← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14841–14880 · переход к 14846.

стр. 14841

وقالَ الحَنفيةُ: الوَصيةُ للفُقهاءِ لا تَجوزُ، ولو أَوصَى لفُقرائِهم تَجوزُ، وكذا لو أَوصَى لطَلبةِ العِلمِ لا تَجوزُ، ولو أَوصَى لفُقرائِهم تَجوزُ. ولو أعطى الوَصيُّ واحِدًا من فُقراءِ طَلبةِ العِلمِ جازَ عندَ أَبي يُوسفَ وعندَ مُحمدٍ لا يَجوزُ، إلا إذا صرَفَ إلى اثنَينِ منهم فصاعِدًا. وإذا أَوصَى لفُقراءِ الفُقهاءِ حُكيَ عن الفَقيهِ أَبي جَعفرٍ أنَّه قالَ: الفَقيهُ عندَنا مَنْ بلَغَ في الفِقهِ الغايةَ القُصوَى وليسَ المُتفقِّهُ بفَقيهٍ، وليسَ له من الوَصيةِ نَصيبٌ. وإذا أَوصَى لأهلِ العِلمِ ببَلدةِ كذا فإنَّه يَدخلُ فيهم أهلُ الفِقهِ وأهلُ الحَديثِ، ولا يَدخلُ مَنْ يَتكلَّمُ بالحِكمةِ، وهل يَدخلُ فيهم المُتكلِّمونَ؟ لا ذِكرَ لهذه المَسألةِ نَصًّا في الكُتبِ، وعن أَبي القاسِمِ أنَّ كُتبَ الكَلامِ ليسَت كُتبَ العِلمِ، يَعني في العُرفِ، ولا يَسبقُ إلى الفَهمِ فلا يَدخلُ تحتَ مُطلَقِ الكُتبِ، وعلى قياسِ هذه المَسألةِ لا يَدخلُ في هذه الوَصيةِ المُتكلِّمونَ. وإذا أَوصَى بثُلثِ مالِه لفُقراءِ طَلبةِ العِلمِ من أَصحابِ الحَديثِ الذين يَختلِفونَ إلى مَدرسةٍ مَنسوبةٍ إليهم في كَورةِ كذا لتَعلُّمِ الفِقهِ فهذه الوَصيةُ لا تُفيدُ شَيئًا لأَصحابِ الشافِعيِّ ﵀ تَعالى الذين يَختلِفونَ إلى مَدرسةٍ مَنسوبةٍ إليهم لتَعلُّمِ الفِقهِ إذا لم يَكونوا من جُملةِ أَصحابِ الحَديثِ، واسمُ أَصحابِ الحَديثِ لا يَتناولُ شَفعَويَّ المَذهبِ لا مَحالةَ، وإنَّما يَتناولُ مَنْ يَقرأُ الأَحاديثَ ويَسمعُها ويَكونُ في طَلبِ ذلك، سَواءٌ كانَ شَفعَويَّ المَذهبِ أو حَنفيَّ المَذهبِ أو غيرَ ذلك، ومَن كانَ شَفعَويَّ المَذهبِ إلا أنَّه

стр. 14842

لا يَقرأُ الأَحاديثَ ولا يَسمعُ ولا يَكونُ في طَلبِ ذلك لا يَتناولُه اسمُ أَصحابِ الحَديثِ، كذا في «المُحيط» عن مُحمدٍ (١). الشَّرطُ السابِعُ من شُروطِ المُوصَى له: ألاَّ يَكونَ المُوصَى له قاتِلاً للمُوصي: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوصَى له هل يُشتَرطُ ألَّا يَكونَ قاتِلًا للمُوصي فتَبطلَ الوَصيةُ أو لا يُشتَرطُ وتَصحُّ الوَصيةُ له ولو كانَ قاتِلًا للمُوصي؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُشتَرطُ لصِحةِ الوَصيةِ ألَّا يَكونَ المُوصَى له قاتِلًا للمُوصي، سَواءٌ كانَ عَمدًا أو خَطأً؛ لعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] ولم يُفرِّقْ، ولقَولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]، وإِبطالُ الوَصيةِ تَبديلٌ. ولأنَّه تَمليكٌ يَفتقِرُ إلى القَبولِ فلم يَمنَعِ القَتلُ منه كالبَيعِ، ولأنَّها هِبةٌ فالقَتلُ لا يَمنعُها اعتِبارًا بحالِ الحَياةِ، ولأنَّه تَملُّكٌ فصَحَّ في القاتِلِ كإِسقاطِ الحُقوقِ، وأمَّا حَديثُ: «ليس لقاتِلٍ وَصيةٌ» فباطِلٌ مُنكَرٌ، والقياسُ على الإِرثِ مُنتقَضٌ بأُمِّ الوَلدِ إذا قتَلَت سيِّدَها؛ فإنَّها تُعتَقُ. قالَ ابنُ المُنذرِ: لا نَعلمُ حُجةً تَمنعُ منه (٢).

стр. 14843

قالَ المالِكيةُ: يَصحُّ الإِيصاءُ من المَقتولِ إلى قاتِلِه بشَرطِ أنْ يَعلمَ أنَّه هو الذي قتَلَه، سَواءٌ كانَ القَتلُ عَمدًا أو خَطأً، والوَصيةُ تَكونُ في الخَطأِ في مالِ المُوصي، وفي الدِّيةِ -أي: المَأخوذةُ من عاقِلةِ القاتِلِ-، فتَكونُ الوَصيةُ في ثُلثِهما، وفي العَمدِ في المالِ فقط، أي: في ثُلثِه إلا أنْ يُنفَّذَ مَقتلُه ويَقبلَ وارِثُه الدِّيةَ ويَعلمَ بها. فإنْ لم يَعلمِ المُوصي بأنَّ المُوصَى له هو الذي قتَلَه، فهل تَنفُذُ الوَصيةُ له أو تَبطلُ؟ فيه تَأويلانِ: أَصحُّهما: لا شَيءَ له، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ؛ لأنَّ المُوصي لو علِمَ أنَّ هذا القاتِلَ له لم يُوصِ له؛ لأنَّ الشَّأنَ أنَّ الإِنسانَ لا يُحسِنُ لمَن أَساءَ إليه. والثاني: الوَصيةُ نافِذةٌ له علِمَ أو لم يَعلَمْ؛ لأنَّ الوَصيةَ بعدَ الضَّربِ فلا يُتَّهمُ على الاستِعجالِ، وتَكونُ في المالِ وفي دِيةِ الخَطأِ فقط. وأمَّا لو قالَ: «أَعطُوا مَنْ قتَلَني» فتَصحُّ اتِّفاقًا (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشتَرطُ في المُوصَى له ألَّا يَكونَ قاتِلًا للمُوصي، فإذا قتَلَ المُوصيَ

стр. 14844

بطَلَت الوَصيةُ؛ لمَا رَواه الدارَقُطنيُّ مَرفوعًا: «ليس لقاتِلٍ وَصيةٌ» (١)، ولأنَّه استَعجَل ما أخَّرَه اللهُ ، فيُحرَمُ الوَصيةَ كما يُحرَمُ المِيراثَ؛ لأنَّ حِرمانَ القاتِلِ عن المِيراثِ بسَببِ مُغايَظةِ الوَرثةِ بمُقاسَمةِ قاتِلِ أَبيهم في تَركتِه، والمُوصَى له يُشارِكُه في هذا المَعنى، فجازَ القياسُ عليه، والمُشابَهةُ بينَ المَقيسِ والمَقيسِ عليه من كلِّ وَجهٍ غيرِ مُلتزَمٍ. وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «ليس لقاتِلٍ شَيءٌ» (٢)، ذكَرَ الشَيءَ نَكرةً في مَحلِّ النَّفيِ، فتَعمُّ المِيراثَ والوَصيةَ جَميعًا، وبه تبيَّنَ أنَّ القاتِلَ مَخصوصٌ عن عُموماتِ الوَصيةِ؛ ولأنَّ الوَصيةَ أُختُ المِيراثِ ولا مِيراثَ للقاتِلِ والوَصيةُ بمَنزلةِ المِيراثِ، ولأنَّ الوَرثةَ تَتأذَّى بوَضعِ الوَصيةِ في القاتِلِ كما يَتأذَّى بعضُهم بوَضعِها في بعضٍ، فيُؤدِّي إلى قَطعِ الرَّحمِ وأنَّه حَرامٌ، ولأنَّ المَجروحَ إذا صارَ صاحِبَ فِراشٍ فقد تعلَّقَ حَقُّ الوَرثةِ بمالِه نَظرًا لهم؛ لئلَّا يُزيلَ المُورِّثُ مِلكَه إلى غيرِهم لعَداوةٍ أو أذًى لحِقَه من جِهتِهم فيَتضرَّرونَ بذلك، لكنْ مع بَقاءِ مِلكِ المُورثِ نَظرًا له لحاجَتِه إلى دَفعِ حَوائجِه الأَصليةِ، وسَببُ ثُبوتِ حَقِّهم في مَرضِ المَوتِ هو سَببُ ثُبوتِ مِلكِهم بعدَ المَوتِ وهو القَرابةُ، فكانَ يَنبَغي ألَّا يَملكَ التَّبرعَ بشَيءٍ

стр. 14845

من مالِه إلا أنَّه ملَّكَ ذلك على غيرِ القاتِلِ، والوارِثُ بخِلافِ القياسِ، فيَبقَى الأمرُ فيهما على أَصلِ القياسِ، ولأنَّ القَتلَ بغيرِ حَقٍّ جِنايةٌ عَظيمةٌ فتَستَدعي الزَّجرَ بأبلَغِ الوُجوهِ، وحِرمانُ الوَصيةِ يَصلحُ زاجِرًا لحِرمانِ المِيراثِ فيَثبُتُ (١). ويَتفرَّعُ على هذا ما يَلي: أ- أنْ يُوصيَ له بعدَما ضرَبَه وعلِمَ به: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو جرَحَ المُوصَى له المُوصي ثم أَوصَى له بعدَ عِلمِه بأنَّه الجارِحُ، ثم ماتَ من هذا الجُرحِ، هل تَصحُّ الوَصيةُ أو لا؟ فقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إذا جرَحَه ثم أَوصَى المَجروحُ لجارِحِه فماتَ المَجروحُ من الجُرحِ لم تَبطُلْ وَصيتُه؛ لأنَّ الوَصيةَ بعدَ الجُرحِ صدَرَت من أَهلِها في مَحلِّها، لم يَطرَأْ عليها ما يُبطلُها، بخِلافِ ما إذا تقَدَّمت؛ فإنَّ القَتلَ طرَأَ عليها فأبطَلَها؛ لأنَّه يُبطلُ ما هو آكَدُ منها، ويُحقِّقُه أنَّ القَتلَ إنَّما منَعَ المِيراثَ لكَونِه بالقَتلِ استَعجَل المِيراثَ الذي انعقَدَ سَببُه فعُورضَ بنَقيضِ قَصدِه وهو مَنعُ المِيراثِ دَفعًا لمَفسدةِ قَتلِ المَوروثينَ،

