إلى سيِّدِه بزَوالِ مِلكِه عن رَقبتِه بدَليلِ قَولِه ﷺ : «مَنْ باعَ عَبدًا وله مالٌ فمالُه للبائِعِ، إلا أنْ يَشتَرطَه المُبتاعُ» (١) ولأنَّ السيِّدَ أحَقُّ بمَنافعِه وأَكسابِه في حَياتِه فكَذلك بعدَ مَماتِه، وممَّن رُويَ عنه أنَّ العَبدَ لا يَرثُ ولا يُورثُ ولا يُحجبُ: علِيٌّ وزَيدٌ، وبه قالَ الثَّوريُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وإِسحاقُ ﵁ وأَصحابُ الرأيِ (٢).
ثانيًا: القَتلُ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ القَتلَ العَمدَ يَمنعُ المِيراثَ، فمَن قتَلَ مُورِّثَه عَمدًا فلا يَرثُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَرثُ القاتِلُ»؛ لأنَّ اللهَ تَعالى جعَلَ استِحقاقَ المِيراثِ تَواصلًا بينَ الأَحياءِ والأَمواتِ لاجتِماعِهم على المُوالاةِ، والقاتِلُ قاطِعٌ للمُوالاةِ عادِلٌ عن التَّواصلِ فصارَ أَسوأَ حالًا من المُرتدِّ، ولأنَّه لو ورِثَ القاتِلُ لصارَ ذلك ذَريعةً إلى قَتلِ كلِّ مُورِّثٍ رغِبَ وارِثُه في استِعجالِ مِيراثِه، وما أَفضَى إلى مِثلِ هذا فالشَّرعُ مانِعٌ منه (٣).
стр. 15052
قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولم أسمَعِ اختِلافًا في أنَّ قاتِلَ الرَّجلِ عَمدًا لا يَرثُ مَنْ قَتلَه من دِيةٍ ولا مالٍ شَيئًا (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ القاتِلَ عَمدًا لا يَرثُ من مالِ مَنْ قتَلَه ولا مِنْ دِيتِه شَيئًا (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ القاتِلَ عَمدًا لا يَرثُ شَيئًا من مالِ المَقتولِ ولا مِنْ دِيتِه (٣).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ قاتِلَ العَمدِ لا يَرثُ من المَقتولِ شَيئًا إلا ما حُكيَ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وابنِ جُبَيرٍ أنَّهما ورَّثاه، وهو رَأيُ الخَوارجِ؛ لأنَّ آيةَ المِيراثِ تَتناوَلُه بعُمومِها فيَجبُ العَملُ بها فيه، ولا تَعويلَ على هذا القَولِ لشُذوذِه وقيامِ الدَّليلِ على خِلافِه.
فإنَّ عُمرَ ﵁ أَعطَى دِيةَ ابنِ قَتادةَ المَذحِجيِّ لأَخيه دونَ أَبيه، وكانَ حذَفَه بسَيفِه فقتَلَه.
واشتُهِرت هذه القِصةُ بينَ الصَّحابةِ ﵃ فلم تُنكَرْ فكانَت إِجماعًا، وقالَ عُمرُ: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ليس للقاتِلِ شَيءٌ» رَواه مالِكٌ في مُوطَّئِه والإِمامُ أَحمدُ بإِسنادِه، ورَوى عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن
стр. 15053
أَبيه عن جَدِّه عن النَّبيِّ ﷺ نَحوَه، رَواه ابنُ اللَّبانِ بإِسنادِه ورَواهُما ابنُ عبدِ البَرِّ في كِتابِه.
ورَوى ابنُ عَباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قتَلَ قَتيلًا؛ فإنَّه لا يَرثُه، وإنْ لم يَكنْ له وارِثٌ غيرُه، وإنْ كانَ والِدَه أو وَلدَه فليس لقاتِلٍ مِيراثٌ» (١) رَواه الإِمامُ أَحمدُ بإِسنادِه، ولأنَّ تَوريثَ القاتِلِ يُفضي إلى تَكثيرِ القَتلِ؛ لأنَّ الوارِثَ ربَّما استعجَلَ مَوتَ مَوروثِه ليأخُذَ مالَه كما فعَلَ الإِسرائيليُّ الذي قتَلَ عَمَّه فأنزَلَ اللهُ تَعالى فيه قِصةَ البَقرةِ، وقيلَ: ما ورِثَ قاتِلٌ بعدَ عاميلَ، وهو اسمُ القَتيلِ (٢).
وهذا في قاتِلِ العَمدِ، وأمَّا قَتلُ الخَطأِ فاختلَفوا فيه:
حِرمانُ قاتِلِ الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ من المِيراثِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ قاتِلَ الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ لا يَرثُ من الدِّيةِ شَيئًا.
стр. 15054
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ القاتِلَ خَطأً لا يَرثُ من دِيةِ مَنْ قتَلَه شَيئًا (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا هل يَرثُ قاتِلُ الخَطأِ وشِبهِ العَمدِ من مالِ المَقتولِ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَرثُ من مالِه ولا يَرثُ من دِيتِه شَيئًا. وحُكي ذلك عن عَطاءِ بنِ أَبي رَباحٍ، وابنِ المُسيِّبِ، ومُجاهدٍ، والزُّهريِّ، وبه قالَ الأَوزاعيُّ، وسَعيدُ بنُ عبدِ العَزيزِ، وإِسحاقُ بنُ راهَوَيهِ، وأبو ثَورٍ، واحتَجَّ أَبو ثَورٍ بأنَّه إنَّما ورَّثَه من سائِرِ المالِ بالكِتابِ؛ لأنَّ اللهَ -جلَّ ذِكرُه- سمَّى المَواريثَ لأهلِها ولم يَذكُرْ قاتِلًا، فلمَّا اختلَفوا في القَتلِ خَطأً، كانَ له المِيراثُ بالكِتابِ؛ لأنَّا لا نَدعُ ظاهِرَ الكِتابِ أبَدًا إلا بكِتابٍ أو سُنةٍ أو إِجماعٍ يَدلُّ على إِخراجِ شَيءٍ من جُملتِه، فإذا لم يَكنْ شَيءٌ من ذلك كانَ الكِتابُ على ظاهِرِه.
ولأنَّ مَنعَ القاتِلِ من المِيراثِ عُقوبةٌ، والمُخطِئُ لا عُقوبةَ عليه كما لا قَوَدَ عليه (٢).
стр. 15055
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَرثُ القاتِلُ -عَمدًا ولا خَطأً- شَيئًا من مالِه، لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «القاتِلُ لا يَرثُ» (١) وهذا عامٌّ في كلِّ قاتِلٍ.
وعن عَمرِو بنِ شُعيبٍ أنَّ أَبا قَتادةَ رَجلٌ من بَني مُدلِجٍ قتَلَ ابنَه فأخَذَ منه عُمرُ مِئةً من الإبِلِ ثَلاثينَ حِقةً وثَلاثينَ جَذَعةً وأربَعينَ خَلِفةً فقالَ: أين أَخو المَقتولِ؟ سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ليس لقاتِلٍ مِيراثٌ».
وفي رِوايةٍ: «لولا أنِّي سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ليس لقاتِلٍ شَيءٌ» لوَرَّثتُك، قالَ: ودَعا خالَ المَقتولِ فأَعطاه الإبِلَ» (٢).
وفي لَفظِ أَبي داودَ: «ليسَ للقاتِلِ شَيءٌ وإنْ لم يَكنْ له وارِثٌ فوارِثُه أقرَبُ الناسِ إليه ولا يَرثُ القاتِلُ» (٣).
