وقالَ المالِكيةُ: لا تَبطلُ وَصيةُ من أَوصَى لشَخصٍ بدارٍ أو بثَوبٍ أو سَويقٍ ثم إنَّ المُوصيَ جصَّصَ الدارَ بالجِيرِ ونَحوِه أو صبَغَ ذلك الثَّوبَ أو لَتَّ ذلك السَّويقِ بالسَّمنِ، ويأخُذُ المُوصَى له ما ذُكرَ بزيادتِه، أي: مع ما زادَ من جَصٍّ أو صَبغٍ أو سَمنٍ، ولا مُشاركةَ للوارِثِ فيه بقيمةِ ما زادَه؛ لأنَّ ما أَوصَى به يُطلقُ على ما حصَلَ فيه الزِّيادةُ، فلم يَتغيَّرْ الاسمُ كما إذا أَوصَى بعَرضٍ بلَفظِ ثَوبٍ وفصَّلَه، ولا يُعدُّ ذلك رُجوعًا عن الوَصيةِ.
وقيلَ: الوَرثةُ شُركاءُ بقيمةِ تلك الصَّنعةِ؛ إذِ الأصلُ بَقاءُ تلك الزِّيادةِ على مِلكِ المُوصي، فلا تَخرجُ عنه إلا بدَليلٍ (١).
٨ - هَدمُ الدارِ المُوصَى بها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ هَدمِ الدارِ المُوصَى بها هل يُعتبَرُ ذلك رُجوعًا عن الوَصيةِ أو لا؟
ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المُعتمَدِ عندَهم والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ هَدمَ الدارِ المُوصَى بها لا يُعتبَرُ رُجوعًا عن الوَصيةِ؛ لأنَّ الدارَ لم يَزُلْ عنها اسمُها بالكُليةِ؛ لأنَّه يُقالُ: دارٌ خَربةٌ أو مَهدومةٌ؛ لأنَّ الدارَ اسمٌ للبِناءِ والعَرصةِ (٢)، فإذا أزالَ البِناءَ وأبقَى العَرصةَ لم يَزُلْ عنها اسمُها بالكُليةِ.
стр. 14912
وهل نُقضُها -بضَمِّ النُّونِ، بمَعنى: بقايا الهَدمِ منها- للمُوصي أو للمُوصَى له؟ فيه خِلافٌ في المَذهبِ (١).
قالَ الحَنفيةُ: لو أَوصَى بدارٍ ثم هدَمَها لا يَكونُ رُجوعًا؛ لأنَّ البِناءَ تَبعٌ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ انهِدامَ الدارِ المُوصَى بها يُعتبَرُ رُجوعًا عن الوَصيةِ؛ لأنَّ اسمَ البِناءِ لا يَتناوَلُه اسمُ الدارِ بعدَ النَّقضِ، فبطَلَت فيه الوَصيةُ لعَدمِ الاسمِ الذي عُلِّق عليه الوَصيةُ (٣).
قالَ الشافِعيةُ: وهَدمُ الدارِ المُبطلُ لاسمِها رُجوعٌ في النَّقضِ من طُوبٍ وخَشبٍ، وفي العَرصةِ أيضًا؛ لظُهورِ ذلك في الصَّرفِ عن جِهةِ الوَصيةِ.
وانْهِدامُها ولو بهَدمِ غيرِه يُبطِلُها في النَّقضِ لبُطلانِ الاسمِ لا في العَرصةِ والأُسِّ إنْ بَقيَ لبَقائِهما بحالِهما، هذا إنْ بطَلَ الاسمُ، وإلا بطَلَ في نَقضِ المُنهدِمِ منها فقط، ولا أثَرَ لانْهِدامِها بعدَ المَوتِ وقبلَ القَبولِ، وإنْ زالَ اسمُها بذلك؛ لاستِقرارِ الوَصيةِ بالمَوتِ وبَقاءِ اسمِ الدارِ يَومئذٍ (٤).
стр. 14913
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا حدَثَ بالمُوصَى به ما يُزيلُ اسمَه من غيرِ فِعلِ المُوصي، مِثلَ أنْ سقَطَ الحَبُّ في الأرضِ فصارَ زَرعًا أو انهَدَمت الدارُ فصارَت فَضاءً في حَياةِ المُوصي بطَلَت الوَصيةُ بها على الصَّحيحِ من المَذهبِ، ولا تَعودُ بعَودِ البِناءِ؛ لأنَّ الباقيَ لا يَتناوَلُه الاسمُ، وإنْ كانَ انْهِدامُ الدارِ لا يُزيلُ اسمَها سُلِّمت إليه دونَ ما انفصَلَ منها؛ لأنَّ الاسمَ حينَ الاستِحقاقِ يَقعُ على المُتصلِ دونَ المُنفصلِ، ويَتبَعُ الدارَ في الوَصيةِ ما يَتبعُها في البَيعِ (١).
٩ - جُحودُ الوَصيةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو جحَدَ المُوصي الوَصيةَ، هل ذلك يُعتبَرُ رُجوعًا عن الوَصيةِ أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في المُفتَى به عندَهم، وهو قَولُ مُحمدٍ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُوصيَ إذا جحَدَ الوَصيةَ لا يُعتبَرُ ذلك رُجوعًا عنها؛ لأنَّها عَقدٌ فلا تَبطلُ بالجُحودِ كسائِرِ العُقودِ؛ لأنَّ الرُّجوعَ فَسخٌ ورَفعٌ للعَقدِ الثابِتِ، وجُحودُ أَصلِ العَقدِ لا يَكونُ تَصرُّفًا فيه بالرَّفعِ، كما أنَّ جُحودَ النِّكاحِ من الزَّوجِ لا يَكونُ رَفعًا له بالطَّلاقِ.
ولأنَّ الجُحودَ -وهو أنْ يَقولَ: «لم أُوصِ لفُلانٍ» أو «ما أَوصَيتُ له» - نَفيٌ في الماضي؛ لكَونِه مَوضوعًا لذلك، والانتِفاءُ في الحالِ ضَرورةُ ذلك لاستِمرارِ ذلك إنْ ثبَتَ ما لم يُغيَّرْ، وإذا كانَ الكَذبُ ثابِتًا في الحالِ لكَونِه
стр. 14914
كاذِبًا في جُحودِه؛ إذِ الفَرضُ أنَّه أَوصَى ثم جحَدَ، كانَ النَّفيُ في الماضي باطِلًا، فيَبطلُ ما هو من ضَرورتِه، وهو الانتِفاءُ في الحالِ، فكانَ الجُحودُ لَغوًا (١).
وذهَبَ أَبو يُوسفَ من الحَنفيةِ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ جَحدَ الوَصيةِ يُعتبَرُ رُجوعًا عنها؛ لأنَّه يَدلُّ على أنَّه لا يُريدُ إِيصالَه إلى المُوصَى له، ولأنَّ مَعنى الرُّجوعِ عن الوَصيةِ هو فَسخُها وإِبطالُها، وفَسخُ العَقدِ كَلامٌ يَدلُّ على عَدمِ الرِّضا بالعَقدِ السابِقِ وبثُبوتِ حُكمِه، والجُحودُ في مَعناه؛ لأنَّ الجاحِدَ لتَصرُّفٍ من التَّصرُّفاتِ غيرُ راضٍ به وبثُبوتِ حُكمِه، فيَتحقَّقُ فيه مَعنى الفَسخِ فحصَلَ مَعنى الرُّجوعِ، ولأنَّ الرُّجوعَ نَفيٌ في الحالِ ولأنَّ الجُحودَ نَفيٌ في الماضي والحالِ، وإذا كانَ نَفيُ الحالِ وَحدَه رُجوعًا فنَفيُ الماضي والحالِ أَولى أنْ يَكونَ رُجوعًا (٢).
стр. 14915
قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو أَوصَى ثم جحَدَ الوَصيةَ ذكَرَ في الأَصلِ أنَّه يَكونُ رُجوعًا، ولم يَذكُرْ خِلافًا.
قالُ المُعلَّى عن أَبي يُوسفَ في «نَوادِره»: قالَ أَبو يُوسفَ ﵀ تَعالى في رَجلٍ أَوصَى بوَصيةٍ ثم عُرضَت عليه من الغَدِ، فقالَ: لا أعرِفُ هذه الوَصيةَ، قالَ: هذا رُجوعٌ منه.
وكذلك لو قالَ: «لم أُوصِ بهذه الوَصيةِ»، قال: وسألتُ مُحمدًا عن ذلك فقالَ: لا يَكونُ الجَحدُ رُجوعًا.
وذكَرَ في «الجامِعِ»: إذا أَوصَى بثُلثِ مالِه لرَجلٍ ثم قالَ بعدَ ذلك: «اشهَدوا أنِّي لم أُوصِ لفُلانٍ بقَليلٍ ولا بكَثيرٍ»، لم يَكنْ هذا رُجوعًا منه عن وَصيةِ فُلانٍ، ولم يَذكُرْ خِلافًا.
فيَجوزُ أنْ يَكونَ ما ذُكرَ في الأصلِ قَولَ أَبي يُوسفَ، ويَكونَ ما ذُكرَ في «الجامِع» قَولَ مُحمدٍ، ويَجوزُ أنْ يَكونَ في المَسألةِ رِوايتانِ.
وَجهُ ما ذُكرَ في «الجامِع» أنَّ الرُّجوعَ عن الوَصيةِ يَستَدعي سابِقيةَ وُجودِ الوَصيةِ، والجُحودُ إِنكارُ وُجودِها أصلًا، فلا يَتحقَّقُ فيه مَعنى الرُّجوعِ فلا يُمكنُ أنْ يُجعلَ رُجوعًا، ولهذا لم يَكنْ جُحودُ النِّكاحِ طَلاقًا، ولأنَّ إِنكارَ الوَصيةِ بعدَ وُجودِها يَكونُ كَذبًا مَحضًا، فكانَ باطِلًا لا يَتعلَّقُ به حُكمٌ كالإِقرارِ الكاذِبِ، حتى لو أقَرَّ بجاريةٍ لإِنسانٍ كاذِبًا والمُقَرُّ له يَعلمُ ذلك لا يَثبُتُ المِلكُ، حتى إنَّه لا يَحلُّ وَطؤُها، وكذا سائِرُ الأَقاريرِ الكاذِبةِ باطِلةٌ في الحَقيقةِ، كذا الإِنكارُ الكاذِبُ.
