لي أنَّه كَثيرٌ» فإنْ كانَ مع المُوصَى له بَيِّنةٌ أنَّ الوارِثَ يَعلمُ قَدرَ ما أَجازَه لزِمَته الإِجازةُ في الجَميعِ.
وإنْ لم يَكنْ معه بَيِّنةٌ لزِمَ الوارِثُ الإِجازةَ في قَدرِ ما علِمَه من المالِ، والقَولُ قَولُه مع يَمينِه فيما لم يَعلَمْه؛ لأنَّ الإِجازةَ كالإِسقاطِ في أحدِ القَولَينِ، وكالهِبةِ في الآخَرِ، والجَميعُ لا يَصحُّ مع الجَهالةِ به.
وإنْ أَوصَى لرَجلٍ بعبدٍ وقيمَتُه أكثَرُ من ثُلثِ المالِ وأَجازَه الوارِثُ، ثم قالَ: «ظَنَنت أنَّ الزِّيادةَ على الثُّلثِ يَسيرةٌ فأَجَزته، وقد بانَ أنَّه كَثيرٌ» ففيه قَولانِ:
أَحدُهما: أنَّها كالمَسألةِ قبلَها.
والثاني: يَلزمُ الوارِثَ الإِجازةُ في العَبدِ، ولا يُقبلُ قَولُه أنَّه لا يَعلمُ قَدرَ ما أَجازَه؛ لأنَّ المُوصَى به ههنا شَيءٌ بعَينِه وقد أَجازَه فلم يُقبَلْ قَولُه، وفي التي قبلَها: الوَصيةُ في جُزءٍ مَشاعٍ، فقُبلَ قَولُه (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: وإذا أَجازَ الوَرثةُ الزِّيادةَ على الثُّلثِ ثم قالوا: «كُنَّا نَظُنُّ أنَّ الزِّيادةَ يَسيرةٌ، أو كُنَّا نَظُنُّ مالَه كَثيرًا، أو كُنَّا لا نَرى عليه دَينًا»، كانَ القَولُ قَولَهم مع أَيمانِهم، فإنْ قيلَ: إنَّ الإِجازةَ ابتِداءُ عَطيةٍ منهم بطَلَت في الزِّيادةِ على الثُّلثِ؛ لأنَّها هِبةٌ جهِلوا بعضَها فبطَلَت، وإنْ قُلنا: إنَّها تَنفيذٌ وإِمضاءٌ قيلَ لهم: قد لزِمَكم من إِمضاءِ الزِّيادةِ القَدرُ الذي كُنْتُمْ تَظنُّونَه يَزيدُ على الثُّلثِ؛ لأنَّكم قد علِمتُموه، وبطَلَت الزِّيادةُ فيما جهِلتُموه.
стр. 14807
فإنِ اختلَفوا مع المُوصَى له في القَدرِ الذي علِموه كانَ القَولُ فيه قَولَهم مع أَيمانِهم (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: مَنْ أَجازَ من الوَرثةِ عَطيةً أو وَصيةً وكانَت جُزءًا مَشاعًا نِصفًا أو ثُلثَينِ ثم قالَ: «إنَّما أجَزتُ ذلك لأنَّني ظَنَنت المالَ المُخلَّفَ قَليلًا بأنْ كانَ سِتةَ آلافٍ فقالَ ظَننتُه ثَلاثةَ آلافٍ» فالقَولُ قَولُه؛ لأنَّه أعلَمُ بحالِه والظاهِرُ معه، فصُدِّق مع يَمينِه؛ لأنَّه يُحتمَلُ كَذبُه، وللمُجيزِ الرُّجوعُ فيما زادَ على ظَنِّه؛ لأنَّ ما هو في ظَنِّه قد أَجازَه فلا اعتِراضَ له فيه، فبَقيَ ما ليسَ في ظَنِّه فيَرجعُ به.
إلا أنْ يَكونَ المالُ المُخلَّفُ ظاهِرًا لا يَخفَى، فلا يُقبلُ قَولُ المُجيزِ أنَّه ظَنَّه قَليلًا؛ لأنَّه خِلافُ الظاهِرِ، أو تَقومُ بَيِّنةٌ على المُجيزِ بعِلمِه بقَدرِ المالِ، فلا يُقبلُ قَولُه ولا رُجوعَ له عَملًا بالبَيِّنةِ.
وفي وَجهٍ ليسَ له الرُّجوعُ ولا يُقبلُ قَولُه؛ لأنَّه أَجازَ عَقدًا له الخيارُ في فَسخِه فبطَلَ خيارُه كما لو أَجازَ البَيعَ مَنْ له الخيارُ في فَسخِه بعَيبٍ أو خيارٍ أو أقَرَّ بدَينٍ ثم قالَ: «غلِطتُ».
وإنْ كانَ المُجازُ من عَطيةٍ أو وَصيةٍ عَينًا كعَبدٍ أو فَرسٍ، أو كانَ مَبلغًا مَعلومًا كمِئةِ دِرهمٍ أو عَشرةِ دَنانيرَ يَزيدُ على الثُّلثِ وَصَّى به أو وهَبَه المَريضُ فأَجازَ الوارِثُ وقالَ بعدَ الإِجازةِ: «ظَنَنت المالَ كَثيرًا تَخرُجُ الوَصيةُ من ثُلثِه فبانَ المالُ قَليلًا أو ظهَرَ عليه دَينٌ لم أعلَمْه»، لم يُقبَلْ قَولُه، فلا رُجوعَ له كما لو وهَبَه؛ لأنَّه مُفرطٌ.
стр. 14808
وفيه وَجهٌ آخَرُ: أنَّه يَملِكُ الفَسخَ؛ لأنَّه قد يَسمحُ بذلك ظَنًّا منه أنْ يَبقَى له من المالِ ما يَكفيه، فإذا بانَ خِلافُ ذلك لحِقَه الضَّررُ في الإِجازةِ فملَكَ الرُّجوعَ كالمَسألةِ التي قبلَها.
قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀: لو قالَ: «ظَنَنت قيمَتَه ألفًا فبانَ أكثَرَ قُبلَ قَولُه، وليسَ نَقضًا للحُكمِ بصِحةِ الإِجازةِ ببَيِّنةٍ أو إِقرارٍ.
قالَ: وإنْ أَجازَ وقالَ: أرَدتُ أَصلَ الوَصيةِ» قُبِلَ (١).
العِبرةُ بالوارِثِ وَقتَ مَوتِ المُوصي:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ العِبرةَ بكَونِه وارِثًا وَقتَ المَوتِ لا وَقتَ الوَصيةِ؛ لأنَّه تَمليكُ مُضافٍ إلى ما بعدَ المَوتِ فيُعتبَرُ في وَقتِ التَّمليكِ لا وَقتِ الوَصيةِ، فمَن كانَ وارِثًا وَقتَ الوَصيةِ غيرَ وارِثٍ وَقتَ المَوتِ صَحَّت له الوَصيةُ.
ومَن كانَ غيرَ وارِثٍ وَقتَ الوَصيةِ ثم صارَ وارِثًا وَقتَ المَوتِ لم تَصحَّ له الوَصيةُ.
مِثالُه: لو أَوصَى لأَخيه وله ابنٌ وَقتَ الوَصيةِ ثم ماتَ قبلَ مَوتِ المُوصي ثم ماتَ المُوصي لم تَصحَّ الوَصيةُ؛ لأنَّ المُوصَى له -وهو الأخُ-
стр. 14809
صارَ وارِثَ المُوصي عندَ مَوتِه، ولو أَوصَى لأخيه ولا ابنَ له وَقتَ الوَصيةِ ثم وُلدَ له ابنٌ ثم ماتَ المُوصي صحَّت الوَصيةُ؛ لأنَّ الأخَ ليسَ بوارِثِه عندَ المَوتِ لصَيرورتِه مَحجوبًا بالابنِ.
وكذا إذا أَوصَى لزَوجتِه ثم طلَّقَها وبانَت عندَ المَوتِ صَحَّت الوَصيةُ لها، ولو أَوصَى لأجنَبيةٍ ثم تزَوَّجها وماتَ وهي في نِكاحِه لا تَصحُّ الوَصيةُ لها.
وإنَّما اعتُبِرت الوِراثةُ وَقتَ مَوتِ المُوصي لا وَقتَ وَصيتِه؛ لأنَّ الوَصيةَ ليسَت بتَمليكٍ للحالِ ليُعتبَرَ كَونُه وارِثًا وَقتَ وُجودِها، بل هي تَمليكٌ عندَ المَوتِ، فيُعتبَرُ ذلك عندَ المَوتِ، وإنَّما تُردُّ الوَصيةُ وتَجوزُ إذا كانَ لها حُكمٌ ولا يَكونُ لها حُكمٌ إلا بعدَ مَوتِ المُوصي حتى تَجبَ أو تَبطُلَ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ومَن أُوصيَ له وهو في الظاهِرِ وارِثٌ فلم يَمُتِ المُوصي حتى صارَ المُوصَى له غيرَ وارِثٍ فالوَصيةُ له ثابِتةٌ؛ لأنَّ اعتِبارَ الوَصيةِ بالمَوتِ).
لا نَعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ اعتِبارَ الوَصيةِ بالمَوتِ، فلو أَوصَى لثَلاثةِ إِخوةٍ له مُتفرِّقينَ ولا وَلدَ له وماتَ قبلَ أنْ يُولدَ له وَلدٌ لم تَصحَّ الوَصيةُ
стр. 14810
لغيرِ الأخِ من الأبِ إلا بالإِجازةِ من الوَرثةِ، وإنْ وُلدَ له ابنٌ صَحَّت الوَصيةُ لهم جَميعًا من غيرِ إِجازةٍ إذا لم تَتجاوزِ الوَصيةُ الثُّلثَ، وإنْ وُلدَت له بِنتٌ جازَت الوَصيةُ لأَخيه من أَبيه وأَخيه من أُمِّه، فيَكونُ لهما ثُلثا المُوصَى به بينَهما على نِصفَينِ، ولا يَجوزُ للأخِ من الأبوَينِ؛ لأنَّه وارِثٌ، وبهذا يَقولُ الشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ وأَصحابُ الرأيِ وغيرُهم، ولا نَعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم، ولو أَوصَى لهم وله ابنٌ فماتَ ابنُه قبلَ مَوتِه لم تَجُزِ الوَصيةُ لأَخيه من أَبوَيه ولا لأَخيه من أُمِّه، وجازَت لأَخيه من أَبيه، فإنْ ماتَ الأخُ من الأبوَينِ قبلَ مَوتِه لم تَجُزْ للأخِ من الأَبِ أيضًا؛ لأنَّه صارَ وارِثًا.
فَصلٌ: ولو أَوصَى لامرأةٍ أجنَبيةٍ أو أَوصَت له ثم تزَوَّجها لم تَجُزْ وَصيتُهما إلا بالإِجازةِ من الوَرثةِ، وإنْ أَوصَى أَحدُهما للآخَرِ ثم طلَّقَها جازَت الوَصيةُ؛ لأنَّه صارَ غيرَ وارِثٍ إلا أنَّه إنْ طلَّقَها في مَرضِ مَوتِه فقياسُ المَذهبِ أنَّها لا تُعطَى أكثَرَ من مِيراثِها؛ لأنَّه يُتَّهمُ في أنَّه طلَّقَها ليُوصِّلَ إليها مالَه بالوَصيةِ، فلم يَنفُذْ لها ذلك كما لو طلَّقَها في مَرضِ مَوتِه أو وَصَّى لها بأكثَرَ ممَّا كانَت تَرِثُ (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: واتَّفقوا على اعتِبارِ كَونِ المُوصَى له وارِثًا بيَومِ المَوتِ، حتى لو أَوصَى لأَخيه الوارِثِ حيثُ لا يَكونُ له ابنٌ يَحجُبُ الأخَ المَذكورَ فوُلدَ له ابنٌ قبلَ مَوتِه يَحجُبُ الأخَ فالوَصيةُ للأخِ
стр. 14811
المَذكورِ صَحيحةٌ، ولو أَوصَى لأَخيه وله ابنٌ فماتَ الابنُ قبلَ مَوتِ المُوصي فهي وَصيةٌ لوارِثٍ (١).
