللَّهمَّ أنتَ اللهُ لَا إِلهَ إلا أنتَ الغَنيُّ، وَنَحنُ الفُقَراءُ، أَنزِل علَينا

стр. 1516

الغَيثَ، واجعَل ما أَنزَلتَ لنا قُوةً وبَلَاغًا إلى حِينٍ … » الحَديثَ (١). ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ وهو على المِنبَرِ، حينَ قالَ له الرَّجلُ: يا رَسولَ اللهِ، هلَكَت الأَموالُ، وَانقطعَتِ السُّبلُ، فَادعُ اللهَ يُغِثنا، فَرفعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَديهِ ثم قالَ: اللَّهمَّ أَغِثنَا، اللَّهمَّ أَغِثنَا، اللَّهمَّ أَغِثنَا» (٢). وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: «وَليكن مِنْ دُعائِهم في هذه الحالةِ: «اللَّهمَّ أنتَ أمَرتَنا بدُعائِكَ، ووَعَدتَنا إِجابتَك، وقد دَعوناكَ كما أمَرتَنا فأجِبنا كما وعَدتَنا، اللَّهمَّ امنُن علينا بمَغفِرةِ ما قارَفنا، وإِجابتِك إيَّانا في سُقيانا، وسَعةِ رِزقِنا»، ثم يَدعو بما شاءَ مِنْ دِينٍ ودُنيا، ويَبدَؤونَ، ويَبدَأُ الاستِغفارَ، ويَفصِلُ به كَلامَه ويَختِمُ به، ثم يُقبِلُ على النَّاسِ بوَجهِه، فيَحضُّهم على طاعةِ ربِّهم، ويُصلِّي على النَّبيِّ، ويَدعُو للمُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ، ويَقرأُ آيةً أو آيتَينِ، ويَقولُ: أستَغفِرُ اللهَ لي ولكم، ثم يَنْزِلُ» (٣). تَحويلُ الرِّداءِ في الاستِسقاءِ: قالَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ: يُستحبُّ تَحويلُ الرِّداءِ لِلإمامِ والمَأمومِ؛ لفِعلِ الرَّسولِ ﷺ له، ولأنَّ ما فعَلَه النَّبيُّ ﷺ ثبَتَ في حقِّ غيرِه ما لم يَقمْ على اختِصاصِه به دَليلٌ، وقد عقَلَ المَعنى في

стр. 1517

ذلك، هو التَّفاؤُلُ بقَلبِ الرِّداءِ ليَقلِبَ اللهُ ما بهم مِنْ الجَدبِ إلى الخِصبِ، وهو خاصٌّ بالرِّجالِ دونَ النِّساءِ عندَ الجَميعِ. وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيةِ: إنَّ تَحويلَ الرِّداءِ مُختَصٌّ بالإمامِ فَقط دونَ المَأمومِ؛ لأنَّه نُقلَ عن النَّبيِّ ﷺ دونَ أَصحابِه. وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: لا يُسنُّ تَقليبُ الرِّداءِ؛ لأنَّه دُعاءٌ، فلا يُستحبُّ تَحويلُ الرِّداءِ فيه كسائرِ الأدعيةِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ استَسقَى يومَ الجمُعةِ، ولم يَقلبِ الرِّداءَ (١). كَيفيَّةُ تَقليبِ الرِّداءِ: قالَ المالِكيةُ والحَنابلَةُ: يَقلِبُ المُستَسقونَ أردِيَتَهم، فيَجعلونَ ما على اليَمينِ على اليَسارِ، وما على اليَسارِ على اليَمينِ؛ لمَا رَواه أبو داودَ عن عبد اللهِ بنِ زَيدٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ حوَّلَ رِداءَه فَجعلَ عِطافَه الأَيمَنَ على عاتِقِه الأَيسَرِ، وجعَلَ عِطافَه الأَيسَرَ على عاتِقِه الأَيمَنِ، ثم دَعا اللهَ » (٢) (٣).

стр. 1518

وقالَ الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ: إن كانَ مُربِعًا جعَلَ أَعلاه أسفلَه، وأسفلَه أَعلاه، وإن كانَ مُدوَّرًا جعَلَ الجانِبَ الأيمَنَ على الأيسَرِ والأيسَرَ على الأيمَنِ، ويَبدأُ بتَحويلِ الرِّداءِ عندَ البَدءِ بالدُّعاءِ والتَّضرُّعِ إلى اللهِ تَعالى (١). وقالَ الشافِعية: يُستحبُّ تَحويلُ الرِّداءِ وتَنكيسُه: فيُحوِّلُ المُصلِّي رِداءَه بأن يَجعلَ ما على عاتِقِه الأيمَنِ على عاتِقِه الأيسَرِ، وما على عاتِقِه الأيسَرِ على عاتِقِه الأيمَنِ. ويُستحبُّ التَّنكيسُ على المَذهبِ الجَديدِ، والتَّنكيسُ: أن يَجعلَ أَعلاه أسفلَه، ومتى جعَلَ الطرفَ الأسفلَ الذي على شِقِّه الأيسَرِ على عاتِقِه الأيمَنِ، والطرفَ الأسفلَ الذي على شِقِّه الأيمَنِ على عاتِقِه الأيسَرِ، حصَلَ التَّحويلُ والتَّنكيسُ جَميعًا، هذا في الرِّداءِ المُربَّعِ، فأمَّا المُدوَّرُ والمُثلَّثُ، فليسَ فيه إلا التَّحويلُ؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ : «استَسقَى وَعليه خَميصَةٌ سَوداءُ، فأَرادَ أَنْ يَجعلَ أَسفلَها أَعلاهَا، فلمَّا ثقُلَت عليه جعَلَ العِطافَ الذي على الأَيسرِ على عاتِقِه الأَيمَنِ، والَّذي على الأَيمَنِ على عاتِقِه الأَيسَرِ» (٢). قالَ الشافِعيُّ: فأُحبُّ التَّحويلَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَلَه، وأُحبُّ القَلبَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أرادَ أن يَفعلَه، وإنَّما تركَه لثِقلِ الخَميصةِ (٣).

стр. 1519

فصل في صَلاةِ العِيدَينِ حِكمةُ مَشروعيَّتِها: الحِكمةُ مِنْ مَشروعيَّةِ صَلاتَيِ العِيدَينِ -كما يَقولُ الدِّهلَويُّ- أنَّ كلَّ قَومٍ لهم يَومٌ يَتجمَّلونَ فيه، ويَخرجونَ من بِلادِهم بزِينَتِهم، وتلك عادةٌ لا يَنفَكُّ عنها أحَدٌ مِنْ طوائِفِ العَربِ والعَجمِ، وقدِمَ ﷺ المَدينةَ، ولهم يَومانِ يَلعَبونَ فيهما، فقالَ: ما هذانِ اليَومانِ؟ قالوا: كُنا نَلعَبُ فيهما في الجاهِليَّةِ، فقالَ: «قد أبدَلَكم اللهُ بهما خَيرًا منهما: يومَ الأضحى ويومَ الفِطرِ» (١). قيلَ: هما النَّيروزُ، والمِهرجانُ، وإنَّما بُدِّلَا لأنَّه ما مِنْ عِيدٍ في النَّاسِ إلا وسَببُ وُجودِه تَنويهٌ بشَعائرِ دِينٍ، أو مُوافَقةُ أئِمةِ مَذهبٍ، أو شَيءٌ مما يُضاهِي ذلك، فخَشيَ النَّبيُّ ﷺ إن ترَكَهم وعادَتَهم أن يَكونَ هناك تَنويهٌ بشَعائرِ الجاهِليَّةِ، أو تَرويجٌ لسُنةِ أَسلافِها، فأبدَلَ بِهما يومَينِ فيهما تَنويهٌ بشَعائرِ المِلَّةِ الحَنيفيَّةِ، وضَمَّ مع التَّجميلِ فيهما ذِكرَ اللهِ وأبوابًا مِنْ الطاعةِ؛ لئلَّا يَكونَ اجتِماعُ المُسلمِينَ بمَحضِ اللَّعبِ، ولئلَّا يَخلُوَ اجتِماعٌ منهم مِنْ إعلاءِ كَلِمةِ اللهِ (٢).

