← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 15086–15125 · переход к 15091.

стр. 15086

ووَلدُ الابنِ كالابنِ إِجماعًا، ولَفظُ الوَلدِ يَشملُ الابنَ ووَلدَه؛ إِعمالًا للَّفظِ في حَقيقتِه ومَجازِه. قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الزَّوجَ يَرثُ من زَوجتِه إذا لم تَتركْ وَلدًا أو وَلدَ ابنٍ ذَكرًا كانَ أو أُنثى: النِّصفَ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الزَّوجُ والزَّوجةُ ذوا فَرضٍ لا يَرثانِ بغيرِه، وفَرضُ الزَّوجِ النِّصفُ مع عَدمِ وَلدِ المَيتةِ ووَلدِ ابنِها، والرُّبعُ مع الوَلدِ أو وَلدِ الابنِ، وفَرضُ الزَّوجةِ والزَّوجاتِ الرُّبعُ مع عَدمِ وَلدِ الزَّوجِ ووَلدِ ابنِه والثُّمنُ مع الوَلدِ أو وَلدِ الابنِ، الواحِدُ والأكثَرُ سَواءٌ بإِجماعِ أهلِ العِلمِ (٢). ٢ - والبِنتُ تَرِثُ النِّصفَ بالإِجماعِ ويُشتَرطُ حتى تَرثَ البِنتُ النِّصفَ شَرطانِ: أ- أنْ تَكونَ واحِدةً. ب- ألَّا يَكونَ معها أخٌ لها يَعصِبُها. ودَليلُ ذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]. قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: للبِنتِ الواحِدةِ النِّصفُ ولا خِلافَ في هذا بينَ عُلماءِ المُسلِمينَ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١].

стр. 15087

ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى في بِنتٍ وبِنتِ ابنٍ وأُختٍ أنَّ للبِنتِ النِّصفَ ولبِنتِ الابنِ السُّدسَ وما بَقيَ فللأُختِ (١). ٣ - وبِنتُ الابنِ وإنْ سفَلَ: وتَرثُ النِّصفَ بثَلاثةِ شُروطٍ: أ- أنْ تَكونَ واحِدةً. ب- وألَّا يَكونَ معها أخٌ لها يَعصِبُها. ج- وألَّا يَكونَ معها أحدٌ من وَلدِ المَيتِ، كابنٍ أو بِنتٍ. ودَليلُ إِرثِ بِنتِ الابنِ النِّصفُ عندَ تَحقُّقِ الشُّروطِ السابِقةِ الإِجماعُ، قالوا: إنَّ وَلدَ الابنِ ذَكرًا كانَ أو أُنثى قائِمٌ مَقامَ الوَلدِ في الإِرثِ. قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ بَني الابنِ وبَناتِ الابنِ يَقومونَ مَقامَ البَنينَ والبَناتِ، ذُكورُهم كذُكورِهم، وإِناثُهم كإِناثِهم، إذا لم يَكنْ للمَيتِ وَلدٌ لصُلبِه (٢). ٤ - والأُختُ الشَّقيقةُ: وهي تَرثُ النِّصفَ بأربَعةِ شُروطٍ: أ- عَدمُ الفَرعِ الوارِثِ للمَيتِ، كابنٍ أو بِنتٍ، أو ابنِ ابنٍ، أو بِنتِ ابنٍ. ب- عَدمُ وُجودِ الأصلِ الوارِثِ، كالأَبِ والجَدِّ. ج- أنْ تَكونَ واحِدةً. د- ألَّا يَكونَ معها أخٌ لها يَعصِبُها.

стр. 15088

ودَليلُ أنَّ إِرثَ الأُختِ النِّصفُ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]. ٥ - والأُختُ لأبٍ: وتَستحِقُّ النِّصفَ بخَمسةِ شُروطٍ، هذه الشروط: الأربَعةُ السابِقةُ في الأُختِ الشَّقيقةِ، والخامِسُ عَدمُ وُجودِ أخٍ شَقيقٍ للمَيتِ، أو أُختٌ شَقيقةٌ. ودَليلُ أنَّ إِرثَ الأُختِ من الأَبِ النِّصفُ الآيةُ نَفسُها التي دَلَّت على تَوريثِ الشَّقيقةِ النِّصفَ؛ لأنَّ المَقصودَ بالأُختِ في الآيةِ الشَّقيقةُ أو لأَبٍ بإِجماعِ العُلماءِ. الفَرضُ الثاني: الرُّبعُ: وهو فَرضُ اثنَينِ، هُما: الزَّوجُ: ويُشتَرطُ لإِرثِه الرُّبعَ من تَركةِ زَوجتِه أنْ يَكونَ لها وَلدٌ أو وَلدُ ابنٍ، سَواءٌ كانَ الوَلدُ منه أو من غيرِه، وسَواءٌ كانَ ذَكرًا أو أُنثى. ودَليلُ ذلك قَولُ اللهِ ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: ١٢]. ووَلدُ الابنِ كالوَلدِ في الإِرثِ والحَجبِ والتَّعصيبِ كما سبَقَ. قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ له الرُّبعَ إذا ترَكَت وَلدًا أو وَلدَ وَلدٍ، ولا يَنقُصُ منه شَيءٌ (١).

стр. 15089

٦ - الزَّوجةُ أو الزَّوجاتُ: وهي أو هُنَّ تَستحِقُّ الرُّبعَ إذا لم يَكنْ للزَّوجِ وَلدٌ أو وَلدُ ابنٍ، منها أو منهن، أو من غيرِها أو غيرِهن. ودَليلُ ذلك قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]. قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ المَرأةَ تَرثُ من زَوجِها الرُّبعَ، إذا هو لم يَتركْ وَلدًا ولا وَلدَ ابنٍ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الزَّوجُ والزَّوجةُ ذَوا فَرضٍ لا يَرثانِ بغيرِه، وفَرضُ الزَّوجِ النِّصفُ مع عَدمِ وَلدِ المَيتةِ ووَلدِ ابنِها، والرُّبعُ مع الوَلدِ أو وَلدِ الابنِ، وفَرضُ الزَّوجةِ والزَّوجاتِ الرُّبعُ مع عَدمِ وَلدِ الزَّوجِ ووَلدِ ابنِه، والثُّمنُ مع الوَلدِ أو وَلدِ الابنِ، الواحِدُ والأكثَرُ سَواءٌ بإِجماعِ أهلِ العِلمِ، والأَصلُ فيه قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. وإنَّما جُعلَ للجَماعةِ مِثلُ ما للواحِدةِ؛ لأنَّه لو جُعلَ لكلِّ واحِدةٍ الرُّبعُ وهُنَّ أربَعٌ لأخَذنَ جَميعَ المالِ وزادَ فَرضُهُن على فَرضِ الزَّوجِ، ومِثلُ هذا

стр. 15090

في الجَدَّاتِ للجَماعةِ مِثلُ ما للواحِدةِ؛ لأنَّ الجَداتِ لو أخَذَت كلُّ واحِدةٍ منهن السُّدسَ لأخَذنَ النِّصفَ فزِدنَ على مِيراثِ الجَدِّ (١). الفَرضُ الثالِثُ: الثُّمنُ: وهو فَرضٌ لواحِدٍ: وهي الزَّوجةُ أو الزَّوجاتُ، ويُشتَرطُ لذلك أنْ يَكونَ للزَّوجِ وَلدٌ أو وَلدُ ابنٍ، ذَكرًا كانَ أو أُنثى، وذلك بإِجماعِ العُلماءِ، وبدَليلِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]. قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّها تَرثُ الثُّمنَ، إذا كانَ له وَلدٌ أو وَلدُ ابنٍ. وأَجمَعوا على أنَّ حُكمَ الأربَعِ من الزَّوجاتِ حُكمُ الواحِدةِ في كلِّ ما ذَكَرنا (٢). الفَرضُ الرابِعُ: الثُّلثانِ: وهو فَرضُ أربَعةٍ كما يَلي: ١ - البِنتانِ فأكثَرُ من أَولادِ المَيتِ: ويُشتَرطُ لإِرثِهما الثُّلثَينِ شَرطٌ واحِدٌ، وهو عَدمُ وُجودِ مُعصِّبٍ لهن، وهو ابنُ المَيتِ، ودَليلُ إِرثِهن الثُّلثَينِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٢]. أي: اثنَتَينِ فما فَوقُ.

стр. 15091

وقد قَضى النَّبيُّ ﷺ لبِنتَي سَعدٍ بالثُّلثَينِ من تَركةِ أَبيهما كما سبَقَ. قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ للثِّنتَينِ من البَناتِ: الثُّلثَينِ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أَجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ فَرضَ الابنتَينِ الثُّلثانِ إلا رِوايةً شاذَّةً عن ابنِ عَباسٍ أنَّ فَرضَهما النِّصفُ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] فمَفهومُه أنَّ ما دونَ الثَّلاثِ ليسَ لهما الثُّلثانِ والصَّحيحُ قَولُ الجَماعةِ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لأخي سَعدِ بنِ الرَّبيعِ: «أَعطِ ابنَتَيْ سَعدٍ الثُّلثَينِ» وقالَ اللهُ تَعالى في الأَخواتِ: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، وهذا تَنبيهٌ على أنَّ للبنتَينِ الثُّلثَينِ؛ لأنَّهما أَقرَبُ ولأنَّ كلَّ مَنْ يَرثُ الواحِدُ منهم النِّصفَ فللاثنَتَينِ الثُّلثانِ كالأَخواتِ من الأَبوَينِ والأَخواتِ من الأَبِ، وكلُّ عَددٍ يَختلِفُ فَرضُ واحِدِهم وجَماعتِهم فللاثنَينِ منهم مِثلُ فَرضِ الجَماعةِ كوَلدِ الأُمِّ والأَخواتِ من الأبَوَينِ أو من الأَبِ، فأمَّا الثَّلاثُ من البَناتِ فما زادَ فلا خِلافَ في أنَّ فَرضَهن الثُّلثانِ وأنَّه ثابِتٌ بقَولِ اللهِ تَعالى ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] (٢). ٢ - وفَرضُ بِنتَي ابنٍ فأكثَرَ منهما، سَواءٌ كُنَّ من أَبٍ، أو من آباءٍ.

