← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 14946–14985 · переход к 14951.

стр. 14946

وقالَ ابنُ قُدامةَ: وأمَّا العَدلُ الذي يَعجِزُ عن النَّظرِ لعِلةٍ أو ضَعفٍ؛ فإنَّ الوَصيةَ تَصحُّ إليه، ويُضمُّ إليه الحاكِمُ أَمينًا ولا يُزيلُ يَدَه عن المالِ ولا نَظرَه؛ لأنَّ الضَّعيفَ أهلٌ للوِلايةِ والأَمانةِ فصَحَّت الوَصيةُ إليه، وهكذا إنْ كانَ قَويًّا فحدَثَ فيه ضَعفٌ أو عِلةٌ ضَمَّ الحاكِمُ إليه يَدًا أُخرى، ويَكونُ الأولُ هو الوَصيَّ دونَ الثاني وهذا مُعاوِنٌ؛ لأنَّ وِلايةَ الحاكِمِ إنَّما تَكونُ عندَ عَدمِ الوَصيِّ، وهذا قَولُ الشافِعيِّ وأَبي يُوسفَ، ولا أَعلمُ لهما مُخالِفًا (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يُشتَرطُ في المُوصَى إليه أنْ يَكونَ قادِرًا على القيامِ بالمُوصَى به، فلا يَصحُّ إِسنادُ الوَصيةِ إلى العاجِزِ (٢). قالَ ابنُ عَرفةَ: وتقدَّمَ قَولُ ابنِ القاسِمِ وأشهَبَ: لا تَجوزُ إلى ضَعيفٍ. اللَّخميُّ: عَجزُ الوَصيِّ إنْ كانَ لبَلَهٍ أو قِلةِ ضَبطٍ أو تَفريطٍ عُزلَ، وإنْ كانَ لكَثرةِ المالِ قُوِّيَ بآخَرَ (٣). مَتى يُعتبَرُ وُجودُ هذه الشُّروطِ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في هذه الشُّروطِ، هل الواجِبُ أنْ تُعتبَرَ حالَ العَقدِ أو حالَ المَوتِ أو حالَ العَقدِ والمَوتِ معًا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشتَرطُ أنْ

стр. 14947

تُوجدَ هذه الشُّروطُ عندَ الوَصيةِ والمَوتِ معًا، فلو كانَ عندَ الوَصيةِ فاسِقًا وعندَ المَوتِ عَدلًا لم تَصحَّ، وكذا إذا كانَ مَجنونًا عندَ الوَصيةِ وكانَ فائِقًا عندَ المَوتِ أو العَكسِ؛ لأنَّها شُروطٌ لعَقدٍ فتُعتبَرُ حالَ وُجودِه كسائِرِ العُقودِ. وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ (وهو مُقتَضى مَذهبِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ (١) إلى أنَّه تُعتبَرُ الشُّروطُ حالَ المَوتِ فحَسْبُ كالوَصيةِ له، لا عندَ الإِيصاءِ ولا بينَهما؛ لأنَّ شُروطَ الشَّهادةِ تُعتبَرُ عندَ أَدائِها لا عندَ تَحمُّلِها كذلك ههنا، فلو كانَت الشُّروطُ كلُّها مُنتفيةً أو بعضُها حالَ العَقدِ ثم وُجدَت حالةَ المَوتِ لصَحَّت الوَصيةُ. وفي قَولٍ ثالِثٍ للشافِعيةِ وللحَنابِلةِ أنَّه في الحالتَينِ جَميعًا عندَ الوِصايةِ وعندَ المَوتِ وفيما بينَهما (٢). إذا تَغيَّرت حالُ الوَصيِّ: قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: «فإنْ تَغيَّرت حالُه أُخرِجت الوَصيةُ من يَدِه وضُمَّ إليه إذا كانَ ضَعيفًا أَمينٌ معه، فإنْ أَوصَى إلى غيرِ ثِقةٍ فقد أخطَأَ على غيرِه فلا يَجوزُ ذلك».

стр. 14948

قالَ الماوَرديُّ: وهذا كما قالَ: إذا تغيَّرَت حالُ الوَصيِّ بعدَ استِكمالِ الشُّروطِ فيه فذلك ضَربانِ: أَحدُهما ما خرَجَ به من الوَصيةِ، والثاني ما عجَزَ به عنها، فأمَّا الذي يَخرجُ به من الوَصيةِ فالطارِئُ عليه من جُنونٍ أو فِسقٍ أو مَرضٍ يُؤثِّرُ في صِحةِ تَدبيرِه وفَضلِ نَظرِه، فهذه أُمورٌ يَخرجُ بها من الوَصيةِ. وقالَ أَبو حَنيفةَ: طُروءُ الفِسقِ لا يُخرجُه من الوَصيةِ، كما أنَّ فِسقَ من حُكمَ بشَهادتِه لا يُوجبُ نَقضَ الحُكمِ بها، ولكنْ يُضمُّ إليه بعدَ فِسقِه عَدلٌ، وهذا القَولُ لا وَجهَ له؛ لأنَّه لمَّا كانَ الفِسقُ مانِعًا من ابتِداءِ الوَصيةِ كانَ مانِعًا من استِدامَتِها كالكُفرِ، وإذا كانَ كذا صارَ طُروءُ الفِسقِ كغيرِه من الأَسبابِ المانِعةِ، فيَلزمُ الحاكِمَ معها إِخراجُها عن يَدِه واختيارُ مَنْ يَقومُ بها من أُمنائِه، فإنْ تصرَّفَ الوَصيُّ في المالِ بعدَ خُروجِه منها بأحدِ هذه الأَسبابِ نُظرَ فإنْ كانَ عَقدًا أو ما يَفتقِرُ إلى اجتِهادٍ رُدَّ وكانَ له ضامِنًا إنْ ماتَ، وإنْ كانَ مُعيَّنًا من وَصيةٍ أو دَينٍ لا يَفتقِرُ إلى اجتِهادٍ أمضَى ولم يَضمَنْه. وأمَّا العَجزُ عنها فالضَّعفُ الذي يُقدَرُ معه على القيامِ بها فهذا مُقَرٌّ على حالِه، لكنْ على الحاكِمِ أنْ يَضمَّ إليه مِنْ أُمنائِه مَنْ يُعينُه على إِنفاذِ الوَصايا والوِلايةِ على الأَطفالِ، فلو تفرَّدَ هذا الوَصيُّ قبلَ أنْ يَضمَّ الحاكِمُ إليه أَمينًا فتصرَّفَ في الوَصيةِ أمضى ولم يَضمَنْه؛ لأنَّه ما انفرَدَ به إلا وهو قادِرٌ عليه، وهكذا لو ابتُدئَ بالوَصيةِ إلى غيرِ أَمينٍ أخرَجَها الحاكِمُ من يَدِه. ولو أَوصَى إلى ضَعيفٍ ضُمَّ إليه غيرُه من أَبنائِه، فإنْ قيلَ: فهل يَلزمُ الحاكِمَ أنْ يَستكشِفَ عن الأَوصياءِ ووُلاةِ الأَيتامِ أو لا؟ قُلنا: هذا على

стр. 14949

ضَربَينِ: أَحدُهما يَكونُ فيمَن يَلي بنَفسِه من أَبٍ أو جَدٍّ فليس للحاكِمِ أنْ يَستكشِفَ عن حالِه، وعليه إِقرارُه على وِلايتِه ونَظرِه حتى يَثبُتَ عندَه ما يُوجبُ زَوالَ نَظرِه من فِسقٍ أو خيانةٍ، فيَعزلَه حينَئذٍ ويُولِّيَ غيرَه؛ لأنَّ الواليَ بنَفسِه أَقوى نَظرًا من الحاكِمِ. والضَّربُ الثاني: أنْ تَكونَ وِلايتُه بغيرِه، فهذا على ضَربَينِ: أَحدُهما أنْ يَكونَ أَمينَ حاكِمٍ، والثاني أنْ يَكونَ وَصيَّ أَبٍ، فإنْ كانَ أَمينَ الحاكِمِ لم يَجِبْ أنْ يَستكشِفَ عن حالِه إلا أنْ يَثبُتَ عندَه خِيانَتُه أو فِسقُه؛ لأنَّ ما وَلَّاه الحاكِمُ قد اعتُبِرَ من حالِه ما صَحَّت به وِلايتُه، وإنْ كانَ وَصيَّ أَبٍ ففيه وَجهانِ: أَحدُهما -وهو قَولُ أَبي إِسحاقَ المَروَزيِّ-: لا يَجوزُ استِكشافُ حالِه إلا بعدَ ثُبوتِ فِسقِه كالأَبِ وأَمينِ الحاكِمِ، والوَجهُ الثاني: وهو الأصَحُّ عِندي أنَّ على الحاكِمِ استِكشافَ حالِه؛ لأنَّه لم يَنفُذْ بوِلايتِه حُكمٌ ولا هو ممَّا تَنتَفي عنه التُّهمةُ كالأَبِ، وقد يَجوزُ أنْ يَكونَ بوَصفِ مَنْ لا يَستحِقُّ النَّظرَ فافتَقرَ إلى الكَشفِ (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ: وإذا تغيَّرَت حالُ الوَصيِّ بجُنونٍ أو كُفرٍ أو سَفهٍ زالَت وِلايتُه وصارَ كأنَّه لم يُوصَ إليه، ويَرجعُ الأمرُ إلى الحاكِمِ، فيُقيمُ أَمينًا ناظِرًا للمَيتِ في أمرِه وأمرِ أَولادِه من بعدِه، كما لو لم يُخلِّفْ

