قالَ الإِمامُ الطَّحاويُّ: رُويَ عن عُمرَ «أنَّه دفَعَ مالَ يَتيمٍ مُضارَبةً»، وقالَ نافِعٌ: «كانَ ابنُ عُمرَ يَكونُ عندَه مالُ اليَتيمِ فربَّما أنفَقَ بعضَه وربَّما أعطَى منه مُضاربةً».
وقالَ القاسِمُ بنُ مُحمدٍ: «كانَت أَموالُنا عندَ عائِشةَ وكانَت تُبضِعُها في البَحرِ» ولا يُروى عن غيرِهم من الصَّحابةِ خِلافُهم، ولم يَختلِفوا على أنَّ للأَبِ أنْ يَتَّجرَ في مالِ الصَّغيرِ وكذلك وَصيُّه (١).
وقالَ الإِمامُ القُرطُبيُّ: تَواتَرت الآثارُ في دَفعِ مالِ اليَتيمِ مُضاربةً والتِّجارةِ فيه، وفي جَوازِ خَلطِ مالِه بمالِه دِلالةً على جَوازِ التَّصرفِ في مالِه بالبَيعِ والشِّراءِ إذا وافَقَ الصَّلاحَ، وعلى جَوازِ دَفعِه مُضاربةً إلى غيرِ ذلك (٢).
إلا أنَّهم اختلَفوا هل للوَصيِّ أنْ يأخُذَ المالَ يُضارِبُ به لنَفسِه على جُزءٍ من الرِّبحِ أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ (٣) -وهو وَجهٌ للحَنابلةِ- إلى أنَّه يَجوزُ له أنْ يَعملَ لنَفسِه.
قالَ الحَنفيةُ: للوَصيِّ أنْ يَأخذَ مالَ الصَّغيرِ مُضاربةً؛ لأنَّها تِجارةٌ، لكنْ بشَرطِ الشَّهادةِ على ذلك نَفيًا للتُّهمةِ؛ إذْ ليسَ فيها تَملُّكُ مالِه، وعن مُحمدٍ:
стр. 14982
إذا لم يُشهِدْ فما عمِلَه للوَرثةِ؛ لأنَّه هو الظاهِرُ، فلا يُتركُ إلا بدَليلٍ، وهو الإِشهادُ، وليسَ له أنْ يُؤاجِرَ نَفسَه من اليَتيمِ؛ لأنَّ القيامَ بمَصالحِ اليَتيمِ واجِبٌ على الوَصيِّ فلا حاجةَ إلى استِئجارِه (١).
وقالَ ابنُ مُفلحٍ: وفيه وَجهٌ: يَجوزُ أنْ يأخُذَ مُضاربةً لنَفسِه؛ لأنَّه جازَ له أنْ يَدفعَه بذلك فجازَ له أخْذُه (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُضاربَ به بنَفسِه.
قالَ المالِكيةُ: ليسَ للوَصيِّ أنْ يَعملَ هو بنَفسِه في مالِ الصَّغيرِ بجُزءٍ من الرِّبحِ ولو كانَ ذلك الجُزءُ يُشبهُ قِراضَ مِثلِه لغيرِه؛ لأنَّه يَصيرُ كمُؤاجِرِ نَفسِه منه، وهو لا يَجوزُ له ذلك، والنَّهيُ للكَراهةِ، وقيلَ: إنْ عمِلَ فيه على جُزءٍ يُشبهُ قِراضَ غيرِه مَضى كشِرائِه شَيئًا لليَتيمِ.
فإنْ عمِلَ الوَصيُّ به مَجانًا قِراضًا أو بِضاعةً فلا نَهيَ، بل هو من المَعروفِ الذي يُقصدُ به وَجهُ اللهِ تَعالى، وحينَئذٍ فلا ضَمانَ عليه إذا تلِفَ (٣).
стр. 14983
وقالَ ابنُ قُدامةَ: لوَليِّ اليَتيمِ أنْ يُضاربَ بمالِه وأنْ يَدفعَه إلى مَنْ يُضارِبُ له به ويَجعلَ له نَصيبًا من الرِّبحِ أَبًا كانَ أو وَصيًّا أو حاكِمًا أو أَمينَ حاكِمٍ، وهو أَولى مِنْ تَركِه، وممَّن رأى ذلك ابنُ عُمرَ والنَّخعيُّ والحَسنُ بنُ صالِحٍ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ، ويُروَى إِباحةُ التِّجارةِ به عن عُمرَ وعائِشةَ والضَّحاكِ، ولا نَعلمُ أحدًا كرِهَه إلا ما رُويَ عن الحَسنِ، ولعلَّه أَرادَ اجتِنابَ المُخاطرةِ به، ولأنَّ خزنَه أحفَظُ له، والذي عليه الجُمهورُ أوْلى؛ لمَا رَوى عبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ وَليَ يَتيمًا له مالٌ فليتَّجِرْ له، ولا يَتْرُكْه حتى تَأكلَه الصَّدقةُ» ورُويَ ذلك عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ وهو أصَحُّ من المَرفوعِ.
ولأنَّ ذلك أحَظُّ للمُولَّى عليه لتَكونَ نَفقتُه من فاضِلِه ورِبحِه كما يَفعلُه البالِغونَ في أَموالِهم وأَموالِ مَنْ يَعزُّ عليهم من أَولادِهم، إلا أنَّه لا يَتَّجرُ إلا في المَواضعِ الآمِنةِ، ولا يَدفعُه إلا لأَمينٍ ولا يُغرِّرُ بمالِه.
وقد رُويَ عن عائِشةَ ﵂ أنَّها أبضَعَت مالَ مُحمدِ بنِ أَبي بَكرٍ في البَحرِ، فيُحتمَلُ أنَّه كانَ في مَوضعٍ مَأمونٍ قَريبٍ من الساحِلِ ويُحتمَلُ أنَّها جعَلَته من ضَمانِه عليها إنْ هلَكَ غرِمَته.
فمَتى اتَّجرَ في المالِ بنَفسِه فالرِّبحُ كله لليَتيمِ، وأَجازَ الحَسنُ بنُ صالِحٍ وإِسحاقُ أنْ يَأخُذَه الوَصيُّ مُضاربةً لنَفسِه؛ لأنَّه جازَ أنْ يَدفعَه بذلك إلى غيرِه فجازَ أنْ يأخُذَ ذلك لنَفسِه.
стр. 14984
والصَّحيحُ ما قُلنا؛ لأنَّ الرِّبحَ نَماءُ مالِ اليَتيمِ فلا يَستحِقُّه غيرُه إلا بعَقدٍ، ولا يَجوزُ أنْ يَعقدَ الوَليُّ المُضاربةَ مع نَفسِه، فأمَّا إنْ دفَعَه إلى غيرِه فللمُضاربِ ما جعَلَه له الوَليُّ ووافَقَه عليه، أي: اتَّفَقا عليه في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّ الوَصيَّ نائِبٌ عن اليَتيمِ فيما فيه مَصلَحتُه، وهذا فيه مَصلَحتُه فصارَ تَصرُّفُه فيه كتَصرُّفِ المالِكِ في مالِه (١).
للوَصيِّ إِتلافُ مالِ الصَّغيرِ للمَصلحةِ:
قالَ الحَنفيةُ: لو خافَ الوَصيُّ أنْ يَستوليَ غاصِبٌ على المالِ فله أَداءُ شَيءٍ ليُخلِّصَه.
ورُويَ عن أَبي يُوسفَ: لو طمِعَ السُّلطانُ في مالِ اليَتيمِ فصالَحَه الوَصيُّ من مالِ اليَتيمِ على أقَلَّ ممَّا طمِعَ لم يَضمَنْ؛ لأنَّه مَأمورٌ بحِفظِ مالِ اليَتيمِ ما أمكَنَه، وقد أمكَنَه بهذه الطَّريقةِ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: لو خافَ الوَصيُّ على مالِ اليَتيمِ ونَحوِه من استِيلاءِ ظالِمٍ عليه فله تَخليصُه بشَيءٍ منه ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
وكذا لو علِمَ أنَّه لو لم يَبذُلْ شَيئًا لقاضي سُوءٍ لانتزَعَ منه المالَ وسلَّمَه لبعضِ خَونَتِه، وأدَّى ذلك إلى استِئصالِه، ويَجبُ أنْ يَتحرَّى في أقَلَّ ما يُمكنُ أنْ يَرضَى به الظالِمُ، والظاهِرُ تَصديقُه إذا نازَعَه المَحجورُ عليه بعدَ رُشدِه في بَذلِ ذلك وإنْ لم تَدلَّ القَرائنُ عليه.
стр. 14985
وكذا يَجوزُ تَعييبُ مالِ اليَتيمِ والسَّفيهِ والمَجنونِ لحِفظِه إذا خِيفَ عليه الغَصبُ، كما في قِصةِ الخَضِرِ ﵇، وقد حَكاها اللهُ تَعالى بقَولِه: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف: ٧٩].
فلو نازَعَه المَحجورُ عليه بعدَ رُشدِه في أنَّه لم يَفعَلْه لهذا الغَرضِ، فهل يُصدَّقُ؟ يُنظرُ، إنْ دَلَّت الحالُ على صِدقِه فنَعَمْ، وإلا فلا.
والظاهِرُ تَصديقُه إذا نازَعَه المَحجورُ عليه بعدَ رُشدِه في بَذلِ ذلك وإنْ لم تَدلَّ القَرائنُ عليه؛ لأنَّ ذلك لا يُعلَمُ إلا منه غالِبًا (١).
لا نظَرَ للقاضي مع الوَصيِّ الخاصِّ:
نَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّه لا نظَرَ لحاكِمٍ مع وَصيٍّ خاصٍّ إذا كانَ الوَصيُّ كُفُؤًا في ذلك التَّصرفِ الذي أُسندَ إليه؛ لأنَّ الوَصيةَ تَقطَعُ نظَرَ الحاكِمِ، لكنْ له الاعتِراضُ عليه إنْ فعَلَ ما لا يَسوغُ فِعلُه (٢).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ فيمَن أُوصيَ إليه بإِخراجِ حُجةٍ أنَّ وِلايةَ إِخراجِها والتَّعيينَ للناظِرِ الخاصِّ إِجماعًا، وإنَّما للوَليِّ العامِّ الاعتِراضُ لعَدمِ أهليَّتِه أو فِعلِه مُحرَّمًا (٣).
стр. 14986
أَخذُ الجُعلِ أو الأُجرةِ على الوِصايةِ:
قالَ الحَنابِلةُ: ويَجوزُ أنْ يَجعلَ المُوصي أو الحاكِمُ للوَصيِّ جُعلًا مَعلومًا؛ لأنَّها بمَنزِلةِ الوَكالةِ، والوَكالةُ تَجوزُ بجُعلٍ فكذلك الوَصيةُ، وقد نقَلَ إِسحاقُ بنُ إِبراهيمَ في الرَّجلِ يُوصي إلى الرَّجلِ ويَجعلُ له دَراهمَ مُسمَّاةً فلا بأسَ (١).
وقالَ المالِكيةُ: على القاضي أنْ يَفرضَ للوَصيِّ أُجرةً على نَظرِه بقَدرِ شَغلِه بالنَّظرِ في مالِ اليَتيمِ من تَصرُّفٍ في غَلَّاتِ أُصولِه وشِراءِ نَفقتِه إذا طلَبَ الوَصيُّ أو المُقدَّمُ ذلك، فإنْ تَورَّعا عن ذلك فهو خيرٌ لهما (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا كانَ الناظِرُ في أمرِ الطِّفلِ أَبًا أو جَدًّا أو أُمًّا بحُكمِ الوَصيةِ وكانَ فَقيرًا فنَفقتُه على الطِّفلِ، وله أنْ يُنفِقَ على نَفسِه بالمَعروفِ، وفي هذا القَبضِ لا يَحتاجُ إلى إِذنِ الحاكِمِ.