стр. 1520

حكمُ صَلاتَيِ العِيدَينِ: صَلاتَا العِيدَينِ مَشروعَتانِ بالكتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ. أمَّا الكتابُ: فقولُه تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، والمَشهورُ في التَّفسيرِ: أنَّ المُرادَ بذلك صَلاةُ العِيدِ. وأمَّا السُّنةُ: فثبَتَ بالتَّواتُرِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يُصلِّي صَلاتَيِ العِيدَينِ، قالَ ابنُ عَباسٍ: «شَهِدتُ صَلاةَ الفِطرِ معَ رَسولِ اللهِ ﷺ وأَبي بَكرٍ، وَعمرَ، فَكلُّهم يُصلِّيهَا قبلَ الخُطبَةِ» (١). وعنه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى العِيدَ بِغيرِ أَذانٍ ولا إقامَةٍ» (٢). أمَّا الإِجماعُ: فقد أَجمعَ المُسلِمونَ على أنَّ صَلاتَيِ العِيدَينِ مَشروعَتانِ (٣). إلا أنَّهمُ اختَلَفوا: هل صَلاةُ العِيدِ واجِبةٌ أو سُنةٌ مُؤكَّدةٌ أو فَرضُ كِفايةٍ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ على القولِ الصَّحيحِ المُفتَى به وأحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميَّةَ وبعضُ المالِكيةِ إلى وُجوبِها على الأعيانِ، كالجمُعةِ.

стр. 1521

قالَ الكاسانِيُّ: نصَّ الكَرخيُّ على الوُجوبِ، فقالَ: وتَجبُ صَلاةُ العِيدِ على أهلِ الأَمصارِ، كما تَجبُ الجمُعةُ، وهكذا رَوى الحَسنُ عن أَبي حَنيفةَ أنه تَجبُ صَلاةُ العِيدِ على مَنْ تَجبُ عليه صَلاةُ الجمُعةِ. وذُكرَ في الأصلِ ما يَدلُّ على الوُجوبِ، فإنَّه قالَ: «لا يُصلَّى التَّطوُّعُ بالجَماعةِ ما خلا قيامَ رَمضانَ وكُسوفَ الشَّمسِ»، وصَلاةُ العِيدِ تُؤدَّى جَماعةً، فلو كانَت سُنةً ولم تَكنْ واجِبةً لاستَثناها، كما استَثنى التَّراويحَ وصَلاةَ الكُسوفِ، وسمَّاها سُنةً في الجامِعِ الصَّغيرِ فإنَّه قالَ في العِيدَينِ -أي: العِيدِ والجُمعةِ- اجتَمَعا في يَومٍ واحدٍ، فالأوَّلُ سُنةٌ، والآخَرُ فَريضةٌ، وهذا اختِلافٌ مِنْ حيثُ العِبارةُ، فتَأويلُ ما ذكَرَه في الجامِعِ الصَّغيرِ أنَّها واجِبةٌ بالسُّنةِ أو هي سُنةٌ مُؤكَّدةٌ، وأنَّها في مَعنى الواجِبِ، على أنَّ إِطلاقَ اسمِ السُّنةِ لا يَنفي الوُجوبَ بعدَ قِيامِ الدَّليلِ على وُجوبِها، وذكَرَ أبو موسى الضَّريرُ في مُختصَرِه أنَّها فَرضُ كِفايةٍ، والصَّحيحُ أنَّها واجِبةٌ، وهذا قولُ أَصحابِنا. لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قيلَ في التَّفسيرِ: صَلِّ صَلاةَ العِيدِ وانحَرِ الجَزُورَ، ومُطلَقُ الأمرِ للوُجوبِ، وقولُه تَعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، قيلَ: المُرادُ منه صَلاةُ العِيدِ، ولأنَّها مِنْ شَعائرِ الإِسلامِ، فلو كانَت سُنةً فربَّما اجتَمعَ النَّاسُ على تَركِها، فيَفوتَ ما هو مِنْ شَعائرِ الإِسلامِ، فكانَت واجِبةً؛ صِيانةً لِما هو مِنْ شَعائرِ الإِسلامِ عن الفَوتِ (١).

стр. 1522

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ عندَهم وأحمدُ في رِوايةٍ إلى القولِ بأنَّها سُنةٌ مُؤكَّدةٌ؛ لمَا رَوى طَلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ ﵁: أنَّ رَجلًا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهلِ نَجدٍ، فإذا هو يَسألُ عن الإِسلامِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «خَمسُ صَلواتٍ في اليَومِ واللَّيلَةِ، فقالَ: هل علَيَّ غيرُهنَّ؟ قالَ: لَا، إلا أَنْ تطَّوَّع … » الحَديثَ (١). قالَ النَّوويُّ: ووَجهُ الدِّلالةِ مِنْ الحَديثِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبَرَه أنَّه لا فَرضَ سِوى الخَمسِ، فلو كانَ العِيدُ فَرضَ كِفايةٍ لَمَا أطلَقَ هذا الإطلاقَ؛ لأنَّ فَرضَ الكِفايةِ واجِبٌ على جَميعِهم، ولكِن يَسقطُ الحَرجُ بفِعلِ بعضِهم، ولهذا لو تَرَكُوه كلُّهم عَصَوا (٢). ولأنَّها صَلاةٌ مُؤقَّتةٌ لا تُشرَعُ لها الإِقامةُ، فلم تَجبْ بالشَّرعِ كصَلاةِ الضُّحَى (٣). وذهَبَ الحَنابلَةُ في المَذهبِ عندَهم وبعضُ المالِكيةِ وأبو سَعيدٍ الأصطَخرِيُّ مِنْ الشافِعيةِ إلى أنَّ صَلاةَ العِيدِ فَرضٌ على الكِفايةِ، إذا قامَ بها قَومٌ سقَطَ عن الباقِينَ، كالجِهادِ والصَّلاةِ على الجَنائِزِ. قالَ البُهوتِيُّ: (وهي) أي: صَلاةُ العِيدِ (فَرضُ كِفايةٍ)؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾

стр. 1523

[الكوثر: ٢]، وهي صَلاةُ العِيدِ، وكانَ ﷺ والخُلفاءُ بعدَه يُداوِمونَ عليها؛ ولأنَّها مِنْ أَعلامِ الدِّينِ الظَّاهرةِ؛ فكانَت واجِبةً كالجِهادِ، بدَليلِ قَتلِ تاركِها، ولم تَجبْ على الأَعيانِ؛ لحَديثِ الأعرابيِّ المُتَّفقِ عليه (١). وَقتُ أداءِ صَلاةِ العِيدِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ صَلاةَ العِيدِ يَبدَأُ وقتُها مِنْ ارتِفاعِ الشَّمسِ قَيدَ رُمحٍ إلى قُبَيلِ الزَّوالِ، وهو وقتُ صَلاةِ النَّافِلةِ. لأنَّه ﷺ ومَن بعدَه لم يُصَلُّوها إلا بعدَ ارتِفاعِ الشَّمسِ، بدَليلِ الإِجماعِ على فِعلِها ذلك الوقتَ، ولم يَكنْ ﷺ يَفعلُ إلا الأفضَلَ. وقالَ الشافِعيةُ: إنَّ وقتَها ما بينَ طُلوعِ الشَّمسِ إلى أن تَزولَ؛ لأنَّها صَلاةٌ ذَاتُ سَببٍ؛ فلا تُراعَى فيها الأَوقاتُ التي لا تَجوزُ فيها الصَّلاةُ. والأفضَلُ أن يُؤخِّرَها حتى ترتفِعَ الشَّمسُ قَيدَ رُمحٍ. إلا أنَّه يُستحبُّ عدمُ تَأخِيرِها عن هذا الوقتِ بالنِّسبةِ لعِيدِ الأضحى، وذلك كي يَفرُغَ المُسلِمونَ بعدَها لذَبحِ أضاحِيِّهم، ويُستحبُّ تَأخيرُها قَليلًا عن هذا الوقتِ بالنِّسبةِ لعِيدِ الفِطرِ؛ لأنَّ الأفضَلَ أن يُخرِجَ صَدَقةَ الفِطرِ قبلَ الصَّلاةِ، فإذا أخَّرَ الصَّلاةَ اتَّسعَ الوقتُ لِإخراجِ صَدَقةِ الفِطرِ، وهذا محَلُّ

