يَسقُطْ بالمَوتِ كالدَّينِ؛ لمَا رُويَ عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّ امرأةً سألَت النَّبيَّ ﷺ عن أَبيها ماتَ ولم يَحُجَّ قالَ: «حُجِّي عن أَبيكِ» (١).
وعن ابنِ عَباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رَجلٌ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أَبي ماتَ ولم يَحُجَّ أفأحُجُّ عنه؟ قالَ: «أرأيتَ لو كانَ على أَبيكَ دَينٌ أكُنتَ قاضيَه؟» قالَ: نَعَمْ. قالَ: «فدَينُ اللهِ أحَقُّ» (٢)، ويَحجُّ عنه مِنْ رأسِ مالِه بأقَلَّ ما يُوجدُ من مِيقاتِ بَلدِه، وكذلك يُخرجُ عنه من رأسِ مالِه ما وجَبَ عليه من زَكاةٍ وكَفَّاراتٍ وإنْ لم يُوصِ بها؛ لأنَّ ما تعلَّقَ وُجوبُه بالمالِ لزِمَ أَداؤُه عنه بعدَ المَوتِ كحُقوقِ الآدَميِّينَ، لا سيَّما والزَّكاةُ مَصرِفُها إلى الآدَميِّ، وإذا لزِمَ أَداؤُه عنه، فمِن رأسِ المالِ كالدُّيونِ (٣).
وقالَ الحَنفيةُ: مَنْ ماتَ وعليه حَجةُ الإِسلامِ أو عليه زَكاةٌ وله مالٌ فلا يَخلو من أنْ يَكونَ ماتَ من غيرِ وَصيةٍ أو يَكونَ ماتَ عن وَصيةٍ.
فإنْ ماتَ من غيرِ وَصيةٍ فإنَّه يَأثَمُ بلا خِلافٍ؛ لتَفويتِه الفَرضَ عن وَقتِه مع إِمكانِ الأَداءِ في الجُملةِ، فيَأثمُ لكنْ يَسقطُ عنه في حَقِّ أَحكامِ الدُّنيا حتى إنَّه لا يَلزمُ الوارِثَ الحَجُّ عنه مِنْ تَركتِه ولا إِخراجُ الزَّكاةِ من تَركتِه؛ لأنَّه عِبادةٌ، والعِباداتُ تَسقطُ بمَوتِ مَنْ عليه سَواءٌ كانَت بَدنيةً أو ماليةً في حَقِّ أَحكامِ الدُّنيا.
стр. 14877
قالَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ: وإنْ أحَبَّ الوارِثُ أنْ يَحجَّ عنه حَجَّ، وأرجو أنْ يُجزئَه ذلك إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
أمَّا الجَوازُ فلمَا رُويَ أنَّ رَجلًا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ وقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ أُمي ماتَت ولم تَحجَّ أفأحُجُّ عنها؟ فقالَ: «نَعَمْ» فقد أَجازَ النَّبيُّ ﷺ حَجَّ الرَّجلِ عن أُمِّه ولم يَستفسِرْ أنَّها ماتَت عن وَصيةٍ أو ليسَ عن وَصيةٍ، ولو كانَ الحُكمُ يَختلِفُ لاستَفسَرَ.
وإنْ ماتَ عن وَصيةٍ لا يَسقطُ الحَجُّ عنه، ويَجبُ أنْ يُحَجَّ عنه؛ لأنَّ الوَصيةَ بالحَجِّ قد صَحَّت، وإذا حَجَّ عنه يَجوزُ عندَ استِجماعِ شَرائطِ الجَوازِ، وهي نِيةُ الحَجِّ عنه وأنْ يَكونَ الحَجُّ بمالِ المُوصي أو بأكثَرِه إلا تَطوُّعًا، وأنْ يَكونَ راكِبًا لا ماشِيًا، ويُحَجُّ عنه من ثُلثِ مالِه سَواءٌ قيَّدَ الوَصيةَ بالثُّلثِ بأنْ يُحجَّ عنه بثُلثِ مالِه أو أطلَقَ بأنْ أَوصَى بأنْ يُحجَّ عنه.
أمَّا إذا قُيدَ فظاهِرٌ، وكذا إذا أُطلقَ؛ لأنَّ الوَصيةَ تَنفُذُ من الثُّلثِ؛ لأنَّ دُيونَ اللهِ تَعالى من حيثُ إنَّه لا يَجبُ بمُقابلتِها عِوضٌ ماليٌّ فهي بمَنزلةِ التَّبرعاتِ فيُعتبَرُ خُروجُها من الثُّلثِ (١).
وأمَّا المالِكيةُ فهم كالحَنفيةِ فيمَن ماتَ وعليه حَجٌّ فلم يَحجَّ إنْ أَوصَى به حَجَّ عنه، وإنْ لم يُوصِ لم يَحجَّ عنه.
стр. 14878
فقد جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: بابٌ في الوَصيةِ بالحَجِّ.
(قُلتُ) لابنِ القاسِمِ: ما قَولُ مالِكٍ فيمَن ماتَ وهو صَرورةٌ -أي: لم يَحجَّ حَجةَ الإِسلامِ- فلم يُوصِ بأنْ يُحجَّ عنه، أيَحجُّ أحدٌ تَطوعًا بذلك عنه، وَلدٌ أو والِدٌ أو زَوجةٌ أو أجنَبيٌّ من الناسِ؟ (قالَ) قالَ مالِكٌ: يَتطوَّعُ عنه بغيرِ هذا، أو يَتصدَّقُ عنه أو يُعتقُ عنه (١).
وقالَ ابنُ العَربيِّ: لمَّا ذكَرَ اللهُ تَقديمَ الدَّينِ على الوَصيةِ تعلَّقَ بذلك الشافِعيُّ في تَقديمِ دَينِ الزَّكاةِ والحَجِّ على المِيراثِ، فقالَ: إنَّ الرَّجلَ إذا فرَّطَ في زَكاتِه وحَجِّه أُخذَ ذلك من رأسِ مالِه.
وقالَ أَبو حَنيفةَ ومالِكٌ: إنْ أَوصَى بها أُدِّيت من ثُلثِه، وإنْ سكَتَ عنها لم يُخرَجْ عنه شَيءٌ.
وتَعلُّقُ الشافِعيِّ ظاهِرٌ ببادِئِ الرأيِ؛ لأنَّه حَقٌّ من الحُقوقِ فلزِمَ أَداؤُه عنه بعدَ المَوتِ كحُقوقِ الآدَميِّينَ، لا سيَّما والزَّكاةُ مَصرِفُها إلى الآدَميِّ.
ومُتعلِّقُ مالِكٍ أنَّ ذلك مُوجِبُ إِسقاطِ الزَّكاةِ أو تَركِ الوَرثةِ فُقراءَ؛ لأنَّه يَعتمدُ تَركَ الكلِّ حتى إذا ماتَ استَغرقَ ذلك جَميعَ مالِه، فلا يَبقَى للوَرثةِ حَقٌّ، فكانَ هذا قَصدًا باطِلًا في حَقِّ عِباداتِه وحَقِّ وَرثتِه، وكلُّ مَنْ قصَدَ باطِلًا في الشَّريعةِ نُقضَ عليه قَصدُه، تَحقَّق ذلك منه أو اتُّهِم به إذا ظهَرَت عَلامتُه، كما قَضَينا بحِرمانِ المِيراثِ للقاتِلِ، وقد مهَّدناه في مَسائلِ الخِلافِ (٢).
стр. 14879
قالَ القاضي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ: مَسألةٌ: إذا فرَّطَ في زَكاةٍ؛ فإنَّه إنْ أَوصَى لزِمَ الوَرثةَ إِخراجُها من الثُّلثِ خِلافًا للشافِعيِّ في قَولِه: تَكونُ من رأسِ المالِ؛ لأنَّه يُتَّهمُ أنَّه أَرادَ الانتِفاعَ بالمالِ حَياتَه وصَرْفَه عن وَرثتِه بعدَه، فكانَت كالوَصايا، وفارَقَت الدُّيونَ.
وإذا لم يُوصِ بها ولم يُعلَمْ صِحةُ دَعواه بغيرِ قَولِه لم يَلزمِ الوَرثةَ إِخراجُها عنه خِلافًا للشافِعيِّ؛ لأنَّ إِخراجَها مَوكولٌ إلى أَمانتِه، فيَجوزُ أنْ يَكونَ قد أخرَجَها من حيثُ لا يَعلمُ غيرُه.
وإذا زاحَمَتها الوَصايا قُدِّمت على ما هو أضعَفُ منها خِلافًا لأَبي حَنيفةَ في قَولِه: إنَّها وسائِرَ الوَصايا سَواءٌ؛ لأنَّها آكَدُ من غيرِها؛ لأنَّه لولا التُّهمةُ لكانَت من رأسِ المالِ (١).
ومُعتمَدُ مَذهبِ المالِكيةِ أنَّ زَكاةَ العَينِ لها أَحوالٌ أربَعةٌ:
الحالةُ الأُولى: إنِ اعتَرفَ بحُلولِها وبَقائِها في ذِمتِه من غيرِ إِخراجٍ لها وأَوصَى بإِخراجِها، وذلك بأنْ يَقولَ: «وجَبَ علَيَّ في هذه السَّنةِ زَكاةٌ عَشرةُ دَنانيرَ وهي باقيةٌ في ذِمَّتي، أُوصيكم بإِخراجِها»؛ فإنَّها تُخرَجُ وتَكونُ من رأسِ المالِ جَبرًا على الوَرثةِ.
الحالةُ الثانيةُ: وإنِ اعتَرَف بحُلولِها، ولم يَعتَرِفْ ببَقائِها ولم يُوصِ بإِخراجِها لا يُجبَرون على إِخراجِها، لا من الثُّلثِ ولا من رأسِ المالِ،
стр. 14880
وإنَّما يُؤمَرونَ من غيرِ جَبْرٍ، إلا أنْ يَتحقَّقَ الوَرثةُ عَدمَ إِخراجِها فتُخرجَ من رأسِ المالِ جَبرًا.
الحالةُ الثالِثةُ: وإنْ لم يَعتَرفْ ببَقائِها وأَوصَى بإِخراجِها، أُخرجَت من الثُّلثِ جَبرًا.
الحالةُ الرابِعةُ: وإنِ اعتَرَف ببَقائِها ولم يُوصِ بإِخراجِها لم يُقضَ عليهم بإِخراجِها، وإنَّما يُؤمَرونَ من غيرِ جَبْرٍ لاحتِمالِ أنْ يَكونَ أخرَجَها، فإنْ علِموا عَدمَ إِخراجِها أُجبِروا عليها من رأسِ المالِ.
وهذا في زَكاةِ العَينِ، وأمَّا زَكاةُ الحَرثِ والماشيةِ فإنَّهما تُخرَجانِ من رأسِ المالِ، وإنْ لم يُوصِ بإِخراجِ زَكاتِهما، وسَواءٌ اعتَرَف ببَقائِهما في ذِمتِه أو لا؛ لأنَّهما من الأَموالِ الظاهِرةِ (١).
