وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ وعبدُ المَلكِ من المالِكيةِ إلى أنَّ القَولَ قَولُ الوَصيِّ أنَّه قد دفَعَ المالَ إليه يُصدَّقُ بيَمينِه، وأمَّا قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] فليس في الأمرِ بالإِشهادِ دَليلٌ على أنَّه غيرُ أَمينٍ ولا مُصدَّقٍ فيه؛ لأنَّ الإِشهادَ مَندوبٌ إليه في الأَماناتِ كهو في المَضموناتِ، ألَا تَرى أنَّه يَصحُّ الإِشهادُ على رَدِّ الأَماناتِ من الوَدائعِ كما يَصحُّ في أَداءِ المَضموناتِ من الدُّيونِ، فإذًا ليسَ في الأمرِ بالإِشهادِ دِلالةٌ على أنَّه غيرُ مُصدَّقٍ فيه إذا لم يُشهِدْ.
قالَ الجَصاصُ: فإنْ قيلَ: إذا كانَ مُصدَّقًا في الرَّدِّ فما مَعنى الإِشهادِ مع قَبولِ قَولِه بغيرِ بَيِّنةٍ؟
قيلَ: له فيه ما قدَّمنا ذِكرَه من ظُهورِ أَمانتِه والاحتياطِ له في زَوالِ التُّهمةِ عنه في ألَّا يُدعَى عليه بعدَما قد ظهَرَ رَدُّه، وفيه الاحتياطُ لليَتيمِ في ألَّا يَدَّعيَ ما يُظهِرُ كَذِبَه فيه، وفيه أيضًا سُقوطُ اليَمينِ عن الوَصيِّ إذا كانَت له بَيِّنةٌ في دَفعِه إليه، ولو لم يُشهِدْ وادَّعى اليَتيمُ أنَّه لم يَدفَعْه كانَ القَولُ قَولَ الوَصيِّ مع يَمينِه، وإذا أشهَدَ فلا يَمينَ عليه، فهذه المَعاني كلُّها مُضمَّنةٌ بالإِشهادِ، وإنْ كانَ أَمانةً في يَدِه، ويَدلُّ على أنَّه مُصدَّقٌ فيه بغيرِ إِشهادٍ اتِّفاقُ الجَميعِ على أنَّه مَأمورٌ بحِفظِه وإِمساكِه على وَجهِ الأَمانةِ حتى يُوصلَه إلى اليَتيمِ في وَقتِ استِحقاقِه، فهو بمَنزِلةِ الوَدائعِ والمُضارباتِ وما جَرى مَجراها من
стр. 15017
الأَماناتِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ مُصدَّقًا على الرَّدِّ كما يُصدَّقُ على رَدِّ الوَديعةِ، والدَّليلُ على أنَّه أَمانةٌ أنَّ اليَتيمَ لو صدَّقَه على الهَلاكِ لم يَضمَنْه، كما أنَّ المُودِعَ إذا صدَّقَ المُودَعَ في هَلاكِ الوَديعةِ لم يَضمَنْه.
وأمَّا قَولُ الشافِعيِّ: إنَّه لمَّا لم يَأتمِنْهم الأَيتامُ لم يُصدَّقوا» فقَولٌ ظاهِرُ الاختِلالِ بَعيدٌ من مَعاني الفِقهِ مُنتقَضٌ فاسِدٌ؛ لأنَّه لو كانَ ما ذكَرَه عِلةً لنَفيِ التَّصديقِ لوجَبَ ألَّا يُصدَّقَ القاضي إذا قالَ لليَتيمِ: «قد دفَعتُه إليك»؛ لأنَّه لم يَأتمِنْه، وكذلك يَلزمُه أنْ يَقولَ في الأَبِ إذا قالَ بعدَ بُلوغِ الصَّغيرِ: «قد دفَعتُ إليك مالَك» ألَّا يُصدِّقَه؛ لأنَّه لم يَأتمِنْه، ويَلزمُه أيضًا أنْ يُوجبَ عليهم الضَّمانَ إذا تَصادَقوا بعدَ البُلوغِ أنَّه قد هلَكَ؛ لأنَّه أمسَكَ مالَه من غيرِ ائتِمانٍ له عليه، وأمَّا تَشبيهُه إياه بالوَكيلِ بدَفعِ المالِ إلى غيرِه فتَشبيهٌ بَعيدٌ، ومع ذلك فلا فَرقَ بينَهما من الوَجهِ الذي صدَّقنا فيه الوَصيَّ؛ لأنَّ الوَكيلَ مُصدَّقٌ أيضًا في بَراءةِ نَفسِه وغيرُ مُصدَّقٍ في إِيجابِ الضَّمانِ ودَفعِه إلى غيرِه، وإنَّما لم يُقبَلْ قَولُه على المَأمورِ بالدَّفعِ إليه، فأمَّا في بَراءةِ نَفسِه فهو مُصدَّقٌ كما صدَّقنا الوَصيَّ على الرَّدِّ بعدَ البُلوغِ، وأيضًا؛ فإنَّ الوَصيَّ في مَعنى من يَتصرَّفُ على اليَتيمِ بإِذنِه، ألَا تَرى أنَّه يَجوزُ تَصرفُه عليه في البَيعِ والشِّراءِ كجَوازِ تَصرفِ أَبيه؟ فإذا كانَ إِمساكُ الوَصيِّ المالَ بائتِمانِ الأَبِ له عليه، وكانَ إِذنُ الأَبِ جائِزًا على الصَّغيرِ صارَ كأنَّه مُمسِكٌ له بعدَ البُلوغِ بإِذنِه، فلا فَرقَ بينَه وبينَ المُودَعِ (١).
стр. 15018
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنِ اختَلَفا في دَفعِ المالِ إليه بعدَ بُلوغِه فالقَولُ قَولُ الوَصيِّ؛ لأنَّه أَمينٌ في ذلك فقُبلَ قَولُه فيه كالنَّفقةِ وكالمُودَعِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا فيما إذا ادَّعى الوَصيُّ دَفعَ المالِ إلى اليَتيمِ بعدَ بُلوغِه؟
فقالَ أَبو حَنيفةَ وأَحمدُ: القَولُ قَولُ الوَصيِّ مع يَمينِه، وكذلك الحُكمُ في الأَبِ والحاكِمِ والشَّريكِ والمُضارِبِ.
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: لا يُقبلُ قَولُ الوَصيِّ إلا ببَيِّنةٍ، واستَثنَى الشافِعيُّ الشَّريكَ والمُضارِبَ، فذكَرَ فيهما قولَينِ (٢).
إذا أَوصَى إلى رَجلٍ بتَفريقِ ثُلثِ مالِه هل له أنْ يأخُذَ منه؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَوصَى إلى رَجلٍ بثُلثِ مالِه فقالَ: «ضَعْه حيثُ شِئتَ»، هل له أنْ يَصرفَه لنَفسِه أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَصرفَه لنَفسِه.
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ له أنْ يَدفعَه إلى نَفسِه، وأنْ يُعطيَه بعضَ أَولادِه (٣).
стр. 15019
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا فيما إذا أَوصَى إلى رَجلٍ بثُلثِ مالِه فقال له: «ضَعْه حيثُ شِئتَ»، فقالَ أَبو حَنيفةَ: له أنْ يَدفعَه إلى نَفسِه وأنْ يُعطيَه بعضَ أَولادِه.
وقالَ مالِكٌ وأَحمدُ والشافِعيُّ: ليسَ له ذلك، واستَثنَى مالِكٌ ألَّا يَكونَ لذلك أَهلًا (١).
وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ ﵀: إذا قالَ: «ضَعْ ثُلثي حيثُ شِئتَ، أو اجعَلْه حيثُ أحبَبتَ، أو أعطِه مَنْ أحبَبتَ»، فذلك كلُّه سَواءٌ لا يَأخذُ لنَفسِه شَيئًا ولا لوَلدِه، إلا أنْ يَكونَ لذلك وَجهٌ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: إذا قالَ: «اجعَلْه حيثُ شِئتَ، أو ضَعْه حيثُ أحبَبتَ»، فله أنْ يأخُذَه لنَفسِه أو بعضِ وَلدِه، ولو قالَ: «أَعطِه مَنْ أحبَبتَ»، لم يَكنْ له أنْ يَأخُذَه لنَفسِه، فالكَلامُ في مَوضعَينِ: أَحدُهما: أنَّه ليسَ له أنْ يأخُذَ لنَفسِه شَيئًا إلا أنْ يَكونَ لذلك وَجهٌ، والآخَرُ: أنَّه لا فَرقَ بينَ اللَّفظَينِ.
