قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّه إنْ ترَكَ بَناتٍ وبِنتَ ابنٍ أو بَناتِ ابنٍ فللِابنَةِ النِّصفُ ولبَناتِ الابنِ السُّدسُ تَكملةَ الثُّلثَينِ (١).
٤ - وإنْ كانَ للصُّلبِ بِنتانِ فَصاعِدًا أخَذَتا أو أخَذنَ الثُّلثَينِ، والباقِي لوَلدِ الابنِ الذُّكورِ بالسَّويَّة أو الذُّكورِ والإِناث للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأُنثَيينِ، ولا شَيءَ للإِناثِ الخُلصِ مِنْ وَلدِ الابنِ معَ بِنتَيِ الصُّلبِ بالإِجماعِ كما قالَه ابنُ المُنذِرِ، إلَّا أنْ يَكونَ أَسفَلَ مِنهنَّ ذَكرٌ فيُعصِّبهُنَّ في الباقِي للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأُنثَيينِ؛ إذْ لا يُمكنُ إِسقاطُه لأنَّه عَصبَةٌ ذَكرٌ، ولا إِسقاطُ مَنْ فَوقَه وإِفرادُه بالمِيراثِ معَ بُعدِه؛ لأنَّه لو كانَ في دَرجَتهِنَّ لَم يُفرَدْ معَ قُربِه، وأَفهمَ تَعصيبُه لَهنَّ إذا كانَ في دَرجَتِهنَّ مِنْ بابٍ أَولِى، وهذا يُسمَّى الأخَ المُبارَكَ، أما الأَعلَى فيَسقُطنَ به.
وأَولادُ ابنِ الابنِ معَ أَولادِ الابنِ كأَولادِ الابنِ معَ أَولادِ الصُّلبِ في جَميعِ ما مرَّ، بالإِجماعِ كما تقَدمَ.
وكذا سائِرُ المَنازِلِ مِنْ كلِّ دَرجةٍ نازِلةٍ معَ دَرجَةٍ عالِيةٍ كأَولادِ ابنِ ابنِ الابنِ معَ أَولادِ ابنِ الابنِ، وإنَّما يُعصِّبُ الذَّكرُ النَّازلُ مِنْ أَولادِ الابنِ عن إِناثِهم مَنْ في دَرجَتِه كأُختِه وبِنتِ عمِّه فيُعصِّبُها مُطلقًا، سواءٌ أَفضلَ لها مِنْ الثُّلثَينِ شَيءٌ أمْ لَا، كما يُعصِّبُ الابنُ البَناتِ.
ويُعصِّبُ مَنْ فوقَه كبِنتِ عمِّ أَبِيه إنْ لَم يَكنْ لها شَيءٌ مِنْ الثُّلثَينِ كبِنتَي
стр. 15125
صُلبٍ وبِنتِ ابنٍ، وابنِ ابنِ ابنٍ، فإنْ كانَ لها شَيءٌ منهُما لَم يُعصِّبْها كبِنتٍ وبِنتِ ابنٍ وابنِ ابنِ ابنٍ؛ لأنَّ لها فَرضًا استَغنَتْ به عن تَعصيبِه.
وليسَ في الفَرائضِ مَنْ يُعصِّبُ أُختَه وعَمتَه وعَمةَ أَبِيهِ وَجدَّه وبَناتِ أَعمامِه وبَناتِ أَعمامِ أبِيه وجدَّه إِلَّا المُستَنزِلُ مِنْ أَولادِ الابنِ.
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ بَناتِ الصُّلبِ متى استَكمَلنَ الثُّلثَينِ سقَطَ بَناتُ الابنِ ما لَم يَكنْ بإِزائِهنَّ أو أَسفلَ منهنَّ ذَكرٌ يُعصِّبُهنَّ، وذلك لأنَّ اللهَ تَعالَى لَم يَفرضْ للأَولادِ إذا كانُوا نِساءً إلا الثُّلثَينِ قَليلاتٍ كُنَّ أو كَثيراتٍ وهؤلاء لَم يَخرُجنْ عن كَونِهنَّ نِساءً من الأَولادِ، وقد ذهَبَ الثُّلثانِ لوَلدِ الصُّلبِ فلَم يَبقَ لهنَّ شَيءٌ ولا يُمكنُ أنْ يُشارِكنْ بَناتِ الصُّلبِ؛ لأنَّهن دونَ دَرجتِهنَّ، فإنْ كانَ معَ بَناتِ الابنِ ابنُ ابنٍ في دَرجتِهنَّ كأخِيهنَّ أو ابنِ عمِّهنَّ أو أَنزلُ منهن كابنِ أخِيهنَّ أو ابنِ ابنِ عمِّهنَّ أو ابنِ ابنِ ابنِ عمِّهنَّ عصَّبَهنَّ في الباقِي، فجُعلَ بينَهم للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيينِ، وهذا قولُ عامَّةِ العُلماءِ (١).
بَيانُ إِرثِ الأَبِ والجدِّ وإِرثِ الأمِّ:
بَيانُ مِيراثِ الأَبِ:
١ - يَرثُ الأبُ بفَرضٍ وهو السُّدسُ إذا كانَ معَه ابنٌ أو ابنُ ابنٍ وارِثٌ وإنْ سفَلَ، والباقِي لمَن معَه.