стр. 1524

اتِّفاقٍ بينَ الأئمَّةِ؛ لمَا رَواه الشافِعيُّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كتَبَ إلى عَمرِو بنِ حَزمٍ وهو بِنَجرانَ أَنْ: «عجِّلِ الغُدوَّ إلى الأَضحَى، وأخِّرِ الفِطرَ، وذكِّرِ النَّاسَ» (١). حكمُ مَنْ فاتَته صَلاةُ العِيدِ مع الإمامِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ مَنْ فاتَته صَلاةُ العِيدِ عن وقتِها مع الإمامِ سقَطَت عنه؛ لأنَّ الصَّلاةَ بهذه الصِّفةِ ما عُرفت قُربةً إلا بفِعلِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، كالجمُعةِ، ورَسولُ اللهِ ﷺ ما فعَلَها إلا بالجَماعةِ، كالجمُعةِ، فلا يَجوزُ أداؤُها إلا بتلك الصِّفةِ؛ ولأنَّها مُختصَّةٌ بشَرائطَ يَتعذَّرُ تَحصيلُها في القَضاءِ، فلا تُقضَى كالجمُعةِ، أي: وُجوبًا، إلا أنَّه إن شاءَ أن يُصلِّيَ فليُصلِّ أربعَ رَكعاتٍ أو رَكعَتينِ عندَ الحَنفيةِ، كالضُّحَى، ليسَ فيهنَّ تَكبيرٌ. فقد صحَّ أنَّ ابنَ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «مَنْ فاتَه العِيدُ فليُصلِّ أربَعًا». وصحَّ «أنَّ علِيَّ بنَ أَبي طالِبٍ ﵁ أمَرَ رَجلًا أن يُصلِّيَ بضَعَفةِ النَّاسِ في المَسجدِ يومَ فِطرٍ أو يومَ أضحَى، وأمرَه أن يُصلِّيَ أربَعًا».

стр. 1525

أمَّا المالِكيةُ، فقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا قولُ مالِكٍ في رَجلٍ وجَدَ النَّاسَ يومَ العِيدِ قدِ انصَرَفوا مِنْ الصَّلاةِ أنَّه لا يَرى عليه صَلاةً في المُصلَّى، ولا في بَيتِه، فإن صلَّى فحَسنٌ، ويُكبِّرُ سَبعًا وخَمسًا قبلَ القِراءاتِ، فإنَّما قالَ ذلك لأنَّ سُنةَ العِيدِ أن تَكونَ في جَماعةٍ، ومَن فاتَته لم يَقضِها؛ لأنَّ القَضاءَ لا يَجبُ إلا في المَكتوباتِ، وقالَ في غيرِ المُوطأِ مِنْ سَماعِ أشهَبَ وابنِ وَهبٍ: إن أدرَكَهم في تَشهُّدِ العِيدِ أَحرمَ وجلَسَ، ثم قامَ إذا سلَّمَ الإمامُ يَقضي صَلاةَ العِيدِ كما صلَّاها الإمامُ، وإن أَدركَ إِحدى الرَّكعَتينِ قَضى الأُخرى، يُكبِّرُ فيها سَبعًا، كما فاتَه، وإن صَلوا قبلَ أن يُصلِّيَ أتَى الخُطبةَ فاستَمعَها. قالَ: وليسَ قَضاءُ صَلاةِ العِيدِ بواجِبٍ لمَن فاتَته إلا أن يَشاءَ (١). وقالَ الخرَشيُّ ﵀: قالَ خَليلٌ ﵀: (ص) وإقامةُ مَنْ لم يُؤمرْ بها أو فاتَته (ش)، أي أنَّه يُستحبُّ لمَن لم يُؤمرْ بالجمُعةِ وُجوبًا، أو فاتَته صَلاةُ العِيدِ مع الإمامِ أن يُصلِّيَها، وهل في جَماعةٍ، أو أَفذاذًا؟ قَولانِ، فمَن أُمرَ بالجمُعةِ وُجوبًا أُمرَ بالعِيدِ سُنةً، ومَن لم يُؤمرْ بها وُجوبًا أُمرَ بالعِيدِ استِحبابًا، والضَّميرُ في (بها) عائِدٌ على الجمُعةِ مِنْ قولِه: لمَأمورِ الجمُعةِ، لا

стр. 1526

على العِيدِ، ثم إنَّه يُستَثنَى مِنْ قولِه: وإقامةُ مَنْ لم يُؤمرْ بها: الحُجَّاجُ؛ فإنَّهم لا يُؤمَرونَ بإقامَتِها، لا نَدبًا ولا سُنةً (١). والدَّليلُ على هذا ما أورَدَ البُخاريُّ في صَحيحِه مُعلَّقًا، حيثُ قالَ: «إذا فاتَه العِيدُ يُصلِّي رَكعَتينِ، وكذلك النِّساءُ، ومَن كانَ في البُيوتِ والقُرى؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «هذا عِيدُنا أهلَ الإِسلامِ». وأمَرَ أنَسُ بنُ مالِكٍ مَولاهم ابنَ أَبي عُتبَةَ بالزَّاويةِ (٢) فجمَعَ أهلَه وبَنيه، وصلَّى كصَلاةِ أهلِ المِصرِ وتَكبيرِهم. قالَ الحَطابُ في «مَواهِب الجَليلِ»: «وعلى جَوازِ الجَمعِ لمَن فاتَته من أهلِ المِصر لا يُخطَبُ بلا خِلافٍ، وكذلك مَنْ تَخلَّفَ عنها لعُذرٍ، وكذلك العَبيدُ والمُسافِرونَ، واختُلِفَ في أهلِ القُرى الصِّغارِ على قولَينِ، واللهُ أعلَمُ» (٣). أمَّا الشافِعيةُ؛ فقالَ النَّوويُّ ﵀: الصَّحيحُ مِنْ مَذهبِنا أنَّها يُستحبُّ قَضاؤُها أبدًا، وإذا صلَّى مَنْ فاتَته مع الإمامِ في وقتِها أو بعدَه، صلَّاها رَكعَتينِ كصَلاةِ الإمامِ (٤)؛ لمَا رَوى البَهيقيُّ بسَنَدِه: «كانَ أنَسٌ إذا فاتَته صَلاةُ العِيدِ مع الإمامِ جمَعَ أهلَه فصلَّى بهِم مثلَ صَلاةِ الإمامِ في العِيدِ».