стр. 14950

وَصيًّا، وإنْ تغيَّرَت حالُه بعدَ الوَصيةِ وقبلَ المَوتِ ثم عادَ فكانَ عندَ المَوتِ جامِعًا لشُروطِ الوَصيةِ صَحَّت الوَصيةُ إليه؛ لأنَّ الشُّروطَ مَوجودةٌ حالَ العَقدِ والمَوتِ، فصَحَّت الوَصيةُ كما لو لم تَتغيَّرْ حالُه. ويَحتملُ أنْ تَبطُلَ؛ لأنَّ كلَّ حالةٍ منها حالةٌ للقَبولِ والرَّدِّ، فاعتُبِرت الشُّروطُ فيها، فأمَّا إنْ زالَت بعدَ المَوتِ وانعزَلَ ثم عادَ فأكمَلَ الشُّروطَ لم تُعدَّ وَصيتُه؛ لأنَّها زالَت فلا تَعودُ إلا بعَقدٍ جَديدٍ (١). وقالَ الإِمامُ المَوصليُّ الحَنفيُّ: اعلَمْ أنَّ الأَوصياءَ ثَلاثةٌ: أَمينٌ قادِرٌ على القيامِ بما أُوصيَ إليه؛ فإنَّه يُقرَّرُ وليسَ للقاضي عَزلُه؛ لأنَّ مَقصودَ المُوصي القيامُ بأُمورِه وما أَوصَى إليه به، فإذا حصَلَ فتَغييرُه إِبطالٌ لقَصدِه فلا يَجوزُ. وأَمينٌ عاجِزٌ فللقاضي أنْ يَضمَّ إليه مَنْ يُعينُه؛ لأنَّ الوَصيةَ إليه صَحيحةٌ لا يَجوزُ إِبطالُها، إلا أنَّ في انفِرادِه نَوعَ خَللٍ ببعضِ المَقصودِ لعَجزِه فيُضمُّ إليه آخَرُ تَكميلًا للمَقصودِ. وفاسِقٌ أو كافِرٌ أو عبدٌ فيَجبُ عَزلُه وإِقامةُ غيرِه؛ لأنَّه لا تَصحُّ نيابَتُه؛ لأنَّ المَيتَ إنَّما أَوصَى إليه مُعتمِدًا على رأيِه وأَمانتِه وكِفايتِه في تَصرفاتِه، وهؤلاء ليسوا كذلك، أمَّا الفاسِقُ فلاتِّهامِه بالخِيانةِ، وأمَّا الكافِرُ فللعَداوةِ الدِّينيةِ الباعِثةِ له على تَركِ النَّظرِ للمُسلمِ، وأمَّا العَبدُ فلتَوقُّفِ تَصرُّفِه على

стр. 14951

إِجازةِ مَولاه وتَمكُّنِه من حَجرِه بعدَ ذلك، فيُخرجُهم القاضي ويُقيمُ مَنْ يَقومُ بمَصالحِ المَيتِ؛ لأنَّ القاضيَ نُصبَ ناظِرًا للمُسلِمينَ، ألَا يُرى أنَّه لو لم يُوصَ إلى أحدٍ فللقاضي أنْ يُقيمَ وَصيًّا؟ كذا هذا (١). قالَ المالِكيةُ: وطُروءُ الفِسقِ على المُوصي يَعزِلُه؛ إذْ تُشتَرطُ عَدالتُه ابتِداءً ودَوامًا، ومِثلُ طُروءِ الفِسقِ طُروءُ العَداوةِ، فيَنعزلُ الوَصيُّ إذا عادَى المَحجورَ؛ إذْ لا يُؤمَنُ عَدوٌّ على عَدوِّه في شَيءٍ من أَحوالِه، إلا أنَّ تَصرُّفَه بعدَ الفِسقِ وقبلَ العَزلِ نافِذٌ وماضٍ (٢). المَرأةُ تَكونُ وَصيةً: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغيرُهم إلا عَطاءً على أنَّه لا تُشتَرطُ في المُوصَى له الذُّكورةُ، فتَصحُّ الوَصيةُ إلى المَرأةِ عندَ عامةِ العُلماءِ؛ لمَا رُويَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لهِندَ: «خُذي ما يَكفيكِ ووَلدَك بالمَعروفِ»، فجوَّزَ لها النَّبيُّ ﷺ أنْ تُنفقَ على أَولادِها الصِّغارِ، وجعَلَها القَيِّمةَ على أَولادِها في النَّفقةِ عليهم. ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ خرَجَ في بعضِ المَغازي فأودَعَ أَموالًا كانَت عندَه عندَ أُمِّ أيمَنَ ﵂، فدَلَّ ذلك على جَوازِ استِنابةِ المَرأةِ في المالِ وعلى الأَطفالِ، وكانَ لها الحَضانةُ عليهم، وإنْ كانَ فيها مَعنى الوِلايةِ.

стр. 14952

ولمَا رُويَ «أنَّ عُمرَ ﵁ وَصَّى إلى ابنَتِه حَفصةَ في صَدقتِه ما عاشَت، فإذا ماتَت فهو إلى ذَوي الرأيِ من أَهلِها» ولا مُخالفَ له، ولأنَّها من أهلِ الشَّهادةِ فجازَت الوَصيةُ إليها كالرَّجلِ (١). قالَ العِمرانيُّ: وإذا جمَعَت المَرأةُ الشَّرائِطَ الخَمسَ جازَت الوَصيةُ إليها، وهو قَولُ جَميعِ العُلماءِ إلا عَطاءً؛ فإنَّه قالَ: لا يَجوزُ (٢). وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: ولا تُشتَرطُ الذُّكورةُ بالإِجماعِ كما حَكاه ابنُ المُنذرِ (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَصحُّ الوَصيةُ إلى المَرأةِ في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، ورُويَ ذلك عن شُرَيحٍ، وبه قالَ مالِكٌ والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ والحَسنُ بنُ صالِحٍ وإِسحاقُ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ، ولم يُجِزْ عَطاءٌ؛ لأنَّها لا تَكونُ قاضيةً فلا تَكونُ وَصيةً كالمَجنونِ. ولنا ما رُويَ أنَّ عُمرَ ﵁ أَوصَى إلى حَفصةَ، ولأنَّها من أهلِ الشَّهادةِ فأشبَهَت الرَّجلَ، وتُخالِفُ القَضاءَ؛ فإنَّه يُعتبَرُ له الكَمالُ في الخِلقةِ والاجتِهادِ، بخِلافِ الوَصيةِ (٤).

стр. 14953

وقالَ القُرطُبيُّ: واختلَفوا في الوَصيةِ إلى المَرأةِ الحُرةِ، فقالَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ: الوَصيةُ لها جائِزةٌ، واحتَجَّ أَحمدُ بأنَّ عُمرَ ﵁ أَوصَى إلى حَفصةَ، ورُويَ عن عَطاءِ بنِ أَبي رَباحٍ أنَّه قالَ في رَجلٍ أَوصَى إلى امرأتِه قالَ: لا تَكونُ المَرأةُ وَصيًّا، فإنْ فعَلَ حُوِّلت إلى رَجلٍ من قَومِه (١). وقالَ الزَّبيديُّ ﵀: وإنْ أَوصَى رَجلٌ إلى امرأةٍ أو امرأةٌ إلى رَجلٍ جازَ؛ لأنَّ المَرأةَ من أهلِ الوِلايةِ كالرَّجلِ (٢). قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الوَصيةَ إلى المُسلمِ الحُرِّ الثِّقةِ العَدلِ جائِزةٌ. واختلَفوا في الوَصيةِ إلى المَرأةِ الحُرةِ. فقالَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ: الوَصيةُ إلى المَرأةِ جائِزةٌ، ورَوَينا عن شُرَيحٍ أنَّه أجازَ ذلك، وبه قالَ مالِكٌ والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ والحَسنُ بنُ صالِحٍ وأَحمدُ وإِسحاقُ وأَصحابُ الرأيِ وأَبو ثَورٍ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ، واحتَجَّ أَحمدُ بأنَّ عُمرَ أَوصَى إلى حَفصةَ. وقد رَوَينا عن عَطاءِ بنِ أَبي رَباحٍ أنَّه قالَ: رَجلٌ أَوصَى إلى امرأةٍ قال: لا تَكونُ المَرأةُ وَصيًّا، فإنْ فعَلَ حُوِّلت إلى رَجلٍ من قَومِه (٣).

стр. 14954

وقد نَصَّ الشافِعيةُ على أنَّ أُمَّ الأَطفالِ أَولى من غيرِها من النِّساءِ عندَ اجتِماعِ الشُّروطِ السابِقةِ لوُفورِ شَفقتِها، وكذا أَولى من الرِّجالِ أيضًا لمَا ذُكرَ إذا كانَ فيها ما فيهم من الكِفايةِ والاستِرباحِ ونَحوِهما، وإلا فلا. وتَزوُّجُها لا يُبطلُ وِصايَتَها إلا إنْ نَصَّ عليه بأنْ شرَطَ عَدمَ التَّزويجِ. وللقاضي أنْ يُفوِّضَ أمرَ الأَطفالِ إذا لم يَكنْ وَصيٌّ إلى امرأةٍ، فتَكونَ قَيِّمةً، فإنْ كانَت أُمَّ الأَطفالِ فذاك أوْلى (١). وكذلك نَصَّ المالِكيةُ على المُوصي إذا قالَ: «زَوجَتي فُلانةُ وَصيَّتي إلا أنْ تَتزوَّجَ» فإنَّه يُعملُ به، فتَستمرُّ إلى تَزوُّجِها فتُعزلُ، وكذا إذا أَوصَى لها بسُكنى أو بغَلةٍ إلى أنْ تَتزوَّجَ أو إلا أنْ تَتزوَّجَ؛ فإنَّه يُعملُ بما شُرطَ، فإذا عُقدَ لها فلا سُكنى لها ولا غَلةَ بعدَ ذلك، ولا يُنزعُ منها الماضي من الغَلةِ بزَواجِها، ومِثلُ الوَصيةِ ما شرَطَه لها من غَلةٍ وقَفَها إلى أنْ تَتزوَّجَ أو إلا أنْ تَتزوَّجَ، فلا فَرقَ بينَهما (٢).