стр. 15126
٢ - ويَرثُ بالتَّعصيبِ فقط إذا لَم يَكنْ معَه وَلدٌ ولا وَلدُ ابنٍ، سَواءٌ أَكانَ وَحدَه أمْ معَه صاحِبُ فَرضٍ كزَوجَةٍ فلَه الباقِي بعدَ الفَرضِ بالعُصوبَةِ وإلّا أخَذَ الجَميعُ.
٣ - ويَرثُ بالفَرضِ والتَّعصيبِ مِنْ جِهةٍ واحِدةٍ إذا كانَ معَه بِنتٌ مُنفَردَةٌ أو كانَ معَها بِنتٌ أُخرَى فأَكثَرُ أو بِنتُ ابنٍ وإنْ سفَلَ مُنفرِدةٌ أو معَها بِنتُ ابنٍ أُخرَى، أو بِنتا ابنٍ فأَكثَرُ، فلَه السُّدسُ فَرضًا؛ لأنَّ لَفظَ الوَلدِ في الآيَةِ يَشمَلُ الذَّكرَ والأُنثَى، والباقِي بعدَ فَرضِهما- أَي: الأَبُ والبِنتُ أو الأَبُ وبِنتُ الابنِ، وكذا غيرُهما ممَّن ذُكرَ، وهو الثُّلثُ أو السُّدسُ- له يَأخذُه بالعُصوبةِ؛ لقَولِه ﷺ : «أَلحِقوا الفَرائضَ بأَهلِها فما بقَيَ فهو لأَولَى رَجلٍ ذَكرٍ» (١)، وأَولى بمَعنَى: أَقرَب.
٤ - وإذا لَم يُوجدْ إذًا إلا الأَبوانِ فلِلأبِ الثُّلثَينِ وللأمِّ الثُّلثَ، قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الأَبوينِ إذا ورِثاه: أنَّ للأبِ الثُّلثَينِ وللأمِّ الثُّلثَ (٢).
مِيراثُ الأُمِّ:
تَرثُ الأمُّ الثُّلثَ عندَ عَدمِ الوَلدِ أو وَلدِ الوَلدِ، أو جَمعٍ مِنْ الإِخوةِ أو الأَخواتِ، وعندَ وُجودِ أَحدِهم لها السُّدسُ؛ لقولِه تَعالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ
стр. 15127
وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١].
وللأُمِّ في مَسأَلتَيِ زَوجٍ أو زَوجَةٍ وأَبوَينِ ثُلثُ ما بقِيَ بعدَ فَرضِ الزَّوجِ أو فَرضِ الزَّوجَةِ، لَا ثُلثَ جَميعِ المالِ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ، ويُلقَّبانِ بالغَراوَينِ لشُهرَتِهما تَشبيهًا لهما بالكَوكبِ الأَغرِّ، وبالعُمرِيتَينِ لقَضاءِ عُمرَ ﵁ فيهما بما ذُكرَ، وبالغَريبَتينِ لغَرابتِهما.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامة ﵀: مَسأَلةٌ: قالَ: وإذا كانَ زَوجٌ وأَبوانِ أُعطيَ الزَّوجُ النِّصفَ والأمُّ ثُلثَ ما بقِيَ وما بقِيَ فللأبِ، وإذا كانَت زَوجةٌ وأَبوانِ أُعطيَت الزَّوجةُ الرُّبعَ والأمُّ ثُلثَ ما بقِيَ وما بقِيَ فللأبِ.
هاتانِ المَسألَتانِ تُسمَّيانِ العُمريتَّينِ؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ قَضى فيهما بهذا القَضاء فاتَّبعَه على ذلك عُثمانُ وزَيدُ بنُ ثابتٍ وابنُ مَسعودٍ، ورُويَ ذلك عن عليٍّ، وبه قالَ الحَسنُ والثَّوريُّ ومالكٌ والشافِعيُّ ﵃ وأَصحابُ الرَّأيِ، وجعَلَ ابنُ عَباسٍ ثُلثَ المالِ كلِّه للأمِّ في المَسألَتينِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى فرَضَ لها الثُّلثَ عندَ عَدمِ الوَلدِ والإِخوةِ وليسَ هاهنا وَلدٌ وإِخوةٌ، ويُروى ذلك عن عليٍّ ورُويَ ذلك عن شُريحٍ في زَوجٍ وأَبوينِ، وقالَ ابنُ سِيرينَ كقَولِ الجَماعةِ في زَوجٍ وأبَوينِ، وكقولِ ابنِ عَباسٍ في امرَأةٍ وأَبوينِ، وبه قالَ أَبو ثَورٍ؛ لأنَّنا لو فرَضْنا للأمِّ ثُلثَ المالِ في زَوجٍ وأَبوينِ لَفضَّلْناها على الأبِ، ولا يَجوزُ ذلك.