ورَوى أَبو قِلابةَ قالَ: «قتَلَ رَجلٌ أَخاه في زَمنِ عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ فلم يُورِّثْه منه». وقالَ: يا أَميرَ المُؤمِنينَ إنَّما قتَلتُه خَطأً، قالَ: لو قتَلتَه عَمدًا لأقَدْناكَ به.
ورَوى خَلاسٌ «أنَّ رَجلًا قذَفَ بحَجرٍ فأَصابَ أُمَّه فقتَلَها فغرَّمَه علِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ ﵇ الدِّيةَ ونَفاه من المِيراثِ» وقالَ: «إنَّما حَظُّكَ من مِيراثِها ذاك الحَجرُ».
стр. 15056
ولأنَّ كلَّ مَنْ سقَطَ إِرثُه عن دِية مَقتولِه سقَطَ عن سائِرِ مالِه كالعامِدِ؛ لأنَّ كلَّ مالٍ حَرُمَ إِرثُه لو كانَ عامِدًا حَرُمَ إِرثُه وإنْ كانَ مُخطِئًا كالدِّيةِ (١).
وذَكَرتُ في كِتابِ الجِناياتِ حُكمَ مَنْ قتَلَ غيرَه بالسَّببِ.
ثالِثًا: اختِلافُ الدِّينِ:
هنا مَسألتانِ:
المَسألةُ الأُولى: حُكمُ مِيراثِ الكافِرِ من المُسلمِ:
أجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ الكافِرَ لا يَرثُ المُسلمَ، وأنَّ الكُفرَ مانِعٌ من مَوانعِ المِيراثِ، وقد نقَلَ كَثيرٌ من أهلِ العِلمِ الإِجماعَ على ذلك، ويَدخلُ في هذا الكِتابيةُ زَوجةُ المُسلمِ، واستدَلُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَرثُ المُسلمُ الكافِرَ ولا يَرثُ الكافِرُ المُسلمَ» (٢).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: الكافِرُ لا يَرثُ المُسلمَ بإِجماعِ المُسلِمينَ على ذلك (٣).
стр. 15057
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ الكافِرَ لا يَرثُ المُسلمَ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الكافِرَ لا يَرثُ المُسلمَ، وأنَّ المُسلمَ لا يَرثُ الكافِرَ (٢).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ الكافِرَ لا يَرثُ المُسلمَ (٣).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الكافِرَ لا يَرثُ المُسلمَ (٤).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: واتَّفقَ المُسلِمونَ على أنَّ اليَهوديَّ والنَّصرانِيَّ لا يَرثُ مُسلمًا ولو كانَ ابنَه أو أَباه؛ لأنَّ اللهَ قطَعَ المُوالاةَ بينَهما (٥).
وقالَ أيضًا: اتَّفقَ المُسلِمونَ على أنَّ الكافِرَ لا يَرثُ المُسلمَ ولا يَتزوَّجُ الكافِرُ المُسلِمةَ، واللهُ سُبحانَه قد قطَع الوِلايةَ في كِتابِه بينَ المُؤمِنينَ والكافِرينَ وأوجَبَ البَراءةَ بينَهم من الطَّرفَينِ وأثبَتَ الوِلايةَ بينَ المُؤمِنينَ (٦).
стр. 15058
إذا أسلَمَ الكافِرُ بعدَ مَوتِ قَريبِه المُسلمِ وقبلَ قِسمةِ المِيراثِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الكافِرِ يُسلمُ بعدَ مَوتِ قَريبِه المُسلمِ -أَبيه أو أَخيه أو الزَّوجةِ- وقبلَ قِسمةِ مِيراثِه هل يَرثُ منهم أو لا؟ على قَولَينِ للعُلماءِ:
القَولُ الأولُ: أنَّه لا يَرثُ، وهو قَولُ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وعَطاءٍ وطاوُسٍ والزُّهريِّ وسُليمانَ بنِ يَسارٍ والنَّخعيِّ والحَكمِ وأَبي الزِّنادِ وأَبي حَنيفةَ ومالِكٍ والشافِعيِّ والبُخاريِّ وعامَّةِ الفُقهاءِ.
واستدَلُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَرثُ الكافِرُ المُسلمَ» (١) ولأنَّ المِلكَ قد انتقَلَ بالمَوتِ إلى المُسلِمينَ، أي: بَيتِ المالِ، فلم يُشارِكْهم من أسلَمَ كما لو اقتَسَموا، ولأنَّ المانِعَ من الإِرثِ مُتحقَّقٌ حالَ وُجودِ المَوتِ فلم يَرِثْ، كما لو كانَ رَقيقًا فأُعتِقَ، أو كما لو بَقيَ على كُفرِه.
قالوا: التَّركةُ تَنتقِلُ بالمَوتِ إلى مِلكِ الوَرثةِ ويَستقرُّ مِلكُهم عليها فيَجبُ ألَّا يَزولَ مِلكُهم عنها بالإِسلامِ، كما لا يَزولُ بحُدوثِ وارِثٍ آخَرَ، وهو أنْ يَموتَ ويُخلِّفَ أُمًّا وأُختًا فتَتعلَّقَ الأُمُّ بوَلدٍ آخَرَ؛ فإنَّه لا يَرثُ لحُدوثِه بعدَ الحُكمِ بالمِيراثِ للمَوجودِ.
قالوا: ولأنَّ مَنْ لم يَكنْ وارِثًا عندَ المَوتِ لم يَصِرْ وارِثًا بعدَه؛ لأنَّ فيه صَيرورتَه وارِثًا بعدَ مَوتِ مُورِّثِه وهذا لا يُعقلُ.
قالوا: ولأنَّه لا يَصيرُ وارِثًا بعدَ القِسمةِ، فكذلك قبلَها.
стр. 15059
قالوا: ولأنَّه لو عُتقَ بعدَ المَوتِ وقبلَ القِسمةِ لم يَرِثْ، كذلك ههنا، ولا فَرقَ بينَ الصُّورتَينِ (١).
القَولُ الثاني: أنَّه إذا أسلَمَ الكافِرُ قبلَ مَوتِ قَريبِه؛ فإنَّه يَرثُ منه، وهو قَولُ الحَسنِ بنِ علِيٍّ وابنِ مَسعودٍ وجابِرِ بنِ زَيدٍ والحَسنِ ومَكحولٍ وقَتادةَ وحُميدٍ وإِياسِ بنِ مُعاويةَ وأَحمدَ وإِسحاقَ، واختارَه ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيمِ (وحُكي ذلك عن عُمرَ وعُثمانَ، ولا يَصحُّ عنهما).
واستدَلُّوا على ذلك بما رُويَ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ما كانَ من مِيراثٍ قُسِّمَ في الجاهِليةِ فهو على قِسمةِ الجاهِليةِ، وما كانَ مِنْ مِيراثٍ أدرَكَه الإِسلامُ فهو على قِسمةِ الإِسلامِ» (٢).
وعن يَحيَى بنِ يَعمرَ عن أَبي الأَسودِ الدِّيليِّ قالَ: كانَ مُعاذٌ باليَمنِ
стр. 15060
فارتَفَعوا إليه في يَهوديٍّ ماتَ وترَكَ أخًا مُسلمًا، فقالَ مُعاذٌ: إنِّي سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «إنَّ الإِسلامَ يَزيدُ ولا يَنقُصُ»، فوَرَّثَه (١).