стр. 14916
وَجهُ ما ذُكرَ في الأصلِ أنَّ مَعنى الرُّجوعِ عن الوَصيةِ هو فَسخُها وإِبطالُها، وفَسخُ العَقدِ كَلامٌ يَدلُّ على عَدمِ الرِّضا بالعَقدِ السابِقِ وبثُبوتِ حُكمِه، والجُحودُ في مَعناه؛ لأنَّ الجاحِدَ لتَصرُّفٍ من التَّصرفاتِ غيرُ راضٍ به وبثُبوتِ حُكمِه، فيَتحقَّقُ فيه مَعنى الفَسخِ فحصَلَ مَعنى الرُّجوعِ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ في المُعتمَدِ ففرَّقوا بينَ أنْ يَكونَ الإِنكارُ لغَرضٍ مِثلَ الخَوفِ من ظالِمٍ وبينَ ألَّا يَكونَ لغَرضٍ.
فإنْ كانَ لغَرضٍ فليس برُجوعٍ عنها، وسَواءٌ كانَ الإِنكارُ جَوابًا لسُؤالٍ بأنْ سُئلَ عن الوَصيةِ فأنكَرَها، أو كانَ الإِنكارُ ليسَ جَوابًا لسُؤالٍ.
وأمَّا إنْ أنكَرَ الوَصيةَ لغيرِ غَرضٍ فهذا يَكونُ رُجوعًا عنها.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: ولو سُئلَ عن الوَصيةِ فأنكَرَها، قالَ الرافِعيُّ: فهو على ما مَرَّ في جَحدِ الوَكالةِ، أي: فيُفرَّقُ فيه بينَ أنْ يَكونَ لغَرضٍ فلا يَكونَ رُجوعًا، وبينَ ألَّا يَكونَ لغَرضٍ فيَكونَ رُجوعًا، وهذا هو المُعتمَدُ، ووقَعَ في أصلِ «الرَّوضة» هنا أنَّه رُجوعٌ، وفي «التَّدبير» أنَّه ليسَ برُجوعٍ، ويُمكنُ حَملُ ذلك على ما مَرَّ (٢).
وأمَّا المالِكيةُ فلم يَذكُروا جُحودَ الوَصيةِ في المَسائلِ التي ذكَروها أنَّه يَحصلُ بها الرُّجوعُ، فهم لا يَقولونَ بأنَّ إِنكارَ الوَصيةِ أو جُحودَها يُعتبَرُ رُجوعًا.
стр. 14917
باب في الإِيصاءِ
تَعريفُ الإِيصاءِ:
الإِيصاءُ لُغةً: مَصدرُ أَوصَى، يُقالُ: أَوصَى إليه: جعَلَه وَصيَّه يَتصرَّفُ في أمرِه ومالِه وعِيالِه بعدَ مَوتِه، وأَوصَى فُلانًا بالشَيءِ، أمَرَه به وفرَضَه عليه (١).
الوَصيةُ اصطِلاحًا:
الإِيصاءُ: هو الاستِخلافُ بعدَ المَوتِ، بأنْ يُقيمَ الأبُ أو الوَليُّ قبلَ مَوتِه شَخصًا يَقومُ بالنَّظرِ في شُؤونِ القُصَّرِ من أَولادِه، فيَصيرَ خَليفةً للأَبِ بعدَ مَوتِه (٢).
قالَ الحَنفيةُ: الإِيصاءُ هو إِقامةُ الشَّخصِ غيرَه مَقامَ نَفسِه في التَّصرفِ بعدَ المَوتِ، ولا يَكونُ إلا مُضافًا؛ إذِ الإِيصاءُ في الحالِ لا يُتصوَّرُ إلا إذا جُعلَ مَجازًا عن الوَكالةِ والقَضاءِ والإِمارةِ (٣).
стр. 14918
وقالَ المالِكيةُ: الوَصيةُ: عَقدٌ يُوجبُ حَقًّا في ثُلثِ مالِ عاقِدِه يَلزمُ بمَوتِه أو نِيابةً عنه بعدَه (١).
وقد ذكَرَ الحَطابُ عِدةَ تَعريفاتٍ للفُقهاءِ منها: الوَصيةُ حَقيقتُها: إِسنادُ النَّظرِ في أمرِ المَحجورِ، أو تَنفيذُ وَصيةٍ لثِقةِ مَأمونٍ. انتَهى.
ورسَمَها ابنُ عَرفةَ برَسمٍ شمِلَ الإِيصاءَ لشَخصٍ وإِسنادَ الوَصيةِ إليه، فقالَ: الوَصيةُ -في عُرفِ الفُقهاءِ لا الفُرَّاضِ- عَقدٌ يُوجبُ حَقًّا في ثُلثِ عاقِدِه يَلزمُه بمَوتِه أو نيابَتَه عنه بعدَه. انتَهى (٢).
وقالَ الدَّميريُّ: هي في الشَّرعِ تَبرعٌ بحَقٍّ أو تَفويضُ تَصرُّفٍ خاصٍّ مُضافَينِ إلى ما بعدَ المَوتِ (٣).
وقالَ القَليوبيُّ: الإِيصاءُ لُغةً: كالوَصيةِ، وشَرعًا: إِثباتُ تَصرُّفٍ مُضافٍ لمَا بعدَ المَوتِ (٤).
وقالَ الحَنابِلةُ: الوَصيةُ شَرعًا: الأمرُ بالتَّصرفِ بعدَ المَوتِ أو التَّبرعِ بالمالِ بعدَه، كأنْ يُوصيَ إلى إِنسانٍ بتَزويجِ بَناتِه أو غُسلِه أو الصَّلاةِ عليه إِمامًا، أو الكَلامِ على صِغارِ أَولادِه أو تَفرِقةِ ثُلثِه ونَحوِه (٥).
стр. 14919
فكما نَرى فهناك بَعضُ العُلماءِ كالحَنفيةِ والشافِعيةِ يَرَوْن أنَّ الوَصيةَ أعَمُّ من الإِيصاءِ، فهي تَصدُقُ على التَّمليكِ المُضافِ إلى ما بعدَ المَوتِ بطَريقِ التَّبرعِ، وتَصدُقُ على الإِيصاءِ وهو طَلبُ شَيءٍ من غيرِه ليَفعلَه بعدَ وَفاتِه، كقَضاءِ دُيونِه وتَزويجِ بَناتِه.
ويَرى بعضٌ آخَرُ كالمالِكيةِ والحَنابِلةِ وبَعضِ الشافِعيةِ أنَّ الوَصيةَ والإِيصاءَ بمَعنًى واحِدٍ، فعرَّفها المالِكيةُ بأنَّها عَقدٌ يُوجبُ حَقًّا في ثُلثِ مالِ عاقِدِه يَلزمُ بمَوتِه أو نيابةً عنه بعدَه (١).
وعرَّفَ الحَنابِلةُ الوَصيةَ شَرعًا: بأنَّها الأمرُ بالتَّصرفِ بعدَ المَوتِ أو التَّبرعِ بالمالِ بعدَه، كأنْ يُوصيَ إلى إِنسانٍ بتَزويجِ بَناتِه أو غُسلِه أو الصَّلاةِ عليه إِمامًا أو الكَلامِ على صِغارِ أَولادِه أو تَفرِقةِ ثُلثِه ونَحوِه (٢).
وكذا الدَّميريُّ من الشافِعيةِ عرَّفَ الوَصيةَ بأنَّها: تَبرُّعٌ بحَقٍّ، أو تَفويضُ تَصرفٍ خاصٍّ مُضافَينِ إلى ما بعدَ المَوتِ (٣).
стр. 14920
وقالَ ابنُ شَطا الدِّمياطيُّ: الإِيصاءُ لُغةً: الإِيصالُ، كالوَصيةِ.
وشَرعًا: إِثباتُ تَصرفٍ مُضافٍ لمَا بعدَ المَوتِ ولو تَقديرًا، وإنْ لم يَكنْ فيه تَبرعٌ، كالإِيصاءِ بالقيامِ على أمرِ أَطفالِه ورَدِّ وَدائِعِه وقَضاءِ دُيونِه؛ فإنَّه لا تَبرعَ في شَيءٍ من ذلك بخِلافِ الوَصيةِ؛ فإنَّه لا بُدَّ فيها من التَّبرعِ (١).
فهذه التَّعاريفُ تُفيدُ بأنَّ الوَصيةَ قد تَكونُ بالتَّبرعِ بالمالِ بعدَ المَوتِ، وقد تَكونُ بإِقامةِ المُوصي غيرَه مَقامَ نَفسِه في أمرٍ من الأُمورِ كتَزويجِ بَناتِه أو الوَصيةِ عليهم بعدَ المَوتِ، فهي شامِلةٌ لكلٍّ منهما على السَّواءِ، فكِلاهما يُطلقُ عليه اسمُ الوَصيةِ.
والصِّلةُ بينَ الوَصيةِ والإِيصاءِ أنَّ كلًّا منهما أمرٌ بالتَّصرفِ لمَا بعدَ المَوتِ، غيرَ أنَّ الوَصيةَ تَمليكٌ، والإِيصاءَ: العَهدُ إلى مَنْ يَقومُ على مَنْ بعدَه.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: والإِيصاءُ يَعمُّ الوَصيةَ والوَصايا لُغةً، والتَّفرقةُ بينَهما من اصطِلاحِ الفُقهاءِ، وهي تَخصيصُ الوَصيةِ بالتَّبرعِ المُضافِ لمَا بعدَ المَوتِ، والوِصايةِ بالعَهدِ إلى مَنْ يَقومُ على مَنْ بعدَه (٢).
فالإِيصاءُ والوَكالةُ كلٌّ منهما أمرٌ بالتَّصرفِ، إلا أنَّ الفَرقَ بينَهما أنَّ الوَكالةَ أمرٌ بالتَّصرفِ في حَياةِ المُوكِّلِ وأنَّ الإِيصاءَ أمرٌ بالتَّصرفِ بعدَ مَوتِ المُوصي.
стр. 14921
حُكمُ الإِيصاءِ:
تَكونُ الوَصيةُ واجِبةً باتِّفاقِ العُلماءِ إذا كانَ على الإِنسانِ دُيونٌ مَجهولةٌ أو عندَه وَديعةٌ أو عليه واجِبٌ يُوصي بالخُروجِ منه؛ فإنَّ اللهَ تَعالى فرَضَ أَداءَ الأَماناتِ، وطَريقُه في هذا البابِ الوَصيةُ، فتَكونُ مَفروضةً عليه، ولمَا رَواه نافِعٌ عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلمٍ له شَيءٌ يُوصي فيه يَبيتُ ليلتَينِ إلا ووَصيتُه عندَه مَكتوبةٌ» قالَ ابنُ عُمرَ: ما مرَّت علَيَّ لَيلةٌ مُذْ سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ ذلك إلا وعِندي وَصيَّتي (١)، وحَديثُ ابنِ عُمرَ هذا مَحمولٌ على مَنْ عليه واجِبٌ أو عندَه وَديعةٌ (٢).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الوَصيةَ غيرُ واجِبةٍ على أحدٍ، إلا أنْ يَكونَ عليه دَينٌ أو تَكونَ عندَه وَديعةٌ أو أَمانةٌ فيُوصيَ بذلك (٣).