стр. 14955

الرُّكنُ الثاني: المُوصي: المُوصي هو: مَنْ يَصدُرُ منه أمرٌ لغيرِه بالتَّصرفِ في أُمورِه أو أُمورِ أَولادِه بعدَ مَوتِه. وقد اشتَرطَ الفُقهاءُ لصِحةِ وِصايتِه شُروطًا. الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ مُكلَّفًا: (أي: عاقِلاً بالِغًا): لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه يُشتَرطُ في المُوصي أنْ يَكونَ عاقِلًا، فلا تَصحُّ الوِصايةُ من المَجنونِ؛ لأنَّه مَحجورٌ ومُولًّى عليه، فلا يَصحُّ أنْ يُولِّي على غيرِه، ولأنَّه لا عِبرةَ بكَلامِه. وأمَّا الصَّبيُّ غيرُ المُميِّزِ فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ أيضًا على أنَّه لا يَصحُّ إِيصاؤُه؛ إذْ لا عِبرةَ له، ولأنَّه مُولًّى عليه، فلا يَصحُّ أنْ يُولِّي على غيرِه. وكذا لا تَصحُّ من الصَّبيِّ المُميِّزِ عندَ عامةِ الفُقهاءِ؛ لأنَّه مُولًّى عليه، فلا يُولِّي على غيرِه، وقد تقدَّمَ كلُّ ذلك مُفصَّلًا فلا أُطيلُ في ذِكرِه. الشَّرطُ الثاني: الرُّشدُ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ عندَهم على صِحةِ وَصيةِ السَّفيهِ إذا أَوصَى بمالٍ بعدَ مَوتِه كما تقدَّمَ. إلا أنَّهم اختلَفوا فيما لو كانَت الوَصيةُ مُتعلِّقةً بنَفاذِ شَيءٍ بعدَ مَوتِه أو في أُمورِ أَولادِه الصِّغارِ أو المَجانينِ أو المَحجورِ عليهم بسَفهٍ، هل يُشتَرطُ في الأبِ أنْ يَكونَ رَشيدًا أو يَصحُّ الإِيصاءُ من السَّفيهِ؟

стр. 14956

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ على خِلافٍ في النَّقلِ عندَهم إلى أنَّ الوَصيةَ إذا كانَت مُتعلِّقةً بأُمورِ الأَطفالِ والمَجانينِ وكذا بالسُّفهاءِ الذين بلَغوا كذلك فيُشتَرطُ في المُوصي -الأَبِ أو غيرِه على الاختِلافِ فيه- أنْ يَكونَ رَشيدًا، فلا تَصحُّ وَصيةُ السَّفيهِ. قالَ المالِكيةُ: إنَّما يُوصي على المَحجورِ عليه -وهو الصَّغيرُ والسَّفيهُ- أَبٌ، لكنْ بشَرطِ أنْ يَكونَ هذا الأَبُ رَشيدًا، أمَّا الأَبُ المَحجورُ عليه فإنَّه لا يُوصي عليه؛ إذْ لا نظَرَ له عليه، وكذا لو بلَغَ الصَّبيُّ رَشيدًا ثم حصَلَ له السَّفهُ، فليس للأَبِ الإِيصاءُ عليه، وإنَّما الناظِرُ له هو الحاكِمُ (١). وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ البَعليُّ: وتَصحُّ الوَصيةُ من السَّفيهِ في أصَحِّ الوَجهَينِ، تَصحُّ وَصيةُ السَّفيهِ بالمالِ فأمَّا على الأَولادِ فلا تَصحُّ قَولًا واحِدًا؛ لأنَّه لا يَملكُ التَّصرفَ بنَفسِه فوَصيتُه أحَقُّ وأوْلى (٢). قالَ المِرداويُّ: أمَّا وَصيتُه على أَولادِه فلا تَصحُّ قَولًا واحِدًا؛ لأنَّه لا يَملكُ التَّصرفَ بنَفسِه فوَصيتُه أحَقُّ وأوْلى، قالَه في «المطلع». قُلتُ: ظاهِرُ كَلامِ كَثيرٍ من الأَصحابِ في بابِ المُوصَى إليه صِحةُ وَصيتِه بذلك، وهو أَولى بالصِّحةِ من الوَصيةِ بالمالِ.

стр. 14957

والظاهِرُ أنَّ الذي حَداه إلى ذلك تَعليلُ الأَصحابِ بكَونِه مَحجورًا عليه في تَصرفاتِه، أو لكَونِه مُحتاجًا إلى الثَّوابِ، وتَصرفُه في هذه مَحضُ مَصلحةٍ من غيرِ ضَررٍ؛ لأنَّه إنْ عاشَ لم يَذهبْ من مالِه شَيءٌ، ولا يَلزمُ من ذلك أنَّ الوَصيةَ على أَولادِه لا تَصحُّ، اللَّهمَّ إلا أنْ يَكونَ في المَسألةِ نَقلٌ خاصٌّ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّه لا يُشتَرطُ الرُّشدُ في المُوصي، فتَصحُّ الوَصيةُ من الأَبِ السَّفيهِ أو غيرِه ممَّن له وِلايةٌ على أَولادِه، ويَتعيَّنُ من عيَّنَه السَّفيهُ. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وكَلامُه -أي: النَّوويِّ تَبَعًا للرافِعيِّ- يُفهِمُ أنَّ السَّفيهَ إذا صَحَّحنا وَصيتَه بالمالِ -وهو الأصَحُّ- أنَّ له تَعيينَ شَخصٍ لتَنفيذِها. قالَ السُّبكيُّ: ولم أرَ فيه إلا ما اقتَضاه هذا الكَلامُ، وهو مُحتمَلٌ، ومَنعُه أيضًا مُحتمَلٌ، فيليه الحاكِمُ أو وَليُّه. اه. ويُقوِّي الاحتِمالَ الثانِيَ قَولُ ابنِ الرِّفعةِ: يَنبَغي إِضافةُ الرُّشدِ إلى الشَّرطَينِ المَذكورَينِ (٢). وقالَ الدَّميريُّ: قالَ الشَّيخُ: الأَبُ السَّفيهُ ليسَ له أنْ يُوصيَ؛ لأنَّه لا وِلايةَ له على وَلدِه، وهذا لا شَكَّ فيه، وليسَ خاصًّا بالطِّفلِ، بل المَجنونُ كذلك، وكذلك السَّفيهُ حيثُ كانَت الوِلايةُ عليه للأبِ (٣).

стр. 14958

الشَّرطُ الثالِثُ: العَدالةُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُوصي، هل يُشتَرطُ فيه العَدالةُ أو تَصحُّ الوَصيةُ من الفاسِقِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ وهو ما يُفهَمُ من كَلامِ المالِكيةِ؛ لأنَّهم لم يَنصُّوا عليه إلى أنَّه لا تُشتَرطُ العَدالةُ في المُوصي، فتَصحُّ وَصيةُ الفاسِقِ. قالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ: الفِسقُ لا يَمنعُ أهليةَ الشَّهادةِ والقَضاءِ والإِمرةِ والسَّلطنةِ والإِمامةِ والوِلايةِ في مالِ الوَلدِ والتَّوليةِ على الأَوقافِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ إِيصاءُ الفاسِقِ؛ لأنَّ الفاسِقَ ليسَ له وِلايةٌ، فكانَ أَولى ألَّا تَصحَّ منه تَوليةٌ. قالَ الماوَرديُّ: وإنْ كانَت الوَصيةُ بالوِلايةِ على أَطفالٍ اعتُبِرَ في المُوصي به سِتةُ شُروطٍ، لا تَصحُّ الوَصيةُ منه إلا بها.

стр. 14959

أَحدُهما: جَرَيانُ القَلمِ عليه وصِحةُ التَّكليفِ له؛ لأنَّ مَنْ لا يَجري عليه قَلمٌ بجُنونٍ أو صِغرٍ لا تَكونُ له وِلايةٌ ولا يَصحُّ منه تَوليةٌ، والثاني: الحُريةُ؛ لأنَّ الوِلايةَ تُنافي الرِّقَّ، والثالِثُ: الإِسلامُ في الطِّفلِ إذا كانَ مُسلِمًا، وفي اعتِبارِه في الطِّفلِ إذا كانَ مُشرِكًا وَجهانِ. والرابِعُ: العَدالةُ؛ لأنَّ الفاسِقَ ليسَ له وِلايةٌ، فكانَ أَولى ألَّا تَصحَّ منه تَوليةٌ. والخامِسُ: أنْ يَكونَ ممَّن يَلي على الطِّفلِ في حَياتِه بنَفسِه؛ لأنَّه يُقيمُ الوَصيةَ مَقامَ نَفسِه فلم تَصحَّ إلا ممَّن قد استحَقَّ الوِلايةَ بنَفسِه، وذلك في الوالدَينِ دونَ غيرِهما من الإِخوةِ والأَعمامِ … والشَّرطُ السادِسُ: ألَّا يَكونَ للطِّفلِ مَنْ يَستحِقُّ الوِلايةَ بنَفسِه؛ لأنَّ مُستحِقَّ الوِلايةِ بنَفسِه أَولى مِنْ مُستحِقِّها بغيرِه، فعلى هذا لو أَوصَى الأَبُ بالوِلايةِ على أَطفالٍ وهناك جَدٌّ كانَت الوَصيةُ باطِلةً (١). الشَّرطُ الرابِعُ: أنْ تَكونَ له وِلايةٌ على المُوصَى عليه: اشتَرطَ الفُقهاءُ في المُوصي على أمرِ الأَطفالِ والمَجانينِ وكذا السُّفهاءُ الذين بلَغوا كذلك أنْ يَكونَ له -أي: للمُوصي- وِلايةٌ مُبتدَأةٌ من الشَّرعِ عليهم.

стр. 14960

وِلايةُ الأَبِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الأَبَ إذا اجتمَعَت فيه الأَهليةُ؛ فإنَّ له حَقَّ الوِصايةِ على أَولادِه الصِّغارِ والمَجانينِ وكذا على السُّفهاءِ إذا بلَغوا عندَ مَنْ يَقولُ بالحَجرِ على السَّفيهِ؛ لأنَّ له وِلايةً شَرعيةً مُبتدَأةً. وِلايةُ الجَدِّ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الجَدِّ هل له أنْ يُوصيَ على أَولادِ وَلدِه أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ الجَدَّ له حَقُّ الوِصايةِ على أَولادِ ابنِه؛ لأنَّ له وِلايةَ التَّزويجِ. قالَ الحَنفيةُ: الوِلايةُ في مالِ الصَّغيرِ إلى الأَبِ ووَصيِّه ثم إلى وَصيِّ وَصيِّه، فإنْ ماتَ الأَبُ ولم يُوصِ إلى أحَدٍ فالجَدُّ أحَقُّ بالوِلايةِ؛ لأنَّه أشفَقُ من الغيرِ؛ لقِيامِه مَقامَ الأَبِ في الإِرثِ، حتى إنَّه يَملِكُ الإِنكاحَ دونَ الوَصيِّ، ثم إلى وَصيِّه ثم إلى وَصيِّ وَصيِّه، فإنْ لم يَكنْ فالقاضي ومَن نَصَّبه (١). قالَ الزَّيلَعيُّ: قالَ (ووَصيُّ الأَبِ أحَقُّ بمالِ الطِّفلِ من الجَدِّ)، وقالَ الشافِعيُّ ﵀: الجَدُّ أحَقُّ؛ لأنَّ الشَّرعَ أَقامَه مَقامَ الأَبِ عندَ عَدمِه، حتى أحرَزَ مِيراثَه فيَتقدَّمُ على وَصيِّه، ولنا أنَّ وِلايةَ الأَبِ تَنتقِلُ إليه بالإِيصاءِ، فكانَت وِلايتُه قائِمةً مَعنًى فيُقدَّمُ عليه كالأَبِ نَفسِه، وهذا لأنَّ اختيارَه الوَصيَّ مع عِلمِه بوُجودِ الجَدِّ يَدلُّ على أنَّ تَصرفَه أنظَرُ لأَولادِه من تَصرفِ