إذا اجتمَعَت الوَصايا بأيِّهم يُقدَّمُ؟
قالَ الكاسانِيُّ: الوَصايا إذا اجتمَعَت فالثُّلثُ لا يَخلو من أنْ يَكونَ يَسعُ كلَّ الوَصايا وإما أنْ يَكونَ لا يَسعُ الكلَّ، فإنْ كانَ يَسعُ الكُلَّ تَنفُذُ الوَصيةُ من الثُّلثِ في الكلِّ؛ لأنَّ الوَصيةَ تعلَّقَت بالكلِّ وأمكَنَ تَنفيذُها في الكلِّ فتَنفُذُ، سَواءٌ كانَت الوَصايا للهِ ﵎ كالوَصيةِ بالقُرَبِ، كالوَصيةِ بالحَجِّ الفَرضِ والزَّكاةِ والصَّومِ والصَّلاةِ والكَفاراتِ والنُّذورِ وصَدقةِ الفِطرِ
стр. 14881
والأُضحيةِ وحَجِّ التَّطوعِ وصَومِ التَّطوعِ وبِناءِ المَساجدِ وإِعتاقِ النَّسمةِ وذَبحِ البَدنةِ ونَحوِ ذلك.
أو كانَت للعِبادِ كالوَصيةِ لزَيدٍ وعَمرٍو وبَكرٍ وخالِدٍ.
وكذلك لو كانَ الثُّلثُ لا يَسعُ الكُلَّ لكنَّ الوَرثةَ أَجازَت.
فأمَّا إذا كانَ الثُّلثُ لا يَسعُ ولم تُجِزِ الوَرثةُ فالوَصايا لا تَخلو من أنْ تَكونَ كلُّها للهِ تَعالى ، وهي الوَصيةُ بالقُرَبِ، أو أنْ يَكونَ بعضُها للهِ تَعالى وبعضُها للعِبادِ.
فإنْ كانَ الكلُّ للهِ تَعالى فلا يَخلو من أنْ يَكونَ الكُلُّ فَرائضَ أو واجِباتٍ أو نَوافلَ، أو اجتمَعَ في الوَصايا من كلِّ جِنسٍ من الفَرائضِ والواجِباتِ والتَّطوعاتِ، فإنْ كانَ الكلُّ فَرائضَ مُتساويةً يُبدأُ بما قدَّمَه المُوصي؛ لأنَّ عندَ تَساويهِما لا يُمكنُ التَّرجيحُ بالذَّاتِ فيُرجَّحُ بالبِدايةِ؛ لأنَّ البِدايةَ دَليلُ اهتِمامِه بما بدَأَ به؛ لأنَّ الإِنسانَ يَبدأُ بالأهَمِّ فالأهَمِّ عادةً.
واختلَفَت الرِّوايةُ عن أَبي يُوسفَ في الحَجِّ والزَّكاةِ، رُويَ عنه أنَّه يَبدأُ بالحَجِّ، وإنْ أخَّرَه المُوصي في الذِّكرِ، ورُويَ عنه أنَّه يَبدأُ بالزَّكاةِ، وهو قَولُ مُحمدٍ.
وَجهُ الرِّوايِة الأُولى أنَّ الحَجَّ عِبادةٌ بَدنيةٌ والزَّكاةَ عِبادةٌ ماليةٌ، والعِبادةُ البَدنيةُ أوْلى؛ لأنَّ النَّفسَ أنفَسُ وأعَزُّ من المالِ، فكانَ تَقرُّبًا إلى اللهِ ﵎ بأعَزِّ الأَشياءِ وأنفَسِها عندَه، فكانَ أَقوَى، فكانَت البِدايةُ به أَولى
стр. 14882
على أنَّ الحَجَّ عِبادةٌ بَدنيةٌ لها تَعلُّقٌ بالمالِ، وأنَّ الزَّكاةَ عِبادةٌ ماليةٌ لا تَعلُّقَ لها بالبَدنِ، فكانَ الحَجُّ أَقوَى فكانَ أَولى بالتَّقدُّمِ.
وَجهُ الرِّوايةِ الأُخرى أنَّ الحَجَّ تمحَّضَ حَقًّا للهِ تَعالى، وأنَّ الزَّكاةَ يَتعلَّقُ بها حَقُّ العَبدِ، فيُقدَّمُ لحاجةِ العَبدِ وغِنى اللهِ .
وقالوا في الحَجِّ والزَّكاةِ: إنَّهما يُقدَّمانِ على الكَفاراتِ؛ لأنَّهما واجِبانِ بإِيجابِ اللهِ ابتِداءً من غيرِ تَعلُّقِ وُجوبِهما بسَببٍ من جِهةِ العَبدِ، والكَفاراتُ يَتعلَّقُ وُجوبُها بأَسبابٍ تُوجدُ من العَبدِ من القَتلِ والظِّهارِ واليَمينِ، والواجِبُ ابتِداءً أَقوَى فيُقدَّمُ، والكَفاراتُ مُتقدِّمةٌ على صَدقةِ الفِطرِ؛ لأنَّ صَدقةَ الفِطرِ واجِبةٌ ولأنَّ الكَفاراتِ فَرائضُ، والفَرضُ مُقدَّمٌ على الواجِبِ، ولأنَّ هذه الكَفاراتِ مَنصوصٌ عليها في الكِتابِ الكَريمِ ولا نَصَّ في الكِتابِ على صَدقةِ الفِطرِ، وإنَّما عُرفَت بالسُّنةِ المُطهَّرةِ، فكانَ المَنصوصُ عليه في الكِتابِ الكَريمِ أَقوَى فكانَ أوْلى، وصَدقةُ الفِطرِ مُقدَّمةٌ على الأُضحيةِ وإنْ كانَت الأُضحيةُ أيضًا واجِبةً عندَنا، لكنَّ صَدقةَ الفِطرِ مُتَّفقٌ على وُجوبِها، والأُضحيةُ وُجوبُها مَحلُّ الاجتِهادِ، فالمُتَّفقُ على الوُجوبِ أَقوَى فكانَ بالبِدايةِ أوْلى.
وكذا صَدقةُ الفِطرِ مُقدَّمةٌ على كَفارةِ الفِطرِ في رَمضانَ؛ لأنَّ وُجوبَ تلك الكَفارةِ ثبَتَ بخَبَرِ الواحِدِ، وصَدقةُ الفِطرِ ثبَتَ وُجوبُها بأَخبارٍ مَشهورةٍ، والثابِتُ بالخَبَرِ المَشهورِ أَقوَى فيُقدَّمُ.
وقالوا: إنَّ صَدقةَ الفِطرِ تُقدَّمُ على المَنذورِ به؛ لأنَّها وجَبَت بإِيجابِ اللهِ
стр. 14883
﵎ ابتِداءً، والمَنذورُ به وجَبَ بإِيجابِ العَبدِ وقد تعلَّقَ وُجوبُه أيضًا بسَببِ مُباشَرةِ العَبدِ فتُقدَّمُ الصَّدقةُ.
والإِشكالُ عليه: أنَّ صَدقةَ الفِطرِ من الواجِباتِ لا من الفَرائضِ؛ لأنَّ وُجوبَها ثبَتَ بدَليلٍ غيرِ مَقطوعٍ به، بل بدَليلٍ فيه شُبهةُ العَدمِ، ولهذا لا يَكفرُ جاحِدُه والوَفاءُ بالمَنذورِ به فَرضٌ؛ لأنَّ وُجوبَه ثبَتَ بدَليلٍ مَقطوعٍ به، وهو النَّصُّ المُفسِّرُ من الكِتابِ الكَريمِ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، والفَرضُ مُقدَّمٌ على الواجِبِ، ولهذا يَكفرُ جاحِدُ وُجوبِ الوَفاءِ بالنَّذرِ.
وفي كِتابِ اللهِ دَليلٌ عليه، وهو قَولُه : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥، ٧٧]، والمَنذورُ به مُقدَّمٌ على الأُضحيةِ؛ لأنَّه واجِبُ الوَفاءِ بيَقينٍ، وفي وُجوبِ الأُضحيةِ شُبهةُ العَدمِ؛ لكَونِه مَحلَّ الاجتِهادِ، والأُضحيةُ تُقدَّمُ على النَّوافلِ؛ لأنَّها واجِبةٌ عندَ أَبي حَنيفةَ ﵁، وسُنةٌ مُؤكَّدةٌ عندَهما، وعندَ الشافِعيِّ ﵀، والواجِبُ والسُّنةُ المُؤكَّدةُ أَولى من النافِلةِ، فالظاهِرُ من حالِ المُوصي أنَّه قصَدَ تَقديمَها على النافِلةِ تَحسينًا للظَّنِّ بالمُسلمِ، إلا أنَّه ترَكَه سَهوًا، فيُقدَّمُ بدِلالةِ حالةِ التَّقديمِ وإنْ أخَّرَه بالذِّكرِ على سَبيلِ السَّهوِ.
стр. 14884
هذا الذي ذَكَرنا إذا لم يَكنْ في الوَصايا بالقُرَبِ إِعتاقٌ مُنجَزٌ، وهو الإِعتاقُ في مَرضِ المَوتِ، أو إِعتاقٌ مُعلَّقٌ بالمَوتِ، وهو التَّدبيرُ، فإنْ كانَ تقدَّمَ ذلك لأنَّ الإِعتاقَ المُنجَزَ والمُعلَّقَ بالمَوتِ لا يَحتمِلُ الفَسخَ فكانَ أَقوَى فيُقدَّمُ …
وإنْ كانَت الوَصايا بعضُها للهِ وبعضُها للعِبادِ، فإنْ أَوصَى لقَومٍ بأَعيانِهم يَتضارَبونَ بوَصاياهم في الثُّلثِ، ثم ما أَصابَ العِبادَ فهو لهم لا يُقدِّمُ بعضَهم على بعضٍ لما نُبيِّنُ، وما كانَ للهِ ﵎ يَجمعُ ذلك فيُبدأُ منها بالفَرائضِ ثم بالواجِباتِ ثم بالنَّوافلِ.
وإنْ كانَ مع الوَصايا للهِ ﵎ وَصيةٌ لواحِدٍ مُعيَّنٍ من العِبادِ فإنَّه يُضربُ بما أَوصَى له به مع الوَصايا بالقُرَبِ وتُجعلُ كلُّ جِهةٍ من جِهاتِ القُرَبِ مُفرَدةً بالضَّربِ، فإنْ قالَ: «ثُلثُ مالي في الحَجِّ والزَّكاةِ والكَفاراتِ ولزَيدٍ»؛ فإنَّ الثُّلثَ يُقسَمُ على أربَعةِ أسهُمٍ، هي: سَهمٌ للمُوصَى له، وسَهمٌ للحَجِّ، وسَهمٌ للزَّكاةِ، وسَهمٌ للكَفاراتِ؛ لأنَّ كلَّ جِهةٍ من هذه الجِهاتِ غيرُ الأُخرى، فتُفردُ كلُّ جِهةٍ بسَهمٍ، كما لو أَوصَى بثُلثِ مالِه لقَومٍ مُعيَّنينَ.