وقالَ الإِمامُ القُرطُبيُّ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في وُجوبِ الوَصيةِ على مَنْ خلَّفَ مالًا بعدَ إِجماعِهم على أنَّها واجِبةٌ على من قِبَلَه وَدائعُ وعليه دُيونٌ (٤).
стр. 14922
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ المَقدسيُّ ﵀: لا تَجبُ الوَصيةُ إلا على مَنْ عليه دَينٌ أو عندَه وَديعةٌ أو عليه واجِبٌ يُوصي بالخُروجِ منه؛ فإنَّ اللهَ تَعالى فرَضَ أَداءَ الأَماناتِ، وطَريقُه في هذا البابِ الوَصيةُ، فتَكونُ مَفروضةً عليه، وحَديثُ ابنِ عُمرَ مَحمولٌ على مَنْ عليه واجِبٌ أو عندَه وَديعةٌ (١).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: إنْ كانَ على الإِنسانِ دَينٌ أو حَقٌّ أو عندَه وَديعةٌ ونَحوُها لزِمَه الإِيصاءُ بذلك (٢).
وقالَ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ: الخامِسةُ: هذا الذي تقدَّمَ من حَملِ الأمرِ بالوَصيةِ على الاستِحبابِ هو في غيرِ الحُقوقِ الواجِبةِ، أمَّا إذا كانَ عندَ الإِنسانِ وَديعةٌ أو في ذِمتِه حَقٌّ للهِ تَعالى كزَكاةٍ أو حَجٍّ أو دَينٍ لآدَميٍّ؛ فإنَّه يَجبُ عليه أنْ يُوصيَ به، وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ في شَرحِ «العُمدة»: كانَ الحَديثُ إنَّما يُحملُ على هذا النَّوعِ، ووقَعَ في كَلامِ الرافِعيِّ من أَصحابِنا في الكَلامِ على الوَصايا أنَّها مُستحبةٌ في رَدِّ المَظالمِ وقَضاءِ الدُّيونِ وتَنفيذِ الوَصايا وأُمورِ الأَطفالِ، وهذا مُخالِفٌ لمَا تقرَّرَ في كَلامِه وكَلامِ غيرِه من وُجوبِ الوَصيةِ بالحُقوقِ الواجِبةِ، وحمَلَه النَّوويُّ في المَظالمِ وقَضاءِ الدُّيونِ على ما إذا كانَ قادِرًا عليهما في الحالِ، فإنْ كانَ عاجِزًا عنهما وجَبَ عليه أنْ يُوصيَ بهما، وعِندي أنَّ الاستِحبابَ الذي في كَلامِ الرافِعيِّ هنا إنَّما مَرجعُه إلى تَعيينِ شَخصٍ يُسنَدُ تَعاطي ذلك إليه، فأمَّا الإِعلامُ به
стр. 14923
إذا لم يَكنْ به إِشهادٌ مُتقدِّمٌ فهو واجِبٌ، وليسَ في كَلامِه ما يُخالِفُه، واللهُ أعلَمُ.
هذا الذي ذكَرناه من وُجوبِ الوَصيةِ بالحُقوقِ الواجِبةِ مَحلُّه ما إذا لم يَعلَمْ به غيرُه، فأمَّا إذا علِمَ به غيرُه فلا تَجبُ، كذا عبَّرَ به الرافِعيُّ من أَصحابِنا.
وقالَ النَّوويُّ: المُرادُ إذا لم يَعلَمْ به من يَثبُتُ بقَولِه، وقصَدَ بذلك إِخراجَ الكافِرِ والفاسِقِ والصَّبيِّ والعَبدِ والمَرأةِ؛ فإنَّه لا يَكفي عِلمُهم مع دُخولِهم في تَعبيرِ الرافِعيِّ، قالَ شَيخُنا الإِمامُ جَمالُ الدِّينِ عَبدُ الرَّحيمِ الإِسنَويُّ: وهو غيرُ كافٍ أيضًا؛ فإنَّ قَولَ الوَرثةِ كافٍ في الثُّبوتِ، مع أنَّ المُتَّجَهَ أنَّ عِلمَهم لا يَكفي؛ لأنَّهم الغُرماءُ فلا بُدَّ من حُجةٍ تَقومُ عليهم عندَ إِنكارِهم (١).
حُكمُ الدُّخولِ في الوَصايا:
اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ الدُّخولِ في الوَصيةِ وقَبولِها من المُوصَى إليه، هل هو مُستحَبٌّ أو غيرُ مُستحَبٍّ؟
قالَ الحَنفيةُ: لا يَنبَغي للرَّجلِ أنْ يَقبلَ الوَصيةَ فَضلًا على الطَّلبِ؛ لأنَّها أمرٌ على خَطرٍ وهو الإِشرافُ على الهَلاكِ.
قالَ ابنُ عابدِين: واعلَمْ أنَّه لا يَنبَغي للوَصيِّ أنْ يَقبلَها؛ لأنَّها على خَطرٍ.
стр. 14924
وعن أَبي يُوسفَ: الدُّخولُ فيها أوَّلَ مَرةٍ غَلطٌ وفي الثانيةِ خِيانةٌ وفي الثالِثةِ سَرقةٌ، وعن الحَسنِ: لا يَقدِرُ الوَصيُّ على أنْ يَعدلَ ولو كانَ عُمرَ بنَ الخَطابِ.
وقالَ أَبو مُطيعٍ: ما رأيتُ في مُدةِ قَضائي عِشرينَ سَنةً مَنْ يَعدلُ في مالِ ابنِ أَخيه (١).
وقالَ أَبو سَعيدٍ الخادِميُّ الحَنفيُّ: قَولُ أَبي يُوسفَ: (الدُّخولُ في الوَصيةِ أولَ مَرةٍ غَلطٌ) فمَن لا يَدخلُ ليسَ له غَلطٌ، فما يَكونُ غَلطًا لا يَليقُ للعاقلِ أنْ يُوقعَ نَفسَه فيه فَضلًا على الطَّلبِ، فدَلَّ على المَطلوبِ التِزامًا.
(وفي المَرةِ الثانيةِ خِيانةٌ)؛ لأنَّه قَلَّما يَخلو عن الصِّيانةِ والمُحافظةِ، فالقَضيةُ أكثَريةٌ أو القَضيةُ مُهمَلةٌ في قُوةِ الجُزئيةِ، أو من شأنِها الخِيانةُ، وقيلَ: عَلامةُ الخِيانةِ، وإلا فلا شَكَّ أنَّ الكُليةَ بظاهِرِها ليسَت بمُطرِدةٍ، فمَن لا يَسلَمُ من الخِيانةِ لا يَليقُ له الطَّلبُ فافهَمْ.
(وفي الثالِثةِ سَرقةٌ) لعلَّ الخِيانةَ في عَدمِ الصِّيانةِ وعَدمِ المُحافظةِ، وفي السَّرقةِ في الأكلِ، وفي السَّرفِ في أُمورِ نَفسِه، فما يَكونُ مَوقعَ سَرقةٍ لا يَليقُ طَلبُه أيضًا.
وعن بَعضِ العُلماءِ: لو كانَ الوَصيُّ عُمرَ بنَ الخَطابِ مع كَمالِه في العَدالةِ لا يَنجو من الضَّمانِ (٢).
стр. 14925
وقالَ الشافِعيةُ: يُسنُّ لمَن علِمَ من نَفسِه الأَمانةَ القَبولُ، فإنْ لم يَعلَمْ من نَفسِه ذلك فالأَوْلى له ألَّا يَقبلَ، ونقَلَ الرَّبيعُ عن الشافِعيِّ أنَّه قالَ: لا يَدخلُ في الوَصيةِ إلا أحمَقُ أو لِصٌّ، فإنْ عَلِمَ من نَفسِه الضَّعفَ فالظاهِرُ أنَّه يَحرمُ القَبولَ؛ لمَا رَوى مُسلمٌ عن أَبي ذَرٍّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ له: «يا أَبا ذَرٍّ، إنِّي أَراكَ ضَعيفًا، وإنِّي أُحبُّ لك ما أُحبُّ لنَفسي، لا تَأمَّرَنَّ على اثنَينِ ولا تَولَّيَنَّ مالَ يَتيمٍ» (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: الدُّخولُ في الوَصيةِ للقَويِّ عليها قُربةٌ مَندوبةٌ لفِعلِ الصَّحابةِ ﵃، فرُويَ عن أَبي عُبيدةَ أنَّه لمَّا عبَرَ الفُراتَ أَوصَى إلى عُمرَ، وأَوصَى إلى الزُّبَيرِ سِتةٌ من الصَّحابةِ، منهم عُثمانُ وابنُ مَسعودٍ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ ﵃، ولأنَّه مَعونةٌ للمُسلمِ يَدخلُ تحتَ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] وقَولِه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أنا وكافِلُ اليَتيمِ في الجَنةِ كهاتَينِ». وقالَ بأُصبُعِه السَّبابةِ والتي تَليها، أخرَجَه البُخاريُّ.
قالَ ابنُ قُدامةَ: وقياسُ مَذهبِ أَحمدَ أنَّ تَركَ الدُّخولِ فيها أوْلى؛ لمَا فيها من الخَطرِ، ولا يَعدِلُ السَّلامةَ شَيءٌ، ولذلك كانَ يَرى تَركَ الالتِقاطِ وتَركَ الإِحرامِ قبلَ المِيقاتِ أفضَلَ؛ تَحرِّيًا للسَّلامةِ واجتِنابًا للخَطرِ، وقد رُويَ حَديثٌ يَدلُّ على ذلك، وهو ما رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لأَبي
стр. 14926
ذَرٍّ: «يا أَبا ذَرٍّ، إنِّي أَراكَ ضَعيفًا، وإنِّي أُحبُّ لك ما أُحبُّ لنَفسي، لا تَأمَّرَنَّ على اثنَينِ ولا تَولَّيَنَّ مالَ يَتيمٍ» (١) أخرَجَه مُسلمٌ (٢).
قالَ البُهوتيُّ بعدَما ذكَرَ كَلامَ ابنِ قُدامةَ هذا: خُصوصًا في هذه الأزمِنةِ؛ إذِ الغالِبُ فيها العَطبُ وقِلةُ السَّلامةِ، لكنْ رَدَّ الحارِثيُّ ذلك وقالَ: لأنَّ الوَصيةَ إمَّا واجِبةٌ أو مُستحَبةٌ، وأولَويةُ تَركِ الدُّخولِ تُؤدِّي إلى تَعطيلِها، قالَ: فالدُّخولُ قد يَتعيَّنُ فيما هو مُعرَّضٌ للضَّياعِ، إمَّا لعَدمِ قاضٍ أو غيرِه؛ لمَا فيه من دَرءِ المَفسدةِ وجَلبِ المَصلحةِ (٣).