стр. 15092

قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ بَني الابنِ وبَناتِ الابنِ يَقومونَ مَقامَ البَنينَ والبَناتِ، ذُكورُهم كذُكورِهم، وإِناثُهم كإِناثِهم، إذا لم يَكنْ للمَيتِ وَلدٌ لصُلبِه. وأَجمَعوا على أنَّ وَلدَ البَناتِ لا يُورَّثونَ ولا يَحجُبونَ إلا ما اختُلفَ فيه من ذَوي الأَرحامِ. وأَجمَعوا على أنَّه لا مِيراثَ لبَناتِ الابنِ إذا استَكمَل البَناتُ الثُّلثَينِ، وذلك إذا لم يَكنْ مع بَناتِ الابنِ ذَكرٌ (١). وتَرثانِ الثُّلثَينِ بشَرطَينِ، هُما: أ- عَدمُ المُعصِّبِ لهن. ب- عَدمُ وُجودِ وَلدٍ للمَيتِ ذَكرًا كانَ أو أُنثى. ودَليلُ إِرثِ بَناتِ الابنِ الثُّلثَينِ إنَّما هو القياسُ على البَناتِ، أو دُخولُهما في لَفظِ البَناتِ، بِناءً على أنَّ اللَّفظَ يُستعمَلُ في حَقيقتِه ومَجازِه. ٣ - وفَرضُ الأُختَينِ الشَّقيقتَينِ فأكثَرَ: وهُما تَرِثانِ الثُّلثَينِ بثَلاثةِ شُروطٍ: أ- عَدمُ المُعصِّبِ لهن كأخٍ. ب- عَدمُ وُجودِ فَرعٍ وارِثٍ للمَيتِ ذَكرًا كانَ أو أُنثى. ج- عَدمُ وُجودِ الأصلِ الوارِثِ للمَيتِ من أبٍ أو جَدٍّ.

стр. 15093

ودَليلُ إِرثِهن الثُّلثَينِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]. ٤ - الأُختانِ لأَبٍ فأكثَرُ: ويَرثانِ الثُّلثَينِ بأربَعةِ شُروطٍ، هي: الثَّلاثةُ السابِقةُ في الشَّقيقتَينِ، والشَّرطُ الرابِعُ عَدمُ وُجودِ أخٍ شَقيقٍ للمَيتِ أو أُختٍ شَقيقةٍ. ودَليلُ إِرثِ الأُختَينِ لأبٍ الثُّلثَينِ الإِجماعُ؛ فإنَّه مُنعقِدٌ على أنَّ الآيةَ السابِقةَ إنَّما نزَلَت في الأُختَينِ الشَّقيقتَينِ والأُختَينِ لأبٍ دونَ الأَخواتِ لأمٍّ. فضابِطُ مَنْ يَرثُ الثُّلثَينِ مَنْ تَعدَّدَ من الإِناثِ ممَّن فَرضُه النِّصفُ عندَ انفِرادِهنَّ عمَّن يَعصِبُهن أو يَحجُبُهن؛ وذلك لقَولِه تَعالى في البَناتِ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] وفي الأَخواتِ: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]. قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ ما فَوقَ البِنتَينِ من البِناتِ كحُكمِ البِنتَينِ. وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ والأَخواتِ من الأَبِ يَقومونَ مَقامَ الإِخوةِ والأَخواتِ من الأَبِ والأُمِّ، ذُكورُهم كذُكورِهم، وإِناثُهم كإِناثِهم، إذا لم يَكنْ للمَيتِ إِخوةٌ ولا أَخواتٌ لأَبٍ وأُمٍّ. وأَجمَعوا على أنَّه لا مِيراثَ للأَخواتِ من الأَبِ إذا استَكمَل الأَخواتُ من الأَبِ والأُمِّ الثُّلثَينِ، إلا أنْ يَكونَ مَعهن أَخٌ ذَكرٌ.

стр. 15094

وأَجمَعوا على أنَّ الأَخواتِ من الأَبِ لا يَرِثنَ ما فضَلَ عن الأَخواتِ للأَبِ والأُمِّ، فإنْ ترَكَ أُختَينِ أو أَخواتٍ لأَبٍ وأُمٍّ فلهُنَّ الثُّلثانِ، وما بَقيَ فللإِخوةِ من الأَبِ (١). الفَرضُ الخامِسُ: الثُّلثُ: وهو فَرضُ ثَلاثةٍ: ١ - فَرضُ الأُمِّ: وتَرثُ الأُمُّ الثُّلثَ بشَرطَينِ: أ- عَدمُ وُجودِ الفَرعِ الوارِثِ للمَيتِ، ذَكرًا كانَ أو أُنثى، مِثلَ الابنِ أو البِنتِ، وابنِ الابنِ، وبِنتِ الابنِ. ب- عَدمُ وُجودِ الإِخوةِ أو الأَخواتِ للمَيتِ، اثنَينِ فأكثَرَ، أَشقاءَ أو لأَبٍ أو لأمٍّ، ذُكورًا أو لا، مَحجوبينَ بغيرِهما كأَخوَينِ لأمٍّ مع جَدٍّ أو لا. ودَليلُ إِرثِ الأُمِّ الثُّلثَ بالشُّروطِ السابِقةِ قَولُ اللهِ : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] ووَلدُ الابنِ مُلحَقٌ بالوَلدِ كما مَرَّ. والمُرادُ بالإِخوةِ اثنان فأكثَرُ إِجماعًا. ويُشتَرطُ أيضًا ألَّا يَكونَ مع الأُمِّ أبٌ وأحدُ الزَّوجَينِ فقط، فإنْ كانَ معها ذلك ففَرضُها ثُلثُ الباقي كما مَرَّ. ٢ - وفَرضُ اثنَينِ فأكثَرَ من وَلدِ الأُمِّ، يَستَوي فيه الذَّكرُ والأُنثى، ويُقسَّمُ بينَهم بالسَّويةِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ

стр. 15095

امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١١]، والمُرادُ أَولادُ الأُمِّ، وإنَّما سَوَّى بينَ الذَّكرِ والأُنثى لأنَّه لا تَعصيبَ فيمَن أدلَوْا به، بخِلافِ الأَشِقاءِ أو لأَبٍ؛ فإنَّ فيهم تَعصيبًا، فكانَ للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثيَينِ كالبِنتَينِ والبَناتِ. وقد يُفرضُ الثُّلثُ للجَدِّ مع الإِخوةِ فيما إذا نقَصَ عنه بالمُقاسَمةِ، كما لو كانَ معه ثَلاثةُ إِخوةٍ فأكثَرُ، وبهذا يَكونُ فَرضُ الثُّلثُ لثَلاثةٍ، وإنْ لم يَكُنِ الثالِثُ في كِتابِ اللهِ كما مَرَّ. الفَرضُ السادِسُ: السُّدسُ: وهو فَرضُ سَبعةٍ، هم: ١ - الأَبُ: ويَرثُ الأبُ السُّدسَ بشَرطٍ واحِدٍ، وهو وُجودُ الفَرعِ الوارِثِ للمَيتِ: كابنِه وابنَتِه، وابنِ ابنِه وبِنتِ ابنِه. لكنَّه مع البِنتِ وبِنتِ الابنِ يَرثُ السُّدسَ بالفَرضِ، وإذا بَقيَ شَيءٌ بعدَ أَصحابِ الفُروضِ أخَذَه بالتَّعصيبِ. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ للأَبِ مع الابنِ السُّدسَ وكذلك للجَدِّ معه مِثلُ ما للأَبِ (١). ٢ - الجَدُّ: ويَرثُ السُّدسَ بالشُّروطِ التاليةِ: أ- وُجودُ الفَرعِ الوارِثِ، كما قُلنا في الأَبِ. ب- عَدمُ وُجودِ الأَبِ؛ إذِ الأَبُ يَحجُبُه لكَونِه أقرَبَ إلى المَيتِ منه.

стр. 15096

ويُستدلُّ لتَوريثِ الجَدِّ السُّدسَ بالإِجماعِ، وبالآيةِ التي دَلَّت على تَوريثِ الأَبِ السُّدسَ؛ إذِ الجَدُّ يُسمَّى أَبًا، وهي قَولُه تَعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] الآيةَ. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ للأَبِ مع الابنِ السُّدسَ وكذلك للجَدِّ معه مِثلُ ما للأَبِ (١). ٣ - وفَرضُ الأُمِّ: وتأخُذُ السُّدسَ بشَرطَينِ، هُما: أ- وُجودُ الفَرعِ الوارِثِ للمَيتِ، كما قُلنا في الأَبِ. ب- وُجودُ عَددٍ من الإِخوةِ والأَخواتِ. ودَليلُ إِرثِ الأبِ والأُمِّ للسُّدسِ بالُّشروطِ المَذكورةِ كما تقدَّمَ قَولُ اللهِ : ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]. ٤ - الجَدةُ أو الجَداتُ الوارِثاتُ: وتَستحِقُّ الجَدةُ -سَواءٌ كانَت من جِهةِ الأَبِ أو من جِهةِ الأُمِّ- السُّدسَ بشَرطٍ واحِدٍ، وهو ألَّا يَكونَ دونَها أُمٌّ. وكذلك تَستحِقُّ السُّدسَ الجَداتُ إذا كُنَّ وارِثاتٍ: فلو ماتَ شَخصٌ وخلَّفَ جَدَّتَه أُمَّ أَبيه وجَدَّتَه أُمَّ أُمِّه، استحَقَّت الجَدَّتانِ السُّدسَ، ويَقتَسِمانِه بينَهما بالسَّويةِ. وتَزيدُ الجَدةُ أُمُّ الأبِ بأنَّها يَحجبُها ابنُها، وهو أَبو المَيتِ إذا كانَ حَيًّا؛ عَملًا بالقاعِدةِ (مَنْ أدْلَى إلى المَيتِ بواسِطةٍ حجَبَته تلك الواسِطةُ).