стр. 1527

وقالَ النَّوويُّ ﵀: «أمَّا الأَحكامُ: فهل تُشرَعُ صَلاةُ العِيدِ لِلعَبد والمُسافرِ والمَرأةِ والمُنفرِدِ في بَيتِه أو في غيرِه؟ فيه طَريقانِ، أصحُّهما وأشهَرُهما القَطعُ بأنَّها تُشرَعُ لهم … وأَجابوا عن تَركِ النَّبيِّ ﷺ بمنًى بأنَّه ترَكَها لاشتِغالِه بالمَناسكِ، وتَعليمِ النَّاسِ أَحكامَها، وكانَ ذلك أهَمَّ مِنْ العِيدِ (١). وتُسنُّ الخُطبةُ عندَهم لمَن صلَّاها مِنْ هؤلاءِ جَماعةً، ولا تُسنُّ للمُنفرِدِ. قالَ في «مُغنِي المُحتاجِ»: «(ويُسنُّ بعدَهما خُطبَتانِ) للجَماعةِ، تَأسِّيًا به ﷺ ، وبخُلفائِه الرَّاشِدينَ، ولا فَرقَ في الجَماعةِ بينَ المُسافِرينَ وغيرِهم» انتهى. وقالَ في «تُحفة المُحتاجِ»: «(وَ) تُسنُّ (للمُنفرِدِ) ولا خُطبةَ له (والعَبد والمَرأةِ)، ويَأتي في خُروجِ الحُرَّةِ والأمَةِ لها جَميعُ ما مرَ أوائِلَ الجَماعةِ في خُروجِهما لها (والمُسافرِ) كسائرِ النَّوافلِ، ويُسنُّ لِإمامِ المُسافِرينَ أن يَخطُبَهم» انتهى. ثم قالَ: «ومرَّ أنَّ الخُطبةَ لا تُسَنُّ لمُنفرِدٍ» انتهى. وقالَ الحَنابلَةُ في المَذهبِ عندَهم: إنَّ مَنْ فاتَته الصَّلاةُ استُحِبَّ له أن يَقضيَها مَتى شاءَ، قبلَ الزَّوالِ وبعدَه، قالَ في «الإِنصاف»: وهذا المَذهبُ، وعليه أكثرُ الأَصحابِ، وقالَ ابنُ عَقيلٍ: يَقضيها قبلَ الزَّوالِ، وإلا قَضاها مِنْ الغَدِ.

стр. 1528

والمَذهبُ عندَهم أنَّه يَقضيها على صِفَتِها، وعنِ الإمامِ أحمدَ أنَّه يَقضيها أربَعًا بلا تَكبيرٍ، ويَكونُ بسَلامٍ كالظُّهرِ، وعنه بسَلامٍ أو سَلامَينِ، وعنه: يُخَيَّرُ بينَ رَكعَتينِ وأربَعٍ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: ومَن فاتَته صَلاةُ العِيدِ صلَّى أربعَ رَكعاتٍ، كصَلاةِ التَّطوُّعِ، وإن أحَبَّ فصَلَ بسَلامٍ بينَ كلِّ رَكعَتينِ. وجُملَتُه أنَّ من فاتَته صَلاةُ العِيدِ فلا قَضاءَ عليه؛ لأنَّها فَرضُ كِفايةٍ، وقامَ بها مَنْ حصَلَت الكِفايةُ به، فإن أحَبَّ قَضاءَها فهو مُخيَّرٌ إن شاءَ صلَّاها أربَعًا، إما بسَلامٍ واحدٍ، وإمَّا بسَلامَينِ، ورُويَ هذا عن ابنِ مَسعودٍ، وهو قولُ الثَّوريِّ، وذلك لمَا رَوى عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ أنَّه قالَ: «مَنْ فاتَه العِيدُ فليُصلِّ أربَعًا، ومَن فاتَتهُ الجمُعةُ فليُصلِّ أربَعًا»، ورُويَ عن علِيٍّ ﵁ أنَّه قالَ: «إن أمَرتُ رَجلًا أن يُصلِّيَ بضَعفَةِ النَّاسِ أمَرتُه أن يُصلِّيَ أربَعًا» رَواهما سَعيدٌ، قالَ أحمدُ ﵀: يُقَوِّي ذلك حَديثُ علِيٍّ أنَّه أمرَ رَجلًا يُصلِّي بضَعَفةِ النَّاسِ أربَعًا ولا يَخطُبَ، ولأنَّه قَضاءُ صَلاةِ عِيدٍ، كانَ أربَعًا كصَلاةِ الجمُعةِ، وإن شاءَ صلَّى رَكعَتينِ، كصَلاةِ التَّطوُّعِ، وهذا قولِ الأَوزاعيِّ؛ لأنَّ ذلك تَطوُّعٌ، وإن شاءَ صلَّاها على صِفةِ صَلاةِ العِيدِ، بتَكبيرٍ، نُقلَ ذلك عن أحمدَ وإسماعيلَ بنِ سَعدٍ، واختارَه الجوزَجانِيُّ، وهذا قولُ النَّخَعيِّ ومالِكٍ والشافِعيِّ وأبي ثَورٍ وابنِ المنذِرِ؛ لمَا رُويَ عن أنَسٍ «أنَّه

стр. 1529

كانَ إذا لم يَشهَدِ العِيدَ مع الإمامِ بالبَصرةِ جَمعَ أهلَه ومَواليَه، ثم قامَ عبدُ اللهِ ابنُ أَبي عُتبةَ مَولاهُ فصلَّى بهم رَكعَتينِ يُكبِّرُ فيهما»، ولأنَّه قَضاءُ صَلاةٍ، كانَ على صِفَتِها، كسائرِ الصَّلواتِ، وهو مُخيَّرٌ إن شاءَ صلَّاها وَحدَه، وإن شاءَ في جَماعةٍ، قيلَ لِأبي عبدِ اللهِ: أينَ يُصلِّي؟ قالَ: إن شاءَ مَضَى إلى المُصلَّى، وإن شاءَ حيثُ شاءَ (١). مَكانُ أداءِ صَلاةِ العِيدِ: ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّ كلَّ مَكانٍ طاهِرٍ يَصلُحُ أن تُؤدَّى فيه صَلاةُ العِيدِ، سَواءٌ كانَ مَسجدًا أو عَرصةً وَسطَ البَلدِ، أو مَفازةً في خارِجِها، إلا أنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ (الحَنفيةَ والمالِكيةَ والحَنابلَةَ) قالوا: يُسنُّ الخُروجُ لها إلى المُصلَّى، في خارِجِ البَلدِ، أو الصَّحراءِ؛ تَأسِّيًا بما كانَ يَفعلُه النَّبيُّ ﷺ ؛ فإنَّه ﷺ كانَ يُصلِّيها في المُصلَّى، ويُداوِمُ عليها، إلا مِنْ عُذرٍ، فعَن أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَخرجُ يومَ الفِطرِ والأضحَى إلى المُصلَّى» (٢). وكانَ يَدعُ مَسجدَه -الَّذي فيه الصَّلاةُ أفضَلُ مِنْ ألفِ صَلاةٍ فيما سِواهُ-، وكذلكَ الخُلفاءُ مِنْ بَعدِه، وما كانَ النَّبيُّ ﷺ يَتركُ الأفضَلَ -وهو مَسجدُه- مع قُربِه، ويَتكلَفُ فِعلَ النَّاقصِ مع بُعدِه، ولا يُشرِّعُ لأُمتِه تَركَ الفَضائِلِ، ولأنَّنا قد أُمِرنا باتِّباعِ النَّبيِّ ﷺ والاقتِداءِ به، ولا يَجوزُ