فإنْ كانَ الوَصيُّ أَجنبيًّا فَقيرًا فله أنْ يأخُذَ من مالِ الطِّفلِ قَدرَ أُجرةِ عَملِه، فإنْ كانَ قَدرُ أُجرتِه لا يَكفيه فله أَخذُ قَدرِ كِفايتِه بشَرطِ الضَّمانِ؛ لقَولِ عُمرَ ﵁: «إنِّي أُنزِلُ نَفسي في مالِ اللهِ مَنزلةَ وَليِّ اليَتيمِ؛ إنِ احتَجتُ إليه أخَذتُ منه، وإنْ أَيسَرتُ رَدَدتُه، وإنِ استَغنَيتُ استَعفَفتُ» (٣).
стр. 14987
وقالَ الحَنفيةُ: الوَصيُّ إنَّما يَستحِقُّ الأجرَ إذا كانَ وَصيَّ القاضي وقد نَصَّبَه بأجرٍ، وأمَّا وَصيُّ المَيتِ فلا يَستحِقُّ، فإذا أَوصَى إلى رَجلٍ فاستأجَرَه بمِئةِ دِرهمٍ ليُنفِذَ وَصاياه فالاستِئجارُ باطِلٌ، والمِئةُ وَصيةٌ من الثُّلثِ؛ لأنَّه بقَبولِ الوَصيةِ صارَ العَملُ واجِبًا عليه، والاستِئجارُ على هذا لا يَجوزُ.
قالَ الإِمامُ ابنُ عابدِين ﵀: قَولُه (العامِلُ لغيرِه أَمانةً لا أجرَ له إلا الوَصيَّ) أي: وَصيَّ القاضي وقد نصَّبَه بأجرٍ، وأمَّا وَصيُّ المَيتِ فلا يَستحِقُّ الأجرَ كما في «الأَشباهِ» من فَنِّ الجَمعِ والفَرقِ في الكَلامِ على أجرِ المِثلِ نَقلًا عن «القُنية».
وقد علَّل الوَلوالَجيُّ عَدمَ صِحةِ الأجرِ له ولو جعَلَه المُتوفَّى له ليُنفِذَ له وَصاياه بأنَّه بقَبولِ الوَصيةِ صارَ العَملُ واجِبًا عليه، والاستِئجارُ على هذا لا يَجوزُ. انتَهى.
قالَ العَلَّامةُ الخَيرُ الرَّمليُّ: ولا يَخفى أنَّ وَصيَّ المَيتِ إذا امتنَعَ عن القيامِ بالوَصيةِ إلا بأجرٍ في مُقابلةِ عَملِه لا يُجبَرُ على العَملِ؛ لأنَّه مُتبرعٌ ولا جَبْرَ على المُتبرعِ، وإذا رأى القاضي أنْ يَعملَ له أُجرةً على عَملِه وكانَت أُجرةَ المِثلِ فما المانِعُ قياسًا واستِحسانًا؟ وهي واقِعةُ الفَتوى، وقد أفتَيتُ به مِرارًا، ولا يُنافيه ما في الوَلوالجيةِ كما هو ظاهِرٌ؛ لأنَّ المَوضوعَ مُختلِفٌ كما يَظهرُ بأدنى تَأمُّلٍ. اه.
أَقولُ: إنَّما كانَ المَوضوعُ مُختلِفًا لأنَّ مَوضوعَ مَسألةِ الوَلوالَجيِّ في وُجوبِ العَملِ بقَبولِ الوَصيةِ، ولأنَّ مَوضوعَ ما ذكَرَه في عَدمِ الجَبرِ على
стр. 14988
العَملِ، وهو لا يُنافي الوُجوبَ، لكنْ قالَ الطَّحاويُّ: وفيه تَأمُّلٌ؛ إذْ بعدَ القَبولِ لا يُقالُ: إنَّه مُتبرعٌ.
والحاصِلُ أنَّ وَصيَّ المَيتِ لا أجرَ له إلا إذا كانَ مُحتاجًا فله الأكلُ من مالِ اليَتيمِ بقَدرِ عَملِه، وللقاضي أنْ يَفرضَ له ذلك لكنْ للمُستقبَلِ لا لما مَضى لشُروعِه فيه مُتبرِّعًا.
وأمَّا وَصيُّ القاضي، فإنْ كانَ مُحتاجًا فكذلك، وإلا فإنْ نَصَّبه القاضي وجعَلَ له أُجرةَ المِثلِ جازَ، وكذا إذا امتنَعَ بعدَ النَّصبِ عن العَملِ حتى يَجعلَ له أُجرةً؛ لأنَّ وِصايتَه غيرُ لازِمةٍ؛ لأنَّ له أنْ يَعزلَ نَفسَه فله أنْ يَمتنعَ عن المُضيِّ في العَملِ إلا بأجرٍ (١).
وجاءَ في «تَنقيح الفَتاوى الحامِدية» لابنِ عابدِين: (سُئلَ) في الوَصيِّ المُختارِ إذا عمِلَ في تَركةِ المُوصي أَعمالًا شتَّى ولم يَكُنِ المُوصي جعَلَ له شَيئًا، فهل له أجرُ مِثلِ عَملِه؟ (الجَوابُ): نَعَمْ، له أجرُ مِثلِ عَملِه استِحسانًا لو كانَ مُحتاجًا كما في «الخانية» و «البَزَّازية»، وهو المَأخوذُ به كما في «الخَيرية» و «حَواشي الأشباه» للحَمَويِّ.
(أَقولُ) تَقييدُه بقَولِه: «لو كان مُحتاجًا» مُوافقٌ لمَا في الآيةِ الشَّريفةِ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، ونَصُّ عِبارةِ «الخانية» هكذا: «وعن نُصَيرٍ: للوَصيِّ أنْ يأكلَ من مالِ اليَتيمِ ويَركبَ دَوابَّه إذا ذهَبَ في
стр. 14989
حَوائجِ اليَتيمِ، وقالَ بعضُهم: لا يَجوزُ، وهو القياسُ، وفي الاستِحسانِ: يَجوزُ أنْ يَأكلَ بالمَعروفِ إذا كانَ مُحتاجًا بقَدرِ ما سَعَى».
ونَحوُه في «البَزَّازية» وهذا صَريحٌ في أنَّ الاستِحسانَ أنَّ له قَدرَ أجرِ مِثلِ عَملِه لو كانَ مُحتاجًا، وظاهِرُه أنَّ له ذلك وإنْ لم يَفرِضْ له القاضي أُجرةً لكنْ في «جامِعِ الفُصولين» عن «شَرح الطَّحاويِّ» ولا يَأكلُ الوَصيُّ ولو مُحتاجًا، إلا إذا كانَ له أُجرةٌ فيَأكلُ قَدرَ أُجرتِه.
والظاهِرُ أنَّ هذا مَبنيٌّ على القِياسِ من أنَّه ليسَ له الأكلُ، قالَ في «أَدب الأَوصياء»: والقِياسُ ألَّا يَأكلَ؛ لعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ … ﴾ الآيةَ، قالَ الفَقيهُ: ولعلَّ قَولَه تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ [النساء: ٦] نُسخَ بهذه الآيةِ، قُلتُ: فكأنَّه يَميلُ إلى اختِيارِ الثاني، وهو قَولُ الإِمامِ، قالَ في «القُنية» قالَ أَبو ذَرٍّ: وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه شرَعَ في الوِصايةِ مُتبرعًا فلا يُوجبُ ضَمانًا.
قالَ الإِسبيجابيُّ في شَرحِه: إلا إذا كانَ له أجرٌ مَعلومٌ فيَأكلُ بقَدرِه.
فقد ظهَرَ بهذا أنَّ الاستِحسانَ هو أنَّ له الأكلَ لو كانَ مُحتاجًا ولو لم يُفرَضْ له أجرٌ، وأنَّ القياسَ ألَّا يَأكلَ مُطلَقًا إلا إذا فُرضَ له أجرٌ على ما قالَه الإِسبيجابيُّ في «شَرح الطَّحاوي»، وأنَّ القِياسَ هو قَولُ الإِمامِ، وصحَّحَه أَبو ذَرٍّ ومالَ إليه الفَقيهُ، وقد أفتَى بذلك الخَيرُ الرَّمليُّ حيثُ سُئلَ في رَجلٍ أقامَه القاضي وَصيًّا على يَتيمٍ ولم يَفرضْ له إذ ذاك نَفقةً ثم فرَضَ له أجرًا في مُقابلةِ عَملِه فتَناولَه عن المُدةِ الماضيةِ الخاليةِ عن الفَرضِ، هل له ذلك أو
стр. 14990
لا؟ (أَجابَ): ليسَ له ذلك لشُروعِه مُتبرعًا، وهذا ممَّا لا يُشكُّ في حُرمتِه ذو فَهمٍ سَليمٍ، وانظُرْ إلى قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، واللهُ تَعالى أعلَمُ.
لكنْ قالَ في جَوابِ سُؤالٍ آخَرَ: هذه المَسألةُ فيها اختِلافُ قِياسٍ واستِحسانٍ، ففي «الخانية»، و «البَزَّازية» له ذلك لو كانَ مُحتاجًا استِحسانًا، وفي «القُنية» صحَّحَ أنْ لا أجرَ له، وقد تقرَّرَ أنَّ المَأخوذَ به الاستِحسانُ إلا في مَسائلَ ليسَت هذه منها، وإذا كانَ الاستِحسانُ أنَّ له ذلك بدونِ تَعيينِ القاضي فبتَعيينِه أوْلى، وأنت خَبيرٌ بأنَّ نَقلَ «القُنية» لا يُعارضُ نَقلَ قاضي خان؛ فإنَّ قاضي خان من أهلِ التَّرجيحِ كما صرَّحَ به الشَّيخُ قاسِمٌ في تَصحيحِه، واللهُ تَعالى أعلَمُ.
ولا يَخفَى أنَّ ما في «القُنية» لم يُقيَّدْ بالاحتِياجِ، فلا يُخالِفُ ما في «الخانية» على أنَّ الذي في «القُنية» يَحتمِلُ أنْ يَكونَ مَبنيًّا على القِياسِ الذي هو قَولُ الإِمامِ، ومالَ إليه الفَقيهُ، فهو تَصحيحٌ للقَولِ الآخَرِ نقَلَه عن غيرِه، تأمَّلْ، وقالَ الخَيرُ الرَّمليُّ أيضًا في حاشيَتِه على «الأَشباه» في أواخِرِ كِتابِ الأَماناتِ بعدَ كَلامٍ طَويلٍ، ولا يَخفى أنَّ وَصيَّ المَيتِ إذا امتنَعَ عن القيامِ بالوَصيةِ إلا بأجرٍ لا يُجبَرُ على العَملِ؛ لأنَّه مُتبرعٌ ولا جَبْرَ على المُتبرعِ، فإذا رأى القاضي أنْ يَعملَ له أُجرةَ المِثلِ فما المانِعُ منه؟ وهي واقِعةُ الفَتوى، وقد أفتَيتُ به مِرارًا.