فإنْ قيلَ: جِهاتُ القُرَبِ -وإنْ اختَلفَت- المَقصودُ منها كلِّها واحِدٌ، وهو طَلبُ مَرضاةِ اللهِ ﵎ وابتِغاءُ وَجهِه الكَريمِ، فيَنبَغي أنْ يُضربَ للمُوصَى له بسَهمٍ، وللقُرَبِ بسَهمٍ، فالجَوابُ: إنْ كانَ المَقصودُ من الكُلِّ واحِدًا -وهو ابتِغاءُ وَجهِ اللهِ وطَلبُ مَرضاتِه- فالجِهةُ مَنصوصٌ عليها فيَجبُ اعتِبارُها، كما لو أَوصَى بثُلثِ مالِه للفُقراءِ والمَساكينِ وأَبناءِ
стр. 14885
السَّبيلِ فكلُّ واحِدٍ منهم يَضربُ بسَهمِه، وإنْ كانَ المَقصودُ من الكلِّ التَّقربَ إلى اللهِ ، لكنْ لمَّا كانَت الجِهةُ مَنصوصًا عليها اعتُبِرَ المَنصوصُ عليه، كذا ههنا، هذا إذا كانَت الوَصايا كلُّها للهِ ﵎ أو بعضُها للهِ ﵎، وبعضُها للعِبادِ.
فأمَّا إذا كانَت كلُّها للعِبادِ فإنَّها لا تَخلو من أحدِ وَجهَينِ، إمَّا أنْ تَكونَ كلُّها في الثُّلثِ لم يُجاوِزْ واحِدةٌ منها قَدرَ الثُّلثِ، وإمَّا أنْ تُجاوِزَ، فإنْ لم تُجاوِزْ بأنْ أَوصَى لإِنسانٍ بثُلثِ مالِه ولآخَرَ بالرُّبعِ ولآخَرَ بالسُّدسِ؛ فإنَّهم يَتضارَبونَ في الثُّلثِ بقَدرِ حُقوقِهم، فيَضربُ صاحِبُ الثُّلثِ بثُلثِ الثُّلثِ وصاحِبُ الرُّبعِ برُبعِ الثُّلثِ وصاحِبُ السُّدسِ بسُدسِ الثُّلثِ، فيَضربُ كلُّ واحِدٍ منهم بقَدرِ فَريضَتِه من الثُّلثِ، فلا يُقدَّمُ بعضُهم على بَعضٍ إلا إذا كانَ مع هذه الوَصايا أحدُ الأَشياءِ الثَّلاثةِ: الإِعتاقُ المُنجَزُ في المَرضِ أو المُعلَّقُ بالمَوتِ في المَرضِ أو في الصِّحةِ وهو التَّدبيرُ أو البَيعُ بالمُحاباةِ بما لا يَتغابَنُ الناسُ فيه في المَرضِ، فيُقدَّمُ هو على سائِرِ الوَصايا التي هي للعِبادِ، كما يُقدَّمُ على الوَصايا بالقُرَبِ، فيُبدأُ بذلك قبلَ كلِّ وَصيةٍ، ثم يَتضارَبُ أهلُ الوَصايا فيما يَبقَى من الثُّلثِ ويَكونُ بينَهم على قَدرِ وَصاياهم، وإنَّما قُلنا: إنَّه لا يُقدَّمُ بعضٌ على بعضٍ في غيرِ المَواضعِ المُستثناةِ؛ لأنَّ تَقديمَ بَعضٍ على بَعضٍ يَستَدعي وُجودَ المُرجِّح ولم يُوجدْ؛ لأنَّ الوَصايا كلَّها استَوَت في سَببِ الاستِحقاقِ؛ لأنَّ سَببَ استِحقاقِ كلِّ واحِدٍ منهم مِثلُ سَببِ صاحِبِه، والاستِواءُ في السَّببِ يُوجبُ الاستِواءَ في الحُكمِ، ولا استِواءَ
стр. 14886
في سَببِ الاستِحقاقِ في مَواضعِ الاستِثناءِ؛ لأنَّ الإِعتاقَ المُنجَزَ والإِعتاقَ المُعلَّقَ بالمَوتِ لا يَحتملانِ الفَسخَ، والمُحاباةُ تُستحَقُّ بعَقدِ ضَمانٍ وهو البَيعُ؛ إذْ هو عَقدُ مُعاوضةٍ، فكانَ البَيعُ مَضمونًا بالثَّمنِ، والوَصيةُ تَبرعٌ فكانَت المُحاباةُ المُتعلِّقةُ بعَقدِ الضَّمانِ أَقوَى فكانَت أَولى بالتَّقديمِ …
هذا إذا كانَ مع الوَصايا للعِبادِ عِتقٌ أو مُحاباةٌ، فإنْ لم يَكنْ يضربُ كلُّ واحِدٍ منهما بقَدرِ حَقِّه من الثُّلثِ، حتى لو أَوصَى لرَجلٍ بثُلثِ مالِه ولآخَرَ بالسُّدسِ ولم تُجِزِ الوَرثةُ يُقسَمُ الثُّلثُ بينَهما أَثلاثًا كما يَلي: سَهمانِ لصاحِبِ الثُّلثِ وسَهمٌ لصاحِبِ السُّدسِ، أَصلُ المَسألةِ من سِتةٍ، ثُلثُ المالِ ثَلاثةٌ وثُلثاه مِثلاه وذلك سِتةٌ، فجُملةُ المالِ تِسعةٌ، ثُلثُه، وذلك ثَلاثةٌ للمُوصَى لهما بالثُّلثِ، ويَكونُ السُّدسُ بينَهما أَثلاثًا وثُلثاه وذلك سِتةٌ للوَرثةِ فاستَقامَ الثُّلثُ والثُّلثانِ.
وإنْ أَجازَت الوَرثةُ فللمُوصَى له بالثُّلثِ سَهمانِ وللمُوصَى له بالسُّدسِ سَهمٌ، والباقي -وهو ثَلاثةٌ من سِتةٍ- للوَرثةِ على فَرائضِ اللهِ ﵎ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا ضاقَ ثُلثُ المَيتِ الذي يُخرجُ منه الوَصايا عمَّا يَجبُ إِخراجُه منه فإنَّه يُقدَّمُ من ذلك فَكُّ الأَسيرِ المُوصَى بفَكِّه ثم مُدبَّرٌ ثم صَداقُ المَريضِ، ومَعناه أنَّ المُوصي تزوَّجَ وهو مَريضٌ وبَنى بها وماتَ، أَوصَى به أو لا.
стр. 14887
ثم يَلي صَداقَ المَريضِ زَكاةُ العَينِ المُوصَى بها وقد فرَّطَ فيها حتى ماتَ، ثم يَلي ما تقدَّمَ زَكاةُ الفِطرِ لوُجوبِها بالسُّنةِ، وهذا بالنِّسبةِ لزَكاةِ الفِطرِ الماضيةِ، وأمَّا الحاضِرةُ كزَكاةِ العَينِ فمِن رأسِ المالِ، ثم يَلي زَكاةَ الفِطرِ في الإِخراجِ كَفارةُ الظِّهارِ والقَتلِ في الخَطأِ بخِلافِ قَتلِ العَمدِ.
ثم كَفارةُ اليَمينِ؛ لأنَّها على التَّخييرِ، ثم كَفارةُ فِطرِ رَمضانَ عَمدًا بسَببِ أكلٍ أو جِماعٍ، ثم يَلي كَفارةَ فِطرِ رَمضانَ كَفارةُ التَّفريطِ في قَضائِه حتى دخَلَ عليه رَمضانُ آخَرُ؛ لأنَّ كَفارةَ الفِطرِ لخَللٍ حصَلَ به في ذاتِ الصَّومِ، وكَفارةُ التَّفريطِ لتأخيرِه في قَضائِه عن وَقتِه، ولا شَكَّ أنَّ الأولَ آكَدُ، ثم يَلي كَفارةَ التَّفريطِ النَّذرُ الذي لزِمَه سَواءٌ نذَرَه في صِحتِه أو في مَرضِه؛ لأنَّ النَّذرَ أدخَلَه على نَفسِه، والإِطعامُ المَذكورُ وجَبَ بنَصِّ السُّنةِ فهو أَقوَى، ثم يَلي النَّذرَ المُبتَّلُ من العِتقِ في المَرضِ والمُدبَّرُ في المَرضِ، وهُما في مَرتبةٍ واحِدةٍ حيثُ كانا في فَورٍ واحِدٍ، وإلا بُدئَ بالأولِ.
ثم يَلي المُبتَّلَ من العِتقِ والمُدبَّرَ في المَرضِ المُوصَى بعِتقِه مُعيَّنًا، أو أَوصَى بأنْ يُشتَرى عَبدُ فُلانٍ المُعيَّنُ لأجلِ أنْ يُعتِقوه، أو أَوصَى بعِتقِ عَبدِه إلى شَهرٍ، أو أَوصَى بعِتقِه على مالٍ فعجَّلَه، ومِثلُه ما إذا أَوصَى بكِتابتِه، ثم يَليه المُعتَقُ لسَنةٍ، ثم يَلي المُعتَقَ إلى سَنةٍ المُوصَى بعِتقِه غيرَ مُعيَّنٍ، كقَولِه: «أعتِقوا عَبدًا».
ثم تَليه الوَصيةُ بالحَجِّ عن المُوصي إنْ لم يَكنْ حَجَّ صَرورةً، أمَّا إنْ
стр. 14888
كانَ الحَجُّ المُوصَى به صَرورةً، أي: حَجةَ الإِسلامِ؛ فإنَّ المُوصَى بعِتقِه غيرَ المُعيَّنِ والصَّرورةَ يَتحاصَّانِ، ولا يُقدَّمُ أَحدُهما على الآخَرِ (١).
قالَ الإِمامُ القُرطُبيُّ ﵀: قَولُه: «فدَينُ اللهِ أحَقُّ أنْ يُقضَى»؛ فإنَّه ليسَ على ظاهِرِه إِجماعًا؛ فإنَّ دَينَ العَبدِ أَولى بالقَضاءِ وبه يُبدأُ إِجماعًا لفَقرِ الآدَميِّ واستِغناءِ اللهِ تَعالى، قالَه ابنُ العَربيِّ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا اجتمَعَ في وَصيةٍ تَبرعاتٌ مُتعلِّقةٌ بالمَوتِ وإنْ كانَت مُرتبةً وعجَزَ الثُّلثُ عنها ولم يُوفَّ بها، فإنْ تمحَّضَ العِتقُ كأنْ قالَ: «إذا مِتُّ فأنتُم أَحرارٌ، أو غانِمٌ وسالِمٌ وبَكرٌ أَحرارٌ» أُقرِعَ بينَهم، فمَن قُرعَ عُتقَ منه ما يَكفي الثُّلثَ، وهذا عندَ الإِطلاقِ، أمَّا إذا قالَ: «أَعتِقوا سالِمًا بعدَ مَوتي ثم غانِمًا ثم بكرًا»؛ فإنَّه يُقدَّمُ ما قدَّمَه جَزمًا.
أو تَمحَّضَت تَبرعاتُ غيرِه قُسِّط الثُّلثُ على الجَميعِ باعتِبارِ القيمةِ أو المِقدارِ كما تُقسَّمُ التَّركةُ بينَ أَربابِ الدُّيونِ، فلو أَوصَى لزَيدٍ بمِئةٍ ولبَكرٍ بخَمسينَ ولعُمرَ بخَمسينَ وثُلثُ مالِه مِئةٌ أُعطيَ الأولُ خَمسينَ وكلٌّ من الآخَرَينِ خَمسةً وعِشرينَ، ولا يُقدَّمُ بعضُها على بَعضٍ بالسَّبقِ؛
стр. 14889
لأنَّ الوَصايا إنَّما تُملكُ بالمَوتِ فاستَوى فيها حُكمُ المُتقدِّمِ والمُتأخِّرِ، وقاسَه الشافِعيُّ ﵁ على العَولِ في الفَرائضِ.