فدَليلُنا على الأولِ مَفهومُ هذه الأَلفاظِ في الشَّرعِ أنَّها عِبارةٌ عن الاجتِهادِ بقَدرِ فِعلِ الإِمامِ فيه ما رأى، وقد وضَعَه حيثُ أَراه اللهُ ، مَفهومُه أنَّه قد وكَّلَ ذلك إلى رأيِه، وجعَلَه إلى اجتِهادِه، وقد عُلمَ أنَّ المُوصيَ بالثُّلثِ غَرضُه وَضعُه في وُجوهِ القُربِ، وأنَّه إنَّما وكَلَه إلى
стр. 15020
المُوصَى له ليَنظرَ أنفَعَ الوُجوهِ له فيَجعلَه فيه، فلو أَرادَ أنْ يأخُذَ هو منه لقالَ له: «أو لك منه كذا»، وما أشبَهَ ذلك من أَلفاظِ التَّمليكِ، وقياسًا على قَولِه: «أعطِه مَنْ شِئتَ».
ودَليلُنا على الثاني قَولُه: «ضَعْه»، بمَنزلةِ قَولِه: «أَعطِه مَنْ شِئتَ»؛ لأنَّ مَفهومَ اللَّفظَينِ واحِدٌ، ولأنَّه جعَلَ صَرفَها مَوكولًا إلى مَشيئتِه، كما لو قالَ: «أَعطِه مَنْ شِئتَ» (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا أَوصَى إليه بتَفريقِ مالٍ لم يَكنْ له أخذُ شَيءٍ منه، نَصَّ عليه أَحمدُ، فقالَ: إذا كانَ في يَدِه مالٌ للمَساكينِ وأَبوابِ البِرِّ وهو يَحتاجُ إليه فلا يَأكُلْ منه شَيئًا، إنَّما أُمرَ بتَنفيذِه، وبهذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ.
وقالَ أَبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ: إذا قالَ المُوصي: «جعَلتُ لك أنْ تَضعَ ثُلثي حيثُ شِئتَ، أو حيثُ رَأيتَ»، فله أخذُه لنَفسِه ووَلدِه.
ويَحتمِلُ أنْ يَجوزَ ذلك عندَنا؛ لأنَّه يَتناوَلُه لَفظُ المُوصي، ويَحتمِلُ أنْ يَنظُرَ إلى قَرائنِ الأَحوالِ، فإنْ دلَّت على أنَّه أَرادَ أخذَه منه مِثلَ أنْ يَكونَ من جُملةِ المُستحِقِّينَ الذين يُصرفُ إليهم ذلك أو تَكونَ عادَتُه الأخذَ من مِثلِه فله الأخذُ منه، وإلا فلا، ويَحتملُ أنَّ له إِعطاءَ وَلدِه وسائِرِ أَقاربِه إذا كانوا مُستحِقِّينَ دونَ نَفسِه؛ لأنَّه مَأمورٌ بالتَّفريقِ، وقد فرَّقَ فيمَن يَستحِقُّ فأشبَهَ ما لو دُفِعَ إلى أجنَبيٍّ.
стр. 15021
ولنا: أنَّه تَمليكٌ ملَكَه بالإِذنِ فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ قابِلًا، كما لو وكَّلَه في بَيعِ سِلعةٍ لم يَجُزْ له بَيعُها من نَفسِه (١).
وقالَ الإِمامُ المِرداويُّ: قَولُه: (وإذا قالَ: «ضَعْ ثُلثِي حيثُ شِئتَ أو أَعطِه مَنْ شِئتَ» لم يَجُزْ له أخذُه ولا دَفعُه إلى وَلدِه)، هذا المَذهبُ، وعليه أكثَرُ الأَصحابِ ونَصَّ عليه وجزَمَ به في «الوَجيز» وغيرِه، وقدَّمه في «المُغني» و «الشَّرح» و «النظم» و «الرِّعايتَين» و «الحاوي الصغير» و «الفُروع» و «الفائِق»، وقالَ: اختارَه الأكثَرونَ في الوَلدِ.
ويَحتمِلُ جَوازَ ذلك لتَناولِ اللَّفظِ له، ويَحتملُ جَوازَ ذلك مع القَرينةِ فقط.
واختارَ المُصنفُ والمَجدُ جَوازَ دَفعِه إلى وَلدِه، قالَ الحارِثيُّ: وهو المَذهبُ.
وذُكرَ في كُتبِ الفِقهِ مَرفوعًا: «إنَّ اللهَ تَعالى لم يَكِلْ قَسْمَ مَواريثِكم إلى مَلِكٍ مُقرَّبٍ ولا إلى نَبيٍّ مُرسَلٍ، ولكنْ توَلَّى رَبُّنا بَيانَها فقسَّمَها أبيَنَ قَسْمٍ، ألَا لا وَصيةَ لوارِثٍ» (١).
أَهميةُ تَعلُّمِ عِلمِ الفَرائضِ:
عِلمُ الفَرائضِ والمَواريثِ له أَهميةٌ عَظيمةٌ في الدِّينِ، ومِن أجْلِ هذا حَثَّ النَّبيُّ ﷺ وحَضَّ على تَعلُّمِها وتَعليمِها.
فعن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «يا أَبا هُريرةَ، تَعلَّموا الفَرائضَ وعَلِّموها؛ فإنَّه نِصفُ العِلمِ وهو يُنسَى وهو أولُ شَيءٍ يُنزعُ من أُمَّتي» (٢).
وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ لي رَسولُ اللهِ ﷺ : «تَعلَّموا العِلمَ وعَلِّموه الناسَ، تَعلَّموا الفَرائضَ وعَلِّموه الناسَ، تَعلَّموا القُرآنَ وعَلِّموه الناسَ؛ فإنَّي امرُؤٌ مَقبوضٌ، والعِلمُ سيُقبَضُ وتَظهرُ الفِتنُ حتى يَختلِفَ اثنانِ في فَريضةٍ لا يَجدانِ أحَدًا يَفصِلُ بينَهما» (٣).
والأَحاديثُ والآثارُ في فَضلِ تَعلُّمِه وتَعليمِه كَثيرةٌ.
стр. 15027
التَّوارثُ في الجاهِليةِ وأولِ الإِسلامِ:
كانَ أهلُ الجاهِليةِ يُورِّثونَ الرِّجالَ دونَ النِّساءِ، والكِبارَ دونَ الصِّغارِ، ويَجعَلونَ حَظَّ الزَّوجةِ أنْ يُنفَقَ عليها من مالِ الزَّوجِ سَنةً، ويُورِّثونَ الأخَ زَوجةَ أخيه.
وكانَ التَّوارثُ في الجاهِليةِ وأولِ الإِسلامِ بالحِلفِ والنُّصرةِ، فكانَ الرَّجلُ يَقولُ للرَّجلِ: تَنصُرني وأنصُرُك، وتَرثُني وأرِثُك، وتَعقلُ عني وأعقِلُ عنك، وربَّما تَحالَفا على ذلك، فإذا كانَ لأَحدِهما وَلدٌ كانَ الحَليفُ كأحدِ أَولادِ حَليفِه، وإنْ لم يَكنْ له وَلدٌ كانَ جَميعُ المالِ للحَليفِ، فجاءَ الإِسلامُ والناسُ على هذا، فأقَرَّهم اللهُ تَعالى على ذلك في صَدرِ الإِسلامِ بقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣].
ورُويَ أنَّ أَبا بَكرٍ ﵁ حالَفَ رَجلًا، فماتَ، فورِثَه أَبو بَكرٍ. ثم نُسخَ ذلك وجُعلَ التَّوارثُ بالإِسلامِ والهِجرةِ، فكانَ الرَّجلُ إذا أسلَمَ وهاجَرَ ورِثَه مَنْ أسلَمَ وهاجَرَ معه من مُناسبِيه دونَ من لم يُهاجِرْ معه مِنْ مُناسبِيه، مِثلَ: أنْ يَكونَ له أخٌ وابنٌ مُسلِمانِ، فهاجَرَ معه الأخُ دونَ الابنِ فيَرثُه أَخوه دونَ ابنِه.
والدَّليلُ عليه قَولُه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢].
стр. 15028
ثم نسَخَ اللهُ ذلك بالمِيراثِ بالرَّحمِ بقَولِه تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦]، وفسَّرَ المَعروفَ بالوَصيةِ.
وأيضًا نُسخَ بعدَ ذلك بالوَصيةِ الواجِبةِ للوالدَينِ والأَقرَبينَ.
ثم نُسخَ بعدَ ذلك بآيَتَي المَواريثِ: آيةِ الشِّتاءِ التي في أولِ النِّساءِ وآيةِ الصَّيفِ التي في آخِرِها.