وقد علِمتُ أنَّ الاستِحسانَ إنَّما هو فيما إذا كانَ مُحتاجًا لا مُطلَقًا، فغيرُ
стр. 14991
المُحتاجِ لا أجرَ له؛ لأنَّه دخَلَ في الوِصايةِ مُتبرعًا من أولِ الأمرِ، وهو -وإنْ كانَ لا يُجبَرُ على التِّجارةِ في مالِ اليَتيمِ وعلى اقتِضاءِ دُيونِه- إذا فعَلَ شَيئًا من ذلك يَكونُ قد فعَلَ ما التزَمَ أنْ يَفعلَه مُتبرعًا حين قَبولِه الوِصايةَ من المَيتِ، حتى كانَت لازِمةً له فلا يَملِكُ عَزلَ نَفسِه ولا يَملكُ القاضي عَزلَه في الصَّحيحِ إلا بخِيانةٍ ظاهِرةٍ أو فِسقٍ ظاهِرٍ، وهذا في وَصيِّ المَيتِ، أمَّا وَصيُّ القاضي فله عَزلُ نَفسِه، لكنْ في «البَزَّازية» يَنبَغي أنْ يُشتَرطَ عِلمُ القاضي بعَزلِه، وللقاضي عَزلُه أيضًا، وعلى هذا يَنبَغي التَّفصيلُ بأنْ يُقالَ: إنَّ وَصيَّ المَيتِ لا أجرَ له إلا إذا كانَ مُحتاجًا، فله الأَكلُ من مالِ اليَتيمِ بقَدرِ عَملِه، وللقاضي أنْ يَفرضَ له ذلك لكنْ للمُستقبلِ، لا لمَا مَضى؛ لشُروعِه فيه مُتبرعًا، وأمَّا وَصيُّ القاضي فإنْ كانَ مُحتاجًا فكذلك، وإلا فإنْ نصَّبَه القاضي وجعَلَ له أُجرةَ المِثلِ جازَ، وكذا إذا امتنَعَ بعدَ التَّنصيبِ عن العَملِ حتى يُجعلَ له أُجرةٌ؛ لأنَّ وِصايتَه غيرُ لازِمةٍ؛ لأنَّ له أنْ يَعزلَ نَفسَه كما علِمتَ فله أنْ يَمتنعَ عن المُضيِّ في العَملِ إلا بأجرٍ.
وفي «القُنية»: الوَصيُّ إذا نصَّبَه القاضي وعيَّنَ له أجرًا بقَدرِ أجرِ المِثلِ جازَ، وأمَّا وَصيُّ المَيتِ فلا أجرَ له على الصَّحيحِ.
فقَولُه «على الصَّحيحِ» إمَّا مَبنيٌّ على تَصحيحِ ما هو القياسُ كما قدَّمنا، أو على الاستِحسانِ، وأنَّ المُرادَ لا أجرَ له إذا كانَ غيرَ مُحتاجٍ، وعلى كلٍّ فلا يُخالفُ ما تقدَّمَ عن «الخانية» كما مَرَّ هذا، وقد صحَّحَ في «الخانيةِ» أنَّ الوَصيَّ لو آجَرَ نَفسَه من اليَتيمِ لم يَصحَّ، وفيها أيضًا: قال: لك أجرُ مِئةٍ على
стр. 14992
أنْ تَكونَ وَصيِّي، اختلَفوا فيه، قالَ نُصيرٌ: الإِجارةُ باطِلةٌ ولا شَيءَ له، وقالَ أَبو سَلمةَ: الشَّرطُ باطِلٌ، والمِئةُ وَصيةٌ له ويَكونُ وَصيًّا، وبه أخَذَ أَبو جَعفرٍ وأبو اللَّيثِ. اه.
فإذا كانَ استِئجارُ الأَبِ له باطِلًا فاستِئجارُ القاضي أوْلى، إلا إذا كانَ مُحتاجًا، لكنَّ الظاهِرَ أنَّ بُطلانَ الإِجارةِ إنَّما هو لمَوتِ الأبِ؛ فإنَّ الإِجارةَ تَبطُلُ بالمَوتِ، هذا غايةُ ما تحرَّرَ لي في هذه المَسألةِ، واللهُ تَعالى أعلَمُ (١).
أَكلُ الوَصيِّ من مالِ اليَتيمِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على تَحريمِ أكلِ مالِ اليَتيمِ ظُلمًا وإِسرافًا، وعلى أنَّ ذلك من الكَبائرِ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ وقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (٢).
إلا أنَّهم اختلَفوا في الأَوصياءِ، هل يَجوزُ لهم الأَكلُ من مالِ اليَتيمِ؟ وعلى القَولِ بالجَوازِ ما القَدرُ الذي يَجوزُ لهم؟
فذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ ومُحمدٌ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَأكلَ من مالِ اليَتيمِ شَيئًا.
وقالَ أَبو يُوسفَ: ليسَ له ذلك ما دام مُقيمًا في المِصرِ، فإذا خرَجَ في مَتاعٍ لهم أو تَقاضي دَينٍ أنفَقَ واكتَسى وركِبَ بالمَعروفِ، وإذا رجَعَ رَدَّ
стр. 14993
الثِّيابَ والدابةَ، وذلك شَبيهٌ بالمُضاربةِ، قالَ أَبو يُوسفَ: وقَولُه تَعالى: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] يَجوزُ أنْ يَكونَ مَنسوخًا بقَولِه تَعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فجعَلَ أَبو يُوسفَ الوَصيَّ في هذه الحالِ كالمُضاربِ في جَوازِ النَّفقةِ من مالِه في السَّفرِ.
قالَ أَبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ: رَوى الزُّهريُّ عن القاسِمِ بنِ مُحمدٍ «أنَّ رَجلًا أتى ابنَ عَباسٍ فقالَ: إنْ إلَيَّ مَواشي أَيتامٍ، فهل علَيَّ جُناحٌ أنْ أُصيبَ من رِسلِ مَواشيهم؟ فقالَ ابنُ عَباسٍ: إنْ كُنْتَ تَبغي ضالَّتَها وتَهنأُ جَرباها وتَلوطُ حِياضَها وتَفرُطُ عليها يَومَ وُرودِها فلا جُناحَ عليكَ أنْ تُصيبَ من رِسلِها» فلم يَذكُرْ أنَّ مِقدارَ ما يَصلُ إليه من مالِ اليَتيمِ مِثلُ ما يُصيبُهم من مَنافعِه، فدَلَّ على أنَّه لم يَجعَلْ ذلك بَدلًا ممَّا يَفعلُه الوَليُّ لليَتيمِ.
ورَوى الأعمَشُ عن أَبي وائِلٍ قالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁: «إنِّي أنزَلتُ مالَ اللهِ تَعالى مِني بمَنزلةِ مالِ اليَتيمِ، ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]» فاحتمَلَ أنْ يَكونَ مُرادُه القَرضَ أو بغيرِ بَدلٍ.
ورَوى سُفيانُ عن أَبي إِسحاقَ عن حارِثةَ بنِ مُضرِّبٍ قالَ: كتَبَ عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁: «إنِّي أنزَلتُ نَفسي مَنزلةَ والي مالِ اليَتيمِ، إذا استَغنَيتُ استَعفَفتُ وإنِ احتَجتُ استَقرَضتُ ثم قَضَيتُ»، ورَوى أَبو الأحوَصِ عن أَبي إِسحاقَ عن يَرفأَ مَولَى عُمرَ عن عُمرَ ﵁ مِثلَ ذلك، فثبَتَ أنَّه إنَّما كانَ يَرى
стр. 14994
أخْذَه على جِهةِ القَرضِ، وهذا خِلافُ ما رُويَ عن ابنِ عَباسٍ وهو أوْلى؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَحلُّ لي ممَّا أفاءَ اللهُ عليكم مثلُ هذه -يَعني وَبرةً أخَذَها من بَعيرةٍ- إلا الخُمسَ» إذا كانَ النَّبيُّ ﷺ فيما يَتولَّاه من أَموالِ المُسلِمينَ كما ذَكَرنا كانَ الوَصيُّ فيما يَتولَّاه من مالِ اليَتيمِ أحرى أنْ يَكونَ كذلك (١)، وقد تقدَّمَ كَلامُ ابنِ عابدِين مُفصَّلًا في المَسألةِ السابِقةِ.
وقالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ للوَصيِّ أنْ يَأكلَ من مالِ يَتيمِه إلا بقَدرِ اشتِغالِه به وخِدمتِه فيه وقيامِه عليه إنْ كانَ مُحتاجًا إلى ذلك، وأمَّا إنْ كانَ غَنيًّا عن ذلك فلا يَفعَلْ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦].
قالَ ابنُ رُشدٍ: وقد قيلَ: إنَّ للغَنيِّ أنْ يَأكلَ منه بقَدرِ قيامِه عليه وخِدمتِه فيه وانتِفاعِ اليَتيمِ به في حُسنِ نَظرِه له، فإنْ لم يَكنْ له في مالِه خِدمةٌ ولا عَملٌ سِوى أنَّه يَتفقَّدُه ويُشرفُ عليه لم يَكنْ له أنْ يَأكلَ منه إلا ما لا ثَمنَ له ولا قَدرَ لقيمَتِه مِثلَ اللَّبنِ في المَوضعِ الذي لا ثَمنَ له فيه، ومِثلَ الفاكِهةِ من ثَمرِ حائِطِه، ولا أنْ يَركبَ دَوابَّه ولا أنْ يَنتفعَ بظَهرِ إِبلِه ولا أنْ يَستسلِفَ من مالِه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ -كما تقدَّمَ في المَسألةِ السابِقةِ-: إذا كانَ الناظِرُ في أمرِ الطِّفلِ أَبًا أو جَدًّا أو أُمًّا بحُكمِ الوَصيةِ، وكانَ فَقيرًا فنَفقتُه على الطِّفلِ، وله
стр. 14995
أنْ يُنفقَ على نَفسِه بالمَعروفِ، ولا يَحتاجُ في هذا القَبضِ إلى إِذنِ الحاكِمِ.
فإنْ كانَ الوَصيُّ أجنَبيًّا فَقيرًا فله أنْ يَأخُذَ من مالِ الطِّفلِ قَدرَ أُجرةِ عَملِه، فإنْ كانَ قَدْرُ أُجرتِه لا يَكفيه فله أخْذُ قَدرِ كِفايتِه بشَرطِ الضَّمانِ؛ لقَولِ عُمرَ ﵁: «إنِّي أُنزلُ نَفسي في مالِ اللهِ مَنزلةَ وَليِّ اليَتيمِ، إنِ احتَجتُ إليه أخَذتُ منه، وإنْ أيسَرتُ رَدَدتُه، وإنِ استَغنَيتُ استَعفَفتُ» (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: وللوَليِّ أنْ يَأكلَ من مالِ المُولَّى عليه بقَدرِ عَملِه إذا احتاجَ إليه، لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] قالت عائِشةُ: «نزَلَت في والي اليَتيمِ الذي يَقومُ عليه ويُصلحُ مالَه، إنْ كانَ فَقيرًا أكَلَ منه بالمَعروفِ» (٢)، ولمَا رَوى عَمرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه «أنَّ رَجلًا أتى النَّبيَّ ﷺ فقالَ: إنِّي فَقيرٌ ليسَ لي شَيءٌ، ولي يَتيمٌ. قالَ: فقالَ: كلْ من مالِ يَتيمِك غيرَ مُسرِفٍ ولا مُبادِرٍ ولا مُتأثِّلٍ» (٣)، ولأنَّه إنَّما يَستحِقُّ بعَملِه فتقَيَّدَ بقَدرِه، وإذا كانَ فَقيرًا فله أقَلُّ الأمرَينِ: أُجرتُه أو قَدرُ كِفايتِه؛ لأنَّه يَستحِقُّه بالعَملِ والحاجةِ جَميعًا فلم يَجُزْ أنْ يَأخذَ إلا ما وُجِدا فيه، فلو كانَت أُجرةُ مِثلِه عَشرةَ دَراهمَ وكانَ قَدرُ كِفايتِه خَمسةَ عَشرَ لم يَكنْ له إلا أُجرةُ المِثلِ، والعَكسُ بالعَكسِ ولو لم يُقدِّرْه حاكِمٌ، وأمَّا
стр. 14996
الحاكِمُ وأَمينُه فلا يَأكُلانِ شَيئًا؛ لأنَّهما يَستَغنيانِ بمالِهما في بَيتِ المالِ، ومع عَدمِ الحاجةِ يَأكلُ ما فرَضَه له الحاكِمُ بلا خِلافٍ.