وقالَ المِرداويُّ: الدُّخولُ في الوَصيةِ للقَويِّ عليها قُربةٌ، وقالَ في «المُغني»: قياسُ مَذهبِه أنَّ تَركَ الدُّخولِ أوْلى. انتَهى.
قُلتُ: وهو الصَّوابُ لا سيَّما في هذه الأزمِنةِ (٤).
стр. 14927
أَركانُ الوِصايةِ:
أَركانُ الوِصايةِ أربَعةٌ: وَصيٌّ ومُوصٍ، ومُوصًى فيه، وَصِيغةٌ.
الرُّكنُ الأولُ: الوَصيُّ، أي: المُوصَى إليه:
المُوصَى إليه: هو المَأمورُ بالتَّصرفِ بعدَ المَوتِ، وقد اشتَرَط الفُقهاءُ في المُوصَى إليه عِدةَ شُروطٍ بعضُها مُتَّفقٌ عليه وبعضُها مُختلَفٌ فيه.
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ مُسلمًا:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشتَرطُ في المُوصَى إليه أنْ يَكونَ مُسلمًا، فلا يَصحُّ الإِيصاءُ من مُسلمٍ إلى كافِرٍ ولو على أَولادِه المُسلِمينَ ولو كانَ عَدلًا في دِينِه؛ لأنَّ الكافِرَ ليسَ من أهلِ الوِلايةِ على المُسلمِ، وليسَ من أهلِ الشَّهادةِ والعَدالةِ ولتُهمتِه، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، وقالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، وقالَ تَعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وهي صِيغةُ حَصرٍ، فلا يَتولَّى المُسلمَ غيرُ مُسلمٍ.
قالَ ابنُ قُدامةَ: تَصحُّ الوَصيةُ إلى الرَّجلِ العاقِلِ المُسلمِ الحُرِّ العَدلِ إِجماعًا، ولا تَصحُّ وَصيةُ مُسلمٍ إلى كافِرٍ بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه؛ لأنَّ الكافِرَ ليسَ من أهلِ الوِلايةِ على مُسلمٍ (١).
стр. 14928
وقالَ العِمرانِيُّ: وإنْ وَصَّى مُسلمٌ إلى كافِرٍ لم تَصحَّ الوَصيةُ؛ لأنَّ الفِسقَ يُنافي الوَصيةَ، فالكُفرُ أوْلى، وهو إِجماعٌ أيضًا (١).
إلا أنَّ الحَنفيةَ اختلَفوا هل هي باطِلةٌ أو أنَّ القاضيَ سيُبطِلُها؟ قالَ الزَّبيديُّ: قَولُه -أي: القُدوريِّ-: (ومَن أَوصَى إلى عبدٍ أو كافِرٍ أو فاسِقٍ أخرَجَهم القاضي من الوَصيةِ ونصَّبَ غيرَهم)، هذا اللَّفظُ يُشيرُ إلى صِحةِ الوَصيةِ؛ لأنَّ الإِخراجَ إنَّما يَكونُ بعدَها، وذكَرَ مُحمدٌ في الأصلِ أنَّ الوَصيةَ باطِلةٌ، قيلَ: مَعناه في جَميعِ هذه الصُّورِ ستَبطلُ، وقيلَ: مَعناه في العبدِ باطِلٌ حَقيقةً لعَدمِ وِلايتِه، وكذا في الكافِرِ، ومَعناه: باطِلةٌ لعَدمِ وِلايتِه على المُسلمِ، والمُرادُ بالكافِرِ في هذا: الذِّميُّ، وإنَّما لم تَجُزِ الوَصيةُ إلى الكافِرِ؛ لأنَّ تَصرفَ الوَصيِّ بالوِلايةِ، ولا وِلايةَ للكافِرِ على المُسلمِ، وقد رُويَ أنَّه إذا تَصرَّف قبلَ أنْ يُخرجَه القاضي صَحَّ تَصرُّفُه كما يَصحُّ منه بالوَكالةِ (٢).
وقالَ الماوَرديُّ: وأمَّا الشَّرطُ -وهو الإِسلامُ- لقَولِه تَعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠]، ولقَولِه تَعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ
стр. 14929
دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، وهذه الآيةُ كتَبَ بها عُمرُ إلى أَبي موسى ﵄ حينَ اتَّخذَ كاتِبًا نَصرانيًّا، وقالَ أَبو حَنيفةَ: الوَصيةُ إليه مَوقوفةٌ على فَسخِ الحاكِمِ، فإنْ تَصرفَ قبلَ أنْ يَفسخَها الحاكِمُ عليه كانَ تَصرُّفُه نافِذًا، وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّه لا يَخلو أنْ تَكونَ الوَصيةُ إليه جائِزةً فلا يَجوزُ للحاكِمِ أنْ يَفسخَها عليه، أو تَكونَ باطِلةً فلا يَجوزُ فيها تَصرفُه، وإذا كانَ هكذا وجَبَ أنْ يَكونَ تَصرفُه فيما يَتعلَّقُ بعَقدٍ أو اجتِهادٍ مَردودًا، فأمَّا ما تَعيَّن من دَينٍ قَضاه أو وَصيةٍ بمُعيَّنٍ لمُعيَّنٍ دفَعَها فلا يَضمنُها؛ لوُصولِ ذلك إلى مُستحِقِّه، ولأنَّه لو أخَذَه مُستحِقُّه من غيرِ نائِبٍ أو وَسيطٍ صارَ إلى حَقِّه، وليسَ كالذي يَعقدُه من بَيعٍ أو يَجتهدُ فيه من تَفريقِ ثُلثٍ، بل ذلك كلُّه مَردودٌ، وهو لمَا دفَعَه من ذلك ضامِنٌ، فأمَّا وَصيةُ الكافِرِ إلى المُسلمِ فجائِزةٌ لظُهورِ أَمانتِه فيها (١).
الوَصيةُ من كافِرٍ إلى كافِرٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الكافِرِ إذا أَوصَى لكافِرٍ عَدلٍ في دِينِه هل تَصحُّ الوَصيةُ أو لا؟
وإنْ وَصَّى كافِرٌ إلى كافِرٍ، فإنْ كانَ الكافِرُ غيرَ رَشيدٍ وغيرَ عَدلٍ في دِينِه لم تَصحَّ الوَصيةُ إليه؛ لأنَّ عَدمَ العَدالةِ في المُسلمِ تَمنعُ صِحةَ الوَصيةِ إليه، فالكافِرُ أوْلى، كما نَصَّ على ذلك الشافِعيةُ والحَنابِلةُ.
стр. 14930
أمَّا إنْ كانَ الكافِرُ رَشيدًا عَدلًا في دِينِه فاختَلفَ الفُقهاءُ فيه.
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الكافِرَ ولو حَربيًّا عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ إذا كانَ عَدلًا في دِينِه يَصحُّ أنْ يَكونَ وَصيًّا على كافِرٍ، أي: فيما يَتعلَّقُ بأَولادِه الكُفارِ؛ لأنَّه يَجوزُ أنْ يَكونَ وَليًّا للكافِرِ، فجازَ أنْ يَكونَ وَصيًّا له.
وفي مُقابلِ الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ: لا تَصحُّ وَصيةُ الكافِرِ إلى الكافِرِ كما لا يَكونُ شاهِدًا له، ولأنَّه فاسِقٌ لم تَصحَّ الوَصيةُ إليه كفاسِقِ المُسلِمينَ.
وقالَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم: تَصحُّ وَصيةُ النَّصرانيِّ إلى اليَهوديِّ ووَصيةُ اليَهوديِّ للنَّصرانِيِّ (١).
وأمَّا المالِكيةُ فقالَ القَرافيُّ: قالَ ابنُ يُونسَ: تَجوزُ وَصيةُ الذِّميِّ للذِّميِّ مِثلِه، قالَ مُحمدٌ: ولا يُوصي ذِميٌّ لحَربيٍّ ولو كانَ مُستأمَنًا، قالَه أشهَبُ، ولو أَوصَى الحَربيُّ للمُستأمَنِ جازَ؛ لأنَّه أفضَلُ منه، وتَجوزُ وَصيةُ الحَربيِّ والذِّميِّ للمُسلمِ (٢).
стр. 14931
ووَصيةُ الكافِرِ إلى المُسلمِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على جَوازِ الوَصيةِ من الكافِرِ للمُسلمِ بأنْ يَكونَ المُسلمُ وَصيًّا على أَولادِه الكُفارِ، كما تَصحُّ شَهادتُه عليه، وقد ثبَتَت له الوِلايةُ عليه؛ فإنَّ الإِمامَ يَلي تَزويجَ الذِّمياتِ، ولظُهورِ أَمانتِه فيها (١).
الشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ مُكلَّفًا فلا تَصحُّ الوَصيةُ إلى مَجنونٍ وصَبيٍّ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الوَصيةَ لا تَصحُّ إلا إلى بالِغٍ عاقِلٍ، فلا تَصحُّ الوَصيةُ إلى مَجنونٍ ولا صَغيرٍ ولا أبلَهَ، وكذا سَفيهٌ كما نَصَّ على ذلك الشافِعيةُ والحَنابِلةُ؛ لأنَّهم لا يَتأهَّلونَ إلى تَصرفٍ ولا وِلايةٍ، ولأنَّهم مُولًّى عليهم فكيف يَلُونَ أمرَ غيرِهم.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: تَصحُّ الوَصيةُ إلى الرَّجلِ العاقِلِ المُسلمِ الحُرِّ العَدلِ إِجماعًا، ولا تَصحُّ إلى مَجنونٍ ولا طِفلٍ، ولا تَصحُّ وَصيةُ مُسلمٍ إلى كافِرٍ بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه؛ لأنَّ المَجنونَ والطِّفلَ ليسا من أهلِ التَّصرفِ في أَموالِهما، فلا يَليانِ على غيرِهما، والكافِرُ ليسَ من أهلِ الوِلايةِ على مُسلمٍ (٢).
стр. 14932
قالَ الماوَرديُّ: لو جُعلَ الصَّبيُّ وَصيًّا بعدَ بُلوغِه، فهذا على ضَربَينِ:
أَحدُهما: أنْ يَكونَ لها في الحالِ قابِلٌ لها.
والثاني: ألَّا يَكونَ.