هذا عندَ الإِطلاقِ، فلو رتَّبَ -كأنْ قالَ: «أَعطوا زَيدًا مِئةً ثم عَمْرًا مِئةً» - جَرى عليه حُكمُ تَرتيبِه.
ولو اجتمَعَ عِتقٌ وغَيرُه -كأنْ أَوصَى بعِتقِ سالِمٍ ولزَيدٍ بمِئةٍ- قُسِّطَ الثُّلثُ عليهما بالقيمةِ للعَتيقِ لاتِّحادِ وَقتِ الاستِحقاقِ، فإذا كانَت قيمَتُه مِئةً وكانَ الثُّلثُ مِئةً عُتقَ نِصفُه ولزَيدٍ خَمسونٌ.
وفي قَولٍ يُقدَّمُ العِتقُ لقُوَّتِه؛ لتَعلُّقِ حَقِّ اللهِ تَعالى وحَقِّ الآدَميِّ.
ولو اجتمَعَ تَبرعاتٌ مُنجَزةٌ -كأنْ أعتَقَ ووقَفَ وتَصدَّقَ ووهَبَ وأبرَأَ- قُدِّم الأولُ منها فالأولُ، حتى يَتمَّ الثُّلثُ لقُوتِه ونُفوذِه؛ لأنَّه لا يَفتقِرُ إلى إِجازةٍ، وسَواءٌ كانَ فيها عِتقٌ أو لا، اتَّحدَ جِنسُها أو لا، ويَتوقَّفُ ما بَقيَ منها على إِجازةِ الوارِثِ.
فإنْ وُجدَت هذه التَّبرعاتُ دُفعةً -إمَّا مِنه أو بوَكالةٍ- واتَّحدَ الجِنسُ فيها كعِتقِ عَبيدٍ أو إِبراءِ جَمعٍ، كقَولِه: «أعتَقتُكم أو أبرَأتُكم» أُقرعَ في العِتقِ خاصَّةً؛ حَذرًا من التَّشقيصِ في الجَميعِ؛ لخَبَرِ مُسلمٍ: «إنَّ رَجلًا أعتَقَ سِتةَ مَملوكينَ له عندَ مَوتِه، ولم يَكنْ له مالٌ غيرُهم، فدَعاهم رَسولُ اللهِ ﷺ فجَزَّأهم أَثلاثًا وأقرَعَ بينَهم، فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً».
وقُسِّطَ بالقيمةِ في غيرِه، كما لو وهَبَ جَماعةٌ وقبِلوا معًا وقبَضوا معًا، أو حابَى جَماعةً، والتَّقسيطُ في جَميعِ ذلك باعتِبارِ القيمةِ.
стр. 14890
وإنِ اختَلفَ جِنسُ التَّبرعاتِ وتَصرَّفَ فيما دفَعَه وُكلاءُ المُوصي فإنْ لم يَكنْ فيها عِتقٌ بأنْ تمحَّضَ غيرُه كأنْ وكَّلَ وَكيلًا في هِبةٍ وآخَرَ في بَيعٍ بمُحاباةٍ وآخَرَ في صَدقةٍ وتَصرَّفوا دُفعةً واحِدةً قُسِّطَ الثُّلثُ على الكلِّ باعتِبارِ القيمةِ كما يُفعلُ في الدُّيونِ، وإنْ كانَ في تَصرُّفِ الوُكلاءِ عِتقٌ قُسِّط الثُّلثُ عليها أيضًا، وفي قَولٍ يُقدَّمُ العِتقُ.
وإذا اجتمَعَت تَبرعاتٌ مُنجَرةٌ وتَبرعاتٌ مُتعلِّقةٌ بالمَوتِ يُقدَّمُ المُنجَزُ منها؛ لأنَّها لازِمةٌ لا يَتمكَّنُ المَريضُ من الرُّجوعِ عنها (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ عجَزَ الثُّلثُ عن التَّبرعاتِ المُنجَزةِ بدَأَ بالأولِ منها فالأولِ، عِتقًا كانَت أو غيرَه؛ لأنَّ العَطيةَ المُنجَزةَ لازِمةٌ في حَقِّ المُعطي، فإذا كانَت خارِجةً من الثُّلثِ لزِمَت في حَقِّ الوَرثةِ، فلو شارَكَتها الثانيةُ لمنَعَ ذلك لزُومهَا في حَقِّ المُعطي؛ لأنَّه يَملكُ الرُّجوعَ عن بعضِها بعَطيةٍ أُخرى.
فإنْ وقَعَت العَطايا المُنجَزةُ دُفعةً واحِدةً -كأنْ قبِلَها الكلُّ معًا أو وكَّلوا واحِدًا قبِلَ لهم بلَفظٍ واحِدٍ- قُسِّم الثُّلثُ بينَ الجَميعِ بالحِصصِ؛ لتَساوي أهلِها في استِحقاقِها لحُصولِه في آنٍ واحِدٍ، ولا يُقدَّمُ عِتقٌ على غيرِه من التَّبرعاتِ (٢).
стр. 14891
الفَرقُ بينَ العَطيةِ والوَصيةِ:
العَطيةُ هي التَّبرعُ عندَ المَوتِ، وتُفارقُ العَطيةُ الوَصيةَ في أربَعةِ أَحكامٍ عندَ الحَنابِلةِ:
أَحدُها: أنْ يَبدأَ بالأولِ فالأولِ منها، أي: العَطايا لوُقوعِها لازِمةً، والوَصيةُ يُسوَّى بينَ مُتقدِّمِها ومُتأخِّرِها؛ لأنَّها تَبرعٌ بعدَ المَوتِ فوُجدَت دُفعةً واحِدةً.
الثاني: لا يَصحُّ الرُّجوعُ في العَطيةِ بعدَ القَبضِ؛ لأنَّها لازِمةٌ في حَقِّ المُعطي ولو كثُرَت، وإنَّما مُنعَ من التَّبرعِ بزِيادةٍ على الثُّلثِ لحَقِّ الوَرثةِ بخِلافِ الوَصيةِ؛ فإنَّه يَملكُ الرُّجوعَ فيها؛ لأنَّ التَّبرعَ فيها مَشروطٌ بالمَوتِ فقبلَ المَوتِ لم يُوجدْ، فهي كالهِبةِ قبلَ القَبولِ.
الثالِثُ: يُعتبَرُ قَبولُه للعَطيةِ عندَ وُجودِها؛ لأنَّها تَمليكٌ في الحالِ، والوَصيةُ بخِلافِه؛ فإنَّها تَمليكٌ بعدَ المَوتِ فاعتُبِرَ عندَ وُجودِه، ولا حُكمَ لقَبولِها ولا رَدِّها قبلَ المَوتِ.
الرابِعُ: أنَّ المِلكَ يَثبتُ في العَطيةِ من حينِ وُجودِها بشُروطِها؛ لأنَّها إنْ كانَت هِبةً فمُقتَضاها تَمليكُه المَوهوبَ في الحالِ كعَطيةِ الصِّحةِ وكذا إنْ كانَت مُحاباةً أو إِعتاقًا، ويَكونُ المِلكُ مُراعًى؛ لأنَّا لا نَعلمُ هل هو مَرضُ المَوتِ أو لا، ولا نَعلمُ هل يَستفيدُ مالًا أو يَتلَفُ شَيءٌ من مالِه، فتَوقَّفنا لنَعلمَ عاقِبةَ أمرِه لنَعملَ بها.
فإذا خرَجَت العَطيةُ من ثُلثِه عندَ مَوتِه تَبيَّنَّا أنَّ المِلكَ كانَ ثابِتًا من حينِ الإِعطاءِ؛ لأنَّ المانِعَ من ثُبوتِه كَونُه زائِدًا على الثُّلثِ، وقد تبيَّنَ خِلافُه (١).
стр. 14892
فصل في الرُّجوعِ في الوَصيةِ وما تَبطلُ به
صِفةُ الوَصيةِ من حيثُ اللُّزومُ وعَدمُه والرُّجوعُ عنها:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الوَصيةَ عَقدٌ جائِزٌ غيرُ لازِمٍ إذا لم تَكُنْ في حَقٍّ واجِبٍ، وجائِزٌ للمُوصي أنْ يَرجعَ في وَصيتِه أو في بعضِها ما دامَ حَيًّا؛ لأنَّ الوَصيةَ عَقدُ تَبرعٍ فجازَ له الرُّجوعُ كما في الهِبةِ قبلَ القَبضِ، ولأنَّ تَمامَها بمَوتِ المُوصي، ولأنَّ القَبولَ يَتوقَّفُ على المَوتِ، ولأنَّ الإِيجابَ المُفردَ يَجوزُ إِبطالُه في المُعاوَضاتِ كالبَيعِ، ففي التَّبرعِ أوْلى؛ لأنَّ الذي وُجدَ من المُوصي حالَ حَياتِه هو الإِيجابُ فقط، فجازَ الرُّجوعُ فيه قبلَ القَبولِ كما في سائِرِ العُقودِ، كالبَيعِ وغيرِه، بل هو أَولى بالإِبطالِ من غيرِه قبلَ القَبولِ؛ لأنَّه عَقدُ تَبرعٍ (١).
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ على أنَّ للرَّجلِ أنْ يَرجعَ في جَميعِ ما يُوصي به إلا العِتقَ (٢).
стр. 14893
وقالَ أَبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: لا يَختلِفُ العُلماءُ على أنَّ للإِنسانِ أنْ يُغيرَ وَصيتَه ويَرجعَ فيما شاءَ منها (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ للوَصيِّ أنْ يَرجعَ في جَميعِ ما أَوصَى به وفي بَعضِه، إلا الوَصيةَ بالإِعتاقِ، والأَكثرونَ على جَوازِ الرُّجوعِ في الوَصيةِ به أيضًا.
رُويَ عن عُمرَ ﵀ أنَّه قالَ: «يُغيِّرُ الرَّجلُ ما شاءَ من وَصيتِه»، وبه قالَ عَطاءٌ وجابِرُ بنُ زَيدٍ والزُّهريُّ وقَتادةُ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأَحمدُ وإِسحاقُ وأبو ثَورٍ (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: والوَصيةُ بالجُملةِ هي هِبةُ الرَّجلِ مالَه لشَخصٍ آخَرَ أو لأَشخاصٍ بعدَ مَوتِه، أو عِتقُ غُلامِه، سَواءٌ صرَّحَ بلَفظِ الوَصيةِ أو لم يُصرِّحْ به، وهذا العَقدُ هو من العُقودِ الجائِزةِ باتِّفاقٍ، أَعني أنَّ للمُوصيَ أنْ يَرجعَ فيما أَوصَى به (٣).
وقالَ الإِمامُ ابنُ عَرفةَ ﵀: يَجوزُ رُجوعُ المُوصي عن وَصيتِه إِجماعًا في صِحةٍ أو مَرضٍ (٤).