الوَصيةُ لوَلدِ الوارِثِ بقَصدِ نَفعِ الوارِثِ:
نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ المُوصي إذا أَوصَى لابنِ ابنِه أو ابنِ ابنَتِه وهو غيرُ وارِثٍ ولا يُريدُ بذلك نَفعَ الوارِثِ فوَصيتُه جائِزةٌ صَحيحةٌ، وأمَّا إنْ كانَ يُريدُ بذلك نَفعَ الوارِثِ لم يَجُزْ فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى.
قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البِرِّ ﵀: وإنْ أَوصَى لغيرِ وارِثٍ وهو يُريدُ به الوارِثَ فقد حافَ وجارَ وأتى الجَنَفَ، والجَنفُ في اللُّغةِ المَيلُ، وهو في الشَّريعةِ الإِثمُ والمَيلُ عن الحَقِّ.
رَوى الثَّوريُّ ومَعمَرٌ عن ابنِ طاوُسٍ عن أَبيه قالَ: «الجَنفُ أنْ يُوصيَ لابنِ ابنَتِه وهو يُريدُ ابنَتَه» (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ وَصَّى لوَلدِ وارِثِه صَحَّ، فإنْ كانَ يَقصِدُ بذلك نَفعَ الوارِثِ لم يَجُزْ فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى.
قالَ طاوُسٌ في قَولِه : ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢]: أنْ يُوصيَ لوَلدِ ابنَتِه وهو يُريدُ ابنَتَه. رَواه سَعيدٌ (٣).
قالَ ابنُ عَباسٍ: الجَنفُ في الوَصيةِ والإِضرارُ فيها من الكَبائرِ (٤).
стр. 14812
إذا أَوصَى لكلِّ وارِثٍ بقَدرِ نَصيبِه من التَّركةِ:
الوَصيةُ للوارِثِ بقَدرِ نَصيبِه من الإِرثِ لا تَخلو من حالَتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يُوصيَ لكلِّ وارِثٍ بقَدرِ حِصتِه من تَركتِه:
فإذا أَوصَى لكلِّ واحِدٍ من وَرثتِه بقَدرِ حِصتِه من تَركتِه شائِعًا من نِصفٍ أو غيرِه، كأنْ أَوصَى لكلِّ واحِدٍ من بَنيه الثَّلاثةِ بثُلثِ مالِه فوَصيتُه لَغوٌ باطِلةٌ؛ لأنَّه يَستحقُّه بغيرِ وَصيةٍ، ويأخُذُ التَّركةَ بالإِرثِ على الصَّحيحِ من المَذهبِ عندَ الشافِعيةِ، ولا يَأثمُ بذلك؛ لأنَّه مُؤكِّدٌ للمَعنى الشَّرعيِّ لا مُخالفٌ له.
والثاني: تَصحُّ، فيأخُذُها بالوَصيةِ ما لم يَنقُدْها.
قالَ صاحِبُ «التَّتمة»: وفائِدةُ الخِلافِ تَظهرُ فيما إذا ظهَرَ دَينٌ، إنْ قُلنا: إنَّه أخَذَ التَّركةَ إِرثًا فله إِمساكُها وقَضاءُ الدَّينِ من غيرِها، وإنْ قُلنا بالوَصيةِ قَضاه منها ولصاحِبِ الدَّينِ الامتِناعُ لو قَضى من غيرِها.
قالَ النَّوويُّ: قُلتُ: ومِن فَوائِده لو حَدَثت من عَينِ التَّركةِ زَوائِدُه، إنْ قُلنا: وَصيةٌ، لم يَملِكْها، وإنْ قُلنا: إِرثٌ، ملَكَها على الصَّحيحِ، واللهُ أعلَمُ.
ولو أَوصَى لأحدِ وَرثتِه بقَدرِ نَصيبِه من التَّركةِ كأنْ أَوصَى لأحدِ بَنيه الثَّلاثةِ بثُلثِ مالِه؛ فإنَّه يَصحُّ ويَتوقَّفُ على الإِجازةِ، فإنْ أُجيزَ أخَذَه وقسَّمَ الباقيَ بينَهم بالسَّويةِ (١).
стр. 14813
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يُوصيَ لكلِّ وارِثٍ بعَينٍ هي قَدرُ حِصتِه من التَّركةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَوصَى لكلِّ وارِثٍ بعَينٍ هي قَدرُ حِصتِه، كأنْ أَوصَى لأحدِ ابنَيه بسَيارةٍ قيمَتُها ألفٌ وللآخَرِ بدارٍ قيمَتُها ألفٌ، وهُما ما يَملِكُه، فهل تَصحُّ أو لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّها تَصحُّ، كما لو أَوصَى ببَيعِ عَينٍ من مالِه لزَيدٍ.
إلا أنَّهم اختَلَفوا: هل تَحتاجُ هذه الوَصيةُ إلى الإِجازةِ أو لا، ويَختصُّ كلُّ واحدٍ بما عيَّنَه؟ له وَجهانِ:
أصَحُّهما عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في وَجهٍ: تَحتاجُ إلى إِجازةِ الوَرثةِ؛ لأنَّ في الأَعيانِ غَرضًا صَحيحًا، فكما لا يَجوزُ إِبطالُ حَقِّ الوارِثِ من قَدرِ حَقِّه لا يَجوزُ من عَينِه.
وفي مُقابلِ الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في أصَحِّ الوَجهَينِ: لا تَحتاجُ إلى إِجازةٍ؛ لأنَّ حُقوقَ الوَرثةِ في قيمةِ التَّركةِ لا في أَعيانِها؛ إذْ لو باعَها المَريضُ بثَمنِ مِثلِها صَحَّ، وإنْ لم يَرضَوْا بذلك، وإنْ تضَمَّن فَواتَ عَينِ المالِ، وهو كما لو باعَ السَّيارةَ لابنِه بألفٍ وباعَ الدارَ لابنِه الثاني بألفٍ، والدَّينُ كالعَينِ فيما ذُكِر (١).
стр. 14814
الوَصيةُ للزَّوجةِ أو للزَّوجِ:
إذا أَوصَى أحدُ الزَّوجَينِ للآخَرِ بمالِه كلِّه وليسَ له وارِثٌ غيرُه أخَذَ المالَ كلَّه إِرثًا ووَصيةً عندَ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ في الصَّحيحِ من المَذهبِ.
وذهَبَ الحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه له الثُّلثُ بالوَصيةِ، ثم فَرضُه من الباقي، والبَقيةُ لبَيتِ المالِ (١).
وفي قَولٍ للحَنابِلةِ: لا تَصحُّ الوَصيةُ -وهو قَولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ- وقد تقَدَّمت المَسألةُ في حُكمِ الوَصيةِ بجَميعِ المالِ لمَن لا وارِثَ له أو لمَن لا يَستوعِبُ المِيراثَ كلَّه كالزَّوجِ والزَّوجةِ والبِنتِ.
هِباتُ المَريضِ مَرضَ المَوتِ ووَصاياه:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المَريضَ إذا وهَبَ في حالِ مَرضِه (٢) وقُبضَت عنه تَكونُ في ثُلثِ مالِه كسائِرِ وَصاياه؛ فإنِ احتَمَلها الثُّلثُ أُمضيَت وإلا رُدَّت؛ لأنَّها في حُكمِ الوَصيةِ، وإنِ احتمَلَ الثُّلثُ بعضَها أُمضيَ منها قَدرُ ما احتمَلهَ الثُّلثُ، إلا أنْ يُجيزَه الوارِثُ فيَصحَّ في الجَميعِ، واحتَجُّوا على ذلك بما رَواه الشَّيخانِ عن سُفيانَ بنِ عُيَينةَ وإِبراهيمَ بنِ سَعدٍ عن الزُّهريِّ عن عامِرِ بنِ سَعدِ بنِ أَبي
стр. 14815
وَقاصٍ عن أَبيه ﵁ قالَ: «مَرِضت بمَكةَ مَرضًا فأَشفَيتُ منه على المَوتِ، فأَتاني النَّبيُّ ﷺ يَعودُني، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لي مالًا كَثيرًا وليسَ يَرِثُني إلا ابنَتي، أفأتصَدَّقُ بثُلثَي مالي؟ قالَ: لا. قالَ: قُلتُ: فالشَّطرُ؟ قالَ: لا. قُلتُ: الثُّلثُ؟ قالَ: الثُّلثُ كَبيرٌ، إنَّكَ إنْ تَرَكتَ وَلدَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَترُكَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ» (١).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وأمَّا حَديثُ ابنِ شِهابٍ فلم يَختلِفْ عنه أَصحابُه لا ابنَ عُيَينةَ ولا غيرُه أنَّه قالَ فيه: «أفأتصَدَّقُ بمالي كلِّه أو بثُلثَي مالي» ولم يَقُلْ: أفأُوصي، فإنْ صَحَّت هذه اللَّفظةُ: قَولُه: «أفأتصَدَّقُ» كانَ في ذلك حُجةٌ قاطِعةٌ لمَا ذهَبَ إليه جُمهورُ أهلِ العِلمِ في هِباتِ المَريضِ وصَدقاتِه وعِتقِه أنَّ ذلك من ثُلثِه لا من جَميعِ مالِه، وهو قَولُ مالِكٍ واللَّيثِ والأَوزاعيِّ والثَّوريِّ والشافِعيِّ وأَبي حَنيفةَ وأَصحابِه وأَحمدَ وعامَّةِ أهلِ الحَديثِ والرأيِ (٢).
واحتَجُّوًا أيضًا بما رَواه مُسلمٌ عن عمِرانَ بنِ حُصَينٍ ﵁ «أنَّ رَجلًا أعتَقَ سِتةَ مَملوكينَ له عندَ مَوتِه لم يَكنْ له مالٌ غيرُهم، فدَعا بهم رَسولُ اللهِ ﷺ فجَزَّأهم أَثلاثًا، ثم أقرَعَ بينَهم فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً وقالَ له قَولًا شَديدًا» (٣). فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ العِتاقُ في المَرضِ من الثُّلثِ،
стр. 14816
فكذلك الهِباتُ والصَّدقاتُ؛ لأنَّها كلَّها سَواءٌ في تَفويتِ المالِ، ولأنَّه في هذه الحالةِ لا يَأمنُ المَوتَ، فجُعلَ كحالِ المَوتِ، فإنْ صَحَّ من مَرضِه فالهِبةُ صَحيحةٌ بالاتِّفاقِ، وكذا إنْ بَرئَ ثم مرِضَ وماتَ فهو من رأسِ المالِ؛ لأنَّه ليسَ بمَرضِ المَوتِ.
وإنْ وهَبَ ما يُعتبَرُ قَبضُه وهو صَحيحٌ وأقبَضَه وهو مَريضٌ اعتُبِرَ من الثُّلثِ؛ لأنَّه لم يَلزَمْ إلا بالقَبضِ الذي وُجدَ في المَرضِ (١).
وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ما يُحدثُه المَريضُ المَخوفُ عليه في مَرضِه الذي يَموتُ فيه من هِبةٍ لأجنَبيٍّ أو صَدقةٍ أو عِتقٍ فذلك في ثُلثِ مالِه، وما جاوَزَ ثُلثَه من ذلك مَردودٌ غيرُ جائِزٍ إِنفاذُه.
ودَلَّ خَبَرُ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ عن رَسولِ اللهِ ﷺ في قِصةِ الرَّجلِ الذي أعتَقَ سِتةَ أعبُدٍ له عندَ مَوتِه فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً على مِثلِ ما أجمَعَ عليه أهلُ العِلمِ (٢).
стр. 14817
وقالَ ابنُ القَطانِ الفاسيُّ: وأَجمَعوا على أنَّ حُكمَ الهِباتِ في المَرضِ الذي يَموتُ فيه الواهِبُ حُكمُ الوَصايا، ويَكونُ من الثُّلثِ إذا كانَت مَقبوضةً (١).
وأَجمَعوا على أنَّ المَريضَ إذا وهَبَ لرَجلٍ هِبةً وقبَضَها وهي ممَّا تَجوزُ فيه الهِباتِ ثم بَرئَ المَريضُ من مَرضِه ذلك أنَّه لا سَبيلَ له عليه، وعادَت بصِحتِه كأنَّه استَوهَبَ في الصِّحةِ، إلا اللَّيثَ بنَ سَعدٍ؛ فإنَّه قالَ: إنْ لم يُجدِّدِ الهِبةَ في ذلك المَوهوبِ بطَلَت هِبتُه (٢).
وأجمَعَ الجُمهورُ الذين هُمْ حُجةٌ على مَنْ خالَفَهم على أنَّ هِباتِ المَريضِ المُثقلِ وصَدقاتِه لا يَنفُذُ منها إلا ما حمَلَه ثُلثُه، وقالَ داودُ: عَطاياه جائِزةٌ نافِذةٌ في مالِه كلِّه؛ لأنَّه ليسَ بوَصيةٍ، وإنَّما الوَصيةُ ما يُستحَقُّ بمَوتِ المُوصي (٣).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ ﵀: هِباتُ المَريضِ وعَطاياه وعِتقُه وكلُّ ما يُخرجُه من مالِه على غيرِ مُعاوضةٍ مَوقوفٌ غيرُ مُتنجِّزٍ، فإنْ صَحَّ لزِمَه، وإنْ ماتَ كانَ من الثُّلثِ.
وقالَ داودُ: كلُّ ذلك جائِزٌ من رأسِ المالِ.
فدَليلُنا قَولُه ﷺ : «إنَّ اللهَ جعَلَ لكم ثُلثَ أَموالِكم عندَ
стр. 14818
مَوتِكم»، فأخبَرَ أنَّه ليسَ له إلا الثُّلثُ، فلم يُجِزْ زِيادةً عليه، ولحَديثِ عِمرانَ ابنِ حُصَينٍ: «أنَّ رَجلًا أعتَقَ في مَرضِه سِتةَ أعبُدٍ له لا مالَ له غيرُهم، فبلَغَ ذلك النَّبيَّ ﷺ فتَغيَّظَ لذلك غَيظًا شَديدًا ثم دَعا بهم فأقرَعَ بينَهم فأعتَقَ منهم اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً»، ولأنَّ حُضورَ سَببِ المَوتِ جارٍ في ذلك مَجرى حُضورِ المَوتِ نَفسِه، فإنْ مَنَعوا ذلك دَلَّ عليه بإِجماعِ الصَّحابةِ؛ لأنَّ أَبا بَكرٍ ﵁ قالَ لعائِشةَ ﵂: «إنِّي كُنْتُ نَحلتُك جِذاذَ عِشرينَ وَسقًا، ولو كُنْتِ حُزتيه لكانَ ذلك، وإنَّما هو اليَومَ مالُ الوارِثِ»، فبيَّنَ أنَّ حَقَّ الوَرثةِ مُتعلِّقٌ به في هذه الحالِ، وإنَّ ذلك هو المانِعُ من تَسليمِه إليها، ولم يُخالِفْ عليه أحدٌ، ولأنَّه ابتِداءُ عَطيةٍ في المَرضِ كالوَصيةِ (١).
وقالَ جُمهورُ العُلماءِ وجَماعةُ أئِمةِ الفَتوى: هِباتُه وعَطاياه نافِذةٌ كلُّها إنْ صَحَّ من مَرضِه، وتَكونُ من رَأسِ مالِه ويُراعى في العَطايا القَبضُ (٢).
قالَ الحَنفيةُ: والهِبةُ من المَريضِ للوارِثِ في هذا نَظيرُ الوَصيةِ؛ لأنَّها وَصيةٌ حُكمًا، حتى إنَّها تَنفُذُ من الثُّلثِ، وإِقرارُ المَريضِ على عَكسِ هذا؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في الحالِ فيُعتبَرُ ذلك وَقتَ الإِقرارِ (٣).
стр. 14819
بعضُ المَسائلِ المُتعلِّقةِ بالوَصيةِ للأَقاربِ والأَصهارِ والجِيرانِ:
أ- الوَصيةُ للأَصهارِ:
قالَ الحَنفيةُ: ومَن أَوصَى لأَصهارِه، أي: لأَقرباءِ امرأتِه، فالوَصيةُ لكلِّ ذي رَحمٍ مَحرَمٍ من امرأتِه؛ لمَا رُويَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا تَزوجَ صَفيةَ أعتَقَ كلَّ مَنْ ملَكَ من ذي رَحمٍ مَحرَمٍ منها إِكرامًا لها، وكانوا يُسمَّوْن أَصهارَ النَّبيِّ ﷺ » وهذا التَّفسيرُ اختِيارُ مُحمدٍ وأَبي عُبَيدةَ؛ لأنَّ الصِّهرَ في اللُّغةِ يَجيءُ بمَعنى الخَتنِ أيضًا، وكذا يَدخلُ فيه كلُّ ذي رَحمٍ مَحرَمٍ من زَوجةِ أَبيه وزَوجةِ ابنِه وزَوجةِ كلِّ ذي رَحمٍ مَحرَمٍ منه؛ لأنَّ الكلَّ أَصهارٌ.
ولا يَدخلُ في ذلك الزَّوجةُ ولا زَوجةُ الابنِ ولا زَوجةُ الأَبِ ولا زَوجةُ كلِّ ذي رَحمٍ مَحرَمٍ منه؛ لأنَّ الأَصهارَ يَختصُّونَ بأهلِها دونَها.
ولو ماتَ المُوصي والمَرأةُ في نِكاحِه أو في عِدَّتِه من طَلاقٍ رَجعيٍّ فالصِّهرُ يَستحِقُّ الوَصيةَ، وإنْ كانَت في عِدةٍ من طَلاقٍ بائِنٍ لا يَستحِقُّها؛ لأنَّ بَقاءَ الصِّهريةِ ببَقاءِ النِّكاحِ، وهو شَرطُ وَقتِ المَوتِ.
وإنْ أَوصَى لأَختانِه، يَعني: أنَّ الأَختانَ تُطلقُ على أَزواجِ المَحارمِ كزَوجِ البِنتِ والأُختِ والعَمةِ والخالةِ وغيرِها، وعلى مَحارمِ الأَزواجِ فيَكونُ كلُّ ذي رَحمٍ مَحرَمٍ من أَزواجِ المَحارمِ من الذَّكرِ والأُنثى في قِسمةِ الثُّلثِ سَواءً؛ لأنَّ الكلَّ يُسمَّى خَتنًا، وأُمُّ الزَّوجِ وجَدَّتُه وغيرُهما فيه سَواءٌ.
стр. 14820
قالَ المَشايخُ ﵏ تَعالى: ويَكونُ هذا بِناءً على عُرفِ أهلِ الكُوفةِ، وأمَّا في سائِرِ البُلدانِ فاسمُ الخَتنِ يَنطلِقُ على زَوجِ البِنتِ وزَوجِ كلِّ ذاتِ رَحمٍ مَحرَمٍ منه، والصِّهرُ في عُرفِنا أَبو الزَّوجةِ وأُمُّها والعِبرةُ بالعُرفِ.
ولا يَكونُ الأَختانُ من قِبَلِ نِساءِ المُوصي، أي أنَّ امرأةَ المُوصي إذا كانَت لها بِنتٌ من زَوجٍ آخَرَ ولها زَوجٌ تزوَّجَ ابنَتَها لا يَكونُ خَتنًا للمُوصي.
ويَستَوي في ذلك الحُرُّ والعَبدُ والأقرَبُ والأبعَدُ؛ لأنَّ اللَّفظَ يَتناوَلُ الكلَّ ويَستَوي فيه الغَنيُّ والفَقيرُ والذَّكرُ والأُنثى، كلُّهم فيه سَواءٌ لا يَفضُلُ أحدُهم على الآخَرِ من غيرِ تَفصيلٍ من المُوصي (١).
ب- الوَصيةُ للأَقاربِ ولذَوي الأَرحامِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن أَوصَى لأَقرِبائِه أو لذَوي رَحمِه مَنْ يَدخلُ فيهم ومَن لا يَدخلُ؟ على تَفصيلٍ بينَهم في هذا:
قالَ الحَنفيةُ: ومَن أَوصَى لأَقاربِه أو لذَوي قَرابتِه أو لأَرحامِه أو لأَنسابِه فهي للأَقربِ فالأَقربِ من كلِّ ذي رَحمٍ مَحرَمٍ منه، وصُورتُه أنْ يَقولَ: ثُلثُ مالي لذَوي قَرابَتي.
وإنَّما اعتُبِرَ الرَّحمُ المَحرمُ لأنَّ المَقصودَ بهذه الوَصيةِ الصِّلةُ، فاختُصَّت بالرَّحمِ المَحرَمِ، كالنَّفقةِ وإِيجابِ العِتقِ.
стр. 14821
ولا يَدخلُ فيه الوالِدانِ والوَلدُ سَواءٌ كانَ ذَكرًا أو أُنثى؛ لأنَّهم لا يُسمَّونَ أَقاربَ؛ لأنَّ القَرابةَ اسمٌ لمَا يَقرُبُ من الإِنسانِ بغيرِه، والأَبوانِ أَصلُ القَرابةِ، والوَلدُ يَقرُبُ بنَفسِه، فلا يَتناولُ الاسمَ، ولهذا قالوا: مَنْ سمَّى والِدَه قَريبًا كانَ ذلك عُقوقًا منه، ولأنَّ اللهَ تَعالى عطَفَ الأَقرَبينَ على الوالِدَينِ، والمَعطوفُ غيرُ المَعطوفِ عليه (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا أَوصَى لأقارِبِ زَيدٍ مَثلًا أو لأَرحامِه أو لأَهلِه أو لقَرابَتي أو رَحِمي أو لذَوي رَحِمي أو لأَهلي أو لأهلِ بَيتي؛ فإنَّه يَدخلُ في ذلك الأَقاربُ للأُمِّ، كأَبي الأُمِّ وعَمِّها لأَبيها أو لأُمِّها وكأَخيها وابنِ بِنتِها إلى غيرِ ذلك، ومَحلُّ ذلك إذا لم يَكنْ لزَيدٍ أَقاربُ من الأَبِ، فإنْ كانَ فلا يَدخلُ أَقاربُه من أُمِّه، ويَختصُّ بها أَقاربُ الأَبِ لشَبهِ الوَصيةِ بالإِرثِ من حيثُ تَقديمُ العَصبةِ على ذَوي الأرحامِ.