стр. 1530

أن يَكونَ المَأمورُ به هو النَّاقِصَ، والمَنهِيُّ عنه هو الكامِلَ، ولأنَّ القَصد مِنْ العِيدِ إظهارُ الزِّينةِ والفَخرِ، وإعلانُ جَمالِ الإِسلامِ وزِينَتِه وعَساكِرِه، وذلك إنَّما يَتبيَّنُ في الصَّحراءِ والفَضاءِ والمَواضعِ الواسِعةِ، ولأنَّه لم يُنقَل عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه صلَّى العِيدَ بمَسجدِه إلا مِنْ عُذرٍ، فعَن أَبي هُريرةَ ﵁: «أنَّه أَصابَهم مَطرٌ في يَومِ عِيدٍ، فَصلَّى بِهم النَّبيُّ ﷺ صَلاةَ العِيدِ في المَسجدِ» (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّ هذا إِجماعُ المسلِمينَ، فإنَّ الناسَ في كلِّ عَصرٍ ومِصرٍ يَخرُجونَ إلى المُصلَّى، فيُصلُّونَ العِيدَ مع سَعةِ المَسجدِ وضِيقِه، وكانَ النَّبيُّ ﷺ يُصلِّي في المُصلَّى مع شَرفِ مَسجدِه (٢). وقالوا: ولا بَأسَ أن يَستخلِفَ الإمامُ غيرَه في البَلدةِ لِيصلِّيَ في المَسجدِ بالضُّعفاءِ وذَوي العَجزِ منهم الذينَ لا طاقةَ لهم بالخُروجِ بها إلى الصَّحراءِ؛ لمَا رَواه الشافِعيُّ وغيرُه أنَّ علِيًّا ﵁: «أمَرَ رَجلًا أَنْ يُصلِّيَ بضَعفَةِ النَّاسِ يومَ العِيدِ أربعَ رَكَعاتٍ في المَسجدِ» (٣). أمَّا الشافِعيةُ فقالوا: السُّنةُ أن تُصلِّيَ صَلاةَ العِيدِ في المُصلَّى إذا كانَ مَسجدُ البَلدِ ضَيِّقًا؛ لمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يَخرجُ إلى

стр. 1531

المُصلَّى»، ولأنَّ النَّاسَ يَكثُرونَ في صَلاةِ العِيدِ، فإذا كانَ المَسجدُ ضَيِّقًا تَأذَّى النَّاسُ، وإن كانَ المَسجدُ واسِعًا فالمَسجدُ أفضَلُ مِنْ المُصلَّى؛ لأنَّ الأئِمةَ لم يَزالوا يُصلُّونَ صَلاةَ العِيدِ بمَكةَ في المَسجدِ، ولأنَّ المَسجدَ أشرَفُ وأنظَفُ، ونقَلَ الشِّيرازِيُّ عن الشافِعيِّ ﵀ قالَ: فإن كانَ المَسجدُ واسِعًا فصلَّى في الصَّحراءِ فلا بَأسَ، وإن كانَ ضَيِّقًا فصلَّى فيه ولم يَخرُجْ إلى الصَّحراءِ كُرِهت؛ لأنَّه إذا ترَكَ المَسجدَ وصلَّى في الصَّحراءِ لم يَكنْ عليهم ضَررٌ، وإذا ترَكَ الصَّحراءَ وصلَّى في المَسجدِ الضَّيِّقِ تَأذَّوا بالزِّحامِ، وربَّما فاتَ بَعضَهم الصَّلاةُ (١). التَّنفُّلُ قبلَ صَلاةِ العِيدِ وبعدَها لمَن حضَرَها في المُصلَّى أو في المَسجدِ: قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا في جَوازِ التَّنفُّلِ قبلَ صَلاةِ العِيدِ وبعدَها، لمَن حَضرَها في المُصلَّى، أو في المَسجدِ. فقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَتنفَّلُ قبلَها، ويَتنفَّلُ إن شاءَ بعدَها، وأطلَقَ ولم يُفرِّق بينَ المُصلِّي وغيرِه، ولا بينَ أن يَكونَ هو الإمامَ أو يَكونَ مَأمومًا. وقالَ مالِكٌ: إن كانَت الصَّلاةُ في المُصلَّى فإنَّه لا يَتنفَّلُ قبلَها، ولا بعدَها، سَواءٌ كانَ إمامًا أو مَأمومًا، وإن كانَ في المَسجدِ فعنه رِوايتانِ: إحداهُما: المَنعُ مِنْ ذلك، كما في المُصلَّى.

стр. 1532

والأُخرى: له أن يَتنفَّلَ في المَسجدِ قبلَ الجُلوسِ وبعدَ الصَّلاةِ، خِلافَ المُصلِّي. وقالَ الشافِعيُّ: يَجوزُ أن يَتنفَّلَ قبلَها وبعدَها في المُصلَّى وغيرِه، إلا الإمامَ؛ فإنَّه إذا ظهَرَ للنَّاسِ لم يُصلِّ قبلَها. وقالَ أحمدُ: لا يَتنفَّلُ قبلَ صَلاةِ العِيدِ، ولا بعدَها، لا الإمامُ، ولا المَأمومُ، ولا في المُصلَّى، ولا في المَسجدِ (١). كَيفيَّةُ أداءِ صَلاةِ العِيدِ: صَلاةُ العِيدِ رَكعتانِ؛ لحَديثِ عمرَ ﵁ قالَ: «صَلاةُ الجمُعةِ رَكعتانِ، وصَلاةُ الفِطرِ رَكعتانِ، وصَلاةُ الأَضحَى رَكعتانِ، وصَلاةُ السَّفرِ رَكعتانِ، تَمامٌ غيرُ قَصرٍ، على لِسانِ مُحمَّدٍ ﷺ » (٢). قالَ النَّوويُّ ﵀: وهذا بالإِجماعِ، وصِفَتُها المُجزِئةُ كصِفةِ سائرِ الصَّلواتِ وسُننِها وهَيئاتِها، كغيرِها مِنْ الصَّلواتِ، ويَنوي بها صَلاةَ العِيدِ، هذا أقَلُّها (٣).

стр. 1533

أمَّا صِفَتُها الأكمَلُ فعندَ الحَنفيةِ: التَّكبيرُ في صَلاةِ العِيدِ يَكونُ خَمسًا في الأُولى وأربَعًا في الثانيةِ بتَكبيرةِ الافتِتاحِ والرُّكوعِ، فهي ثَلاثُ تَكبيراتٍ في الثانيةِ سِوى تَكبيرةِ القِيامِ وتَكبيرةِ الرُّكوعِ. قالَ القَدُوريُّ في «مُختصَرِه» ﵀: ويُصلِّي الإمامُ بالنَّاسِ رَكعَتينِ يُكبِّرُ في الأُولَى تَكبيرةَ الافتِتاحِ، وثَلاثًا بعدَها، ثم يَقرأُ فاتِحةَ الكتابِ وسُورةً معها، ويُكبِّرُ تَكبيرةً رابِعةً يَركعُ بها، ثم يَبتَدئُ في الرَّكعةِ الثانيةِ بالقِراءةِ، فإذا فرَغَ مِنْ القِراءةِ كبَّرَ ثَلاثَ تَكبيراتٍ، وكبَّرَ تَكبيرةً رابِعةً يَركَع بها، ويَرفَعُ يَده في تَكبيراتِ العِيدَينِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه يُكبِّرُ في الأُولَى سَبعًا بتَكبيرةِ الإِحرامِ، ولا يُعتَدُّ بتَكبيرةِ الرُّكوعِ؛ لأنَّ بينَهما قِراءةً، ويُكبِّرُ في الثانيةِ خَمسَ تَكبيراتٍ، ولا يُعتَدُّ بتَكبيرةِ النُّهوضِ، ثم يَقرأُ في الثانيةِ، ثم يُكبِّرُ ويَركَعُ (٢). أمَّا الشافِعيةُ فيُكبَّرُ عندَهم في الرَّكعةِ الأُولى سَبعُ تَكبيراتٍ سِوى تَكبيرةِ الإِحرامِ، وسِوى تَكبيرةِ الرُّكوعِ، وفي الثانيةِ خَمسٌ سِوى تَكبيرةِ القِيامِ مِنْ السُّجودِ، والهَويِّ إلى الرُّكوعِ (٣).