стр. 14894
وقالَ الإِمامُ الخَرشيُّ: عَقدُ الوَصيةِ جائِزٌ غيرُ لازِمٍ إِجماعًا، فللمُوصي أنْ يَرجعَ فيها ويُبطلَها ما دامَ حَيًّا، وسَواءٌ اشتَرَط عَدمَ رُجوعِه فيها أو لا، وسَواءٌ كانَت بعِتقٍ أو غيرِه كانَت في صِحتِه أو في مَرضِه أو في سَفرِه (١).
واستدَلَّ العُلماءُ على هذا بما رَواه ابنُ أَبي شَيبةَ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ بنِ أَبي رَبيعةَ أو الحارِثِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أَبي رَبيعةَ قالَ: «قُلتُ لعُمرَ: شَيءٌ يَصنعُه أهلُ اليَمنِ يُوصي الرَّجلُ ثم يُغيِّرُ وَصيتَه. قالَ: ليُغيِّرْ ما شاءَ من وَصيتِه» (٢).
وفي لَفظِ الدارِميِّ عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي رَبيعةَ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ ﵁ قالَ: «يُحدِثُ الرَّجلُ في وَصيتِه ما شاءَ ومِلاكُ الوَصيةِ آخِرُها» (٣).
إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا بعَدمِ جَوازِ الرُّجوعِ فيما بَتَله المَريضُ في مَرضِ مَوتِه من صَدقةٍ أو حَبسٍ أو هِبةٍ.
قالَ الخَرشيُّ: وأمَّا ما بَتَله (٤) المَريضُ في مَرضِه من صَدقةٍ أو حَبسٍ أو هِبةٍ فليس له الرُّجوعُ فيه، مع أنَّ حُكمَه حُكمُ الوَصيةِ، قالَه في «المُدوَّنة» في كِتابِ الصَّدقةِ، وبالَغَ على الرُّجوعِ في المَرضِ لئلَّا يُتوهَّمَ أنَّ الرُّجوعَ فيه انتِزاعٌ للغيرِ فلا يُعتبَرُ (٥).
стр. 14895
وقالَ الشَّيخُ مُحمد عليش: وفي «النَّوادرِ»: ما بتَلَه المَريضُ لا رُجوعَ له فيه إلا أنْ يُستدلَّ بما يُعلمُ به أنَّه أَرادَ به الوَصيةَ (١).
إذا اشتَرَط على نَفسِه عَدمَ الرُّجوعِ في وَصيتِه:
اختَلفَ فُقهاءُ المالِكيةِ فيما لو اشتَرَط المُوصي في وَصيتِه عَدمَ الرُّجوعِ فيها، هل يَصحُّ رُجوعُه فيها بعدَ ذلك أو تَلزمُ ولا يَصحُّ رُجوعُه؟ على قَولَينِ:
قالَ ابنُ عَرفةَ: فلو التَزمَ فيها عَدمَ الرُّجوعِ ففي لُزومِها اختِلافٌ بينَ مُتأخِّري فُقهاءِ تُونسَ.
وقالَ بعضُهم -وهو الشَّيخُ أَبو علِيِّ بنُ علوانَ-: في لُزومِها بالتِزامِه عَدمُ الرُّجوعِ (٢).
وقالَ المَوَّاقُ بعدَما حَكى قَولَ ابنِ عَرفةَ: ولم يَنقُلِ ابنُ الحاجِّ وابنُ سَلمونٍ إلا قَولَ أَبي إِسحاقَ التُونسيِّ: لو قالَ في الوَصيةِ: «لا رُجوعَ لي فيها»، أو فُهمَ عنه إِيجابُ ذلك على نَفسِه لكانَت كالتَّدبيرِ، ولم يَكنْ له رُجوعٌ عن ذلك (٣).
وقالَ الخَرشيُّ: عَقدُ الوَصيةِ جائِزٌ غيرُ لازِمٍ إِجماعًا، فللمُوصي أنْ يَرجعَ فيها ويُبطلَها ما دامَ حَيًّا، وسَواءٌ اشتَرَط عَدمَ رُجوعِه فيها أو لا (٤).
стр. 14896
وأمَّا سائِرُ العُلماءِ فلم يَذكُروا حُكمَ ما لو اشتَرَط على نَفسِه عَدمَ الرُّجوعِ، ومَفهومُ كَلامِهم أنَّ له الرُّجوعَ مُطلَقًا سَواءٌ شرَطَ الرُّجوعَ أو لم يَشتَرطْ.
الحِكمةُ من جَوازِ الرُّجوعِ في الوَصيةِ:
قالَ الإِمامُ القَرافِيُّ ﵀: شرَعَ اللهُ تَعالى الوَصيةَ وشرَعَ الرُّجوعَ فيها لُطفًا بالعِبادِ بتَوفيرِ عُزومِهم على تَكثيرِ الوَصايا، وقالَه الأئِمةُ، فلو اعتقَدَ المَريضُ تَعذُّرَ الرُّجوعِ لامتنَعَ من الوَصيةِ خَشيةَ الصِّحةِ ويَذهبُ عليه مالُه، فإذا علِمَ أنَّ له الرُّجوعَ صَحيحًا ومَريضًا استكثَرَ من الوَصايا، حتى لو أمكَنَه استِيعابُ مالِه استَوعَبَه بتَقديمِ مالِه بينَ يَدَيه ويَسعدُ المُوصَى له بالوَصايا (١).
ما يَحصلُ به الرُّجوعُ عن الوَصيةِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الرُّجوعَ يَحصلُ في الوَصيةِ بالقَولِ، كأنْ يَقولَ: «رَجَعت في وَصيَتي أو رَدَدتُها أو أبطَلتُها أو نسَختُها أو نقَضتُها أو غيَّرتُها أو ما أَوصَيتُ به لفُلانٍ فهو لفُلانٍ، أو فهو لوَرثَتي، أو هو في ميراثي»، وكذا كلُّ مَعنًى أدَّى إلى هذا.
وكذلك يَحصلُ الرُّجوعُ بالفِعلِ.
قالَ أَبو الوَليدِ الباجيُّ: لا خِلافَ في الرُّجوعِ عن الوَصيةِ بالقَولِ والفِعلِ (٢).
стр. 14897
أولاً: الرُّجوعُ في الوَصيةِ بالقَولِ:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ كما تقدَّمَ على جَوازِ الرُّجوعِ في الوَصيةِ بالقَولِ.
قالَ الحَنفيةُ: يَحصلُ الرُّجوعُ عن الوَصيةِ بقَولٍ صَريحٍ كأنْ يَقولَ: «رجَعتُ عن الوَصيةِ، أو أبطَلتُها» ونَحوَ ذلك (١).
وقالَ المالِكيةُ: الرُّجوعُ في الوَصيةِ يَكونُ بأُمورٍ، منها القَولُ كقَولِه: «أبطَلتُ وَصيَتي أو رجَعتُ عنها أو نسَختُها أو لا تُنفِّذوها أو ادفَعوها لغيرِه من الفُقراءِ» ونَحوَ ذلك (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: يَحصلُ الرُّجوعُ بالقَولِ بأُمورٍ، منها:
قَولُ المُوصي: «نقَضتُ الوَصيةَ أو أبطَلتُها أو رفَعتُها أو رَدَدتُها أو رجَعتُ فيها أو فسَختُها أو أزَلتُها» ونَحوَ ذلك من الصَّرائحِ، وكذا لو قالَ: هو حَرامٌ على المُوصَى له على المَذهبِ.
أو «هذا لوارِثي بعدَ مَوتي»، مُشيرًا إلى المُوصَى به، أو «هو مِيراثٌ عني» ولو لم يَقُلْ بعدَ مَوتي؛ لأنَّه لا يَكونُ لوارِثِه إلا إذا انقطَعَ تَعلُّقُ المُوصَى له عنه.
стр. 14898
ولو قالَ: «هو تَرِكَتي»: ففيه وَجهانِ:
أحَدُهما: لم يَكنْ رُجوعًا؛ لأنَّ المُوصَى به من التَّركةِ.
والثاني: يَكونُ رُجوعًا؛ لأنَّ التَّركةَ للوَرثةِ.
ولو سُئلَ عن الوَصيةِ فأنكَرَها يُفرَّقُ فيه بينَ أنْ يَكونَ لغَرضٍ فلا يَكونَ رُجوعًا، أو ليسَ لغَرضٍ فيَكونَ رُجوعًا، وهذا هو المُعتمَدُ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: ويَحصلُ الرُّجوعُ في الوَصيةِ بقَولِه: «رجَعتُ في وَصيَتي أو أبطَلتُها أو غيَّرتُها أو فسَختُها أو ما أَوصَيتُ به لفُلانٍ فهو لفُلانٍ أو فهو لوَرثَتي أو في مِيراثي».
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ قالَ: «ما أَوصَيت به لبِشْرٍ فهو لبَكرٍ» كانَت لبَكرٍ، هذا قَولُهم جَميعًا، وبه قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ، وهو أيضًا على مَذهبِ الحَسنِ وعَطاءٍ وطاوُسٍ ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه صرَّحَ بالرُّجوعِ عن الأولِ بذِكرِه أنَّ ما أَوصَى به مَردودٌ إلى الثاني، فأشبَهَ ما لو قالَ: «رجَعتُ عن وَصيَّتي لبِشرٍ وأَوصَيتُ بها لبَكرٍ»، بخِلافِ ما أَوصَى بشَيءٍ واحِدٍ لرَجلَينِ أَحدُهما بعدَ الآخَرِ؛ فإنَّه يَحتمِلُ أنَّه قصَدَ التَّشريكَ بينَهما، وقد ثبتَتَ وَصيةُ الأولِ يَقينًا، فلا تَزولُ بالشَّكِّ (٢).
стр. 14899
ثانيًا: الرُّجوعُ في الوَصيةِ بالفِعلِ والتَّصرفِ:
التَّصرفُ في المُوصَى به من قِبَلِ المُوصي لا يَخلو من حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: تَصرفٌ لا يُعتبَرُ رُجوعًا باتِّفاقِ الفُقهاءِ:
إذا تصرَّفَ المُوصي في العَينِ المُوصَى بها تَصرُّفًا لا يُغيِّرُ حَقيقتَها ولا يُخرجُها عن مِلكِه كالانتِفاعِ بالعَينِ المُوصَى بها مِثلَ أنْ يَركبَ المُوصي الدابةَ المُوصَى بها أو يَسكنَ الدارَ المُوصَى بها أو يَغسلَ الثَّوبَ المُوصَى به، وهكذا، فلا يُعتبَرُ هذا رُجوعًا عن الوَصيةِ بالاتِّفاقِ.
وكذلك إذا أجَّرَ العَينَ المُوصَى بها أو أَعارَها أو أَودَعها، كلُّ هذا لا يُخرجُ العَينَ المُوصَى بها عن الوَصيةِ ولا يُعتبَرُ ذلك رُجوعًا فيها.
قالَ الإِمامُ السَّرخَسيُّ: إذا زادَ شَيئًا يُتوصَّلُ به إليه بغيرِ بَذلٍ كما إذا أَوصَى بدارٍ ثم جصَّصَها أو طَيَّنها فذلك لا يَكونُ رُجوعًا؛ لأنَّ ذلك تَحسينٌ وتَزيينٌ، ويُتوصَّلُ إليه بغيرِ بَذلٍ فلم يَكنْ رُجوعًا، وكانَ ذلك دَليلَ البَقاءِ على الوَصيةِ.