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]. فذكَرَ أنَّ لهم نَصيبًا في هذه الآيةِ ولم يُبيِّنْ قَدرَه، ثم بيَّنَ قَدرَ ما يَستحِقُّه كلُّ وارِثٍ في ثَلاثةِ مَواضعَ من كِتابِه فلمَّا نزَلَت هذه الآياتُ قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ اللهَ قد أَعطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه فلا وَصيةَ لوارِثٍ» (١)(٢).
مَشروعيةُ الإِرثِ:
لا شَكَّ أنَّ الإِرثَ مَشروعٌ في الإِسلامِ ومُقرَّرٌ بنَصِّ القُرآنِ والسُّنةِ وإِجماعِ الأُمةِ، ولا شَكَّ أيضًا أنَّ مَنْ أنكَرَ مَشروعيتَه فهو كافِرٌ مُرتدٌّ عن
стр. 15029
الإِسلامِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧].
وآياتُ المَواريثِ مَعروفةٌ وواضِحةٌ في تَقريرِ مَشروعيةِ الإِرثِ.
وأَحاديثُ المُصطَفى أيضًا كَثيرةٌ في المَوضوعِ نَفسِه، ومنها قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أَلحِقوا الفَرائضَ بأَهلِها فما بَقيَ فهو لأَوْلَى رَجلٍ ذَكرٍ» (١).
والإِجماعُ مُنعقِدٌ على تَشريعِ الإِرثِ، لم يُخالِفْ في ذلك أحَدٌ من المُسلِمينَ.
مَوضوعُ عِلمِ الفَرائضِ:
إنَّ مَوضوعَ عِلمِ الفَرائِضِ هو التَّركةُ.
تَعريفُ التَّركةِ:
التَّركةُ: هي جَميعُ ما يُخلِّفُه المَيتُ بعدَ مَوتِه، من أَموالٍ مَنقولةٍ كالذَّهبِ والفِضةِ وسائِرِ النُّقودِ والأَثاثِ، أو غيرِ مَنقولةٍ كالأَراضي والدُّورِ وغيرِها، فجَميعُ ذلك داخِلٌ في مَفهومِ التَّركةِ، ويَجبُ إِعطاؤُه لمَن يَستحِقُّه.
ما يَخرجُ من تَركةِ المَيتِ أولًا قبلَ تَوريثِها والحُقوقُ المُتعَلقةُ بها:
الحُقوقُ المُتعلِّقةُ بالتَّركةِ باستِقراءِ الفُقهاءِ هي على التَّرتيبِ الآتي:
١ - يُبدأُ من تَركةِ المَيتِ بمُؤنِ تَجهيزِه بالمَعروفِ، فتُقدَّمُ على الدُّيونِ من كَفنٍ وغُسلٍ وحَملٍ وغيرِ ذلك، وهذا قَولُ أكثَرِ الفُقهاءِ.
стр. 15030
٢ - قَضاءُ دَينِه: يُقدَّمُ من رأسِ المالِ على الوَصايا لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وقالَ علِيٌّ ﵁: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى أنَّ الدَّينَ قبلَ الوَصيةِ» (١).
قالَ العِمرانِيُّ ﵀: وأَجمَعت الأُمةُ: على أنَّ الدَّينَ مُقدَّمٌ على الوَصيةِ (٢).
٣ - ثم وَصاياه من ثُلثِ الباقي بعدَ ما تقدَّمَ.
٤ - ثم الباقي بعدَ الوَصايا يَكونُ لوارِثِه فَرضًا أو تَعصيبًا، أو هُمَا (٣).
أَركانُ الإِرثِ ثَلاثةٌ:
١ - المَورثُ: وهو المَيتُ الذي يَستحِقُّ غيرُه أنْ يَرثَه.
٢ - الوارِثُ: وهو مَنْ يَنتَمي إلى المَيتِ بسَببٍ من أَسبابِ الإِرثِ الآتي بَيانُها.
٣ - المَوروثُ: وهو التَّركةُ التي يُخلِّفُها المَيتُ بعدَ مَوتِه.
اعلَمْ أنَّ الإِرثَ يَتوقَّفُ على ثَلاثةِ أُمورٍ كما يلي: أَسبابُه، وشُروطُه، وانتِفاءُ مَوانِعِه.
стр. 15031
الأَمرُ الأولُ: أَسبابُ الإِرثِ:
الأَسبابُ: جَمعُ «سَبَب»، وهو لُغةً: ما يُتوصَّلُ به إلى غيرِه، واصطِلاحًا: ما يَلزمُ من وُجودِه الوُجودُ، ومن عَدمِه العَدمُ لذاتِه.
وأَسبابُ الإِرثِ -وهو انتِقالُ مالِ المَيتِ إلى حَيٍّ بعدَه- ثَلاثةٌ بإِجماعِ أهلِ العِلمِ: النَّسبُ (أو الرَّحمُ) والنِّكاحُ والوَلاءُ.
قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ الأَسبابَ المُتوارَثَ بها ثَلاثةٌ: رَحِمٌ، أي: نَسبٌ ونِكاحٌ ووَلاءٌ (١).
وقد تَجتمِعُ الأَشياءُ الثَّلاثةُ فيَكونُ الرَّجلُ زَوجًا لمَرأةٍ ومَولاها وابنَ عَمِّها، وقد يَجتمِعُ منها شَيئانِ لا أكثَرُ، مِثلَ أنْ يَكونَ زَوجَها ومَولاها، أو زَوجَها وابنَ عَمِّها، فيَرثُ بوَجهَينِ ويَكونُ له جَميعُ المالِ إذا انفرَدَ، نِصفُه بالزَّوجيةِ ونِصفُه بالنَّسبِ أو للوَلاءِ، ومِثلَ أنْ تَكونَ المَرأةُ ابنةَ الرَّجلِ ومَولاتَه، فيَكونُ لها أيضًا جَميعُ المالِ، إذا انفَرَدت: ونِصفُه بالوَلاءِ وكذلك ما أشبَهَه.
ثم رابِعٌ مُختلَفٌ فيه وهو الإِسلامُ، أي: جِهتُه (وهو بَيتُ مالِ المُسلِمينَ) على اختِلافٍ فيه عندَ عَدمِ وُجودِ وارِثٍ، فلا إِرثَ بغيرِ هذه الأربَعةِ بالإِجماعِ.
وبَيانُها فيما يَلي:
أولًا: النَّسبُ: (وهو الرَّحمُ والقَرابةُ): وهو: القَرابةُ؛ وهي البُنوةُ والأُبوةُ
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الزَّوجَ يَرثُ من زَوجتِه -إذا لم تَتركْ وَلدًا أو وَلدَ ابنٍ ذَكرًا كانَ أو أُنثى- النِّصفَ.
وأَجمَعوا على أنَّ له الرُّبعَ إذا ترَكَت وَلدًا أو وَلدَ وَلدٍ ولا يَنقُصُ منه شَيءٌ.
وأَجمَعوا على أنَّ المَرأةَ تَرثُ من زَوجِها الرُّبعَ إذا هو لم يَتركْ وَلدًا ولا وَلدَ ابنٍ.
وأَجمَعوا على أنَّها تَرثُ الثُّمنَ إذا كانَ له وَلدٌ أو وَلدُ ابنٍ.
وأَجمَعوا على أنَّ حُكمَ الأربَعِ من الزَّوجاتِ حُكمُ الواحِدةِ في كلِّ ما ذكَرناه (١).
وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقَوا على أنَّ الزَّوجَ يَرثُ من زَوجتِه -التي لم تَبِنْ منه بطَلاقٍ ولا غيرِه ولا ظاهَرَ منها فماتَت قبلَ أنْ تَكفُرَ- النِّصفَ إنْ لم يَكنْ لها وَلدٌ خرَجَ بنَفسِه من بَطنِها من ذلك الزَّوجِ أو من غيرِه ذكَرًا أو أُنثى، فإنَّ الزَّوجَ يَرثُ الرُّبعَ ما لم تَعُلِ الفَريضةُ في كِلا الوَجهَينِ واختلَفوا إذا عالَت أيُحَطُّ شَيءٌ أم لا.
واتَّفَقوا على أنَّه إذا كانَ لها وَلدُ وَلدٍ ذَكرٌ أو أُنثى فللزَّوجِ الرُّبعُ (٢).
وقالَ أيضًا: واتَّفَقوا على أنَّ الزَّوجةَ التي لم تُطلَّقْ حتى ماتَ زَوجُها ولا انفسَخَ نِكاحُه منها وكانا حُرَّينِ وكانَ دِينُه دِينَها تَرِثُه ويَرثُها.