وإنْ كانَ غَنيًّا لم يَجُزْ له ذلك إذا لم يَكنْ أَبًا؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، وقالَ ابنُ عَقيلٍ: يَأكلُ وإنْ كانَ غَنيًّا قِياسًا على العَملِ في الزَّكاةِ، والآيةُ مَحمولةُ على الاستِحبابِ، والأولُ أَولى لظاهِرِ الآيةِ، وهو المَذهبُ.
قالَ في «الشَّرح الكَبير»: وهل يَلزمُه عِوضُ ذلك إذا أيسَرَ؟ على رِوايتَينِ، أمَّا إذا كانَ أَبًا فلا يَلزمُه رِوايةً واحِدةً؛ لأنَّ للأَبِ أنْ يَأخذَ من مالِ وَلدِه ما شاءَ مع الحاجةِ ومع عَدمِها، وإنْ كانَ غيرَ الأبِ لم يَلزمْه عِوضُ ذلك في إِحدَى الرِّوايتَينِ، وهذا قَولُ الحَسنِ والنَّخعيِّ وأحدُ قَولَيِ الشافِعيِّ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بالأكلِ من غيرِ ذِكرِ عِوضٍ، فأشبَهَ سائِرَ ما أمَرَ بأكْلِه، ولأنَّه عِوضٌ عن عَملِه لم يَلزَمْه بَدلُه كالأَجيرِ والمُضاربِ.
والثانيةُ: يَلزمُه عِوضُه، وهو قَولُ عُبيدةَ السَّلمانِيِّ وعَطاءٍ ومُجاهدٍ وسَعيدِ ابنِ جُبَيرٍ وأَبي العاليةِ؛ لأنَّه استَباحَه بالحاجةِ من مالِ غيرِه فلزِمَه قَضاؤُه كالمُضطَرِّ إلى طَعامِ غيرِه، والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّه لو وجَبَ عليه إذا أيسَرَ لكانَ واجِبًا في الذِّمةِ قبلَ اليَسارِ؛ فإنَّ اليَسارَ ليسَ سَببًا للوُجوبِ، فإذا لم يَجِبْ بالسَّببِ الذي هو الأكلُ لم يَجِبْ بعدَه، وفارَقَ المُضطَرَّ؛ فإنَّ العِوضَ واجِبٌ عليه في ذِمتِه، ولأنَّه لم يَأكُلْه عِوضًا عن شَيءٍ وهذا بخِلافِه (١).
стр. 14997
الرُّكنُ الرابِعُ: الصِّيغةُ:
الصِّيغةُ هي الرُّكنُ الرابِعُ من أَركانِ الإِيصاءِ، وهي الإِيجابُ والقَبولُ، والفُقهاءُ مُتَّفِقون في الجُملةِ على أنَّ الإِيصاءَ لا يَصحُّ إلا بالإِيجابِ والقَبولِ.
أولاً: الإِيجابُ:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ الإِيجابَ يَحصُلُ بكلِّ لَفظٍ يَدلُّ على مَعناه، ك «أَوصَيت له بكذا، أو هو وَصيِّي» أو ما يَقومُ مَقامَ ذلك في الدِّلالةِ على تَفويضِه الأمرَ إليه بعدَ مَوتِه.
قالَ الحَنفيةُ: الصِّيغةُ أنْ يَقولَ: «أَوصَيتُ بكذا لفُلانٍ»، وما يَجري مَجراه من الأَلفاظِ المُستَعمَلةِ فيها (١).
قالَ الحَنفيةُ: الإِيصاءُ يَحصُلُ بكلِّ لَفظٍ يَدلُّ عليه، فإذا قالَ: «أنتَ وَصيِّي، أو أنتَ وَصيِّي في مالِي، أو سلَّمتُ إليكَ الأَولادَ بعدَ مَوتي، أو تَعهَّدْ أَولادي بعدَ مَوتي، أو قُمْ بلَوازِمِهم بعدَ مَوتي» أو ما جَرى مَجرى هذه الأَلفاظِ، يَكونُ وَصيًّا، وكذا إذا قالَ: «أنتَ وَكيلي بعدَ مَوتي» يَكونُ وَصيًّا، و «أنت وَصيِّي في حَياتي» يَكونُ وَكيلًا؛ لأنَّ كلًّا منهما إِقامةٌ للغيرِ مَقامَ نَفسِه فيَنعقِدُ كلٌّ منهما بعِبارةِ الآخَرِ.
وكذا إذا قالَ: «افعَلوا كذا بعدَ مَوتي» فالكلُّ أَوصياءُ، ولو سَكَتوا حتى ماتَ فقبِلَ منهم اثنان أو أكثَرُ فهُم أَوصياءُ، ولو قبِلَ واحِدٌ لم يَتصرَّفْ حتى
стр. 14998
يُقيمَ القاضي معه غيرَه أو يُطلِقَ له التَّصرفَ؛ لأنَّه صارَ كأنَّه أَوصَى إلى رَجلَينِ فلا يَنفرِدُ أَحدُهما (١).
وقالَ المالِكيةُ: الصِّيغةُ: وهي أنْ يَقولَ: «أَوصَيتُ إليكَ»، أو ما يَقومُ مَقامَ ذلك في الدِّلالةِ على تَفويضِه الأمرَ إليه بعدَ مَوتِه، كقَولِه: «فَوَّضتُ إليكَ أمرَ أَموالي وأَولادِي، وأسنَدتُ أمرَهم إليكَ وأقَمتُك فيهم مَقامي»، أو ما يُشبهُ ذلك ممَّا يَدلُّ على التَّفويضِ إليه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: ولَفظُه -أي: الإِيجابِ- في الإِيصاءِ من ناطِقٍ: «أَوصَيتُ إليكَ أو فَوَّضتُ إليكَ أو أقَمتُك مَقامي أو أنزَلتُك مَنزِلتِي في أمرِ أَولادِي بعدَ مَوتي أو في قَضاءِ دَيني» أو نَحوُه، أو «جعَلتُك وَصيًّا أو وَلَّيتُك أو أنَبتُك»، ولا بُدَّ من لَفظِ (بَعدَ مَوتي) فيما عَدا (أَوصَيتُ) ليَكونَ من الصَّرائحِ، فإنْ لم يَذكُرْه فهو كِناياتٌ، وتَكفي إِشارةُ الأَخرسِ المُفهِمةُ وكِتابَتُه، وكذا الناطِقُ إذا قُرئَ عليه كِتابُ الوَصيةِ فسكَتَ وأَشارَ برأسِه: أي: نَعَمْ، ولا يَكفي من غيرِ قِراءةٍ.
وهل تَنعقِدُ الوِصايةُ بلَفظِ الوِلايةِ ك «وَلَّيتُك بعدَ مَوتي»، كما تَنعقِدُ ب «أَوصَيتُ إليكَ»؟ وَجهانِ عندَ الشافِعيةِ، أَحدُهما: أنَّها تَنعقِدُ بهما، والثاني:
стр. 14999
أنَّهما كِنايةٌ؛ لأنَّه صَريحٌ في بابِه ولم يَجِدْ نَفاذًا في مَوضوعِه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: يَنعقِدُ الإِيصاءُ بقَولِ المُوصي: «فوَّضتُ إليك كذا، أو وَصَّيتُ إليك بكذا، أو وَصَّيتُ إلى زَيدٍ بكذا، أو أنتَ وَصيٌّ، أو هو -أي: زَيدٌ- وَصيٌّ في كذا، أو جعَلتُه -أي: زَيدًا- وَصيًّا، أو جعَلتُك وَصيِّي على كذا» (٢).
وأمَّا الوَصيةُ من الأَخرسِ فهي صَحيحةٌ وتَكفي إِشارتُه المُفهِمةُ، وقد تقدَّمَ في أولِ الوَصايا حُكمُ إِشارةِ الأَخرسِ مُفصَّلةً.
تَعليقُ الصِّيغةِ على شَرطٍ وإِضافَتُها إلى وَقتٍ:
ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ تَعليقُ الصِّيغةِ في الوَصيةِ على شَرطٍ في حَياةِ المُوصي أو بعدَ مَوتِه إذا لم يَكنْ شَرطًا يُنافي مُقتَضى عَقدِ الوَصيةِ، ك «إذا ماتَ وَصيِّي فقد أَوصَيتُ إليكَ»، وإضافَتُها إلى وَقتٍ ك «أَوصَيتُ إليكَ إلى سَنةٍ»؛ لأنَّ الإِيصاءَ في الحالِ لا يُتصوَّرُ إلا إذا جُعلَ مَجازًا عن الوَكالةِ، ولأنَّ الوَصايا تَحتمِلُ الجَهالاتِ والأَخطارَ فكذا التَّوقيتُ والتَّعليقُ، ولأنَّ الإِيصاءَ كالإِمارةِ، وقد أمَرَ النَّبيُّ
стр. 15000
ﷺ زَيدَ بنَ حارِثةَ فقد رَوى البُخاريُّ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ قالَ: أمَّرَ رَسولُ اللهِ ﷺ في غَزوةِ مُؤتةَ زَيدَ بنَ حارِثةَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنْ قُتلَ زَيدٌ فجَعفَرٌ وإنْ قُتلَ جَعفرٌ فعبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ» (١).
فإنْ قالَ: «أَوصَيتُ إليك، فإنْ مِتَّ فقد أَوصَيتُ إلى فُلانٍ» صَحَّ، وكذا إذا قالَ: «أَوصَيتُ إليكَ سَنةً ثم لفُلانٍ بعدَها، أو إلى بُلوغِ ابني، فإذا بلَغَ فهو وَصيِّي» صَحَّ ذلك، فإذا بلَغَ ابنُه صارَ وَصيَّه، وكذا لو قالَ: «أَوصَيتُ إليك، فإذا تابَ ابني من فِسقِه أو صَحَّ من مَرضِه أو اشتغَلَ بالعِلمِ» صَحَّت الوَصيةُ، ويَصيرُ المَذكورُ وَصيًّا عندَ وُجودِ الشَّرطِ للحَديثِ السابِقِ، وكذا إذا قالَ: «أنتَ وَصيِّي حتى يَقدمَ فُلانٌ».
وكذا لو قالَ: «فُلانٌ وَصيِّي إلا أنْ يَتزوَّجَ زَوجَتي فلا حَقَّ له» عُملَ بذلك، وكذا لو قالَ: «زَوجَتي وَصيَّتي إلى أنْ تَتزوَّجَ»؛ فإنَّه يُعملُ به، فهي ما دامَت عَزباءَ وَصيَّةٌ، وإذا تزَوَّجت سقَطَ حَقُّها (٢).