وكذلك لو أَوصَى له بثَوبٍ ثم غسَلَه لم يَكنْ رُجوعًا؛ لأنَّه ليسَ بزِيادةٍ وإنَّما ذلك لإِزالةِ الدَّرنِ والوَسخِ (١).
وقالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ: ولو أَوصَى بثَوبٍ ثم غسَلَه أو بدارٍ ثم جصَّصَها أو هدَمَها لم يَكنْ شَيءٌ من ذلك رُجوعًا؛ لأنَّ الغَسلَ إِزالةُ الدَّرنِ، والوَصيةُ لم تَتعلَّقْ به فلم يَكنْ الغَسلُ تَصرُّفًا في المُوصَى به، وتَجصيصُ الدارِ ليسَ
стр. 14900
تَصرُّفًا في الدارِ، بل في البِناءِ؛ لأنَّ الدارَ اسمٌ للعَرصةِ، والبِناءُ بمَنزلةِ الصِّفةِ، فيَكونُ تَبعًا للدارِ، والتَّصرُّفُ في التَّبعِ لا يَدلُّ على الرُّجوعِ عن الأَصلِ، ونَقضُ البِناءِ تَصرُّفٌ في البِناءِ، والبِناءُ صِفةٌ وإنَّها تابِعةٌ (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا تَبطلُ وَصيةُ مَنْ أَوصَى لشَخصٍ بدارٍ أو بثَوبٍ ثم إنَّ المُوصيَ جصَّصَ الدارَ بالجِيرِ ونَحوِه، أو صبَغَ ذلك الثَّوبَ، ويأخُذُ المُوصَى له ما ذكَرَ بزِيادتِه؛ لأنَّ ما أَوصَى به يُطلقُ على ما حصَلَ فيه الزِّيادةُ فلم يَتغيَّرْ الاسمُ، كما إذا أَوصَى بعَرضٍ بلَفظِ ثَوبٍ وفصَّلَه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: وليسَ التَّزويجُ والخِتانُ والتَّعليمُ والاستِخدامُ والإِعارةُ والإِجارةُ للمُوصَى به والرُّكوبُ للمَركوبِ واللُّبسُ للثَّوبِ والإذْنُ للرَّقيقِ في التِّجارِة رُجوعًا؛ إذْ لا إِشعارَ لها به، بل هي إمَّا انتِفاعٌ وله المَنفعةُ والرَّقبةُ قبلَ مَوتِه وإمَّا استِصلاحٌ مَحضٌ، ورُبما قصَدَ به إِفادةَ المُوصَى له (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ غَسلَ الثَّوبَ المُوصَى به أو لبِسَه أو جصَّصَ الدارَ المُوصَى بها أو انهَدَمت ولم يُزِلِ اسمَها أو سكَنَها أو زرَعَ الأرضَ المُوصَى بها أو أجَّرَ العَينَ المُوصَى بها لم يَكنْ رُجوعًا؛ لأنَّ ذلك لا يُزيلُ المِلكَ ولا الاسمَ، ولا يَدلُّ على الرُّجوعِ (٤).
стр. 14901
الحالةُ الثانيةُ: تَصرُّفٌ يُعتبَرُ رُجوعًا:
تَصرفاتُ المُوصي في المُوصَى به إمَّا أنْ تَكونَ تَصرُّفًا يُعتبَرُ رُجوعًا عن وَصيتِه بالإِجماعِ كتَصرُّفٍ يُزيلُ مِلكَه عنه وإمَّا أنْ تَكونَ تَصرُّفًا مُختلَفًا فيه، وبَيانُ ذلك فيما يَلي:
١ - بَيعُ العَينِ المُوصَى بها:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُوصيَ إذا باعَ العَينَ المُوصَى بها فذلك رُجوعٌ؛ لأنَّ الوَصيةَ لا تَنفُذُ إلا في مِلكِ المُوصي، فإذا أزالَه كانَ رُجوعًا.
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا أَوصَى لرَجلٍ بطَعامٍ فأكَلَه أو بجِاريةٍ فباعَها أو وهَبَه أو تصدَّقَ به فذلك كلُّه رُجوعٌ، وكذلك لو كانَت جاريةً فأحبَلَها وأولَدَها فذلك رُجوعٌ (١).
إلا أنَّهم اختلَفوا فيما لو عادَ المُوصَى به إلى مِلكِه، هل يَرجعُ وَصيةً كما كانَ أو تَبطلُ الوَصيةُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ المُوصَى به إذا خرَجَ عن مِلكِ
стр. 14902
المُوصي ببَيعٍ أو هِبةٍ فهو رُجوعٌ عن الوَصيةِ، سَواءٌ عادَ المُوصَى به إلى مِلكِه أو لا، فلا تَعودُ الوَصيةُ لو عادَ المِلكُ (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا تَبطلُ وَصيةُ مَنْ أَوصَى لشَخصٍ بثِيابِه، أي: ثِيابِ بَدنِه غيرِ المُعيَّنةِ ثم باعَها المُوصي واستَخلَف غيرَها من جِنسِها أو غيرِ جِنسِها، ويأخُذُ المُوصَى له ثيابَه التي استَخلَفها، وكذلك إذا أَوصَى له بغَنمِه أو برَقيقِه وما أشبَهَ ذلك فباعَ ذلك واستَخلفَ غيرَه؛ فإنَّ ذلك لا يُبطلُ الوَصيةَ، ويأخُذُ المُوصَى له ما استَخلَفه المُوصي من جِنسِ ذلك، وكذلك لا تَبطلُ وَصيةُ من أَوصَى بثَوبٍ بعَينِه ثم باعَه المُوصي ثم اشتَرَى ذلك الثَّوبَ بعَينِه، بخِلافِ ما لو اشتَرى غيرَه؛ فإنَّ الوَصيةَ تَبطلُ، ولا خُصوصيةَ للشِّراءِ، بل الهِبةُ والإِرثُ كذلك (٢).
إذا عرَضَ المُوصَى به للبَيعِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عرَضَ المُوصي المُوصَى به للبَيعِ، هل يُعتبَرُ رُجوعًا عن الوَصيةِ أو لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُوصيَ إذا أوجَبَ المُوصَى به في بَيعٍ أو هِبةٍ بأنْ قالَ لإِنسانٍ: «بِعتُكَه أو وهَبتُكَه»،
стр. 14903
ولم يَقبَلِ المُبتاعُ أو المُتَّهبُ فيهما أو عرَضَه المُوصي لبَيعٍ أو هِبةٍ أو رَهنٍ أو وَصَّى ببَيعِه أو وَصَّى بعِتقِه أو هِبتِه كانَ ذلك رُجوعًا؛ لدِلالتِه عليه؛ لأنَّه يَدلُّ على اختيارِه للرُّجوعِ بعَرضِه على البَيعِ وإِيجابِه للهِبةِ ووَصيتِه ببَيعِه أو إِعتاقِه؛ لكَونِه وَصَّى بما يُنافي الوَصيةَ الأُولى، ولأنَّه توسَّلَ إلى أمرٍ يَحصُلُ به الرُّجوعُ فكانَ رُجوعًا.
وفي وَجهٍ للشافِعيةِ وقَولٍ للحَنابِلةِ عَرضُ المُوصَى به للبَيعِ أو الإِيجابِ فيه أو في الهِبةِ عندَ الحَنابِلةِ لا يُعتبَرُ رُجوعًا، كإِيجارِه وتَزويجِه ومُجردِ لُبسِه وسُكناه، وكوَصيتِه بثُلثِ مالِه فيَتلفُ أو يَبيعُه ثم يَملِكُ مالًا غيرَه؛ فإنَّه في ذلك لا يَكونُ رُجوعًا (١).
٢ - أكلُ الطَّعامِ المُوصَى به:
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا أَوصَى لرَجلٍ بطَعامٍ فأكَلَه فذلك رُجوعٌ (٢).
٣ - تَلفُ العَينِ المُوصَى بها:
قالَ ابنُ المُنذرِ: وأجمَعوا على أنَّ الرَّجلَ إذا أَوصَى لرَجلٍ بشَيءٍ
стр. 14904
من المالِ بعَينِه فهلَكَ ذلك الشَيءُ فلا شَيءَ للمُوصَى له في سائِرِ مالِ المَيتِ (١).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ: إذا وَصَّى له بثُلثِ شَيءٍ بعَينِه فتَلِفَ ثُلثاه، كانَ للمُوصَى له بالثُّلثِ الباقي إذا احتَمَله ثُلثُ المالِ، وحُكيَ عن أَبي ثَورٍ أنَّه قالَ: يَكونُ له ثُلثُ الثُّلثِ الباقي، وللوَرثةِ ثُلثاه.
ودَليلُنا أنَّ الثُّلثَ يَحتمِلُ ما وَصَّى به وما بَقيَ منه، فوجَبَ أنْ يَستحقَّه كما لو أَوصَى له بعبدٍ أو بثَوبٍ واحتَمَله الثُّلثُ (٢).
وقالَ الإِمامُ العِمرانيُّ ﵀: إذا أَوصَى لرَجلٍ بثُلثِ عَينٍ من مالِه من دارٍ أو أرضٍ أو عبدٍ ثم ماتَ المُوصي فاستحَقَّ ثُلثا العَينِ المُوصَى بها أو هلَكَ ثُلثاها وبَقيَ ثُلثُها وللمُوصي مالٌ آخَرُ يَخرجُ ذلك الثُّلثُ منه استحَقَّ المُوصَى له الثُّلثَ الباقيَ من العَينِ المُوصَى بها، وبه قالَ جَميعُ العُلماءِ.
وقالَ أَبو ثَورٍ وزُفرُ وأبو العَباسِ بنُ سُرَيجٍ: لا يَستحِقُّ المُوصَى له إلا ثُلثَ ما بَقيَ من العَينِ المُوصَى بها، كما لو أَوصَى له بثُلثِ مالِه فاستحَقَّ ثُلثاه، ولأنَّه لم يُوصِ له بثُلثٍ مُعيَّنٍ، وإنَّما أَوصَى له بثُلثٍ مَشاعٍ، فإذا استحَقَّ ثُلثاه، أو هلَكَ فقد هلَكَ ثُلثا الوَصيةِ.
والمَذهبُ الأولُ؛ لأنَّه أَوصَى له بمِلكِه الذي يَخرجُ من ثُلثِه فصَحَّ، كما لو أَوصَى له بعبدٍ كامِلٍ فاستحَقَّ ثُلثاه وله مالٌ يَخرجُ الثُّلثُ الباقي منه،
стр. 14905
ولأنَّ الوَصيةَ إنَّما تَنصرِفُ إلى ما يَملكُه من العبدِ، كما لو كانَ عَبدٌ بينَ شَريكَينِ نِصفَينِ، فقالَ أَحدُهما للآخَرِ: «بِعتُك نِصفَ هذا العَبدِ»؛ فإنَّه يَنصرِفُ إلى ما يَملكُه منه.