стр. 15097

ودَليلُ تَوريثِ الجَدةِ خَبرُ أَبي داودَ وغيرِه: «أنَّه ﷺ أَعطَى الجَدةَ السُّدسَ» (١). والمُرادُ بها الجِنسُ؛ لأنَّ الجَدَّتَينِ فأكثَرَ الوارِثاتُ يَشتَركانِ أو يَشتَرِكنَ في السُّدسِ. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ للجَدةِ السُّدسَ إذا لم يَكنْ للمَيتِ أُمٌّ. وأَجمَعوا على أنَّ الأُمَّ تَحجُبُ أُمَّها وأُمَّ الأَبِ. وأَجمَعوا على أنَّ الأَبَ لا يَحجُبُ أُمَّ الأُمِّ. وأَجمَعوا على أنَّ الجَدتَينِ إذا اجتَمعَتا وقَرابَتُهما سَواءٌ، وكِلتاهما ممَّن يَرثُ: أنَّ السُّدسَ بينَهما. وأَجمَعوا على أنَّهما إذا اجتَمَعا وإِحداهما أَقربُ من الأُخرى وهُما من وَجهٍ واحِدٍ: أنَّ السُّدسَ لأَقربِهما. وأَجمَعوا على أنَّ الأُمَّ تَحجبُ الجَداتِ. وأَجمَعوا على أنَّ الجَدةَ لا تُزادُ على السُّدسِ (٢). ٥ - بِنتُ الابنِ فأكثَرُ: وتَرثُ بِنتُ الابنِ أو بَناتُ الابنِ السُّدسَ إذا تَوافَرت ثَلاثةُ شُروطٍ: أ- أنْ يَكونَ مع البِنتِ الواحِدةِ من أَولادِ المَيتِ أو مع بِنتِ ابنٍ أقرَبُ منها تَكملةً للثُّلثَينِ.

стр. 15098

ب- ألَّا يَكونَ للمَيتِ وَلدٌ ذَكرٌ. ج- ألَّا يَكونَ معها أو معهن ابنُ ابنٍ يُعصِّبُها أو يُعصِبُهن، فإذا تَحقَّقَت هذه الشُّروطُ ورِثَت بِنتُ الابنِ أو بَناتُ الابنِ السُّدسَ تَكملةً للثُّلثَينِ. ودَليلُ ذلك ما رَواه البُخاريُّ عن هُزَيلِ بنِ شُرَحبيلَ قالَ: سُئلَ أَبو موسى عن بِنتٍ وابنةِ ابنٍ وأُختٍ، فقالَ: للبِنتِ النِّصفُ، وللأُختِ النِّصفُ، وَأْتِ ابنَ مَسعودٍ، فسيُتابِعُني، فسُئلَ ابنُ مَسعودٍ وأُخبِرَ بقَولِ أَبي موسى فقالَ: لقد ضلَلتُ إذًا وما أنا من المُهتَدينَ، أَقضي فيها بما قَضى النَّبيُّ ﷺ : «للابنةِ النِّصفُ، ولابنةِ ابنٍ السُّدسُ تَكملةَ الثُّلثَينِ، وما بَقيَ فللأُختِ» فأتَينا أَبا موسى فأخبَرناه بقَولِ ابنِ مَسعودٍ، فقالَ: لا تَسألوني ما دامَ هذا الحَبْرُ فيكم (١). ولأنَّ البَناتِ ليسَ لهُن أكثَرُ من الثُّلثَينِ، والبِنتُ وبَناتُ الابنِ أَولى بذلك. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا كانَ مع البِنتِ الواحِدةِ بِنتُ ابنٍ أو بَناتُ ابنٍ فللبِنتِ النِّصفُ ولبَناتِ الابنِ -واحِدةً كانَت أو أكثَرَ- من ذلك السُّدسُ تَكملةَ الثُّلثَينِ، وهذا أيضًا مُجمَعٌ عليه بينَ العُلماءِ. والأَصلُ فيه قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، ففرَضَ للبَناتِ كلِّهِن الثُّلثَينِ،

стр. 15099

وبَناتُ الصُّلبِ وبَناتُ الابنِ كلُّهنَّ نِساءٌ من الأَولادِ فكانَ لهُن الثُّلثانِ بفَرضِ الكِتابِ لا يَزِدْن عليه، واختُصَّت بِنتُ الصُّلبِ بالنِّصفِ؛ لأنَّه مَفروضٌ لها، والاسمُ مُتناوِلٌ لها حَقيقةً فيَبقَى للبَقيةِ تَمامُ الثُّلثَينِ ولهذا قالَ الفُقهاءُ: لهُنَّ السُّدسُ تَكملةَ الثُّلثَينِ، وقد رَوى هُزَيلُ بنُ شُرَحبيلَ الأَوديُّ قالَ: سُئلَ أَبو موسى عن ابنةٍ وابنةِ ابنٍ وأُختٍ فقالَ: للبِنتِ النِّصفُ وما بَقيَ فللأُختِ فأتى ابنَ مَسعودٍ وأخبَرَه بقَولِ أَبي موسى، فقالَ: لقد ضَلَلت إذًا وما أنا من المُهتَدينِ، ولكنْ أَقضي فيها بقَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ للبِنتِ النِّصفُ ولابنةِ الابنِ السُّدسُ تَكملةَ الثُّلثَينِ وما بَقيَ فللأُختِ، فأتَينا أَبا مُوسى فأخبَرناه بقَولِ ابنِ مَسعودٍ فقالَ: لا تَسألوني عن شَيءٍ ما دامَ الحَبْرُ فيكم» مُتَّفقٌ عليه بنَحوٍ من هذا المَعنى (١). ٦ - الأُختُ من الأَبِ فأكثَرُ: تَرثُ الأُختُ من الأَبِ أو الأَخواتُ من الأَبِ السُّدسَ بالشُّروطِ التاليةِ: أ- ألَّا يَكونَ للمَيتِ فَرعٌ وارِثٌ، كالابنِ وابنِ الابنِ، وبِنتِ الابنِ. ب- ألَّا يَكونَ له أَصلٌ وارِثٌ، كالأَبِ والجَدِّ أَبي الأَبِ. ج- ألَّا يَكونَ للمَيتِ أخٌ شَقيقٌ. د- أنْ تَكونَ معها شَقيقةٌ واحِدةٌ. هـ - ألَّا يَكونَ معها أخٌ لأَبٍ يَعصِبُها.

стр. 15100

فإذا تَوافَرَت هذه الشُّروطُ ورِثَت الأُختُ من الأَبِ أو الأَخواتِ من الأَبِ السُّدسَ، ودَليلُ هذا الحُكمِ الإِجماعُ والقياسُ على بَناتِ الابنِ مع البِنتِ الواحِدةِ. ٧ - الأخُ من الأُمِّ، أو الأُختُ من الأُمِّ: كذلك يَرثُ الأخُ لأمٍّ أو الأُختُ لأمٍّ السُّدسَ بشَرطَينِ: أ- ألَّا يُوجدَ معه أو معها مَنْ يَحجبُه أو يَحجبُها من أَصلٍ أو فَرعٍ للمَيتِ. ب- أنْ يَنفردَ وَحدَه أو تَنفردَ وَحدَها، فإذا تَعدَّد وَرثَ الثُّلثَ كما سبَقَ بَيانُه، قالَ تَعالى في تَوريثِ الأخِ لأمٍّ أو الأُختِ لأمٍّ السُّدسَ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] (١).

стр. 15101

ثانيًا: العَصَباتُ: العَصباتُ جَمعُ عَصبةٍ، قالَ الجَوهَريُّ: وعَصبةُ الرَّجلِ: بَنوه وقَرابتُه لأَبيه، وإنَّما سُمُّوا عَصبةً لأنَّهم عُصِبوا به، أي: أَحاطوا به، فالأَبُ طَرفٌ، والابنُ طَرفٌ، والعَمُّ جانِبٌ، والأَخُ جانِبٌ، والجَمعُ العَصباتُ. وقالَ الأَزهريُّ: واحِدُ العَصبةِ: عاصِبٌ، على القياسِ، كطالِبٍ وطَلَبةٍ، وظالِمٍ وظَلمةٍ. وقيلَ للعِمامةِ: عِصابةٌ؛ لأنَّها استلَفَّت برأسِ المُعتَمِّ. وقالَ ابنُ قُتَيبةَ: العَصبةُ جَمعٌ لم أسمَعْ له بواحِدٍ، والقياسُ: أنَّه عاصِبٌ (١). والعَصبةُ عندَ الفُقهاءِ: مَنْ ليسَ له سَهمٌ مُقدَّرٌ من الوَرثةِ المُجمعِ على تَوريثِهم وغيرِهم من ذَوي الأَرحامِ، فيَرثُ المالَ وما أُلحقَ به إذا انفرَدَ، أو ما فضَلَ بعدَ ذَوي الفُروضِ، كلُّ مَنْ ذُكرَ من الرِّجالِ عَصبةٌ إلا الزَّوجَ والأخَ للأُمِّ، وكلُّ مَنْ ذُكرَ من النِّساءِ ذاتُ فَرضٍ إلا المُعتِقةَ وكذا الأَخَواتُ مع البَناتِ عَصَباتٌ عندَ الجُمهورِ. واختُصَّ التَّعصيبُ بالذُّكورِ غالِبًا؛ لأنَّهم أهلُ النُّصرةِ والشِّدةِ. والعَصباتُ نَوعانِ: عَصبةٌ بالنَّسبِ وعَصبةٌ بالسَّببِ. أمَّا عَصبةُ النَّسبِ فثَلاثةُ أَنواعٍ: ١ - عَصبةٌ بنَفسِه: وهو كلُّ ذَكرٍ لا يَدخلُ في نِسبتِه إلى المَيتِ أُنثى، وأَقربُهم جُزءُ المَيتِ، وهُم: البَنونَ ثم بَنوهم وإنْ سَفَلوا لدُخولِهم في اسمِ الوَلدِ.