стр. 15001
إِطلاقُ لَفظِ الوَصيةِ هل يَشملُ جَميعَ الأَنواعِ أو لا بُدَّ من تَحديدِ ما يُوصَى به:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُوصيَ إذا قالَ للوَصيِّ: «أنت وَصيِّي في أمرِ كذا، كقَضاءِ دَيني مَثلًا، أو في أمرِ أَطفالي بعدَ مَوتي فقط»، ولم يَزِدْ على هذا، فلا يَجوزُ له الإِقدامُ على غيرِ ما أَوصَى له به.
وقالَ الحَنفيةُ: ولو أَوصَى إلى رَجلٍ في مالِه كانَ وَصيًّا فيه وفي وَلدِه، وإذا أَوصَى إليه في أَنواعٍ وسكَتَ عن نَوعٍ فالوَصيُّ في نَوعٍ يَكونُ وَصيًّا في الأَنواِع كلِّها؛ لأنَّه لو لم تَعمَّ وِصايتُه تَقعُ الحاجةُ إلى نَصبِ وَصيٍّ آخَرَ، فجَعْلُ مَنْ اختارَه المَيتُ وَصيًّا ببعضِ أُمورِه وَصيًّا في كلِّها أَولى من جَعلِ غيرِه وَصيًّا؛ لأنَّ المُوصيَ لم يَرضَ بتَصرفِ غيرِه في شَيءٍ من الأُمورِ ورَضيَ بتَصرفِ هذا في بعضِ الأُمورِ؛ لأنَّه استَصلَحَه واستَصوَبه في الوِصايةِ، فكَونُ هذا وَصيًّا على العُمومِ أوْلى (١).
وكذلك اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه إذا عمَّمَ الوَصيةَ بأنْ قالَ: «أنت وَصيِّي في كلِّ شَيءٍ بعدَ مَوتي» فهو وَصيٌّ في كلِّ شَيءٍ، فله أنْ يَليَ أمرَ أَطفالِه وأنْ يُزوِّجَ بَناتِه إلى غيرِ ذلك من الأُمورِ.
стр. 15002
إلا أنَّهم اختلَفوا فيما لو قالَ له: «أنت وَصيِّي» فقط، ولم يَذكُرْ شَيئًا آخَرَ، أو لم يُبيِّنْ ما يُوصي فيه، هل يَصحُّ الإِيصاءُ أو يَصحُّ في أُمورٍ مُحدَّدةٍ أو هو عامٌّ فيَشملُ جَميعَ الأُمورِ؟
قالَ الحَنفيةُ: إذا نصَّبَ القاضي وَصيًّا لليَتيمِ الذي لا أَبَ له كانَ وَصيُّ القاضي بمَنزلةِ وَصيِّ الأَبِ إذا جعَلَه القاضي وَصيًّا عامًّا في الأَنواعِ كلِّها، فإنْ جعَلَه وَصيًّا في نَوعٍ واحِدٍ كانَ وَصيًّا في ذلك النَّوعِ خاصَّةً، بخِلافِ وَصيِّ الأَبِ؛ فإنَّه لا يَقبلُ التَّخصيصَ، إذا أَوصَى إلى رَجلٍ في نَوعٍ وسكَتَ عن نَوعٍ فالوَصيُّ في نَوعٍ يَكونُ وَصيًّا في الأَنواعِ كلِّها؛ لأنَّه لو لم تَعمَّ وِصايتُه تَقعُ الحاجةُ إلى نَصبِ وَصيٍّ آخَرَ، فجَعْلُ مَنْ اختارَه المَيتُ وَصيًّا ببعضِ أُمورِه وَصيًّا في كلِّها أَولى من جَعلِ غيرِه وَصيًّا؛ لأنَّ المُوصيَ لم يَرضَ بتَصرفِ غيرِه في شَيءٍ من الأُمورِ، ورَضيَ بتَصرفِ هذا في بعضِ الأُمورِ؛ لأنَّه استَصلَحَه واستَصوَبَه في الوِصايةِ، فكَونُ هذا وَصيًّا على العُمومِ أَوْلى (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا أطلَقَ لَفظَ الوَصيةِ بأنْ قالَ: «اشهَدوا على أنَّ فُلانًا وَصيِّي» فقط ولم يُقيِّدْه بشَيءٍ، ولم يَزِدْ على هذا؛ فإنَّه يَعمُّ كلَّ شَيءٍ، ويَعُمُّ تَزويجَ بَناتِه البالِغاتِ بإِذنِهن، أي: ويُقدَّمُ على العاصِبِ كالأَخِ والعَمِّ، وكذا تَزويجُ الثَّيبِ بأمرِها، وكذا تَزويجُ الصَّغيرةِ بشُروطِها بأنْ يَخافَ عليها
стр. 15003
الفَسادَ في مالِها أو حالِها ولا جَبْرَ له؛ لأنَّ التَّعميمَ لا يَقتَضيه، وإنَّما يُجبِرُ إنْ أمَرَه بالإِجبارِ أو عيَّنَ له الزَّوجَ، فله حينَئذٍ جَبْرُهن سَواءٌ كُنَّ صِغارًا أو كِبارًا.
وإلا بأنْ لم يَأمُرْه الأَبُ بالإِجبارِ ولا عيَّنَ له الزَّوجَ ففيه خِلافٌ، والراجِحُ الجَبْرُ إنْ ذكَرَ البُضعَ أو النِّكاحِ أو التَّزويجِ، بأنْ قالَ له الأَبُ: «أنت وَصيِّي على بُضعِ بَناتي أو على نِكاحِهن أو على تَزويجِهن أو على بِنتي، تَزوَّجْها أو زَوِّجْها مَنْ أحَبَّت»، وإنْ لم يَذكُرْ شَيئًا من الثَّلاثةِ فالراجِحُ عَدمُ الجَبْرِ، كما إذا قالَ: «أنتَ وَصيِّي على بَناتي أو على بعضِ بَناتي أو على بِنتي فُلانةَ»، وأمَّا إنْ قالَ: «أنتَ وَصيِّي» فقط، أو «على مالي»، أو «على بَيعِ تَركَتي» أو على قَبضِ دُيونِي فلا جَبْرَ له اتِّفاقًا.
وأمَّا إنْ قيَّدَ بأنْ قالَ: «أنتَ وَصيِّي على كذا» لشَيءٍ عيَّنَه؛ فإنَّه يَختَصُّ به ولا يَتعدَّاه، فإنْ تَعدَّاه لم يَنفُذْ، ك «وَصيِّي حتى يَقدمَ فُلانٌ»؛ فإنَّه يَكونُ وَصيًّا في جَميعِ الأَشياءِ حتى يَقدَمَ فُلانٌ، فإنْ قدِمَ انعزَلَ بمُجردِ قُدومِه ولو لم يَقبَلْ فُلانٌ الوَصيةَ، إلا لقَرينةٍ دالَّةٍ على اعتِبارِ القَبولِ في العَزلِ، وأنَّ المُرادَ: أنت وَصيِّي حتى يَقدمَ زَيدٌ ويَقبَلَ الوَصيةَ، فإنْ وُجدَت فلا يَنعزِلُ إلا إذا قدِمَ وقبِلَها.
وكذا لو قالَ: «فُلانٌ وَصيِّي إلا أنْ يَتزوَّجَ زَوجَتي فلا حَقَّ له» عُملَ بذلك، وكذا لو قال: «زَوجَتي وَصيَّتي إلى أنْ تَتزوَّجَ»؛ فإنَّه يُعملُ به فهي ما دامَت عَزباءَ وَصيةٌ، وإذا تزَوَّجت سقَطَ حَقُّها (١).
стр. 15004
وقالَ الشافِعيةُ: يُشتَرطُ بَيانُ ما يُوصي فيه وكَونُه تَصرُّفًا ماليًّا مُباحًا، كقَولِه: «فُلانٌ وَصيٌّ في قَضاءِ دَيني وتَنفيذِ وَصيَّتي والتَّصرفِ في مالِ أَطفالي أو في وَدائِعي»، ومتى خصَّصَ وِصايتَه بحِفظٍ ونَحوِه لم يَتجاوَزْه أو عمَّمَ اتُّبعَ.
ولو اقتصَرَ على قَولِه: «أَوصَيتُ إليك أو أقَمتُك مَقامي في أمرِ أَطفالي» ولم يَذكُرِ التَّصرفَ كانَ له التَّصرفُ في المالِ وحِفظِه؛ اعتِمادًا على العُرفِ على الصَّحيحِ من المَذهبِ.
والثاني: ليسَ له إلا الحِفظُ تَنزيلًا على الأقَلِّ.
والثالِثُ: لا تَصحُّ الوِصايةُ حتى يُبيِّنَ ما فوَّضَه إليه.
فإنِ اقتصَرَ على «أَوصَيت إليك»، ولم يُبيِّنِ المُوصَى فيه أُلغِيَ هذا الإِيصاءُ، كما لو قالَ: «وَكَّلتُك»، ولم يُبيِّنْ ما وَكَّل فيه، ولأنَّه لا عُرفَ يُحمَلُ عليه، ونازَعَ في ذلك السُّبكيُّ بأنَّ العُرفَ يَقتَضي أنَّه يَثبُت له جَميعُ التَّصرُّفاتِ، والمَذهبُ الأولُ (١).
стр. 15005
وقالَ الحَنابِلةُ: يَنعقِدُ الإِيصاءُ بقَولِ المُوصي: «فوَّضتُ إليك كذا، أو وَصَّيت إليك بكذا، أو وَصَّيت إلى زَيدٍ بكذا، أو أنت وَصيٌّ، أو هو -أي: زَيدٌ- وَصيٌّ في كذا، أو جعَلتُه -أي: زَيدًا- وَصيًّا، أو جعَلتُك وَصيِّي على كذا»، إلا أنَّه يُشتَرطُ ذِكرُ نَوعِ التَّصرفِ، فلا تَصحُّ الوَصيةُ إلا في تَصرفٍ مَعلومٍ -ليَعلمَ الوَصيُّ ما وَصَّى به إليه ليَحفظَه ويَتصرَّفَ فيه- يَملِكُ المُوصي فِعلَه؛ لأنَّه أَصيلٌ، والوَصيُّ فَرعُه، ولا يمَلِكُ الفَرعُ ما لا يَملكُه الأَصلُ كقَضاءِ الدَّينِ وتَفريقِ الوَصيةِ والنَّظرِ في أمرٍ غيرِ مُكلَّفٍ ورَدِّ الوَدائعِ إلى أهلِها واستِردادِها ممَّن هي عندَه، ورَدِّ غَصبٍ وإِمامٍ بخِلافِه وحَدِّ قَذفٍ؛ لأنَّ الوَصيَّ يَتصرَّفُ بالإِذنِ فلم يَجُزْ إلا في مَعلومٍ يَملكُه المُوصي كالوَكالةِ، فلا يَصحُّ الإِطلاقُ عندَهم، فلا بُدَّ من ذِكرِ مَحلِّ الإِيصاءِ وبَيانِه (١).
ثانيًا: القَبولُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإِيصاءَ لا يَصحُّ إلا بقَبولٍ من المُوصَى إليه؛ لأنَّه وَصيةٌ فلا تَتمُّ إلا بالقَبولِ كالوَصيةِ له، ولأنَّها عَقدُ تَصرفٍ كالوَكالةِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا هل يَصحُّ القَبولُ في حَياةِ المُوصي أو لا بُدَّ من أنْ يَكونَ بعدَ مَوتِه؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ القَبولُ من الوَصيِّ في حَياةِ المُوصي وبعدَ مَوتِه؛ لأنَّه
стр. 15006
أذِنَ له في التَّصرفِ فصَحَّ القَبولُ في الحالِ وبعدَ المَوتِ على تَفصيلٍ سيَأتي الآنَ في رُجوعِه.