стр. 14961

الجَدِّ، قالَ ﵀: (فإنْ لم يُوصِ الأَبُ فالجَدُّ كالأَبِ)؛ لأنَّه أقرَبُ الناسِ إليه وأشفَقُهم عليه، حتى ملَكَ الإِنكاحَ دونَ الوَصيِّ، غيرَ أنَّه إنْ أَوصَى الأبُ يُقدَّمُ عليه الوَصيُّ في التَّصرفِ في المالِ لمَا بيَّنَّا دونَ غيرِه، وإنْ لم يُوصِ يَبقَ على حالِه (١). وقالَ الشافِعيةُ: يُشتَرطُ في المُوصَى في أمرِ الأَطفالِ والمَجانينِ وكذا السُّفهاءُ الذين بلَغوا كذلك أنْ يَكونَ له -أي: المُوصي- وِلايةٌ مُبتدَأةٌ من الشَّرعِ عليهم، أي: مَنْ ذُكرَ لا بتَفويضٍ، فتَثبتُ الوِصايةُ للأَبِ والجَدِّ المُستجمِعِ للشُّروطِ وإنْ علا، ويَخرجُ الأخُ والعَمُّ والوَصيُّ والقَيِّمُ، وكذا الأبُ والجَدُّ إذا نصَّبَهما الحاكِمُ في مالِ مَنْ طرَأَ سَفهُه؛ لأنَّ وَليَّه الحاكِمُ دونَهما في الأصَحِّ، وتَخرجُ الأُمُّ أيضًا على المَذهبِ. ولا يَجوزُ للأبِ على الصَّحيحِ أنْ يُنصِّبَ وَصيًّا على الأَولادِ والجَدُّ حَيٌّ حاضِرٌ بصِفةِ الوِلايةِ عليهم حالَ المَوتِ، أي: لا يُعتَدُّ بمَنصوبِه إذا وُجدَت وِلايةُ الجَدِّ حينَئذٍ؛ لأنَّ وِلايتَه شَرعيةٌ كوِلايةِ التَّزويجِ. وقيلَ: يَجوزُ؛ لأنَّه أَولى من الجَدِّ فكذا نائِبُه. والخِلافُ في الوِصايةِ في أمرِ الأَطفالِ، أمَّا في الدُّيونِ والوَصايا فلا خِلافَ في جَوازِ نَصبِه مع الجَدِّ، فإنْ لم يُنصَّبْ فأَبوه أَولى بقَضاءِ الدُّيونِ، والحاكِمُ يُنفِذُ الوَصايا (٢).

стр. 14962

وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه ليسَ للجَدِّ حَقُّ تَوليةِ وَصيٍّ عنه على أَولادِ أَولادِه؛ لأنَّ الجَدَّ يُدلي بواسِطةٍ فأشبَهَ الأخَ والعَمَّ وفارَقَ الأَبَ؛ فإنَّه يُدلي بنَفسِه ويَحجُبُ الجَدَّ، ويُخالِفُه في مِيراثِه وحَجبِه فلا يَصحُّ إِلحاقُه به ولا قِياسُه عليه، ولا وِلايةَ لغيرِ الأَبِ عندَ الحَنابِلةِ (١). قالَ المالِكيةُ: الوَصيةُ على الأَولادِ المَحجورِ عليهم خاصةٌ بالأَبِ أو وَصيِّه دونَ الأَجدادِ والأَعمامِ والإِخوةِ، وهذا إنَّما هو بالنِّسبةِ للمَوروثِ عن المُوصي أو عن غيرِه، أمَّا إنْ تَبرعَ شَخصٌ على مَحجورٍ عليه فله أنْ يَجعلَ لمَا تَبرعَ به مَنْ شاءَ ناظِرًا ولو كانَ للمَحجورِ عليه أَبٌ أو وَصيٌّ. وقَولُنا: دونَ الأَجدادِ والأَعمامِ والإِخوةِ، أي: فلا يَصحُّ الإِيصاءُ منهم بالنِّسبةِ لمَا يُورَثُ عنهم أو عن غيرِهم كما علِمتَ (٢).

стр. 14963

وِلايةُ الأُمِّ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الأُمِّ، هل لها أنْ تُوصيَ على أَولادِها الصِّغارِ أو المَجانينِ أو السُّفهاءِ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الأُمَّ ليسَ لها تَوليةُ الوَصيِّ على أَولادِها. قالَ الحَنفيةُ: ليسَ لوَصيِّ الأُمِّ وِلايةُ التَّصرفِ في تَركةِ الأُمِّ مع حَضرةِ الأَبِ أو وَصيِّه أو وَصيِّ وَصيِّه أو الجَدِّ، وإنْ لم يَكنْ واحِدٌ ممَّن ذَكَرنا فله الحِفظُ وبَيعُ المَنقولِ -لا العَقارِ-، والشِّراءُ للتِّجارةِ وما استَفادَه الصَّغيرُ غيرَ مالِ الأُمِّ مُطلَقًا (١). وقالَ الشافِعيةُ في المَذهبِ: الأُمُّ لا يَصحُّ منها الوَصيةُ بالوِلايةِ على أَطفالِها (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ: وأمَّا المَرأةُ فلا تَلي؛ لأنَّها قاصِرةٌ لا تَلي النِّكاحَ بحالٍ فلا تَلي مالَ غيرِها كالعَبدِ، ولأنَّها لا تَلي بوِلايةِ القَضاءِ فكذلك بالنَّسبِ (٣). وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ -وهو قَولُ الإِصطَخريِّ- إلى أنَّ للأُمِّ الوَصيةَ على أَولادِها الصِّغارِ، قالَ الماوَرديُّ: فأمَّا الأُمُّ ففي وِلايتِها على صِغارِ

стр. 14964

وَلدِها وَجهانَ: أَحدُهما -وهو قَولُ أَبي سَعيدٍ الإِصطَخريِّ-: أنَّه لها عليهم وِلايةٌ كالأَبِ لمَا فيها من البَعضيةِ وأنَّها برأفةِ الأُنوثةِ أحَنُّ عليهم وأشفَقُ، والوَجهُ الثاني -وهو قَولُ أَبي إِسحاقَ المَروَزيِّ-: لا وِلايةَ لها؛ لأنَّها لمَّا قصَّرَت بنَقصِ الأُنوثةِ عن وِلايةِ النِّكاحِ التي تَسري في جَميعِ العَصَباتِ كانَ أَولى أنْ تُقصَرَ عما يَختصُّ من الوِلايةِ بالآباءِ دونَ سائِرِ العَصباتِ، فعلى هذا إنْ قيلَ: إنَّه لا وِلايةَ لها لم تَصحَّ منها الوَصيةُ بالوِلايةِ على أَطفالِها، وإذا قيلَ: إنَّ لها الوِلايةَ بنَفسِها فكذلك أُمهاتُها وأُمهاتُ الأَبِ، وهل يَستحِقُّها أَبو الأُمِّ؟ على وَجهَينِ: أَحدُهما: يَستحِقُّها كأُمِّ الأُمِّ؛ لمَا فيه من الوِلادةِ، وأنَّه أحَقُّ بالوِلايةِ على الأُمِّ من أُمِّها. والثاني: لا وِلايةَ له؛ لأنَّ سُقوطَ مِيراثِه قد حَطَّه من مَنزلةِ أُمِّ الأُمِّ، فعلى هذا يَكونُ بعدَ الآباءِ للأُمِّ، فإذا اجتمَعَ بعدَ الأُمِّ أُمُّ أَبٍ وأُمُّ أُمٍّ ففي أحقِّيَّتِهما بالوِلايةِ وَجهانِ: أَحدُهما: أُمُّ الأَبِ؛ لأنَّ الأَبَ بالوِلايةِ أحَقُّ. والقَولُ الثاني: أُمُّ الأُمِّ؛ لأنَّها بالحَضانةِ أحَقُّ، فإذا أَوصَت مُستحِقَّةُ الوِلايةِ من الأُمهاتِ بالوِلايةِ على الأَطفالِ صَحَّت الوَصيةُ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَجوزُ للأُمِّ أنْ تُوصيَ على أَولادِها الصِّغارِ، ولكنْ بثَلاثةِ شُروطٍ:

стр. 14965

الأولُ: أنْ يَكونَ المالُ المُوصَى فيه قَليلًا عُرفًا، وقيلَ: كسِتِّينَ دِينارًا، فلا وَصيةَ لها في نِكاحٍ ولا في كَثيرٍ. الثاني: ألَّا يَكونَ للصَّغيرِ وَليٌّ من أَبٍ أو وَصيٍّ أو مُقدِّمٍ قاضٍ؛ إذْ لا وَصيةَ لها عندَ وُجودِ واحِدٍ منهم. الثالِثُ: أنْ يَكونَ المالُ مَوروثًا عن الأُمِّ لا عن غيرِها، بأنْ كانَ المالُ لها وماتَتَ عنه، أمَّا لو كانَ المالُ للوَلدِ من غيرِها كأَبيه أو مِنْ هِبةٍ فليس لها الإِيصاءُ، بل تُرفعُ للحاكِمِ. فإنْ فقَدَت بعضَها وأَوصَت وتَصرفَ وَصيُّها فتَصرفُه غيرُ نافِذٍ، وللصَّبيِّ إذا رشَدَ أو الحاكِمُ رَدُّه ما لم يُنفِقْه عليه في الأُمورِ الضَّروريةِ بالمَعروفِ. وأمَّا لو وهَبَت مالًا لأَولادِها الصِّغارِ أو تصَدَّقت به عليهم فلها أنْ تَجعلَ ناظِرًا على ذلك مَنْ شاءَت، سَواءٌ كانَ المالُ قَليلًا أو كَثيرًا، ولو كانَ للأَولادِ أبٌ أو وَصيٌّ (١). إِيصاءُ وَصيِّ المُوصي لغَيرِه: ذهَبَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَصيَّ إذا أَوصَى إلى رَجلٍ وأذِنَ له في الإِيصاءِ لمَن شاءَ نَحوَ أنْ يَقولَ: «أذِنتُ لكَ إلى أنْ تُوصيَ إلى مَنْ شِئتَ»، أو: «كلُّ مَنْ