وعن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أسلَمَ على شَيءٍ فهو له» (٢).
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وهذا قد أسلَمَ على مِيراثٍ قبلَ أنْ يُقسَّمَ فيَكونُ له. قالوا: وهذا اتِّفاقٌ من الصَّحابةِ.
ثم قالَ: ولا يَمتنِعُ أنْ يُوجدَ الاستِحقاقُ بعدَ المَوتِ، ويَكونَ في حُكمِه قبلَه كما قُلتُم فيمَن حفَرَ بِئرًا وماتَ ثم وقَعَ فيها إِنسانٌ؛ فإنَّ الضَّمانَ مُتعلِّقٌ بتَركتِه، كما لو وُجدَ الوُقوعُ في حالِ حَياتِه، فالحَفرُ سَببُ الضَّمانِ وُجدَ في حالِ الحَياةِ، والوُقوعُ شَرطٌ في الضَّمانِ، وُجدَ بعدَ المَوتِ، والنَّسبُ سَببُ الإِرثِ، وُجدَ قبلَ المَوتِ، والإِسلامُ شَرطٌ في استِحقاقِه، وُجدَ بعدَ المَوتِ فلا فَرقَ بينَهما؛ ولأنَّ لعَدمِ القِسمةِ تَأثيرًا في الاستِحقاقِ، بدَليلِ أنَّ الكُفارَ إذا ظهَروا على أَموالِ المُسلِمينَ ثم ظهَرَ عليها المُسلِمونَ قبلَ القِسمةِ كانَ صاحِبُه أحَقَّ به، وبعدَ القِسمةِ لا حَقَّ له فيه.
يُبيِّنُ هذا أنَّ المالَ قبلَ القِسمةِ لا تَتعيَّنُ حُقوقُ الوَرثةِ فيه حتى تَستقرَّ الوَصيةُ إنْ كانَت، إمَّا بقَبولٍ أو رَدٍّ فتَتعيَّنُ بالقِسمةِ.
стр. 15061
وأيضًا فقد قالَ المُنازِعونَ لنا: إنَّ ما يَنتقِلُ إلى بَيتِ المالِ عن مَيتٍ لا وارِثَ له يَنتقِلُ إِرثًا، فلو أسلَمَ رَجلٌ بعدَ انتِقالِ المالِ عن مَيتٍ إلى بَيتِ المالِ استحَقَّ جُزءًا منه كما لو كانَ مُسلمًا قبلَ الانتِقالِ، كذلك ههنا، وهذا من فِقهِ الصَّحابةِ ﵃ الذي عجَزَ عنه كَثيرٌ ممَّن بعدَهم؛ فإنَّهم أجْرَوْا حالةَ المَوتِ قبلَ القِسمةِ مَجرى ما قبلَ المَوتِ؛ فإنَّ التَّركةَ لم يَقَعْ عليها استِيلاءُ الوَرثةِ وحَوزُهم وتَصرفُهم، فكأنَّها في يَدِ المَيتِ حُكمًا، فهي ما بينَ المَوتِ والقِسمةِ، لها حالةٌ وَسطٌ، فأُلحِقَت بما قبلَ المَوتِ، وكانَ أَولى استِصحابًا لحالِ بَقائِها.
وأيضًا: فإنَّ التَّركةَ قبلَ القِسمةِ على مِلكِ المَيتِ، فلو زادَت ونَمَت وُفِّيَت دُيونُه من الزِّيادةِ، ولو نصَبَ مَناجِلَ وشَبكةً قبلَ المَوتِ فوقَعَ فيها صَيدٌ بعدَه وقبلَ القِسمةِ كانَ على مِلكِه، فتُوَفَّى منه دُيونُه وتُنفَذُ منه وَصاياه.
وأيضًا: فإنَّ تَوريثَ المُسلمِ قبلَ القِسمةِ ممَّا يُرغِّبُ في الإِسلامِ ويَزيدُ فيه ويَدعو إليه، فلو لم يَكنْ فيه إلا مُجردُ الاستِحسانِ لكانَ ذلك من مَحاسِنِ الشَّريعةِ وكَمالِها ألَّا يُحرَمَ وَلدُ رَجلٍ مِيراثَه بمانِعٍ قد زالَ فِعلُ المُقتَضي عَملَه؛ فإنَّ النَّسبَ هو مُقتضٍ للمِيراثِ، ولكنْ عاقَبَه الشارِعُ بالحِرمانِ على كُفرِه، فإذا أسلَمَ لم يَبقَ مَحلًّا للعُقوبةِ؛ بل صارَ بالثَّوابِ أَولى منه بالعِقابِ.
يُوضِّحُه أنَّ زَوالَ المانِعِ قبلَ القِسمةِ يَجعلُه في حُكمِ ما لم يَكنْ أَصلًا، فالتائِبُ من الذَّنبِ كمَن لا ذَنبَ له، والنازِعُ عن الكُفرِ كمَن لم يَكفُرْ، فلا
стр. 15062
مَعنى لحِرمانِه وقد أكرَمَه اللهُ بالإِسلامِ، ومالُ مَوروثِه لم يَتعيَّنْ بعدُ لغيرِه؛ بل هو في حُكمِ الباقي على مِلكِه من وَجهٍ، وفي حُكمِ الزائلِ من وَجهٍ.
يُوضِّحُه أنَّه إذا أسلَمَ قبلَ القِسمةِ وقبلَ حِيازةِ بَيتِ المالِ التَّركةَ، ساوَى المُسلِمينَ في الإِسلامِ وامتازَ عنهم بقَرابةِ المَيتِ، فكانَ أحَقَّ بمالِه.
وهذه المَسألةُ ممَّا برَزَ به الإِمامُ أَحمدُ ومَن قالَ بقَولِه، وهي من مَحاسِنِ الشَّريعةِ، وعندَ أَحمدَ فيها من الآثارِ عن الصَّحابةِ ما لم يَبلُغْ غيرَه (١).
المَسألةُ الثانيةُ: تَوريثُ المُسلمِ من الكافِرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في تَوريثِ المُسلمِ من الكافِرِ هل يَجوزُ أو لا يَجوزُ؟ على قَولَينِ:
القَولُ الأولُ: أنَّه لا يَجوزُ تَوريثُ المُسلمِ من الكافِرِ، وهو قَولُ عُمرَ بنِ الخَطابِ وعلِيِّ بنِ أَبي طالِبٍ وزَيدٍ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عَباسٍ وجُمهورِ التابِعينَ بالحِجازِ والعِراقِ، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأَبو حَنيفةَ وأَصحابُهم والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ وأَبو عُبيدٍ وأَحمدُ بنُ حَنبلٍ وداودُ بنُ علِيٍّ وأَبو جَعفرٍ الطَّبريُّ وعامَّةُ العُلماءِ، وحُكيَ فيه الإِجماعُ.
قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الكافِرَ لا يَرثُ المُسلمَ، وأنَّ المُسلمَ لا يَرثُ الكافِرَ (٢).
стр. 15063
واستدَلُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَرثُ المُسلمُ الكافِرَ ولا يَرثُ الكافِرُ المُسلمَ» (١).
ولأنَّ الوِلايةَ مُنقطِعةٌ بينَ المُسلمِ والكافِرِ لم يَرِثْه، كما لا يَرثُ الكافِرُ المُسلمَ.