لكنْ إنْ كانَت الوَصيةُ لأَقاربِ الغيرِ أو لأهلِ الغيرِ أو لأَرحامِ الغيرِ، ودخَلَت أَقاربُه من جِهةِ أَبيه، أو أقارِبُه من جِهةِ أُمِّه إنْ لم يَكنْ له أقارِبُ من جِهةِ أَبيه؛ فإنَّه يَستَوي في ذلك الوارِثُ وغيرُ الوارِثِ، فيَدخُلونَ كلُّهم مَدخَلًا واحِدًا، فيَدخلُ العَمُّ للأُمِّ والأُمُّ؛ لأنَّ المُوصي ليسَ هو المَوروثَ بخِلافِ ما لو أَوصَى لأقارِبِ نَفسِه أو لأرحامِه أو لأهلِه؛ فإنَّ الوارِثَ له -أي: بالفِعلِ- لا يَدخلُ في الوَصيةِ؛ لأنَّ الشَّرعَ حكَمَ بمَنعِ الوَصيةِ للوارِثِ،
стр. 14822
فإذا كانَ له وَلدٌ مَثلًا وأَعمامٌ، دخَلَ الأَعمامُ وبَنوهم والأَخوالُ والخالاتُ والعَمَّاتُ ولا يَدخلُ الوَلدُ.
وإذا أَوصَى لأَقاربِ فُلانٍ الأجنَبيِّ أو لأَرحامِه أو لأَهلِه أو أَوصَى لأَقاربِه هو أو لأَرحامِه أو لأَهلِه؛ فإنِ استَوَوْا في الحاجةِ سُوِّيَ بينَهم في الإِعطاءِ، وإنْ كانَ منهم مُحتاجٌ أو أُحوِجَ؛ فإنَّه يَجبُ إِيثارُه على غيرِه بدَفعِ زِيادةٍ له على غيرِه، سَواءٌ كانَ ذلك المُحتاجُ أقرَبَ أو أبعَدَ، إلا أنْ يَقولَ: «أَعطُوا فُلانًا ثم فُلانًا»؛ فإنَّه يُعملُ على قَولِه ويُقدَّمُ من قدَّمَه ولو كانَ غيرُه أحوَجَ منه، أو يَقولَ: «أَعطُوا الأقرَبَ فالأقرَبَ»، فيُقدَّمُ الأخُ وابنُه على الجَدِّ؛ لأنَّهما يُدليانِ بالبُنوةِ والجَدُّ يُدلي بالأُبوةِ، وجِهةُ البُنوةِ أَقوى، وإذا قُدمَ الأقرَبُ فإنَّه يُزادُ له شَيءٌ من الوَصيةِ ولا يَختصُّ بجَميعِها، فإذا أَوصَى لمَن يُمكِنُ حَصرُه إلا أنَّه لم يُسمِّهم؛ فإنَّه يُسوِّي بينَهم في القِسمةِ.
أمَّا إذا أَوصَى بثُلثِه للفُقراءِ أو للمَساكينِ أو للغُزاةِ أو لقَبيلةٍ كَبيرةٍ وكلِّ ما لا يَنحصِرُ فإنَّه لا يَلزمُ تَعميمُ الجَميعِ إذْ يَتعذَّرُ ذلك عادةً ويَجتهِدُ مَنْ يَتولَّى تَفرِقةَ ثُلثِ المَيتِ من وَصيٍّ أو قاضٍ أو مُقدَّمٍ أو وارِثٍ وإذا أَوصَى لقَبيلةٍ كَبيرةٍ ولزَيدٍ أو للمَساكينِ وزيدٍ أو للغُزاةِ وزَيدٍ؛ فإنَّ الثُّلثَ يُقسَمُ بينَهم ويَصيرُ زَيدٌ كواحِدٍ منهم ويَجتهِدُ المُتولِّي في التَّقديمِ والتَّأخيرِ وفي قَدرِ ما يُعطي؛ لأنَّ القَرينةَ هنا دلَّت على أنَّ المُوصي أَعطَى المَعلومَ حُكمَ المَجهولِ وألحَقَه به وأجرى على حُكمِه حيثُ ضمَّه إليه، فلا يُقالُ: إنَّه إذا اجتمَعَ مَعلومٌ ومَجهولٌ جُعلَ لكلٍّ منهما النِّصفُ، فلو ماتَ زَيدٌ قبلَ قَسمِ
стр. 14823
المالِ المُوصَى به؛ فإنَّ وارِثَه لا شَيءَ له من ذلك كما إذا ماتَ واحِدٌ من المُسلِمينَ أو الغُزاةِ قبلَ القَسمِ؛ فإنَّه لا شَيءَ لوارِثِه، قالَ في المُدونةِ: إنَّما يَكونُ الثُّلثُ لمَن أدرَكَ القَسمَ. اه. أي: فلم يَمُتْ عن حَقٍّ حتى يُورَثَ عنه (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو أَوصَى لأقارِبِ زَيدٍ مَثلًا أو رَحِمَه دخَلَ كلُّ قَرابةٍ له وإنْ بعُدَ؛ لشُمولِ الاسمِ واستِوائِهم في تَناولِ اللَّفظِ، ولا فَرقَ بينَ الوارِثِ وغيرِه ولا بينَ الذَّكرِ والأُنثى ولا بينَ الغَنيِّ والفَقيرِ ولا المُسلمِ والكافِرِ، فيَجبُ استِيعابُهم والتَّسويةُ بينَهم وإنْ كَثُروا وشَقَّ استِيعابُهم، ولو لم يَكنْ له إلا قَريبٌ واحِدٌ أو اثنان صُرفَ له أو لهما، ولم يُنظَرْ إلى كَونِ اللَّفظِ جَمعًا، ولا يَأخذُ القِسطَ على الأصَحِّ.
ولا يَدخلُ الأَصلُ وهُم الأَبُ والأُمُّ ولا الفَرعُ وهو الوَلدُ في الأصَحِّ؛ لأنَّهم لا يُسمَّوْن أقارِبَ عُرفًا بالنِّسبةِ إلى الوَصيةِ، ولو لم يَكنْ له قَريبٌ غيرُهم صُرفَ إليهم، كما لو وقَفَ على أَولادِه وليسَ له إلا أَولادُهم، أمَّا الأَجدادُ والأَحفادُ فيَدخُلونَ لشُمولِ الاسمِ لها.
وفي مُقابلِ الأصَحِّ: يَدخُلونَ، لدُخولِهما في الوَصيةِ لأقرَبِ أَقربائِه، فكيف يَكونُ أقرَبَ ولا يَكونُ قَريبًا؟
وقيلَ: لا يَدخلُ أحدٌ من الأُصولِ والفُروعِ.
стр. 14824
ولا تَدخلُ قَرابةُ أُمٍّ في الوَصيةِ للأقارِبِ في الأصَحِّ إذا كانَ المُوصي عَربيًّا؛ لأنَّ العَربَ لا تَفتخِرُ بها ولا تَعُدُّها قَرابةً.
والثاني وصَحَّحه الأكثَرونَ أنَّ قَرابةَ الأُمِّ تَدخلُ في لَفظِ الرَّحمِ عندَ العَربِ والعَجمِ جَميعًا، ولا شَكَّ أنَّ الرَّحمَ هي القَرابةُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ في القِبطِ: «إنَّ لهم ذِمةً ورَحمًا» (١)؛ لأنَّ أُمَّ إِسماعيلَ ﵇ منهم، ويَدخُلونَ في الوَصيةِ للرَّحمِ اتِّفاقًا.
وليسَ وَلدُ الرَّضاعةِ ولا الزَّوجةُ من الأقارِبِ، ويَدخلُ في المَحارِمِ كلُّ مَحرَمٍ بنسَبٍ أو مُصاهَرةٍ أو رَضاعٍ.
والعِبرةُ في ضَبطِ الأقارِبِ بأقرَبِ جَدٍّ يُنسَبُ إليه زَيدٌ أو أُمُّه بِناءً على دُخولِ أقارِبِها، وتُعدُّ أَولادُ ذلك الجَدِّ قَبيلةً واحِدةً.
ويَدخلُ في أقرَبِ أَقرِباءِ زَيدٍ الأَصلُ، أي: الأبَوانِ والفَرعُ؛ لأنَّه ليسَ ثَمَّ أقرَبُ منهما، ثم غيرُهما عندَ فَقدِهما رِعايةً لوَصفِ الأقرَبيةِ المُقتَضي لزِيادةِ القُربِ.
والأصَحُّ تَقديمُ الفُروعِ على الأُصولِ وإنْ سَفَلوا؛ لأنَّه أَقوى إِرثًا وتَعصيبًا، فيُقدَّمُ الأَولادُ ثم أَولادُهم وإنْ سَفَلوا ولو من أَولادِ البَناتِ الأقرَبِ فالأقرَبِ، فيُقدَّمُ وَلدُ الوَلدِ على وَلدِ وَلدِ الوَلدِ، ثم يُقدَّمُ الأبَوانِ على مَنْ فَوقَهما، ثم الإِخوةُ من الجِهاتِ الثَّلاثِ ولو من الأُمِّ على الجَدِّ من الجَهتَينِ، ثم بعدَ الجُدودةِ العُمومةُ والخُؤولةُ.
стр. 14825
فعُلمَ من ذلك تَقديمُ ابنٍ وبِنتٍ وذُرِّيتِهما على أَبٍ، وتَقديمُ أخٍ وذُرِّيتِه من أيِّ جِهةٍ على جَدٍّ من أيِّ جِهاتِه.
ولا يُرجَّحُ بذُكورةٍ ووِراثةٍ، بل يَستَوي الجَميعُ، الأَبُ والأُمُّ والابنُ والبِنتُ والأخُ والأُختُ؛ لاستِواءِ الجِهةِ في كلٍّ كما يَستَوي المُسلمُ والكافِرُ، والأخُ من الأبِ والأخُ من الأُمِّ سَواءٌ.
ويُقدَّمُ ابنُ البِنتِ على ابنِ ابنِ الابنِ؛ لأنَّه أقرَبُ منه دَرجةً.
ولو أَوصَى لأقارِبِ نَفسِه أو أقرَبِ أقارِبِ نَفسِه لم يَدخُلْ وَرثتُه في الأصَحِّ؛ لأنَّه لا يُوصَى له عادةً فيَختصُّ بالباقينَ، ولو أَوصَى لأهلِه فهُم مَنْ تَلزمُه نَفقتُهم من غيرِ الورَثةِ (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ فجاءَ في المُغني لابنِ قُدامةَ: مَسألةٌ: قالَ: ومَن أَوصَى لقَرابتِه فهو للذَّكرِ والأُنثَى بالسَّويةِ، ولا يُجاوزُ بها أربَعةَ آباءٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُجاوِزْ بَني هاشِمٍ بسَهمِ ذي القُربَى.
وجُملتُه: أنَّ الرَّجلَ إذا أَوصَى لقَرابتِه أو لقَرابةِ فُلانٍ كانَت الوَصيةُ لأَولادِه وأَولادِ أبيه وأَولادِ جَدِّه وأَولادِ جَدِّ أَبيه، ويَستَوي فيه الذَّكرُ والأُنثى، ولا يُعطي مَنْ هو أبعَدُ منهم شَيئًا، فلو وَصَّى لقَرابةِ النَّبيِّ ﷺ أَعطَى أَولادَه وأَولادَ عبدِ المُطلبِ وأَولادَ هاشِمٍ، ولم يُعطِ
стр. 14826
بَني عبدِ شَمسٍ ولا بَني نَوفلٍ شَيئًا؛ لأنَّ اللهَ تَعالى لمَّا قالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] يَعني قُرباءَ النَّبيِّ ﷺ ، أَعطَى النَّبيُّ ﷺ هؤلاء الذين ذَكَرناهم ولم يُعطِ مَنْ هو أبعَدُ منهم، كبَني عبدِ شَمسٍ ونَوفلٍ شَيئًا، إلا أنَّه أَعطَى بَني المُطلبِ وعلَّلَ عَطيتَهم بأنَّهم لم يُفارِقوا بَني هاشِمٍ في جاهِليةٍ ولا إِسلامٍ.