стр. 1534

قالَ ابنُ رُشدٍ المالِكيُّ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم اختِلافُ الآثارِ المَنقُولةِ في ذلك عن الصَّحابةِ؛ فذهَبَ مالِكٌ ﵀ (وأحمدُ) إلى ما رَواهُ نافِعٌ مَولى عبد اللهِ بنِ عمرَ أنَّه قالَ: «شَهِدتُ الأضحَى والفِطرَ مع أَبي هُريرةَ، فكبَّرَ في الأُولى سَبعَ تَكبيراتٍ قبلَ القِراءةِ، وفي الآخِرةِ خَمسًا قبلَ القِراءةِ» (١)، ولأنَّ العملَ عندَه بالمَدينةِ كانَ على هذا، وبهذا الأثَرِ بعَينِه أخَذَ الشافِعيُّ، إلَّا أنَّه تَأوَّلَ في السَّبعِ أنَّه ليسَ فيها تَكبيرةُ الإِحرامِ، كما ليسَ في الخَمسِ تَكبيرةُ القيامِ، ويُشبِهُ أن يَكونَ مالِكٌ إنَّما أصارَه أن يُعيدَ تَكبيرةَ الإِحرامِ في السَّبعِ، ويُعيدَ تَكبيرةَ القِيامِ زائِدًا على الخَمسِ المَرويَّةِ أنَّ العملَ أَلفاه على ذلك، فكَأنَّه عندَه وَجهٌ مِنْ الجَمعِ بينَ الأثَرِ والعملِ، وقد خرَّجَ أبو داودَ مَعنى حَديثِ أَبي هُريرةَ مَرفوعًا عن عائشةَ وعن عَمرِو بنِ العاصِ. ورُويَ أنَّه سُئلَ أبو مُوسَى الأشعريُّ وحُذَيفةُ بنُ اليَمانِ: كيف كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُكبِّرُ في الأضحَى والفِطرِ؟ فقالَ أبو مُوسى: كانَ يُكبِّرُ أربَعًا تَكبيرَه على الجَنائزِ، فقالَ حُذَيفةُ: صَدق، فقالَ أبو مُوسى: «كَذلك كُنْتُ أُكبِّرُ في البَصرَةِ حينَ كُنْتُ عليهم» (٢). وقالَ قَومٌ بهذا. وأمَّا أبو حَنيفةَ وسائِرُ الكُوفيِّينَ فإنَّهمُ اعتَمَدوا في ذلك على ابنِ مَسعودٍ، وذلك أنَّه ثبَتَ عنه أنَّه كانَ يُعلِّمُهم صَلاةَ العِيدَينِ على الصِّفةِ المُتقدِّمةِ (٣)،

стр. 1535

وإنَّما صارَ الجَميعُ إلى الأخذِ بأَقاويلِ الصَّحابةِ في هذه المَسألةِ؛ لأنَّه لم يثَبتْ فيها عن النَّبيِّ ﷺ شَيءٌ، ومَعلومٌ أنَّ فِعلَ الصَّحابةِ في ذلك تَوقيفٌ؛ إذ لا مَدخلَ للقِياسِ في ذلك (١). رَفعُ اليَدينِ مع كلِّ تَكبيرةِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ ومالِكٌ في إحدى الرِّوايَتينِ عنه إلى أنَّه يُستحبُّ له أن يَرفعَ يَديهِ مع كلِّ تَكبيرةٍ مِنْ تَكبيراتِ العِيدِ؛ لمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يَرفعُ يَديهِ مع التَّكبيرِ» (٢). قالَ الإمامُ أحمدُ: أمَّا أنا فأَرى هذا الحَديثَ يَدخلُ فيه كلُّ هذا. وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ في المَشهورِ عنه وهو مَحكيٌّ عن أَبي يُوسفَ إلى أنَّه لا يَرفعُ يَديه إلا في تَكبيرةِ الإِحرامِ فَقط. وفي قَولٍ عندَ الحَنفيةِ أنَّ تَكبيراتِ العِيدَينِ واجِبةٌ لمُواظَبةِ النَّبيِّ ﷺ عليها (٣).

стр. 1536

الذكرُ بينَ كلِّ تَكبيرتَينِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الذِّكرِ بينَ كلِّ تَكبيرَتَينِ مِنْ تَكبيراتِ العِيدِ: فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه يَحمدُ اللهَ، ويُثني عليه، ويُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ . قالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ وأَصحابُنا: يُستحبُّ أن يَقِفَ بينَ كلِّ تَكبيرتَينِ مِنْ الزَّوائدِ قَدرَ قِراءةِ آيةٍ، لا طَويلةٍ ولا قَصيرةٍ، يُهلِّلُ اللهَ ويُكبِّرُه، ويَحمدُه ويُمجِّدُه، هذا لَفظُ الشافِعيِّ في الأُمِّ ومُختصَرِ المُزنِيِّ، لكن ليسَ في «الأُمِّ» (ويُمجِّدُه). قالَ جُمهورُ الأَصحابِ: «سُبحانَ اللهِ، والحَمدُ للهِ، ولا إِلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبَرُ». ولو زادَ عليه جازَ. وقالَ الصَّيدلانِيُّ عن بعضِ الأَصحابِ: يَقولُ: «لا إِلهَ إلا اللهُ وَحدَه لا شَريكَ له، له المُلكُ وله الحَمدُ، بيَدِه الخَيرُ وهو على كلِّ شَيءٍ قَديرٌ». وقالَ ابنُ الصَّبَّاغِ: لو قالَ ما اعتادَه النَّاسُ: «اللهُ أكبَرُ كَبيرًا، والحَمدُ للهِ كَثيرًا، وسُبحانَ اللهِ بُكرةً وأصيلًا، وصلَّى اللهُ على مُحمدٍ وآلِه وسلَّم كَثيرًا»، كانَ حَسَنًا. وقالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ مُحمدٌ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ المَسعوديُّ مِنْ أَصحابِنا -أَصحابِ القفَّالِ-: يَقولُ: «سُبحانَكَ اللَّهمَّ وبحَمدِكَ، تَباركَ اسمُكَ، وتَعالى جَدُّكَ، وجلَّ ثَناؤُكَ، ولا إلهَ غيرُكَ»، ولا يَأتي بهذا الذِّكرِ بعدَ السابعةِ ولا الخامِسةِ، بل يَتعَوَّذُ عَقِبَ السابعةِ وكذا عَقِبَ الخامِسةِ، إن قُلنا: يَتعوَّذُ في كلِّ رَكعةٍ، وهو الأصحُّ، ولا يَأتي به أيضًا بينَ تَكبيرةِ الإِحرامِ