стр. 14966

أَوصَيتَ أنت إليه فقد أَوصَيت أنا إليه»، أو «كلُّ مَنْ أَوصَيتَ أنتَ إليه فهو وَصيِّي»، صَحَّ، وبه قالَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ؛ لأنَّه مَأذونٌ له في الإِذنِ في التَّصرفِ، فجازَ له أنْ يَأذنَ لغيرِه كالوَكيلِ إذا أمرَ بالتَّوكيلِ، ولأنَّ المُوصيَ رَضيَ رأيَه ورأيَ مَنْ يَراه، ولأنَّه تَصرفٌ مَأذونٌ فيه فكانَ كغيرِه من التَّصرفاتِ. وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُوصيَ لبُطلانِ إِذنِه بالمَوتِ، ولأنَّه يَلي بتَولِّيه، فلا يَصحُّ أنْ يُوصيَ كالوَكيلِ. وإذا نَهاه عن الإِيصاءِ إلى غيرِه لا يَصحُّ أنْ يُوصيَ قَولًا واحِدًا. إلا أنَّ العُلماءَ اختلَفوا فيما لو وَصَّى إليه وأطلَقَ فلم يَأذَنْ له ولم يَنهَه، هل يَجوزُ له أنْ يُوصيَ إلى غيرِه أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ للوَصيِّ أنْ يُوصيَ إلى غيرِه إذا لم يَمنَعْه المُوصي من ذلك، وليسَ للوَرثةِ في ذلك مَقالٌ، ويَقومُ وَصيُّه مَقامَه في كلِّ ما كانَ إليه من وَصيةٍ أو غيرِها إذا أَوصَى بذلك؛ لأنَّ الأبَ أَقامَه مَقامَ نَفسِه فكانَ له الوَصيةُ كالأَبِ، ويَكونُ الوَصيُّ الثاني وَصيًّا للمَيتِ الأولِ ولوَصيِّه؛ لأنَّ الوَصيَّ يَستحِقُّ التَّصرفَ في المالِ بنَفسِ الوَصيةِ وإنْ لم يُشتَرطْ ذلك له في عَقدِ الوَصيةِ، وحينئِذٍ لا يُشتَرطُ جَوازُ أمرِه فصارَ لَفظُ الوَصيةِ مُقتَضيًا لجَوازِ أمرِه فيه كالوَكالةِ إذا شُرطَ فيها ذلك، فيَجوزُ للوَصيِّ أنْ يُقيمَ وَصيًّا مَكانَه وإنْ لم يَشرُطْ له، كما يَتصرفُ بسائِرِ وُجوهِ التَّصرفِ وإنْ لم يُشرَطْ له، وكما يُوكَّلُ الوَكيلُ إذا شُرطَ له جَوازُ أمرِه.

стр. 14967

ولأنَّه فُوِّض إليه مُطلَقًا، ولأنَّه ههنا مَيتٌ عَديمُ النَّظرِ، فلو لم يَثبُتْ نَظرُ المُوصَى من قِبَلِه لضاعَت المَصالحُ، وله أنْ يُقدَّمَ في مَصالحِه عُمومًا، فتَكونَ له النِّيابةُ كالإِمامِ، بل ههنا أوْلى؛ لأنَّه مُوصًى من جِهةِ المُوصي. ولأنَّ الوَصيَّ قد ملَكَ من النَّظرِ بالوَصيةِ مِثلَما ملَكَ الجَدُّ من النَّظرِ بنَفسِه، فلمَّا جازَ للجَدِّ أنْ يُوصيَ بما إليه من النَّظرِ جازَ للوَصيِّ أنْ يُوصيَ إليه بما إليه من النَّظرِ. ولأنَّ وِلايةَ الوَصيِّ عامةٌ في حَقِّ المُوصي، كما أنَّ وِلايةَ الإِمامِ عامَّةٌ في حُقوقِ الأُمةِ، فلمَّا كانَ للإِمامِ أنْ يَستخلِفَ بعدَه مَنْ يَقومُ مَقامَه جازَ للوَصيِّ أنْ يَستخلِفَ بعدَه مَنْ يَقومُ مَقامَه (١). قالَ ابنُ رُشدٍ: للوَصيِّ أنْ يُوصيَ بما أُوصِيَ به إليه في حَياتِه وبعدَ وَفاتِه، لا خِلافَ أحفَظُه في ذلك. انتَهى (٢). قالَ الحَطابُ: وفي ابنِ سَلمونٍ ناقِلًا عن مَسائلِ ابنِ الحاجِّ قالَ: إذا أَرادَ الوَصيُّ أنْ يَتبرَّأَ من الإِيصاءِ إلى رَجلٍ آخَرَ بعدَ أنْ ألزَمَه فليس له ذلك إلا لعُذرٍ بيِّنٍ، وله فِعلُ ذلك عندَ حُضورِ مَوتِه؛ لأنَّه من أبيَنِ العُذرِ.

стр. 14968

قالَ في مُختصَرِ «المُتَيطية» وللوَصيِّ أنْ يُوصيَ عندَ المَوتِ بما جُعلَ إليه إلى مَنْ شاءَ إنْ كانَ مُنفرِدًا بالنَّظرِ، ويَكونُ وَصيُّ الوَصيِّ كالوَصيِّ. وإنْ أَرادَ الوَصيُّ في حَياتِه أنْ يَجعلَ ما بيَدِه إلى غيرِه لم يَكنْ له ذلك، وإنَّما له أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَنظرُ بأمرِه، قالَه ابنُ العَطارِ وغيرُه. وقالَ ابنُ زَربٍ: له ذلك، قيلَ: فإنْ أَرادَ أنْ يَعودَ في نَظرِه؟ قالَ: ليسَ له ذلك؛ لأنَّه قد تَخلَّى عنه. اه. وفي مَسائلِ الوَصايا مِنْ البُرزُليِّ: وسألَ ابنُ دَحونٍ ابنَ زَربٍ عن الوَصيِّ يَتخلَّى عن النَّظرِ إلى رَجلٍ آخَرَ، قالَ: ذلك جائِزٌ، ويَتنزَّلُ مَنزلتَه. قيل له: فلو أَرادَ العَودَ في نَظرِه؟ قالَ: ليسَ له ذلك، وقد تَخلَّى منه إلى الذي وَكَّلَ. انتَهى (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه ليسَ لوَصيِّ الأَبِ أنْ يُوصيَ، بل له أنْ يَتصرَّفَ ما عاشَ وليسَ له أنْ يُوصيَ إلى غيرِه؛ لأنَّه تَصرفٌ بتَوليةٍ فلم يَكنْ له ذلك التَّفويضُ كالوَكيلِ، ويُخالِفُ الأَبَ؛ لأنَّه يَلي بغيرِ تَوليةٍ. ولأنَّ مَنْ كانَت نيابَتُه عن عَقدٍ بطَلَ بالمَوتِ كالوَكيلِ، ولأنَّ استِنابَتَه حَيًّا أَقوى من استِنابَتِه مَيتًا، فلمَّا لم يَصحَّ منه إِبدالُ نَفسِه بغيرِه في الحَياةِ، فأوْلى ألَّا يَصحَّ منه إِبدالُ نَفسِه بغيرِه بعدَ الوَفاةِ (٢).

стр. 14969

قالَ الحارِثيُّ: لو غلَبَ على الظَّنِّ أنَّ القاضيَ يُسنِدُ إلى مَنْ ليسَ أَهلًا أو أنَّه ظالِمٌ اتَّجَه جَوازُ الإِيصاءِ قَولًا واحِدًا، بل يَجبُ لمَا فيه مِنْ حِفظِ الأَمانةِ وصَونِ المالِ عن التَّلفِ والضَّياعِ (١). الوِصايةُ على الأَولادِ البالِغينَ العُقلاءِ: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّ الأَولادَ العُقلاءَ البالِغينَ الراشِدينَ لا وِلايةَ للأبِ ولا لغيرِه عليهم؛ لأنَّه لا وِلايةَ للمُوصي عليهم في حالِ الحَياةِ فلا يَكونُ ذلك لنائِبِه بعدَ المَماتِ. قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا مَنْ لا وِلايةَ له عليهم كالعُقلاءِ الراشِدينَ وغيرِ أَولادِه من الإِخوةِ والأَعمامِ وسائِرِ مَنْ عَدا الأَولادَ فلا تَصحُّ الوَصيةُ عليهم؛ لأنَّه لا وِلايةَ للمُوصِي عليهم في الحَياةِ فلا يَكونُ ذلك لنائِبِه بعدَ المَماتِ، ولا نَعلمُ في هذا كلِّه خِلافًا، وبه يَقولُ مالِكٌ وأَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ (٢).

стр. 14970

وقالَ الإِمامُ البُهوتيُّ: فأمَّا الوَصيةُ بالنَّظرِ على وَرثتِه في أَموالِهم، فإنْ كانَ المُوصي ذا وِلايةٍ عليهم في المالِ كأَولادِه الصِّغارِ والمَجانينِ ومَن لم يُؤنَسْ -أي: يُعلَمْ- رُشدُه منهم فله أنْ يُوصيَ إلى مَنْ يَنظرُ في أَموالِهم بحِفظِها، ويَتصرفُ لهم فيها بما لهم الحِفظُ فيه؛ لقِيامِ وَصيِّه مَقامَه. ومَن لا وِلايةَ له -أي: المُوصي- عليهم كالعُقلاءِ الراشِدينَ من أَولادِه وغيرِهم وكغيرِ أَولادِه من الإِخوةِ مُطلَقًا أو الأَعمامِ مُطلَقًا وبَنيهم وبَناتِهم وأَولادِ ابنِه وسائِرِ مَنْ عَدا أَولادَه لصُلبِه فلا تَصحُّ الوَصيةُ عليهم (١). وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: لا يَجوزُ نَصبُ وَصيٍّ على الأَولادِ البالِغينَ العُقلاءِ؛ لأنَّه لا يَلي أَمرَهم (٢). إذا ماتَ ولا وَصيَّ له: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الإِنسانَ إذا ماتَ عن أَولادٍ صِغارٍ ولم يُوصِ عليهم؛ فإنَّ الحاكِمَ يَقومُ مَقامَه ويَختارُ مَنْ يَنظرُ له. قالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقَوا على أنَّ مَنْ ماتَ ولم يُوصِ على وَلدِه الذين لم يَبلُغوا أو المَجانينِ ففَرضٌ على الحاكِمِ أنْ يُقدِّمَ مَنْ يَنظرُ لهم من أهلِ الصِّفةِ التي قدَّمنا (٣).