стр. 14846

ولذلك بطَلَ التَّدبيرُ بالقَتلِ الطارِئِ عليه أيضًا، وهذا المَعنى مُتحقَّقٌ في القَتلِ الطارِئِ على الوَصيةِ؛ فإنَّه ربَّما استَعجَلها بقَتلِه. وفارَقَ القَتلَ قبلَ الوَصيةِ؛ فإنَّه لم يَقصِدْ به استِعجالَ مالٍ لعَدمِ انعِقادِ سَببِه، والمُوصي راضٍ بالوَصيةِ له بعدَ صُدورِ ما صدَرَ منه في حَقِّه ولا فَرقَ بينَ العَمدِ والخَطأِ في هذا كما لا يَفترِقُ الحالُ بذلك في المِيراثِ (١). وقالَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: لا فَرقَ بينَ أنْ يُوصيَ له قبلَ الجِنايةِ وبينَ أنْ يُوصيَ بعدَها؛ لأنَّ الوَصيةَ إنَّما تَقعُ تَمليكًا بعدَ المَوتِ فتَقعُ وَصيةً للقاتِلِ تقدَّمَت الجِنايةُ أو تأخَّرَت؛ لأنَّ الوَصيةَ لو جازَت لكانَت مُتعلِّقةً بالمَوتِ، وهو قاتِلٌ بعدَ المَوتِ فلا وَصيةَ له. ولإِطلاقِ الحَديثِ السابِقِ؛ فإنَّه بإِطلاقِه لا يُفصَلُ بينَ تَقدُّمِ الجَرحِ على الوَصيةِ وتأخُّرِه عنها، ولأنَّ المُعتبَرَ في كَونِ المُوصَى له قاتِلًا أو غيرَ قاتِلٍ لجَوازِ الوَصيةِ وفَسادِها يَومَ المَوتِ (٢). وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ منهم العِمرانِيُّ: قالَ المَسعوديُّ: واختَلفَ أَصحابُنا في مَوضعِ القَولَينِ: فمنهم مَنْ قالَ: القَولانِ إذا وَصَّى رَجلٌ لرَجلٍ، ثم قتَلَ المُوصَى له

стр. 14847

المُوصيَ، فأمَّا إذا جرَحَ رَجلٌ رَجلًا ثم أَوصَى المَجروحُ للجارِحِ ثم ماتَ المَجروحُ فيَصحُّ قَولًا واحِدًا. ومنهم مَنْ قالَ: القَولانِ في الحالَينِ، وهو قَولُ الشَّيخِ أَبي حامِدٍ، وهو المَشهورُ (١). ب- أنْ يَكونَ القَتلُ عَمدًا أو خَطأً: قالَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ: القَتلُ -سَواءٌ كانَ عَمدًا أو خَطأً- يُبطلُ الوَصيةَ؛ لأنَّ القَتلَ الخَطأَ قَتلٌ، وجازَت المُؤاخَذةُ عليه عَقلًا. قالَ الحَنفيةُ: القَتلُ الذي يَمنعُ الوَصيةَ هو القَتلُ مُباشَرةً، سَواءٌ كانَ عَمدًا أو خَطأً، أمَّا القَتلُ بالتَّسبُّبِ فلا يَمنعُ الإِرثَ ولا الوَصيةَ؛ لأنَّه ليسَ بقَتلٍ حَقيقةً (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: القَتلُ الذي يَمنعُ الوَصيةَ هو المَضمونُ بقِصاصٍ أو دِيةٍ أو كَفارةٍ ولو كانَ خَطأً، وسَواءٌ كانَ القَتلُ مُباشرةً أو تَسبُّبًا (٣). ج- إذا أجازَ وَرثةُ المُوصي -المَقتولِ- الوَصيةَ: اختَلفَ الحَنفيةُ فيما لو أَجازَ وَرثةُ المُوصي -المَقتولِ- الوَصيةَ للمُوصَى له -القاتِلِ- هل تَصحُّ أو لا؟

стр. 14848

فقالَ أَبو حَنيفةَ ومُحمدٌ: إذا أَجازوها جازَت؛ لأنَّ الامتِناعَ لحَقِّ الوَرثةِ؛ لأنَّ نَفعَ بُطلانِها يَعودُ إليهم كنَفعِ بُطلانِ المِيراثِ، فإذا أَجازوها جازَت. وقالَ أَبو يُوسفَ: لا تَجوزُ؛ لأنَّه مُنعَ من الوَصيةِ على طَريقِ العُقوبةِ، فهو كحِرمانِ المِيراثِ، وهو لا يَقفُ على إِجازتِهم، فكذا الوَصيةُ (١). د- إذا قالَ: أَوصَيت لمَن يَقتُلني: نَصَّ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه لا تَصحُّ الوَصيةُ لمَن يَقتلُه، فإذا قالَ: «أَوصَيتُ لمَن يَقتلُني» لم تَصحَّ، قالَ الماوَرديُّ: قَولًا واحِدًا؛ لأمرَينِ: أَحدُهما: لأنَّها وَصيةُ عَقدٍ على مَعصيةٍ. والثاني: أنَّ فيها إِغراءً بقَتلِه (٢).

стр. 14849

الرُّكنُ الرابِعُ: المُوصَى به: المُوصَى به: هو الشَيءُ الذي أَوصَى به المُوصي من مالٍ أو مَنفعةٍ أو غيرِهما كحَجٍّ وغيرِه. وقد اشترَطَ الفُقهاءُ في المُوصَى به عِدةَ شُروطٍ بَيانُها فيما يَلي: الشَّرطُ الأولُ: ألاَّ يَكونَ المُوصَى به مَعصيةً: صرَّحَ عامَّةُ الفُقهاءِ من المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرِهم بأنَّه يُشتَرطُ في المُوصَى به ألَّا يَكونَ مَعصيةً، فتَحرُمُ الوَصيةُ بمُحرمٍ كبِناءِ خَمارةٍ ونَحوِها أو فيما يُغضبُ اللهَ تَعالى، أو بِناءِ كَنيسةٍ أو كِتابةِ التَّوراةِ أو الإِنجيلِ ونَحوِها من الكُتبِ المُحرَّمةِ ككُتبِ السِّحرِ والشَّعوذةِ، وتَحرُمُ الوَصيةُ بآلاتِ لَهوٍ كطَبلٍ وطُنبورٍ ومِزمارٍ وعُودٍ، وسَواءٌ كانَ المُوصي مُسلمًا أو ذِميًّا. قالَ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقَوا على أنَّ الوَصيةَ بالمَعاصي لا تَجوزُ، وأنَّ الوَصيةَ بالبِرِّ وبما ليسَ ببِرٍّ ولا مَعصيةٍ ولا تَضييعٍ للمالِ جائِزةٌ (١).

стр. 14850

وقد تقدَّمَ في الرُّكنِ الثالِثِ «المُوصَى له» في الشَّرطِ الرابِعِ ألَّا تَكونَ الوَصيةُ في مَعصيةٍ: حُكمُ الوَصيةِ بالمُحرَّمِ كبِناءِ الكَنائسِ بالتَّفصيلِ فلا حاجةَ لتَكرارِه هنا. الشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ المُوصَى به قُربةً: الأَصلُ أنَّ الوَصيةَ إنَّما يُقصدُ بها التَّقربُ إلى اللهِ تَعالى، إلا أن الفُقهاءَ اختلَفوا فيما لو أَوصَى بشَيءٍ ليسَ بقُربةٍ بل هو مُباحٌ، هل تَصحُّ الوَصيةُ به أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المُعتمدِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ، بل حُكِيَ الاتِّفاقُ فيه إلى أنَّه لا يُشتَرطُ القُربةُ لصِحةِ الوَصيةِ، بل الشَّرطُ ألَّا تَكونَ في مَعصيةٍ. قالَ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقَوا على أنَّ الوَصيةَ بالمَعاصي لا تَجوزُ، وأنَّ الوَصيةَ بالبِرِّ وبما ليسَ ببِرٍّ ولا مَعصيةٍ ولا تَضييعٍ للمالِ جائِزةٌ (١). قالَ ابنُ عابدِين: يُشتَرطُ لصِحةِ الوَصيةِ عَدمُ الكَراهةِ وإنْ لم تَكُنْ قُربةً، كالوَصيةِ لغَنيٍّ؛ لأنَّها مُباحةٌ وليسَت قُربةً (٢).