ولم يُعطِ قَرابةَ أُمِّه وهُم بَنو زُهرةَ شَيئًا، ولم يُعطِ منهم إلا مُسلمًا، فحُملَ مُطلقُ كَلامِ المُوصي على ما حُملَ عليه المُطلقُ من كَلامِ اللهِ تَعالى، وفُسرَ بما فُسرَ به، ويُسوِّي بينَ قَريبِهم وبَعيدِهم وذَكرِهم وأُنثاهم؛ لأنَّ الوَصيةَ لهم سَواءٌ، ويَدخلُ في الوَصيةِ الكَبيرُ والصَّغيرُ والغَنيُّ والفَقيرُ، ولا يَدخلُ الكُفارُ؛ لأنَّهم لم يَدخُلوا في المُستحِقِّ من قُربَى النَّبيِّ ﷺ .
وقد نقَلَ عبدُ اللهِ وصالِحٌ عن أَبيهما رِوايةً أُخرى أنَّه يُصرفُ إلى قَرابةِ أُمِّه إنْ كانَ يَصِلُهم في حَياتِه، كأَخوالِه وخالاتِه وأَخواتِه من أُمِّه، وإنْ كانَ لا يَصِلُهم لم يُعطَوْا شَيئًا؛ لأنَّ عَطيَّتَه لهم في حَياتِه قَرينةٌ دالَّةٌ على صِلتِه لهم بعدَ مَماتِه وإلا فلا.
وعنه رِوايةٌ أُخرى أنَّه يُجاوزُ بها أربَعةَ آباءٍ، ذكَرَها ابنُ أَبي مُوسى في «الإِرشادِ»، وهذه الرِّوايةُ تَدلُّ على أنَّ لَفظَه لا يَتقيَّدُ بالقَيدِ الذي ذكَرناه، فعلى هذا يُعطَى كلُّ مَنْ يَعرفُ بقَرابتِه من قِبَلِ أَبيه وأُمِّه الذين يُنسَبونَ إلى الأَبِ الأَدْنى الذي يُنسَبُ إليه، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّهم قَرابةٌ فيَتناوَلُهم
стр. 14827
الاسمُ ويَدخُلونَ في عُمومِه، وإِعطاءُ النَّبيِّ ﷺ لبعضِ قَرابتِه تَخصيصٌ لا يَمنعُ من العُمومِ في غيرِ ذلك المَوضعِ.
وقد قالَ أَبو حَنيفةَ: قَرابتُه كلُّ ذي رَحمٍ مَحرَمٍ، فيُعطى من أَدناهم اثنان فصاعِدًا، فإذا كانَ له عَمَّانِ وخالانِ فالوَصيةُ لعَمَّيه، وإنْ كانَ له عَمٌّ وخالانِ فلعَمِّه النِّصفُ ولخالَيه النِّصفُ.
وقالَ قَتادةُ: للأَعمامِ الثُّلثانِ وللأَخوالِ الثُّلثُ، وبه قالَ الحَسنُ، قالَ: ويُزادُ الأقرَبُ بعضَ الزِّيادةِ.
وقالَ مالِكٌ: يُقسَمُ على الأقرَبِ فالأقرَبِ بالاجتِهادِ.
ولنا: أنَّ هذا الاسمَ له عُرفٌ في الشَّرعِ، وهو ما ذَكَرناه، فيَجبُ حَملُه عليه وتَقديمُه على العُرفِ اللُّغويِّ كالوُضوءِ والصَّلاةِ والصَّومِ والحَجِّ، ولا وَجهَ لتَخصيصِه بذي الرَّحمِ المَحرَمِ؛ فإنَّ اسمَ القَرابةِ يَقعُ على غيرِهم عُرفًا وشَرعًا، وقد تَحرُمُ على الرَّجلِ رَبيبَتُه وأُمَّهاتُ نِسائِه وحَلائِلُ آبائِه وأَبنائِه ولا قَرابةَ لهم، وتَحلُّ له ابنةُ عَمِّه وابنةُ عَمَّتِه وابنةُ خالِه وابنةُ خالَتِه وهُنَّ من أقارِبِه.
وما ذكَرَه من التَّفصيلِ لا يَقتَضيه اللَّفظُ ولا يَدلُّ عليه دَليلٌ فالمَصيرُ إليه تَحكُّمٌ.
فأمَّا إنْ كانَ في لَفظِه ما يَدلُّ على إِرادةِ قَرابةِ أُمِّه كقَولِه: «وتُفضَّلُ قَرابَتي من جِهةِ أَبي على قَرابَتي من جِهةِ أُمِّي» أو قَولِه: «إلا ابنَ خالَتي فُلانًا»
стр. 14828
أو نَحوَ ذلك، أو كانَ هناك قَرينةٌ تُخرجُ بعضَهم عُملَ بما دَلَّت عليه القَرينةُ؛ لأنَّها تَصرِفُ اللَّفظَ عن ظاهِرِه إلى غيرِه.
ثم قالَ: فَصلٌ: فإنْ وَصَّى لأقرَبِ أقارِبِه أو أقرَبِ الناسِ إليه أو أقرَبِهم به رَحِمًا لم يُدفَعْ إلى الأبعَدِ مع وُجودِ الأقرَبِ، فيُقدَّمُ الأَبُ على كلِّ من أدلَى به من الأَجدادِ والإِخوةِ والأَعمامِ، والابنُ مُقدَّمٌ عليهم وعلى كلِّ مَنْ أَدلى به، ويَستَوي الأَبُ والابنُ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُدلي بنَفسِه من غيرِ واسِطةٍ، ويَحتمِلُ أنْ يُقدَّمَ الابنُ؛ لأنَّه يُسقِطُ تَعصيبَ الأَبِ.
والأوَّلُ أوْلى؛ لأنَّ إِسقاطَ تَعصيبِه لا يَمنعُ مُساواتَه في القُربِ ولا كَونَه أقرَبَ منه؛ بدَليلِ أنَّ ابنَ الابنِ يَسقطُ تَعصيبُه مع بُعدِه، ويُقدَّمُ الابنُ على الجَدِّ والأَبُ على ابنِ الابنِ، وقالَ أَصحابُ الشافِعيِّ ﵁ يُقدَّمُ ابنُ الابنِ على الأَبِ في أحدِ الوَجهَينِ؛ لأنَّه يَسقطُ تَعصيبُه.
ولنا: أنَّ الأبَ يُدلي بنَفسِه ويَلي ابنَه من غيرِ حاجِزٍ ولا يَسقطُ مِيراثُه بحالٍ، بخِلافِ ابنِ الابنِ والأَبِ والأُمِّ فهُم سَواءٌ، وكذلك الابنُ والبِنتُ والجَدُّ أَبو الأَبِ وأَبو الأُمِّ وأُمُّ الأَبِ وأُمُّ الأُمِّ كلُّهم سَواءٌ، ثم مِنْ بعدِ الأَولادِ أَولادُ البَنينَ وإنْ سَفَلوا، الأقرَبُ فالأقرَبُ الذُّكورُ والإِناثُ، وفي أَولادِه البَناتِ وَجهانِ بِناءً على دُخولِهم في الوَقفِ، ثم مِنْ بعدِ الوَلدِ الأَجدادُ الأقرَبُ منهم فالأقرَبُ؛ لأنَّهم العَمودُ الثاني، ثم الإِخوةُ والأَخواتُ؛ لأنَّهم وَلدُ الأَبِ أو مِنْ وَلدِ الأُمِّ، ثم وَلدُهم وإنْ سَفَلوا، ولا شَيءَ لوَلدِ الأَخواتِ إذا قُلنا: لا يَدخلُ وَلدُ البَناتِ، وإذا تَساوَت دَرجتُهم فأَوْلاهم وَلدُ الأبوَينِ، ويُسوَّى بينَ وَلدِ
стр. 14829
الأَبِ ووَلدِ الأُمِّ؛ لأنَّهما على دَرجةٍ واحِدةٍ، وكذلك وَلَداهما، والأخُ للأَبِ أَولى من ابنِ الأخِ من الأبوَينِ كما في المِيراثِ، ثم بعدَهم الأَعمامُ ثم بَنوهم وإنْ سَفَلوا، يَستَوي العَمُّ من الأَبِ، والعَمُّ من الأُمِّ وكذلك أَبناؤُهما وعلى هذا التَّرتيبِ، ذكَرَه القاضي. وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ ﵁، إلا أنَّه يَرى دُخولَ وَلدِ البَناتِ والأَخواتِ والأَخوالِ والخالاتِ، وهذا القَولُ إنَّما يَخرجُ في مَذهبِ أَحمدَ على الرِّوايةِ الثالِثةِ التي تُجعلُ القَرابةُ فيها: كلَّ مَنْ يَقعُ عليهم اسمُ القَرابةِ، فأمَّا على الرِّوايةِ التي اختارَها الخِرقيُّ وأنَّ القَرابةَ اسمٌ لمَن كانَ من أَولادِ الآباءِ، فلا يَدخلُ فيه الأُمُّ ولا أَقاربُها؛ لأنَّ مَنْ لم يَكنْ من القَرابةِ لم يَكنْ أقرَبَ القَرابةِ، فعلى هذا تَتناوَلُ الوَصيةُ مَنْ كانَ أقرَبَ من أَولادِ المُوصي وأَولادِ آبائِه إلى أربَعةِ آباءٍ ولا يَعدُوهم ذلك.
وإنْ وَصَّى لجَماعةٍ من أقرَبِ الناسِ إليه أُعطيَ لثَلاثةٍ من أقرَبِ الناسِ إليه، وإنْ وُجدَ أكثَرُ من ثَلاثةٍ في دَرجةٍ واحِدةٍ كالإِخوةِ فالوَصيةُ لجَميعِهم؛ لأنَّ بعضَهم ليسَ بأَوْلى من بعضٍ والاسمُ يَشملُهم، وإنْ لم يُوجَدْ ثَلاثةٌ في دَرجةٍ واحِدةٍ كَمُلَت من الثانيةِ، وإنْ كانَت في الدَّرجةِ الثانيةِ جَماعةٌ سُوِّيَ بينَهم لمَا ذَكَرنا في الدَّرجةِ الأُولى، وإنْ لم يَكمُلْ من الثانيةِ فمِن الثالِثةِ، فإذا وُجدَ ابنٌ وأخٌ وعَمٌّ فالوَصيةُ تَكونُ بينَهم أَثلاثًا، وكذلك إنْ كانَ ابنٌ وأَخوانِ، وإنْ كانَ ابنٌ وثَلاثةُ إِخوةٍ دخَلَ جَميعُهم في الوَصيةِ، ويَنبَغي أنْ يَكونَ للابنِ ثُلثُ الوَصيةِ ولهم ثُلثاها، فإنْ كانَ الابنُ وارِثًا سقَطَ حَقُّه من الوَصيةِ إنْ لم يُجَزْ له، والباقي للإِخوةِ، وإنْ وَصَّى لعَصبَتِه فهو لمَن يَرِثُه
стр. 14830
بالتَّعصيبِ في الجُملةِ، سَواءٌ كانوا ممَّن يَرثُ في الحالِ أو لم يَكُونوا، ويُسوَّى بينَ قَريبِهم وبَعيدِهم؛ لشُمولِ اللَّفظِ لهم، ولا خِلافَ في أنَّهم لا يَكونونَ من جِهةِ الأُمِّ بحالٍ (١).