стр. 15102

ثم أَصلُه، وهو الأَبُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، يَعني: الباقي للأَبِ، فثبَتَ أنَّه أحَقُّ بالتَّعصيبِ من الجَدِّ والإِخوةِ، ولأنَّ مَنْ بعدَه يُدلي به. ثم الجَدُّ: لأنَّ الجَدَّ أَبا الأَبِ أَولى من الإِخوةِ، ولا حَظَّ لهم معه في المِيراثِ؛ لأنَّ له وِلادًا وتَعصيبًا من جِهةِ الوِلادةِ أيضًا فأشبَهَ الأَبَ؛ ولأنَّه يَأكلُ من مالِ ابنِ ابنِه عندَ الحاجةِ من غيرِ إِذنِه؛ ولأنَّه غيرُ مَقبولِ الشَّهادةِ له فأشبَهَ الأَبَ. ثم بَنو الأَبِ، وهُم الإِخوةُ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] جعَلَه أَولى بجَميعِ المالِ في الكَلالةِ، وهو الذي لا وَلدَ له ولا والِدَ. ثم بَنو الجَدِّ وهُم الأَعمامُ. ثم بَنو أَبي الجَدِّ، وهُم أَعمامُ الأَبِ وأَولادُهم مَنْ كانَ لأَبٍ وأُمٍّ. لأنَّهم في القُربِ والدَّرجةِ على هذا التَّرتيبِ، فيَكونونَ في المِيراثِ كذلك كما في وِلايةِ الإِنكاحِ. وإذا اجتمَعَت العَصباتُ؛ فإنَّه يُورَّثُ الأَقرَبُ فالأقرَبُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ألحِقوا الفَرائضَ بأهلِها، فما بَقيَ فلأوْلى رَجلٍ ذَكرٍ» (١) وقَولِه ﷺ لأَخي سَعدٍ: «وما بَقيَ فهو لك» (٢).

стр. 15103

ولأنَّ عِلةَ الاستِحقاقِ القُربُ، والعِلِّيةُ في الأقرَبِ أكثَرُ، فتقدَّمَ كما في النِّكاحِ. وإذا استَوى وارِثانِ في دَرجةٍ واحِدةٍ فأَولاهم مَنْ كانَ للأَبِ والأُمِّ؛ لأنَّه أقرَبُ تَعصيبًا ووِلايةً، فهو أَولى ممَّن كانَ لأَبٍ؛ لأنَّه أَقوَى قَرابةً، حيثُ يُدلي بجِهتَينِ الأَبِ والأُمِّ. وإذا اجتمَعَ جَماعةٌ من العَصبةِ في دَرجةٍ واحِدةٍ يُقسَمُ المالُ عليهم باعتِبارِ أَبدانِهم لا باعتِبارِ أُصولِهم. مِثالُه: ابنُ أخٍ وعَشرةٌ بَنو أخٍ آخَرَ، أو ابنُ عَمٍّ وعَشرةٌ بَنو عَمٍّ آخَرَ، المالُ بينَهم على أحَدَ عَشرَ سَهمًا، لكلِّ واحِدٍ سَهمٌ. وإنْ لم يَبقَ شَيءٌ؛ سقَطَ لمَفهومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ألحِقوا الفَرائضَ بأهلِها، فما بَقيَ فلأوْلى رَجلٍ ذَكرٍ» (١) وقَولِه ﷺ لأَخي سَعدٍ: «وما بَقيَ فهو لك» (٢)، ولأنَّ حَقَّه في الباقي، ولا باقيَ. وإذا انفرَدَ أخَذَ جَميعَ المالِ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] أَضافَ جَميعَ المِيراثِ إليه، وقِيسَ عليه باقي العَصباتِ. ٢ - وعَصبةٌ بغيرِه من فَرضِه النِّصفُ والثُّلثانِ: وهُم أربَعٌ من النِّساءِ يَصِرنَ عَصبةً بإِخوتِهِن، ويُقسَّمُ للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ، فالبَناتُ بالابنِ،

стр. 15104

وبَناتُ الابنِ بابنِ الابنِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. والأَخواتُ لأَبٍ وأُمٍّ بأخيهِن، والأَخواتُ لأَبٍ بأَخيهِن؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]. ٣ - وعَصبةٌ مع غيرِه: وهُم الأَخواتُ لأبوَينِ أو لأَبٍ يَصِرْن عَصبةً مع البَناتِ وبَناتِ الابنِ. مِثالُه: بِنتٌ وأُختٌ لأبوَينِ وأخٌ أو إِخوةٌ لأَبٍ، فالنِّصفُ للبِنتِ والنِّصفُ للأُختِ، ولا شَيءَ للإِخوةِ؛ لأنَّها لمَّا صارَت عَصبةً صارَت كالأخِ من الأبوَينِ. ومَعنى «عَصبةٌ بغيرِه»: أنَّ سَببَ تَعصيبِه كَونُه مع عَصبةِ غيرِه، ومَعنى «عَصبةٌ مع غيرِه»، أي: مع كَونِ غيرِه ليسَ بعَصبةٍ، فظهَرَ الفَرقُ بينَهما. وأمَّا العَصبةُ بالسَّببِ: فالمُعتِقُ: وهو عَصبةٌ بنَفسِه، فإذا لم يَكنْ للمَيتِ عَصبةٌ من النَّسبِ فالعَصبةُ هو المَولى المُعتِقُ، ثم الأقرَبُ فالأقرَبُ من عَصبةِ المَولى، أي: الذُّكورُ دونَ الإِناثِ (١).

стр. 15105

ثالثًا: مِيراثُ ذَوي الأَرحامِ: ذُو الرَّحمِ في اللُّغةِ: بمَعنى ذِي القَرابةِ مُطلَقًا. وفي الشَّريعةِ: هو كلُّ قَريبٍ ليسَ بذِي سَهمٍ مُقدَّرٍ في كِتابِ اللهِ أو سُنةِ رَسولِه أو إِجماعِ الأُمةِ ولَا هو عَصبَةٍ. وذَوو الأَرحامِ عَشرةُ أَصنافٍ: ١ - أَبو الأمِّ، وكلُّ جدٍّ وجدَّةٍ ساقطَينِ، كأَبي أَبي الأمِّ، وأمِّ أَبي الأمِّ، وهذانِ صِنفٌ واحِدٌ. ٢ - وأَولادُ البَناتِ: للصُّلبِ كبِنتِ بِنتٍ، أو للابنٍ كبِنتِ بِنتِ ابنٍ ذُكورًا كانُوا أو إِناثًا. ٣ - وبَناتُ الإِخوةِ لأَبوَينِ أو لأَبٍ أو لأمٍّ. ٤ - وأَولادُ الأَخواتِ. ٥ - وبَنو الإِخوةِ للأمِّ. ٦ - والعمُّ للأمِّ، وهو أَخو الأَبِ لأمِّه. ٧ - وبَناتُ الأَعمامِ: لأَبوَينِ أو لأَبٍ أو لأمٍّ، وكَذا بَنو الأَعمامِ للأمِّ. ٨ - والعَماتُ مِنْ جَميعِ الجِهاتِ. ٩ - والأَخوالُ والخالاتُ. ١٠ - والمُدلُونَ بهِم: أَي: العَشرَة ما عَدا السَّاقطَ مِنْ الجدِّ والجدَّةِ؛ إِذْ لَم يَبقَ في ذلكَ السَّاقطِ مَنْ يُدلِي بِه. فهؤلاء ومَن أَدلى بهم يُسمَّونَ ذَوي الأَرحامِ.

стр. 15106

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو فُقدوا -أي الوَرثةُ- مِنْ الرِّجالِ والنَّساءِ كلُّهم، أو فضَلَ عمَّنْ وُجدَ منهم شَيءٌ هل يَرثُ ذَوو الأَرحامِ ويُردُّ الباقِي عليهم أم لا يَرثونَ ويُردُّ الباقِي على ذَوي الفُروضِ أو يُردُّ إلى بيتِ المالِ على تَفصيلٍ عندَهم في ذلك؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إِذا لَم يَكنْ للمَيتِ عَصبةٌ ولا ذُو سَهمٍ ورِثَه ذَوو الأَرحامِ، لكنْ يُقدَّمُ عليهم المَولَى والردُّ، فإنْ كانَ له مَولًى مُنعمٌ ورِثَ، وإن لم يَكنْ له مَولًى مُنعمٌ وهناك مَنْ له فَرضٌ كالابنةِ والأُختِ كانَ الباقِي لصاحبِ الفَرضِ بالردِّ، وإنْ لَم يَكنْ هناك أحدٌ من أهلِ الفُروضِ ورِثَ ذَوو الأَرحامِ ولا يُردُّ إلى بيتِ المالِ. والأَصلُ في هذا أنَّ ذَوي الأَرحامِ أَولى بالمِيراثِ مِنْ بَيتِ المالِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، أيْ: أحقُّ بالتَّوارثِ في حُكمِ اللهِ تَعالى. قالَ أهلُ العِلمِ: كانَ التَّوارثُ في ابتِداءِ الإِسلامِ بالحِلفِ، وكانَ الرَّجلُ يَقولُ للرَّجلِ: «دَمي دمُك ومالِي مالُك، تَنصرُني وأَنصرُك، وتَرثُني وأَرثُك» فيَتعاقَدانِ الحِلفَ بينَهما على ذلك فيَتوارَثانِ به دونَ القَرابةِ، وذلك قولُ اللهِ : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣] ثم نُسخَ ذلك وصارَ التَّوارثُ بالإِسلامِ والهِجرةِ. فإذا كانَ له ولدٌ ولَم يُهاجِرْ ورِثَه المُهاجِرونَ دونَه، وذلك قولُه : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]