فإنْ لم يَكنْ في الحالِ مَنْ يَقبلُها، بل قالَ: «قد أَوصَيت إلى هذا الصَّبيِّ إذا بلَغَ»، فالوَصيةُ إليه باطِلةٌ في الحالِ وبعدَ بُلوغِه؛ لأنَّه ليسَ في الحالِ بأهلٍ لو ماتَ الصَّبيُّ قامَ بها، فلذلك بطَلَت.
فإنْ كانَ لها في الحالِ مَنْ يَقبلُها، مِثلَ أنْ يَقولَ: قد أَوصَيت إلى فُلانٍ حتى يَبلغَ وَلدي، فإذا بلَغَ فهو وَصيٌّ: جازَ، ولا يَجوزُ مِثلُ ذلك في الوَكالةِ.
والفَرقُ بينَهما: أنَّ عَقدَ الوَكالةِ مُعجَّلٌ، فلم يَصحَّ بحُدوثِ شَرطٍ مُؤجَّلٍ، وعَقدُ الوَصيةِ مُؤجَّلٌ فجازَ أنْ يَصحَّ بحُدوثِ شَرطٍ مُؤجَّلٍ (١).
وقالَ البُهوتيُّ: وتَصحُّ وَصيةُ المُنتظَرِ -أي: الذي تُنتظَرُ أهليَّتُه- بأنْ يَجعلَه وَصيًّا بعدَ بُلوغِه أو بعدَ حُضورِه من غَيبتِه ونَحوِها، نَحوَ أنْ يَقولَ: «هو وَصيٌّ إذا أَفاقَ من جُنونِه أو زالَ فِسقُه أو سَفهُه أو أسلَمَ» ونَحوَه، وكذا إنْ قالَ: «وَصَّيت إلى فُلانٍ، فإنْ ماتَ فُلانٌ ففُلانٌ وَصيِّي»، أو قالَ: «هو وَصيِّي سَنةً ثم فُلانٌ بعدَها» أي: بعدَ السَّنةِ، فإذا قالَ: «أَوصَيت إليكَ فإذا بلَغَ ابني فهو وَصيِّي»، صَحَّ ذلك، فإذا بلَغَ ابنُه صارَ وَصيَّه، ومِثلُه في الصِّحةِ إذا قالَ: «أَوصَيت إليكَ فإذا تابَ ابني من فِسقِه أو صَحَّ من مَرضِه أو اشتغَلَ
стр. 14933
بالعِلمِ أو صالَحَ أُمَّه أو رشَدَ فهو وَصيِّي»، صَحَّت الوَصيةُ في الصُّورِ كلِّها، ويَصيرُ المَذكورُ وَصيًّا عنه بوُجودِ الشَّرطِ؛ للخَبَرِ الصَّحيحِ «أَميرُكم زَيدٌ، فإنْ قُتلَ فجَعفرٌ، فإنْ قُتلَ فعبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ» والوَصيةُ كالتَّأميرِ (١).
الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ عَدلاً:
ذهَبَ عامَّةُ أهلِ العِلمِ من المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ وغيرِهم إلى أنَّ الأصلَ في الوَصيِّ أنْ يَكونَ عَدلًا أَمينًا؛ لأنَّها وِلايةٌ وائتِمانٌ، فلا بُدَّ فيها من العَدالةِ.
إلا أنَّ العُلماءَ اختلَفوا في أمرَينِ:
الأمرُ الأولُ: هل تُشتَرطُ العَدالةُ ابتِداءً أو تَصحُّ الوَصيةُ إلى الفاسِقِ ثم يَعزلُه الحاكِمُ أو يَضمُّ إليه أَمينًا؟
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ -فيما نقَلَه مُحمدٌ في «الأصل» - والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ العَدالةَ شَرطٌ ابتِداءً، فلا تَصحُّ الوَصيةُ للفاسِقِ، فالفِسقُ يُنافي الوَصيةَ؛ لأنَّ الوَصيةَ تَقتَضي وِلايةً وأَمانةً، والفاسِقُ ليسَ من أهلِ الوِلايةِ والأَمانةِ، ولأنَّ العَدالةَ وازِعٌ عن الفَسادِ فعَدمُها يُبطلُ الوِلايةَ، وقد حَكى الدَّميريُّ الإِجماعَ عليه، قالَ: الفاسِقُ مَمنوعٌ منها، أي: من الوِلايةِ، بالإِجماعِ (٢)، وقالَ الخَطيبُ
стр. 14934
الشِّربينيُّ: وعَدالةٌ، فلا تَجوزُ إلى فاسِقٍ بالإِجماعِ (١)، وقالَ ابنُ حَجرٍ: وعَدالةٌ ولو ظاهِرةٌ، فلا تَصحُّ لفاسِقٍ إِجماعًا (٢).
قالَ القاضي عبدُ الوَهابِ: لا تَجوزُ الوَصيةُ إلى فاسِقٍ لا يُؤمَنُ عليها، ولا تَقرُّ في يَدِه؛ لأنَّه قد تعلَّقَ بالوَصيةِ إليه حُقوقُ المُوصَى لهم، فإذا لم يَكنْ مَأمونًا لم يُؤمَنْ منه إِتلافُها فلم تَجُزْ وِلايتُه، ولا يُراعَى في ذلك اختيارُ المَيتِ له؛ لأنَّه ليسَ له أنْ يَختارَ على غيرِه مَنْ لا يُؤمَنُ إِتلافُه وإِضاعتُه (٣).
وقالَ القَرافِيُّ: العَدالةُ وازِعٌ عن الفَسادِ، فعَدمُها يُبطلُ الوِلايةَ.
وقالَ أيضًا: قاعِدةُ المَصالحِ الشَّرعيةِ ثَلاثةُ أَقسامٍ: ما هو في مَحلِّ الضَّروراتِ، وما هو في مَحلِّ الحاجاتِ، وما هو في مَحلِّ التَّتِماتِ، فالعَدالةُ ضَروريةٌ في الشَّهاداتِ لعُمومِ البَلوى وعِظمِ مَفسدةِ شَهادةِ الزُّورِ، وفي مَحلِّ الحاجاتِ الوَصيةُ كحاجةِ الإِنسانِ لوُثوقِه بوَصيِّه بعدَ مَوتِه، والفاسِقُ خائِنٌ لرَبِّه لفَسادِه فلعِبادِه أوْلى … (٤).
стр. 14935
المُرادُ بالعَدالةِ عندَ المالِكيةِ: الأَمانةُ والرِّضا فيما يُوصَى إليه فيه ويَفعلُه، بأنْ يَكونَ حافِظًا لمالِ الصَّبيِّ ويَتصرَّفُ فيه بالمَصلحةِ، وليسَ المُرادُ هنا عَدالةَ الشَّهادةِ أو عَدالةَ الرِّوايةِ (١).
стр. 14936
والمُرادُ بالعَدالةِ عندَ الشافِعيةِ: مَنْ تُقبلُ شَهادتُه، وهل يُكتَفى بالعَدالةِ الظاهِرةِ؟ على قَولَينِ، والصَّحيحُ أنَّه لا بُدَّ من العَدالةِ الظاهِرةِ والعَدالةِ الباطِنةِ، وتُعرفُ عَدالتُه بتَواتُرِها من العارِفينَ بدِينِه أو بإِسلامِ عارفَينِ وشهادَتِهما بها (١).
والمُرادُ بالعَدلِ عندَ الحَنابِلةِ على الصَّحيحِ من المَذهبِ: مَنْ كانَ مَستورَ الحالِ، وقيلَ: المُرادُ بالعَدلِ العَدلُ ظاهِرًا وباطِنًا (٢).
وذهَبَ الإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه تَصحُّ الوَصيةُ إلى الفاسِقِ إلا أنَّه يُضمُّ إليه أَمينٌ.
قالَ ابنُ قُدامةَ: وأمَّا الفاسِقُ فقد رُويَ عن أَحمدَ ما يَدلُّ على أنَّ الوَصيةَ إليه لا تَصحُّ، وهو قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ.
وعن أَحمدَ ما يَدلُّ على صِحةِ الوَصيةِ إليه؛ فإنَّه قالَ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ: إذا كانَ مُتَّهمًا لم تَخرُجْ من يَدِه، وقالَ الخِرقيُّ: إذا كانَ الوَصيُّ
стр. 14937
خائِنًا ضُمَّ إليه أَمينٌ، وهذا يَدلُّ على صِحةِ الوَصيةِ إليه، ويَضمُّ الحاكِمُ إليه أَمينًا …
ووَجهُ الأُولى أنَّه لا يَجوزُ إِفرادُه بالوَصيةِ، فلم تَجُزِ الوَصيةُ إليه كالمَجنونِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم وابنُ حَبيبٍ من المالِكيةِ إلى أنَّ الوَصيةَ إلى الفاسِقِ صَحيحةٌ نافِذةٌ، إلا أنَّه يَجبُ على الحاكِمِ عَزلُه وإِخراجُه ويُنصِّبُ آخَرَ مَكانَه؛ لأنَّ في إِبقائِه على الوَصيةِ إِضرارًا بالمَيتِ، والمَيتُ لا يَقدرُ على عَزلِه فقامَ القاضي مَقامَه في العَزلِ؛ لأنَّه مَخوفٌ على المالِ، وهذا يَصلحُ عُذرًا في إِخراجِه وتَبديلِه بغيرِه، وإذا تصرَّفَ قبلَ الإِخراجِ صَحَّ تَصرُّفُه اعتِبارًا بالوَكالةِ (٢).
قالَ المَوصليُّ: اعلَمْ أنَّ الأَوصياءَ ثَلاثةٌ:
أَمينٌ قادِرٌ على القيامِ بما أُوصيَ إليه؛ فإنَّه يُقرَّرُ وليسَ للقاضي عَزلُه؛ لأنَّ مَقصودَ المُوصي القيامُ بأُمورِه وما أَوصَى إليه به، فإذا حصَلَ فتَغييرُه إِبطالٌ لقَصدِه فلا يَجوزُ.
стр. 14938
وأَمينٌ عاجِزٌ فالقاضي يَضمُّ إليه مَنْ يُعينُه؛ لأنَّ الوَصيةَ إليه صَحيحةٌ لا يَجوزُ إِبطالُها، إلا أنَّ في انفِرادِه نَوعَ خَللٍ ببَعضِ المَقصودِ لعَجزِه، فيُضمُّ إليه آخَرُ تَكميلًا للمَقصودِ.