стр. 14851

وقالَ ابنُ جُزيٍّ المالِكيُّ: اختُلفَ هل يَجبُ تَنفيذُه أو لا، وهو الوَصيةُ بما لا قُربةَ فيه كالوَصيةِ ببَيعِ شَيءٍ أو شِرائِه (١). وقالَ الدُّسوقيُّ: قَولُه: (إنْ أَوصَى بقُربةٍ) المُرادُ بها ما يَشملُ المُباحَ، بدَليلِ المُقابلةِ بالمُحرمِ كما أَفادَه بعضُهم (٢). وذهَبَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى أنَّه يُشتَرطُ القُربةُ لصِحةِ الوَصيةِ. قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: الوَصيةُ بما ليسَ ببِرٍّ ولا مَعصيةٍ والوَقفُ على ذلك فيه قَولانِ في مَذهبِ أَحمدَ وغيرِه، والصَّحيحُ أنَّ ذلك لا يَصحُّ؛ فإنَّ الإِنسانَ لا يَنتفِعُ ببَذلِ المالِ بعدَ المَوتِ إلا أنْ يَصرفَه إلى طاعةِ اللهِ، وإلا فبَذلُه بما ليسَ بطاعةٍ ولا مَعصيةٍ لا يَنفعُه بعدَ المَوتِ، بخِلافِ صَرفِه في الحَياةِ في المُباحاتِ كالأَكلِ والشُّربِ واللِّباسِ؛ فإنَّه يَنتفِعُ بذلك (٣). وقالَ أيضًا: وأمَّا بَذلُ المالِ في مُباحٍ فهذا إذا بذَلَه في حَياتِه مِثلَ الابتِياعِ والاستِئجارِ جازَ؛ لأنَّه يَنتفِعُ بتَناولِ المُباحاتِ في حَياتِه. وأمَّا الواقِفُ والمُوصي فإنَّهما لا يَنتفِعانِ بما يَفعلُ المُوصَى له والمَوقوفُ عليه من المُباحاتِ في الدُّنيا، ولا يُثابانِ على بَذلِ المالِ في ذلك في الآخِرةِ، فلو بُذلَ المالُ في ذلك

стр. 14852

عَبثًا وسَفهًا لم يَكنْ فيه حُجةٌ على تَناولِ المالِ، فكيف إذا ألزَمَ بمُباحٍ لا غَرضَ له فيه؟ فلا يَنتفِعُ به في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ، بل يَبقَى هذا مُنفِقًا للمالِ في الباطِلِ مُسخَّرًا مُعذَّبًا آكِلًا للمالِ بالباطِلِ. وإذا كانَ الشارِعُ ﷺ قد قالَ: «لا سَبقَ إلا في خُفٍّ أو حافِرٍ أو نَصلٍ» فلم يُجوِّزْ بَذلَ الجُعلِ في شَيءٍ لا يُستعانُ به على الجِهادِ وإنْ كانَ مُباحًا، وقد يَكونُ فيه مَنفعةٌ كما في المُصارعةِ والمُسابقةِ على الأَقدامِ، فكيف يُبذَلُ العِوضُ المُؤبَّدُ في عَملٍ لا مَنفعةَ فيه، لا سيَّما والوَقفُ مُحبَّسٌ مُؤبَّدٌ، فكيف يُحبسُ المالُ دائِمًا مُؤبَّدًا على عَملٍ لا يَنتفِعُ به هو ولا يَنتفِعُ به العامِلُ؟ فيَكونُ في ذلك ضَررٌ على حَبسِ الوَرثةِ وسائِرِ الآدَميِّينَ بحَبسِ المالِ عليهم بلا مَنفعةٍ حصَلَت لأحَدٍ، وفي ذلك ضَررٌ على المُتناوِلينَ باستِعمالِهم في عَملٍ هُمْ فيه مُسخَّرونَ يَعوقُهم عن مَصالِحهم الدِّينيةِ والدُّنيويةِ، فلا فائِدةَ تَحصُلُ له ولا لهم (١). وقالَ أيضًا: القِسمُ الثالِثُ: عَملٌ ليسَ بمَكروهٍ في الشَّرعِ وليسَ بمُستحبٍّ، بل هو مُباحٌ مُستَوِي الطَّرفَينِ، فهذا قالَ بعضُ العُلماءِ بوُجوبِ الوَفاءِ به، والجُمهورُ من العُلماءِ من أهلِ المَذاهبِ المَشهورةِ وغيرُهم على أنَّه شَرطٌ باطِلٌ ولا يَصحُّ عندَهم أنْ يُشتَرطَ إلا ما كانَ قُربةً إلى اللهِ تَعالى، وذلك أنَّ

стр. 14853

الإِنسانَ ليسَ له أنْ يَبذلَ مالَه إلا فيما فيه مَنفعةٌ في الدِّينِ أو الدُّنيا، فما دامَ الرَّجلُ حَيًّا فله أنْ يَبذُلَ مالَه في تَحصيلِ الأَعراضِ المُباحةِ؛ لأنَّه يَنتفعُ بذلك، فأمَّا المَيتُ فما بَقيَ له بعدَ المَوتِ ما يَنتفعُ به من أَعمالِ الأَحياءِ إلا عَملٌ صالِحٌ قد أمَرَ به أو أَعانَ عليه أو قد أَهدَى إليه، ونَحوِ ذلك، فأمَّا الأَعمالُ التي ليسَت طاعةً للهِ ورَسولِه ﷺ فلا يَنتفعُ بها المَيتُ بحالٍ. فإذا اشتَرطَ المُوصي أو الواقِفُ عَملًا أو صِفةً لا ثَوابَ فيها كانَ السَّعيُ فيها بتَحصيلِها سَعيًا فيما لا يَنتفعُ به في دُنياه وآخِرتِه، ومِثلُ هذا لا يَجوزُ، وهو إنَّما مَقصودُه بالوَقفِ التَّقربُ إلى اللهِ تَعالى، والشارِعُ أعلَمُ من الواقِفينَ بما يُتقرَّبُ به إلى اللهِ تَعالى، فالواجِبُ أنْ يُعملَ في شُروطِهم بما شرَطَه اللهُ ورضِيَه في شُروطِهم (١). الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ المُوصَى به مالاً مُتقوَّمًا في عُرفِ الشَّرعِ: اشتَرطَ الفُقهاءُ في المُوصَى به أنْ يَكونَ مالًا مُتقوَّمًا في عُرفِ الشَّرعِ، فلا تَصحُّ الوَصيةُ بدَمٍ ولا بخَمرٍ ولا خِنزيرٍ في حَقِّ المُسلمِ اتِّفاقًا. إلا أنَّ العُلماءَ لهم تَفصيلٌ في هذا الشَّرطِ وبَيانُه فيما يَلي: أ- الوَصيةُ بالدَّمِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا تَصحُّ الوَصيةُ بالدَّمِ من أحدٍ ولأحدٍ؛ لأنَّه ليسَ

стр. 14854

بمالٍ في حَقِّ أحدٍ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] (١). ب- الوَصية بالمَيتةِ وجِلدِها: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الوَصيةِ بالمَيتةِ هل تَصحُّ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا تَصحُّ الوَصيةُ بالمَيتةِ وإنْ كانَ يُمكنُ الانتِفاعُ بجِلدِها بعدَ الدِّباغِ. وقالَ الشافِعيةُ: الوَصيةُ بالمَيتةِ جائِزةٌ؛ لأنَّه قد يَدبُغُ جِلدَها ويُطعِمَ بازاتِه وجَوارحَه لَحمَها (٢). ج- الوَصيةُ بالخَمرِ والخِنزيرِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الوَصيةَ بالخَمرِ أو الخِنزيرِ لا تَصحُّ لمُسلمٍ سَواءٌ كانَ المُوصي مُسلمًا أو ذِميًّا؛ لأنَّ الخَمر حَرامٌ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وقَولِه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠] والمُحرَّماتُ لا تُملَّكُ للمُسلمِ، ولأنَّه لا يَحلُّ الانتِفاعُ بها؛ لأنَّ الوَصيةَ تَمليكٌ فلا تَصحُّ

стр. 14855

بذلك كالهِبةِ، وقد حَثَّ الشارِعُ على إِراقةِ الخَمرِ وإِعدامِها، فلم يُناسِبْ صِحةَ الوَصيةِ بها، ولأنَّهما غيرُ مُتقوَّمانِ في حَقِّ المُسلمِ حتى إنهما لا تُضمنانِ بالإِتلافِ، فلا تَجوزُ الوَصيةُ من المُسلمِ ولا له بالخَمرِ والخِنزيرِ. إلا أنَّهم اختلَفوا فيما لو أَوصَى ذِميٌّ لذِميٍّ بخَمرٍ هل يَصحُّ أو لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّها باطِلةٌ أيضًا ولا تَصحُّ، سَواءٌ أَوصَى بها مُسلمٌ أو ذِميٌّ لمُسلمٍ أو لذِميٍّ. وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ الذِّميَّ إذا أَوصَى بها لذِميٍّ فالوَصيةُ صَحيحةٌ في حَقِّ الذِّميِّ؛ لأنَّها مالٌ مُتقوَّمٌ عندَهم كالخَلِّ ويَصحُّ تَملُّكُهم لها (١). د- الوَصيةُ بالنَّجاساتِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَوصَى بما يُنتفَعُ به من النَّجاساتِ. نَصَّ الشافِعيةُ على أنَّ الوَصيةَ تَصحُّ بنَجاسةٍ يَحلُّ الانتِفاعُ بها كرَوثٍ وزِبلٍ يُنتفَعُ بهما كسِمادٍ؛ لثُبوتِ الاختِصاصِ فيها وانتِقالِها من يَدٍ إلى يَدٍ بالإِرثِ والهِبةِ، ولأنَّه قد يَنتفِعُ به في نَخلِه وزَرعِه، وكذلك الزَّيتُ النَّجسُ وجِلدُ المَيتةِ القابِلُ للدِّباغِ (٢).

стр. 14856

وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ الوَصيةُ بما فيه نَفعٌ مُباحٌ من غيرِ المالِ، كزَيتٍ مُتنجِّسٍ لغيرِ مَسجدٍ؛ لأنَّ فيه نَفعًا مُباحًا، وهو الاستِصباحُ به، ولا تَصحُّ الوَصيةُ به لمَسجدٍ؛ لأنَّه لا يَجوزُ الاستِصباحُ به فيه (١). هـ - الوَصيةُ بالكَلبِ (وسائِرِ السِّباعِ): اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَصيةَ بالكَلبِ المُنتفَعِ به الذي يَجوزُ اقتِناؤُه -ككِلابِ الصَّيدِ والماشيةِ والحَرثِ- جائِزةٌ؛ لأنَّ فيها نَفعًا مُباحًا وتُقَرُّ اليَدُ عليه، والوَصيةُ تَبرعٌ فصحَّت في المالِ وفي غيرِ المالِ كالهِبةِ الجائِزةِ، ولأنَّه لمَّا جازَ إحرازُه في يَدِ صاحِبِه وحرُمَ انتِزاعُه من يَدِ صاحِبِه جازَ أنْ يَكونَ وَصيةً ومِيراثًا. وكذا الجَروُ القابِلُ للتَّعليمِ لمَا يُباحُ اقتِناؤُه له ممَّا ذُكرَ؛ لأنَّ فيه نَفعًا مُباحًا وتُقَرُّ اليَدُ عليه كما نَصَّ عليه الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ. وكذا الكَلبُ المُتخَذُ لحِراسةِ الدُّورِ والفَهدُ ونَحوُهما، يَجوزُ اتِّخاذُهما والوَصيةُ بهما. وإنْ كانَ ممَّا لا يُباحُ اقتِناؤُه ككَلبٍ وجَروٍ أسوَدَ بَهيمٍ أو عَقورٍ لم تَصحَّ الوَصيةُ بهما، وكذا السَّبعُ وكذلك الذِّئبُ الذي لا يَصلحُ للصَّيدِ (٢).