стр. 15128
وفي مَسألةِ المَرأةِ لا يُؤدِّي إلى ذلك، واحتَجَّ ابنُ عَباسٍ بعُمومِ قولِه تَعالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، وبقولِه ﵇: «أَلحِقوا الفَرائضَ بأَهلِها فما بقِيَ فهو لأَولَى رَجلٍ ذَكرٍ»، والأبُ هاهنا عَصبةٌ فيَكونُ له ما فضَلَ عن ذَوي الفُروضِ كما لو كانَ مَكانُه جدٌّ، والحُجةُ معَه لولا انعِقادُ الإِجماعِ مِنْ الصَّحابةِ على مُخالَفتِه، ولأنَّ الفَريضةَ إذا جمَعَت أَبوينِ وذا فَرضٍ كانَ للأمِّ ثُلثُ الباقِي كما لو كانَ معَهم بِنتٌ، ويُخالفُ الأبُ الجدَّ؛ لأنَّ الأبَ في دَرجتِها والجدُّ أَعلَى منها، وما ذهَبَ إليه ابنُ سِيرينَ تَفريقٌ في مَوضعٍ أَجمعَ الصَّحابةُ على التَّسويةِ فيه، ثم إنَّه معَ الزَّوجِ يَأخذُ مِثلَي ما أَخذَت الأمُّ، كذلك معَ المَرأةِ قِياسًا عليه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: المَسألةُ الثانِيةُ العُمرِيتانِ: والقُرآنُ يَدلُّ على قَولِ جُمهورِ الصَّحابةِ فيها كعُمرَ وعُثمانَ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وزَيدِ بن ثابتٍ إنَّ للأمِّ ثُلثَ ما يَبقَى بعدَ فَرضِ الزَّوجَينِ، وههنا طَريقانِ:
أَحدُهما: بَيانُ عَدمِ دِلالتِه على إِعطائِها الثُّلثَ كاملًا معَ الزَّوجَينِ، وهذا أَظهرُ الطَّريقَينِ.
والثانِي: دِلالتُه على إِعطائِها ثُلثَ الباقِي، وهو أَدقُّ وأَخفَى مِنْ الأَولِ، أما الأَولُ فإنَّ اللهَ سُبحانَه إنَّما أَعطاهَا الثُّلثَ كاملًا إذا انفَردَ الأَبوانِ
стр. 15129
بالمِيراثِ؛ فإنَّ قولَه سُبحانَه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] شرَطَ أنَّ في استِحقاقِ الثُّلثِ عَدمَ الوَلدِ وتَفردَهما بمِيراثِه.
فإنْ قِيلَ: ليسَ في قولِه: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ ما يَدلُّ على أنَّهما تَفرَّدا بمِيراثِه.
قِيلَ: لو لَم يَكنْ تَفردُّهما شرطًا لَم يَكنْ في قولِه: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ فائِدةٌ وكانَ تَطويلًا يُغني عنه قولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فلمَّا قالَ: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ عُلمَ أنَّ استِحقاقَ الأمِّ الثُّلثَ مَوقوفٌ على الأَمرينِ، وهو سُبحانَه ذكَرَ أَحوالَ الأمِّ كلَّها نصًّا وإِيماءً، فذكَرَ أنَّ لها السُّدسَ معَ الإِخوةِ، وأنَّ لها الثُّلثَ كاملًا معَ عَدمِ الوَلدِ، وتَفرُّدِ الأَبوينِ بالمِيراثِ، بقِيَ لها حالةٌ ثالِثةٌ وهي معَ عَدمِ الوَلدِ وعَدمِ تَفرُّدِ الأَبوينِ بالمِيراثِ، وذلك لا يَكونُ إلا معَ الزَّوجِ والزَّوجةِ، فإمَّا أنْ تُعطَى في هذه الحالِ الثُّلثَ كاملًا وهو خِلافُ مَفهومِ القُرآنِ، وأما أنْ تُعطَى السُّدسَ؛ فإنَّ اللهَ سُبحانَه لَم يَجعَلْه فَرضَها إلا في مَوضعَينِ: معَ الوَلدِ، ومعَ الإِخوةِ، وإذا امتَنعَ هذا وهذا كانَ الباقِي بعدَ فَرضِ الزَّوجَينِ هو المالُ الذي يَستَحقُّه الأَبوانِ ولا يُشارِكُهما فيه مُشارِكٌ، فهو بمَنزِلةِ المالِ كلِّه إذا لَم يَكنْ زَوجٌ ولا زَوجةٌ، فإذا تَقاسَماهُ أَثلاثًا كانَ الواجبُ أنْ يَتقاسَما الباقِي بعدَ فَرضِ الزَّوجَينِ كذلك (١).
стр. 15130
مِيراثُ الجدِّ:
والجدُّ أَبو الأبِ في المِيراثِ كالأبِ عندَ عَدمِه في جَميعِ ما مرَّ مِنْ الجَمعِ بينَ الفَرضِ والتَّعصيبِ وغيرِه.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ حُكمَ الجدِّ حُكمُ الأبِ.
وأَجمَعوا على أنَّ من ترَكَ ابنًا وأبًا، أنَّ للأبِ السُّدسَ، وما بقِيَ فللابنِ. وكذلك جعَلوا حُكمَ الجدِّ معَ الابنِ كحُكمِ الأبِ.
وأَجمَعوا أنَّ الجدَّ يَضربُ معَ أَصحابِ الفَرائضِ بالسُّدسِ كما يَضربُ الأبُ، وإنْ عالَت الفَريضةُ.
وأَجمَعوا على أنَّ للأبِ معَ الابنِ السُّدسَ، وكذلك للجدِّ معَه مِثلُ ما للأبِ (١).