وفاسِقٌ أو كافِرٌ أو عَبدٌ فيَجبُ عَزلُه وإِقامةُ غيرِه؛ لأنَّه لا تَصحُّ نيابَتُه؛ لأنَّ المَيتَ إنَّما أَوصَى إليه مُعتمِدًا على رأيِه وأَمانتِه وكِفايتِه في تَصرفاتِه، وهؤلاء ليسوا كذلك، أمَّا الفاسِقُ فلاتِّهامِه بالخِيانةِ، وأمَّا الكافِرُ فللعَداوةِ الدِّينيةِ الباعِثةِ له على تَركِ النَّظرِ للمُسلمِ، وأمَّا العَبدُ فلتَوقُّفِ تَصرُّفِه على إِجازةِ مَولاه وتَمكُّنِه من حَجرِه بعدَ ذلك، فيُخرجُهم القاضي ويُقيمُ مَنْ يَقومُ بمَصالحِ المَيتِ؛ لأنَّ القاضيَ نُصِّبَ ناظِرًا للمُسلِمينَ، ألَا يُرى أنَّه لو لم يُوصَ إلى أحدٍ فللقاضي أنْ يُقيمَ وَصيًّا؟ كذا هذا (١).
وقالَ القَرافِيُّ: قالَ ابنُ حَبيبٍ: تَصحُّ الوَصيةُ للفاسِقِ ويُزيلُها الحاكِمُ منه، فلو كانَ عَدلًا؛ لأنفَذَ تَصرُّفَه (٢).
الأمرُ الثاني: إذا طرَأَ الفِسقُ على المُوصَى إليه هل يَنعزِلُ أو يُضمُّ إليه أَمينٌ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُوصَى إليه إذا طرَأَ عليه الفِسقُ وجَبَ عَزلُه وإِقامةُ غيرِه مَقامَه؛ لأنَّه لا تَصحُّ نيابَتُه؛ لأنَّ المَيتَ إنَّما أَوصَى إليه مُعتمِدًا
стр. 14939
على رأيِه وأَمانتِه وكِفايتِه في تَصرفاتِه، والفاسِقُ ليسَ من أهلِ الوِلايةِ والأَمانةِ ولأنَّ العَدالةَ وازِعٌ عن الفَسادِ فعَدمُها يُبطلُ الوِلايةَ، وعليه فلا تُقرُّ في يَدِه؛ لأنَّه قد تعلَّقَ بالوَصيةِ إليه حُقوقُ المُوصَى لهم، فإذا لم يَكنْ مَأمونًا لم يُؤمَنْ منه إِتلافُها، فلم يَجُزْ وِلايتُه.
قالَ المالِكيةُ: وطُروءُ الفِسقِ على الوَصيِّ يَعزِلُه؛ إذْ تُشتَرطُ عَدالتُه ابتِداءً ودَوامًا، ومِثلُ طُروءِ الفِسقِ طُروءُ العَداوةِ، فيَنعزِلُ الوَصيُّ إذا عادَى المَحجورَ؛ إذْ لا يُؤمَنُ عَدوٌّ على عَدوِّه في شَيءٍ من أَحوالِه، إلا أنَّ تَصرُّفَه بعدَ الفِسقِ وقبلَ العَزلِ نافِذٌ وماضٍ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: يَنعزلُ الوَصيُّ وقَيِّمُ الحاكِمِ وكذا الأَبُ والجَدُّ والأُمُّ بالفِسقِ بتَعدٍّ في المالِ أو بسَببٍ آخَرَ بعدَ مَوتِ المُوصي، وإنْ لم يَعزِلْه الحاكِمُ لزَوالِ أهليَّتِه، لكنْ تَعودُ وِلايةُ الأَبِ والجَدِّ وكذا الحاضِنةُ والأُمُّ إنْ كانَت وَصيةً بعَودِ العَدالةِ؛ لأنَّ وِلايتَهم شَرعيةٌ، ولكَمالِ شَفقتِهم بخِلافِ الوَصيِّ وقَيِّمِ القاضي لا تَعودُ وِلايتُه بعَودِ العَدالةِ، وكذا لو جُنَّ أو أُغميَ عليه لا تَعودُ وِلايتُه بالإِفاقةِ.
وكذا يَنعزلُ القاضي في الأصَحِّ لزَوالِ أهليَّتِه، والثاني: لا يَنعزِلُ كالإِمامِ الأعظَمِ، إلا أنْ يَعزلَه الإِمامُ (٢).
стр. 14940
وذهَبَ الإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ والمَخزوميُّ من المالِكيةِ إلى أنَّه لا يَنعزِلُ، لكنْ يُضمُّ معه أَمينٌ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ: وعن أَحمدَ ما يَدلُّ على صِحةِ الوَصيةِ إليه؛ فإنَّه قالَ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ: إذا كانَ مُتهَمًا لم تَخرُجْ من يَدِه، وقالَ الخِرقيُّ: إذا كانَ الوَصيُّ خائِنًا ضُمَّ إليه أَمينٌ، وهذا يَدلُّ على صِحةِ الوَصيةِ إليه ويَضمُّ الحاكِمُ إليه أَمينًا … ووَجهُ الأُولى أنَّه لا يَجوزُ إِفرادُه بالوَصيةِ فلم تَجُزِ الوَصيةُ إليه كالمَجنونِ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ أيضًا: قالَ الخِرقيُّ: (وإذا كانَ الوَصيُّ خائِنًا جُعلَ معه أَمينٌ)، ظاهِرُ هذا صِحةُ الوَصيةِ إلى الفاسِقِ ويُضمُّ إليه أَمينٌ.
وكذلك إنْ كانَ عَدلًا فتَغيَّرت حالُه إلى الخِيانةِ لم يَخرُجْ منها، ويُضمُّ إليه أَمينٌ، ونقَلَ ابنُ مَنصورٍ عن أَحمدَ نَحوَ ذلك، قالَ: إذا كانَ الوَصيُّ مُتهَمًا لم يَخرُجْ من يَدِه.
ونقَلَ المَرُّوذيُّ عن أَحمدَ فيمَن أَوصَى لرَجلَينِ ليسَ أَحدُهما بمَوضعٍ للوَصيةِ فقالَ للآخَرِ: «أَعطِني»، لا يُعطيه شَيئًا، ليسَ هذا بمَوضِعٍ للوَصيةِ، فقيلَ له: أليسَ المَريضُ قد رَضيَ به؟ فقالَ: وإنْ رَضيَ به فظاهِرُ هذا إِبطالُ
стр. 14941
الوَصيةِ إليه. وحمَلَ القاضي كَلامَ الخِرقيِّ وكَلامَ أَحمدَ في إِبقائِه في الوَصيةِ على أنَّ خيانَتَه طَرأَت بعدَ المَوتِ، فأمَّا إنْ كانَت خيانَتُه مَوجودةً حالَ الوَصيةِ إليه لم تَصحَّ؛ لأنَّه لا يَجوزُ تَوليةُ الخائِنِ على يَتيمٍ في حَياتِه فكذلك بعدَ مَوتِه، ولأنَّ الوَصيةَ وِلايةٌ وأَمانةٌ، والفاسِقُ ليسَ من أَهلِهما.
فعلى هذا إذا كانَ الوَصيُّ فاسِقًا فحُكمُه حُكمُ مَنْ لا وَصيَّ له، ويَنظرُ في مالِه الحاكِمُ، وإنْ طرَأَ فِسقُه بعدَ الوَصيةِ زالَت وِلايتُه وأقامَ الحاكِمُ مَقامَه أَمينًا، هذا اختيارُ القاضي وهو قَولُ الثَّوريِّ والشافِعيِّ وإِسحاقَ، وعلى قَولِ الخِرقيِّ لا تَزولُ وِلايتُه ويُضمُّ إليه أَمينٌ يَنظرُ معه، ورُويَ ذلك عن الحَسنِ وابنِ سِيرينَ؛ لأنَّه أمكَنَ حِفظُ المالِ بالأَمينِ، وبتَحصيلِ نَظرِ الوَصيِّ بإِبقائِه في الوَصيةِ، فيَكونُ جَمعًا بينَ الحَقَّينِ، وإنْ لم يُمكِنْ حِفظُ المالِ بالأَمينِ تعيَّنَ إِزالةُ يَدِ الفاسِقِ الخائِنِ وقَطعُ تَصرفِه؛ لأنَّ حِفظَ المالِ على اليَتيمِ أَولى من رِعايةِ قَولِ المُوصي الفاسِدِ.
وأمَّا التَّفريقُ بينَ الفِسقِ الطارِئِ وبينَ المُقارِنِ فبَعيدٌ؛ فإنَّ الشُّروطَ تُعتبَرُ في الدَّوامِ كاعتِبارِها في الابتِداءِ، سيَّما إذا كانَت لمَعنًى يُحتاجُ إليه في الدَّوامِ، ولو لم يَكنْ بُدٌّ من التَّفريقِ لكانَ اعتِبارُ العَدالةِ في الدَّوامِ أوْلى، من قِبَلِ أنَّ الفِسقَ إذا كانَ مَوجودًا حالَ الوَصيةِ فقد رَضيَ به المُوصي مع عِلمِه بحالِه، وأَوصَى إليه راضيًا بتَصرفِه مع فِسقِه، فيُشعرُ ذلك بأنَّه علِمَ أنَّ عندَه من الشَّفقةِ على اليَتيمِ ما يَمنعُه من التَّفريطِ فيه وخيانَتِه في مالِه، بخِلافِ ما إذا طرَأَ الفِسقُ؛ فإنَّه لم يَرضَ به على تلك الحالِ، والاعتِبارُ برِضاه، ألَا تَرى
стр. 14942
أنَّه لو أَوصَى إلى واحِدٍ جازَ له التَّصرفُ وَحدَه ولو وَصَّى إلى اثنَين لم يَجُزْ للواحِدِ التَّصرفُ؟ (١)
وقالَ الزَّركَشيُّ: قالَ: وإذا كانَ الوَصيُّ خائِنًا جُعلَ معه أَمينٌ.