واتَّفَقوا على أنَّ المُطلَّقةَ ثَلاثًا على حُكمِ السُّنةِ والتي انقَضَت عِدتُها
стр. 15034
من الطَّلاقِ الرَّجعيِّ ومن الخُلعِ ومن الفَسخِ لا تَرثُه ولا يَرثُها إذا وقَعَ كلُّ ما ذَكَرنا من الطَّلاقِ والخُلعِ والفَسخِ في صِحتِها باختِيارِهما (١).
ثالِثًا: الوَلاءُ: وهي عُصوبةٌ سَببُها نِعمةُ المُعتَقِ مُباشَرةً أو سِرايةً أو شَرعًا، كعِتقِ أَصلِه وفَرعِه، فيَرثُ به المُعتَقُ في تَعصيبٍ فقط لقَولِه ﷺ : «الوَلاءُ لُحمةٌ كلُحمةِ النَّسبِ» (٢)، شَبَّه الوَلاءَ بالنَّسبِ، والنَّسبُ يُورَثُ به فكذا الوَلاءُ، فيَرثُ المُعتَقُ العَتيقَ للخَبَرِ السابِقِ ولا عَكسَ.
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الرَّجلَ إذا أعتَقَ عن الرَّجلِ عَبدًا بغيرِ أمرِه فالوَلاءُ للمُعتِقِ (٣).
وقالَ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ مَنْ أعتَقَ عبدَه أو أَمتَه كما قدَّمنا عِتقًا صَحيحًا غيرَ سائِبةٍ ولم يَكنْ للمُعتَقِ أَبٌ أعتَقَه غيرُ الذي أعتَقَه هو أنَّ وَلاءَه له (٤).
стр. 15035
وقالَ أيضًا: واتَّفَقوا على أنَّ مَنْ أعتَقَ عَبدًا عِتقًا صَحيحًا من رَجلٍ وامرأةٍ فقد استحَقَّ الوَلاءَ واستحَقَّ بسَببِه.
واتَّفَقوا على أنَّ الوَلاءَ لا يُستحَقُّ بغيرِ العِتقِ أو الإِسلامِ على اليَدَينِ أو المُوالاةِ، والعِتقُ مُتَّفقٌ عليه أنَّه يُستحَقُّ به الوَلاءُ على ما قدَّمنا، والإسلامُ والمُوالاةُ مُختلَفٌ فيهما، أيُستحَقُّ بهما وَلاءٌ أم لا؟ (١).
وقالَ: واتَّفَقوا في مَيتٍ لا عَصبةَ له، ولا ذا رَحمٍ أَصلًا، لا مِنْ الرِّجالِ ولا من النِّساءِ ولا زَوجَ إنْ كانَت امرأةً ولا زَوجةَ إنْ كانَ رَجلًا وله مَولًى ذَكرٌ من فَوقِ من عَتَقه أو ابنُ مَولًى أعتَقَ أَبا هذا المَيتِ قبلَ وِلادةِ هذا المَيتِ أنَّ ميراثَه لذوي المُعتِقِ أو لوَلدِه أو لمَن تناسَلَ من ذُكورِ وَلدِه أو لعَصبتِه كما قدَّمنا (٢).
وقالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وَلاءُ العِتاقةِ فلا خِلافَ في ثُبوتِه شَرعًا، عَرَفنا ذلك بالسُّنةِ وإِجماعِ الأُمةِ والمَعقولِ.
أمَّا السُّنةُ؛ فقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «الوَلاءُ لمَن أعتَقَ»، وهذا نَصٌّ، ورُويَ أنَّ رَجلًا اشتَرَى عَبدًا فأعتَقَه فجاءَ به إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي اشتَرَيت هذا فأعتَقتُه، فقالَ: «هو أَخوك ومَولاك، فإنْ شكَرَك فهو خَيرٌ له وشَرٌّ لك، وإنْ كفَرَك فهو خَيرٌ لكَ وشَرٌّ له، وإنْ ماتَ ولم يَتركْ وارِثًا كُنْتَ أنتَ عَصَبتَه» والاستِدلالُ به من وَجهَينِ:
стр. 15036
أَحدُهما: أنَّه جعَلَه عَصبةً إذا لم يَتركْ وارِثًا آخَرَ.
والثاني: أنَّه جعَلَ المُعتَقَ مَولَى المُعتِقِ بقَولِه: هو أَخوكَ ومَولاك، ولا يَكونُ مَولاه إلا أنْ يَكونَ وَلاؤُه له …
وقَولُه: «إنْ شكَرَك فهو خَيرٌ له»؛ لأنَّ المُعتَقَ لمَّا أنعَمَ اللهُ عليه بالإِعتاقِ فقد وجَبَ عليه الشُّكرُ فإذا شكَرَه فقد أدَّى ما وجَبَ عليه فكانَ خَيرًا له.
قَولُه: «وشَرٌّ لك»؛ لأنَّه قد وصَلَ إليه شَيءٌ من العِوضِ فأوجَبَ ذلك نُقصانًا في الثَّوابِ؛ لأنَّه يَصيرُ كأنَّه أعتَقَه على عِوضٍ فكانَ ثَوابُه أقَلَّ ممَّن أعتَقَ ولم يَصِلْ إليه على إِعتاقِه عِوضٌ دُنيويٌّ أَصلًا ورأسًا.
وقَولُه: «وإنْ كفَرَك فهو خَيرٌ لك»؛ لأنَّ إِعتاقَه إذا خَلا عن عِوضٍ دُنيويٍّ يَتكامَلُ ثَوابُه في الآخِرةِ.
وقَولُه: «وشَرٌّ له»؛ لأنَّ شُكرَ النِّعمةِ واجِبٌ عَقلًا وشَرعًا فإذا لم يَشكُرْه فقد ترَكَ الواجِبَ فكانَ شَرًّا له.
ورُويَ أنَّ مُعتقَ بِنتِ حَمزةَ ﵁ ماتَ وترَكَ بِنتًا فجعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ نِصفَ مالِه لابنتِه والنِّصفَ لابنةِ حَمزةَ.
ورُويَ عن عُمرَ ﵁ وعلِيٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وأُبيِّ بنِ كَعبٍ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وأَبي مَسعودٍ الأَنصاريِّ وأُسامةَ بن زَيدٍ ﵃ أنَّهم قالوا: الوَلاءُ للكِبَرِ، فاتِّفاقُ هؤلاء النُّجباءِ من الصَّحابةِ ﵃ على لَفظٍ واحِدٍ بدَليلِ سَماعِهم ذلك عن رَسولِ اللهِ مع ما أنَّ هذا حُكمٌ لا يُدرَكُ بالقياسِ
стр. 15037
فالظاهِرُ قَولُ السَّماعِ وسيَأتي تَفسيرُ هذا الحَديثِ في أَثناءِ المَسائلِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وأمَّا الإِجماعُ؛ فإنَّ الأُمةَ أجمَعَت على ثُبوتِ هذا الوَلاءِ.
وأمَّا المَعقولُ فمِن وُجوهٍ:
أَحدُها: أنَّ الإِعتاقَ إِنعامٌ، فالمُعتِقُ أنعَمَ على المُعتَقِ بإِيصالِه إلى شَرفِ الحُريةِ، ولهذا سمَّى المَولَى الأسفَلَ مَولَى النِّعمةِ في عُرفِ الشَّرعِ، وكذا سمَّاه اللهُ تَعالى إِنعامًا، فقالَ في زَيدٍ مَولَى رَسولِ اللهِ ﷺ : ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، قيلَ في التَّفسيرِ: أنعَمَ اللهُ عليه بالإِسلامِ، وأنعَمتَ عليه بالإِعتاقِ، فجعَلَ كَسبَه عندَ استِغنائِه عنه لمَولاه شُكرًا لإِنعامِه السابِقِ، ولهذا لا يَرثُ المُعتَقُ من المُعتِقِ.
والثاني: أنَّ المُعتَقَ في نُصرةِ المُعتِقِ حالَ حَياتِه، ولهذا كانَ عَقلُه عليه، وعليه أنْ يَنصُرَه بدَفعِ الظُّلمِ عنه وبكَفِّه عن الظُّلمِ على غيرِه، فإذا جَنى فقد قصَّرَ في أحدِ نَوعَيِ النُّصرةِ وهو كَفُّه عن الظُّلمِ على غيرِه فجعَلَ عَقلَه عليه ضَمانًا للتَّقصيرِ، فإذا ماتَ جُعلَ وَلاؤُه لمُعتِقِه جَزاءً للنُّصرةِ السابِقةِ.