هل يُسقِطُ الجدُّ الإِخوةَ أم يُقاسِمُهم؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الجدِّ إذا كانَ معَ إِخوةٍ أَشقاءَ أو أَخواتٍ أو إخوةٍ لأبِ ولَم يَكنْ معَهم صاحبُ فَرضٍ هل يَحجُبُهم كالأبِ أمْ يُقاسِمُهم؟
فذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ -وهو مَرويٌ عن أَبي بكرٍ الصِّديقِ وابنِ عَباسٍ وابنِ الزُّبيرِ وعائشةَ ومُعاذِ ابنِ جبلٍ وأُبيِّ بنِ كَعبٍ وأَبي الدَّرداءِ وأَبي هُريرةَ، وهو اخِتيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميَّةَ وابنِ القَيمِ- إلى أنَّ الجدَّ أَولى بالمِيراثِ من الإِخوةِ ويَحجُبهم كالأبِ، فيَرثُ ما يَرثُ الأبُ،
стр. 15131
ويَحجُبُ ما يَحجُبُ الأبُ؛ لقولِ اللهِ تَعالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] واسمُ الأبِ يَتناولُ الجدَّ بدَليلِ قولِه تَعالَى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وقالَ: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾.
فيَستحِقُّ الجدُّ المِيراثَ دونَ الإِخوةِ كما يَستحِقُّ الأبُ دونَهم إذا كانَ باقيًا، ودلَّ ذلك على أنَّ إِطلاقَ اسمِ الأبِ يَتناولُ الجدَّ فاقتَضى ذلك أنْ لا يَختلِفَ حُكمُه وحُكمُ الأبِ في المِيراثِ إذا لَم يَكنْ أبٌ.
ولأنَّ العُلماءَ أَجمَعوا على أنَّ حُكمَ الجدِّ حُكمُ الأبِ في غيرِ مَوضعٍ، مِنْ ذلك إِجماعُهم أنَّ الجدَّ يَحجُبُ الإِخوةَ مِنْ الأمِّ كما حجَبَهم الأبُ؛ فالقِياسُ أنْ يَحجُبَ الإِخوةَ للأبِ والأمِّ إذا كانَ أبًا كما حجَبَ الإِخوةَ للأمِّ، وأَجمَعوا أنَّ الجدَّ يَضرِبُ معَ أَصحابِ الفَرائضِ بالسُّدسِ كما يَضرِبُ الأبُ، وإن عالَت الفَريضةُ، وللأبِ معَ ابنِ الابنِ السُّدسُ، وكذلك للجدِّ معَه مثلُ ما للأبِ، وقالَ تَعالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، ومِن المُحالِ أنْ يَكونَ له وَلدٌ ولا يَكونَ له والِدًا.
ولقولِ النَّبيِ ﷺ : «وما بقِيَ فهو لأَولَى رَجلٍ ذَكرٍ»؛ لأنَّ رَجلًا لو تُوفِّيَ وترَكَ بنتًا أو ابنَتينِ وجدًّا وإِخوةً فألحَقْنا البِنتَ أو البِنتَينِ بفَرائضِهنَّ وكانَ ما بقِيَ للجدِّ وهو أَولى رَجلٍ ذَكرٍ بقِيَ.
стр. 15132
قالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: فإنَّ الصَّحابةَ في الجدِّ معَ الإِخوةِ على قَولينِ: أنَّه يُسقِطُ الإِخوةَ، وهذا قولُ أَبي بكرٍ وأَكثرِ الصَّحابةِ كأُبيِّ بنِ كعبٍ وأَبي موسَى وابنِ عَباسٍ وابنِ الزُّبيرِ، ويُذكرُ عن أربَعةَ عشرَ منهم، وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ وطائِفةٍ مِنْ أَصحابِ الشافِعيِّ وأَحمدَ كابنِ سُريجٍ مِنْ أَصحابِ الشافِعيِّ وأَبي حَفصٍ البَرمكِيِّ من أَصحابِ أَحمدَ، ويُذكرُ هذا رِوايةً عن أَحمدَ.
وهذا القولُ هو الصَّحيحُ؛ فإنَّ نِسبةَ بَني الإِخوةِ مِنْ الأبِ إلى الجدِّ كنِسبةِ الأَعمامِ بَني الجدِّ إلى الجدِّ أَبي الأبِ، وقد اتَّفقَ المُسلِمونَ على أنَّ الجدَّ أَبا الأبِ أَولى مِنْ الأَعمامِ فيَجبُ أنْ يَكونَ الجدُّ أَبو الأبِ أَولى مِنْ الإِخوةِ.
وأيضًا: فإنَّ الإِخوةَ لو كانُوا لكَونِهم يُدلونَ ببُنوةِ الأبِ بمَنزِلةِ الجدِّ لكانَ أَبناؤُهم وهم بَنو الإِخوةِ كذلك كانَ أَولادُهم ليسُوا بمَنزِلتِهم عُلمَ أنَّهم لا يَتقدَّمونَ ببُنوةِ الأبِ، ألا تَرى أنَّ الابنَ لمَّا كانَ أَولى مِنْ الجدِّ كانَ ابنُه -ابنُ الابنِ- بمَنزِلتِه.
وأيضًا: فإنَّ الجدةَ كالأمِّ فيَجبُ أنْ يَكونَ الجدُّ كالأبِ، ولأنَّ الجدَّ يُسمَّى أبًا، وهذا القولُ هو إِحدَى الرِّوايَتينِ عن عُمرَ.
والقولُ الثانِي: أنَّ الجدَّ يُقاسِمُ الإِخوةَ، وهذا قولُ عليٍّ وزَيدٍ وابنِ مَسعودٍ ورُويَ عن عُثمانَ القَولانِ ولكنَّهم مُختلِفونَ في التَّفصيلِ اختِلافًا مُتباينًا.