قالَ ابنُ اللَّبانِ: وعلى هذَينِ الوَجهَينِ الوَصيةُ بالنَّوعِ الواحِدِ ممَّا يُقسَمُ كَيلًا أو وَزنًا كالحُبوبِ والدَّراهمِ والدَّنانيرِ، أو ممَّا يُجمعُ في القَسْمِ من النَّوعِ الواحِدِ، كالإبِلِ والبَقرِ والغَنمِ والعَبيدِ والثِّيابِ، قالَ: فإنْ أَوصَى لرَجلٍ بسُدسِ مالِه ثم ماتَ وخلَّفَ مِئةَ شاةٍ، أو مِئةَ ثَوبٍ مَرويةً، فاستحَقَّ نِصفَها أو تلِفَ كانَ للمُوصَى له سُدسُ ما بَقيَ في أحدِ الوَجهَينِ معًا.
وإنْ وَصَّى له بسُدسِ الغَنمِ أو بسُدسِ الثِّيابِ ثم ماتَ فاستحَقَّ نِصفَها أو تلِفَ كانَ له سُدسُ ما بَقيَ في أحدِ الوَجهَينِ، وله سُدسُ جَميعِ الغَنمِ أو الثِّيابِ وهو ثُلثُ الباقي في الثاني (١).
٤ - لو أَوصَى بثُلثِ مالِه ثم باعَه كلَّه أو تلِفَ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُوصيَ لو أَوصَى بنَحوِ ثُلثِ مالِه ثم تصرَّفَ في جَميعِه ولو بما يُزيلُ المِلكَ كالبَيعِ وغيرِه أو هلَكَ مالُه لم يَكنْ رُجوعًا ولم تَبطُلْ به الوَصيةُ؛ لأنَّ العِبرةَ بثُلثِ مالِه المَوجودِ عندَ المَوتِ أو عندَ تَنفيذِ الوَصيةِ، سَواءٌ زادَ أو نقَصَ، لا حالَ الوَصيةِ فيُعطَى المُوصَى له ثُلثَ ما يَملكُه عندَ المَوتِ ولا شَيءَ له من الثَّمنِ وَقتَ البَيعِ (٢).
стр. 14906
٥ - هِبةُ العَينِ المُوصَى بها أو التَّصدقُ بها:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُوصيَ إذا أخرَجَ العَينَ المُوصَى بها عن مِلكِه بهِبةٍ أو صَدقةٍ فالوَصيةُ قد بطَلَت وهذا رُجوعٌ فيها.
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا أَوصَى لرَجلٍ بطَعامٍ فأكَلَه، أو بجاريةٍ فباعَها، أو بشَيءٍ ما فأتلَفَه أو وهَبَه أو تصدَّقَ به فذلك كلُّه رُجوعٌ (١).
٦ - رَهنُ العَينِ المُوصَى بها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ رَهنِ العَينِ المُوصَى بها، هل يُعتبَرُ رُجوعًا عن الوَصيةِ أو لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُوصيَ إذا رهَنَ العَينَ المُوصَى بها كانَ رُجوعًا عن الوَصيةِ؛ لأنَّه علَّقَ به حَقًّا يَجوزُ بَيعُه، فكانَ أعظَمَ من عَرضِه للبَيعِ.
стр. 14907
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه ليسَ برُجوعٍ؛ لأنَّه لا يُزيلُ المِلكَ، وإنَّما هو نَوعُ انتِفاعٍ كالاستِخدامِ؛ لأنَّ مِلكَ المُوصي لم يَنتقِلْ، فإذا ماتَ فتَخليصُه على الوارِثِ إذا ترَكَ المَيتُ ما يَفي بالدَّينِ، وإلا بِيعَ الرَّهنُ في الدَّينِ وبطَلَت الوَصيةُ (١).
٧ - صَبغُ الثَّوبِ ولَتُّ السَّويقِ وطَحنُ الحِنطةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قامَ المُوصي بتَغييرِ المُوصَى به عن صِفتِه بأنْ صبَغَ الثَّوبَ أو لَتَّ السَّويقَ بنَحوِ سَمنٍ أو طَحَنَ الحِنطةَ، هل يُعتبَرُ ذلك رُجوعًا عن الوَصية أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على تَفصيلٍ بينَهم سيَأتي إلى أنَّ المُوصيَ لو فعَلَ فِعلًا يُغيرُ المُوصَى به عن صِفتِه فهذا يُعتبَرُ رُجوعًا عن الوَصيةِ.
قالَ الحَنفيةُ: ويَحصلُ الرُّجوعُ بفِعلٍ لو فعَلَه الغاصِبُ يَنقطِعُ به حَقُّ المالِكِ عنه كانَ رُجوعًا؛ لأنَّ الفِعلَ إذا أثَّرَ في قَطعِ مِلكِ المالِكِ فلَأنْ يُؤثِّرَ في المَنعِ أوْلى، وكذا إذا خلَطَ المُوصَى به بغيرِه بحيث لا يُمكنُ تَمييزُه.
стр. 14908
وكذا بفِعلٍ يَزيدُ في المُوصَى به ما يَمنعُ تَسليمَه إلا به، ولا يُمكنُ تَسليمُه بدونِ الزِّيادةِ، ولا سَبيلَ إلى نُقصانِها؛ لحُصولِها بفِعلِ المالِكِ في مِلكِه مثل لَتِّ السَّويقِ المُوصَى به بسَمنٍ والبِناءِ في الدارِ المُوصَى بها (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا خلَطَ المُوصي الحِنطةَ المُعيَّنةَ المُوصَى بها بحِنطةٍ أُخرى لا يُمكنُ تَمييزُها؛ فإنَّ ذلك رُجوعٌ عن الوَصيةِ، سَواءٌ أخلَطَها بمِثلِها أم بغيرِه؛ لتَعذُّرِ التَّسليمِ بما أحدَثَه في العَينِ.
وكذا لو وَصَّى بصاعٍ من صُبرةٍ مُعيَّنةٍ فخلَطَها المُوصي بأجوَدَ منها فرُجوعٌ؛ لأنَّه أحدَثَ بالخَلطِ زِيادةً لا يَلزمُه تَسليمُها ولا يُمكنُ بدونِها.
وإنْ خلَطَها بمِثلِها فلا يُعدُّ رُجوعًا؛ لأنَّه لم يُحدِثْ تَغييرًا، وكذا إنْ خلَطَها بأردَأَ منها في الأصَحِّ.
وفي مُقابلِ الأصَحِّ: يُعتبَرُ رُجوعًا؛ لأنَّه غيرُه فأشبَهَ الخَلطَ بالأجوَدِ.
فإنْ أَوصَى بصاعٍ من حِنطةٍ ولم يَصِفْها ولم يُعيِّنِ الصاعَ فلا أثَرَ للخَلطِ، ويُعطيه الوارِثُ ما شاءَ من حِنطةِ التَّركةِ.
فإنْ قالَ: «مِنْ مالي» حصَّلَه الوارِثُ، فإنْ وصَفَها وقالَ: «من حِنطَتي الفُلانيةِ» فالوَصفُ مَرعيٌّ، فإنْ بطَلَ بخَلطِه بطَلَت الوَصيةُ.
ويَحصلُ الرُّجوعُ بطَحنِ الحِنطةِ المُوصَى بها وبَذرِها، وكذا بعَجنِ دَقيقٍ وخَبزِ عَجينٍ وذَبحِ شاةٍ وإِحضانِ بَيضٍ لنَحوِ دَجاجٍ ليَنفرِخَ، ودَبغِ جِلدٍ
стр. 14909
وطَبخِ لَحمٍ وغَزلِ قُطنٍ ونَسجِ غَزلٍ وقَطعِ ثَوبٍ قَميصًا وصَبغِه أو قِصارتِه وجَعلِ الخَشبِ بابًا وبِناءٍ وغِراسٍ في عَرصةٍ، فكل ذلك يُعتبَرُ رُجوعًا عن الوَصيةِ لمَعنيَينِ:
أَحدُهما: زَوالُ الاسمِ قبلَ استِحقاقِ المُوصَى له فكان كالتَّلفِ.
والثاني: الإِشعارُ بالإِعراضِ عن الوَصيةِ.
فلو طبَخَ الوَصيُّ اللَّحمَ أو شَواه أو جعَلَه وهو لا يَفسُدُ قَديدًا أو جعَلَ الخُبزَ فَتيتًا أو حَشا القُطنَ فِراشًا أو جُبةً كانَ رُجوعًا؛ لإِشعارِ ذلك بالصَّرفِ عن الوَصيةِ، ولأنَّ القَديدَ لا يُسمَّى لَحمًا على الإِطلاقِ، وإنَّما يُسمَّى لَحمَ قَديدٍ، بخِلافِ ما لو جفَّفَ رُطبًا أو قدَّدَ لَحمًا قد يَفسُدُ؛ فإنَّه ليسَ برُجوعٍ؛ لأنَّ ذلك صَونٌ للرُّطبِ واللَّحمِ عن الفَسادِ فلا يُشعِرُ بتَغيرِ القَصدِ.
وهذا بخِلافِ ما لو خاطَ الثَّوبَ وهو مَقطوعٌ حينَ الوَصيةِ أو غسَلَه أو نقَلَ المُوصَى به إلى مَكانٍ آخَرَ ولو بَعيدًا عن مَحلِّ الوَصيةِ، فلا يَكونُ ذلك رُجوعًا؛ إذْ لا إِشعارَ لكلِّ منها بالرُّجوعِ.
ولو عمَرَ بُستانًا أو أَوصَى به لم يَكنْ رُجوعًا إلا إنْ غيَّرَ اسمَه، كأنْ جعَلَه خانًا أو لم يُغيِّرْه لكنْ أحدَثَ فيه بابًا من عِندِه يَكونُ رُجوعًا (١).
стр. 14910
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ منهم ابنُ قُدامةَ: وإنْ وَصَّى بحَبٍّ ثم طحَنَه أو بدَقيقٍ فعجَنَه أو بعَجينٍ فخبَزَه أو بخُبزٍ ففَتَّه أو جعَلَه فَتيتًا كانَ رُجوعًا؛ لأنَّه أَزالَ اسمَه وعرَّضَه للاستِعمالِ، فدَلَّ على رُجوعِه، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، وإنْ وَصَّى بكَتانٍ أو قُطنٍ فغزَلَه أو بغَزلٍ فنسَجَه أو بثَوبٍ فقطَعَه أو بنَقرةٍ فضرَبَها أو شاةٍ فذبَحَها كانَ رُجوعًا، وبهذا قالَ أَصحابُ الرأيِ والشافِعيُّ في ظاهِرِ مَذهبِه، واختارَ أَبو الخَطابِ أنَّه ليسَ برُجوعٍ، وهو قَولُ أَبي ثَورٍ؛ لأنَّه لا يُزيلُ الاسمَ.
ولنا: أنَّه عرَّضَه للاستِعمالِ فكانَ رُجوعًا كالتي قَبلَها، ولا يَصحُّ قَولُه: إنَّه لا يُزيلُ الاسمَ؛ فإنَّ الثَّوبَ لا يُسمَّى غَزلًا والغَزلَ لا يُسمَّى كَتَّانًا.