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ إلى أنَّه لا يَصحُّ القَبولُ ولا الرَّدُّ في حَياةِ المُوصي، بل بعدَ مَوتِه؛ لأنَّه لم يَدخُلْ وَقتُ تَصرفِه؛ كالمُوصَى له بالمالِ، ولا يُشتَرطُ الفَورُ بعدَ المَوتِ، بل على التَّراخي على الأصَحِّ ما لم يَتعيَّنْ تَنفيذُ الوَصايا، وكذا إذا عرَضَها الحاكِمُ عليه عندَ ثُبوتِها عندَه، وتَبطُلُ بالرَّدِّ كأنْ يَقولَ: «لا أَقبلُ» (١).
رُجوعُ الوَصيِّ:
ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَصيَّ إذا قبِلَ الوَصيةَ في حَياةِ المُوصي بأنْ جعَلَه وَصيًّا على تَنفيذِ وَصيَّتِه أو قَضاءِ دَينِه أو على أَولادِه الصِّغارِ فقبِلَ ثم رَدَّ في حَياتِه وبعِلمِه يَصحُّ رَدُّه ورُجوعُه عنها.
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّه إذا قبِلَ الوَصيةَ في حَياةِ المُوصي فلا رُجوعَ له.
стр. 15007
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ إلى أنَّه لا يَصحُّ قَبولُه في حَياةِ المُوصي كما تقدَّمَ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا فيما لو رَدَّ ذلك بعدَ مَوتِ المُوصي أو في حَياتِه بغيرِ عِلمِه، هل يَصحُّ رَدُّه ورُجوعُه فيما أُوصيَ إليه فيه أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ وأَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ له الرُّجوعُ فيما أُوصيَ إليه فيه بعدَ مَوتِ المُوصي.
قالَ الحَنفيةُ: إذا أَوصَى إلى رَجلٍ، أي: جعَلَه وَصيًّا على تَنفيذِ وَصيتِه أو قَضاءِ دَينِه أو على أَولادِه الصِّغارِ فقبِلَ الوَصيُّ في وَجهِ المُوصي، أي: بعِلمِه، فإنْ رَدَّ عندَه بعِلمِه صَحَّ الرَّدُّ وبطَلَت الوَصيةُ؛ لأنَّ المُوصيَ ليسَ له إِلزامُه على قَبولِها؛ لأنَّه مُتبرعٌ بقَبولِها، والمُتبرعُ إنْ شاءَ أَقامَ على التَّبرعِ، وإنْ شاءَ رجَعَ.
وإنْ رَدَّها في غيرِ وَجهِه أو بغيرِ عِلمِ المُوصي في حَياتِه أو بعدَ مَوتِه فلا يَصحُّ الرَّدُّ، ويَبقَى وَصيًّا على ما كانَ؛ لأنَّ المُوصيَ ما أَوصَى إلا إلى مَنْ يَعتمِدُ عليه من الأَصدقاءِ والأُمناءِ، فلو صَحَّ رَدُّه بعدَ المَوتِ أو بلا عِلمِه تَضرَّرَ به وصارَ مَغرورًا من جِهتِه؛ لأنَّه اعتمَدَ على قَبولِه بأنْ يَقومَ بجَميعِ التَّصرفاتِ بعدَ وَفاتِه، والوَصيُّ بقَبولِ الوِصايةِ التزَمَ ذلك بمَحضَرٍ منه، فلو صَحَّ رَدُّه وقَعَ المُوصي في ضَررٍ، ويَصيرُ مَغرورًا من جِهةِ الوَصيِّ، فصارَت الوِصايةُ لازِمةً عليه شَرعًا بالتِزامِه؛ نَظرًا للمُوصي دَفعًا للضَّررِ عنه، بخِلافِ الوَصيةِ بالمالِ؛ لأنَّه لو لم يَصحَّ رَدُّه بعدَ مَوتِه لا يَتضرَّرُ المَيتُ؛ لأنَّه يَعودُ
стр. 15008
الثُّلثُ إلى الوَرثةِ، بل الضَّررُ على المُوصَى له؛ لأنَّ نَفعَ الأولِ بالوَصيةِ لنَفسِه، ونَفعَ الثاني للمُوصي، فكانَ في رَدِّه بغيرِ عِلمِه إِضرارٌ به، فلا يَجوزُ بخِلافِ الأولِ؛ لأنَّ المُوصَى به يَرجعُ إلى وَرثةِ المُوصي، ولا ضَررَ له في ذلك.
وأمَّا إذا لم يَقبَلْ ولم يَردَّ حتى ماتَ المُوصي فهو بالخيارِ، إنْ شاءَ قبِلَ وإنْ شاءَ لم يَقبَلْ؛ لأنَّ المُوصيَ ليسَ له وِلايةُ الإِلزامِ، فبَقيَ مُخيَّرًا، فلو أنَّه باعَ شَيئًا مِنْ تَركتِه فقد التزَمَه؛ لأنَّ هذا دِلالةُ الالتِزامِ والقَبولِ، وهو مُعتبَرٌ بعدَ المَوتِ، وسَواءٌ علِمَ بالوِصايةِ أو لم يَعلَمْ، بخِلافِ الوَكيلِ إذا لم يَعلَمْ بالتَّوكيلِ فباعَ حيثُ لا يَنفُذُ بَيعُه؛ لأنَّ الوَصيةَ خِلافةٌ؛ لأنَّها مُختصةٌ بحالِ انقِطاعِ وِلايةِ المَيتِ، فتَنتقِلُ الوِلايةُ إليه؛ لأنَّ الوَصيَّ يَخلُفُ المُوصيَ عندَ خَلاءِ مَكانِه كالوارِثِ، فإذا كانَت خِلافةً فالخِلافةُ لا تَتوقَّفُ على العِلمِ كالوِراثةِ، ألَا تَرى أنَّ الوارِثَ إذا باعَ شَيئًا من التَّركةِ بعدَ مَوتِ المُورثِ وهو لا يَعلَمُ بمَوتِه؛ فإنَّه يَجوزُ بَيعُه؟ كذلك الوَصيُّ، وليس كذلك التَّوكيلُ وعَزلُ الوَكيلِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إِنابةٌ لثُبوتِه في حالِ قيامِ وِلايةِ الحَيِّ فلا يَصحُّ من غيرِ عِلمٍ.
فإنْ قيلَ: كانَ يَجبُ ألَّا يَكونَ مُخيَّرًا؛ لأنَّه لمَّا بلَغَه الإِيصاءُ ولم يَردَّه اعتمَدَ عليه المُوصي ولم يُوصِ إلى غيرِه وفي ذلك ضَررٌ به، والضَّررُ مَرفوعٌ.
وأُجيبَ بأنَّ المُوصيَ مُغتَرٌّ حيثُ لم يَسأَلْه عن الرَّدِّ والقَبولِ فلا يَبطُلُ الاختيارُ، بخِلافِ ما إذا قبِلَ ثم رَدَّ في غَيبتِه؛ فإنَّه غارٌّ فيَبطُلُ اختيارُه.
стр. 15009
وإذا قبِلَ الوَصيُّ الوَصيةَ أو تَصرفَ بعدَ المَوتِ وأَرادَ أنْ يُخرجَ نَفسَه من الوَصيةِ لم يَجُزْ ذلك إلا عندَ الحاكِمِ؛ لأنَّه التزَمَ القيامَ بها، فعَزلُه لنَفسِه بغيرِ حَضرةِ المُوكِّلِ.
أمَّا إذا حضَرَ عندَ الحاكِمِ فالحاكِمُ قائِمٌ مَقامَ المُوصي؛ لعَجزِه عن استِيفاءِ حُقوقِه وصارَ كالوَكيلِ إذا عزَلَ نَفسَه بحَضرةِ المُوكِّلِ.
وإنْ لم يَقبَلْ حتى ماتَ المُوصي فقالَ: «لا أقبَلُ»، ثم قالَ: «أقبَلُ»، فله ذلك إنْ لم يَكُنِ القاضي أخرَجَه من الوَصيةِ حينَ قالَ: لا أقبَلُ؛ لأنَّه بمُجردِ قَولِه: «لا أقبَلُ» لا يَبطُلُ الإِيصاءُ؛ لأنَّ في إِبطالِه ضَررًا بالمَيتِ، وضَررُ الوَصيِّ في الإِبقاءِ مَجبورٌ بالثَّوابِ، ودَفعُ الأولِ وهو أعلى أوْلى، إلا أنَّ القاضيَ إذا أخرَجَه عن الوِصايةِ يَصحُّ ذلك؛ لأنَّه مُجتهِدٌ فيه؛ إذْ للقاضي وِلايةُ دَفعِ الضَّررِ، وربَّما يَعجِزُ عن ذلك فيَتضرَّرُ ببَقاءِ الوِصايةِ فيَدفعُ القاضي الضَّررَ عنه، ويُنصِّبُ حافِظًا لمالِ المَيتِ مُتصرِّفًا فيه فيَندفِعُ الضَّررُ من الجانبَينِ، فلهذا يَنفُذُ إِخراجُه، فلو قالَ بعدَ إِخراجِ القاضي إِياه: «أقبَلُ»، لم يُلتفَتْ إليه؛ لأنَّه قبِلَ بعدَ بُطلانِ الوِصايةِ بإِبطالِ القاضي (١).
وقالَ المالِكيةُ: للوَصيِّ عَزلُ نَفسِه من الإِيصاءِ في حَياةِ المُوصي؛ لأنَّ عَقدَها غيرُ لازِمٍ من الطَّرفَينِ، وللمُوصي أنْ يَعزلَ الوَصيَّ ولو بلا جَريمةٍ تُوجِبُ ذلك.
стр. 15010
وأمَّا إنْ قبِلَ بعدَ مَوتِ المُوصي وكذا في حَياتِه على الصَّحيحِ أو جاءَ منه ما يَدلُّ على القَبولِ من بَيعٍ أو شِراءٍ لزِمَته الوَصيةُ، ولم يَجُزْ له عَزلُ نَفسِه، وإنْ لم يَعلَمْ بأنَّه أَوصاه إلا بعدَ مَوتِه فله الامتِناعُ من القَبولِ، فإنْ لم يَقبَلْ فليسَ له بعدَ ذلك قَبولٌ.
وإنْ أبَى القَبولَ في حَياتِه أو بعدَ مَوتِه فلا قَبولَ له بعدَ ذلك؛ لأنَّ إِبايتَه صَيَّرته أجنَبيًّا، فقَبولُه بعدَها يَحتاجُ لإِيصاءٍ جَديدٍ وهو لا يُمكنُ بعدَ المَوتِ، فيَصيرُ النَّظرُ للحاكِمِ، فإنْ شاءَ جعَلَه مُقدَّمًا من طَرفِه وإنْ شاءَ قدَّمَ غيرَه (١).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ: إذا قبِلَ المُوصَى إليه ثم أَرادَ تَركَها لم يَجُزْ له ذلك إلا أنْ يَعجِزَ عنها أو يَظهَرَ له عُذرٌ في الامتِناعِ من المُقامِ عليها، خِلافًا للشافِعيِّ في إِجازتِه تَركَها؛ لأنَّها قُربةٌ وفِعلُ خَيرٍ ألزَمَه نَفسَه لم يَكنْ له الخُروجُ منه بغيرِ عُذرٍ اعتِبارًا بالصَّومِ والحَجِّ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الإِيصاءَ عَقدٌ جائِزٌ من الطَّرفَينِ، ويَجوزُ للمُوصي والوَصيِّ الرُّجوعُ في الوَصيةِ متى شاءَ، وله عَزلُ نَفسِه متى شاءَ، سَواءٌ في حَياةِ المُوصي أو بعدَ مَوتِه.