стр. 15133
وجُمهورُ أهلِ هذا القولِ على مَذهبِ زَيدٍ كمالكٍ والشافِعيِّ وأَحمدَ، وأما قولُ عليٍّ في الجدِّ فلَم يَذهبْ إليه أحدٌ مِنْ أَئمةِ الفُقهاءِ، وإنَّما يُذكرُ عن ابنِ أَبي لَيلى أنَّه كانَ يَقضِي به ويُذكرُ عن عليِّ فيه أَقوالٌ مُختَلفةٌ (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: والقُرآنُ يَدلُّ لقولِ الصِّديقِ ومَن معَه مِنْ الصَّحابةِ كأَبي موسَى وابنِ عَباسٍ وابنِ الزُّبيرِ وأربَعةَ عَشرَ منهم ﵃، ووَجهُ دِلالةِ القُرآنِ على هذا القَولِ قولُه تَعالَى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخِرِ الآيةِ، فلَم يَجعلْ للإِخوةِ مِيراثًا إلا في الكَلالةِ.
وقد اختَلفَ الناسُ في الكَلالةِ، والكِتابُ يَدلُّ على قولِ الصِّديقِّ أنَّها ما عَدا الوالدَ والولدَ؛ فإنَّه سبحانه قالَ في مِيراثِ وَلدِ الأمِّ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] فسوَّى بينَ مِيراثِ الإِخوةِ في الكَلالةِ وإن فرَّقَ بينَهم في جِهةِ الإِرثِ ومِقدارِه، فإذا كانَ وُجودُ الجدِّ معَ الإِخوةِ للأمِّ لا يُدخِلُهم في الكَلالةِ بل يَمنعُهم من صِدقِ اسمِ الكَلالةِ على المَيتِ أو عليهم أو على القَرابةِ فكيفَ أَدخلَ ولدَ الأبِ في الكَلالةِ ولَم يَمنعْهم وُجودُه صِدقَ اسمِها؟ وهل هذا إلا تَفريقٌ مَحضٌ بينَ ما جمَعَ اللهُ بينَه؟
стр. 15134
يُوضحُه الوَجهُ الثانِي: وهو أنَّ وَلدَ الوَلدِ يَمنعُ الإِخوةَ مِنْ المِيراثِ، ويُخرِجُ المَسأَلةَ عن كَونِها كَلالةً لدُخولِه في قولِه: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، ونِسبةُ أبِ الأبِ إلى المَيتِ كنِسبةِ وَلدِ وَلدِه إليه، فكما أنَّ الوَلدَ وإنْ نزَلَ يُخرِجُ المَسأَلةَ عن الكَلالةِ فكذلك أبُ الأبِ وإنْ عَلا، ولا فرقَ بينَهما البَتةَ.
يُوضِّحُه الوَجهُ الثالِثُ: وهو أنَّ نِسبةَ الإِخوةِ إلى الجدِّ كنِسبةِ الأَعمامِ إلى أَبي الجدِّ؛ فإنَّ الأخَ ابنُ الأبِ والعمَّ ابنُ الجدِّ، فإذا خلَّفَ عمَّه وأَبا جدِّه فهو كما لو خلَّفَ أَخاه وجدَّه سَواءٌ، وقد أَجمعَ المُسلِمونَ على تَقديمِ أبِ الجدِّ على العمِّ، فكذلك يَجبُ تَقديمُ الجدِّ على الأخِ، وهذا من أَبينِ القِياسِ وإنْ لَم يَكنْ هذا قِياسًا جَليًّا فليسَ في الدُّنيا قِياسٌ جَليٌّ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ والصاحبانِ من الحَنفيةِ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ الجدَّ لا يَحجُبُ الإِخوةَ والأَخواتِ الأَشقاءَ أو لأبٍ، بلْ يَتقاسَمونَ التَّركةَ فيما بينَهم، إلا أنَّ الجدَّ لا يَنقصُ عن الثُّلثِ معَ الإِخوةِ للأبِ والأمِّ أو للأبِ إلا معَ ذَوي الفُروضِ، فإنَّه لا يَنقصُه معَهم مِنْ السُّدسِ شيئًا.
стр. 15135
واحتَجَّ الجُمهورُ على ذلك بما يَلي:
بقولِه تَعالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] وبقولِه تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ٦] والجدُّ والإِخوةُ يَدخُلونَ في عُمومِ الآيَتين فلَم يَجزْ أنْ يَخصَّ الجدَّ بالمالِ دونَ الإِخوةِ.
وبقولِ النَّبيِ ﷺ : «وما بقِي فهو لأَولَى رَجلٍ ذَكرٍ» فقَالوا: الأخُ أَولى؛ لأنَّه أَقربُ إلى المَيتِ، بدَليلِ أنَّه يَنفردُ بالوَلاءِ لقُربِه، وأيضًا فإنَّ الأخَ يَقولُ: أنا أَقوَى مِنْ الجدِّ؛ لأنِّي أَقومُ مَقامَ الوَلدِ في حَجبِ الأمِّ مِنْ الثُّلثِ إلى السُّدسِ، وليسَ كذلك الجدُّ فوجَبَ ألَّا يَحجُبَني كما لا يَحجُبُ الوَلدَ، والجدُّ إنَّما يُدلِي بالمَيتِ وهو أَبو أبِيه، والأخُ يُدلِي بالمَيتِ وهو ابنُ أبِيه، والابنُ مِنْ جِهةِ المَواريثِ أَقوَى مِنْ الأبِ؛ لأنَّ الابنَ يَنفردُ بالمالِ ويَردُّه إلى السُّدسِ، والأبُ لا يَفعلُ ذلك بالابنِ، فكانَ مَنْ أَدلَى بالأَقوَى أَولى ممَّن أَدلَى بالأَضعفِ.