стр. 14971

قالَ المالِكيةُ: وللوَصيِّ أنْ يُوصيَ إلى غيرِه إذا لم يَمنَعْه الوَصيُّ من ذلك، ولا مَقالَ للوَرثةِ في ذلك، ويَقومُ وَصيُّه مَقامَه في كلِّ ما كانَ إليه مِنْ وَصيةِ غيرِه إذا أَوصَى بذلك. وإنْ ماتَ ولم يُوصِ بذلك تَولَّى الحاكِمُ النَّظرَ في كلِّ ما كانَ إليه وبيَدِه، ولم يَجُزْ له أنْ يُهمِلَه (١). وقالَ الشَّيخُ الدَّرديرُ المالِكيُّ ﵀: وبَقيَ هنا مَسألةٌ ضَروريةٌ كَثيرةُ الوُقوعِ، وهي أنْ يَموتَ الرَّجلُ عن أَولادٍ صِغارٍ ولم يُوصِ عليهم، فتَصرَّفَ في أَموالِهم عَمُّهم أو أَخوهم الكَبيرُ أو جَدُّهم بالمَصلحةِ، فهل هذا التَّصرفُ ماضٍ أو لا وللصِّغارِ إذا رَشَدوا إِبطالُه؟ ذكَرَ أَشياخُنا أنَّه ماضٍ لجَريانِ العادةِ بأنَّ مَنْ ذُكرَ يَقومُ مَقامَ الأَبِ، ولا سيَّما في هذه الأزمِنةِ التي عظُمَ فيها جَورُ الحُكامِ، بحيث لو رُفعَ لهم حالُ الصِّغارِ لاستَأصَلوا مالَ الأَيتامِ (٢). وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ: فإنْ ماتَ رَجلٌ لا وَصيَّ له ولا حاكِمَ في بَلدِه فظاهِرُ كَلامِ أَحمدَ ﵀ أنَّه يَجوزُ لرَجلٍ من المُسلِمينَ أنْ يَتولَّى أمرَه، ويَبيعَ ما دَعَت الحاجةُ إلى بَيعِه؛ فإنَّ صالِحًا نُقلَ عنه في رَجلٍ بأرضِ غُربةٍ لا قاضيَ بها ماتَ وخلَّفَ جَواريَ ومالًا، أيَرى لرَجلٍ من المُسلِمينَ بَيعَ ذلك؟ فقالَ: أمَّا المَنافِعُ والحَيوانُ فإنِ اضطُرُّوا إلى بَيعِه ولم

стр. 14972

يَكنْ قاضٍ فلا بَأسَ، وأمَّا الجَواري فأحَبُّ إلَيَّ أنْ يَتولَّى بَيعَهن حاكِمٌ من الحُكامِ، وإنَّما تَوقَّف عن بَيعِ الإِماءِ على طَريقِ الاختِيارِ احتِياطًا؛ لأنَّ بَيعَهن يَتضمَّنُ إِباحةَ فَرجٍ، وأَجازَ بَيعَ ذلك؛ لأنَّه مَوضعُ ضَرورةٍ (١). وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: ولو لم يُنصِّبْ -أي: الأَبُ- وَصيًّا فأَبوه أَولى بقَضاءِ الدَّينِ وأمرِ الأَطفالِ، والحاكِمُ أَولى بتَنفيذِ الوَصايا، كذا نقَلَه البَغويُّ وغيرُه (٢). وقالَ الشَّيخُ زَكريا الأَنصاريُّ: فإنْ لم يُوصِ الأَبُ أَحدًا فالجَدُّ أَولى من الحاكِمِ بقَضاءِ الدُّيونِ وأمرِ الأَولادِ ونَحوِهما، إلا في تَنفيذِ الوَصايا فالحاكِمُ أوْلى، ولمَّا ذَكَر الأصلَ ذلك قالَ: كذا نقَلَه البَغويُّ وغيرُه، وقالَ الأذرَعيُّ: إنَّ قَولَ البَغويِّ ومَن تَبعَه الجَدُّ أَولى بقَضاءِ الدُّيونِ، وهُم منهم، فقد قالَ القاضي في تَعليقِه الذي يَستمِدُّ منه البَغويُّ أنَّ ذلك إلى الحاكِمِ دونَ الجَدِّ (٣). تَوكيلُ الوَصيِّ: نَصَّ جَماهيرُ الفُقهاءِ على أنَّه يَجوزُ للوَصيِّ أنْ يُوكِّلَ فيما يَعجِزُ عنه. قالَ الإِمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: وللوَصيِّ أنْ يُوكِّلَ بالخُصومةِ لليَتامى؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَ الأَبِ، ولأنَّه يَملِكُ مُباشرةَ الخُصومةِ بنَفسِه فله أنْ يَستعينَ

стр. 14973

بغَيرِه بخِلافِ الوَكيلِ؛ فإنَّ رأيَ المُوكِّلِ قائِمٌ، وإذا عجَزَ الوَكيلُ عن المُباشرةِ بنَفسِه فلا حاجةَ له إلى الاستِعانةِ بغيرِه، بل يَرجعُ إلى المُوكِّلِ ليُخاصمَ بنَفسِه أو يُوكِّلَ غيرَه، وهنا رأيُ المُوصي ثابِتٌ، والصَّبيُّ عاجِزٌ عن الخُصومةِ بنَفسِه، وإنَّما يَصيرُ الأَبُ وَصيًّا له لدَفعِ الضَّررِ عن الصَّبيِّ، وذلك إنَّما يَحصلُ بمُباشرةِ الوَصيِّ بنَفسِه تارةً وبالاستِعانةِ بغيرِه أُخرى، فلهذا ملَكَ التَّوكيلَ (١). وقالَ البَغداديُّ: وللوَصيِّ أنْ يُوكِّلَ ببَيعِ مالِ اليَتيمِ ويُوكِّلَ في تَقاضي دُيونِ المَيتِ وأَموالِه (٢). وقالَ الحَطابُ: قالَ في «اللُّبابِ»: ويَصحُّ التَّوكيلُ من المَحجورِ على الخُصومةِ، وللوَصيِّ أنْ يُوكِّلَ في حَقِّ مَحجورِه مَنْ يَطلبُ حُقوقَه وألَّا يَجعلَ له الإِقرارَ، ولا يُشتَرطُ في الوَكيلِ أنْ يَكونَ رَشيدًا. انتَهى (٣). وقالَ الشِّيرازيُّ: وللوَصيِّ أنْ يُوكِّلَ فيما لم تَجْرِ به العادةُ أنْ يَتولَّاه بنَفسِه، كما قُلنا في الوَكيلِ (٤). وقالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ: إذا أَوصَى إليه بشَيءٍ فللوَصيِّ أنْ يُوكِّلَ غيرَه في كلِّ ما لم تَجرِ العادةُ أنْ يَتولَّاه بنَفسِه، كما قُلنا في الوَكيلِ.

стр. 14974

وإنْ وَصَّى إليه بشَيءٍ يَقدِرُ عليه بنَفسِه فهل له أنْ يُوكِّلَ غيرَه فيه؟ حَكى الشَّيخُ أَبو حامِدٍ فيه وَجهَينِ: أَحدُهما: لا يَجوزُ، كما قُلنا في الوَكيلِ. والثاني: يَجوزُ، وهو المَذهبُ؛ لأنَّ تَصرفَ الوَصيِّ بوِلايةٍ؛ لأنَّه يَتصرفُ فيما لم يُنصَّ له عليه، فجازَ له التَّوكيلُ فيما يَقدِرُ عليه، كالأَبِ والجَدِّ والحاكِمِ، بخِلافِ الوَكيلِ (١).

стр. 14975

الرُّكنُ الثالِثُ: المُوصَى به أو فيه: المُوصَى به أو فيه هو التَّصرفُ الذي عهِدَ به المُوصي إلى الوَصيِّ. وقد اشتَرطَ الفُقهاءُ في التَّصرفِ المُوصَى به أنْ يَكونَ مَعلومًا يَملكُ الوَصيُّ التَّصرفَ فيه؛ لأنَّ الوَصيَّ كالوَكيلِ يَتصرَّفُ بالإِذنِ، فلم يَجُزْ إلا في شَيءٍ يَملِكُه المُوصي؛ لأنَّه نائِبُه، كالوَصيةِ بقَضاءِ الدُّيونِ ورَدِّ الوَدائعِ واستِردادِها ورَدِّ المَغصوبِ والنَّظرِ في أمرِ أَولادِه الصِّغارِ وكذا الكِبارُ السُّفهاءُ والمَجانينُ، فأمَّا ما لا وِلايةَ للمُوصي عليه فلا يَصحُّ الإِيصاءُ به، كالعُقلاءِ الراشِدينَ وغيرِ أَولادِه من الإِخوةِ والأَعمامِ وسائِرِ مَنْ عَدا الأَولادَ، فلا تَصحُّ الوَصيةُ عليهم؛ لأنَّه لا وِلايةَ للمُوصي عليهم في الحَياةِ فلا يَكونُ ذلك لنائِبِه بعدَ المَماتِ. قالَ ابنُ قُدامةَ: ولا نَعلمُ في هذا كلِّه خِلافًا، وبه يَقولُ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ ومالِكٌ (١).

стр. 14976

الإِيصاءُ بتَزويجِ أَولادِه: اختَلفَ الفُقهاءُ في صِحةِ الإِيصاءِ بتَزويجِ ابنِ المُوصي أو بَناتِه، هل يَصحُّ أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ الإِيصاءُ بتَزويجِ أَولادِه، واستدَلَّ الشافِعيةُ على ذلك بحَديثِ: «السُّلطانُ وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له»، ولأنَّ الوَصيَّ لا يَتغيرُ بدُخولِ الدَّنِيِّ في نَسبِهم، ولأنَّ البالِغينَ لا وِصايةَ في حَقِّهم، ولأنَّ الصَّغيرَ والصَّغيرةَ لا يُزوِّجُهما غيرُ الأَبِ والجَدِّ. قالَ أَبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ: الأَبُ إنَّما هو وَليٌّ لها في حَياتِه غيرُ وَليِّ ما بعدَ المَوتِ، وقد صارَتِ الوِلايةُ بعدَ المَوتِ لغيرِه فلا تَصحُّ الوَصيةُ بالتَّزويجِ مع زَوالِ وِلايةِ الأَبِ وثُبوتِها لغيرِه من الأَولياءِ، وأيضًا قد اتَّفَقوا على أنَّ سائِرَ الأَولياءِ غيرَ الأَبِ إليهم وِلايةُ تَزويجِها في الحَياةِ وليسَ إليهم الوَصيةُ بذلك إلى أحدٍ بعدَ مَوتِهم، فكذلك الأبُ (١).