ولأنَّ كلَّ مِلتَينِ امتنَعَ العَقلُ بينَهما امتنَعَ التَّوارُثُ بينَهما كالكافِرِ والمُسلمِ، ولأنَّ التَّوارثَ مُستحَقٌّ بالوِلايةِ، وقد قطَعَ اللهُ الوِلايةَ بينَ المُسلمِ والذِّميِّ فوجَبَ أنْ يَنقطِعَ به التَّوارثُ، ولأنَّ بُعدَ ما بينَ المُسلمِ والذِّميِّ أعظَمُ ممَّا بينَ الذِّميِّ والحَربيِّ، فلمَّا لم يَتوارَثِ الذِّميُّ والحَربيُّ لبُعدِ ما بينَهما كانَ أَولى ألَّا يَتوارثَ المُسلمُ والذِّميُّ.
وإنَّما شُرعَ ذلك ليَكونَ طَريقًا إلى قَطعِ المُواساةِ بينَهما؛ فإنَّ اختِلاطَ المُسلمِ بالكافِرِ يُفسِدُ عليه دِينَه (٢).
стр. 15064
القَولُ الثاني: أنَّه يَجوزُ تَوريثُ المُسلمِ من الكافرِ، وهو قَولُ مُعاذِ بنِ جَبلٍ ومُعاويةَ بنِ أَبي سُفيانَ ومُحمدِ بنِ الحَنفيةِ ومُحمدِ بنِ علِيِّ بنِ الحُسَينِ وسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ ومَسروقِ بنِ الأَجدَعِ وعبدِ اللهِ بنِ مُغفَّلٍ ويَحيَى بنِ يَعمُرَ وإِسحاقَ بنِ راهَوَيهِ، وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنِ القَيمِ.
قالوا جَميعًا: نَرثُهم ولا يَرثونَنا كما نَنكِحُ نِساءَهم ولا يَنكِحونَ نِساءَنا.
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: والذين مَنَعوا المِيراثَ عُمدتُهم الحَديثُ المُتَّفقُ عليه: «لا يَرثُ المُسلمُ الكافِرَ ولا يَرثُ الكافِرُ المُسلمَ» وهو عُمدةُ مَنْ منَعَ مِيراثَ المُنافِقِ الزِّنديقِ ومِيراثَ المُرتدِّ.
قالَ شَيخُنا -أي: ابنُ تَيميةَ-: وقد ثبَتَ بالسُّنةِ المُتواتِرةِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُجري الزَّنادقةَ المُنافِقينَ في الأَحكامِ الظاهِرةِ مَجرى المُسلِمينَ فيَرِثونَ ويُورِّثونَ، وقد ماتَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ وغيرُه ممَّن شهِدَ القُرآنُ بنِفاقِهم ونُهيَ الرَّسولُ ﷺ عن الصَّلاةِ عليه والاستِغفارِ له، وورِثَهم وَرثتُهم المُؤمِنونَ، كما ورِثَ عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ ابنُه، ولم يأخُذِ النَّبيُّ ﷺ من تَركةِ أحدٍ من المُنافِقينَ شَيئًا ولا جعَلَ شَيئًا من ذلك فَيئًا، بل أَعطاه لوَرثتِهم، وهذا أمرٌ مَعلومٌ بيَقينٍ، فعُلمَ أنَّ المِيراثَ مَدارُه على النُّصرةِ الظاهِرةِ لا على إِيمانِ القُلوبِ والمُوالاةِ الباطِنةِ، والمُنافِقونَ في
стр. 15065
الظاهِرِ يَنصُرونَ المُسلِمينَ على أَعدائِهم وإنْ كانوا من وَجهٍ آخَرَ يَفعَلونَ خِلافَ ذلك، فالمِيراثُ مَبناه على الأُمورِ الظاهِرةِ لا على ما في القُلوبِ.
وأمَّا المُرتدُّ فالمَعروفُ عن الصَّحابةِ مِثلُ علِيٍّ وابنِ مَسعودٍ أنَّ مالَه لوَرثتِه من المُسلِمينَ أيضًا، ولم يُدخِلوه في قَولِه ﷺ : «لا يَرثُ المُسلمُ الكافرَ» وهذا هو الصَّحيحُ.
وأمَّا أهلُ الذِّمةِ فمَن قالَ بقَولِ مُعاذٍ ومُعاويةَ ومَن وافَقَهما يَقولُ بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَرثُ المُسلمُ الكافِرَ» المُرادُ به الحَربيُّ لا المُنافِقُ ولا المُرتدُّ ولا الذِّميُّ؛ فإنَّ لَفظَ الكافِرِ -وإنْ كانَ قد يَعمُّ كلَّ كافِرٍ- قد يأتِي والمُرادُ به بعضُ أَنواعِ الكُفارِ؛ كقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] فهنا لم يَدخُلِ المُنافِقونَ في لَفظِ الكافِرينَ، وكذلك المُرتدُّ فالفُقهاءُ لا يُدخِلونَه في لَفظِ الكافرِ عندَ الإِطلاقِ، ولهذا يَقولونَ: إذا أسلَمَ الكافرُ لم يَقضِ ما فاتَه من الصَّلاةِ، وإذا أسلَمَ المُرتدُّ ففيه قَولانِ.
وقد حمَلَ طائِفةٌ من العُلماءِ قَولَ النَّبيِّ ﷺ : «لا يُقتلُ مُسلمٌ بكافِرٍ» (١) على الحَربيِّ دونَ الذِّميِّ، ولا رَيبَ أنَّ حَملَ قَولِه: «لا يَرثُ المُسلمُ الكافِرَ» على الحَربيِّ أَولى وأقرَبُ مَحمَلًا؛ فإنَّ في تَوريثِ المُسلِمينَ منهم تَرغيبًا في الإِسلامِ لمَن أَرادَ الدُّخولَ فيه من أهلِ الذِّمةِ؛ فإنَّ
стр. 15066
كَثيرًا منهم يَمنعُهم من الدُّخولِ في الإِسلامِ خَوفَ أنْ يَموتَ أَقاربُهم ولهم أَموالٌ فلا يَرثوا منهم شَيئًا.
وقد سمِعنا ذلك منهم من غيرِ واحِدٍ منهم شَفاهةً، فإذا عُلمَ أنَّ إِسلامَه لا يُسقطُ مِيراثَه ضَعُفَ المانِعُ من الإِسلامِ وصارَت رَغبتُه فيه قَويةً، وهذا وَحدَه كافٍ في التَّخصيصِ، وهم يَخصُّونَ العُمومَ بما هو دونَ ذلك بكَثيرٍ؛ فإنَّ هذه مَصلحةٌ ظاهِرةٌ يَشهدُ لها الشَّرعُ بالاعتِبارِ في كَثيرٍ من تَصرفاتِه، وقد تَكونُ مَصلحتُها أعظَمَ من مَصلحةِ نِكاحِ نِسائِهم، وليسَ في هذا ما يُخالِفُ الأُصولَ؛ فإنَّ أهلَ الذِّمةِ إنَّما يَنصرُهم ويُقاتلُ عنهم المُسلِمونَ ويَفتَدونَ أَسراهم، والمِيراثُ يُستحَقُّ بالنُّصرةِ فيَرثُهم المُسلِمونَ، وهم لا يَنصُرونَ المُسلِمينَ فلا يَرِثونَهم؛ فإنَّ أصلَ المِيراثِ ليسَ هو بمُوالاةِ القُلوبِ، ولو كانَ هذا مُعتبَرًا فيه كانَ المُنافِقونَ لا يَرِثونَ ولا يُورَثونَ، وقد مَضَت السُّنةُ بأنَّهم يَرِثونَ ويُورَثونَ (١).