ج- إذا أَوصَى لجَمعٍ بالثُّلثِ:
إذا أَوصَى لأَقرِبائِه أو أَصهارِه ونَحوِهم يَكونُ ذلك للاثنَينِ فصاعِدًا، وهذا عندَ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّه ذكَرَ ذلك بلَفظِ الجَمعِ، وأقَلُّ الجَمعِ في المَواريثِ اثنانِ، بدَليلِ قَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، والمُرادُ به اثنان فما فَوقَهما، والوَصيةُ أُختُ المِيراثِ، وفي المِيراثِ يُعتبَرُ الأقرَبُ فالأقرَبُ.
وإذا أَوصَى بذلك لأَقاربِه ونَحوِ ذلك وله عَمَّانِ وخالانِ فالوَصيةُ كلُّها لعَمَّيه عندَ أَبي حَنيفةَ؛ اعتِبارًا للأقرَبِ كما في الإِرثِ، وعندَهما بينَهم أَرباعًا؛ إذْ هُما لا يُعتبَرانِ الأقرَبَ.
وإنْ كانَ له عَمٌّ وخالانِ فللعَمِّ النِّصفُ وللخالَينِ النِّصفُ؛ لأنَّ البَعيدَ عندَه لا يُساوي القَريبَ، فكأنَّ العَمَّ انفرَدَ فيَستحِقُّ نِصفَ الوَصيةِ؛ لأنَّ المُوصيَ جعَلَ الوَصيةَ لجَمعٍ وأقَلُّه اثنانِ، فلا يَستحِقُّ العَمُّ أكثَرَ من نِصفِها، وبَقيَ النِّصفُ الثاني لا مُستحِقَّ له أقرَبَ من الخالَينِ فكانَ لهما.
стр. 14831
ولو لم يَكنْ له إلا عَمٌّ واحِدٌ وليسَ له من ذَوي الرَّحمِ المَحرَمِ غيرُه كانَ له نِصفُ الوَصيةِ؛ لأنَّه لا يَستحِقُّ أكثَرَ من النِّصفِ لمَا بَيَّنَّا، وما بَقيَ لا مُستحِقَّ له فتَبطلُ فيه الوَصيةُ، فيُردُّ على الوَرثةِ، بخِلافِ ما إذا أَوصَى لذي قَرابتِه حيثُ يَكونُ للعَمِّ كلُّ الوَصيةِ؛ لأنَّ اللَّفظَ للفَردِ فيُحرزُها كلَّها؛ إذْ هو الأقرَبُ.
ولو ترَكَ عمًّا وعَمةً وخالًا وخالةً فالوَصيةُ للعَمِّ والعَمةِ بينَهما بالسَّويةِ لاستِواءِ قَرابتِهما، وهي أَقوى من قَرابةِ الأَخوالِ، والعَمةُ -وإنْ لم تَكُنْ وارِثةً- مُستحِقةٌ للوَصيةِ كما لو كانَ القَريبُ رَقيقًا أو ذِميًّا.
وقالَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ: الوَصيةُ لكلِّ مَنْ يُنسَبُ إلى أَقصى أَبٍ له في الإِسلامِ، ويَستَوي فيه الأقرَبُ والأبعَدُ والواحِدُ والجَمعُ والمُسلمُ والذِّميُّ، ويَدخلُ في الوَصيةِ كلُّ قَريبٍ يُنسَبُ إليه مِنْ قِبَلِ الأَبِ أو الأُمِّ، وتَكونُ الوَصيةُ لجَميعِ قَرابتِه من جِهةِ الرِّجالِ والنِّساءِ إلى أَقصى أَبٍ له في الإِسلامِ في الطَّرفَينِ جَميعًا، يَشتَركونَ في الثُّلثِ، والأقرَبُ منهم والأبعَدُ والذَّكرُ والأُنثى فيه سَواءٌ.
بَيانُه: إذا أَوصَى رَجلٌ من بَني العَباسِ لأقارِبِه دخَلَ في الوَصيةِ كلُّ مَنْ يُنسَبُ إلى العَباسِ، وكذلك العَلويُّ إذا أَوصَى لأَقاربِه دخَلَ في الوَصيةِ كلُّ مَنْ يُنسَبُ إلى علِيٍّ كرَّمَ اللهُ وَجهَه، القَريبُ والبَعيدُ في ذلك سَواءٌ.
ثم على أَصلِهما إذا أَوصَى لأَقاربِه وله عَمَّانِ وخالانِ اشتَرَك فيه العَمانِ والخالانِ، فتَكونُ بينَهم أَرباعًا؛ لأنَّهما لا يُعتبَرانِ الأقرَبَ.
стр. 14832
وإنْ ترَكَ عَمًّا وخالَينِ فللعَمِّ نِصفُ الوَصيةِ وللخالَينِ نِصفُ الوَصيةِ عندَ أَبي حَنيفةَ، وعندَهما هي بينَهم أَثلاثًا.
ولو كانَ له عَمٌّ واحِدٌ لا يَستحِقُّ إلا النِّصفَ عندَ أَبي حَنيفةَ، وعندَهما يَستحِقُّ جَميعَ الوَصيةِ على أَصلِهما؛ لأنَّ الواحِدَ يَستحِقُّ الجَميعَ.
ولو أَوصَى لأهلِ فُلانٍ فهو على زَوجتِه عندَ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّ اسمَ «الأَهل» حَقيقةٌ في الزَّوجةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾، ومنه قَولُهم: «تأهَّلَ فُلانٌ ببَلدِ كذا» أي: تزوَّجَ.
وقالَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ: اسمُ «الأَهل» يَتناوَلُ كلَّ مَنْ يَعولُه وتَضمُّهم نَفقتُه اعتِبارًا للعُرفِ، وهو مُؤيَّدٌ بقَولِه تَعالى: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾ [يوسف: ٩٣]، قالَ مُحمدٌ في «الزِّيادات»: القِياسُ في هذا أنَّ الوَصيةَ للزَّوجةِ خاصَّةً، لكنَّا استَحسَنَّا أنْ يَكونَ لجَميعِ مَنْ يَعولُه ممَّن يَجمعُهم مَنزِلُه من الأَحرارِ والزَّوجةِ واليَتيمِ في حِجرِه والوَلدِ إذا كانَ يَعولُه، فأمَّا إذا كانَ كَبيرًا قد اعتَزلَ أو كانَت بِنتًا قد تزَوَّجت فليسا مِنْ أهلِه، ولا يَدخلُ في ذلك مَماليكُ ولا وُرَّاثٌ للمُوصي، ولا يَدخلُ المُوصَى لأهلِه في شَيءٍ من الوَصيةِ؛ لأنَّه أَوصَى لمَن أُضيفَ إليه، والمُضافُ غيرُ المُضافِ إليه، فلا يَدخلُ في الوَصيةِ كمَن أَوصَى لوَلدِ فُلانٍ لا يَدخلُ فُلانٌ في الوَصيةِ (١).
стр. 14833
د- الوَصيةُ للجِيرانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَوصَى لجِيرانِه، هل هُمْ الجِيرانُ المُلاصِقونَ لبَيتِه أو هُمْ أهلُ المَحلةِ أو هُمْ الأربَعونَ جارًا الأَقرَبونَ منه من كلِّ ناحِيةٍ أو ليسَ له حَدٌّ مُحدَّدٌ؟ على أَقوالٍ.
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ عندَهما إلى أنَّ الرَّجلَ إذا أَوصَى مَثلًا بثُلثِ مالِه لجِيرانِه فلأربَعينَ دارًا من كلِّ جانِبٍ من جَوانبِ دارِه الأربَعةِ، وقد نَصَّ عليه الشافِعيُّ ﵁ في «الأُم» وهو إِمامٌ عارِفٌ باللُّغةِ، وكَلامُه فيها حُجةٌ، ويَدلُّ له خَبَرُ: «حَقُّ الجِوارِ أربَعونَ دارًا، هكذا وهكذا وهكذا وهكذا، وأَشارَ قُدَّامًا وخَلفًا ويَمينًا وشِمالًا» (١).
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وقيلَ: الجارُ مَنْ لاصَقَ دارَه، وقيلَ: أهلُ المَحلةِ التي هو فيها، وقيلَ: المُلاصِقُ والمُقابِلُ، وقيلَ: أهلُ الزُّقاقِ غيرِ النافِذِ، وقيلَ: مَنْ ليسَ بينَه وبينَه دَربٌ يُغلقُ، وقيلَ: مَنْ يُصلِّي معه في المَسجدِ، وقيلَ: قَبيلتُه، وقيلَ: جَميعُ أهلِ البَلدِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾ [الأحزاب: ٦٠].
وعلى الأولِ -أي: الأربَعينَ- يُصرفُ ذلك الشَيءُ للمُسلمِ والغَنيِّ وضِدِّهما على عَددِ الدُّورِ لا على عَددِ السُّكانِ، والعِبرةُ بالساكِنِ لا بالمالكِ.
стр. 14834
وتُقسَّمُ حِصةُ كلِّ دارٍ على عَددِ سُكانِها كما بحَثَه السُّبكيُّ، ولو رَدَّ بعضُ الجِيرانِ فالظاهِرُ كما قالَ الدَّميريُّ أنَّه يُردُّ على الباقينَ.
تَنبيهٌ: قَضيةُ كَلامِ الأَصحابِ وُجوبُ استِيعابِ الدُّورِ من الجَوانبِ الأربَعةِ وهو كذلك، وإنْ قالَ الأذرَعيُّ: المُتَّجهُ حَملُ كَلامِهم على أنَّ غايةَ الجِوارِ ذلك، لا أنَّه يَجبُ، فجُملةُ الدُّورِ حينَئذٍ مِئةٌ وسِتُّونَ كما صرَّحَ به القاضي أَبو الطَّيبِ وغيرُه، ولم يُصرِّحْ أحدٌ بأنَّ المَجموعَ أربَعونَ، فيَكونُ مَعنى قَولِه في الحَديثِ: «هكذا وهكذا» أنَّ الأربَعينَ تُعدُّ هكذا وهكذا حتى تَتمَّ، واعتُرِضَ هذا العَددُ بأنَّ دارَ المُوصي قد تَكونُ كَبيرةً في التَّربيعِ فيُسامِتُها من كلِّ جِهةٍ أكثَرُ من أربَعينَ دارًا فيَزيدُ العَددُ وهذا مِثالُه، وقد تَسامَت دارُ المُوصي دارانِ يَخرجُ من كلٍّ منهما شَيءٌ عنها، فيَزيدُ العَددُ أيضًا، وهذا مِثالُه، وربَّما يُقالُ: التَّعبيرُ بذلك جَرى على الغالِبِ من أنَّ كلَّ جانِبٍ لا يَزيدُ على ذلك، فإنْ وُجدَت زيادةٌ على ذلك اختارَ الوارِثُ من كلِّ جانِبٍ القَدرَ المُعتبَرَ.
فإنْ وُجدَ في أحدِ الجانبَينِ زِيادةٌ وفي آخَرَ نَقصٌ يَنبَغي أنْ يُكمَلَ الناقِصُ من الزائِدِ ويُقسَّمَ عليهما، ويَنبَغي أنْ يَكونَ الرُّبعُ كالدارِ المُشتمِلةِ على بُيوتٍ.
ولو كانَ للمُوصي دارانِ صُرفَ إلى جِيرانِ أكثَرِهما سُكنى؛ فإنِ استَوَيا فإلى جِيرانِهما، نقَلَه الأذرَعيُّ عن القاضي أَبي الطَّيبِ، ونقَلَه الزَّركَشيُّ عن بعضِهم.