стр. 14857

الشَّرطُ الرابِعُ: أنْ يَكونَ المُوصَى به مَوجودًا فلا تَصحُّ الوَصيةُ بالمَعدومِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوصَى به هل يُشتَرطُ أنْ يَكونَ مَوجودًا وَقتَ الوَصيةِ أو الوَصيةُ تَصحُّ بالمَعدومِ كالوَصيةِ بثَمرةٍ ستَحدثُ أو بما تَحمِلُه هذه الناقةُ أو بأيِّ شَيءٍ غيرِ مَوجودٍ وسيُوجدُ؟ ذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَصيةَ بالمَعدومِ باطِلةٌ؛ بِناءً على أنَّ الاعتِبارَ بحالِ الوَصيةِ، ولا مِلكَ يَومئِذٍ بل لا وُجودَ، والتَّصرفُ يَستَدعي تَصرفًا فيه ولم يُوجَدْ. وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يُشتَرطُ في المُوصَى به أنْ يَكونَ مَوجودًا، فتَصحُّ الوَصيةُ بالمَعدومِ بأنْ يُوصيَ بما يُثمرُ نَخلُه أو ما يُخرجُ من بُستانِه، أو يُوصيَ بثُلثِ مالِه ولا مالَ له؛ فإنَّ الوَصيةَ جائِزةٌ؛ لأنَّ الوَصيةَ إنَّما جُوِّزت رِفقًا بالناسِ وتَوسعةً، فاحتُملَ فيها وُجوهٌ من الغَررِ، وقياسًا على جَوازِ الوَصيةِ بالمَجهولِ، ولأنَّ المَعدومَ يَصحُّ تَملُّكُه بعَقدِ السَّلَمِ والمُساقاةِ والإِجارةِ، مع أنَّها عُقودُ مُعاوضةٍ فبالوَصيةِ أوْلى؛ لأنَّ بابَ الوَصيةِ أوسَعُ من غيرِه، فإنْ حصَلَ له شَيءٌ فله؛ لأنَّ الوَصيةَ أُجريَت مُجرى المِيراثِ، وهذا يُورثُ فصحَّت الوَصيةُ به، وإنْ لم يَحصُلْ شَيءٌ ممَّا وَصَّى به بطَلَت الوَصيةُ لفَواتِ مَحلِّها.

стр. 14858

وعلى هذا إذا أَوصَى بما سيَحدثُ هذا العامَ أو كلَّ عامٍ عُملَ به عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ، وإنْ أطلَقَ فقالَ: «أَوصَيت بما سيَحدثُ» فالظاهِرُ عندَ الشافِعيةِ أنَّه يَعمُّ كلَّ سَنةٍ، وقيلَ: تَختَصُّ بالسَّنةِ الأُولى (١). وفي قَولٍ ثالِثٍ للشافِعيةِ والحَنابِلةِ، وعندَ الحَنفيةِ في الاستِحسانِ: تَصحُّ بالثَّمرةِ دونَ الحَملِ؛ لأنَّها تَحدثُ من غيرِ إِحداثِ أمرٍ في أصلِها بخِلافِ الوَلدِ (٢). هل يُشتَرطُ أنْ يَكونَ المُوصَى به مَعلومًا؟ اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُوصَى به لا يُشتَرطُ فيه أنْ يَكونَ مَعلومًا، فتَصحُّ الوَصيةُ بالمَجهولِ وبالمُبهَمِ، كمَن أَوصَى بثَوبٍ من أَثوابِه أو بشاةٍ من غَنمِه أو ببَيتٍ من بُيوتِه أو بسَيارةٍ من سَياراتِه أو بغيرِ ذلك، وذلك لأنَّ اللهَ تَعالى أَعطى عَبدَه ثُلثَ مالِه في آخِرِ عُمرِه، وقد لا يُعرفُ حينَئذٍ ثُلثُ مالِه لكَثرتِه أو غَيبتِه أو غيرِهما، فدَعَت الحاجةُ إلى تَجويزِ الوَصيةِ بالمَجهولِ.

стр. 14859

ولأنَّ الوَصيةَ من الإِحسانِ الصِّرفِ فلا ضَررَ في الجَهالةِ فيها، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ وحَثُّه على الإِحسانِ التَّوسعةَ فيها بكلِّ طَريقٍ بالمَعلومِ والمَجهولِ؛ فإنَّ ذلك أيسَرُ لكَثرةِ وُقوعِه قَطعًا، وفي المَنعِ من ذلك وَسيلةٌ إلى تَقليلِه. وكذا تَصحُّ الوَصيةُ بأحدِ الثَّوبَينِ؛ لأنَّها تَحتمِلُ الجَهالةَ فاحتمَلَت الإِبهامَ، والتَّعيينُ للمُبهمِ منهما واجِبٌ على الوارِثِ، ولو قالَ: أَوصَيتُ بهذه الألفِ مَثلًا لأحدِ هذَينِ الرَّجلَينِ لم تَصحَّ كسائِرِ التَّمليكاتِ، وقد يُحتمَلُ في المُوصَى به ما لا يُحتمَلُ في المُوصَى له (١). قال السُّغديُّ: الوَصيةُ بالمَجهولِ: وأمَّا المَجهولُ فإنَّه على عَشرةِ أوجُهٍ: أحدُها: أنْ يَقولَ: «أَعطُوا فُلانًا شيئًا من مالي أو جُزءًا أو بعضًا أو طائِفةً أو حَظًّا أو ما شِئتُم أو ما أحبَبتُم أو ما شاءَ الوَصيُّ أو ما أحَبَّ الوَصيُّ أو مِقدارًا» فإنَّ حُكمَ هذا كلِّه واحِدٌ، ويُعطونَه ما شاءَ من قَليلٍ أو كَثيرٍ. ولو قالَ: «أَعطوه ثَوبًا من ثِيابي أو شاةً من شِياهي أو بَقرةً من بَقري أو

стр. 14860

شَجرةً من شَجري» يُعطونَه ما شاؤُوا من ذلك جَيدًا أو رَديئًا أو وَسطًا، وهذا أيضًا مَجهولٌ إلا أنَّه مَعلومُ الجِنسِ. أو قالَ: «أَعطوا هذه الألفَ أحدَهما» صَحَّ، كما لو قالَ لوَكيلِه: «بِعْه لأحدِ الرَّجلَينِ» (١). وقالَ في «الشَّرح الكَبير» لابنِ قُدامةَ: وتَصحُّ الوَصيةُ بالمَجهولِ كعَبدٍ وشاةٍ؛ لأنَّ الوَصية تَصحُّ بالمَعدومِ فالمَجهولُ بطَريقِ الأوْلى، ولأنَّ المَجهولَ يَنتقِلُ إلى الوُراثِ فصَحَّت الوَصيةُ به كالمَعلومِ، ويُعطيه الوَرثةُ ما شاؤُوا ممَّا يَقعُ عليه الاسمُ؛ لأنَّه اليَقينُ، كما لو أقَرَّ له بعَبدٍ، فإنْ لم يَكنْ له عَبيدٌ اشتَرى له ما سُمِّي عَبدًا، وإنْ كانَ له عَبيدٌ أَعطاه الوَرثةُ ما شاؤُوا لمَا ذكَرنا، وقالَ القاضي: يُعطيه الوَرثةُ ما شاؤُوا من ذَكرٍ أو أُنثَى، قالَ شَيخُنا: والصَّحيحُ عندي أنَّه لا يَستحِقُّ إلا ذَكرًا (٢). هل يُشتَرطُ أنْ يَكونَ المُوصَى به مَقدورًا على تَسليمِه؟ اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه لا يُشتَرطُ في المُوصَى به أنْ يَكونَ مَقدورًا على تَسليمِه، فتَصحُّ الوَصيةُ بالبَعيرِ الشارِدِ والعَبدِ الآبِقِ والطَّيرِ في الهَواءِ والسَّمكِ في الماءِ، وكذا بالمَسروقِ والمَغصوبِ، وللمُوصَى له السَّعيُ في تَحصيلِه، فإنْ قدِرَ عليه أخَذَه إنْ خرَجَ من الثُّلثِ؛

стр. 14861

لأنَّ المُوصَى له يَخلُفُ المَيتَ في ثُلثِه كما يَخلُفُه الوارِثُ في ثُلثَيه، فلمَّا جازَ أنْ يَخلُفَ الوارِثُ المَيتَ في هذه الأَشياءِ جازَ أنْ يَخلُفَه المُوصَى له (١). الشَّرطُ الخَامسُ: أنْ يَكونَ المُوصَى به مالاً: اشتَرطَ الفُقهاءُ في المُوصَى به أنْ يَكونَ مالًا؛ لأنَّ الوَصيةَ تَمليكٌ، ولا يَملِكُ غيرَ المالِ، وسَواءٌ كانَ هذا المالُ عَينًا أو مَنفعةً. الوَصيةُ بالمَنفعةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الوَصيةَ بالمَنفعةِ صَحيحةٌ وجائِزةٌ، فمَن أَوصَى بسُكنَى دارِه لزَيدٍ مَثلًا بعدَ مَوتِه أو بالانتِفاعِ بسَيارتِه بعدَ مَوتِه أو ثَمرةِ شَجرِه؛ فإنَّ الوَصيةَ صَحيحةٌ؛ لأنَّ المَنافعَ في مَعنى الأَموالِ، وهي كالأَعيانِ في المِلكِ بالعَقدِ والإِرثِ، فكذلك في الوَصيةِ، ولأنَّه لمَّا ملَكَ تَملُّكَ المَنفعةِ في حالِ حَياتِه بعَقدِ الإِجارةِ والإِعارةِ فلَأنْ يَملكَ بعَقدِ الوَصيةِ أوْلى؛ لأنَّه أوسَعُ العُقودِ ويَحتملُ ما لا يَحتملُه سائِرُ العُقودِ من الجَهالةِ والعَدمِ في المُوصَى به، ممَّا يَفسُدُ معه عَقدُ الإِجارةِ وعَقدُ البَيعِ ونَحوُهما من عُقودِ المُعاوضاتِ، فإذا صَحَّ عَقدُ الوَصيةِ في هذا مع ما فيه من الغَررِ والخَطرِ، كانَ القَولُ بصِحتِه في المَنافعِ أوْلى، ولأنَّها تَمليكُ مَنافعَ بغيرِ عِوضٍ فكانَت كالعاريةِ (٢).