رابِعًا: الرِّدةُ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المُرتدَّ لا يَرثُ قَريبَه المُسلمَ وأنَّ الرِّدةَ مانِعٌ من مَوانعِ الإِرثِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا المُرتدُّ فلا يَرثُ المُسلمَ بالإِجماعِ (٢).
стр. 15067
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: (والمُرتدُّ لا يَرثُ أحَدًا إلا أنْ يَرجعَ قبلَ قِسمةِ المِيراثِ).
لا نَعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ المُرتدَّ لا يَرثُ أحَدًا، وهذا قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأَصحابِ الرأيِ، ولا نَعلمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ وذلك لأنَّه لا يَرثُ مُسلمًا، لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَرثُ الكافِرُ المُسلمَ» (١) ولا يَرثُ كافِرًا؛ لأنَّه يُخالِفُه في حُكمِ الدِّينِ؛ لأنَّه لا يُقَرُّ على كُفرِه، فلم يَثبُتْ له حُكمُ أهلِ الدِّينِ الذي انتقَلَ إليه، ولهذا لا تَحلُّ ذَبيحَتُهم ولا نِكاحُ نِسائِهم وإنِ انتَقَلوا إلى دِينِ أهلِ الكِتابِ؛ ولأنَّ المُرتدَّ تَزولُ أَملاكُه الثابِتةُ له واستِقرارُها، فلَأنْ يَكونَ لا يَثبتُ له مِلكٌ أوْلى.
ولو ارتَدَّ مُتوارِثانِ فماتَ أَحدُهما لم يَرِثْه الآخَرُ؛ فإنَّ المُرتدَّ لا يَرثُ ولا يُورثُ، وإنْ رجَعَ المُرتدُّ إلى الإِسلامِ قبلَ قَسمِ المِيراثِ قُسمَ له (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا، هل يَرثُ المُسلمُ المُرتدَّ أو لا؟ على قَولَينِ:
القَولُ الأولُ: أنَّه لا يَرثُه؛ بل يَكونُ مالُه فَيئًا للمُسلِمينَ، هو مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ ورَبيعةَ وابنِ أَبي لَيلى وابنِ المُنذرِ وأبي ثَورٍ وغيرِهم.
стр. 15068
واستدَلُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَرثُ المُسلمُ الكافرَ ولا يَرثُ الكافرُ المُسلمَ» (١).
قالوا: والمُرتدُّ كافرٌ، فلا يَرثُه المُسلمُ كالكافرِ الأَصليِّ؛ ولأنَّ المُرتدَّ لا يَرثُ أحدًا فلا يَرثُه أحدٌ كالرَّقيقِ، يُوضِّحُه: أنَّه لا يَرثُه مَنْ يُوافِقُه في المِلةِ، والمُوافقةُ في المِلةِ سَببُ التَّوريثِ، والمُخالفةُ في المِلةِ سَببُ الحِرمانِ، فلمَّا لم يَرِثْه مَنْ يُوافقُه في المِلةِ مع وُجودِ سَببِ التَّوريثِ، فلَأنْ يَكونَ لا يَرثُه مَنْ يُخالِفُه في المِلةِ أوْلى، وإذا انتَفَى التَّوريثُ عن مالِه فهو في أحدِ الوَجهَينِ؛ لأنَّه مالُ حَربيٍّ لا أَمانَ له فيَكونُ فَيئًا للمُسلِمينَ، وفي الوَجهِ الآخَرِ هو مالٌ ضائِعٌ فمُصيبُه بَيتُ المالِ كالذِّميِّ إذا ماتَ ولا وارِثَ له مِنْ الكُفارِ، يُوضعُ مالُه في بَيتِ المالِ.
والزِّنديقُ كالمُرتدِّ فيما ذَكَرنا، والزِّنديقُ هو الذي يُظهرُ الإِسلامَ ويَستَسِرُّ الكُفرَ، وهو المُنافِقُ، كانَ يُسمَّى في عَصرِ النَّبيِّ ﷺ مُنافِقًا، ويُسمَّى اليَومَ زِنديقًا، قالَ أَحمدُ: مالُ الزِّنديقِ في بَيتِ المالِ.
وكذا الساحِرُ كما نَصَّ على ذلك المالِكيةُ (٢).
стр. 15069
القَولُ الثاني: أنَّه يَرثُه وَرثتُه من المُسلِمينَ، وهو قَولُ الحَنفيةِ وأَحمدَ في رِوايةٍ، وهو قَولُ ابنِ المُسيِّبِ وجابِرِ بنِ زَيدٍ والحَسنِ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وعَطاءٍ والشَّعبيِّ والحَكمِ والأَوزاعيِّ والثَّوريِّ وابنِ شُبرُمةَ وإِسحاقَ ورُويَ ذلك عن أَبي بَكرٍ الصِّديقِ وعلِيٍّ وابنِ مَسعودٍ ﵃.
قالَ الإِمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: وحُجَّتُنا في ذلك ظاهِرُ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] والمُرتدُّ هالِكٌ؛ لأنَّه ارتكَبَ جَريمةً استحَقَّ بها نَفسَه، فيَكونُ هالِكًا، ولمَّا ماتَ عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ، ابنُ سَلولَ جعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ مالَه لوَرثتِه المُسلِمينَ، وهو كانَ مُرتدًّا، وإنْ كانَ مُنافِقًا، فقد شهِدَ اللهُ بكُفرِه بعدَ الإِيمانِ، وفيه نزَلَ قَولُه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٣٧] وإنَّ عليًّا ﵁ قتَلَ المُستورِدَ العِجليَّ على الرِّدةِ، وقسَّمَ مالَه بينَ وَرثتِه المُسلِمينَ، وذلك مَرويٌّ عن ابنِ مَسعودٍ ومُعاذٍ ﵄.
والمَعنى فيه: أنَّه كانَ مُسلمًا مالِكًا لمالِه، فإذا تمَّ هَلاكُه يَخلُفُه وارِثُه في مالِه كما لو ماتَ المُسلمُ، وتَحقيقُ هذا الكَلامِ أنَّ الرِّدةَ هَلاكٌ؛ فإنَّه يَصيرُ به حَربًا، وأهلُ الحَربِ في حَقِّ المُسلِمينَ كالمَوتى، إلا أنَّ تَمامَ هَلاكِه حَقيقةً بالقَتلِ أو المَوتِ، فإذا تَمَّ ذلك استنَدَ التَّوريثُ إلى أولِ الرِّدةِ، وقد كانَ مُسلمًا عندَ ذلك، فيَخلُفُه وارِثُه المُسلمُ في مالِه، ويَكونُ هذا تَوريثَ المُسلمِ من المُسلمِ، وهذا لأنَّ الحُكمَ عندَ تَمامِ سَببِه يَثبتُ من أولِ السَّببِ كالبَيعِ بشَرطِ الخيارِ؛ إذا أُجيزَ يَثبتُ المِلكُ من وَقتِ العَقدِ حتى يَستحقَّ المَبيعَ
стр. 15070
بزَوائِدِه المُتصلةِ والمُنفصلةِ جَميعًا، فعلى هذا الطَّريقِ يَكونُ فيه التَّوريثُ تَوريثَ المُسلمِ من المُسلمِ.