стр. 14835
ثم قالَ الأولُ: ويَنبَغي أنْ يُصرفَ إلى جِيرانِ من كانَ فيها حالَتَي المَوتِ والوَصيةِ، واقتصَرَ الثاني على حالةِ المَوتِ، ويَظهرُ قَولُ الأولِ إنْ كانَ في واحِدةٍ في حالَتَي المَوتِ والوَصيةِ، وإنْ كانَ في واحِدةٍ في حالةِ الوَصيةِ، وفي أُخرى في حالةِ المَوتِ، فالعِبرةُ بحالةِ المَوتِ، وإنْ لم يَكنْ في واحِدةٍ منهما فإلى جِيرانِهما، والوَجهُ كما قالَ شَيخُنا أنَّ جِيرانَ المَسجدِ كجِيرانِ الدارِ فيما أَوصَى لجِيرانِه، وقيلَ: جارُه مَنْ يَسمعُ النِّداءَ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: وإنْ وَصَّى لجِيرانِه فهُم أهلُ أربَعينَ دارًا من كلِّ جانِبٍ، نَصَّ عليه أَحمدُ، وبه قالَ الأَوزاعيُّ والشافِعيُّ، ثم ذكَرَ حَديثَ أَبي هُريرةَ: «الجارُ أربَعونَ دارًا، هكذا وهكذا وهكذا وهكذا» (٢)، وهذا نَصٌّ لا يَجوزُ العُدولُ عنه إنْ صَحَّ، وإنْ لم يَثبُتِ الخَبَرُ فالجارُ هو المُقارِبُ ويَرجعُ في ذلك إلى العُرفِ (٣).
وقالَ المِرداويُّ: وعنه ثَلاثينَ، ذكَرَها أَبو الحُسَينِ، فظاهِرُ هذه الرِّوايةِ مُخالِفٌ للتي قبلَها، لكنْ فسَّرَها الحارِثيُّ بالأولِ.
ونقَلَ ابنُ مَنصورٍ: لا يَنبَغي أنْ يُعطَى هنا إلا الجارُ المُلاصِقُ.
стр. 14836
وقيلَ: يُرجعُ فيه إلى العُرفِ.
قُلتُ: وهو الصَّوابُ إنْ لم يَصحَّ الحَديثُ (١).
وقالَ الرُّحَيبانيُّ: وتُقسَّمُ الوَصيةُ على عَددِ الدُّورِ، ثم تُقسَّمُ حِصةُ كلِّ دارٍ على سُكانِها؛ لأنَّ مُطلَقَ الإِضافةِ يَقتَضي التَّسويةَ (٢).
وذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ إلى أنَّه لو أَوصَى لجِيرانِه فهُم المُلاصِقونَ له؛ لأنَّ الجِوارَ عِبارةٌ عن القُربِ وحَقيقةُ ذلك في المُلاصِقِ، وما بعدَه بَعيدٌ بالنِّسبةِ إليه، ولأنَّه يَستحِقُّ الشُّفعةَ بهذا الجِوارِ، ويَستَوي فيه الساكِنُ والمالِكُ، ومَن كانَ منهم له دارٌ في تلك الدُّورِ وليسَ بساكِنٍ فيها فليس من جِيرانِه، ويَستَوي أيضًا المُسلمُ والذِّميُّ والرَّجلُ والمَرأةُ والصَّغيرُ والبالِغُ.
وَجهُ قَولِ أَبي حَنيفةَ ﵀ أنَّ الجِوارَ المُطلَقَ يَنصرِفُ إلى الحَقيقةِ، وهي الاتِّصالُ بينَ المِلكَينِ بلا حائِلٍ بينَهما هو حَقيقةُ المُجاوَرةِ، فأمَّا مع الحائِلِ فلا يَكونُ مُجاوِرًا حَقيقةً، ولهذا وجَبَت الشُّفعةُ للمُلاصِقِ لا للمُقابلِ؛ لأنَّه ليسَ بجارٍ حَقيقةً، ومُطلقُ الاسمِ مَحمولٌ على الحَقيقةِ، ولأنَّ الجِيرانَ المُلاصِقينَ هُمْ الذين يَكونُ لبعضِهم على بعضٍ حُقوقٌ يَلزمُ الوَفاءُ بها حالَ حَياتِهم، فالظاهِرُ أنَّه أَرادَ بهذه الوَصيةِ قَضاءَ حَقٍّ كانَ عليه، وإذا كانَ كذلك تَنصرِفُ الوَصيةُ إلى الجِيرانِ المُلاصِقينَ، إلا أنَّه لا بُدَّ من
стр. 14837
السُّكنَى في المِلكِ المُلاصِقِ لمِلكِ المُوصي، فإذا وُجدَ ذلك صارَ كأنَّه جارٌ له فيَستحِقُّ الوَصيةَ (١).
وذهَبَ الصاحِبانِ من الحَنفيةِ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّه إذا أَوصَى لجِيرانِه فهُم المُلاصِقونَ ممَّن يَملِكُ الدُّورَ وغيرُهم ممَّن لا يَملِكُها، ولمَن يَجمعُه مَسجدُ تلك المَحلةِ التي فيها المُوصي من المُلاصِقينَ وغيرِهم من السُّكانِ ممَّن في تلك المَحلةِ وغيرِهم سَواءٌ في الوَصيةِ؛ لأنَّ هؤلاء يُسمَّونَ جِيرانًا، فالأَقرَبونَ والأبعَدونَ والكافِرُ والمُسلمُ والصَّبيُّ والمَرأةُ في ذلك سَواءٌ.
وَجهُ قَولِهما أنَّ اسمَ الجارِ كما يَقعُ على المُلاصقِ يَقعُ على المُقابلِ وغيرِه ممَّن يَجمعُهما مَسجدٌ واحِدٌ؛ فإنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُسمَّى جارًا.
ولأنَّ مَقصودَ المُوصي من الوَصيةِ للجارِ هو البِرُّ به والإِحسانُ إليه، وأنَّه لا يَختَصُّ بالمُلاصِقِ.
قالَ أَبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ: تَوقيتُ دُورٍ بعَينِها لا مَعنى له؛ لأنَّ التَّوقيتَ في مِثلِه لا يَثبُتُ إلا بالتَّوقيفِ.
وقَولُ مَنْ اعتبَرَ الجارَ هو المُلاصقَ فاسِدٌ أيضًا؛ لأنَّه رُويَ عن عائِشةَ أنَّها قالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لي جارَينِ، فإلى أيِّهما أُهدي؟ قالَ: «أقرَبِهما
стр. 14838
مِنك بابًا»، ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إذا اجتمَعَ الداعِيانِ فأجِبْ أقرَبَهما بابًا؛ فإنَّ أقرَبَهما بابًا أقرَبُهما جِوارًا»، فلم يَعتبِرِ المُلاصقةَ واعتبَرَ القُربَ بالبابِ مع كَونِهما جارَينِ، فالقَولُ ما قالَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ؛ لأنَّه في العادةِ كذلك (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا أَوصَى لجِيرانِه فهُم المُلاصِقونَ له من أيِّ جِهةٍ من الجِهاتِ، والمُقابِلونَ له وبينَهما زُقاقٌ أو شارِعٌ لَطيفٌ، فإنْ كانَ بينَهما نَهرٌ أو سُوقٌ مُتَّسعٌ لم يَكنْ جارًا، والمُعتبَرُ في الجارِ يَومُ القَسْمِ، فلو انتقَلَ بعضُهم أو كلُّهم وحدَثَ غيرُهم، أو بلَغَ صَغيرٌ فذلك لمَن حضَرَ، ولو كانوا يَومَ الوَصيةِ قَليلًا ثم كثُروا أُعطوا جَميعُهم.
ويُعطَى الجارُ وزَوجتُه الساكِنةُ معه بجِوارِ المُوصي لا الساكِنةُ بمَحلٍ غيرِ مُجاورٍ له عندَ سحنونٍ وابنِ الماجِشونِ، وهو المَذهبُ، وقالَ ابنُ شَعبانَ: لا تُعطَى شَيئًا.
وأمَّا زَوجةُ المُوصي إذا كانَ بها مانِعٌ من الإِرثِ كالكُفرِ مَثلًا فلا تَدخلُ ولو كانَت وارِثةً؛ لأنَّها غيرُ جارةٍ في العُرفِ.
ويَدخلُ الوَلدُ الكَبيرُ والثَّيبُ قَطعًا؛ لأنَّ نَفقتَهما لا تَجبُ على أَبيهما.
وفي دُخولِ الوَلدِ الصَّغيرِ مع أَبيه والبِكرِ مع أَبيها قَولانِ، قالَ سحنونٌ:
стр. 14839
يَدخُلانِ، وظاهِرُه: ولو كانَت نَفقةُ كلٍّ على نَفسِه، وقالَ ابنُ الماجِشونِ: لا يَدخُلانِ (١).
هـ - الوَصيةُ للعُلماءِ:
إذا أَوصَى المُوصي للعُلماءِ أو لأهلِ العِلمِ صُرفَ إلى أَصحابِ عُلومِ الشَّرعِ من الفِقهِ وأهلِ الحَديثِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ.
وزادَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ أهلَ التَّفسيرِ.
قالَ الشافِعيةُ: لو أَوصَى للعُلماءِ وهُم المَوصوفونَ بأنَّهم أَصحابُ عُلومِ الشَّرعِ يَومَ المَوتِ لا وَقتَ الوَصيةِ، وهي ثَلاثةٌ: الحَديثُ والتَّفسيرُ والفِقهُ، وما سِوى الحَديثِ والتَّفسيرِ والفِقهِ في الدِّينِ حُطامٌ فانٍ.
كلُّ العُلومِ سِوى القُرآنِ مَشغلةٌ إلا الحَديثَ وإلا الفِقهَ في الدِّينِ
ولا يَدخلُ فيهم المُقرئُ والأَديبُ والمُعبِّرُ والطَّبيبُ والمُحاسِبُ والمُهندسُ؛ لأنَّ أهلَ العُرفِ لا يَعُدُّونَهم عُلماءَ، وكذا العالِمُ باللُّغةِ والصَّرفِ والمَعاني والبَيانِ والبَديعِ والعَروضِ والقَوافي، والأُصوليُّ والمَنطقيُّ ونَحوُهم، وكذا المُتكلِّمُ عندَ الأكثَرِ؛ لأنَّه بِدعةٌ وخَطرٌ.
стр. 14840
والمُرادُ بالمُقرئِ التالي، أمَّا العالِمُ بالرِّواياتِ ورِجالِها فكالعالِمِ بطُرقِ الحَديثِ.
ويَكفي ثَلاثةٌ من أَصحابِ العُلومِ الثَّلاثةِ أو بعضِها، ولا يُجزئُ واحِدٌ أو اثنانِ من كلِّ صِنفٍ، فلو دفَعَ لاثنَينِ من العُلماءِ غَرِمَ للثالِثِ أقَلَّ مُتموَّلٍ، وقيلَ: الثُّلثَ.
فلو عيَّنَ عُلماءَ بَلدةٍ مَثلًا ولا عالِمَ فيهم يَومَ المَوتِ بطَلَت الوَصيةُ، لكنْ مَحلُّه ما لم يوَجْد بتلك البَلدِ عُلماءُ بغيرِ العُلومِ الثَّلاثةِ وإلا حُملَ عليهم، كما لو أَوصَى بشاةٍ ولا شاةَ له وعندَه ظِباءٌ تُحملُ الوَصيةُ عليها.