والثالِثُ: أنَّ الإِعتاقَ كالإِيلادِ من حيثُ المَعنى؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما إِحياءُ مَعنًى؛ فإنَّ المُعتِقَ سَببٌ لحَياةِ المُعتَقِ باكتِسابِ سَببِ الأَهليةِ والمالِكيةِ والوِلايةِ التي يَمتازُ بها الآدَميُّ عن البَهائمِ كما أنَّ الأَبَ سَببُ حَياةِ الوَلدِ باكتِسابِ سَببِ وُجودِه عادةً وهو الإِيلادُ ثم الإِيلادُ سَببٌ لثُبوتِ
стр. 15038
النَّسبِ، فالإِعتاقُ يَكونُ سَببًا لثُبوتِ الوَلاءِ كالإِيلادِ، وهذا مَعنى قَولِ النَّبيِّ ﷺ الوَلاءُ لُحمةٌ كلُحمةِ النَّسبِ واللهُ أعلَمُ (١).
وكذا الكاتِبُ إذا ماتَ فوَلاؤُه لسيِّدِه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ووَلاءُ المُكاتَبِ والمُدبَّرِ لسيِّدِهما إذا أُعتِقا، هذا قَولُ عامَّةِ الفُقهاءِ (٢).
وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ وَلاءَ المُكاتَبِ إذا عُتِقَ بالأَداءِ ليسَ لسيِّدِه الذي كاتَبَه كما ذَكَرنا في سائِرِ المُعتَقينَ (٣).
رابِعًا: بَيتُ مالِ المُسلِمينَ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُسلمَ إذا ماتَ وليسَ له جِهةٌ تَرثُه تُصرفُ تَركتُه أو باقيها لبَيتِ المالِ إِرثًا للمُسلِمينَ عُصوبةً إذا لم يَكنْ له وارِثٌ بالأَسبابِ الثَّلاثةِ المُتقدِّمةِ أو كانَ ولم يَستغرِقْ؛ لقَولِه ﷺ : «أنا وارِثُ مَنْ لا وارِثَ له أعقِلُ له وأرِثُه» (٤)، وهو ﷺ لا يَرثُ لنَفسِه شَيئًا، وإنَّما
стр. 15039
يُصرفُ ذلك في مَصالحِ المُسلِمينَ؛ لأنَّهم يَعقِلونَ عن المَيتِ كالعَصبةِ من القَرابةِ، فيَضعُ الإِمامُ تَركتَه أو باقيَها في بَيتِ المالِ أو يَخصُّ منها مَنْ يَشاءُ.
وعن عَوسَجةَ عن ابنِ عَباسٍ «أنَّ رَجلًا ماتَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ولم يَدَعْ وارِثًا إلا عَبدًا هو أعتَقَه فأَعطاه النَّبيُّ ﷺ مِيراثَه» (١).
قالَ الإِمامُ التِّرمذيُّ ﵀: والعَملُ عندَ أهلِ العِلمِ في هذا البابِ: إذا ماتَ الرَّجلُ ولم يَتركْ عَصبةً فمِيراثُه يُجعلُ في بَيتِ مالِ المُسلِمينَ (٢).
فعلى هذا يُدفعُ جَميعُ المالِ إلى بَيتِ مالِ المُسلِمينَ إذا لم يَكنْ وارِثٌ.
واختَلفَ الفُقهاءُ في الفاضِلِ بعدَ فُروضِ ذَوي السِّهامِ هل يَكونُ لبَيتِ المالِ إذا لم تَكُنْ عَصبةٌ؟ أو يُردُّ على ذَوي السِّهامِ بقَدرِ سِهامِهم؟ بعدَ اتِّفاقِ الجَميعِ على أنَّه لا يُردُّ على أحدِ الزَّوجَينِ شَيءٌ؛ لأنَّ فَرضَهما بالسَّببِ لا بالنَّسبِ فهو ضَعيفٌ؛ لأنَّهما استحَقَّاه بعدَ انقِطاعِ السَّببِ الذي يَستحِقانِ به فلا يُزادانِ على فَرضِهما بخِلافِ مَنْ يَرثُ بالنَّسبِ؛ لأنَّ النَّسبَ باقٍ بعدَ المَوتِ فقَويَ حالُهم في الاستِحقاقِ فكانوا أَولى بالفاضِلِ.
أو نَقولُ: إنَّ الزَّوجَينِ يَستحِقانِ بسَببٍ واحِدٍ وهو النِّكاحُ، فإذا استحَقَّا به لم يَكنْ لهما سَببٌ غيرُ ذلك يَستحِقانِ به وأهلُ النَّسبِ يَستحِقُّونَ بالنَّسبِ وهو البُنوةُ في البِنتِ والأُخوَّةُ في الأُختِ، والباقي بالرَّحمِ.
стр. 15040
وأمَّا غيرُ الزَّوجَينِ من أهلِ السِّهامِ فاختلَفوا فيهم.
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ ما بَقيَ بعدَ الفُروضِ يُدفعُ إلى بَيتِ المالِ ولا يُردُّ لذَوي الفُروضِ ما فضَلَ عنهم.
قالَ الخَرشيُّ: ولا يُردُّ ما فضَلَ عن أَصحابِ الفُروضِ إليهم عندَ مالِكٍ وزَيدٍ وأهلِ المَدينةِ والشافِعيِّ وجُمهورِ قُضاةِ الصَّحابةِ، وقالَ علِيٌّ: يُردُّ على كلِّ واحِدٍ بقَدرِ ما ورِثَ سِوى الزَّوجِ والزَّوجةِ، فلا يُردُّ عليهما إِجماعًا، ولا يُدفعُ ما فضَلَ عن أَصحابِ الفُروضِ لذَوي الأَرحامِ على المَشهورِ لكنَّ الشَّيخَ أَبا بَكرٍ الطُّرطُوشيَّ قيَّدَ هذا بما إذا كانَ الإِمامُ عَدلًا، وإلا يُردَّ على ذَوي السِّهامِ ويُدفَعْ لذَوي الأَرحامِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الفاضِلَ عن فَرضِ ذَوي السِّهامِ إذا لم يَكنْ هناك عَصبةٌ مَردودٌ عليهم بقَدرِ سِهامِهم إلا على الزَّوجَينِ لقَولِ اللهِ ﵎: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، وهو المِيراثُ، فيَكونُ أَولى من بَيتِ المالِ ومِن الزَّوجَينِ إلا فيما ثبَتَ لهما بالنَّصِّ، وكانَ يَنبَغي أنْ يَكونَ ذلك لجَميعِ ذَوي الأَرحامِ لاستِوائِهم في هذا
стр. 15041
الاسمِ، إلا أنَّ أَصحابَ الفَرائضِ قُدِّموا على غيرِهم من ذَوي الأَرحامِ لقُوةِ قَرابتِهم، ألَا تَرى أنَّهم يُقدَّمونَ في الإِرثِ فكانوا أحَقَّ به؟
ومن حيثُ السُّنةُ قَولُه ﷺ : «مَنْ ترَكَ مالًا فللوارِثِ» (١)، ولأنَّ القَرابةَ عِلةٌ لاستِحقاقِ الكلِّ؛ لأنَّ المَيتَ قد استَغنَى عن المالِ، فلو لم يَنتقِلْ إلى أحدٍ يَبقى سائِبةً، والقَريبُ أَولى الناسِ به فيَستحِقُّه بالقَرابةِ صِلةً، إلا أنَّها تقاعَدَت عن استِحقاقِ الكلِّ عندَ الاجتِماعِ للمُزاحمةِ بالإِجماعِ فبَقيَت مُفيدةً له عندَ الانفِرادِ، فوجَبَ أنْ يَستحقَّ صاحِبُ السَّهمِ بقَدرِ سَهمِه حالةَ المُزاحَمةِ، ويَستحِقَّ الفاضِلَ عن سَهمِه حالةَ الانفِرادِ.
وما رُويَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخَلَ على سَعدٍ يَعودُه فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لي مالًا ولا يَرثُني إلا ابنَتي» الحَديثَ، ولم يُنكِرْ عليه رَسولُ اللهِ ﷺ حَصرَ المِيراثِ على ابنتِه، ولولا أنَّ الحُكمَ كذلك لأنكَرَ عليه ولم يُقرَّه على الخَطإِ لا سيَّما في مَوضعِ الحاجةِ إلى البَيانِ.
وكذا رُويَ أنَّ امرأةً أتَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي تصَدَّقت على أُمِّي بجاريةٍ فماتَت أُمِّي، وبَقيَت الجاريةُ، فقالَ: «وجَبَ أجرُك، ورجَعَت إليكِ في المِيراثِ» فجعَلَ الجاريةَ راجِعةً إليها بحُكمِ المِيراثِ، وهذا هو الرَّدُّ، ولأنَّ أَصحابَ الفَرائضِ ساوَوُا الناسَ كلَّهم وترَجَّحوا بالقَرابةِ فيَترجَّحونَ بذلك من المُسلِمينَ.