ش: هذه إِحدَى الرِّواياتِ عن أَحمدَ ﵀ تَعالى؛ جَمعًا بينَ نَظرِ المُوصي وحِفظِ المالِ، (والثانيةُ) لا تَصحُّ الوَصيةُ إلى فاسِقٍ أَصلًا، وهي اختيارُ القاضي وعامَّةِ أَصحابِه الشَّريفِ وأَبي الخَطابِ في «خِلافَيهما» والشِّيرازيِّ وابنِ عَقيلٍ في «التَّذكرةِ» وابنِ البَنَّا؛ لأنَّه ليسَ بأهلٍ للشَّهادةِ، أشبَهَ المَجنونَ، (والرِّوايةُ الثالِثةُ) تَصحُّ الوَصيةُ إليه مُطلقًا ولا يَفتقِرُ إلى أَمينٍ، حَكاها أَبو الخَطابِ في «خِلافِه»؛ لأنَّه أهلٌ للائتِمانِ في الجُملةِ، بدَليلِ جَوازِ إِيداعِه، فلو طرَأَ فِسقُه بعدَ مَوتِ المُوصي فعندَ أَبي مُحمدٍ أنَّه على الرِّوايتَينِ في الوَصيةِ إليه ابتِداءً، ثم مُختارُ القاضي [أيضًا] وغيرِه البُطلانُ، وعندَ أَبي البَركاتِ أنَّه يُبدَلُ بأَمينٍ بلا نِزاعٍ؛ نَظرًا إلى أنَّ المُوصيَ في الابتِداءِ قد رَضيَه واختارَه، والظاهِرُ أنَّه إنَّما فعَلَ ذلك لمَعنًى رآه فيه، إمَّا لزِيادةِ حِفظِه أو إِحكامِ تَصرُّفِه ونَحوِ ذلك ممَّا يَربو على ما فيه من الخِيانةِ، بخِلافِ ما لو طرَأَ فِسقُه؛ فإنَّ حالَ المُوصي يَقتَضي أنَّه إنَّما رَضيَ بعَدلٍ ولا عَدلَ، وعَكسُ ذلك القاضي في رِوايَتَيه؛ فإنَّه حمَلَ رِوايةَ ضَمِّ الأَمينِ إليه على ما إذا طرَأَ الفِسقُ وقالَ: ولا يَختلِفُ المَذهبُ أنَّه لا يَصحُّ إليه ابتِداءً، فكأنَّه نظَرَ إلى الدَّوامِ يُغتفَرُ فيه ما لا يُغتفَرُ في الابتِداءِ (٢).
стр. 14943
الشَّرطُ الرابِعُ: الكَفاءةُ والهِدايةُ إلى التَّصرفِ:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّه يُشتَرطُ في المُوصَى إليه أنْ يَكونَ قادِرًا على التَّصرفِ في المُوصَى به.
إلا أنَّهم اختلَفوا فيما لو كانَ أَمينًا إلا أنَّه ضَعيفٌ لا يَقدِرُ على التَّصرفِ فيما أَوصَى له به، هل يَنعزِلُ أو يُضمُّ إليه أَمينٌ قَويٌّ؟
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَنعزلُ، بل يَضمُّ القاضي إليه مَنْ يُعينُه؛ لأنَّ الوَصيةَ إليه صَحيحةٌ لا يَجوزُ إِبطالُها، إلا أنَّ في انفِرادِه نَوعَ خَللٍ ببَعضِ المَقصودِ لعَجزِه، فيُضمُّ إليه آخَرُ تَكميلًا للمَقصودِ.
قالَ الحَنفيةُ: مَنْ أَوصَى إلى عاجِزٍ عن القيامِ بها ضَمَّ القاضي إليه غيرَه؛ لأنَّ في الضَّمِّ رِعايةَ الحَقَّينِ، حَقِّ المُوصي وحَقِّ الوَرثةِ؛ لأنَّ تَكميلَ النَّظرِ يَحصلُ به؛ لأنَّ النَّظرَ يَتمُّ بإِعانةِ غيرِه ولا يَنعزلُ؛ لأنَّ الوَصيةَ إليه صَحيحةٌ لا يَجوزُ إِبطالُها، إلا أنَّ في انفِرادِه نَوعَ خَللٍ ببَعضِ المَقصودِ لعَجزِه، فيُضمُّ إليه آخَرُ تَكميلًا للمَقصودِ، ولو شَكا الوَصيُّ إلى القاضي ذلك لا يُجيبُه حتى يَعرفَ ذلك حَقيقةً؛ لأنَّ الشاكيَ قد يَكونُ كاذِبًا تَخفيفًا على نَفسِه.
ولو ظهَرَ للقاضي عَجزُه أصلًا استُبدلَ به غيرُه رِعايةً للنَّظرِ من الجانبَينِ، ولو كانَ قادِرًا على التَّصرفِ وهو أَمينٌ فيه فليسَ للقاضي أنْ يُخرجَه؛ لأنَّه مُختارُ المَيتِ، ولو اختارَ غيرَه كانَ دونَه، فكانَ إِبقاؤُه أوْلى،
стр. 14944
ألَا تَرى أنَّه قُدِّمَ على أَبي المَيتِ مع وُفورِ شَفقتِه؟ فأوْلى أنْ يُقدَّمَ على غيرِه، وكذا إذا شَكا الوَرثةُ أو بعضُهم المُوصَى إليه، لا يَنبَغي له أنْ يَعزلَه حتى يَبدوَ له منه خِيانةٌ؛ لأنَّه استَفادَ الوِلايةَ من المَيتِ، غيرَ أنَّه إذا ظهَرَت الخِيانةُ فاتَتَ الأَمانةُ، والمَيتُ إنَّما اختارَه لأَجلِها، وليسَ من النَّظرِ إِبقاؤُه بعدَ فَواتِها، وهو لو كانَ حَيًّا لأخرَجَه منها، فيَنوبُ القاضي مَنابَه عندَ عَجزِه، ويُقيمُ غيرَه مَقامَه كأنَّه ماتَ ولا وَصيَّ له (١).
وقالَ الشافِعيةُ: يُشتَرطُ في المُوصَى إليه الهِدايةُ إلى التَّصرفِ في المُوصَى به، فلا يَصحُّ إلى مَنْ لا يَهتَدي إليه لسَفهٍ أو مَرضٍ أو هَرمٍ أو تَغفُّلٍ؛ إذْ لا مَصلحةَ في تَوليةِ مَنْ هذه حالُه (٢).
قالَ الدَّميريُّ: وقالَ الماوَرديُّ: إذا أَوصَى إلى ضَعيفٍ ضَمَّ الحاكِمُ إليه أَمينًا، وهو مُوافِقٌ لمَا سيَأتي إذا طرَأَ الضَّعفُ؛ فإنَّه إذا ضعُفَ نَظرُ الوَصيِّ واختَلَّت كَفاءَتُه وعجَزَ عن ضَبطِ الحِسابِ أو ساءَ تَدبيرُه لكِبَرٍ أو مَرضٍ نصَّبَ القاضي معه مَنْ يَقومُ بذلك ويَسدُّ الخَللَ، ولا يَنعزِلُ بذلك بخِلافِ ما إذا تغيَّرَ حالُه بالفِسقِ، وبخِلافِ ما إذا نصَّبَ الحاكِمُ قيِّمًا وطرَأَ عليه ذلك؛ فإنَّ له عَزلَه وإِقامةَ غيرِه (٣).
стр. 14945
وقالَ الماوَرديُّ: قالَ الشافِعيُّ ﵀ تَعالى: فإنْ تغيَّرَت حالُه أُخرِجت الوَصيةُ من يَدِه وضُمَّ إليه إذا كانَ ضَعيفًا أَمينٌ معه، فإنْ أَوصَى إلى غيرِ ثِقةٍ فقد أخطَأَ على غيرِه فلا يَجوزُ ذلك.
قالَ الماوَرديُّ: ولو أَوصَى إلى ضَعيفٍ ضُمَّ إليه غيرُه من أَبنائِه، فإنْ قيلَ: فهل يَلزمُ الحاكِمَ أنْ يَستكشِفَ عن الأَوصياءِ ووُلاةِ الأَيتامِ أو لا؟ قُلنا: هذا على ضَربَينِ: أَحدُهما يَكونُ فيمَن يَلي بنَفسِه من أَبٍ أو جَدٍّ، فليس للحاكِمِ أنْ يَستكشِفَ عن حالِه، وعليه إِقرارُه على وِلايتِه ونَظرِه حتى يَثبُتَ عندَه ما يُوجبُ زَوالَ نَظرِه من فِسقٍ أو خِيانةٍ، فيَعزلَه حينَئذٍ ويُولِّيَ غيرَه؛ لأنَّ الواليَ بنَفسِه أَقوى نَظرًا من الحاكِمِ، والضَّربُ الثاني: أنْ تَكونَ وِلايتُه بغيرِه، فهذا على ضَربَينِ: أَحدُهما أنْ يَكونَ أَمينَ حاكِمٍ، والثاني أنْ يَكونَ وَصيَّ أَبٍ، فإنْ كانَ أَمينَ الحاكِمِ لم يَجِبْ أنْ يَستكشِفَ عن حالِه إلا أنْ يَثبُتَ عندَه خيانَتُه أو فِسقُه؛ لأنَّ ما وَلَّاه الحاكِمُ قد اعتُبِرَ من حالِه ما صَحَّت به وِلايتُه، وإنْ كانَ وَصيَّ أَبٍ ففيه وَجهانِ: أَحدُهما -وهو قَولُ أَبي إِسحاقَ المَروَزيِّ- لا يَجوزُ استِكشافُ حالِه إلا بعدَ ثُبوتِ فِسقِه، كالأَبِ وأَمينِ الحاكِمِ، والوَجهُ الثاني -وهو الأصَحُّ عندي- أنَّ على الحاكِمِ استِكشافَ حالِه؛ لأنَّه لم يَنفُذْ بوِلايتِه حُكمٌ ولا هو ممَّا تَنتَفي عنه التُّهمةُ كالأَبِ، وقد يَجوزُ أنْ يَكونَ بوَصفِ مَنْ لا يَستحِقُّ النَّظرَ، فافتُقِرَ إلى الكَشفِ (١).
стр. 14946
وقالَ ابنُ قُدامةَ: وأمَّا العَدلُ الذي يَعجِزُ عن النَّظرِ لعِلةٍ أو ضَعفٍ؛ فإنَّ الوَصيةَ تَصحُّ إليه، ويُضمُّ إليه الحاكِمُ أَمينًا ولا يُزيلُ يَدَه عن المالِ ولا نَظرَه؛ لأنَّ الضَّعيفَ أهلٌ للوِلايةِ والأَمانةِ فصَحَّت الوَصيةُ إليه، وهكذا إنْ كانَ قَويًّا فحدَثَ فيه ضَعفٌ أو عِلةٌ ضَمَّ الحاكِمُ إليه يَدًا أُخرى، ويَكونُ الأولُ هو الوَصيَّ دونَ الثاني وهذا مُعاوِنٌ؛ لأنَّ وِلايةَ الحاكِمِ إنَّما تَكونُ عندَ عَدمِ الوَصيِّ، وهذا قَولُ الشافِعيِّ وأَبي يُوسفَ، ولا أَعلمُ لهما مُخالِفًا (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يُشتَرطُ في المُوصَى إليه أنْ يَكونَ قادِرًا على القيامِ بالمُوصَى به، فلا يَصحُّ إِسنادُ الوَصيةِ إلى العاجِزِ (٢).
قالَ ابنُ عَرفةَ: وتقدَّمَ قَولُ ابنِ القاسِمِ وأشهَبَ: لا تَجوزُ إلى ضَعيفٍ.