стр. 15107

ثم نُسخَ ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]. وعَن عائشةَ ﵂ مَرفوعًا: «الخالُ وارِثُ مَنْ لَا وارِثَ له» (١). وعن المِقدامِ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ ترَكَ كلًّا فإلَيَّ -وربَّما قالَ إلى اللهِ وإلى رَسولهِ-، ومَن ترَكَ مالًا فلوَرثَتِه، وأنا وَارثُ من لا وَارثَ له أَعقِلُ له وأَرثُهُ، والخالُ وَارثُ من لا وارِثَ له يَعقِلُ عنه ويَرثُه» (٢). وعَن واسعِ بنِ حيَّانَ قالَ: «تُوفِّيَ ثَابتُ بنُ الدَّحداحِ وكانَ أَتيًّا، وهو الذي ليسَ له أَصلٌ يُعرفُ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لعاصِمِ بنِ عَديٍّ: هَلْ تَعرفُونَ له فِيكُمْ نسَبًا؟ قالَ: لَا يا رَسولَ اللهِ، فدَعا رَسولُ اللهِ ﷺ أَبا لُبابةَ بنَ عبدِ المُنذرِ بنِ أخِيه فأَعطاهُ مِيراثَه» (٣)، فهذا رَسولُ اللهِ ﷺ قَدْ ورَّثَ أَبا لُبابةَ مِنْ ثابتٍ برَحمِه الذي بينَه وبينَه، فثبَتَ بذلك مَواريثُ ذَوي الأَرحامِ.

стр. 15108

ولأنَّ ذَوي الأَرحام قد شارَكوا المُسلِمينَ في الإِسلامِ وفَضَلُوهم بالرَّحمِ، فوجَبَ أنْ يَكونوا أَولى منهم بالمِيراثِ، كالمُعتِقِ لمَّا ساوَى كافَّةَ المُسلِمينَ في الإِسلامِ وفُضِّلَ عليهم بالعِتقِ صارَ أَولى منهم بالِميراثِ، وكالأخِ للأبِ والأمِّ لمَّا ساوَى الأخَ للأبِ وفضَلَه بالأمِّ كانَ أَولى بالإِرثِ. وتَوريثُ ذَوي الأَرحامِ كتَوريثِ العَصبةِ، يَرثُ الأَقربُ فالأَقربُ إلى المَيتِ، والأَقربُ يَحجُبُ الأَبعدَ كالعَصباتِ، فمَن هو أَقرَبُ إلى المَيتِ مِنْ أيِّ صِنفٍ كانَ فهو أَولَى. ومَن انفَردَ منهم أخَذَ جَميعَ المالِ؛ لأنَّهم يُدلُونَ بالقَرابةِ وليسَ لهم سَهمٌ مُقدَّرٌ، فكانُوا كالعَصباتِ. وأَقرَبُهم إلى المَيتِ الجدُّ أَبو الأُمِّ ثم أَولادُ البَناتِ ثم أَولادُ الأَخواتِ وبَناتُ الإِخوةِ ثم العَماتُ والخالاتُ ثم أَولادُهم وهذا مَذهبُ الحَنفيةِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يَرثونَ: بتَنزيلِهم مَنزِلةَ مَنْ أَدلَوا به فيَنزلُ كلٌّ منهم مَنزِلةَ مَنْ أَدلَى به مِنْ الوَرثةِ بدَرجةٍ، أو دَرجاتٍ حتى يَصلَ إلى مَنْ يَرثُ، فيَأخذُ مِيراثَه. لِما رُويَ عن عليٍّ وعبدِ الله: «أنَّهما نزَّلا بِنتَ البِنتِ بمَنزِلةِ البِنتِ، وبِنتَ الأخِ بمَنزِلةِ الأخِ، وبِنتَ الأُختِ مَنزِلةَ الأُختِ، والعَمةَ مَنزِلةَ الأبِ، والخالةَ مَنزِلةَ الأمِّ»، ورُويَ ذلك عن عُمرَ في العَمةِ والخالةِ (٢).

стр. 15109

وعن عليٍّ أيضًا (١): أنَّه نزَّلَ العَمةَ بمَنزِلةِ العمِّ. وعن الزُّهرِيِّ أنَّه ﷺ قالَ: «العَمةُ بمَنزِلةِ الأبِ إذا لَم يَكنْ بينَهما أبٌ، والخالةُ بمَنزِلةِ الأمِّ إذا لَم يَكنْ بينَهما أمٌّ» (٢). وإنْ أَدلَى جَماعةٌ منهم بوارِثٍ، واستَوتْ مَنزِلتُهم منه بلا سَبقٍ كأَولادِه، وكإِخوتِه المُتفرِّقينَ الذين لا واسِطةَ بينَه وبينَهم فنَصيبُه لهم كإِرثِهم منه. لكنْ هنا بالسَّويَّةِ، الذَّكرُ كالأُنثَى؛ لأنَّهم يَرثونَ بالرَّحمِ المُجردةِ، فاستَوى ذَكرُهم وأُنثاهُم، كولدِ الأمِّ. اختارَه الأَكثرُ (٣)، ونقَلَه الأَثرمُ، وحَنبلٌ، وإِبراهيمُ بنُ الحارثِ. ومَن لا وارِثَ له مَعلومٌ فمالُه لبَيتِ المالِ يَحفظُه كالمالِ الضائعِ. قالَ في «القواعد» (٤): معَ أنَّه لا يَخلو مِنْ بَني عمٍّ أَعلَى؛ إذِ الناسُ كلُّهم بَنو آدمَ، فمَن كانَ أَسبَقَ إلى الاجتِماعِ معَ المَيتِ في أبٍ من آبائِه فهو عَصبتُه، ولكنَّه مَجهولٌ، فلم يَثبُتْ له حُكمٌ، وجازَ صَرفُ مالِه في المَصالحِ، ولذلك لو كانَ له مَولًى مُعتِقٌ لورِثَه في هذه الحالِ، ولَم يُلتَفتْ إلى هذا المَجهولِ. انتهى.

стр. 15110

وليسَ بيتُ المالِ وارِثًا، وإنَّما يَحفَظُ المالَ الضائعَ وغيرَه (١) كأَموالِ الفَيءِ. فهو جِهةٌ ومَصلحَةٌ؛ لأنَّ اشتِباهَ الوارِثِ بغيرِه لا يُوجِبُ الحُكمَ بالإِرثِ للكلِّ، فيُصرَفُ في المَصالحِ؛ للجَهلِ بمُستَحقِّه عَينًا. وشرطُ تَوريثِهم أنْ لا يَكونَ معَهم وارثٌ سُميَت له فَريضةٌ، أو مَولَى نِعمةٍ؛ فالردُّ والوَلاءُ يُقدَّمانِ بالمِيراثِ على الرَّحمِ؛ لقولِه ﷺ : «الخالُ وارثُ مَنْ لا وارِثَ له» وهذا له وارِثٌ. قالَ ابنُ مَسعودٍ: «ذو السَّهم أَولى مِمن لا سَهمَ له»، ولأنَّ الرَّحمَ التي في ذِي الفَرضِ أَولى مِنْ الرَّحمِ التي لا فَرضَ لها. وهذا بخلافِ الزَّوجِ والزَّوجةِ؛ فإنَّ ذَوي الأَرحامِ يَرثونَ معَهما؛ لِما تقَدمَ مِنْ أنَّه لا حظَّ للزَّوجَينِ في الردِّ، ولا نِزاعَ أنَّ الزَّوجَينِ يَأخذانِ فَرضَهما من غيرِ حَجبٍ ولا عَولٍ، ثم يُقسَمُ الباقِي بينَ ذَوي الأَرحامِ كما لو

стр. 15111

انفَردوا، نصَّ عليه، وعليه جُمهورُ الأَصحابِ، وقيلَ: يُقسَمُ بينَهم كما يُقسَمُ بينَ مَنْ أَدلَوا به (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ -وبه قالَ مِنْ الصَّحابةِ زَيدُ بنُ ثابتٍ وإِحدَى الرِّوايَتينِ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ وأَكثرُ أهلِ المَدينةِ والأَوزاعيُّ وأَكثرُ أهلِ الشامِ وداودُ بنُ عليٍّ- إلى أنَّ ذَوي الأَرحامِ لا يَرثونَ بحالٍ، وأنَّ بَيتَ المالِ أَولى منهم إذا كانَ بيتُ المالِ مُنتَظمًا. ولَو فُقدوا -أي الوَرثةُ- مِنْ الرِّجالِ والنَّساءِ كلُّهم، أو فضَلَ عمَّن وُجدَ منهم شَيءٌ فلا يُورَّثُ ذَوو الأَرحامِ ولا يُردُّ ما بقِيَ على أَهلِ الفَرضِ فيما إذا فضَلَ عنهم شَيءٌ، فإذا وُجدَ ذُو فَرضٍ لا يَستَوعبُ المالَ كالبِنتَينِ والأُختَينِ أخَذَتا فَرضَيهُما، ولا يُردُّ عليهما الباقِي؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] والردُّ يَقتَضي أَخذَهما الكلَّ، بَلْ المالُ كلُّه في فَقدِهم كلِّهم أو الباقِي في فَقدِ بَعضِهم بعدَ الفُروضِ لبَيتِ المالِ. واستَدلُّوا على ذلك بما يَلي: ما رَوى أَبو أُمامةَ الباهِليُّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ

стр. 15112

قد أَعطَى كلَّ ذِي حقِّ حقَّه، فلا وَصيةَ لوارِثٍ» (١). فظاهِرُ الخبَرِ يَقتَضي أنَّه لا حقَّ في المِيراثِ لمَن لَم يُعطِه اللهُ شيئًا، وجَميعُ ذَوي الأَرحامِ لَم يُعطِهم اللهُ في كِتابِه شيئًا، فثبَتَ أنَّه لا مِيراثَ لهم. ورَوى أَبو سَلمةَ عن أَبي هُريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن مِيراثِ العَمةِ والخالةِ، فقالَ: «لا أَدري حتى يأتِي جِبريلُ»، ثم قالَ ﷺ : «أينَ السائلُ عن مِيراثِ العَمةِ والخالةِ؟ أَتانِي جِبريلُ فسارَّني أنْ لا مِيراثَ لهما» (٢). ورَوى عَطاءُ بنُ يَسارٍ عن ابنِ عُمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يأتِي قُباءَ على حِمارٍ أو حِمارةٍ، يَستَخيرُ اللهَ في مِيراثِ العَمةِ والخالةِ، فأَنزلَ اللهُ : أنْ لا مِيراثَ لهما» (٣). ولأنَّ كلَّ مَنْ لَم يَرثْ معَ مَنْ هو أَبعدُ منه لَم يَرثْ إذا انَفردَ، كابنةِ المَولَى؛ لأنَّ ابنةَ المَولَى لمَّا لَم تَرثْ معَ ابنِ ابنِ المَولَى -وهو أَبعدُ منها- لَم تَرثْ أيضًا إذا انفَردَت. وكذلك العَمةُ لمَّا لَم تَرثْ معَ ابنِ العمِّ -وهو أَبعدُ منها - لَم تَرثْ أيضًا إذا انفَردَت، ولأنَّ ابنةَ الأخِ لمَّا لَم تَرثْ معَ أخِيها لَم تَرثْ إذا انفَردَت، كابنةِ المَولَى، وعَكسُه الابنةُ والأُختُ؛ لأنَّهما لمَّا ورِثَتا معَ أخِيهما ورِثَتا إذا انفَردَتا.

стр. 15113

ولأنَّ المَولَى المُنعمُ لمَّا قُدِّمَ على ذَوي الأَرحامِ دلَّ أنَّه لا حقَّ لهم في الإِرثِ؛ لأنَّ الوَلاءَ لا يَتقَدمُ على النَّسبِ. فعلى هذا يُردُّ المالُ كلُّه إلى بَيتِ المالِ في فَقدِهم كلِّهم أو الباقِي في فَقدِ بَعضِهم بعدَ الفُروضِ لبَيتِ المالِ، سَواءٌ انتَظمَ أَمرُه بإمامٍ عادِلٍ يَصرِفُه في جِهتِه أمْ لَا؛ لأنَّ الإِرثَ للمُسلِمينَ، والإِمامَ ناظِرٌ ومُستَوفٍ لهُم، والمُسلِمونَ لَم يُعدَموا، وإنَّما عُدمَ المُستَوفِي لهم، فلَم يُوجبْ ذلك سُقوطَ حقِّهم، هذا عندَ المالِكيةِ في المَشهورِ وهو مَنقولُ المَذهبِ في الأَصلِ عندَ الشافِعيةِ، أنَّه يُعطَى لبَيتِ المالِ سَواءٌ كانَ مُنتَظمًا أو غيرَ مُنتَظمٍ. وقالَ مُتأخِّرو الشافِعيةِ: إذا لَم يَنتَظمْ أَمرُ بَيتِ المالِ لكَونِ الإِمامِ غيرَ عادِلٍ، بأنْ يَردَّ على أَهلِ الفَرضِ غيرِ الزَّوجَينِ؛ لأنَّ المالَ مَصروفٌ إلَيهم أو إلى بَيتِ المالِ بالإِنفاقِ، فإِذا تَعذَّرَت إِحدَى الجِهتَينِ تَعيَّنتِ الأُخرَى (١). وفي قولٍ للمالِكيةِ: يُدفَعُ إلى ذَوي الأَرحامِ إذا لَم يَكنْ الإمامُ عَدلًا، وعن ابنِ القاسمِ: أنَّه يُتصَدقُ به إلا أنْ يَكونَ الوَالي كعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ. وقالُوا: يَنبَغي إذا كانَ الإمامُ غيرَ عادلٍ أن يدفعَ لذَوي الأَرحامِ أو يردَّه على أَهلِ السِّهامِ (٢).

стр. 15114

باب في الحَجبِ الحَجبُ لُغةً: المَنعُ، تَقولُ حجَبَه: إذا منَعَه مِنْ الدُّخولِ، ومنه: حاجِبُ المَلكِ؛ لمَنعِه الناسَ مِنْ الدُّخولِ عليه. واصطِلاحًا: مَنعُ مَنْ قامَ به سَببُ الإِرثِ مِنْ الإِرثِ بالكُلِّيةِ أو مِنْ أَوفَرِ حَظَّيهِ، ويُسمَّى الأَولُ: حَجبَ حِرمانٍ، وهو المُرادُ هُنا، والثانِي: حَجبَ نُقصَانٍ. كحَجبِ الوَلدِ الزَّوجَ مِنْ النِّصفِ إلى الرُّبعِ، ويُمكِنُ دُخولُ الحَجبِ على جَميعِ الوَرثَةِ بالوَصفِ كالقَتلِ والرقِّ واختِلافِ الدِّينِ. والحَجبُ بالشَّخصِ نُقصانًا كذلك، يَتأتَّى دُخولُه على جَميعِ الوَرثةِ، كحَجبِ الزَّوجِ مِنْ النِّصفِ إلى الرُّبعِ، والزَّوجةِ مِنْ الرُّبعِ إلى الثَّمنِ، ونحوِهما مما تقَدمَ. وأما حَجبُ الحِرمانِ فنَقولُ: سِتةٌ لا يُحجَبونَ أَصلًا: الأبُ والابنُ والزَّوجُ والزَّوجَةُ والأمُّ والبِنتُ؛ لأنَّ فَرضَهم ثابِتٌ بكلِّ حالٍ؛ لثُبوتِه بدَليلٍ مَقطوعٍ به، وهو ما تَلونَا مِنْ صَريحِ الكِتابِ.

стр. 15115

ومَن عَدا هؤلاءِ فالأَقربُ يَحجُبُ الأَبعدَ، كالابنِ يَحجُبُ أَولادَ الابنِ، والأخِ لأَبَوينِ يَحجُبُ الإِخوةَ لأبٍ. ومَن يُدلِي بشَخصٍ لَا يَرثُ معَه إلَّا أَولادُ الأُمِّ. أَمثلةٌ على حَجبِ الذُّكورِ: الَّذِي يَحجُبُ ابنَ الابنِ والجدَّ والأَخَ وابنَ الأَخِ: ١ - ابنُ الابنِ وإنْ سفَلَ: لا يَحجُبه مِنْ العَصبَةِ إِلَّا الابنُ، أَباه كانَ أو عمَّه لإِدلائِه به أو لأنَّه عَصبَةٌ أَقربُ منه، وهذا مُجمعٌ عليه، أَوْ ابنُ ابنٍ أَقربُ منهُ إلى المُورِّثِ كابنِ ابنٍ وابنِ ابنِ ابنٍ. ٢ - الجدُّ: أَبو الأبِ وإنْ عَلا لا يَحجُبُه إلَّا ذَكرٌ مَتوَسطٌ بينَه وبينَ المَيتِ كالأَبِ بالإِجماعِ. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الجدَّ أَبا الأبِ لا يَحجُبُه عن المِيراثِ غيرُ الأبِ (١). ٣ - الأَخُ وهو أَقسامٌ: الأخُ لأَبوَينِ (الشَّقيقُ): يَحجُبُه ثَلاثةٌ: الأبُ والابنُ وابنُ الابنِ وإنْ سفَلَ بالإِجماعِ. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ مِنْ الأبِ والأمِّ

стр. 15116

ومِن الأبِ ذُكورًا أو إِناثًا لا يَرثونَ معَ الابنِ ولا ابنِ الابنِ وإنْ سفَلَ ولا معَ الأبِ (١). والأخُ لأبٍ: يَحجُبُه أربَعةٌ: هؤلاءِ الثَّلاثَة؛ لأنَّهم إذا حَجَبوا الشَّقيقَ فهو أَولى، وأخٌ لأَبوَينِ-الشَّقيقُ-؛ لقُوَّتِه بزِيادةِ القُربِ. الأخُ لأمٍّ: يَحجُبُه أربَعةٌ: أبٌ وجَدٌّ ووَلدٌ -ذَكرًا كانَ أو أُنثَى- ووَلدُ ابنٍ ولَو أُنثَى بالإِجماعِ، ولآيتَي الكَلالةِ المُفسَّرةِ بمَن لا وَلدَ له ولا والِدَ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ مِنْ الأمِّ لا يَرثونَ معَ وَلدِ الصُّلبِ ذَكرًا كانَ أو أُنثَى. وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ مِنْ الأمَّ لا يَرثونَ معَ الأبِ ولا معَ جدِّ أبِي أبٍ وإنْ بعُدَ، فإذا لَم يَتركِ المُتوفَّى أحدًا ممَّن ذكَرْنا أنَّهم يَحجُبونَ الإِخوةَ مِنْ الأمِّ، فإنْ ترَكَ أخًا أو أُختًا لأمِّ فله أَوْ لها السُّدسُ فَريضةً، فإنْ ترَكَ أخًا وأُختًا من أمِّه فالثُّلثُ بينَهما سَواءٌ لا فَضلَ للذَّكرِ منهما على الأُنثَى (٢). ٤ - ابنُ الأخِ لأَبوَينِ: يَحجُبُه سِتةٌ: أبٌ؛ لأنَّه يَحجُبُ أَباهُ فهو أَولَى. وجَدٌّ؛ لأنَّه في دَرجَةِ أبِيه فحجَبَه كأبِيه. وابنٌ وابنُه؛ لأنَّهما يَحجُبانِ أبَاه فهو أَولَى.