стр. 15042
أمَّا الزَّوجانِ فقَرابَتُهما قاصِرةٌ فلا يَستحِقانِ إلا سَهمَهما إِظهارًا لقُصورِ مَرتبتِهما، ولأنَّ الزَّوجيةَ تَزولُ بالمَوتِ فيَنتَفي السَّببُ، وقَضيتُه عَدمُ الإِرثِ أصلًا، إلا أنا أَعطَيناهما فَرضَهما بصَريحِ الكِتابِ فلا يُزادُ عليه.
أو نَقولُ: إنَّ الزَّوجَينِ يَستحِقانِ بسَببٍ واحِدٍ وهو النِّكاحُ، فإذا استحَقَّا به لم يَكنْ لهما سَببٌ غيرُ ذلك يَستحِقانِ به، وأهلُ النَّسبِ يَستحِقونَ بالنَّسبِ، وهو البُنوةُ في البِنتِ والأُخوَّةُ في الأُختِ، والباقي بالرَّحِمِ (١).
قالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفَ العُلماءُ في رَدِّ ما بَقيَ من مالِ الوَرثةِ على ذَوي الفَرائضِ إذا بَقيَت من المالِ فَضلةٌ لم تَستَوفِها الفَرائضُ ولم يَكنْ هناك من يُعصِّبُ، فكانَ زَيدٌ لا يَقولُ بالرَّدِّ ويَجعلُ الفاضِلَ في بَيتِ المالِ وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ.
وقالَ جُلُّ الصَّحابةِ بالرَّدِّ على ذَوي الفُروضِ ما عدا الزَّوجَ والزَّوجةَ وإنْ كانوا اختلَفوا في كَيفيةِ ذلك، وبه قالَ فُقهاءُ العِراقِ من الكُوفيِّينَ والبَصريِّينَ.
وأجمَعَ هؤلاء الفُقهاءُ على أنَّ الرَّدَّ يَكونُ لهم بقَدرِ سِهامِهم.
فمَن كانَ له نِصفٌ أخَذَ النِّصفَ ممَّا بَقيَ. وهكَذا في جُزءٍ جُزءٍ.
стр. 15043
وعُمدتُهم أنَّ قَرابةَ الدِّينِ والنَّسبِ أَولى من قَرابةِ الدِّينِ فقط، أي أنَّ هؤلاء اجتمَعَ لهم سَببانِ وللمُسلِمينَ سَببٌ واحِدٌ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا الزَّوجانِ فلا يُردُّ عليهما باتِّفاقٍ من أهلِ العِلمِ (٢).
المِيراثُ بالمُؤاخاةِ والإِسلامِ على يَدَيه:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ على أنَّ المِيراثَ لا يَثبتُ إلا بالثَّلاثةِ السابِقةِ: النَّسبِ والنِّكاحِ الصَّحيحِ والوَلاءِ، وبَيتُ المالِ على الخِلافِ المُتقدِّمِ فيه، فأمَّا المُؤاخاةُ في الدِّينِ والمُوالاةُ في النُّصرةِ وإِسلامُ الرَّجلِ على يَدِ الآخَرِ فلا يُورثُ بها؛ لأنَّ هذا كانَ في بَدءِ الإِسلامِ ثم نُسخَ لقَولِ اللهِ تَعالى ﴿أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] (٣).
стр. 15044
وذهَبَ الإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المِيراثَ يَثبتُ بالمُوالاةِ وهي المُؤاخاةُ والمُعاقَدةُ وإِسلامُه على يَدَيه.
قال المِرداويُّ ﵀: وعنه (أنَّه يَثبتُ بالمُوالاةِ والمُعاقَدةِ، وإِسلامِه على يَدِه، وكَونِهما من أهلِ الدِّيوانِ، ولا عَملَ عليه). زادَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀ في الرِّوايةِ التِقاطَ الطِّفلِ، واختارَ أنَّ هؤلاء كلَّهم يَرِثونَ عندَ عَدمِ الرَّحمِ والنِّكاحِ والوَلاءِ، واختارَه في الفائِقِ أيضًا (١).
وقالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: وعنه: وعندَ عَدمِهن بمُوالاةٍ -وهي المُؤاخاةُ- ومُعاقَدةٍ -وهي المُحالَفةُ- وإِسلامِه على يَدَيه والتِقاطِه، وكَونُهما من أهلِ الدِّيوانِ اختارَه شَيخُنا (٢).
المِيراثُ بالمُعاقَدةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّوارُثِ بالمُوالاةِ والمُعاقَدةِ، وهو أنْ يَقولَ رَجلٌ لآخَرَ: «وَلَّيتُك على أنْ تَرثَني وأرِثَك وتَنصُرَني وأنصُرَك وتَعقِلَ عنِّي وأعقِلَ عنك»، هل يَقعُ التَّوارُثُ بينَهما أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه إذا كانَ للمَيتِ منهما وارِثٌ أنَّه لا يَقعُ التَّوارثُ بينَهما.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ التَّوارُثَ لا يَقعُ بحالٍ لمَا رُويَ: أنَّ عائِشةَ ﵂ أَرادَت أنْ تَشتَريَ بَريرةَ، فامتنَعَ أهلُها من بَيعِها إلا على أنْ يَكونَ الوَلاءُ لهم، فقالَ لها النَّبيُّ ﷺ :
стр. 15045
«اشتَري واشتَرِطي لهم الوَلاءَ»، فاشتَرَتها واشتَرَطت لهم الوَلاءَ، فصعِدَ النَّبيُّ ﷺ المِنبَرَ، فقالَ: «ما بالُ أَقوامٍ يَشتَرطونَ شُروطًا ليسَت في كِتابِ اللهِ؟ كلُّ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللهِ فهو باطِلٌ، كِتابُ اللهِ أحَقُّ، وشَرطُه أوثَقُ، والوَلاءُ لمَن أعتَقَ» (١)، فجعَلَ جِنسَ الوَلاءِ للمُعتِقِ فلم يَبقَ ولم يَثبُتْ لغيرِه.
ولأنَّ كلَّ سَببٍ لم يُورَثْ به مع وُجودِ السَّببِ لم يُورَثْ به مع فَقدِه، كما لو أسلَمَ رَجلٌ على يَدِ رَجلٍ، ولأنَّ عَقدَ المُوالاةِ لو كانَ سَببًا يُورَثُ به لم يَجُزْ فَسخُه وإِبطالُه، كالنَّسبِ والوَلاءِ، ولأنَّ أَسبابَ التَّوارُثِ مَحصورةٌ في رَحمٍ ونِكاحٍ ووَلاءٍ، وليسَ هذا منها.
وأمَّا قَولُه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] فمَنسوخةٌ بآيةِ المِيراثِ، ولذلك لا يَرثُ مع ذي رَحمٍ شَيئًا.
قالَ الحَسنُ: نسَخَتها ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وقالَ مُجاهدٌ: فآتُوهُم نَصيبَهم من العَقلِ والنُّصرةِ والرِّفادةِ، وليسَ هذا بوَصلةٍ؛ لأنَّ الوَصيَّ لا يَعقلُ فله الرُّجوعُ، وهذا عندَهم بخِلافِه (٢).
стр. 15046
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ وَلاءَ المُوالاةِ ثابِتٌ ويَقعُ به التَّوارثُ وتَفسيرُ عَقدِ المُوالاةِ أنَّ مَنْ أسلَمَ على يَدَي رَجلٍ وقالَ له: «أنت مَولايَ تَرِثُني إذا مِتُّ وتَعقِلُ عني إذا جَنَيتُ»، وقالَ الآخَرُ: «قبِلتُ» يَنعقِدُ بينَهما عَقدُ المُوالاةِ.
وكذا إذا قالَ: «والَيتُك»، وقالَ الآخَرُ: «قبِلتُ».
وكذلك إذا عقَدَ مع رَجلٍ غيرِ الذي أسلَمَ على يَدَيه.
وكذلك اللَّقيطُ إذا عقَدَ مع غيرِه عَقدَ مُوالاةٍ.
وشَرطُ صِحةِ عَقدِ المُوالاةِ ألَّا يَكونَ للعاقِدِ وارِثٌ مُسلمٌ.
وإذا انعقَدَ عَقدُ المُوالاةِ يَصيرُ مَولًى له حتى لو ماتَ ولم يَتركْ وارِثًا يَكونُ مِيراثُه لمَولاه، ولو جَنى يَكونُ عَقلُه عليه ويَلي عليه في الجُملةِ، وهو قَولُ عُمرَ وعلِيٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵃، وهو قَولُ إِبراهيمَ النَّخعيِّ.
واستدَلُّوا على ذلك بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ.