اللَّخميُّ: عَجزُ الوَصيِّ إنْ كانَ لبَلَهٍ أو قِلةِ ضَبطٍ أو تَفريطٍ عُزلَ، وإنْ كانَ لكَثرةِ المالِ قُوِّيَ بآخَرَ (٣).
مَتى يُعتبَرُ وُجودُ هذه الشُّروطِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في هذه الشُّروطِ، هل الواجِبُ أنْ تُعتبَرَ حالَ العَقدِ أو حالَ المَوتِ أو حالَ العَقدِ والمَوتِ معًا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشتَرطُ أنْ
стр. 14947
تُوجدَ هذه الشُّروطُ عندَ الوَصيةِ والمَوتِ معًا، فلو كانَ عندَ الوَصيةِ فاسِقًا وعندَ المَوتِ عَدلًا لم تَصحَّ، وكذا إذا كانَ مَجنونًا عندَ الوَصيةِ وكانَ فائِقًا عندَ المَوتِ أو العَكسِ؛ لأنَّها شُروطٌ لعَقدٍ فتُعتبَرُ حالَ وُجودِه كسائِرِ العُقودِ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ (وهو مُقتَضى مَذهبِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ (١) إلى أنَّه تُعتبَرُ الشُّروطُ حالَ المَوتِ فحَسْبُ كالوَصيةِ له، لا عندَ الإِيصاءِ ولا بينَهما؛ لأنَّ شُروطَ الشَّهادةِ تُعتبَرُ عندَ أَدائِها لا عندَ تَحمُّلِها كذلك ههنا، فلو كانَت الشُّروطُ كلُّها مُنتفيةً أو بعضُها حالَ العَقدِ ثم وُجدَت حالةَ المَوتِ لصَحَّت الوَصيةُ.
وفي قَولٍ ثالِثٍ للشافِعيةِ وللحَنابِلةِ أنَّه في الحالتَينِ جَميعًا عندَ الوِصايةِ وعندَ المَوتِ وفيما بينَهما (٢).
إذا تَغيَّرت حالُ الوَصيِّ:
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: «فإنْ تَغيَّرت حالُه أُخرِجت الوَصيةُ من يَدِه وضُمَّ إليه إذا كانَ ضَعيفًا أَمينٌ معه، فإنْ أَوصَى إلى غيرِ ثِقةٍ فقد أخطَأَ على غيرِه فلا يَجوزُ ذلك».
стр. 14948
قالَ الماوَرديُّ: وهذا كما قالَ: إذا تغيَّرَت حالُ الوَصيِّ بعدَ استِكمالِ الشُّروطِ فيه فذلك ضَربانِ: أَحدُهما ما خرَجَ به من الوَصيةِ، والثاني ما عجَزَ به عنها، فأمَّا الذي يَخرجُ به من الوَصيةِ فالطارِئُ عليه من جُنونٍ أو فِسقٍ أو مَرضٍ يُؤثِّرُ في صِحةِ تَدبيرِه وفَضلِ نَظرِه، فهذه أُمورٌ يَخرجُ بها من الوَصيةِ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: طُروءُ الفِسقِ لا يُخرجُه من الوَصيةِ، كما أنَّ فِسقَ من حُكمَ بشَهادتِه لا يُوجبُ نَقضَ الحُكمِ بها، ولكنْ يُضمُّ إليه بعدَ فِسقِه عَدلٌ، وهذا القَولُ لا وَجهَ له؛ لأنَّه لمَّا كانَ الفِسقُ مانِعًا من ابتِداءِ الوَصيةِ كانَ مانِعًا من استِدامَتِها كالكُفرِ، وإذا كانَ كذا صارَ طُروءُ الفِسقِ كغيرِه من الأَسبابِ المانِعةِ، فيَلزمُ الحاكِمَ معها إِخراجُها عن يَدِه واختيارُ مَنْ يَقومُ بها من أُمنائِه، فإنْ تصرَّفَ الوَصيُّ في المالِ بعدَ خُروجِه منها بأحدِ هذه الأَسبابِ نُظرَ فإنْ كانَ عَقدًا أو ما يَفتقِرُ إلى اجتِهادٍ رُدَّ وكانَ له ضامِنًا إنْ ماتَ، وإنْ كانَ مُعيَّنًا من وَصيةٍ أو دَينٍ لا يَفتقِرُ إلى اجتِهادٍ أمضَى ولم يَضمَنْه.
وأمَّا العَجزُ عنها فالضَّعفُ الذي يُقدَرُ معه على القيامِ بها فهذا مُقَرٌّ على حالِه، لكنْ على الحاكِمِ أنْ يَضمَّ إليه مِنْ أُمنائِه مَنْ يُعينُه على إِنفاذِ الوَصايا والوِلايةِ على الأَطفالِ، فلو تفرَّدَ هذا الوَصيُّ قبلَ أنْ يَضمَّ الحاكِمُ إليه أَمينًا فتصرَّفَ في الوَصيةِ أمضى ولم يَضمَنْه؛ لأنَّه ما انفرَدَ به إلا وهو قادِرٌ عليه، وهكذا لو ابتُدئَ بالوَصيةِ إلى غيرِ أَمينٍ أخرَجَها الحاكِمُ من يَدِه.
ولو أَوصَى إلى ضَعيفٍ ضُمَّ إليه غيرُه من أَبنائِه، فإنْ قيلَ: فهل يَلزمُ الحاكِمَ أنْ يَستكشِفَ عن الأَوصياءِ ووُلاةِ الأَيتامِ أو لا؟ قُلنا: هذا على
стр. 14949
ضَربَينِ: أَحدُهما يَكونُ فيمَن يَلي بنَفسِه من أَبٍ أو جَدٍّ فليس للحاكِمِ أنْ يَستكشِفَ عن حالِه، وعليه إِقرارُه على وِلايتِه ونَظرِه حتى يَثبُتَ عندَه ما يُوجبُ زَوالَ نَظرِه من فِسقٍ أو خيانةٍ، فيَعزلَه حينَئذٍ ويُولِّيَ غيرَه؛ لأنَّ الواليَ بنَفسِه أَقوى نَظرًا من الحاكِمِ.
والضَّربُ الثاني: أنْ تَكونَ وِلايتُه بغيرِه، فهذا على ضَربَينِ: أَحدُهما أنْ يَكونَ أَمينَ حاكِمٍ، والثاني أنْ يَكونَ وَصيَّ أَبٍ، فإنْ كانَ أَمينَ الحاكِمِ لم يَجِبْ أنْ يَستكشِفَ عن حالِه إلا أنْ يَثبُتَ عندَه خِيانَتُه أو فِسقُه؛ لأنَّ ما وَلَّاه الحاكِمُ قد اعتُبِرَ من حالِه ما صَحَّت به وِلايتُه، وإنْ كانَ وَصيَّ أَبٍ ففيه وَجهانِ: أَحدُهما -وهو قَولُ أَبي إِسحاقَ المَروَزيِّ-: لا يَجوزُ استِكشافُ حالِه إلا بعدَ ثُبوتِ فِسقِه كالأَبِ وأَمينِ الحاكِمِ، والوَجهُ الثاني: وهو الأصَحُّ عِندي أنَّ على الحاكِمِ استِكشافَ حالِه؛ لأنَّه لم يَنفُذْ بوِلايتِه حُكمٌ ولا هو ممَّا تَنتَفي عنه التُّهمةُ كالأَبِ، وقد يَجوزُ أنْ يَكونَ بوَصفِ مَنْ لا يَستحِقُّ النَّظرَ فافتَقرَ إلى الكَشفِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ: وإذا تغيَّرَت حالُ الوَصيِّ بجُنونٍ أو كُفرٍ أو سَفهٍ زالَت وِلايتُه وصارَ كأنَّه لم يُوصَ إليه، ويَرجعُ الأمرُ إلى الحاكِمِ، فيُقيمُ أَمينًا ناظِرًا للمَيتِ في أمرِه وأمرِ أَولادِه من بعدِه، كما لو لم يُخلِّفْ
стр. 14950
وَصيًّا، وإنْ تغيَّرَت حالُه بعدَ الوَصيةِ وقبلَ المَوتِ ثم عادَ فكانَ عندَ المَوتِ جامِعًا لشُروطِ الوَصيةِ صَحَّت الوَصيةُ إليه؛ لأنَّ الشُّروطَ مَوجودةٌ حالَ العَقدِ والمَوتِ، فصَحَّت الوَصيةُ كما لو لم تَتغيَّرْ حالُه.
ويَحتملُ أنْ تَبطُلَ؛ لأنَّ كلَّ حالةٍ منها حالةٌ للقَبولِ والرَّدِّ، فاعتُبِرت الشُّروطُ فيها، فأمَّا إنْ زالَت بعدَ المَوتِ وانعزَلَ ثم عادَ فأكمَلَ الشُّروطَ لم تُعدَّ وَصيتُه؛ لأنَّها زالَت فلا تَعودُ إلا بعَقدٍ جَديدٍ (١).
وقالَ الإِمامُ المَوصليُّ الحَنفيُّ: اعلَمْ أنَّ الأَوصياءَ ثَلاثةٌ:
أَمينٌ قادِرٌ على القيامِ بما أُوصيَ إليه؛ فإنَّه يُقرَّرُ وليسَ للقاضي عَزلُه؛ لأنَّ مَقصودَ المُوصي القيامُ بأُمورِه وما أَوصَى إليه به، فإذا حصَلَ فتَغييرُه إِبطالٌ لقَصدِه فلا يَجوزُ.
وأَمينٌ عاجِزٌ فللقاضي أنْ يَضمَّ إليه مَنْ يُعينُه؛ لأنَّ الوَصيةَ إليه صَحيحةٌ لا يَجوزُ إِبطالُها، إلا أنَّ في انفِرادِه نَوعَ خَللٍ ببعضِ المَقصودِ لعَجزِه فيُضمُّ إليه آخَرُ تَكميلًا للمَقصودِ.
وفاسِقٌ أو كافِرٌ أو عبدٌ فيَجبُ عَزلُه وإِقامةُ غيرِه؛ لأنَّه لا تَصحُّ نيابَتُه؛ لأنَّ المَيتَ إنَّما أَوصَى إليه مُعتمِدًا على رأيِه وأَمانتِه وكِفايتِه في تَصرفاتِه، وهؤلاء ليسوا كذلك، أمَّا الفاسِقُ فلاتِّهامِه بالخِيانةِ، وأمَّا الكافِرُ فللعَداوةِ الدِّينيةِ الباعِثةِ له على تَركِ النَّظرِ للمُسلمِ، وأمَّا العَبدُ فلتَوقُّفِ تَصرُّفِه على