стр. 14862

وقد حُكيَ الإِجماعُ على أنَّه إنْ أَوصَى بسُكنى دارِه تَكونُ من الثُّلثِ. قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أَجمَعوا على أنَّ الرَّجلَ إذا أَوصَى بغَلةِ بُستانِه أو بسُكنَى دارِه أو خِدمةِ عَبدِه تَكونُ من الثُّلثِ (١). الوَصيةُ بالمَنفعةِ مُؤقَّتةٌ ومُؤبَّدةٌ: لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على جَوازِ الوَصيةِ بالمَنفعةِ وعلى أنَّها صَحيحةٌ، سَواءٌ كانَت المَنفعةُ مُؤقَّتةً بوَقتٍ من سَنةٍ أو شَهرٍ مَثلًا أو مُطلَقةً عن التَّوقيتِ أو مُؤبَّدةً؛ لأنَّ المُقدَّرةَ كالعَينِ المَعلومةِ، والمُؤبَّدةَ كالعَينِ المَجهولةِ، فصَحَّت الوَصيةُ بالجَميعِ، ولأنَّ الوَصيةَ بالمَنافعِ في مَعنى الإِعارةِ؛ لأنَّها تَمليكُ المَنفعةِ بغيرِ عِوضٍ، ثم الإِعارةُ تَصحُّ مُقيَّدةً ومُطلَقةً عن الوَقتِ وكذا الوَصيةُ. وكذلك اتَّفَقوا على أنَّ الوَصيةَ بالمَنفعةِ إذا كانَت مُؤقَّتةً بوَقتٍ كسُكنى الدارِ سَنةً مَثلًا فاستَوفاها المُوصَى له؛ فإنَّها تَرجعُ إلى مِلكِ المُوصي وتَكونُ لوَرثتِه (٢).

стр. 14863

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا في مَوضعَينِ: المَوضعُ الأولُ: إذا كانَت مُؤقَّتةً بوَقتٍ فماتَ المُوصَى له قبلَ انتِهاءِ المُدةِ، هل تَبطلُ الوَصيةُ أو تُورثُ عنه إلى اكتِمالِ المُدةِ؟ قالَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: إذا ماتَ المُوصَى له بالمَنفعةِ عادَ إلى الوَرثةِ؛ لأنَّ المُوصي أوجَبَ الحَقَّ للمُوصَى له ليَستوفِيَ ما أَوصَى له به من المَنافعِ على حُكمِ مِلكِ المُوصي، فلو انتقَلَت إلى وارِثِ المُوصَى له كانَ ابتِداءَ استِحقاقٍ من غيرِ رِضا المُوصي فلا يَجوزُ، وإذا كانَت على مِلكِ المُوصي تَنتقِلُ إلى وَرثتِه كسائِرِ أَموالِه (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّ المُوصَى له بالمَنفعةِ إذا ماتَ كانَت المَنفعةُ لوَرثتِه؛ لأنَّ مَنْ ماتَ عن حَقٍّ فهو لوَرثتِه (٢).

стр. 14864

وهو ما صرَّحَ به المالِكيةُ والشافِعيةُ في العَبدِ المُوصَى بمَنفعتِه إذا ماتَ المُوصَى له بمَنفعةِ العَبدِ، أنَّ وَرثتَه يَقومونَ مَقامَه إنْ بَقيَ من زَمنِها شَيءٌ (١). المَوضعُ الثاني: إذا كانَت مُطلَقةً أو مُؤبَّدةً ثم ماتَ المُوصَى له، هل تُورثُ عنه أو لا؟ ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الوَصيةَ بالمَنفعةِ إذا كانَت مُطلَقةً فللمُوصَى له أنْ يَنتفِعَ بالعَينِ ما عاشَ، فإذا ماتَ المُوصَى له بالمَنفعةِ انتقَلَت العَينُ إلى مِلكِ صاحِبِ العَينِ؛ لأنَّ الوَصيةَ بالمَنفعةِ قد بطَلَت بمَوتِ المُوصَى له، ولا تُورثُ عنه؛ لأنَّها تَمليكُ المَنفعةِ بغيرِ عِوضٍ كالإِعارةِ، فتَبطلُ بمَوتِ المالِكِ إياه كما تَبطلُ الإِعارةُ بمَوتِ المُستعيرِ، على أنَّ المَنافعَ بانفِرادِها لا تَتحمَّلُ الإِرثَ (٢). وذهَبَ بعضُ المالِكيةِ وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّ المُوصَى له بالمَنفعةِ إذا ماتَ كانَت المَنفعةُ لوَرثتِه؛ لأنَّ من ماتَ عن حَقٍّ فهو لوَرثتِه، وإذا أطلَقَ حُملَت الوَصيةُ على التَّأبيدِ (٣).

стр. 14865

وفي قَولٍ للمالِكيةِ وهو اختيارُ أشهَبَ أنَّها تَكونُ لوَرثةِ المُوصي، لا لوَرثةِ المُوصَى له، فلا تُورثُ عنه (١). الوَصيةُ بالعَينِ لشَخصٍ وبالمَنفعةِ لآخَرَ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُوصي إذا أَوصَى بمَنفعةِ دارِه مَثلًا لإِنسانٍ وبعَينِها لآخَرَ والعَينُ تَخرجُ من الثُّلثِ فالعَينُ لصاحِبِ العَينِ والسُّكنَى لصاحِبِ السُّكنَى؛ لأنَّ المَنفعةَ والعَينَ كالعَينَينِ، فجازَ العَقدُ على كلِّ واحِدٍ منهما، فيَكونُ أَحدُهما مُوصًى له بالرَّقبةِ والآخَرُ بالمَنفعةِ، فإذا ماتَ المُوصي ملَكَ صاحِبُ الرَّقبةِ الرَّقبةَ وصاحِبُ المَنفعةِ المَنفعةَ. وكذلك إذا أَوصَى برَقبةِ شَجرةٍ أو بُستانٍ لإِنسانٍ وبثَمرتِه لآخَرَ أو برَقبةِ أرضٍ لرَجلٍ وبغَلَّتِها لآخَرَ أو بأَمةٍ لرَجلٍ وبما في بَطنِها لآخَرَ؛ لأنَّ الثَّمرَ والغَلَّةَ والحَملَ كلُّ واحِدٍ منها يَحتمِلُ الإِفرادَ بالوَصيةِ، فلا فَرقَ بينَ أنْ يَستبقيَ الأَصلَ لنَفسِه وبينَ أنْ يَملِكَه من غيرِه. وكذا تَصحُّ بالعَينِ دونَ المَنفعةِ (٢).

стр. 14866

إِجارةُ الدارِ المُوصَى بمَنفَعتِها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن أُوصيَ له بسُكنى دارٍ، هل له أنْ يُؤجِّرَها أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُوصَى له إذا أَرادَ إِجارةَ الدارِ في المُدةِ التي أَوصَى له بنَفعِها جازَ؛ لأنَّها مَنفَعةٌ يَملكُها مِلكًا تامًّا فملَكَ أخْذَ العِوضِ عنها بالأَعيانِ، كما لو ملَكَها بالإِجارةِ (١). وقالَ الحَنفيةُ: إذا أَوصَى لرَجلٍ بسُكنى دارٍ فليس له أنْ يُؤاجِرَ الدارَ؛ لأنَّه ليسَ للمُوصَى له بالغَلةِ أنْ يَسكنَ، فوجَبَ ألَّا يُؤاجرَ المُوصَى له بالسُّكنَى وألَّا يَتعدَّى ما أَوصَى له به، ولأنَّه لمَّا لم يَكنْ للمُستعيرِ أنْ يُعيرَ وجَبَ أنْ يَكونَ كذلك المُوصَى له؛ لأنَّه ملَكَ المَنافعَ بغيرِ بَدلٍ، ولأنَّ الثابِتَ للمُوصَى له بالسُّكنَى والخِدمةِ ملَكَ المَنفعةَ بغيرِ عِوضٍ، فلا يَحتملُ التَّمليكَ بعِوضٍ كالمِلكِ الثابِتِ للمُستعيرِ بالإِعارةِ حتى لا يَملكَ الإِجارةَ، كذا هذا (٢).

стр. 14867

شَرطُ الوَصيةِ بالمَنفعةِ: اشتَرطَ الفُقهاءُ في الوَصيةِ بالمَنفعةِ ألَّا تَكونَ أكثَرَ من الثُّلثِ. قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أَجمَعوا على أنَّ الرَّجلَ إذا أَوصَى بغَلةِ بُستانِه أو بسُكنَى دارِه أو خِدمِة عَبدِه تَكونُ من الثُّلثِ (١)، فإذا كانَت أكثَرَ من الثُّلثِ تَصحُّ في الثُّلثِ وتَبطلُ في الباقي، إلا إذا أَجازَها الوَرثةُ. لا وَصيةَ إلا بعدَ الدَّينِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الإِنسانَ إذا أَوصَى بوَصايا؛ فإنَّ هذه الوَصايا لا تَنفُذُ إلا بعدَ قَضاءِ الدَّينِ إنْ كانَ عليه دَينٌ؛ لمَا رُويَ من حَديثِ علِيٍّ ﵁ قالَ: «إنَّكم تَقرَؤونَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وإنَّ رَسولَ اللهِ قَضَى بالدَّينِ قبلَ الوَصيةِ» (٢).