فَصلٌ: وإنْ وَصَّى بشَيءٍ مُعيَّنٍ ثم خلَطَه بغيرِه على وَجهٍ لا يَتميَّزُ منه كانَ رُجوعًا؛ لأنَّه يَتعذَّرُ بذلك تَسليمُه فيَدلُّ على رُجوعِه، فإنْ خلَطَه بما يَتميَّزُ منه لم يَكنْ رُجوعًا؛ لأنَّه يُمكنُ تَسليمُه، وإنْ وَصَّى بقَفيزِ قَمحٍ من صُبرةٍ ثم خلَطَها بغيرِها لم يَكنْ رُجوعًا، سَواءٌ خلَطَها بمِثلِها أو بخَيرٍ منها أو دونَها؛ لأنَّه كانَ مَشاعًا وبَقيَ مَشاعًا.
وقيلَ: إنْ خلَطَه بخَيرٍ منه كانَ رُجوعًا؛ لأنَّه لا يُمكنُه تَسليمُ المُوصَى به إلا بتَسليمِ خَيرٍ منه، ولا يَجبُ على الوارِثِ تَسليمُ خَيرٍ منه فصارَ مُتعذَّرَ التَّسليمِ بخِلافِ ما إذا خلَطَه بمِثلِه أو بما دونَه (١).
стр. 14911
وقالَ المالِكيةُ: لا تَبطلُ وَصيةُ من أَوصَى لشَخصٍ بدارٍ أو بثَوبٍ أو سَويقٍ ثم إنَّ المُوصيَ جصَّصَ الدارَ بالجِيرِ ونَحوِه أو صبَغَ ذلك الثَّوبَ أو لَتَّ ذلك السَّويقِ بالسَّمنِ، ويأخُذُ المُوصَى له ما ذُكرَ بزيادتِه، أي: مع ما زادَ من جَصٍّ أو صَبغٍ أو سَمنٍ، ولا مُشاركةَ للوارِثِ فيه بقيمةِ ما زادَه؛ لأنَّ ما أَوصَى به يُطلقُ على ما حصَلَ فيه الزِّيادةُ، فلم يَتغيَّرْ الاسمُ كما إذا أَوصَى بعَرضٍ بلَفظِ ثَوبٍ وفصَّلَه، ولا يُعدُّ ذلك رُجوعًا عن الوَصيةِ.
وقيلَ: الوَرثةُ شُركاءُ بقيمةِ تلك الصَّنعةِ؛ إذِ الأصلُ بَقاءُ تلك الزِّيادةِ على مِلكِ المُوصي، فلا تَخرجُ عنه إلا بدَليلٍ (١).
٨ - هَدمُ الدارِ المُوصَى بها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ هَدمِ الدارِ المُوصَى بها هل يُعتبَرُ ذلك رُجوعًا عن الوَصيةِ أو لا؟
ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المُعتمَدِ عندَهم والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ هَدمَ الدارِ المُوصَى بها لا يُعتبَرُ رُجوعًا عن الوَصيةِ؛ لأنَّ الدارَ لم يَزُلْ عنها اسمُها بالكُليةِ؛ لأنَّه يُقالُ: دارٌ خَربةٌ أو مَهدومةٌ؛ لأنَّ الدارَ اسمٌ للبِناءِ والعَرصةِ (٢)، فإذا أزالَ البِناءَ وأبقَى العَرصةَ لم يَزُلْ عنها اسمُها بالكُليةِ.
стр. 14912
وهل نُقضُها -بضَمِّ النُّونِ، بمَعنى: بقايا الهَدمِ منها- للمُوصي أو للمُوصَى له؟ فيه خِلافٌ في المَذهبِ (١).
قالَ الحَنفيةُ: لو أَوصَى بدارٍ ثم هدَمَها لا يَكونُ رُجوعًا؛ لأنَّ البِناءَ تَبعٌ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ انهِدامَ الدارِ المُوصَى بها يُعتبَرُ رُجوعًا عن الوَصيةِ؛ لأنَّ اسمَ البِناءِ لا يَتناوَلُه اسمُ الدارِ بعدَ النَّقضِ، فبطَلَت فيه الوَصيةُ لعَدمِ الاسمِ الذي عُلِّق عليه الوَصيةُ (٣).
قالَ الشافِعيةُ: وهَدمُ الدارِ المُبطلُ لاسمِها رُجوعٌ في النَّقضِ من طُوبٍ وخَشبٍ، وفي العَرصةِ أيضًا؛ لظُهورِ ذلك في الصَّرفِ عن جِهةِ الوَصيةِ.
وانْهِدامُها ولو بهَدمِ غيرِه يُبطِلُها في النَّقضِ لبُطلانِ الاسمِ لا في العَرصةِ والأُسِّ إنْ بَقيَ لبَقائِهما بحالِهما، هذا إنْ بطَلَ الاسمُ، وإلا بطَلَ في نَقضِ المُنهدِمِ منها فقط، ولا أثَرَ لانْهِدامِها بعدَ المَوتِ وقبلَ القَبولِ، وإنْ زالَ اسمُها بذلك؛ لاستِقرارِ الوَصيةِ بالمَوتِ وبَقاءِ اسمِ الدارِ يَومئذٍ (٤).
стр. 14913
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا حدَثَ بالمُوصَى به ما يُزيلُ اسمَه من غيرِ فِعلِ المُوصي، مِثلَ أنْ سقَطَ الحَبُّ في الأرضِ فصارَ زَرعًا أو انهَدَمت الدارُ فصارَت فَضاءً في حَياةِ المُوصي بطَلَت الوَصيةُ بها على الصَّحيحِ من المَذهبِ، ولا تَعودُ بعَودِ البِناءِ؛ لأنَّ الباقيَ لا يَتناوَلُه الاسمُ، وإنْ كانَ انْهِدامُ الدارِ لا يُزيلُ اسمَها سُلِّمت إليه دونَ ما انفصَلَ منها؛ لأنَّ الاسمَ حينَ الاستِحقاقِ يَقعُ على المُتصلِ دونَ المُنفصلِ، ويَتبَعُ الدارَ في الوَصيةِ ما يَتبعُها في البَيعِ (١).
٩ - جُحودُ الوَصيةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو جحَدَ المُوصي الوَصيةَ، هل ذلك يُعتبَرُ رُجوعًا عن الوَصيةِ أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في المُفتَى به عندَهم، وهو قَولُ مُحمدٍ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُوصيَ إذا جحَدَ الوَصيةَ لا يُعتبَرُ ذلك رُجوعًا عنها؛ لأنَّها عَقدٌ فلا تَبطلُ بالجُحودِ كسائِرِ العُقودِ؛ لأنَّ الرُّجوعَ فَسخٌ ورَفعٌ للعَقدِ الثابِتِ، وجُحودُ أَصلِ العَقدِ لا يَكونُ تَصرُّفًا فيه بالرَّفعِ، كما أنَّ جُحودَ النِّكاحِ من الزَّوجِ لا يَكونُ رَفعًا له بالطَّلاقِ.
ولأنَّ الجُحودَ -وهو أنْ يَقولَ: «لم أُوصِ لفُلانٍ» أو «ما أَوصَيتُ له» - نَفيٌ في الماضي؛ لكَونِه مَوضوعًا لذلك، والانتِفاءُ في الحالِ ضَرورةُ ذلك لاستِمرارِ ذلك إنْ ثبَتَ ما لم يُغيَّرْ، وإذا كانَ الكَذبُ ثابِتًا في الحالِ لكَونِه
стр. 14914
كاذِبًا في جُحودِه؛ إذِ الفَرضُ أنَّه أَوصَى ثم جحَدَ، كانَ النَّفيُ في الماضي باطِلًا، فيَبطلُ ما هو من ضَرورتِه، وهو الانتِفاءُ في الحالِ، فكانَ الجُحودُ لَغوًا (١).
وذهَبَ أَبو يُوسفَ من الحَنفيةِ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ جَحدَ الوَصيةِ يُعتبَرُ رُجوعًا عنها؛ لأنَّه يَدلُّ على أنَّه لا يُريدُ إِيصالَه إلى المُوصَى له، ولأنَّ مَعنى الرُّجوعِ عن الوَصيةِ هو فَسخُها وإِبطالُها، وفَسخُ العَقدِ كَلامٌ يَدلُّ على عَدمِ الرِّضا بالعَقدِ السابِقِ وبثُبوتِ حُكمِه، والجُحودُ في مَعناه؛ لأنَّ الجاحِدَ لتَصرُّفٍ من التَّصرُّفاتِ غيرُ راضٍ به وبثُبوتِ حُكمِه، فيَتحقَّقُ فيه مَعنى الفَسخِ فحصَلَ مَعنى الرُّجوعِ، ولأنَّ الرُّجوعَ نَفيٌ في الحالِ ولأنَّ الجُحودَ نَفيٌ في الماضي والحالِ، وإذا كانَ نَفيُ الحالِ وَحدَه رُجوعًا فنَفيُ الماضي والحالِ أَولى أنْ يَكونَ رُجوعًا (٢).
стр. 14915
قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو أَوصَى ثم جحَدَ الوَصيةَ ذكَرَ في الأَصلِ أنَّه يَكونُ رُجوعًا، ولم يَذكُرْ خِلافًا.
قالُ المُعلَّى عن أَبي يُوسفَ في «نَوادِره»: قالَ أَبو يُوسفَ ﵀ تَعالى في رَجلٍ أَوصَى بوَصيةٍ ثم عُرضَت عليه من الغَدِ، فقالَ: لا أعرِفُ هذه الوَصيةَ، قالَ: هذا رُجوعٌ منه.
وكذلك لو قالَ: «لم أُوصِ بهذه الوَصيةِ»، قال: وسألتُ مُحمدًا عن ذلك فقالَ: لا يَكونُ الجَحدُ رُجوعًا.
وذكَرَ في «الجامِعِ»: إذا أَوصَى بثُلثِ مالِه لرَجلٍ ثم قالَ بعدَ ذلك: «اشهَدوا أنِّي لم أُوصِ لفُلانٍ بقَليلٍ ولا بكَثيرٍ»، لم يَكنْ هذا رُجوعًا منه عن وَصيةِ فُلانٍ، ولم يَذكُرْ خِلافًا.
فيَجوزُ أنْ يَكونَ ما ذُكرَ في الأصلِ قَولَ أَبي يُوسفَ، ويَكونَ ما ذُكرَ في «الجامِع» قَولَ مُحمدٍ، ويَجوزُ أنْ يَكونَ في المَسألةِ رِوايتانِ.
وَجهُ ما ذُكرَ في «الجامِع» أنَّ الرُّجوعَ عن الوَصيةِ يَستَدعي سابِقيةَ وُجودِ الوَصيةِ، والجُحودُ إِنكارُ وُجودِها أصلًا، فلا يَتحقَّقُ فيه مَعنى الرُّجوعِ فلا يُمكنُ أنْ يُجعلَ رُجوعًا، ولهذا لم يَكنْ جُحودُ النِّكاحِ طَلاقًا، ولأنَّ إِنكارَ الوَصيةِ بعدَ وُجودِها يَكونُ كَذبًا مَحضًا، فكانَ باطِلًا لا يَتعلَّقُ به حُكمٌ كالإِقرارِ الكاذِبِ، حتى لو أقَرَّ بجاريةٍ لإِنسانٍ كاذِبًا والمُقَرُّ له يَعلمُ ذلك لا يَثبُتُ المِلكُ، حتى إنَّه لا يَحلُّ وَطؤُها، وكذا سائِرُ الأَقاريرِ الكاذِبةِ باطِلةٌ في الحَقيقةِ، كذا الإِنكارُ الكاذِبُ.