أمَّا بالكِتابِ الكَريمِ؛ فقَولُ اللهِ : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، والمُرادُ من النَّصيبِ المِيراثُ؛ لأنَّه أَضافَ النَّصيبَ إليهم، فيَدلُّ على قيامِ حَقٍّ لهم مُقدَّرٍ في التَّركةِ وهو المِيراثُ؛ لأنَّ هذا مَعطوفٌ على قَولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]، لكنْ عندَ عَدمِ ذَوي الأَرحامِ عَرَفناه بقَولِ اللهِ : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥].
стр. 15047
وأمَّا السُّنةُ؛ فما رُويَ عن تَميمٍ الدارِيِّ ﵁ أنَّه قالَ: «سألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عن الرَّجلِ يُسلمُ على يَدَي الرَّجلِ، فقال: هو أَولى الناسِ بمَحياه وبمَماتِه» (١). أي: حالَ حَياتِه وحالَ مَوتِه، أَرادَ به مَحياه في العَقلِ ومَماتَه في المِيراثِ.
وأمَّا المَعقولُ؛ فهو أنَّ بَيتَ المالِ إنَّما يَرثُ بوَلاءِ الإِيمانِ فقط؛ لأنَّه بَيتُ مالِ المُؤمِنينَ، قالَ اللهُ : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وللمَولى هذا الوَلاءُ ووَلاءُ المُعاقَدةِ، فكانَ أَولى من عامَّةِ المُؤمِنينَ.
ألَا تَرى أنَّ مَولى العَتاقةَ أَولى من بَيتِ المالِ للتَّساوي في وَلاءِ الإِيمانِ والتَّرجيحِ لوَلاءِ العِتقِ، كذا هذا، إلا أنَّ مَولَى المُوالاةِ يَتأخَّرُ عن سائِرِ الأَقاربِ، ومَولى العَتاقةِ يَتقدَّمُ على ذَوي الأَرحامِ؛ لأنَّ الوَلاءَ بالرَّحمِ فَوقَ الوَلاءِ بالعَقدِ فيُخلِفُ عن ذَوي الأَرحامِ، ووَلاءُ العَتاقةِ بما تقدَّمَ من النِّعمةِ بالإِعتاقِ، الذي هو إِحياءٌ وإِيلادٌ، مَعنى الحَقِّ بالتَّعصيبِ من حيثُ المَعنى، ولذلك قالَ: الوَلاءُ لُحمةٌ كلُحمةِ النَّسبِ.
وأمَّا قَولُهما: إنَّ جَماعةَ المُسلِمينَ وَرثتُه فلا يُقدَرُ على إِبطالِ حَقِّهم بالعَقدِ، فنَقولُ: إنَّما يَصيرونَ وَرثتَه إذا ماتَ قبلَ المُعاقَدةِ، فأمَّا بعدَ
стр. 15048
المُعاقَدةِ فلا، والدَّليلُ على بُطلانِ هذا الكَلامِ أنَّه تَصحُّ وَصيتُه بالثُّلثِ ولو كانَ كذلك لمَا صَحَّت لكَونِها وَصيةً للوارِثِ.
قالَ الكاسانِيُّ: ولو أسلَمَ على يَدِ رَجلٍ ولم يُوالِه ووالَى غيرَه فهو مَولًى للذي والاه عندَ عامَّةِ العُلماءِ وعندَ عَطاءٍ هو مَولًى للذي أسلَمَ على يَدِه والصَّحيحُ قَولُ العامَّةِ لقَولِ اللهِ : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، جعَلَ الوَلاءَ للعاقِدِ وكذا لم يُنقَلْ أنَّ الصَّحابةَ أثبَتوا الوَلاءَ بالإِسلامِ نَفسِه، وكلُّ الناسِ كانوا يُسلِمونَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ والصَّحابةِ والتابِعينَ، وكانَ لا يَقولُ أحدٌ لمَن أسلَمَ على يَدِ أحدٍ إنَّه ليسَ له أنْ يُواليَ غيرَ الذي أسلَمَ على يَدِه، فثبَتَ أنَّ الإِسلامَ نَفسَه على يَدِ رَجلٍ ليسَ سَببًا لثُبوتِ الوَلاءِ له بل السَّببُ هو العَقدُ، فما لم يُوجَدْ لا يَثبُتِ الإِرثُ والعَقلُ (١).
الأَمرُ الثاني: شُروطُ الإِرثِ:
وأمَّا شُروطُ الإِرثِ فهي ثَلاثةٌ:
أوَّلُها: تَحقُّقُ مَوتِ المُورِّثِ أو إِلحاقُه بالمَوتى تَقديرًا كجَنينٍ انفَصَل مَيتًا في حَياةِ أُمِّه أو بعدَ مَوتِها بجِنايةٍ على أُمهِ مُوجبةٍ للغِرةِ، فيُقدَّرُ أنَّ الجَنينَ عرَضَ له المَوتُ لتُورثَ عنه الغِرةُ، أو إِلحاقُ المُورِّثِ بالمَوتى حُكمًا كما في حُكمِ القاضي بمَوتِ المَفقودِ اجتِهادًا.
стр. 15049
وثانيها: تَحقُّقُ حَياةِ الوارِثِ بعدَ مَوتِ مُورِّثِه ولو بلَحظةٍ.
وثالِثُها: مَعرفةُ إِدلائِه للمَيتِ بقَرابةٍ أو نِكاحٍ أو وَلاءٍ.
وزادَ الشافِعيةُ الجِهةَ المُقتضيةَ للإِرثِ تَفصيلًا، وهذا يَختصُّ بالقاضي، فلا تُقبلُ شَهادةُ الإِرثِ مُطلَقةً، كقَولِ الشاهِدِ للقاضي: هذا وارِثُ هذا، بل لا بُدَّ في شَهادتِه من بَيانِ الجِهةِ التي اقتَضَت إِرثَه منه، ولا يَكفي أيضًا قَولُ الشاهِدِ: «هذا ابنُ عَمِّه»، بل لا بُدَّ من العِلمِ بالقُربِ والدَّرجةِ التي اجتَمَعا فيها (١).
الأمرُ الثالِثُ: مَوانِعُ الإِرثِ:
مَوانعُ الإِرثِ -أي: الأَشياءُ التي يَلزمُ من وُجودِها العَدمُ- ثَلاثةٌ مُتَّفقٌ عليها، وهي الرِّقُّ والقَتلُ واختِلافُ الدِّينِ.
قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ الأَسبابَ التي تَمنعُ المِيراثَ ثَلاثةٌ: رِقٌّ وقَتلٌ واختِلافُ دِينٍ (٢).
واختلَفوا في ثَلاثةٍ أُخرى، وهي: الرِّدةُ واختِلافُ الدارَينِ، والدَّورُ الحُكميُّ.
وبَيانُ ذلك فيما يَلي:
стр. 15050
أولًا: الرِّقُّ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الرَّقيقَ لا يَرثُ ولا يُورثُ وأنَّ مالَه لسيِّدِه.
قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أَجمَعوا على أنَّ العَبدَ لا يَرثُه حُرٌّ ولا عَبدٌ وأنَّ مالَه لسيِّدِه (١).
لأنَّ المِيراثَ نَوعُ تَمليكٍ، والعَبدُ لا يَملكُ، ولأنَّ مِلكَه لسيِّدِه، ولا قَرابةَ بينَ السَّيدِ والمَيتِ، فلا يَرثُ العَبدُ قَريبَه؛ لأنَّه لو ورِثَ شَيئًا لكانَ لسيِّدِه، فيَكونُ التَّوريثُ لسيِّدِه دونَه.
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ خِلافًا في أنَّ العَبدَ لا يَرثُ إلا ما رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ في رَجلٍ ماتَ وترَكَ أَبًا مَملوكًا يُشتَرى من مالِه ثم يُعتَقُ فيَرثُ وقالَه الحَسنُ، وحُكيَ عن طاوُسٍ أنَّ العَبدَ يَرثُ ويَكونُ ما ورِثَه لسيِّدِه ككَسبِه، وكما لو وَصَّى له ولأنَّه تَصحُّ الوَصيةُ له فيَرثُ كالحَملِ.
ولنا: أنَّ فيه نَقصًا منَعَ كَونَه مَوروثًا فمنَعَ كَونَه وارِثًا كالمُرتدِّ، ويُفارقُ الوَصيةَ؛ فإنَّها تَصحُّ لمَولاه ولا مِيراثَ له وقياسُهم يَنتقِضُ بمُختَلِفي الدِّينِ.
وقَولُ ابنِ مَسعودٍ لا يَصحُّ؛ لأنَّ الأبَ رَقيقٌ حين مَوتِ ابنِه فلم يَرِثْه كسائِرِ الأَقاربِ، وذلك لأنَّ المِيراثَ صارَ لأهلِه بالمَوتِ فلم يَنتقِلْ عنهم إلى غيرِهم.