стр. 14868

قالَ الإِمامُ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّه لا مِيراثَ لأحَدٍ إلا بعدَ قَضاءِ الدَّينِ ولو أَحاطَ الدَّينُ بمالِه كلِّه، وإنَّ أهلَ الوَصايا بعدَ قَضاءِ الدَّينِ شُركاءُ الوَرثةِ فيما بَقيَ ما لم يُجاوِزْ ذلك الثُّلثَ (١). وقالَ الإِمامُ التِّرمذيُّ: العَملُ على هذا عندَ عامةِ أهلِ العِلمِ أنَّه يُبدأُ بالدَّينِ قبلَ الوَصيةِ (٢). قالَ الشافِعيُّ ﵀: قالَ اللهُ ﵎ في غيرِ آيةٍ في قِسمِ المِيراثِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] و ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] قالَ الشافِعيُّ: فنقَلَ اللهُ ﵎ مِلكَ مَنْ ماتَ من الأَحياءِ إلى مَنْ بَقيَ من وَرثةِ المَيتِ، فجعَلَهم يَقومونَ مَقامَه فيما مِلكِهم من مِلكِه، وقالَ اللهُ : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] قال: فكانَ ظاهِرُ الآيةِ المَعقولُ فيها: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ إنْ كانَ عليهم دَينٌ وبهذا نَقولُ، ولا أعلَمُ من أهلِ العِلمِ فيه مُخالِفًا، وقد تَحتملُ الآيةُ مَعنًى غيرَ هذا أظهَرَ منه وأوْلى بأنَّ العامَّةَ لا تَختلفُ فيه فيما علِمتُ، وإِجماعُهم لا يَكونُ عن جَهالةٍ بحُكمِ اللهِ إنْ شاءَ اللهُ . قالَ الشافِعيُّ: وفي قَولِ اللهِ : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] مَعانٍ سأذكُرُها إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، فلمَّا لم يَكنْ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافٌ علِمتُه في أنَّ ذا الدَّينِ أحَقُّ بمالِ الرَّجلِ في حَياتِه منه حتى يَستوفِيَ دَينَه، وكانَ أهلُ المِيراثِ إنَّما يَملِكونَ عن المَيتِ ما كانَ المَيتُ أملَكَ به كانَ بَيِّنًا، واللهُ أعلَمُ في حُكمِ اللهِ ، ثم -ما لم أعلَمْ- أهلُ العِلمِ، فاختلَفوا فيه أنَّ الدَّينَ مُقدَّمٌ على الوَصايا والمِيراثِ، فكانَ حُكمُ الدَّينِ كما وَصَفت مُنفرِدًا مُقدَّمًا، وفي قَولِ اللهِ : ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ ثم إِجماعُ المُسلِمينَ أنْ لا وَصيةَ ولا مِيراثَ إلا بعدَ الدَّينِ دَليلٌ على

стр. 14869

أنَّ كلَّ دَينٍ في صِحةٍ كانَ أو في مَرضٍ بإِقرارٍ أو بَيِّنةٍ أو أيِّ وَجهٍ ما كانَ سَواءٌ؛ لأنَّ اللهَ لم يَخصَّ دَينًا دونَ دَينٍ (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: اتَّفقَوا على أنَّ المَواريثَ التي ذَكَرنا إنَّما هي فيما أَفضَلَت الوَصيةُ الجائِزةُ ودُيونُ الناسِ الواجِبةُ، فإنْ فضَلَ بعدَ الدُّيونِ شَيءٌ وقَعَ المِيراثُ بعدَ الوَصيةِ كما ذَكَرنا. واتَّفَقوا على أنَّ الوَصيةَ لا تَجوزُ إلا بعدَ أَداءِ دُيونِ الناسِ، فإنْ فضَلَ شَيءٌ جازَت الوَصيةُ وإلا فلا (٢). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ: ليسَ للوَرثةِ حَقٌّ -أي: في المِيراثِ- إلا بعدَ وَفاءِ الدَّينِ، وهذا باتِّفاقِ المُسلِمينَ، كما أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى بالدَّينِ قبلَ الوَصيةِ (٣). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ: حَديثُ علِيٍّ «أنَّه قَضى بالدَّينِ قبلَ التَّركةِ» أَحمدُ وأَصحابُ السُّننِ من حَديثِ الحارِثِ عنه وعلَّقَه البُخاريُّ ولَفظُهم: قبلَ الوَصيةِ، والحارِثُ -وإنْ كانَ ضَعيفًا- فإنَّ الإِجماعَ مُنعقِدٌ على وَفقِ ما رَوى (٤).

стр. 14870

سَببُ تَقديمِ الوَصيةِ على الدَّينِ: قالَ الإِمامُ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: بابُ الرَّجلِ يَموتُ وعليه دَينٌ ويُوصي بوَصيةٍ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ورَوى الحارِثُ عن علِيٍّ قالَ: «تَقرَؤونَ الوَصيةَ قبلَ الدَّينِ، وإنَّ مُحمدًا ﷺ قَضى بالدَّينِ قبلَ الوَصيةِ»، قالَ أَبو بَكرٍ: وهذا لا خِلافَ فيه بينَ المُسلِمينَ. وذلك لأنَّ مَعنى قَولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] أنَّ المِيراثَ بعدَ هذَينِ وليسَت «أو» في هذا المَوضعِ لأَحدِهما، بل قد تَناولَتهما جَميعًا، وذلك لأنَّ قَولَه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] مُستَثنًى من الجُملةِ المَذكورةِ في قِسمةِ المَواريثِ، ومتى دخَلَت «أو» على النَّفيِ صارَت في مَعنى الواوِ، كقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [الإنسان: ٢٤] وقالَ تَعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، فكانَت «أو» في هذه المَواضعِ بمَنزِلةِ الواوِ، فكذلك قَولُه تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] لمَّا كانَ في مَعنى الاستِثناءِ كأنَّه قالَ: «إلا أنْ تَكونَ هناك وَصيةٌ أو دَينٌ» فيَكونُ المِيراثُ بعدَهما جَميعًا، وتَقديمُ الوَصيةِ على الدَّينِ في الذِّكرِ غيرُ مُوجبٍ للتَّبدئةِ بها على الدَّينِ؛ لأنَّ «أو» لا تُوجِبُ التَّرتيبَ، وإنَّما ذكَرَ اللهُ تَعالى ذلك بعدَ ذِكرِ المِيراثِ إِعلامًا لنا بأنَّ سِهامَ المَواريثِ جارِيةٌ في التَّركةِ بعدَ قَضاءِ الدَّينِ وعَزلِ حِصةِ الوَصيةِ، ألَا تَرى أنَّه إذا

стр. 14871

أَوصَى بثُلثِ مالِه كانَت سِهامُ الوَرثةِ مُعتبَرةً بعدَ الثُّلثِ، فيَكونُ للزَّوجةِ الرُّبعُ أو الثُّمنُ في الثُّلثَينِ؟ وكذلك سِهامُ سائِرِ أهلِ المِيراثِ جاريةٌ في الثُّلثَينِ دونَ الثُّلثِ الذي فيه الوَصيةُ؟ فجمَعَ تَعالى بينَ ذِكرِ الدَّينِ والوَصيةِ ليُعلِمَنا بأنَّ سِهامَ المِيراثِ مُعتبَرةٌ بعدَ الوَصيةِ كما هي مُعتبَرةٌ بعدَ الدَّينِ وإنْ كانَت الوَصيةُ مُخالفةً للدَّينِ من جِهةِ الاستِيفاءِ؛ لأنَّه لو هلَكَ من المالِ شَيءٌ لدخَلَ النُّقصانُ على أَصحابِ الوَصايا كما يَدخلُ على الوَرثةِ، وليسَ كذلك الدَّينُ؛ لأنَّه لو هلَكَ من المالِ شَيءٌ استُوفِيَ الدَّينُ كلُّه من الباقي، وإنِ استَغرَقه وبطَلَ حَقُّ المُوصَى له والوَرثةِ جَميعًا فالمُوصَى له شَريكُ الوَرثةِ من وَجهٍ، ويأخُذُ شَبهًا من الغَريمِ من وَجهٍ آخَرَ، وهو أنَّ سِهامَ أهلِ المَواريثِ مُعتبَرةٌ بعدَ الوَصيةِ كاعتِبارِها بعدَ الدَّينِ، وليسَ المُرادُ بقَولِه تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] أنَّ المُوصَى له يُعطَى وَصيتَه قبلَ أنْ يأخُذَ الوَرثةُ أنصِباءَهم، بل يُعطَوْن كلُّهم معًا، كأنَّه أحدُ الوَرثةِ في هذا الوِجهِ، وما هلَكَ من المالِ قبلَ القِسمةِ ذاهِبٌ منهم جَميعًا (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ العَربيِّ ﵀: فإنْ قيل: فما الحِكمةُ في تَقديمِ ذِكرِ الوَصيةِ على ذِكرِ الدَّينِ، والدَّينُ مُقدَّمٌ عليها؟ قُلنا: في ذلك خَمسةُ أوجُهٍ: الأولُ: أنَّ «أو» لا تُوجِبُ ترَتيبًا، إنَّما تُوجبُ تَفصيلًا، فكأنَّه قالَ: «مِنْ بعدِ أَحدِهما أو مِنْ بَعدِهما» ولو ذكَرَهما بحَرفِ الواوِ لأوهَمَ الجَمعَ والتَّشريكَ، فكانَ ذِكرُهما بحَرفِ «أو» المُتَقضي التَّفصيلَ أوْلى.

стр. 14872

الثاني: أنَّه قدَّمَ الوَصيةَ؛ لأنَّ تَسبُّبَها من قِبَلِ نَفسِه، والدَّينُ ثابِتٌ مُؤدًّى، ذكَرَه أو لم يَذكُرْه. الثالِثُ: أنَّ وُجودَ الوَصيةِ أكثَرُ من وُجودِ الدَّينِ، فقدَّمَ في الذِّكرِ ما يَقعُ غالِبًا في الوُجودِ. الرابِعُ: أنَّه ذكَرَ الوَصيةَ؛ لأنَّه أمرٌ مُشكلٌ، هل يَقصدُ ذلك ويَلزمُ امتِثالُه أو لا؟ لأنَّ الدَّينَ كانَ ابتِداءً تامًّا مَشهورًا أنَّه لا بُدَّ منه، فقدَّمَ المُشكِلَ لأنَّه أهَمُّ في البَيانِ. الخامِسُ: أنَّ الوَصيةَ كانَت مَشروعةً ثم نُسخَت في بعضِ الصُّورِ، فلمَّا ضعَّفَها النَّسخُ قوِيَت بتَقديمِ الذِّكرِ، وذِكرُهما معًا كانَ يَقتَضي أنْ تَتعلَّقَ الوَصيةُ بجَميعِ المالِ تَعلُّقَ الدَّينِ، لكنَّ الوَصيةَ خُصصَت ببعضِ المالِ؛ لأنَّها لو جازَت في جَميعِ المالِ لاستَغرَقَته ولم يُوجَدْ مِيراثٌ، فخصَّصَها الشَّرعُ ببعضِ المالِ بخِلافِ الدَّينِ؛ فإنَّه أمرٌ يُنشئُه بمَقاصدَ صَحيحةٍ في الصِّحةِ والمَرضِ، بَيِّنةِ النَّواحي في كلِّ حالٍ يَعمُّ تَعلُّقها بالمالِ كلِّه. ولمَّا قامَ الدَّليلُ وظهَرَ المَعنى في تَخصيصِ الوَصيةِ ببعضِ المالِ قدَّرَت ذلك الشَّريعةُ بالثُّلثِ، وبيَّنَت المَعنى المُشارَ إليه على لِسانِ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ سَعدٍ، فظهَرَت المَسألةُ قَولًا ومَعنًى، وتبَيَّنت حِكمةً وحُكمًا (١).