ولأنَّ الأخَ ذَكرٌ يُعصِّبُ أختَه فلَم يُسقِطْه الجدُّ كالبِنتِ، ولأنَّ تَعصيبَ الأخِ أَقوَى مِنْ تَعصيبِ الجدِّ؛ لأنَّه تَعصيبُ بُنوةٍ، وتَعصيبُ الجدِّ تَعصيبُ أُبوةٍ، ولأنَّه يُعصِّبُ أختَه بخِلافِ الجدِّ، فامتَنعَ معَ قُوةِ تَعصيبِه عليه أنْ يَسقُطَ به، ولأنَّ الأُختَ أُنثَى فَرضُها النِّصفُ، إذا انفَردَت لَم يُسقِطْها الجدُّ كالابنةِ، ولأنَّ الأخَ والجدَّ يُدلِيانِ بشَخصٍ وهو الأبُ، فلَم يَحجُبْ أَحدُهما الآخَرَ كابنَيِ الابنِ والأَخوَينِ.
стр. 15136
ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يَحجُبُ الأمَّ إلى ثُلثِ الباقِي لا يَحجُبُ الإِخوةَ كالعمِّ طَردًا وكالأبِ عَكسًا، ولأنَّ كلَّ سَببَينِ يُدلِيانِ إلى المَيتِ لشَخصٍ واحدٍ لَم يَسقُطْ أَحدُهما بالآخَرِ كالأَخوَينِ وكابنَيِ الابنِ؛ لأنَّ الأخَ والجدَّ كِلاهُما يُدلِيانِ بالأبِ.
وأما كَيفيةُ مِيراثِ الجدِّ معَ الإِخوةِ فإنَّه لا يَخلو أنْ يَكونَ معَه سِوى الإِخوةِ ذو فَرضٍ مُسمًّى أو لا يَكونُ.
فإنْ لَم يَكنْ معَه ذو فَرضْ مُسمًّى أُعطيَ الأَفضلَ له من اثنَينِ:
- إمَّا ثُلثُ جَميعِ المالِ.
- وأما أنْ يَكونَ كواحدٍ مِنْ الإِخوةِ الذُّكورِ، وسَواءٌ كانَ الإِخوةُ ذُكرانًا أو إِناثًا، أو الأَمرينِ جَميعًا.
فهو معَ الأخِ الواحدِ يُقاسِمُه المالَ، وكذلك معَ الاثنَينِ ومعَ الثَّلاثةِ والأربَعةِ يَأخذُ الثُّلثَ، وهو معَ الأُختِ الواحدةِ إلى الأَربعِ يُقاسمُهنَّ للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيينِ، ومعَ الخَمسِ أَخواتٍ له الثُّلثُ؛ لأنَّه أَفضلُ له مِنْ المُقاسَمةِ.
فعلى هذا إنْ كانَ الإِخوةُ اثنَينِ أو أَربعَ أَخواتٍ أو أخًا وأُختَينِ فالثُّلثُ والمُقاسَمةُ سَواءٌ فأَعطِه ما شِئتَ منهما، وإن نقَصوا عن ذلك فالمُقاسَمةُ أحظُّ له فقاسِمْ به لا غيرَ، وإن زَادوا فالثُّلثُ خيرٌ له فأَعطِه إِياهُ، وسَواءٌ كانُوا مِنْ أبٍ أو مِنْ أَبوينِ.
стр. 15137
فهذه هي حالُه معَ الإِخوةِ فقَط دونَ غيرِهم.
وأما إنْ كانَ معَهم ذو فَرضٍ مُسمًّى فإنَّه يَبدأُ بأَهلِ الفُروضِ فيَأخُذونَ فُروضَهم فمَا بقِيَ أُعطيَ الأَفضلَ له مِنْ ثَلاثٍ:
- إمَّا ثُلثُ ما بقِيَ بعدَ حُظوظِ ذَوي الفَرائضِ.
- وأما أنْ يَكونَ بمَنزِلةِ ذَكرٍ مِنْ الإِخوةِ.
- وأما أنْ يُعطَى السُّدسَ مِنْ رَأسِ المالِ لا يُنْقَصُ منه، ثم ما بقِيَ يَكونُ للإِخوةِ للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيينِ في الأَكدَريةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسأَلةٌ: قالَ: فإنْ كانَ معَ الجدِّ والإِخوةِ والأَخواتِ أَصحابُ فَرائضَ أُعطيَ أَصحابُ الفَرائضِ فَرائضَهم، ثم يُنظرُ فيما بقِيَ؛ فإنْ كانَت المُقاسَمةُ خيرًا للجدِّ من ثُلثِ ما بقِيَ ومِن سُدسِ جَميعِ المالِ أُعطيَ المُقاسَمةَ، وإنْ كانَ ثُلثُ ما بقِيَ خيرًا له مِنْ المُقاسَمةِ ومِن سُدسِ جَميعِ المالِ أُعطيَ ثُلثَ ما بقِيَ، فإنْ كانَ سُدسُ جَميعِ المالِ أحظَّ له مِنْ المُقاسَمةِ ومِن ثُلثِ ما بقِيَ أُعطيَ سُدسَ جَميعِ المالِ.