стр. 15117

وأخٌ لأبوَينِ؛ لأنَّه إنْ كانَ أبَاه فهو يُدلِي به، وإنْ كانَ عمَّه فهو أَقرَبُ منه. وأخٌ لأبٍ؛ لأنَّه أَقرَبُ منه. تَنبيهٌ: ابنُ الأخِ لأبٍ يَحجُبُه سَبعةٌ، هؤلاءِ السِّتَّة لِما سبَقَ وابنُ الأخِ لأَبوَينِ لقُوَّتِه. مَنْ يَحجُبُ العمَّ وابنَ العمِّ والمُعتِقَ: ١ - العَمُّ لأَبوَينِ: يَحجُبُه ثَمانِيةٌ: أبٌ، وجدٌّ، وابنٌ، وابنُه، وأخٌ لأَبوَينِ، وأخٌ لأبٍ، وابنُ أخٍ لأَبوَينِ، وابنُ أخٍ لأبٍ لقُربِ دَرجتِه. ٢ - العَمُّ لأبٍ: يَحجُبُه تِسعةٌ، هؤلاءِ الثَّمَانِيَةُ وعمٌّ لأَبوَينِ لقُوَّتِه. ٣ - ابْنُ عَمٍّ لأَبوَينِ: يَحجُبُه عَشَرَةٌ: هؤلاءِ التِّسعةُ وعمٌّ لأبٍ؛ لأنَّه في دَرجةِ أبِيه فقُدِّمَ عليه لزِيادةِ قُربِه. ٤ - ابْنُ عَمٍّ لأبٍ: يَحجُبُه أَحدَ عَشرَ: هؤلاءِ العَشرَةُ وابنُ عمٍّ لأَبوَينِ لقُوَّتِه. ٥ - المُعتِقُ: يَحجُبُه عَصبةُ النَّسبِ بالإِجماعِ؛ لأنَّ النَّسبَ أَقوَى مِنْ الوَلاءِ. حَجبُ الإِناثِ: اللَّائِي لَا يُحجَبنَ مِنْ النِّساءِ ثَلاثَةٌ: البِنتُ والأمُّ والزَّوجةُ لَا يُحجَبنَ عَنْ إِرثِهنَّ بالإِجماعِ.

стр. 15118

مَنْ يَحجُبُ بِنتَ الابنِ والجدَّةَ والأُختَ والأُختَينِ والمُعتِقةَ: ١ - بِنتُ الابنِ: يَحجُبُها ابنٌ لأنَّه أَبوها، أو عمُّها وهو بمَنزِلةِ أبِيها، أو بِنتانِ؛ لأنَّ الثُّلثَينِ فَرضُ البَناتِ ولَم يَبقَ منه شَيءٌ إذا لَم يَكنْ معَها -أيْ: بِنتِ الابنِ- مَنْ يُعصِّبُها، سَواءٌ أكانَ في دَرجتِها كأَخِيها أمْ أَسفَلَ منها كابنِ ابنِ عمِّها، وهذا قَيدٌ في الأَخيرِ فقَط، فإنْ كانَ معَها مَنْ يُعصِّبُها اشتَركَت معَه فيما بقِيَ بعدَ ثُلثيِ البِنتَينِ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. ٢ - والجدَّةُ أَنْوَاعٌ: الجدَّةُ للأمِّ: لَا يَحجُبُها إِلَّا الأُمُّ؛ إِذْ ليسَ بينَها وبينَ المَيتِ غيرُها، فلَا تُحجَبُ بالأَبِ ولا بالجدِّ. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الأمَّ تَحجُبُ الجَداتِ (١). الجَدَّةُ للأبِ: يَحجُبُها الأبُ، أو الأمُّ -أيْ: تَحجُبُ الجدَّةَ للأبِ أَيضًا- بالإِجماعِ، فإنَّها تَستحِقُّ بِالأُمومَةِ والأمُّ أَقرَبُ منها. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الأمَّ تَحجُبُ أمَّها وأمَّ الأبَ (٢). والقُرْبَى مِنْ كلِّ جِهةٍ تَحجُبُ البُعدَى منها إلَّا في جَدَّةِ المَيتِ مِنْ جِهةِ أبِيه وأُمِّه، كمَوتِ رَجلٍ عن أمِّ أبِيه وعن أُمِّها، فيَشتَرِكانِ في السُّدسِ.

стр. 15119

والقُربَى مِنْ جِهةِ الأُمِّ، كأُمِّ الأُمِّ تَحجُبُ البُعدَى مِنْ جِهةِ الأَبِ كأمِّ أمِّ أبٍ فتَنفَرِدُ الأُولَى بالسُّدسِ؛ لأنَّ لها قُوَّتينِ: قُربُها بدَرجَةٍ، وكَونُ الأُمِّ هي الأَصلُ، والجَداتُ كالفَرعِ لها، والجَدةُ القُربَى مِنْ جِهةِ الأبِ كأُمِّ أَبٍ لَا تَحجُبُ البُعدَى مِنْ جِهةِ الأمِّ كأمِّ أمِّ أمٍّ، بَلْ يَكونُ السُّدسُ بينَهما نِصفَينِ؛ لأنَّ الأَبَ يَحجُبُها، فالجدَّةُ التي تُدلِي به أَولى أنْ لَا تَحجُبَها. وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الجَدتَينِ إذا اجتَمعَتا وقَرابتَهما سَواءٌ وكِلتاهُما ممَّن يَرثُ أنَّ السُّدسَ بينَهما (١). ٣ - والأُختُ أَنواعٌ: ١ - يَحجُبُها أبٌ، وابنٌ، وابنُ الابنِ. ٢ - تُحجَبُ بهؤلاءِ، وبأَخٍ لأَبوَينِ. ٣ - تُحجَبُ بأبٍ، وجَدٍّ، ووَلدٍ، وفَرعِ ابنِ وارِثٍ. ٤ - الأَخواتُ الخُلَّصُ لأبٍ: يُحجَبنَ بالأُختَينِ الشَّقيقَتينِ كما في بَناتِ الابنِ معَ البَناتِ، وخرَجَ بالخُلَّصِ ما إذا كانَ مَعهُنَّ أخٌ فإنَّه يُعصِّبهُنَّ ولا يُحجَبنَّ. ٥ - والمُعتِقةُ: يَحجُبُها ما يَحجُبُ المُعتِقُ وَهم عَصبَةُ النَّسبِ بالإِجماعِ؛ لأنَّ النَّسبَ أَقوَى مِنْ الوَلاءِ.

стр. 15120

بعضُ الأَمثلةِ الأُخرَى: ١ - زَوجٌ وأُختٌ لأَبوَينِ وأُختٌ لأبٍ، للزَّوجِ النِّصفُ، وللأُختِ لأَبوَينِ النِّصفُ، وللأُختِ لأبٍ السُّدسُ تَكمِلةَ الثُّلثَينِ، أَصلُها مِنْ سِتةٍ تَعولُ إلى سَبعةٍ، فإنْ كانَ معَ الأُختِ لأبٍ أخٌ عَصبَها فلا ترِثُ شَيئًا، فهذا الأخُ المَشؤُومُ. ٢ - زَوجٌ وأبَوانِ وبِنتٌ وبِنتُ ابنٍ: أَصلُها مِنْ اثنَي عَشرَ، وتَعولُ إلى خَمسةَ عَشرَ، للزَّوجِ الرُّبعُ ثَلاثةٌ، وللأَبوَينِ السُّدسانِ أربَعةٌ، وللبِنتِ النِّصفُ سِتةٌ، ولبِنتِ الابنِ السُّدسُ سَهمانِ، ولَو كانَ معَ بِنتِ الابنِ ابنٌ عصَّبَها فسقَطَت وتَعولُ إلى ثَلاثةَ عَشرَ، وهذا أيضًا أخٌ مَشؤُومٌ. ٣ - أُختانِ لأَبوَينِ وأُختٌ لأبٍ، فالمالُ للأُختَينِ فَرضًا وَردًّا، ولا شَيءَ للأُختِ لأبٍ، فإنْ كانَ معَها أَخوها عصَّبَها فلهما الباقِي، وهو الثُّلثُ، للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيينِ، وهذا الأخُ المُباركُ. والمَحرومُ لَا يَحجُبُ، كالكافِرِ والقاتِلِ والرَّقيقِ، لَا نُقصانًا ولا حِرمانًا؛ لأنَّهم لَا يَرثونَ لعَدمِ الأَهلِيةِ، والعلَّةُ تَنعدِمُ لفَقدِ الأَهلِيةِ، وتَفوتُ بفَواتِ شَرطٍ مِنْ شَرائطِها كبَيعِ المَجنونِ، وإذا انعَدمَت العِليَّةُ في حقِّهم التَحقُوا بالعَدمِ في بابِ الإِرثِ. الفاضِلُ عن فَرضِ البَناتِ: والفاضِلُ عن فَرضِ البَناتِ لبَنِي الابنِ وأَخواتِهم، للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأُنثَيينِ.