стр. 15011
قالَ الشافِعيةُ: عَقدُ الإِيصاءِ جائِزٌ من الطَّرفَينِ، وحينَئذٍ للمُوصي عَزلُ الوَصيِّ متى شاءَ، وللوَصيِّ الرُّجوعُ فيها مَتى شاءَ؛ لأنَّه تَصرفٌ بالإِذنِ فأشبَهَ الوَكالةَ، إلا أنَّه يَلزمُه إِعلامُ الحاكِمِ فَورًا وإلا ضمِنَ.
هذا إنْ لم تَتعيَّنْ عليه الوَصيةُ ولم يَغلِبْ على ظَنِّه تَلفُ المالِ باستِيلاءِ ظالِمٍ من قاضٍ وغيرِه، وإلا فليسَ له ذلك، ولا يَنفُذُ عَزلُه لكنْ لا يَلزمُه ذلك مَجانًا بل بالأُجرةِ، وهل له أنْ يَتولَّى أخذَها إنْ خافَ من إِعلامِ قاضٍ جائِرٍ لتَعذُّرِ الرَّفعِ إليه والتَّحكيمِ؛ لأنَّه لا بُدَّ فيه من رِضا الخَصمَينِ؟ قالَ ابنُ حَجرٍ: مَحلُّ نَظرٍ، ولو قيلَ بجَوازِه بشَرطِ إِخبارِ عَدلَينِ عارفَينِ له بقَدرِ أُجرةِ مِثلِه، ولا يَعتمِدُ مَعرفةَ نَفسِه احتياطًا لم يَبعُدْ (١).
قالَ الأذرَعيُّ: ولو غلَبَ على ظَنِّ المُوصي أنَّ عَزلَه لوَصيِّه مُضيِّعٌ لمَا عليه من الحُقوقِ أو لأَموالِ أَولادِه باستِيلاءِ ظالِمٍ أو لخُلوِّ الناحيةِ عن قاضٍ أَمينٍ فيَظهَرُ أنَّه لا يَجوزُ له عَزلُه. اه، قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وهو حَسنٌ (٢).
وقالَ الماوَرديُّ: إنْ كانَت بلا عِوضٍ جازَ، وإلا كانَت لازِمةً كعَقدِ الإِجارةِ (٣).
стр. 15012
وقالَ الرَّمليُّ: ويَمتنِعُ عليه عَزلُ نَفسِه أيضًا إذا كانَت إِجارةً بعِوضٍ، فإنْ كانَت بعِوضٍ من غيرِ عَقدٍ فهي جَعالةٌ، قاله الماوَرديُّ، وما اعتَرضَ به من أنَّ شَرطَ صِحةِ الإِجارةِ إِمكانُ الشُّروعِ في المُستأجِرِ له عَقبَ العَقدِ وهنا ليسَ كذلك، وإنَّ شَرطَها العِلمَ بأَعمالِها وأَعمالِ الوِصايةِ مَجهولةٌ، أَجابَ السُّبكيُّ عن الأولِ بأنَّ صُورتَه أنْ يَستأجِرَه المُوصي على أَعمالٍ لنَفسِه في حَياتِه ولطِفلِه بعدَ مَوتِه، أو يَستأجرَ الحاكِمُ على الاستِمرارِ على الوَصيةِ لمَصلحةٍ رآها بعدَ مَوتِ المُوصي، وأمَّا الثاني فجَوابُه كَونُ الغالِبِ عِلمُها وبأنَّ مَسيسَ الحاجةِ إليها اقتَضى المُسامَحةَ بالجَهلِ بها، وقَولُ الكافي: لا يَصحُّ الاستِئجارُ لذلك ضَعيفٌ، وإذا لزِمَت الوِصايةُ بالإِجارةِ وعجَزَ عنها استُؤجِرَ عليه من مالِه مَنْ يَقومُ مَقامَه فيما عجَزَ عنه، وجازَ ذلك مع أنَّها إِجارةُ عَينٍ وهي لا يُستَوفَى فيها من غيرِ المُعينِ؛ لمَا قالَه الأذرَعيُّ من أنَّ ضَعفَه بمَنزلةِ عَيبٍ حادِثٍ، فيَعملُ الحاكِمُ ما فيه المَصلحةُ من الاستِبدالِ به والضَّمِّ إليه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: للوَصيِّ عَزلُ نَفسِه متى شاءَ مع القُدرةِ والعَجزِ في حَياةِ المُوصي وبعدَ مَوتِه وفي حُضورِه وغَيبتِه؛ لأنَّه مُتصرِّفٌ بالإِذنِ كالوَكيلِ.
ويَتَّجهُ: ولا يَعودُ من عَزلِ نَفسِه وَصيًّا بلا عَقدٍ جَديدٍ لإِعراضِه عن الوِصايةِ باختِيارِه كالوَكيلِ إذا عزَلَ نَفسَه من الوَكالةِ؛ لأنَّه ترَكَ حَقَّه من عندِ نَفسِه فافتقَرَ عَودُه إلى عَقدٍ جَديدٍ من المُوصي إنْ كانَ مَوجودًا، أو مِنْ الحاكِمِ عندَ عَدمِ المُوصي.
стр. 15013
ونقَلَ الأثرَمُ وحَنبلٌ: له عَزلُ نَفسِه إنْ وجَدَ حاكِمًا كما قدَّمَه في «المُحرَّر» وقطَعَ به الحارِثيُّ؛ لأنَّ العَزلَ تَضييعٌ للأَمانةِ وإِبطالٌ لحَقِّ المُسلمِ، وكذا إنْ تعذَّرَ تَنفيذُ الحاكِمِ للمُوصى به لعَدمِ ثُبوتِه عندَه أو نَحوِ ذلك، أو غلَبَ على الظَّنِّ أنَّ الحاكِمَ يُسنِدُ إلى من ليسَ بأهلٍ أو أنَّ الحاكِمَ ظالِمٌ، ذكَرَه الحارِثيُّ.
وللمُوصي عَزلُه متى شاءَ كالمُوكِّلِ.
ويَجوزُ أنْ يَجعلَ المُوصي أو الحاكِمُ للوَصيِّ جُعلًا مَعلومًا كالوَكالةِ، ومُقاسَمةُ الوَصيِّ المُوصَى له نافِذةٌ على الوَرثةِ؛ لأنَّه نائِبٌ عنهم ففِعلُه كفِعلِهم، بخِلافِ مُقاسَمتِه للوَرثةِ على المُوصَى له؛ فإنَّها لا تَنفُذُ؛ لأنَّه ليسَ نائِبًا عنه كتَصرفِ الفُضوليِّ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَصحُّ قَبولُ الوَصيةِ ورَدُّها في حَياةِ المُوصي؛ لأنَّها إِذنٌ في التَّصرفِ فصَحَّ قَبولُه بعدَ العَقدِ كالوَكيلِ، بخِلافِ الوَصيةِ له؛ فإنَّها تَمليكٌ في وَقتٍ فلم يَصحَّ القَبولُ قبلَ الوَقتِ، ويَجوزُ تَأخيرُ القَبولِ إلى ما بعدَ المَوتِ؛ لأنَّها نَوعُ وَصيةٍ فصَحَّ قَبولُها بعدَ المَوتِ كالوَصيةِ له.
ومتى قبِلَ صارَ وَصيًّا، وله عَزلُ نَفسِه متى شاءَ مع القُدرةِ والعَجزِ في حَياةِ المُوصي وبعدَ مَوتِه بمَشهدٍ منه وفي غَيبتِه، وبهذا قالَ الشافِعيُّ.
стр. 15014
وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا يَجوزُ له ذلك بعدَ المَوتِ بحالٍ، ولا يَجوزُ في حَياتِه إلا بحَضرتِه؛ لأنَّه غرَّه بالتِزامِ وَصيَّتِه ومنَعَه بذلك الإِيصاءَ إلى غيرِه.
وذكَرَ ابنُ موسى في «الإِرشادِ» رِوايةً عن أَحمدَ ليسَ له عَزلُ نَفسِه بعدَ المَوتِ لذلك.
ولنا: أنَّه مُتصرِّفٌ بالإِذنِ فكانَ له عَزلُ نَفسِه كالوَكيلِ (١).
إذا فُكَّ الحَجرُ عن الصَّغيرِ واختَلفَ هو والوَصيُّ في قَدرِ النَّفقةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الوَصيَّ إذا أنفَقَ على الصَّغيرِ ثم بلَغَ ونازَعَه في الإِنفاقِ عليه بأنِ اختَلَفا فيها؛ فإنَّ الوَصيَّ يُصدَّقُ في ذلك بيَمينِه في قَدرِ النَّفقةِ أو في أَصلِ الإِنفاقِ إذا كانَ ذلك نَفقةَ مِثلِه أو يُشبِهُها؛ لعُسرِ إِقامةِ البَيِّنةِ على ذلك، وهو أَمينٌ؛ لأنَّه مُسلَّطٌ على الإِنفاقِ بنَفقةِ المِثلِ شَرعًا، وزادَ المالِكيةُ شَرطًا أنْ يَكونَ في حِجرِه، فإنْ لم يَكنْ في حِجرِه لا يُقبَلْ.
أمَّا إنِ ادَّعى الوَصيُّ الزِّيادةَ على النَّفقةِ بالمَعروفِ لم يُقبَلْ قَولُه فيما زادَ؛ لأنَّه إمَّا كاذِبٌ أو مُفرِّطٌ، ولا يُصدَّقُ في الفَضلِ؛ لأنَّه ليسَ بمُسلَّطٍ عليه شَرعًا؛ لأنَّه إِسرافٌ فلا يُصدَّقُ بيَمينِه (٢).
стр. 15015
إذا اختَلفَ الوَصيُّ والصَّبيُّ بعدَ بُلوغِه في دَفعِ المالِ إليه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَصيِّ إذا تنازَعَ مع الصَّبيِّ بعدَ بُلوغِه ورُشدِه، فقالَ الصَّبيُّ: «ادفَعْ إلَيَّ مالي الذي عندَك». وقالَ الوَصيُّ: «قد دفَعتُه إليك بعدَ بُلوغِك ورُشدِك». هل يُقبلُ قَولُ الوَصيِّ بيَمينِه أو لا يُقبلُ قَولُه إلا ببَيِّنةٍ تَشهدُ له؟
فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ إلى أنَّ الوَصيَّ إذا تنازَعَ مع الصَّبيِّ بعدَ بُلوغِه ورُشدِه فقالَ الصَّبيُّ: «ادفَعْ إلَيَّ مالي الذي عندَك». وقالَ الوَصيُّ: «قد دفَعتُه إليكَ بعدَ بُلوغِك ورُشدِك»، لا يُقبلُ قَولُ الوَصيِّ إلا ببَيِّنةٍ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] أيْ: لئلَّا تَغرَموا على المَشهورِ.
ولأنَّه لا يَعسُرُ إِقامةُ البَيِّنةِ عليه، وظاهِرُه عندَ المالِكيةِ: ولو كانَت المُنازَعةُ بعدَ طُولِ مُدةٍ.
وأمَّا لو ادَّعى أنَّه دفَعَ إليه المالَ قبلَ البُلوغِ فلا يُصدَّقُ ولو وافَقَه الصَّغيرُ (١).