أما كَونُه لا يَنقصُ عن سُدسِ جَميعِ المالِ فلأنَّه لا يَنقصُ عن ذلك معَ الوَلدِ الذي هو أَقوَى فمَع غيرِهم أَولَى.
وأما إِعطاؤُه ثُلثَ الباقِي إذا كانَ أحظَّ له فلأنَّ له الثُّلثَ معَ عَدمِ الفُروضِ فما أُخذَ بالفَرضِ فكأنَّه ذهَبَ مِنْ المالِ فصارَ ثُلثُ الباقِي بمَنزِلةِ ثُلثِ جَميعِ المالِ.
стр. 15138
وأما المُقاسَمةُ فهي له معَ عَدمِ الفُروضِ، فكذلك معَ وُجودِها فعلى هذا متى زادَ الإِخوةُ عن اثنَينِ أو مَنْ يَعدِلُهم من الإِناثِ فلا حظَّ له في المُقاسَمةِ، ومتى نقَصوا عن ذلك فلا حظَّ له في ثُلثِ الباقِي، ومتى زادَت الفُروضُ على النِّصفِ فلا حظَّ له في ثُلثِ ما بقِيَ، وإن نقَصَت عن النِّصفِ فلا حظَّ له في السُّدسِ.
وإنْ كانَ الفَرضُ النِّصفَ فحَسبُ استَوى السُّدسُ وثُلثُ الباقِي.
وإنْ كانَ الإِخوةُ اثنَينِ استَوى ثُلثُ الباقِي والمُقاسَمةُ.
مَسأَلةٌ: قالَ: (ولا يَنقصُ الجدُّ أبدًا مِنْ سُدسِ جَميعِ المالِ أو تَسميتُه إذا زادَت السِّهامُ).
هذا قولُ عامَّةِ أَهلِ العِلمِ (١).
стр. 15139
وبيانُ كلِّ ذلك على التَّفصيلِ التالِي:
حَالاتُ الجدِّ معَ الإِخوةِ في المِيراثِ:
للجدِّ معَ الإِخوةِ الأَشقاءِ، أو لأبٍ، ذُكورًا كانُوا أو إِناثًا حَالتانِ:
الحَالةُ الأُولَى: أنْ لا يَكونَ معَه ومعَهم صاحِبُ فَرضٍ، كزَوجةٍ وبِنتٍ أو زَوجٍ وجدَّةٍ مَثلًا.
الحَالةُ الثانِيةُ: أنْ يَكونَ معَهم صاحِبُ فَرضٍ، كزَوجةٍ، وبِنتٍ، ونَحوِهما.
أَحكامُ الحَالةِ الأُولَى: للجَدِّ في هذه الحَالةِ، معَ الإِخوةِ حُكمانِ، يَأخذُ بالأَفضلِ له منهما.
الأَولُ: ثُلثُ جَميعِ التَّركةِ، إذا كانَ خيرًا له.
الثانِي: المُقاسَمةُ، إذا كانَ ذلك خيرًا له مِنْ ثُلثِ المالِ.
والجدُّ يُقاسِمُ الإِخوةَ، كأخٍ ذَكرٍ، ويَأخذُ معَهم مِثلَ حظِّ الأُنثَيينِ. وهذا إذا كانُوا أَشقاءَ، أو لأبٍ، ذُكورًا أو إِناثًا.
أمَّا الإِخوةُ مِنْ الأُمِّ فلَا حظَّ لهم معَ الجدِّ في المِيراثِ، بل يَحجُبُهم.
أَفضَليَّةُ المُقاسَمةِ للجدِّ:
وتَكونُ المُقاسَمةُ أَفضلَ للجَدِّ، وأَنفعَ له مِنْ الثُّلثِ، وذلك فيما إذا كانَ الإِخوةُ أَقلَّ مِنْ مِثلَيه، ويَصدُقُ هذا في صُورٍ، هي:
١ - جدٌّ، وأخٌ، فنِصفُ المالِ له: ونِصفُه للأخِ.
стр. 15140
٢ - جدٌّ وأُختٌ: له الثُّلثانِ، ولها الثُّلثُ.
٣ - جدٌّ وأُختانِ: له النِّصفُ، وللأُختَينِ النِّصفُ.
٤ - جدٌّ وثَلاثُ أَخواتٍ: له خُمسانِ، ولكُلِّ واحِدةٍ مِنْ الأَخواتِ خُمسٌ.
٥ - جدٌّ وأخٌ وأُختٌ: للجَدِّ سَهمانِ، وللأخِ سَهمانِ، وللأُختِ سَهمٌ واحِدٌ.
أَفضَليَّةُ الثُّلثِ للجدِّ:
ويَكونُ ثُلثُ التَّركةِ أَفضلَ للجدِّ وأَنفعَ له مِنْ المُقاسَمةِ إذا كانَ الإِخوةُ أَكثرَ مِنْ مِثلَيه.
ولهذه الحَالةِ صُورٌ كَثيرةٌ، منها:
١ - جدٌّ وثَلاثةُ إِخوةٍ، فلَو أخَذَ بالمُقاسَمةِ لكانَ حظُّه رُبعَ التَّركةِ، وهو أَقلُّ مِنْ الثُّلثِ، فيَأخذُ الثُّلثَ لأنَّه أَنفعُ له.