فإنْ قيلَ: زَوالُ مِلكِه إمَّا أنْ يَكونَ قبلَ الرِّدةِ أو معها أو بعدَها، والحُكمُ لا يَسبقُ السَّببَ ولا يَقتَرِنُ به؛ بل يَعقُبُه، وبعدَ الرِّدةِ هو كافِرٌ، قُلنا: نَعَمُ المُزيلُ للمِلكِ رِدَّتُه، كما أنَّ المُزيلَ للمِلكِ مَوتُ المُسلمِ، ثم المَوتُ يُزيلُ المِلكَ عن الحَيِّ لا عن المَيتِ، فكذلك الرِّدةُ تُزيلُ المِلكَ عن المُسلمِ، وكما أنَّ الرِّدةَ تُزيلُ مِلكَه فكذلك تُزيلُ عِصمةَ نَفسِه، وإنَّما تُزيلُ العِصمةَ عن مَعصومٍ لا عن غيرِ مَعصومٍ، فعَرَفنا أنَّه يَتحقَّقُ بهذا الطَّريقِ تَوريثُ المُسلمِ من المُسلمِ، ولهذا لا يَرثُه وَرثتُه الكُفارُ؛ لأنَّ التَّوريثَ من المُسلمِ، ولأنَّ الكافرَ لا يَرثُ المُسلمَ، وهو دَليلُنا؛ فإنَّه كانَ تَعلَّقَ بإِسلامِه حُكمانِ: حِرمانُ وَرثتِه الكُفارِ وتَوريثُ وَرثتِه المُسلِمينَ، ثم بَقيَ أحدُ الحُكمَينِ بعدَ رِدَّتِه باعتِبارِ أنَّه مُبقٍ على حُكمِ الإِسلامِ، فكذلك الحُكمُ الآخَرُ، وإنَّما لا يَرثُ المُرتدُّ أحدًا لجِنايتِه، فهو كالقاتِلِ، لا يَرثُ المَقتولَ لجِنايتِه، ويَرثُه المَقتولُ لو مات القاتِلُ قبلَه؛ ولأنَّه لا وَجهَ لجَعلِ مالِه فَيئًا؛ فإنَّ هذا المالَ كانَ مُحرَزًا بدارِ الإِسلامِ، ولم يَبطُلْ ذلك الإِحرازُ برِدَّتِه حتى لا يَغنمَ في حَياتِه، والمالُ المُحرَزُ بدارِ الإِسلامِ لا يَكونُ فَيئًا، وبهذا تبيَّنَ ثُبوتُ حَقِّ الوَرثةِ فيه؛ لأنَّه إنَّما لا يَغنَمُ في حَياتِه، لا لحَقِّه؛ فإنَّه لا حُرمةَ له؛ بل لحَقِّ الوَرثةِ، فكذلك بعدَ مَوتِه، وإنْ قالَ: يُوضَعُ في بَيتِ المالِ ليَكونَ للمُسلِمينَ باعتِبارِ أنَّه مالٌ ضائِعٌ.
стр. 15071
قُلنا: المُسلِمونَ يَستحِقُّونَ ذلك بالإِسلامِ، ووَرثتُه ساوَوُا المُسلِمينَ في الإِسلامِ، وتَرجَّحوا عليهم بالقَرابةِ، وذو السَّببَينِ مُقدَّمٌ في الاستِحقاقِ على ذي سَببٍ واحِدٍ، فكانَ الصَّرفُ إليهم أوْلى، فأمَّا ما اكتسَبَ في حالِ رِدَّتِه، فعلى قَولِ أَبي حَنيفةَ ﵀ تَعالى هو فَيءٌ يُوضعُ في بَيتِ المالِ، وعندَهما هو مِيراثٌ لوَرثتِه المُسلِمينَ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وعن أَحمدَ ما يَدلُّ على أنَّه لوَرثتِه من المُسلِمينَ ورُويَ ذلك عن أَبي بَكرٍ الصِّديقِ ﵁، وعلِيٍّ وابنِ مَسعودٍ ﵃.
وبه قالَ ابنُ المُسيِّبِ وجابِرُ بنُ زَيدٍ والحَسنُ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ وعَطاءٌ والشَّعبيُّ والحَكمُ والأَوزاعيُّ والثَّوريُّ وابنُ شُبْرُمةَ وأهلُ العِراقِ وإِسحاقُ.
إلا أنَّ الثَّوريَّ وأَبا حَنيفةَ واللُّؤلُؤيَّ وإِسحاقَ قالوا: ما اكتسَبَه في رِدَّتِه يَكونُ فَيئًا، ولم يُفرِّقْ أَصحابُنا بينَ تِلادِ مالِه وطارِفِه، ووَجهُ هذا القَولِ أنَّه قَولُ الخَليفتَينِ الراشِدَينِ؛ فإنَّه يُروَى عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ قالَ: بعَثَني أَبو بَكرٍ عندَ رُجوعِه إلى أهلِ الرِّدةِ أنْ أقسِمَ أَموالَهم بينَ وَرَثتِهم المُسلِمينَ.
ولأنَّ رِدَّتَه يَنتقِلُ بها مالُه، فوجَبَ أنْ يَنتقِلَ إلى وَرثتِه المُسلِمينَ كما لو انتقَلَ بالمَوتِ، ورُويَ عن أَحمدَ رِوايةٌ أنَّ مالَه لأهلِ دِينِه الذي اختارَه إنْ
стр. 15072
كانَ منه مَنْ يَرثُه وإلا فهو فَيءٌ وبه قالَ داودُ، ورُويَ عن عَلقَمةَ وسَعيدِ بنِ أَبي عُروةَ؛ لأنَّه كافِرٌ فوَرثَه أهلُ دِينِه كالحَربيِّ وسائِرِ الكُفارِ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا مالُ المُرتدِّ إذا قُتلَ أو مات، فقالَ جُمهورُ فُقهاءِ الحِجازِ: هو لجَماعةِ المُسلِمينَ ولا يَرثُه قَرابتُه، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ، وهو قَولُ زَيدٍ من الصَّحابةِ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ والثَّوريُّ وجُمهورُ الكُوفيِّينَ وكَثيرٌ من البَصريِّينَ: يَرثُه وَرثتُه من المُسلِمينَ، وهو قَولُ ابنِ مَسعودٍ من الصَّحابةِ وعلِيٍّ ﵄.
وعُمدةُ الفَريقِ الأولِ: عُمومُ الحَديثِ.
وعُمدةُ الحَنفيةِ: تَخصيصُ العُمومِ بالقياسِ، وقياسُهم في ذلك هو أنَّ قَرابتَه أَولى من المُسلِمينَ؛ لأنَّهم يُدلُونَ بسَببَينِ: بالإِسلامِ والقَرابةِ، والمُسلِمونَ بسَببٍ واحِدٍ، وهو الإِسلامُ، وربَّما أكَّدوا بما يَبقى لمَا له حُكمُ الإِسلامِ، بدَليلِ أنَّه لا يُؤخَذُ في الحالِ حتى يَموتَ، فكانَت حَياتُه مُعتبَرةً في بَقاءِ مالِه على مِلكِه، وذلك لا يَكونُ إلا بأنْ يَكونَ لمالِه حُرمةٌ إِسلاميةٌ، ولذلك لم يَجُزْ أنْ يُقرَّ على الارتِدادِ، بخِلافِ الكافرِ.
وقالَ الشافِعيُّ وغيرُه: يُؤخذُ بقَضاءِ الصَّلاةِ إذا تابَ من الرِّدةِ في أيامِ الرِّدةِ، والطائِفةُ الأُخرى تَقولُ: يُوقَفُ مالُه؛ لأنَّ له حُرمةً إِسلاميةً، وإنَّما وُقفَ رَجاءَ أنْ يَعودَ إلى الإِسلامِ، وأنَّ استِيجابَ المُسلِمينَ لمالِه ليسَ على طَريقِ الإِرثِ.