стр. 1537

والأُولَى مِنْ الزَّوائِدِ، ولا يَأتي به أيضًا في الثانيةِ قبلَ الأُولَى مِنْ الخَمسِ، هذا هو المَذهبُ (١). وقالَ الخرقيُّ: ويَستفتِحُ في أوَّلِها، ويَحمدُ اللهَ، ويُثني عليه، ويُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ بينَ كلِّ تَكبيرَتَينِ، وإن أحَبَّ قالَ: «اللهُ أكبَرُ كَبيرًا، والحَمدُ للهِ كَثيرًا، وسُبحانَ اللهِ بُكرةً وأصيلًا، وصلَّى اللهُ على مُحمدٍ النَّبيِّ الأُمِّيِّ، وعلى آلِه وصَحبِه وسلَّم»، وإن أحَبَّ قالَ غيرَ ذلك. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإن قالَ غيرَه -نحوَ أن يَقولَ: «سُبحانَ اللهِ، والحَمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكبَرُ»، أو ما شاءَ مِنْ الذِّكرِ- فجائِزٌ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ … ؛ لمَا رَوى عَلقَمةُ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ وأبا مُوسى وحُذيفةَ خرَجَ عليهمُ الوَليدُ بنُ عُقبةَ قبلَ العِيدِ يَومًا، فقالَ لهم: «إنَّ هذا العِيدَ قَدْ دَنا، فكيفَ التَّكبيرُ فيه؟ فقالَ عبدُ اللهِ: تَبدَأُ فَتكبِّرُ تَكبيرَةً تَفتَتحُ بِهَا الصَّلاةَ، وَتَحمدُ رَبَّك، وتُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ثم تَدعُو وتُكبِّرُ، وتَفعلُ مثلَ ذلك، ثم تَدعُو وتُكبِّرُ، وتَفعلُ مثلَ ذلك، ثم تَدعُو وتُكبِّرُ، وتَفعلُ مثلَ ذلك، ثم تَدعُو وتُكبِّرُ، وتَفعلُ مثلَ ذلك، ثم تَدعُو وتُكبِّرُ، وتَفعلُ مثلَ ذلك، ثم تَقرَأُ ثم تُكبِّرُ وتَركعُ، ثم تَقُومُ فتَقرأُ وتَحمدُ ربَّكَ، وتُصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ، ثم تَدعُو وتُكبِّرُ وتَفعَلُ مثلَ ذلك، ثم تُكبِّرُ وتَفعلُ مثلَ ذلك، ثم تُكبِّرُ وتَفعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَركعُ. فقالَ حُذيفَةُ وأَبو مُوسى: صدَقَ أَبو عبدِ

стр. 1538

الرَّحمنِ» (١)؛ ولأنَّها تَكبيراتٌ حالَ القِيامِ استُحبَّ أن يَتخلَّلها ذِكرٌ، كتَكبيراتِ الجنازةِ … ، قالَ القاضي: يَقفُ بينَ كلِّ تَكبيرتَينِ بقَدرِ آيَةٍ، لا طَويلةٍ ولا قَصيرةٍ، وهذا قولُ الشافِعيِّ (٢). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ إلى أنَّه يُكبِّرُ مُتَوالِيًا بلا ذِكرٍ بينَها؛ لأنَّه لو كانَ بينَها ذِكرٌ مَشروعٌ لَنُقلَ كما نُقلَ التَّكبيرُ، ولأنَّه ذِكرٌ مِنْ جِنسٍ مَسنونٍ، فكانَ مُتَواليًا كالتَّسبيحِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ (٣). الخُطبةُ بعدَ الصَّلاةِ وصِفَتُها والتَّخييرُ في حُضورِها: ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى أنَّ خُطبةَ العِيدِ إنَّما تَكونُ بعدَ الصَّلاةِ، قالَ أبو عمرَ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: الصَّحيحُ الثَّابِتُ عن النَّبيِّ ﷺ وعن الخُلفاءِ الرَّاشِدينَ المَهديِّينَ بعدَه أنَّهم كانوا يُصلُّونَ قبلَ الخُطبةِ في العِيدَينِ بلا أَذانٍ ولا إقامةٍ، وعلى هذا فَتوَى جَماعةِ الفُقهاءِ بالحِجازِ والعِراقِ، وهو مَذهبُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأَصحابِهم … وأحمدَ، كلُّهم لا يَرَونَ في صَلاةِ العِيدَينِ أَذانًا ولا إقامةً، ويُصلُّونَ قبلَ

стр. 1539

الخُطبةِ (١)؛ وذلك لمَا رَواه ابنُ عمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأَبا بَكرٍ وَعمرَ كانُوا يُصلُّونَ في العِيدَينِ قبلَ الخُطبَةِ». أمَّا صِفةُ الخُطبةِ: فقد ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى أنَّ صِفةَ خُطبتَيِ العِيدِ كصِفةِ خُطبتَيِ الجمُعةِ، يَجلِسُ بينَهما جَلسةً خَفيفةً. وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه يُستحبُّ أن يَستفتِحَ الخُطبةَ الأُولى بتِسعِ تَكبيراتٍ مُتَوالياتٍ، والثانيةَ بسَبعٍ مُتَوالياتٍ، ولو أدخَلَ بينَ هذه التَّكبيراتِ الحَمدَ والتَّهليلَ والثَّناءَ جازَ. وقالَ المالِكيةُ: يُندَبُ استِفتاحُهما -أي: الخُطبَتينِ- بتَكبيرٍ كَثيرٍ بلا حَدٍّ بثَلاثةٍ أو سَبعةٍ (٢). سَماعُ الخُطبةِ والتَّخييرُ في حُضورِها: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الخُطبَتينِ سُنةٌ، لا يَجبُ حُضُورُهما، ولا استِماعُهما؛ لمَا رَوى عبدُ اللهِ بنُ السَّائِبِ قالَ: «شَهِدتُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ العِيدَ، فلمَّا قَضى الصَّلاةَ قالَ: «إنَّا نَخطُبُ،

стр. 1540

فمَن أَحبَّ أَنْ يَجلسَ للخُطبَةِ فليَجلِس، ومَن أَحبَّ أَنْ يَذهبَ فليَذهَب» (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنَّما أُخِّرت عن الصَّلاةِ (واللهُ أعلَمُ) لأنَّها لمَّا كانَت غيرَ واجِبةٍ جُعِلت في وَقتٍ يَتمكَّنُ مَنْ أرادَ تَركَها مِنْ تَركِها، بخِلافِ خُطبةِ الجمُعةِ، والاستِماعُ لها أفضَلُ (٢). وقالَ النَّوويُّ ﵀: ويُستحبُّ للنَّاسِ استِماعُ الخُطبةِ، وليسَت الخُطبةُ ولا استِماعُها شَرطًا لصحَّةِ صَلاةِ العِيدِ، لكِن قالَ الشافِعيُّ: لو ترَكَ استِماعَ خُطبةِ العِيدِ أو الكُسوفِ أو الاستِسقاءِ أو خُطبَ الحَجِّ أو تَكلَّمَ فيها أو انصَرفَ وترَكَها، كَرِهتُ ذلك له، ولا إعادةَ عليه (٣). وقالَ ابنُ الحاجِّ المالِكيُّ: السُّنةُ ألَّا يَنصرِفَ بعدَ الصَّلاةِ حتى يَفرُغَ الإمامُ مِنْ خُطبَتِه، وإن كانَ لا يَسمعُها (٤). التَّكبيرُ في عِيدِ النَّحرِ وعِيدِ الفِطرِ: قالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا -أي: الأئمَّةُ الأربَعةُ- على أنَّ التَّكبيرَ في عِيدِ النَّحرِ مَسنونٌ. ثم اختَلَفوا في التَّكبيرِ لعِيدِ الفِطرِ، فقالوا كلُّهم: يُكبَّرُ فيه، إلا أبا حَنيفةَ (٥)؛ فإنَّه قالَ: لا يُكبَّرُ.