٢ - جدٌّ وأخٌ وثَلاثُ أَخواتٍ، وكذلك في هذه الصُّورةِ يَكونُ الثُّلثُ أَنفعَ له؛ لأنَّه لَو أخَذَ بالمُقاسَمةِ لكانَ له سُبعانِ مِنْ التَّركةِ، والثُّلثُ أَكثرُ منهما.
٣ - جدٌّ وخَمسُ أَخواتٍ، فالثُّلثُ هنا أيضًا أَنفعُ مِنْ المُقاسَمةِ.
استِواءُ المُقاسَمةِ وثُلثُ التَّركةِ:
وهذا إنَّما يَكونُ حينَما يَكونُ الإِخوةُ مِثلَي الجدِّ، ويَصحُّ هذا في ثَلاثِ صُورٍ فقَط:
стр. 15141
١ - جدٌّ وأَخوانِ، فلَو أخَذَ بالمُقاسَمةِ لكانَ له ثُلثُ التَّركةِ، ولَو أخَذَ بالفَرضِ لأخَذَ الثُّلثَ أيضًا.
٢ - جدٌّ وأَربعُ أَخواتٍ، أيضًا في هذه الصُّورةِ يَستوِي ثُلثُ المالِ معَ المُقاسَمةِ.
٣ - جدٌّ وأخٌ وأُختانِ، للجدِّ في المُقاسَمةِ سَهمانِ، وثُلثُ المالِ سَهمانِ أيضًا، فالمُقاسَمةُ إذًا وثُلثُ المالِ سيَّانِ.
وحينَ يَستوِي ثُلثُ المالِ معَ المُقاسَمةِ، فالأَولَى أنْ يَأخُذَ الثُّلثَ بالفَرضِ؛ لقُوَّةِ الفَرضِ وتَقديمِه على العَصبَةِ في المِيراثِ.
أَحكامُ الحَالةِ الثانِيةِ:
وهي كما قُلنَا إذا كانَ معَ الجدِّ والإِخوةِ صاحِبُ فَرضٍ، وللجدِّ في هذه الحَالةِ: ثَلاثةُ أَحكامٍ، يَأخذُ منها بالأَفضلِ له:
الأَوَّلُ: المُقاسَمةُ، إذا كانَت أَنفعَ له.
الثَّانِي: ثُلثُ الباقِي بعدَ فَرضِ صاحِبِ الفَرضِ، وذلك إذا كانَ أَنفعَ له.
الثَّالثُ: سُدسُ التَّركةِ، إذا كانَ أَفضلَ له مِنْ المُقاسَمةِ وثُلثِ الباقِي. ولا يَنْزِلُ نَصيبُ الجدِّ عن السُّدسِ ولَو اسمًا، لا حَقيقَةً.
صُورةُ المُقاسَمةِ:
زَوجٌ وجدٌّ وأخٌ.
فلِلزَّوجِ النِّصفُ، ويَبقَى بعدَه نِصفُ التَّركةِ، فيَأخذُه الأخُ والجدُّ بالتَّساوِي، وَيَكونُ نَصيبُ كلِّ واحِدٍ منهما رُبعَ التَّركةِ، ومَعلومٌ في هذه
стр. 15142
الصُّورةِ أنَّ المُقاسَمةَ أَنفعُ للجدِّ مِنْ ثُلثِ الباقِي بعدَ فَرضِ الزَّوجِ، وأَنفعُ أيضًا مِنْ سُدسِ جَميعِ التَّركةِ.
ولَو كانَ مَكانَ الزَّوجِ زَوجةٌ، ومَكانَ الأخِ أُختانِ، لكانَت المُقاسَمةُ أَنفعَ للجدِّ أيضًا مِنْ ثُلثِ الباقِي، ومِن سُدسِ المالِ.
صُورةُ ثُلثِ الباقِي:
أمٌّ وجدٌّ وخَمسةُ إِخوةٍ.
وفي هذه المَسأَلةِ يَتَّضحُ أنَّ ثُلثَ الباقِي بعدَ فَرضِ الأُمِّ أَنفعُ للجدِّ؛ لأنَّ الأُمَّ إذا أَخذَت سُدسًا -وهو فَرضُها، أيْ سَهمٌ واحِدٌ- لبقِيَ خَمسةُ أَسهُمٍ، فلَو أخَذَ الجدُّ بالمُقاسَمةِ لكانَ له أَقلُّ مِنْ سَهمٍ، ولَو أخَذَ السُّدسَ كانَ له سَهمٌ واحِدٌ، لكنَّه إذا أخَذَ ثُلثَ الباقِي كانَ له سَهمٌ وثُلثَا سَهمٍ، وواضِحٌ أنَّه أَنفَعُ للجدِّ وأَحسَنُ.
صُورةُ السُّدسِ:
زَوجٌ وأمٌّ وجدٌّ وأَخوانِ.
ومَعلومٌ هنا في هذه الصُّورةِ أَنَّ سُدسَ التَّركةِ أَنفعُ للجدِّ وأَكثرُ مِنْ المُقاسَمةِ ومِن ثُلثِ الباقِي.
فالزَّوجُ له في هذه الصُّورَةِ نِصفُ التَّركةِ، والأمُّ لها السُّدسُ، والباقِي بعدَ فَرضِ الزَّوجِ والأُمِّ هو الثُّلثُ، فلَو ورِثَ الجدُّ بالمُقاسَمةِ لكانَ له ثُلثُ الثُّلثِ، ولَو ورِثَ ثُلثَ الباقِي لكانَ له أيضًا ثُلثُ الثُّلثِ، ونَصيبُه في الحَالتَينِ