стр. 14977

وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ للأبِ أنْ يُوصيَ بتَزويجِ ابنِه أو ابنَتِه، وله وِلايةُ الإِجبارِ في بَعضِ الأَحيانِ. قالَ المالِكيةُ: إذا أطلَقَ لَفظَ الوَصيةِ بأنْ قالَ: «اشهَدوا أنَّ فُلانًا وَصيِّي» فقط، ولم يُقيِّدْه بشَيءٍ ولم يَزِدْ على هذا؛ فإنَّه يَعمُّ كلَّ شَيءٍ ويَعُمُّ تَزويجَ بَناتِه البالِغاتِ بإِذنِهن، أي: ويُقدَّمُ على العاصِبِ كالأخِ والعَمِّ، وكذا تَزويجُ الثَّيبِ بأمرِها، وكذا تَزويجُ الصَّغيرةِ بشُروطِها بأنْ يَخافَ عليها الفَسادَ في مالِها أو حالِها ولا جَبْرَ له؛ لأنَّ التَّعميمَ لا يَقتَضيه، وإنَّما يُجبِرُ إنْ أمَرَه بالإِجبارِ أو عيَّنَ له الزَّوجَ، فله حينَئذٍ جَبْرُهن سَواءٌ كُنَّ صِغيراتٍ أو كَبيراتٍ. وإلا بأنْ لم يأمُرْه الأبُ بالإِجبارِ ولا عيَّنَ له الزَّوجَ ففيه خِلافٌ، والراجِحُ الجَبْرُ إنْ ذكَرَ البُضعَ أو النِّكاحَ أو التَّزويجَ، بأنْ قالَ له الأَبُ: أنت وَصيِّي على بُضعِ بَناتي أو على نِكاحِهن أو على تَزويجِهن، أو على بِنتي تَتزوَّجُها أو تُزوِّجُها مَنْ أحبَّت، وإنْ لم يَذكُرْ شَيئًا من الثَّلاثةِ فالراجِحُ عَدمُ الجَبْرِ كما إذا قالَ: «أنتَ وَصيِّي على بَناتي، أو على بَعضِ بَناتي، أو على بِنتي فُلانةَ»، وأمَّا إنْ قالَ: «أنت وَصيِّي» فقط، أو على مالي أو على بَيعِ تَركَتي أو على قَبضِ دُيوني فلا جَبْرَ له اتِّفاقًا. والوَصيُّ إذا كانَت وَصيتُه مَقصورةً على بَيعِ التَّركةِ وقَبضِ الدُّيونِ فزوَّجَ بَناتُ المُوصي فإنَّ النِّكاحَ صَحيحٌ.

стр. 14978

قالَ الإِمامُ مالِكٌ: وأحَبُّ إلَيَّ ألَّا يُزوِّجَ بَناتِه حتى يَرفعَ ذلك إلى السُّلطانِ، فإنْ لم يَرفَعْ رَجَوتُ أنْ يَجوزَ، وقالَ أشهَبُ: يَجوزُ أنْ يُزوجَ ولا يَرفعَ للسُّلطانِ، مُحمد وقالَه ابنُ القاسِمِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ: يَصحُّ الإِيصاءُ بتَزويجِ مَولاتِه كبِنتِه ولو كانَت صَغيرةً دونَ تِسعٍ، ولوَصيِّ الأَبِ إِجبارُها إذا كانَت بِكرًا أو ثَيبًا دونَ تِسعٍ كالأَبِ؛ لأنَّه نائِبُه كوَكيلِه (٢). إذا أَوصَى له بتَفريقِ ثُلثِ مالِه أو قَضاءِ دَينٍ فأبَى الوَرثةُ أو عليه دَينٌ للمَيتِ فقَضاه عنه: قالَ الحَنابِلةُ: إذا أَوصَى إليه بتَفرقةِ ثُلثِه وأبَى الوَرثةُ إِخراجَ ثُلثِ ما بأَيديهم أو جحَدوا وتَعذَّرَ ثُبوتُه فهل يُخرَجُ الثُّلثُ كلُّه ممَّا في يده أو يُخرَجُ ثُلثُ ما في يَدِه؟ فيه رِوايَتانِ: إحداهما -وهي المَذهبُ-: يَجبُ أنْ يُخرَجَ الثُّلثُ كلُّه ممَّا في يَدِه؛ لأنَّ حَقَّ المُوصَى له مُتعلِّقٌ بأَجزاءِ التَّركةِ، وحَقُّ الوَرثةِ مُؤخَّرٌ عن الوَصيةِ ووَفاءِ

стр. 14979

الدَّينِ فوجَبَ تَقديمُها، ومَحلُّ كَونِه يَجبُ على الوَصيِّ ذلك إنْ لم يَخَفْ رُجوعَ الوَرثةِ عليه بما دفَعَه ويُنكِروا ولا بَيِّنةَ، فلا يَجبُ عليه ذلك للعُذرِ. والأُخرى: يُدفعُ إليه ثُلثُ ما في يَدِه ولا يُعطيهم شَيئًا ممَّا في يَدِه حتى يُخرِجوا ثُلثَ ما في أَيديهم؛ لأنَّ صاحِبَ الدَّينِ إذا كانَ في يَدِه مالٌ لم يَملِكِ استِيفاءَه ممَّا في يَدِه كذا ههنا. ويُمكنُ حَملُ الرِّوايتَينِ على اختِلافِ حالَينِ، فالرِّوايةُ الأُولى مَحمولةٌ على ما إذا كانَ المالُ جِنسًا واحِدًا، فللوَصيِّ أنْ يُخرجَ الثُّلثَ كلَّه ممَّا في يَدِه؛ لأنَّه لا فائِدةَ في انتِظارِ إِخراجِهم ممَّا في أَيديهم مع اتِّحادِ الجِنسِ، والرِّوايةُ الثانيةُ مَحمولةٌ على ما إذا كانَ المالُ أَجناسًا؛ فإنَّ الوَصيةَ تَتعلَّقُ بثُلثِ كلِّ جِنسٍ، فليس له أنْ يُخرجَ عِوضًا عن ثُلثِ ما في أَيديهم ممَّا في يَدِه؛ لأنَّه مُعاوضةٌ لا تَجوزُ إلا برِضاهم. وإنْ أَوصاه بقَضاءِ دَينٍ مُعيَّنٍ فأبَى الوَرثةُ ذلك أو جَحَدوه وتَعذَّرَ ثُبوتُه عندَ قاضٍ فإنَّه يَجبُ عليه أنْ يَقضيَ الدَّينَ باطِنًا بغيرِ عِلمِ الوَرثةِ؛ لأنَّه تَمكَّنَ من إِنفاذِ ما أُوصيَ إليه بفِعلِه، فوجَبَ عليه كما لو لم يَجحَدْه الوَرثةُ، ولأنَّه لا حَقَّ لهم إلا بعدَ قَضاءِ الدَّينِ؛ لأنَّه واجِبٌ، سَواءٌ رَضُوا به أو أبَوْه، فإذا أبَوْه قَضاه، كما لو وَصَّى لرَجلٍ بمُعيَّنٍ يَخرجُ من الثُّلثِ فلم يَقبَلوا الوَصيةَ فإنَّه يَدفعُ إليه وَصيَّتَه بغيرِ رِضاهم ولا يُعتبَرُ عِلمُهم كذا ههنا. ومَحلُّ كَونِه يَجبُ على الوَصيِّ ذلك إنْ لم يَخَفْ رُجوعَ الوَرثةِ عليه بما دفَعَه، وإنْ أنكَروا ولا بَيِّنةَ، فلا يَجبُ عليه ذلك للعُذرِ.

стр. 14980

ولو ظهَرَ دَينٌ يَستغرِقُ التَّركةَ لم يَضمَنِ الوَصيُّ ما صرَفَه في الوَصيةِ، وكذا لو جهِلَه الوَصيُّ فتصَدَّق الوَصيُّ بجَميعِ الثُّلثِ هو أو حاكِمٌ ثم ثبَتَ ذلك لم يَضمَنِ الوَصيُّ ولا الحاكِمُ لرَبِّ الدَّينِ ولا للمُوصَى له بالثُّلثِ شَيئًا؛ لأنَّه مَعذورٌ بعَدمِ العِلمِ. ومَن عليه دَينٌ لمَيتٍ وعلى المَيتِ دَينٌ فله أنْ يَقضيَ دَينَ المَيتِ إنْ لم يَخَفْ أنْ يَطلُبَه الوَرثةُ بما عليه، وأنكَروا الدَّينَ الذي على مَوروثِهم فلا يَقضيَه؛ لأنَّه لا يأمَنُ رُجوعَهم عليه، وإنْ لم يَخَفْ ذلك قضَى دَينَ المَيتِ الذي عليه بدَينِ المَيتِ الذي له؛ لمَا فيه من تَبرئةِ ذِمتِه وذِمةِ المَيتِ، ويَسقطُ عن ذِمتِه بقَدرِ ما يَقضي عن المَيتِ، كما لو دفَعَه إلى الوَصيِّ بقَضاءِ الدَّينِ فدفَعَه في دَينِ المَيتِ؛ إذْ لا فَرقَ بينَهما سِوى تَوسُّطِ الوَصيِّ بينَهما (١). هل للوَصيِّ أنْ يَدفعَ المالَ مُضاربةً؟ نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ للوَصيِّ أنْ يَدفعَ مالَ الصَّغيرِ وكذا المَجنونُ والسَّفيهُ مُضارَبةً وشَركةً وبِضاعةً؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَ الأبِ، وللأبِ هذه التَّصرفاتُ، ولأنَّه مَأذونٌ له في تَنميةِ المالِ، وقد رُويَ: «اتَّجِروا في أَموالِ اليَتامى حتى لا تَأكُلَها الزَّكاةُ»، إلا أنَّ هذا ليسَ بواجِبٍ.