стр. 1541

قالَ الوَزيرُ ﵀: والصَّحيحُ أنَّ التَّكبيرَ فيه آكَدُ مِنْ غيرِه؛ لقولِه تَعالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ثم اختَلَفوا في ابتِدائِه وانتِهائِه، فقالَ مالِكٌ: يُكبِّرُ في يَومِ الفِطرِ دونَ لَيلَتِه، وابتِداؤُه عندَه مِنْ أوَّلِ اليَومِ إلى أن يَخرُجَ الإمامُ. وعنِ الشافِعيِّ ثَلاثةٌ أَقوالٍ في انتِهائِه: أحدُها: إلى أن يَخرُجَ الإمامُ إلى المُصلَّى. والثاني: إلى أن يُحرِمَ بالصَّلاةِ. والثالِثُ: إلى أن يَفرُغَ مِنْ الخُطبةِ، فأمَّا ابتِداؤُه فمِن حينِ يَرى الهِلالَ. وعن أحمدَ في انتِهائِه رِوايتانِ: إحداهُما: إذا خرَجَ الإمامُ. والأُخرى: إذا فرَغَ الإمامُ مِنْ الخُطبَتينِ، وابتِداؤُه كمَذهبِ الشافِعيِّ. ثم اختَلَفوا في صِفتِه: فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمدُ: يُكبِّرُ، فيَقولُ: «اللهُ أكبَرُ،

стр. 1542

اللهُ أكبَرُ، لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ وللهِ الحَمدُ»، (ويَشفَعُ) التَّكبيرَ في أوَّلِه وآخرِه. وقالَ مالِكٌ: صِفةُ التَّكبيرِ، أن يَقولَ: «اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ» نَسَقًا، ورُويَ عنه أنَّ السُّنةَ أن يَقولَ: «اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، لا إلهَ إلا اللهُ، اللهُ أكبَرُ وللهِ الحَمدُ». قالَ عبدُ الوهَّابِ: والشَّفعُ في التَّكبيرِ في أوَّلِه وآخرِه أحَبُّ إليَّ. وقالَ الشافِعيُّ: يُكبِّرُ ثَلاثًا نَسَقًا في أوَّلِه، ويُكبِّرُ ثَلاثًا نَسَقًا في آخرِه (١). قالَ الوَزيرُ ﵀: ولكلٍّ وَجهٌ، والأحَسنُ ما قالَه الشافِعيُّ؛ لأنَّ الثَّلاثَ أقَلُّ الجَمعِ. قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا في التَّكبيرِ لِعيدِ النَّحرِ، وأيَّامِ التَّشريقِ، في ابتِدائِه وانتِهائِه في حقِّ المُحِلِّ والمُحرِمِ. فقالَ أبو حَنيفةَ: يَبتَدئُ التَّكبيرَ مِنْ صَلاةِ الفَجرِ يومَ عَرفةَ، إذا كانَ مُحِلًّا، أو مُحرِمًا إلى أن يُكبِّرَ لِصلاةِ العَصرِ يومَ النَّحرِ ثم يَقطعُ، لا فَرقَ في الابتِداءِ والانتِهاءِ عندَه بينَهما.

стр. 1543

وقالَ مالِكٌ: يُكبِّرُ عُقَيبَ صَلاةِ الظُّهرِ، يومَ النَّحرِ، خلفَ الصَّلواتِ كلِّها، حتى يَنتَهيَ إلى صَلاةِ الصُّبحِ مِنْ آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ، وهو الرابِعُ مِنْ يَومِ النَّحرِ، فيُكبِّرُ خلفَها، ثم يَقطعُ التَّكبِيرَ فيما بعدَها، فلا يُكبِّرُ، وذلك في حقِّ المُحِلِّ والمُحرِمِ. وعنِ الشافِعيِّ أَقوالٌ: أشهَرُها: أنَّه يُكبِّرُ عُقَيبَ صَلاةِ الظُّهرِ مِنْ يَومِ النَّحرِ، إلى أن يُكبِّرَ عُقَيبَ صَلاةِ الصُّبحِ مِنْ آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ، كمَذهبِ مالِكٍ. والقولُ الثاني: يُكبِّرُ عُقَيبَ صَلاةِ المَغربِ مِنْ لَيلةِ النَّحرِ، إلى أن يُكبِّرَ عُقَيبَ صَلاةِ الصُّبحِ مِنْ آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ. والقَول الثالِثُ: يُكبِّرُ عُقَيبَ صَلاةِ الصُّبحِ مِنْ يَومِ عَرفةَ إلى أن يُكبِّرَ عُقَيبَ صَلاةِ العَصرِ من آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ، ولم يُفرِّقْ بينَ المُحِلِّ والمُحرِمِ. وقالَ أحمدُ: إن كانَ مُحِلًّا يُكبِّرُ عُقَيبَ صَلاةِ الصُّبحِ مِنْ يَومِ عَرفةَ، إلى أن يُكبِّرَ عُقَيبَ صَلاةِ العَصرِ مِنْ آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ، وإن كانَ مُحرِمًا كبَّرَ عُقَيبَ صَلاةِ الظُّهرِ مِنْ يَومِ النَّحرِ، إلى أن يُكبِّرَ عُقَيبَ صَلاةِ العَصرِ مِنْ آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ (١). التَّكبيرُ خلفَ الجَماعاتِ ومَن صلَّى فُرادَى: قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقُوا على أنَّ هذا التَّكبيرَ في حقِّ المُحِلِّ والمُحرِمِ خلفَ الجَماعاتِ.

стр. 1544

ثم اختَلَفوا فيمَن صَلوا فُرادَى مِنْ مُحِلٍّ أو مُحرِمٍ، في هذه الأَوقاتِ المُحدَّدةِ عندَ كلٍّ منهم، هل يُكبِّرُ؟ فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمدُ (في إِحدى رِوايَتَيه): لا يُكبِّرُ مَنْ كانَ مُنفرِدًا، وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ (في الرِّوايةِ الأُخرى): يُكبِّرُ المُنفرِدُ أيضًا (١). التَّكبيرُ خلفَ النَّوافِلِ: قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقُوا على أنَّه لا يُكبِّرُ خلفَ النَّوافلِ في هذه الأَوقاتِ إلا في أحَدِ قولَيِ الشافِعيِّ؛ فإنَّه قالَ: يُكبِّرُ خلفَها أيضًا (٢).

стр. 1545

فصل في صَلاةِ الاستِخارةِ الاستِخارةُ لُغةً: طَلبُ الخِيَرةِ في الشَّيءِ، يُقالُ: استَخرِ اللهَ يَخِر لكَ (١). وفي حَديثٍ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُعلِّمُنا الاستِخارَةَ في الأُمورِ كلِّها» (٢). واصطِلاحًا: طَلبُ الاختِيارِ، أي: صَرفُ الهِمَّةِ لمَا هو المُختارُ عندَ اللهِ (٣). حكمُ صَلاةِ الاستِخارةِ وصِفَتُها: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ صَلاةَ الاستِخارةِ سُنةٌ؛ لمَا رَواهُ البُخاريُّ عن جابرٍ ﵁ قالَ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يُعلِّمُنا الاستِخارَةَ في الأُمورِ كلِّها، كالسُّورَةِ مِنْ القُرآنِ إذا همَّ أحدُكم بالأَمرِ فليَركَعْ رَكعَتينِ، ثم ليَقُل: اللَّهمَّ إنِّي أَستخيرُكَ بعِلمِكَ، وأَستَقدِرُكَ بقُدرَتِك، وأَسأَلُكَ من فَضلِكَ العَظيمِ؛ فإنَّكَ تَقدِرُ ولا أَقدِرُ، وتَعلَمُ ولا أَعلَمُ، وأنتَ عَلامُ الغُيوبِ، اللَّهمَّ إن كُنْتَ تَعلَمُ أنَّ هذا الأَمرَ خَيرٌ لي في دِينِي وَمعاشِي وَعاقِبَةِ أَمرِي (أو قالَ في عاجِلِ أَمرِي وآجِلِه) فَاقدُرهُ لي، وَإِنْ كُنْتَ تَعلَمُ أنَّ هذا الأَمرَ شَرٌّ لي في دِينِي وَمعاشِي وَعاقِبةِ أَمرِي (أو قالَ: في عاجِلِ أَمرِي
следующие страницы →