стр. 15073
وشذَّت طائِفةٌ فقالَت: مالُه للمُسلِمينَ عندَما يَرتدُّ، وأظُنُّ أنَّ أشهَبَ ممَّن يَقولُ بذلك (١).
حُكمُ الميراثِ إذا اختَلفَت أَديانُ الكُفارِ:
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: واتَّفقَ المُسلِمونَ على أنَّ أهلَ الدِّينِ الواحِدِ يَتوارَثونَ، يَرثُ اليَهوديُّ اليَهوديَّ والنَّصرانِيُّ النَّصرانِيَّ (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا الكُفارُ فيَتوارَثونَ إذا كانَ دِينُهم واحِدًا لا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ فيه خِلافًا، وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَرثُ المُسلمُ الكافرَ» (٣) دَليلٌ على أنَّ بعضَهم يَرثُ بَعضًا، وقَولُه: «لا يَتوارَثُ أهلُ مِلتَينِ شَتَّى» (٤) دَليلٌ على أنَّ أهلَ المِلةِ الواحِدةِ يَرثُ بعضُهم بَعضًا، وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «وهل ترَكَ لنا عَقيلٌ من دارٍ؟»، دَليلٌ على أنَّ عَقيلًا ورِثَ أَبا طالِبٍ دونَ جَعفرٍ وعلِيٍّ؛ لأنَّهما كانا مُسلِمينَ وكانَ عَقيلٌ على دِينِ أبيه مُقيمًا بمَكةَ، فباعَ رِباعَه بمَكةَ فلذلك لمَّا قيلَ للنَّبيِّ ﷺ أينَ تَنزلُ غدًا؟ قالَ: «وهل ترَكَ لنا عَقيلٌ من رِباعٍ؟»، وقالَ عُمرُ في عَمةِ الأشعَثِ بنِ قَيسٍ: «يَرثُها أهلُ دِينِها» (٥).
стр. 15074
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا فيما إذا اختَلفَت مِلتُهم، بأنْ يَرثَ النَّصرانِيُّ اليَهوديَّ ويَرثَ اليَهوديُّ النَّصرانِيَّ على قولَينِ:
القَولُ الأولُ: أنَّ الكُفرَ مِللٌ مُختلِفةٌ، فلا يَرثُ يَهوديٌّ نَصرانيًّا ولا يَرثُه النَّصرانِيُّ، وكذلك المَجوسيُّ لا يَرثُ نَصرانيًّا ولا يَهوديًّا ولا يَرِثانِه، وهو مَذهبُ المالِكيةِ وأَحمدَ في رِوايةٍ، وهو قَولُ الزُّهريِّ ورَبيعةَ والحَسنِ البَصريِّ وشَريكٍ القاضي وإِسحاقَ.
استدَلُّوا بقَولِه ﷺ : «لا يَتوارَثُ أهلُ مِلتَينِ شَتَّى» (١) وهُم أهلُ مِللٍ مُختلِفةٍ، بدَليلِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ [البقرة: ٦٢] وإنَّما يُعطَفُ الشَيءُ على غيرِه لا على بعضِه، فكما أنَّ عَطفَ اليَهودِ على المُسلِمينَ دَليلٌ على أنَّهم أهلُ مِلتَينِ، فكذلك عَطفُ النَّصارَى على اليَهودِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] ومَعلومٌ أنَّ اليَهودَ لا تَرضى إلا بأنْ يَتَّبعَ اليَهوديةَ معهم، والنَّصارى كذلك، فعَرَفنا أنَّ لكلِّ واحِدٍ من الفَريقَينِ مِلةً على حِدةٍ، ولأنَّ النَّصارى يُقرُّون بنُبوةِ عيسى ﵇، والإِنجيلِ، ولأنَّ اليَهودَ يَجحَدونَ ذلك، فكانَ مِلةُ كلِّ واحِدٍ منهما غيرَ مِلةِ الآخَرِ كالمُسلِمينَ مع النَّصارى؛ فإنَّ المُسلِمينَ يُقرُّونَ برِسالةِ مُحمدٍ ﷺ وبالقُرآنِ، فكانَت مِلتُهم غيرَ مِلةِ النَّصارى.
стр. 15075
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهو أصَحُّ الأَقوالِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَتوارَثُ أهلُ مِلتَينِ شَتَّى» (١) ولأنَّ كلَّ فريقَينِ منهم لا مُوالاةَ بينَهما ولا اتِّفاقَ في دِينٍ، فلم يَرثْ بعضُهم بَعضًا كالمُسلِمينَ والكُفارِ، والعُموماتُ في التَّوريثِ مَخصوصةٌ، فيُخصُّ منها مَحلُّ النِّزاعِ بالخَبَرِ والقياسِ (٢).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀ بعدَ أنْ رجَّحَ هذا القَولَ: واحتَجُّوا على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] فأثبَتَ لكلِّ شَريعةٍ دِينًا فقالَ تَعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: ١٢٥] فلو كانَ مَنْ خالَفَ دِينَ النَّبيِّ ﷺ أهلَ مِلةٍ واحِدةٍ لم يُخصَّ إِبراهيمُ بمِلةٍ … ولأنَّ أَحكامَهم مُختلِفةٌ، بدَليلِ أنَّ المَجوسَ لا تُؤكلُ ذَبيحَتُهم ولا تُنكحُ نِساؤُهم ولا كِتابَ لهم، واليَهودُ والنَّصارى بخِلافِ ذلك، ولأنَّهم مُختلِفونَ في النَّبيِّ ﷺ والكِتابِ كاختِلافِ المُسلِمينَ والكُفارِ (٣).
стр. 15076
القَولُ الثاني: أنَّ الكُفرَ كلَّه مِلةٌ واحِدةٌ، فيَرثُ اليَهوديُّ النَّصرانِيَّ ويَرثُ النَّصرانِيُّ اليَهوديَّ، وهو قَولُ الحَنفيةِ والشافِعيةِ وأَحمدَ في رِوايةٍ وأَبي ثَورٍ وداودَ والثَّوريِّ وحَمادٍ وابنِ شُبرمةَ.
قالوا: لأنَّ تَوريثَ الآباءِ من الأَبناءِ والأَبناءِ من الآباءِ مَذكورٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى ذِكرًا عامًّا، فلا يُتركُ إلا فيما استَثناه الشَّرعُ، والذي لم يَستَثنِه الشَّرعُ يَبقى على العُمومِ، ولأنَّ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] عامٌّ في جَميعِهم.
قالَ الإِمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: وحُجتُنا في ذلك أنَّ اللهَ تَعالى جعَلَ الدِّينَ دِينَينِ؛ الحَقَّ والباطِلَ، فقالَ اللهُ : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] وجعَلَ الناسَ فَريقَينِ، فقالَ: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ﴾ وهُم المُؤمِنونَ، ﴿وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] وهُم الكُفارُ بأَجمعِهم، وجعَلَ الخَصمَ خَصمَينِ، فقالَ ﷻ : ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] يَعني الكُفارَ أجمَعين مع المُؤمِنينَ.