ولو اجتمَعَت هذه العُلومُ الثَّلاثةُ في واحِدٍ أخَذَ بأحدِها فقط (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ: وإنْ أَوصَى للعُلماءِ فهو للعُلماءِ بالشَّرعِ دونَ غيرِهم؛ لأنَّه لا يُطلقُ هذا الاسمُ على غيرِهم، ولا يَستحِقُّ من يَسمعُ الحَديثَ ولا مَعرفةَ له به؛ لأنَّ مُجردَ سَماعِه ليسَ بعِلمٍ (٢).
وقالَ الرُّحَيبانِيُّ: ولو وَصَّى لأهلِ العِلمِ فلمَن اتَّصفَ به، أو لأهلِ القُرآنِ فللحَفَظةِ (٣).
стр. 14841
وقالَ الحَنفيةُ: الوَصيةُ للفُقهاءِ لا تَجوزُ، ولو أَوصَى لفُقرائِهم تَجوزُ، وكذا لو أَوصَى لطَلبةِ العِلمِ لا تَجوزُ، ولو أَوصَى لفُقرائِهم تَجوزُ.
ولو أعطى الوَصيُّ واحِدًا من فُقراءِ طَلبةِ العِلمِ جازَ عندَ أَبي يُوسفَ وعندَ مُحمدٍ لا يَجوزُ، إلا إذا صرَفَ إلى اثنَينِ منهم فصاعِدًا.
وإذا أَوصَى لفُقراءِ الفُقهاءِ حُكيَ عن الفَقيهِ أَبي جَعفرٍ أنَّه قالَ: الفَقيهُ عندَنا مَنْ بلَغَ في الفِقهِ الغايةَ القُصوَى وليسَ المُتفقِّهُ بفَقيهٍ، وليسَ له من الوَصيةِ نَصيبٌ.
وإذا أَوصَى لأهلِ العِلمِ ببَلدةِ كذا فإنَّه يَدخلُ فيهم أهلُ الفِقهِ وأهلُ الحَديثِ، ولا يَدخلُ مَنْ يَتكلَّمُ بالحِكمةِ، وهل يَدخلُ فيهم المُتكلِّمونَ؟ لا ذِكرَ لهذه المَسألةِ نَصًّا في الكُتبِ، وعن أَبي القاسِمِ أنَّ كُتبَ الكَلامِ ليسَت كُتبَ العِلمِ، يَعني في العُرفِ، ولا يَسبقُ إلى الفَهمِ فلا يَدخلُ تحتَ مُطلَقِ الكُتبِ، وعلى قياسِ هذه المَسألةِ لا يَدخلُ في هذه الوَصيةِ المُتكلِّمونَ.
وإذا أَوصَى بثُلثِ مالِه لفُقراءِ طَلبةِ العِلمِ من أَصحابِ الحَديثِ الذين يَختلِفونَ إلى مَدرسةٍ مَنسوبةٍ إليهم في كَورةِ كذا لتَعلُّمِ الفِقهِ فهذه الوَصيةُ لا تُفيدُ شَيئًا لأَصحابِ الشافِعيِّ ﵀ تَعالى الذين يَختلِفونَ إلى مَدرسةٍ مَنسوبةٍ إليهم لتَعلُّمِ الفِقهِ إذا لم يَكونوا من جُملةِ أَصحابِ الحَديثِ، واسمُ أَصحابِ الحَديثِ لا يَتناولُ شَفعَويَّ المَذهبِ لا مَحالةَ، وإنَّما يَتناولُ مَنْ يَقرأُ الأَحاديثَ ويَسمعُها ويَكونُ في طَلبِ ذلك، سَواءٌ كانَ شَفعَويَّ المَذهبِ أو حَنفيَّ المَذهبِ أو غيرَ ذلك، ومَن كانَ شَفعَويَّ المَذهبِ إلا أنَّه
стр. 14842
لا يَقرأُ الأَحاديثَ ولا يَسمعُ ولا يَكونُ في طَلبِ ذلك لا يَتناولُه اسمُ أَصحابِ الحَديثِ، كذا في «المُحيط» عن مُحمدٍ (١).
الشَّرطُ السابِعُ من شُروطِ المُوصَى له: ألاَّ يَكونَ المُوصَى له قاتِلاً للمُوصي:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوصَى له هل يُشتَرطُ ألَّا يَكونَ قاتِلًا للمُوصي فتَبطلَ الوَصيةُ أو لا يُشتَرطُ وتَصحُّ الوَصيةُ له ولو كانَ قاتِلًا للمُوصي؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُشتَرطُ لصِحةِ الوَصيةِ ألَّا يَكونَ المُوصَى له قاتِلًا للمُوصي، سَواءٌ كانَ عَمدًا أو خَطأً؛ لعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] ولم يُفرِّقْ، ولقَولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]، وإِبطالُ الوَصيةِ تَبديلٌ.
ولأنَّه تَمليكٌ يَفتقِرُ إلى القَبولِ فلم يَمنَعِ القَتلُ منه كالبَيعِ، ولأنَّها هِبةٌ فالقَتلُ لا يَمنعُها اعتِبارًا بحالِ الحَياةِ، ولأنَّه تَملُّكٌ فصَحَّ في القاتِلِ كإِسقاطِ الحُقوقِ، وأمَّا حَديثُ: «ليس لقاتِلٍ وَصيةٌ» فباطِلٌ مُنكَرٌ، والقياسُ على الإِرثِ مُنتقَضٌ بأُمِّ الوَلدِ إذا قتَلَت سيِّدَها؛ فإنَّها تُعتَقُ.
قالَ ابنُ المُنذرِ: لا نَعلمُ حُجةً تَمنعُ منه (٢).
стр. 14843
قالَ المالِكيةُ: يَصحُّ الإِيصاءُ من المَقتولِ إلى قاتِلِه بشَرطِ أنْ يَعلمَ أنَّه هو الذي قتَلَه، سَواءٌ كانَ القَتلُ عَمدًا أو خَطأً، والوَصيةُ تَكونُ في الخَطأِ في مالِ المُوصي، وفي الدِّيةِ -أي: المَأخوذةُ من عاقِلةِ القاتِلِ-، فتَكونُ الوَصيةُ في ثُلثِهما، وفي العَمدِ في المالِ فقط، أي: في ثُلثِه إلا أنْ يُنفَّذَ مَقتلُه ويَقبلَ وارِثُه الدِّيةَ ويَعلمَ بها.
فإنْ لم يَعلمِ المُوصي بأنَّ المُوصَى له هو الذي قتَلَه، فهل تَنفُذُ الوَصيةُ له أو تَبطلُ؟ فيه تَأويلانِ:
أَصحُّهما: لا شَيءَ له، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ؛ لأنَّ المُوصي لو علِمَ أنَّ هذا القاتِلَ له لم يُوصِ له؛ لأنَّ الشَّأنَ أنَّ الإِنسانَ لا يُحسِنُ لمَن أَساءَ إليه.
والثاني: الوَصيةُ نافِذةٌ له علِمَ أو لم يَعلَمْ؛ لأنَّ الوَصيةَ بعدَ الضَّربِ فلا يُتَّهمُ على الاستِعجالِ، وتَكونُ في المالِ وفي دِيةِ الخَطأِ فقط.
وأمَّا لو قالَ: «أَعطُوا مَنْ قتَلَني» فتَصحُّ اتِّفاقًا (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشتَرطُ في المُوصَى له ألَّا يَكونَ قاتِلًا للمُوصي، فإذا قتَلَ المُوصيَ
стр. 14844
بطَلَت الوَصيةُ؛ لمَا رَواه الدارَقُطنيُّ مَرفوعًا: «ليس لقاتِلٍ وَصيةٌ» (١)، ولأنَّه استَعجَل ما أخَّرَه اللهُ ، فيُحرَمُ الوَصيةَ كما يُحرَمُ المِيراثَ؛ لأنَّ حِرمانَ القاتِلِ عن المِيراثِ بسَببِ مُغايَظةِ الوَرثةِ بمُقاسَمةِ قاتِلِ أَبيهم في تَركتِه، والمُوصَى له يُشارِكُه في هذا المَعنى، فجازَ القياسُ عليه، والمُشابَهةُ بينَ المَقيسِ والمَقيسِ عليه من كلِّ وَجهٍ غيرِ مُلتزَمٍ.
وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «ليس لقاتِلٍ شَيءٌ» (٢)، ذكَرَ الشَيءَ نَكرةً في مَحلِّ النَّفيِ، فتَعمُّ المِيراثَ والوَصيةَ جَميعًا، وبه تبيَّنَ أنَّ القاتِلَ مَخصوصٌ عن عُموماتِ الوَصيةِ؛ ولأنَّ الوَصيةَ أُختُ المِيراثِ ولا مِيراثَ للقاتِلِ والوَصيةُ بمَنزلةِ المِيراثِ، ولأنَّ الوَرثةَ تَتأذَّى بوَضعِ الوَصيةِ في القاتِلِ كما يَتأذَّى بعضُهم بوَضعِها في بعضٍ، فيُؤدِّي إلى قَطعِ الرَّحمِ وأنَّه حَرامٌ، ولأنَّ المَجروحَ إذا صارَ صاحِبَ فِراشٍ فقد تعلَّقَ حَقُّ الوَرثةِ بمالِه نَظرًا لهم؛ لئلَّا يُزيلَ المُورِّثُ مِلكَه إلى غيرِهم لعَداوةٍ أو أذًى لحِقَه من جِهتِهم فيَتضرَّرونَ بذلك، لكنْ مع بَقاءِ مِلكِ المُورثِ نَظرًا له لحاجَتِه إلى دَفعِ حَوائجِه الأَصليةِ، وسَببُ ثُبوتِ حَقِّهم في مَرضِ المَوتِ هو سَببُ ثُبوتِ مِلكِهم بعدَ المَوتِ وهو القَرابةُ، فكانَ يَنبَغي ألَّا يَملكَ التَّبرعَ بشَيءٍ
стр. 14845
من مالِه إلا أنَّه ملَّكَ ذلك على غيرِ القاتِلِ، والوارِثُ بخِلافِ القياسِ، فيَبقَى الأمرُ فيهما على أَصلِ القياسِ، ولأنَّ القَتلَ بغيرِ حَقٍّ جِنايةٌ عَظيمةٌ فتَستَدعي الزَّجرَ بأبلَغِ الوُجوهِ، وحِرمانُ الوَصيةِ يَصلحُ زاجِرًا لحِرمانِ المِيراثِ فيَثبُتُ (١).
ويَتفرَّعُ على هذا ما يَلي:
أ- أنْ يُوصيَ له بعدَما ضرَبَه وعلِمَ به:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو جرَحَ المُوصَى له المُوصي ثم أَوصَى له بعدَ عِلمِه بأنَّه الجارِحُ، ثم ماتَ من هذا الجُرحِ، هل تَصحُّ الوَصيةُ أو لا؟
فقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إذا جرَحَه ثم أَوصَى المَجروحُ لجارِحِه فماتَ المَجروحُ من الجُرحِ لم تَبطُلْ وَصيتُه؛ لأنَّ الوَصيةَ بعدَ الجُرحِ صدَرَت من أَهلِها في مَحلِّها، لم يَطرَأْ عليها ما يُبطلُها، بخِلافِ ما إذا تقَدَّمت؛ فإنَّ القَتلَ طرَأَ عليها فأبطَلَها؛ لأنَّه يُبطلُ ما هو آكَدُ منها، ويُحقِّقُه أنَّ القَتلَ إنَّما منَعَ المِيراثَ لكَونِه بالقَتلِ استَعجَل المِيراثَ الذي انعقَدَ سَببُه فعُورضَ بنَقيضِ قَصدِه وهو مَنعُ المِيراثِ دَفعًا لمَفسدةِ قَتلِ المَوروثينَ،