стр. 14873

قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ ﵀ بعدَ ذِكرِه لحَديثِ سيِّدِنا علِيٍّ: أشارَ سيِّدُنا علِيٌّ ﵁ إلى أنَّ التَّرتيبَ في الذِّكرِ لا يُوجبُ التَّرتيبَ في الحُكمِ. ولأنَّ الدَّينَ واجِبٌ والوَصيةَ تَبرعٌ، والواجِبُ مُقدَّمٌ على التَّبرعِ، ومَعنى تَقدُّمِ الدَّينِ على الوَصيةِ والمِيراثِ أنَّه يُقضَى الدَّينُ أولًا، فإنْ فضَلَ منه شَيءٌ يُصرفُ إلى الوَصيةِ والمِيراثِ، وإلا فلا. وأمَّا مَعنى تَقدُّمِ الوَصيةِ على المِيراثِ فليس مَعناه أنْ يُخرَجَ الثُّلثُ ويُعزلُ عن التَّركةِ ويُبدأُ بدَفعِه إلى المُوصَى له ثم يُدفعُ الثُّلثانِ إلى الوَرثةِ؛ لأنَّ التَّركةَ بعدَ قَضاءِ الدَّينِ تَكونُ بينَ الوَرثةِ وبينَ المُوصَى له على الشَّركةِ، والمُوصَى له شَريكُ الوَرثةِ في الاستِحقاقِ كأنَّه واحِدٌ من الوَرثةِ لا يَستحقُّ المُوصَى له من الثُّلثِ شَيئًا قَلَّ أو كثُرَ إلا ويَستحقُّ منه الوَرثةُ ثُلثَيه ويَكونُ فَرضُهما معًا لا يُقدَّمُ أَحدُهما على الآخَرِ، حتى لو هلَكَ شَيءٌ من التَّركةِ قبلَ القِسمةِ يَهلِكُ على المُوصَى له والوَرثةِ جَميعًا، ولا يُعطَى المُوصَى له كلَّ الثُّلثِ من الباقي، بل الهالِكُ يَهلِكُ على الحَقَّينِ والباقي يَبقَى على الحَقَّينِ، كما إذا هلَكَ شَيءٌ من المَواريثِ بعدَ الوَصايا بخِلافِ الدَّينِ؛ فإنَّه إذا هلَكَ بعضُ التَّركةِ وبَقيَ بعضٌ يُستَوفَى كلُّ الدَّينِ من الباقي، وإنَّما مَعناه أنَّه يُحسَبُ قَدرُ الوَصيةِ من جُملةِ التَّركةِ أولًا لتَظهرَ سِهامُ الوَرثةِ كما تُحسَبُ سِهامُ أَصحابِ الفَرائضِ أولًا ليَظهرَ الفاضِلُ للعَصبةِ، ويَحتمِلُ أنْ يَكونَ مَعنى قَولِه ﵎: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] أي: سِوى ما لَكم أنْ

стр. 14874

تُوصُوه من الثُّلثِ أَوصاكم اللهُ بكذا، وتَكونُ «بَعدِ» بمَعنى «سِوى» واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قد ذكَرَ السُّهيليُّ أنَّ تَقديمَ الوَصيةِ في الذِّكرِ على الدَّينِ لأنَّ الوَصيةَ إنَّما تَقعُ على سَبيلِ البِرِّ والصِّلةِ بخِلافِ الدَّينِ؛ فإنَّه إنَّما يَقعُ غالِبًا بعدَ المَيتِ بنَوعِ تَفريطٍ، فوقَعَت البَداءةُ بالوَصيةِ لكَونِها أفضَلَ. وقالَ غيرُه: قُدِّمت الوَصيةُ لأنَّها شَيءٌ يُؤخذُ بغيرِ عِوضٍ والدَّينُ يُؤخذُ بعِوضٍ، فكانَ إِخراجُ الوَصيةِ أشَقَّ على الوارِثِ من إِخراجِ الدَّينِ، وكانَ أَداؤُها مَظِنةَ التَّفريطِ بخِلافِ الدَّينِ؛ فإنَّ الوارِثَ مُطمئِنٌّ بإِخراجِه، فقُدِّمت الوَصيةُ لذلك. وأيضًا: فهي حَظُّ فَقيرٍ ومِسكينٍ غالِبًا، والدَّينُ حَظُّ غَريمٍ يَطلبُه بقُوةٍ وله مَقالٌ، كما صَحَّ «أنَّ لصاحِبِ الدَّينِ مَقالًا». وأيضًا: فالوَصيةُ يُنشئُها المُوصي من قِبَلِ نَفسِه فقُدِّمت تَحريضًا على العَملِ بها، بخِلافِ الدَّينِ؛ فإنَّه ثابِتٌ بنَفسِه مَطلوبٌ أَداؤُه سَواءٌ ذُكرَ أو لم يُذكَرْ. وأيضًا: فالوَصيةُ مُمكِنةٌ من كلِّ أحدٍ، ولا سيَّما عندَ مَنْ يَقولُ بوُجوبِها؛ فإنَّه يَقولُ بلُزومِها لكلِّ أحدٍ، فيَشتَركُ فيها جَميعُ المُخاطَبينَ؛ لأنَّها تَقعُ

стр. 14875

بالمالِ وتَقعُ بالعَهدِ كما تقدَّمَ، وقَلَّ مَنْ يَخلو عن شَيءٍ من ذلك بخِلافِ الدَّينِ؛ فإنَّه يُمكنُ أنْ يُوجدَ ويُمكنُ ألَّا يُوجدَ، وما يَكثرُ وُقوعُه مُقدَّمٌ على ما يَقلُّ وُقوعُه. قالَ الزَّينُ بنُ المُنيرِ: تَقديمُ الوَصيةِ على الدَّينِ في اللَّفظِ لا يَقتَضي تَقديمَها في المَعنى؛ لأنَّهما معًا قد ذُكرا في سِياقِ البَعديةِ، لكنَّ المِيراثَ يَلي الوَصيةَ في البَعديةِ ولا يَلي الدَّينَ، بل هو بعدَ بعدِه، فيَلزمُ أنَّ الدَّينَ يُقدَّمُ في الأَداءِ ثم تُقدَّمُ الوَصيةُ ثم المِيراثُ، فيَتحقَّقُ حينَئذٍ أنَّ الوَصيةَ تَقعُ بعدَ الدَّينِ حالَ الأَداءِ باعتِبارِ القَبليةِ، فتَقديمُ الدَّينِ على الوَصيةِ في اللَّفظِ وباعتِبارِ البَعديةِ، فتُقدَّمُ الوَصيةُ على الدَّينِ في المَعنى، واللهُ أعلَمُ (١). تَقديمُ حَقِّ اللَهِ من زَكاةٍ وحَجٍّ على الوَصيةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الإِنسانَ إذا كانَ عليه حَجٌّ واجِبٌ أو زَكاةٌ واجِبةٌ عليه وأَوصَى قبلَ مَوتِه بأنْ يُحجَّ عنه أو أنْ تُخرَجَ زَكاتُه فالوَصيةَ صَحيحةٌ وتُنفَّذُ. إلا أنَّهم اختلَفوا فيما لو ماتَ ولم يُوصِ بإِخراجِ الزَّكاةِ ولا بالحَجِّ عنه، هل يُحجُّ عنه وُجوبًا من رأسِ مالِه قبلَ المِيراثِ أو لا يُحجُّ عنه إلا إذا أَوصَى؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إنْ كانَ عليه حَجةُ الإِسلامِ فماتَ قبلَ أنْ يُوصيَ بها فواجِبٌ أنْ يُحَجَّ عنه؛ لأنَّه حَقٌّ مُستقِرٌّ تَدخلُه النِّيابةُ فلم

стр. 14876

يَسقُطْ بالمَوتِ كالدَّينِ؛ لمَا رُويَ عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّ امرأةً سألَت النَّبيَّ ﷺ عن أَبيها ماتَ ولم يَحُجَّ قالَ: «حُجِّي عن أَبيكِ» (١). وعن ابنِ عَباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رَجلٌ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أَبي ماتَ ولم يَحُجَّ أفأحُجُّ عنه؟ قالَ: «أرأيتَ لو كانَ على أَبيكَ دَينٌ أكُنتَ قاضيَه؟» قالَ: نَعَمْ. قالَ: «فدَينُ اللهِ أحَقُّ» (٢)، ويَحجُّ عنه مِنْ رأسِ مالِه بأقَلَّ ما يُوجدُ من مِيقاتِ بَلدِه، وكذلك يُخرجُ عنه من رأسِ مالِه ما وجَبَ عليه من زَكاةٍ وكَفَّاراتٍ وإنْ لم يُوصِ بها؛ لأنَّ ما تعلَّقَ وُجوبُه بالمالِ لزِمَ أَداؤُه عنه بعدَ المَوتِ كحُقوقِ الآدَميِّينَ، لا سيَّما والزَّكاةُ مَصرِفُها إلى الآدَميِّ، وإذا لزِمَ أَداؤُه عنه، فمِن رأسِ المالِ كالدُّيونِ (٣). وقالَ الحَنفيةُ: مَنْ ماتَ وعليه حَجةُ الإِسلامِ أو عليه زَكاةٌ وله مالٌ فلا يَخلو من أنْ يَكونَ ماتَ من غيرِ وَصيةٍ أو يَكونَ ماتَ عن وَصيةٍ. فإنْ ماتَ من غيرِ وَصيةٍ فإنَّه يَأثَمُ بلا خِلافٍ؛ لتَفويتِه الفَرضَ عن وَقتِه مع إِمكانِ الأَداءِ في الجُملةِ، فيَأثمُ لكنْ يَسقطُ عنه في حَقِّ أَحكامِ الدُّنيا حتى إنَّه لا يَلزمُ الوارِثَ الحَجُّ عنه مِنْ تَركتِه ولا إِخراجُ الزَّكاةِ من تَركتِه؛ لأنَّه عِبادةٌ، والعِباداتُ تَسقطُ بمَوتِ مَنْ عليه سَواءٌ كانَت بَدنيةً أو ماليةً في حَقِّ أَحكامِ الدُّنيا.