والدَّليلُ عليه: أنَّا نُسلِّمُ بأنَّهم فيما بينَهم أهلُ مِللٍ فيما يَعتقِدونَ، ولكنَّهم عندَ مُقابَلتِهم بالمُسلِمينَ أهلُ مِلةٍ واحِدةٍ؛ لأنَّ المُسلِمينَ يُقِرُّون برِسالةِ مُحمدٍ ﷺ وبالقُرآنِ، وهم يُنكِرونَ ذلك بأجمَعِهم، وبه كَفَروا فكانوا في حَقِّ المُسلِمينَ أهلَ مِلةٍ واحِدةٍ في الشِّركِ، وإنِ اختَلفَت نِحَلُهم فيما بينَهم، وكذلك مَنْ يَعبدُ منهم صَنمًا، ومَن يَعبدُ صَنمًا آخَرَ ويُكفِّرُ كلُّ واحِدٍ منهم صاحِبَه فهم أهلُ مِلةٍ واحِدةٍ وإنِ اختَلفَت نِحلُهم، فكذلك الكُفارُ بأجمَعِهم،
стр. 15077
وكانوا في هذا كأهلِ الأَهواءِ من المُسلِمينَ، وفي قَولِه ﵇: «لا يَتوارَثُ أهلُ مِلتَينِ» إشارةٌ إلى ما بَيَّنَّا؛ فإنَّه فسَّرَ المِلتَينِ بقَولِه: «لا يَرثُ المُسلمُ الكافرَ ولا يَرثُ الكافرُ المُسلمَ» (١) ففي تَنصيصِه على الوَصفِ العامِّ في مَوضعِ التَّفسيرِ بَيانُ أنَّهم في حُكمِ التَّوريثِ أهلُ مِلةٍ واحِدةٍ، وحِلُّ الذَّبيحةِ والمُناكَحةِ لا يَقوى الاستِدلالُ به؛ فإنَّ المُسلِمينَ مع اليَهودِ والنَّصارى استَوَوْا في حُكمِ حِلِّ الذَّبيحةِ والمُناكَحةِ، ثم لم يَكنْ دَليلٌ على اتِّفاقِ المِلةِ بينَهم، فكذلك اختِلافُ المَجوسِ مع أهلِ الكِتابِ في حِلِّ الذَّبيحةِ والمُناكَحةِ لا يَكونُ دَليلًا على اختِلافِ المِلةِ فيما بينَهم، وكانَ المَعنى فيه: أنَّ شَرطَ حِلِّ الذَّبيحةِ تَسميةُ اللهِ تَعالى على الخُلوصِ، والكِتابيُّ من أهلِ ذلك؛ لأنَّهم يُظهِرونَ دَعوى التَّوحيدِ وإنْ كانوا يُضمِرونَ في ذلك بعضَ الشِّركِ، فلتَحقُّقِ وُجودِ الشَّرطِ في حَقِّهم حَلَّت ذَبائِحُهم بخِلافِ المَجوسِ؛ فإنَّهم لا يَدَّعونَ التَّوحيدَ، فلا تَصحُّ منهم تَسميةُ اللهِ تَعالى على الخُلوصِ، وهو شَرطُ الحِلِّ (٢).
خامِسًا: اختِلافُ الدارَينِ بينَ غيرِ المُسلِمينَ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ المُسلِمينَ يَتوارَثونَ فيما بينَهم وإنْ بعُدَت الدِّيارُ بينَهم واختَلفَت جِنسياتُهم ما دامَ هناك سَببٌ من أَسبابِ
стр. 15078
التَّوارُثِ وهي القَرابةُ والنِّكاحُ والوَلاءُ، فإذا ماتَ مُسلمٌ في بِلادِ الكُفارِ وَرثَه أقارِبُه من المُسلِمينَ في أيِّ بَلدٍ كانَ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا في غيرِ المُسلِمينَ إذا اختَلفَت دِيارُهم بأنْ كانَ هناك شَخصانِ أَحدُهما في الهِندِ مَثلًا وله دُورٌ وسُلطانٌ ومَنعةٌ، والآخَرُ في بِلادِ التُّركِ مَثلًا وله دارٌ ومَنعةٌ أُخرى وانقطَعَت بينَهما العِصمةُ حتى إنَّ أَحدَهما يَستحِلُّ قَتلَ الآخَرِ هل إذا ماتَ أَحدُهما ورِثَه الآخَرُ أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَشهورِ وأكثَرُ الحَنابِلةِ إلى أنَّه لا توَارُثَ بينَهما، فاختِلافُ الدارَينِ على التَّفصيلِ السابِقِ يَمنعُ المِيراثَ بينَهما لعَدمِ وُجودِ التَّناصرِ والمُوالاةِ بينَهما لاختِلافِ دارِ كلٍّ منهما، والمُوالاةُ والتَّناصرُ أَساسُ المِيراثِ، فعليه لا يَرثُ الحَربيُّ الذِّميَّ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ غيرَ المُسلمِ يَرثُ قَريبَه غيرَ المُسلمِ وإنْ تباعَدَت الدارُ واختَلفَت إذْ لا يُوجدُ دَليلٌ على المَنعِ من المِيراثِ بعدَ تَحقُّقِ سَببِه وشَرطِه، فأهلُ المِلةِ الواحِدةِ يَتوارَثونَ وإنِ اختَلفَت دِيارُهم؛ لأنَّ العُموماتِ من النُّصوصِ تَقتَضي تَوريثَهم ولم يَرِدْ بتَخصيصِهم نَصٌّ ولا إِجماعٌ ولا يَصحُّ فيهم قياسٌ فيَجبُ العَملُ بعُمومِها، ومَفهومُ قَولِه ﷺ : «لا يَتوارَثُ أهلُ مِلتَينِ شَتَّى» أنَّ أهلَ المِلةِ الواحِدةِ يَتوارَثونَ.
стр. 15079
وضَبطُه التَّوريثَ بالمِلةِ والكُفرِ والإِسلامِ دَليلٌ على أنَّ الاعتِبارَ به دونَ غيرِه، ولأنَّ مُقتَضى التَّوريثِ مَوجودٌ فيَجبُ العَملُ به ما لم يَقُمْ دَليلٌ على تَحقُّقِ المانعِ (١).
سادِسًا: الدَّورُ الحُكمِيُّ:
عَدَّ الشافِعيةُ الدَّورَ الحُكميَّ من مَوانعِ الإِرثِ، وهو أنْ يَلزمَ من ثُبوتِ الشَيءِ نَفيُه، والمُرادُ هنا أنْ يَلزمَ من ثُبوتِ الإِرثِ نَفيُه كأخٍ حائِزٍ أقَرَّ بابنٍ للمَيتِ أو أنكَرَ بُنوةَ مَنْ ادَّعاها، ونكَلَ عن اليَمينِ فحلَفَ مُدَّعي البُنوةِ فلا يَرثُ الابنُ وإنْ ثبَتَ نَسبُه.
وكمَريضٍ اشتَرَى أَباه؛ فإنَّه يُعتَقُ عليه ولا يَرثُ، ولو ملَكَ أَخاه فأقَرَّ في المَرضِ أنَّه كانَ أعتَقَه في الصِّحةِ ورِثَ بِناءً على صِحةِ الإِقرارِ للوارِثِ (٢).
الوارِثونَ من الرِّجالِ والنِّساءِ:
المُجمَعُ على تَوريثِهم من الرِّجالِ:
المُجمَعُ على تَوريثِهم من الرِّجالِ فَرضًا أو تَعصيبًا أو بهما بطَريقِ الاختِصارِ عَشرةٌ، أي: الذين يَستحِقُّونَ المِيراثَ في الجُملةِ، وإنِ اختلَفوا في