وأَجمَعوا على أنَّ المَملوكَ لا يُورثُ، وذلك لأنَّه لا مالَ له فيُورثُ؛ فإنَّه لا يَملكُ، ومَن قالَ: إنَّه يَملكُ بالتَّمليكِ فمِلكُه ناقِصٌ غيرُ مُستقِرٍّ يَزولُ
стр. 15051
إلى سيِّدِه بزَوالِ مِلكِه عن رَقبتِه بدَليلِ قَولِه ﷺ : «مَنْ باعَ عَبدًا وله مالٌ فمالُه للبائِعِ، إلا أنْ يَشتَرطَه المُبتاعُ» (١) ولأنَّ السيِّدَ أحَقُّ بمَنافعِه وأَكسابِه في حَياتِه فكَذلك بعدَ مَماتِه، وممَّن رُويَ عنه أنَّ العَبدَ لا يَرثُ ولا يُورثُ ولا يُحجبُ: علِيٌّ وزَيدٌ، وبه قالَ الثَّوريُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وإِسحاقُ ﵁ وأَصحابُ الرأيِ (٢).
ثانيًا: القَتلُ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ القَتلَ العَمدَ يَمنعُ المِيراثَ، فمَن قتَلَ مُورِّثَه عَمدًا فلا يَرثُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَرثُ القاتِلُ»؛ لأنَّ اللهَ تَعالى جعَلَ استِحقاقَ المِيراثِ تَواصلًا بينَ الأَحياءِ والأَمواتِ لاجتِماعِهم على المُوالاةِ، والقاتِلُ قاطِعٌ للمُوالاةِ عادِلٌ عن التَّواصلِ فصارَ أَسوأَ حالًا من المُرتدِّ، ولأنَّه لو ورِثَ القاتِلُ لصارَ ذلك ذَريعةً إلى قَتلِ كلِّ مُورِّثٍ رغِبَ وارِثُه في استِعجالِ مِيراثِه، وما أَفضَى إلى مِثلِ هذا فالشَّرعُ مانِعٌ منه (٣).
стр. 15052
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولم أسمَعِ اختِلافًا في أنَّ قاتِلَ الرَّجلِ عَمدًا لا يَرثُ مَنْ قَتلَه من دِيةٍ ولا مالٍ شَيئًا (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ القاتِلَ عَمدًا لا يَرثُ من مالِ مَنْ قتَلَه ولا مِنْ دِيتِه شَيئًا (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ القاتِلَ عَمدًا لا يَرثُ شَيئًا من مالِ المَقتولِ ولا مِنْ دِيتِه (٣).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ قاتِلَ العَمدِ لا يَرثُ من المَقتولِ شَيئًا إلا ما حُكيَ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وابنِ جُبَيرٍ أنَّهما ورَّثاه، وهو رَأيُ الخَوارجِ؛ لأنَّ آيةَ المِيراثِ تَتناوَلُه بعُمومِها فيَجبُ العَملُ بها فيه، ولا تَعويلَ على هذا القَولِ لشُذوذِه وقيامِ الدَّليلِ على خِلافِه.
فإنَّ عُمرَ ﵁ أَعطَى دِيةَ ابنِ قَتادةَ المَذحِجيِّ لأَخيه دونَ أَبيه، وكانَ حذَفَه بسَيفِه فقتَلَه.
واشتُهِرت هذه القِصةُ بينَ الصَّحابةِ ﵃ فلم تُنكَرْ فكانَت إِجماعًا، وقالَ عُمرُ: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ليس للقاتِلِ شَيءٌ» رَواه مالِكٌ في مُوطَّئِه والإِمامُ أَحمدُ بإِسنادِه، ورَوى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن
стр. 15053
أَبيه عن جَدِّه عن النَّبيِّ ﷺ نَحوَه، رَواه ابنُ اللَّبانِ بإِسنادِه ورَواهُما ابنُ عبدِ البَرِّ في كِتابِه.
ورَوى ابنُ عَباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قتَلَ قَتيلًا؛ فإنَّه لا يَرثُه، وإنْ لم يَكنْ له وارِثٌ غيرُه، وإنْ كانَ والِدَه أو وَلدَه فليس لقاتِلٍ مِيراثٌ» (١) رَواه الإِمامُ أَحمدُ بإِسنادِه، ولأنَّ تَوريثَ القاتِلِ يُفضي إلى تَكثيرِ القَتلِ؛ لأنَّ الوارِثَ ربَّما استعجَلَ مَوتَ مَوروثِه ليأخُذَ مالَه كما فعَلَ الإِسرائيليُّ الذي قتَلَ عَمَّه فأنزَلَ اللهُ تَعالى فيه قِصةَ البَقرةِ، وقيلَ: ما ورِثَ قاتِلٌ بعدَ عاميلَ، وهو اسمُ القَتيلِ (٢).
وهذا في قاتِلِ العَمدِ، وأمَّا قَتلُ الخَطأِ فاختلَفوا فيه:
حِرمانُ قاتِلِ الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ من المِيراثِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ قاتِلَ الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ لا يَرثُ من الدِّيةِ شَيئًا.
стр. 15054
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ القاتِلَ خَطأً لا يَرثُ من دِيةِ مَنْ قتَلَه شَيئًا (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا هل يَرثُ قاتِلُ الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ من مالِ المَقتولِ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَرثُ من مالِه ولا يَرثُ من دِيتِه شَيئًا. وحُكي ذلك عن عَطاءِ بنِ أَبي رَباحٍ، وابنِ المُسيِّبِ، ومُجاهدٍ، والزُّهريِّ، وبه قالَ الأَوزاعيُّ، وسَعيدُ بنُ عبدِ العَزيزِ، وإِسحاقُ بنُ راهَوَيهِ، وأبو ثَورٍ، واحتَجَّ أَبو ثَورٍ بأنَّه إنَّما ورَّثَه من سائِرِ المالِ بالكِتابِ؛ لأنَّ اللهَ -جلَّ ذِكرُه- سمَّى المَواريثَ لأهلِها ولم يَذكُرْ قاتِلًا، فلمَّا اختلَفوا في القَتلِ خَطأً، كانَ له المِيراثُ بالكِتابِ؛ لأنَّا لا نَدعُ ظاهِرَ الكِتابِ أبَدًا إلا بكِتابٍ أو سُنةٍ أو إِجماعٍ يَدلُّ على إِخراجِ شَيءٍ من جُملتِه، فإذا لم يَكنْ شَيءٌ من ذلك كانَ الكِتابُ على ظاهِرِه.
ولأنَّ مَنعَ القاتِلِ من المِيراثِ عُقوبةٌ، والمُخطِئُ لا عُقوبةَ عليه كما لا قَوَدَ عليه (٢).
стр. 15055
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَرثُ القاتِلُ -عَمدًا ولا خَطأً- شَيئًا من مالِه، لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «القاتِلُ لا يَرثُ» (١) وهذا عامٌّ في كلِّ قاتِلٍ.
وعن عَمرِو بنِ شُعيبٍ أنَّ أَبا قَتادةَ رَجلٌ من بَني مُدلِجٍ قتَلَ ابنَه فأخَذَ منه عُمرُ مِئةً من الإبِلِ ثَلاثينَ حِقةً وثَلاثينَ جَذَعةً وأربَعينَ خَلِفةً فقالَ: أين أَخو المَقتولِ؟ سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ليس لقاتِلٍ مِيراثٌ».
وفي رِوايةٍ: «لولا أنِّي سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ليس لقاتِلٍ شَيءٌ» لوَرَّثتُك، قالَ: ودَعا خالَ المَقتولِ فأَعطاه الإبِلَ» (٢).
وفي لَفظِ أَبي داودَ: «ليسَ للقاتِلِ شَيءٌ وإنْ لم يَكنْ له وارِثٌ فوارِثُه أقرَبُ الناسِ إليه ولا يَرثُ القاتِلُ» (٣).
ورَوى أَبو قِلابةَ قالَ: «قتَلَ رَجلٌ أَخاه في زَمنِ عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ فلم يُورِّثْه منه». وقالَ: يا أَميرَ المُؤمِنينَ إنَّما قتَلتُه خَطأً، قالَ: لو قتَلتَه عَمدًا لأقَدْناكَ به.
ورَوى خَلاسٌ «أنَّ رَجلًا قذَفَ بحَجرٍ فأَصابَ أُمَّه فقتَلَها فغرَّمَه علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ ﵇ الدِّيةَ ونَفاه من المِيراثِ» وقالَ: «إنَّما حَظُّكَ من مِيراثِها ذاك الحَجرُ».