стр. 15016
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ وعبدُ المَلكِ من المالِكيةِ إلى أنَّ القَولَ قَولُ الوَصيِّ أنَّه قد دفَعَ المالَ إليه يُصدَّقُ بيَمينِه، وأمَّا قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] فليس في الأمرِ بالإِشهادِ دَليلٌ على أنَّه غيرُ أَمينٍ ولا مُصدَّقٍ فيه؛ لأنَّ الإِشهادَ مَندوبٌ إليه في الأَماناتِ كهو في المَضموناتِ، ألَا تَرى أنَّه يَصحُّ الإِشهادُ على رَدِّ الأَماناتِ من الوَدائعِ كما يَصحُّ في أَداءِ المَضموناتِ من الدُّيونِ، فإذًا ليسَ في الأمرِ بالإِشهادِ دِلالةٌ على أنَّه غيرُ مُصدَّقٍ فيه إذا لم يُشهِدْ.
قالَ الجَصاصُ: فإنْ قيلَ: إذا كانَ مُصدَّقًا في الرَّدِّ فما مَعنى الإِشهادِ مع قَبولِ قَولِه بغيرِ بَيِّنةٍ؟
قيلَ: له فيه ما قدَّمنا ذِكرَه من ظُهورِ أَمانتِه والاحتياطِ له في زَوالِ التُّهمةِ عنه في ألَّا يُدعَى عليه بعدَما قد ظهَرَ رَدُّه، وفيه الاحتياطُ لليَتيمِ في ألَّا يَدَّعيَ ما يُظهِرُ كَذِبَه فيه، وفيه أيضًا سُقوطُ اليَمينِ عن الوَصيِّ إذا كانَت له بَيِّنةٌ في دَفعِه إليه، ولو لم يُشهِدْ وادَّعى اليَتيمُ أنَّه لم يَدفَعْه كانَ القَولُ قَولَ الوَصيِّ مع يَمينِه، وإذا أشهَدَ فلا يَمينَ عليه، فهذه المَعاني كلُّها مُضمَّنةٌ بالإِشهادِ، وإنْ كانَ أَمانةً في يَدِه، ويَدلُّ على أنَّه مُصدَّقٌ فيه بغيرِ إِشهادٍ اتِّفاقُ الجَميعِ على أنَّه مَأمورٌ بحِفظِه وإِمساكِه على وَجهِ الأَمانةِ حتى يُوصلَه إلى اليَتيمِ في وَقتِ استِحقاقِه، فهو بمَنزِلةِ الوَدائعِ والمُضارباتِ وما جَرى مَجراها من
стр. 15017
الأَماناتِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ مُصدَّقًا على الرَّدِّ كما يُصدَّقُ على رَدِّ الوَديعةِ، والدَّليلُ على أنَّه أَمانةٌ أنَّ اليَتيمَ لو صدَّقَه على الهَلاكِ لم يَضمَنْه، كما أنَّ المُودِعَ إذا صدَّقَ المُودَعَ في هَلاكِ الوَديعةِ لم يَضمَنْه.
وأمَّا قَولُ الشافِعيِّ: إنَّه لمَّا لم يَأتمِنْهم الأَيتامُ لم يُصدَّقوا» فقَولٌ ظاهِرُ الاختِلالِ بَعيدٌ من مَعاني الفِقهِ مُنتقَضٌ فاسِدٌ؛ لأنَّه لو كانَ ما ذكَرَه عِلةً لنَفيِ التَّصديقِ لوجَبَ ألَّا يُصدَّقَ القاضي إذا قالَ لليَتيمِ: «قد دفَعتُه إليك»؛ لأنَّه لم يَأتمِنْه، وكذلك يَلزمُه أنْ يَقولَ في الأَبِ إذا قالَ بعدَ بُلوغِ الصَّغيرِ: «قد دفَعتُ إليك مالَك» ألَّا يُصدِّقَه؛ لأنَّه لم يَأتمِنْه، ويَلزمُه أيضًا أنْ يُوجبَ عليهم الضَّمانَ إذا تَصادَقوا بعدَ البُلوغِ أنَّه قد هلَكَ؛ لأنَّه أمسَكَ مالَه من غيرِ ائتِمانٍ له عليه، وأمَّا تَشبيهُه إياه بالوَكيلِ بدَفعِ المالِ إلى غيرِه فتَشبيهٌ بَعيدٌ، ومع ذلك فلا فَرقَ بينَهما من الوَجهِ الذي صدَّقنا فيه الوَصيَّ؛ لأنَّ الوَكيلَ مُصدَّقٌ أيضًا في بَراءةِ نَفسِه وغيرُ مُصدَّقٍ في إِيجابِ الضَّمانِ ودَفعِه إلى غيرِه، وإنَّما لم يُقبَلْ قَولُه على المَأمورِ بالدَّفعِ إليه، فأمَّا في بَراءةِ نَفسِه فهو مُصدَّقٌ كما صدَّقنا الوَصيَّ على الرَّدِّ بعدَ البُلوغِ، وأيضًا؛ فإنَّ الوَصيَّ في مَعنى من يَتصرَّفُ على اليَتيمِ بإِذنِه، ألَا تَرى أنَّه يَجوزُ تَصرفُه عليه في البَيعِ والشِّراءِ كجَوازِ تَصرفِ أَبيه؟ فإذا كانَ إِمساكُ الوَصيِّ المالَ بائتِمانِ الأَبِ له عليه، وكانَ إِذنُ الأَبِ جائِزًا على الصَّغيرِ صارَ كأنَّه مُمسِكٌ له بعدَ البُلوغِ بإِذنِه، فلا فَرقَ بينَه وبينَ المُودَعِ (١).
стр. 15018
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنِ اختَلَفا في دَفعِ المالِ إليه بعدَ بُلوغِه فالقَولُ قَولُ الوَصيِّ؛ لأنَّه أَمينٌ في ذلك فقُبلَ قَولُه فيه كالنَّفقةِ وكالمُودَعِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا فيما إذا ادَّعى الوَصيُّ دَفعَ المالِ إلى اليَتيمِ بعدَ بُلوغِه؟
فقالَ أَبو حَنيفةَ وأَحمدُ: القَولُ قَولُ الوَصيِّ مع يَمينِه، وكذلك الحُكمُ في الأَبِ والحاكِمِ والشَّريكِ والمُضارِبِ.
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: لا يُقبلُ قَولُ الوَصيِّ إلا ببَيِّنةٍ، واستَثنَى الشافِعيُّ الشَّريكَ والمُضارِبَ، فذكَرَ فيهما قولَينِ (٢).
إذا أَوصَى إلى رَجلٍ بتَفريقِ ثُلثِ مالِه هل له أنْ يأخُذَ منه؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَوصَى إلى رَجلٍ بثُلثِ مالِه فقالَ: «ضَعْه حيثُ شِئتَ»، هل له أنْ يَصرفَه لنَفسِه أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَصرفَه لنَفسِه.
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ له أنْ يَدفعَه إلى نَفسِه، وأنْ يُعطيَه بعضَ أَولادِه (٣).
стр. 15019
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا فيما إذا أَوصَى إلى رَجلٍ بثُلثِ مالِه فقال له: «ضَعْه حيثُ شِئتَ»، فقالَ أَبو حَنيفةَ: له أنْ يَدفعَه إلى نَفسِه وأنْ يُعطيَه بعضَ أَولادِه.
وقالَ مالِكٌ وأَحمدُ والشافِعيُّ: ليسَ له ذلك، واستَثنَى مالِكٌ ألَّا يَكونَ لذلك أَهلًا (١).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ ﵀: إذا قالَ: «ضَعْ ثُلثي حيثُ شِئتَ، أو اجعَلْه حيثُ أحبَبتَ، أو أعطِه مَنْ أحبَبتَ»، فذلك كلُّه سَواءٌ لا يَأخذُ لنَفسِه شَيئًا ولا لوَلدِه، إلا أنْ يَكونَ لذلك وَجهٌ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: إذا قالَ: «اجعَلْه حيثُ شِئتَ، أو ضَعْه حيثُ أحبَبتَ»، فله أنْ يأخُذَه لنَفسِه أو بعضِ وَلدِه، ولو قالَ: «أَعطِه مَنْ أحبَبتَ»، لم يَكنْ له أنْ يَأخُذَه لنَفسِه، فالكَلامُ في مَوضعَينِ: أَحدُهما: أنَّه ليسَ له أنْ يأخُذَ لنَفسِه شَيئًا إلا أنْ يَكونَ لذلك وَجهٌ، والآخَرُ: أنَّه لا فَرقَ بينَ اللَّفظَينِ.
فدَليلُنا على الأولِ مَفهومُ هذه الأَلفاظِ في الشَّرعِ أنَّها عِبارةٌ عن الاجتِهادِ بقَدرِ فِعلِ الإِمامِ فيه ما رأى، وقد وضَعَه حيثُ أَراه اللهُ ، مَفهومُه أنَّه قد وكَّلَ ذلك إلى رأيِه، وجعَلَه إلى اجتِهادِه، وقد عُلمَ أنَّ المُوصيَ بالثُّلثِ غَرضُه وَضعُه في وُجوهِ القُربِ، وأنَّه إنَّما وكَلَه إلى
стр. 15020
المُوصَى له ليَنظرَ أنفَعَ الوُجوهِ له فيَجعلَه فيه، فلو أَرادَ أنْ يأخُذَ هو منه لقالَ له: «أو لك منه كذا»، وما أشبَهَ ذلك من أَلفاظِ التَّمليكِ، وقياسًا على قَولِه: «أعطِه مَنْ شِئتَ».
ودَليلُنا على الثاني قَولُه: «ضَعْه»، بمَنزلةِ قَولِه: «أَعطِه مَنْ شِئتَ»؛ لأنَّ مَفهومَ اللَّفظَينِ واحِدٌ، ولأنَّه جعَلَ صَرفَها مَوكولًا إلى مَشيئتِه، كما لو قالَ: «أَعطِه مَنْ شِئتَ» (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا أَوصَى إليه بتَفريقِ مالٍ لم يَكنْ له أخذُ شَيءٍ منه، نَصَّ عليه أَحمدُ، فقالَ: إذا كانَ في يَدِه مالٌ للمَساكينِ وأَبوابِ البِرِّ وهو يَحتاجُ إليه فلا يَأكُلْ منه شَيئًا، إنَّما أُمرَ بتَنفيذِه، وبهذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ.
وقالَ أَبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ: إذا قالَ المُوصي: «جعَلتُ لك أنْ تَضعَ ثُلثي حيثُ شِئتَ، أو حيثُ رَأيتَ»، فله أخذُه لنَفسِه ووَلدِه.
ويَحتمِلُ أنْ يَجوزَ ذلك عندَنا؛ لأنَّه يَتناوَلُه لَفظُ المُوصي، ويَحتمِلُ أنْ يَنظُرَ إلى قَرائنِ الأَحوالِ، فإنْ دلَّت على أنَّه أَرادَ أخذَه منه مِثلَ أنْ يَكونَ من جُملةِ المُستحِقِّينَ الذين يُصرفُ إليهم ذلك أو تَكونَ عادَتُه الأخذَ من مِثلِه فله الأخذُ منه، وإلا فلا، ويَحتملُ أنَّ له إِعطاءَ وَلدِه وسائِرِ أَقاربِه إذا كانوا مُستحِقِّينَ دونَ نَفسِه؛ لأنَّه مَأمورٌ بالتَّفريقِ، وقد فرَّقَ فيمَن يَستحِقُّ فأشبَهَ ما لو دُفِعَ إلى أجنَبيٍّ.