стр. 14981

قالَ الإِمامُ الطَّحاويُّ: رُويَ عن عُمرَ «أنَّه دفَعَ مالَ يَتيمٍ مُضارَبةً»، وقالَ نافِعٌ: «كانَ ابنُ عُمرَ يَكونُ عندَه مالُ اليَتيمِ فربَّما أنفَقَ بعضَه وربَّما أعطَى منه مُضاربةً». وقالَ القاسِمُ بنُ مُحمدٍ: «كانَت أَموالُنا عندَ عائِشةَ وكانَت تُبضِعُها في البَحرِ» ولا يُروى عن غيرِهم من الصَّحابةِ خِلافُهم، ولم يَختلِفوا على أنَّ للأَبِ أنْ يَتَّجرَ في مالِ الصَّغيرِ وكذلك وَصيُّه (١). وقالَ الإِمامُ القُرطُبيُّ: تَواتَرت الآثارُ في دَفعِ مالِ اليَتيمِ مُضاربةً والتِّجارةِ فيه، وفي جَوازِ خَلطِ مالِه بمالِه دِلالةً على جَوازِ التَّصرفِ في مالِه بالبَيعِ والشِّراءِ إذا وافَقَ الصَّلاحَ، وعلى جَوازِ دَفعِه مُضاربةً إلى غيرِ ذلك (٢). إلا أنَّهم اختلَفوا هل للوَصيِّ أنْ يأخُذَ المالَ يُضارِبُ به لنَفسِه على جُزءٍ من الرِّبحِ أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ (٣) -وهو وَجهٌ للحَنابلةِ- إلى أنَّه يَجوزُ له أنْ يَعملَ لنَفسِه. قالَ الحَنفيةُ: للوَصيِّ أنْ يَأخذَ مالَ الصَّغيرِ مُضاربةً؛ لأنَّها تِجارةٌ، لكنْ بشَرطِ الشَّهادةِ على ذلك نَفيًا للتُّهمةِ؛ إذْ ليسَ فيها تَملُّكُ مالِه، وعن مُحمدٍ:

стр. 14982

إذا لم يُشهِدْ فما عمِلَه للوَرثةِ؛ لأنَّه هو الظاهِرُ، فلا يُتركُ إلا بدَليلٍ، وهو الإِشهادُ، وليسَ له أنْ يُؤاجِرَ نَفسَه من اليَتيمِ؛ لأنَّ القيامَ بمَصالحِ اليَتيمِ واجِبٌ على الوَصيِّ فلا حاجةَ إلى استِئجارِه (١). وقالَ ابنُ مُفلحٍ: وفيه وَجهٌ: يَجوزُ أنْ يأخُذَ مُضاربةً لنَفسِه؛ لأنَّه جازَ له أنْ يَدفعَه بذلك فجازَ له أخْذُه (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُضاربَ به بنَفسِه. قالَ المالِكيةُ: ليسَ للوَصيِّ أنْ يَعملَ هو بنَفسِه في مالِ الصَّغيرِ بجُزءٍ من الرِّبحِ ولو كانَ ذلك الجُزءُ يُشبهُ قِراضَ مِثلِه لغيرِه؛ لأنَّه يَصيرُ كمُؤاجِرِ نَفسِه منه، وهو لا يَجوزُ له ذلك، والنَّهيُ للكَراهةِ، وقيلَ: إنْ عمِلَ فيه على جُزءٍ يُشبهُ قِراضَ غيرِه مَضى كشِرائِه شَيئًا لليَتيمِ. فإنْ عمِلَ الوَصيُّ به مَجانًا قِراضًا أو بِضاعةً فلا نَهيَ، بل هو من المَعروفِ الذي يُقصدُ به وَجهُ اللهِ تَعالى، وحينَئذٍ فلا ضَمانَ عليه إذا تلِفَ (٣).

стр. 14983

وقالَ ابنُ قُدامةَ: لوَليِّ اليَتيمِ أنْ يُضاربَ بمالِه وأنْ يَدفعَه إلى مَنْ يُضارِبُ له به ويَجعلَ له نَصيبًا من الرِّبحِ أَبًا كانَ أو وَصيًّا أو حاكِمًا أو أَمينَ حاكِمٍ، وهو أَولى مِنْ تَركِه، وممَّن رأى ذلك ابنُ عُمرَ والنَّخعيُّ والحَسنُ بنُ صالِحٍ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ، ويُروَى إِباحةُ التِّجارةِ به عن عُمرَ وعائِشةَ والضَّحاكِ، ولا نَعلمُ أحدًا كرِهَه إلا ما رُويَ عن الحَسنِ، ولعلَّه أَرادَ اجتِنابَ المُخاطرةِ به، ولأنَّ خزنَه أحفَظُ له، والذي عليه الجُمهورُ أوْلى؛ لمَا رَوى عبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ وَليَ يَتيمًا له مالٌ فليتَّجِرْ له، ولا يَتْرُكْه حتى تَأكلَه الصَّدقةُ» ورُويَ ذلك عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ وهو أصَحُّ من المَرفوعِ. ولأنَّ ذلك أحَظُّ للمُولَّى عليه لتَكونَ نَفقتُه من فاضِلِه ورِبحِه كما يَفعلُه البالِغونَ في أَموالِهم وأَموالِ مَنْ يَعزُّ عليهم من أَولادِهم، إلا أنَّه لا يَتَّجرُ إلا في المَواضعِ الآمِنةِ، ولا يَدفعُه إلا لأَمينٍ ولا يُغرِّرُ بمالِه. وقد رُويَ عن عائِشةَ ﵂ أنَّها أبضَعَت مالَ مُحمدِ بنِ أَبي بَكرٍ في البَحرِ، فيُحتمَلُ أنَّه كانَ في مَوضعٍ مَأمونٍ قَريبٍ من الساحِلِ ويُحتمَلُ أنَّها جعَلَته من ضَمانِه عليها إنْ هلَكَ غرِمَته. فمَتى اتَّجرَ في المالِ بنَفسِه فالرِّبحُ كله لليَتيمِ، وأَجازَ الحَسنُ بنُ صالِحٍ وإِسحاقُ أنْ يَأخُذَه الوَصيُّ مُضاربةً لنَفسِه؛ لأنَّه جازَ أنْ يَدفعَه بذلك إلى غيرِه فجازَ أنْ يأخُذَ ذلك لنَفسِه.

стр. 14984

والصَّحيحُ ما قُلنا؛ لأنَّ الرِّبحَ نَماءُ مالِ اليَتيمِ فلا يَستحِقُّه غيرُه إلا بعَقدٍ، ولا يَجوزُ أنْ يَعقدَ الوَليُّ المُضاربةَ مع نَفسِه، فأمَّا إنْ دفَعَه إلى غيرِه فللمُضاربِ ما جعَلَه له الوَليُّ ووافَقَه عليه، أي: اتَّفَقا عليه في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّ الوَصيَّ نائِبٌ عن اليَتيمِ فيما فيه مَصلَحتُه، وهذا فيه مَصلَحتُه فصارَ تَصرُّفُه فيه كتَصرُّفِ المالِكِ في مالِه (١). للوَصيِّ إِتلافُ مالِ الصَّغيرِ للمَصلحةِ: قالَ الحَنفيةُ: لو خافَ الوَصيُّ أنْ يَستوليَ غاصِبٌ على المالِ فله أَداءُ شَيءٍ ليُخلِّصَه. ورُويَ عن أَبي يُوسفَ: لو طمِعَ السُّلطانُ في مالِ اليَتيمِ فصالَحَه الوَصيُّ من مالِ اليَتيمِ على أقَلَّ ممَّا طمِعَ لم يَضمَنْ؛ لأنَّه مَأمورٌ بحِفظِ مالِ اليَتيمِ ما أمكَنَه، وقد أمكَنَه بهذه الطَّريقةِ (٢). وقالَ الشافِعيةُ: لو خافَ الوَصيُّ على مالِ اليَتيمِ ونَحوِه من استِيلاءِ ظالِمٍ عليه فله تَخليصُه بشَيءٍ منه ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وكذا لو علِمَ أنَّه لو لم يَبذُلْ شَيئًا لقاضي سُوءٍ لانتزَعَ منه المالَ وسلَّمَه لبعضِ خَونَتِه، وأدَّى ذلك إلى استِئصالِه، ويَجبُ أنْ يَتحرَّى في أقَلَّ ما يُمكنُ أنْ يَرضَى به الظالِمُ، والظاهِرُ تَصديقُه إذا نازَعَه المَحجورُ عليه بعدَ رُشدِه في بَذلِ ذلك وإنْ لم تَدلَّ القَرائنُ عليه.

стр. 14985

وكذا يَجوزُ تَعييبُ مالِ اليَتيمِ والسَّفيهِ والمَجنونِ لحِفظِه إذا خِيفَ عليه الغَصبُ، كما في قِصةِ الخَضِرِ ﵇، وقد حَكاها اللهُ تَعالى بقَولِه: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف: ٧٩]. فلو نازَعَه المَحجورُ عليه بعدَ رُشدِه في أنَّه لم يَفعَلْه لهذا الغَرضِ، فهل يُصدَّقُ؟ يُنظرُ، إنْ دَلَّت الحالُ على صِدقِه فنَعَمْ، وإلا فلا. والظاهِرُ تَصديقُه إذا نازَعَه المَحجورُ عليه بعدَ رُشدِه في بَذلِ ذلك وإنْ لم تَدلَّ القَرائنُ عليه؛ لأنَّ ذلك لا يُعلَمُ إلا منه غالِبًا (١). لا نظَرَ للقاضي مع الوَصيِّ الخاصِّ: نَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّه لا نظَرَ لحاكِمٍ مع وَصيٍّ خاصٍّ إذا كانَ الوَصيُّ كُفُؤًا في ذلك التَّصرفِ الذي أُسندَ إليه؛ لأنَّ الوَصيةَ تَقطَعُ نظَرَ الحاكِمِ، لكنْ له الاعتِراضُ عليه إنْ فعَلَ ما لا يَسوغُ فِعلُه (٢). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ فيمَن أُوصيَ إليه بإِخراجِ حُجةٍ أنَّ وِلايةَ إِخراجِها والتَّعيينَ للناظِرِ الخاصِّ إِجماعًا، وإنَّما للوَليِّ العامِّ الاعتِراضُ لعَدمِ أهليَّتِه أو فِعلِه مُحرَّمًا (٣).
следующие страницы →