стр. 14877

قالَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ: وإنْ أحَبَّ الوارِثُ أنْ يَحجَّ عنه حَجَّ، وأرجو أنْ يُجزئَه ذلك إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. أمَّا الجَوازُ فلمَا رُويَ أنَّ رَجلًا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ وقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ أُمي ماتَت ولم تَحجَّ أفأحُجُّ عنها؟ فقالَ: «نَعَمْ» فقد أَجازَ النَّبيُّ ﷺ حَجَّ الرَّجلِ عن أُمِّه ولم يَستفسِرْ أنَّها ماتَت عن وَصيةٍ أو ليسَ عن وَصيةٍ، ولو كانَ الحُكمُ يَختلِفُ لاستَفسَرَ. وإنْ ماتَ عن وَصيةٍ لا يَسقطُ الحَجُّ عنه، ويَجبُ أنْ يُحَجَّ عنه؛ لأنَّ الوَصيةَ بالحَجِّ قد صَحَّت، وإذا حَجَّ عنه يَجوزُ عندَ استِجماعِ شَرائطِ الجَوازِ، وهي نِيةُ الحَجِّ عنه وأنْ يَكونَ الحَجُّ بمالِ المُوصي أو بأكثَرِه إلا تَطوُّعًا، وأنْ يَكونَ راكِبًا لا ماشِيًا، ويُحَجُّ عنه من ثُلثِ مالِه سَواءٌ قيَّدَ الوَصيةَ بالثُّلثِ بأنْ يُحجَّ عنه بثُلثِ مالِه أو أطلَقَ بأنْ أَوصَى بأنْ يُحجَّ عنه. أمَّا إذا قُيدَ فظاهِرٌ، وكذا إذا أُطلقَ؛ لأنَّ الوَصيةَ تَنفُذُ من الثُّلثِ؛ لأنَّ دُيونَ اللهِ تَعالى من حيثُ إنَّه لا يَجبُ بمُقابلتِها عِوضٌ ماليٌّ فهي بمَنزلةِ التَّبرعاتِ فيُعتبَرُ خُروجُها من الثُّلثِ (١). وأمَّا المالِكيةُ فهم كالحَنفيةِ فيمَن ماتَ وعليه حَجٌّ فلم يَحجَّ إنْ أَوصَى به حَجَّ عنه، وإنْ لم يُوصِ لم يَحجَّ عنه.

стр. 14878

فقد جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: بابٌ في الوَصيةِ بالحَجِّ. (قُلتُ) لابنِ القاسِمِ: ما قَولُ مالِكٍ فيمَن ماتَ وهو صَرورةٌ -أي: لم يَحجَّ حَجةَ الإِسلامِ- فلم يُوصِ بأنْ يُحجَّ عنه، أيَحجُّ أحدٌ تَطوعًا بذلك عنه، وَلدٌ أو والِدٌ أو زَوجةٌ أو أجنَبيٌّ من الناسِ؟ (قالَ) قالَ مالِكٌ: يَتطوَّعُ عنه بغيرِ هذا، أو يَتصدَّقُ عنه أو يُعتقُ عنه (١). وقالَ ابنُ العَربيِّ: لمَّا ذكَرَ اللهُ تَقديمَ الدَّينِ على الوَصيةِ تعلَّقَ بذلك الشافِعيُّ في تَقديمِ دَينِ الزَّكاةِ والحَجِّ على المِيراثِ، فقالَ: إنَّ الرَّجلَ إذا فرَّطَ في زَكاتِه وحَجِّه أُخذَ ذلك من رأسِ مالِه. وقالَ أَبو حَنيفةَ ومالِكٌ: إنْ أَوصَى بها أُدِّيت من ثُلثِه، وإنْ سكَتَ عنها لم يُخرَجْ عنه شَيءٌ. وتَعلُّقُ الشافِعيِّ ظاهِرٌ ببادِئِ الرأيِ؛ لأنَّه حَقٌّ من الحُقوقِ فلزِمَ أَداؤُه عنه بعدَ المَوتِ كحُقوقِ الآدَميِّينَ، لا سيَّما والزَّكاةُ مَصرِفُها إلى الآدَميِّ. ومُتعلِّقُ مالِكٍ أنَّ ذلك مُوجِبُ إِسقاطِ الزَّكاةِ أو تَركِ الوَرثةِ فُقراءَ؛ لأنَّه يَعتمدُ تَركَ الكلِّ حتى إذا ماتَ استَغرقَ ذلك جَميعَ مالِه، فلا يَبقَى للوَرثةِ حَقٌّ، فكانَ هذا قَصدًا باطِلًا في حَقِّ عِباداتِه وحَقِّ وَرثتِه، وكلُّ مَنْ قصَدَ باطِلًا في الشَّريعةِ نُقضَ عليه قَصدُه، تَحقَّق ذلك منه أو اتُّهِم به إذا ظهَرَت عَلامتُه، كما قَضَينا بحِرمانِ المِيراثِ للقاتِلِ، وقد مهَّدناه في مَسائلِ الخِلافِ (٢).

стр. 14879

قالَ القاضي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ: مَسألةٌ: إذا فرَّطَ في زَكاةٍ؛ فإنَّه إنْ أَوصَى لزِمَ الوَرثةَ إِخراجُها من الثُّلثِ خِلافًا للشافِعيِّ في قَولِه: تَكونُ من رأسِ المالِ؛ لأنَّه يُتَّهمُ أنَّه أَرادَ الانتِفاعَ بالمالِ حَياتَه وصَرْفَه عن وَرثتِه بعدَه، فكانَت كالوَصايا، وفارَقَت الدُّيونَ. وإذا لم يُوصِ بها ولم يُعلَمْ صِحةُ دَعواه بغيرِ قَولِه لم يَلزمِ الوَرثةَ إِخراجُها عنه خِلافًا للشافِعيِّ؛ لأنَّ إِخراجَها مَوكولٌ إلى أَمانتِه، فيَجوزُ أنْ يَكونَ قد أخرَجَها من حيثُ لا يَعلمُ غيرُه. وإذا زاحَمَتها الوَصايا قُدِّمت على ما هو أضعَفُ منها خِلافًا لأَبي حَنيفةَ في قَولِه: إنَّها وسائِرَ الوَصايا سَواءٌ؛ لأنَّها آكَدُ من غيرِها؛ لأنَّه لولا التُّهمةُ لكانَت من رأسِ المالِ (١). ومُعتمَدُ مَذهبِ المالِكيةِ أنَّ زَكاةَ العَينِ لها أَحوالٌ أربَعةٌ: الحالةُ الأُولى: إنِ اعتَرفَ بحُلولِها وبَقائِها في ذِمتِه من غيرِ إِخراجٍ لها وأَوصَى بإِخراجِها، وذلك بأنْ يَقولَ: «وجَبَ علَيَّ في هذه السَّنةِ زَكاةٌ عَشرةُ دَنانيرَ وهي باقيةٌ في ذِمَّتي، أُوصيكم بإِخراجِها»؛ فإنَّها تُخرَجُ وتَكونُ من رأسِ المالِ جَبرًا على الوَرثةِ. الحالةُ الثانيةُ: وإنِ اعتَرَف بحُلولِها، ولم يَعتَرِفْ ببَقائِها ولم يُوصِ بإِخراجِها لا يُجبَرون على إِخراجِها، لا من الثُّلثِ ولا من رأسِ المالِ،

стр. 14880

وإنَّما يُؤمَرونَ من غيرِ جَبْرٍ، إلا أنْ يَتحقَّقَ الوَرثةُ عَدمَ إِخراجِها فتُخرجَ من رأسِ المالِ جَبرًا. الحالةُ الثالِثةُ: وإنْ لم يَعتَرفْ ببَقائِها وأَوصَى بإِخراجِها، أُخرجَت من الثُّلثِ جَبرًا. الحالةُ الرابِعةُ: وإنِ اعتَرَف ببَقائِها ولم يُوصِ بإِخراجِها لم يُقضَ عليهم بإِخراجِها، وإنَّما يُؤمَرونَ من غيرِ جَبْرٍ لاحتِمالِ أنْ يَكونَ أخرَجَها، فإنْ علِموا عَدمَ إِخراجِها أُجبِروا عليها من رأسِ المالِ. وهذا في زَكاةِ العَينِ، وأمَّا زَكاةُ الحَرثِ والماشيةِ فإنَّهما تُخرَجانِ من رأسِ المالِ، وإنْ لم يُوصِ بإِخراجِ زَكاتِهما، وسَواءٌ اعتَرَف ببَقائِهما في ذِمتِه أو لا؛ لأنَّهما من الأَموالِ الظاهِرةِ (١). إذا اجتمَعَت الوَصايا بأيِّهم يُقدَّمُ؟ قالَ الكاسانِيُّ: الوَصايا إذا اجتمَعَت فالثُّلثُ لا يَخلو من أنْ يَكونَ يَسعُ كلَّ الوَصايا وإما أنْ يَكونَ لا يَسعُ الكلَّ، فإنْ كانَ يَسعُ الكُلَّ تَنفُذُ الوَصيةُ من الثُّلثِ في الكلِّ؛ لأنَّ الوَصيةَ تعلَّقَت بالكلِّ وأمكَنَ تَنفيذُها في الكلِّ فتَنفُذُ، سَواءٌ كانَت الوَصايا للهِ ﵎ كالوَصيةِ بالقُرَبِ، كالوَصيةِ بالحَجِّ الفَرضِ والزَّكاةِ والصَّومِ والصَّلاةِ والكَفاراتِ والنُّذورِ وصَدقةِ الفِطرِ
следующие страницы →