стр. 15121

والفاضِلُ عن فَرضِ الأُختَينِ مِنْ الأَبِ والأُمِّ للإِخوةِ والأَخواتِ مِنْ الأَبِ، للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأُنثَيينِ. وإذا ترَكَ بِنتًا وبَناتِ ابنٍ وبَنِي ابنٍ فللبِنتِ النِّصفُ والباقِي لبَنِي الابنِ وأَخواتِهم، للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأُنثَيينِ. وكذا الفاضِلُ عن فَرضِ الأُختِ للأبِ والأُمِّ لبَنِي الأبِ وبَناتِ الأَبِ، للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأُنثَيينِ. ومَن ترَكَ ابنَيْ عمٍّ أحدُهما أخٌ لأمٍّ فللأَخِ مِنْ الأمِّ السُّدسُ، والباقِي يُقسمُ بينَهما نِصفَينِ؛ لأنَّ له قَرابَتينِ مِنْ جِهتَينِ (١). بَيانِ إِرثِ الأَولادِ وأَولادِهم انفِرادًا واجتِماعًا: الابنُ المُنفرِدُ يَستَغرِقُ التَّركةَ كلَّها، وكذا الابنانِ والبَنونَ إِجماعًا في الجَميعِ.

стр. 15122

١ - وللبِنتِ الواحِدةِ النِّصفُ وللبِنتَينِ فأَكثرَ الثُّلثانِ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ للثِّنتَينِ مِنْ البَناتِ الثُّلثَينِ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ فَرضَ الابنَتينِ الثُّلثانِ … قالَ اللهُ تَعالى في الأَخواتِ: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، وهذا تَنبيهٌ على أن للبِنتَينِ الثُّلثينِ؛ لأنَّهما أَقربُ ولأنَّ كلَّ مَنْ يَرثُ الواحدُ منهم النِّصفَ فللاثنَتينِ منهم الثُّلثانِ كالأَخواتِ مِنْ الأَبوَينِ والأَخواتِ مِنْ الأبِ، وكلُّ عَددٍ يَختلِفُ فَرضُ واحدِهم وجَماعتِهم فللاثنَينِ منهم مثلُ فَرضِ الجَماعةِ كوَلدِ الأمِّ والأَخواتِ مِنْ الأَبوَينِ أو مِنْ الأبِ فأمَّا الثَّلاثُ مِنْ البَناتِ فما زادَ فلا خِلافَ في أنَّ فَرضَهنَّ الثُّلثانِ، وأنَّه ثابتٌ بقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] (٢). ٢ - ولَو اجتَمعَ بَنونٌ وبَناتٌ فالتَّركةُ لهم للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأُنثَيينِ؛ لقَولِه تَعالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ مالَ المَيتِ بينَ جَميعِ وَلدِه للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيينِ إذا لَم يَكنْ معَهم أحدٌ من أهلِ الفَرائضِ، وإذا

стр. 15123

كانَ معَهم من له فَرضٌ مَعلومٌ بُدئَ بفَرضِه فأُعطِيه وجُعلَ الفاضلُ مِنْ المالِ بينَ الوَلدِ للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيينِ (١). وأَولادُ الابنِ وإنْ نزَلَ إذا انفَردُوا كأَولادِ الصُّلبِ فيما ذُكرَ بالإِجماعِ لتَنزيلِهم مَنزِلتَهم. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ بنِي الابنِ وبَناتِ الابنِ يَقومونَ مَقامَ البَنينَ والبَناتِ ذُكورُهم كذُكورِهم وإِناثُهم كإِناثِهم إذا لَم يَكنْ للمَيتِ وَلدٌ لصُلبِه (٢). فلَو اجتَمعَ الصِّنفانُ -أيْ: أَولادُ الصُّلبِ وأَولادُ الابنِ- فإنْ كانَ مِنْ وَلدِ الصُّلبِ ذَكرٌ -مُنفرِدًا أو معَ غيرِه- حجَبَ أَولادَ الابنِ بالإِجماعِ، وإلَّا بأنْ لَم يَكنْ ذَكرٌ فإنْ كانَ للصُّلبِ بِنتٌ فلها النِّصفُ، والباقِي لوَلدِ الابنِ الذُّكورِ فقط بالسَّويَّةِ بينَهم، أو الباقِي لوَلدِ الابنِ الذُّكورِ والإِناثِ للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأُنثَيينِ قِياسًا على أَولادِ الصُّلبِ، قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّه إنْ ترَكَ بِنتًا وابنَ ابنٍ فلابنَتِه النِّصفُ وما بقِيَ فلابنِ الابنِ (٣). ٣ - فإنْ لَم يَكنْ مِنْ أَولادِ الابنِ إِلَّا أُنثَى أو إِناثٌ فلها أو لهنَّ السُّدسُ تَكملَةَ الثُّلثَينِ.

стр. 15124

قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّه إنْ ترَكَ بَناتٍ وبِنتَ ابنٍ أو بَناتِ ابنٍ فللِابنَةِ النِّصفُ ولبَناتِ الابنِ السُّدسُ تَكملةَ الثُّلثَينِ (١). ٤ - وإنْ كانَ للصُّلبِ بِنتانِ فَصاعِدًا أخَذَتا أو أخَذنَ الثُّلثَينِ، والباقِي لوَلدِ الابنِ الذُّكورِ بالسَّويَّة أو الذُّكورِ والإِناث للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأُنثَيينِ، ولا شَيءَ للإِناثِ الخُلصِ مِنْ وَلدِ الابنِ معَ بِنتَيِ الصُّلبِ بالإِجماعِ كما قالَه ابنُ المُنذِرِ، إلَّا أنْ يَكونَ أَسفَلَ مِنهنَّ ذَكرٌ فيُعصِّبهُنَّ في الباقِي للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأُنثَيينِ؛ إذْ لا يُمكنُ إِسقاطُه لأنَّه عَصبَةٌ ذَكرٌ، ولا إِسقاطُ مَنْ فَوقَه وإِفرادُه بالمِيراثِ معَ بُعدِه؛ لأنَّه لو كانَ في دَرجَتهِنَّ لَم يُفرَدْ معَ قُربِه، وأَفهمَ تَعصيبُه لَهنَّ إذا كانَ في دَرجَتِهنَّ مِنْ بابٍ أَولِى، وهذا يُسمَّى الأخَ المُبارَكَ، أما الأَعلَى فيَسقُطنَ به. وأَولادُ ابنِ الابنِ معَ أَولادِ الابنِ كأَولادِ الابنِ معَ أَولادِ الصُّلبِ في جَميعِ ما مرَّ، بالإِجماعِ كما تقَدمَ. وكذا سائِرُ المَنازِلِ مِنْ كلِّ دَرجةٍ نازِلةٍ معَ دَرجَةٍ عالِيةٍ كأَولادِ ابنِ ابنِ الابنِ معَ أَولادِ ابنِ الابنِ، وإنَّما يُعصِّبُ الذَّكرُ النَّازلُ مِنْ أَولادِ الابنِ عن إِناثِهم مَنْ في دَرجَتِه كأُختِه وبِنتِ عمِّه فيُعصِّبُها مُطلقًا، سواءٌ أَفضلَ لها مِنْ الثُّلثَينِ شَيءٌ أمْ لَا، كما يُعصِّبُ الابنُ البَناتِ. ويُعصِّبُ مَنْ فوقَه كبِنتِ عمِّ أَبِيه إنْ لَم يَكنْ لها شَيءٌ مِنْ الثُّلثَينِ كبِنتَي

стр. 15125

صُلبٍ وبِنتِ ابنٍ، وابنِ ابنِ ابنٍ، فإنْ كانَ لها شَيءٌ منهُما لَم يُعصِّبْها كبِنتٍ وبِنتِ ابنٍ وابنِ ابنِ ابنٍ؛ لأنَّ لها فَرضًا استَغنَتْ به عن تَعصيبِه. وليسَ في الفَرائضِ مَنْ يُعصِّبُ أُختَه وعَمتَه وعَمةَ أَبِيهِ وَجدَّه وبَناتِ أَعمامِه وبَناتِ أَعمامِ أبِيه وجدَّه إِلَّا المُستَنزِلُ مِنْ أَولادِ الابنِ. وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ بَناتِ الصُّلبِ متى استَكمَلنَ الثُّلثَينِ سقَطَ بَناتُ الابنِ ما لَم يَكنْ بإِزائِهنَّ أو أَسفلَ منهنَّ ذَكرٌ يُعصِّبُهنَّ، وذلك لأنَّ اللهَ تَعالَى لَم يَفرضْ للأَولادِ إذا كانُوا نِساءً إلا الثُّلثَينِ قَليلاتٍ كُنَّ أو كَثيراتٍ وهؤلاء لَم يَخرُجنْ عن كَونِهنَّ نِساءً من الأَولادِ، وقد ذهَبَ الثُّلثانِ لوَلدِ الصُّلبِ فلَم يَبقَ لهنَّ شَيءٌ ولا يُمكنُ أنْ يُشارِكنْ بَناتِ الصُّلبِ؛ لأنَّهن دونَ دَرجتِهنَّ، فإنْ كانَ معَ بَناتِ الابنِ ابنُ ابنٍ في دَرجتِهنَّ كأخِيهنَّ أو ابنِ عمِّهنَّ أو أَنزلُ منهن كابنِ أخِيهنَّ أو ابنِ ابنِ عمِّهنَّ أو ابنِ ابنِ ابنِ عمِّهنَّ عصَّبَهنَّ في الباقِي، فجُعلَ بينَهم للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيينِ، وهذا قولُ عامَّةِ العُلماءِ (١). بَيانُ إِرثِ الأَبِ والجدِّ وإِرثِ الأمِّ: بَيانُ مِيراثِ الأَبِ: ١ - يَرثُ الأبُ بفَرضٍ وهو السُّدسُ إذا كانَ معَه ابنٌ أو ابنُ ابنٍ وارِثٌ وإنْ سفَلَ، والباقِي لمَن معَه.
следующие страницы →