← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

قالَ الوَزيرُ ﵀: والصَّحيحُ أنَّ التَّكبيرَ فيه آكَدُ مِنْ غيرِه؛ لقولِه تَعالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ثم اختَلَفوا في ابتِدائِه وانتِهائِه، فقالَ مالِكٌ: يُكبِّرُ في يَومِ الفِطرِ دونَ لَيلَتِه، وابتِداؤُه عندَه مِنْ أوَّلِ اليَومِ إلى أن يَخرُجَ الإمامُ. وعنِ الشافِعيِّ ثَلاثةٌ أَقوالٍ في انتِهائِه: أحدُها: إلى أن يَخرُجَ الإمامُ إلى المُصلَّى. والثاني: إلى أن يُحرِمَ بالصَّلاةِ. والثالِثُ: إلى أن يَفرُغَ مِنْ الخُطبةِ، فأمَّا ابتِداؤُه فمِن حينِ يَرى الهِلالَ. وعن أحمدَ في انتِهائِه رِوايتانِ: إحداهُما: إذا خرَجَ الإمامُ. والأُخرى: إذا فرَغَ الإمامُ مِنْ الخُطبَتينِ، وابتِداؤُه كمَذهبِ الشافِعيِّ. ثم اختَلَفوا في صِفتِه: فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمدُ: يُكبِّرُ، فيَقولُ: «اللهُ أكبَرُ،

стр. 1542

اللهُ أكبَرُ، لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ وللهِ الحَمدُ»، (ويَشفَعُ) التَّكبيرَ في أوَّلِه وآخرِه. وقالَ مالِكٌ: صِفةُ التَّكبيرِ، أن يَقولَ: «اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ» نَسَقًا، ورُويَ عنه أنَّ السُّنةَ أن يَقولَ: «اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، لا إلهَ إلا اللهُ، اللهُ أكبَرُ وللهِ الحَمدُ». قالَ عبدُ الوهَّابِ: والشَّفعُ في التَّكبيرِ في أوَّلِه وآخرِه أحَبُّ إليَّ. وقالَ الشافِعيُّ: يُكبِّرُ ثَلاثًا نَسَقًا في أوَّلِه، ويُكبِّرُ ثَلاثًا نَسَقًا في آخرِه (١). قالَ الوَزيرُ ﵀: ولكلٍّ وَجهٌ، والأحَسنُ ما قالَه الشافِعيُّ؛ لأنَّ الثَّلاثَ أقَلُّ الجَمعِ. قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا في التَّكبيرِ لِعيدِ النَّحرِ، وأيَّامِ التَّشريقِ، في ابتِدائِه وانتِهائِه في حقِّ المُحِلِّ والمُحرِمِ. فقالَ أبو حَنيفةَ: يَبتَدئُ التَّكبيرَ مِنْ صَلاةِ الفَجرِ يومَ عَرفةَ، إذا كانَ مُحِلًّا، أو مُحرِمًا إلى أن يُكبِّرَ لِصلاةِ العَصرِ يومَ النَّحرِ ثم يَقطعُ، لا فَرقَ في الابتِداءِ والانتِهاءِ عندَه بينَهما.

стр. 1543

وقالَ مالِكٌ: يُكبِّرُ عُقَيبَ صَلاةِ الظُّهرِ، يومَ النَّحرِ، خلفَ الصَّلواتِ كلِّها، حتى يَنتَهيَ إلى صَلاةِ الصُّبحِ مِنْ آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ، وهو الرابِعُ مِنْ يَومِ النَّحرِ، فيُكبِّرُ خلفَها، ثم يَقطعُ التَّكبِيرَ فيما بعدَها، فلا يُكبِّرُ، وذلك في حقِّ المُحِلِّ والمُحرِمِ. وعنِ الشافِعيِّ أَقوالٌ: أشهَرُها: أنَّه يُكبِّرُ عُقَيبَ صَلاةِ الظُّهرِ مِنْ يَومِ النَّحرِ، إلى أن يُكبِّرَ عُقَيبَ صَلاةِ الصُّبحِ مِنْ آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ، كمَذهبِ مالِكٍ. والقولُ الثاني: يُكبِّرُ عُقَيبَ صَلاةِ المَغربِ مِنْ لَيلةِ النَّحرِ، إلى أن يُكبِّرَ عُقَيبَ صَلاةِ الصُّبحِ مِنْ آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ. والقَول الثالِثُ: يُكبِّرُ عُقَيبَ صَلاةِ الصُّبحِ مِنْ يَومِ عَرفةَ إلى أن يُكبِّرَ عُقَيبَ صَلاةِ العَصرِ من آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ، ولم يُفرِّقْ بينَ المُحِلِّ والمُحرِمِ. وقالَ أحمدُ: إن كانَ مُحِلًّا يُكبِّرُ عُقَيبَ صَلاةِ الصُّبحِ مِنْ يَومِ عَرفةَ، إلى أن يُكبِّرَ عُقَيبَ صَلاةِ العَصرِ مِنْ آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ، وإن كانَ مُحرِمًا كبَّرَ عُقَيبَ صَلاةِ الظُّهرِ مِنْ يَومِ النَّحرِ، إلى أن يُكبِّرَ عُقَيبَ صَلاةِ العَصرِ مِنْ آخرِ أيَّامِ التَّشريقِ (١). التَّكبيرُ خلفَ الجَماعاتِ ومَن صلَّى فُرادَى: قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقُوا على أنَّ هذا التَّكبيرَ في حقِّ المُحِلِّ والمُحرِمِ خلفَ الجَماعاتِ.

стр. 1544

ثم اختَلَفوا فيمَن صَلوا فُرادَى مِنْ مُحِلٍّ أو مُحرِمٍ، في هذه الأَوقاتِ المُحدَّدةِ عندَ كلٍّ منهم، هل يُكبِّرُ؟ فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمدُ (في إِحدى رِوايَتَيه): لا يُكبِّرُ مَنْ كانَ مُنفرِدًا، وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ (في الرِّوايةِ الأُخرى): يُكبِّرُ المُنفرِدُ أيضًا (١). التَّكبيرُ خلفَ النَّوافِلِ: قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقُوا على أنَّه لا يُكبِّرُ خلفَ النَّوافلِ في هذه الأَوقاتِ إلا في أحَدِ قولَيِ الشافِعيِّ؛ فإنَّه قالَ: يُكبِّرُ خلفَها أيضًا (٢).

стр. 1545

فصل في صَلاةِ الاستِخارةِ الاستِخارةُ لُغةً: طَلبُ الخِيَرةِ في الشَّيءِ، يُقالُ: استَخرِ اللهَ يَخِر لكَ (١). وفي حَديثٍ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُعلِّمُنا الاستِخارَةَ في الأُمورِ كلِّها» (٢). واصطِلاحًا: طَلبُ الاختِيارِ، أي: صَرفُ الهِمَّةِ لمَا هو المُختارُ عندَ اللهِ (٣). حكمُ صَلاةِ الاستِخارةِ وصِفَتُها: أجمعَ العُلماءُ على أنَّ صَلاةَ الاستِخارةِ سُنةٌ؛ لمَا رَواهُ البُخاريُّ عن جابرٍ ﵁ قالَ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يُعلِّمُنا الاستِخارَةَ في الأُمورِ كلِّها، كالسُّورَةِ مِنْ القُرآنِ إذا همَّ أحدُكم بالأَمرِ فليَركَعْ رَكعَتينِ، ثم ليَقُل: اللَّهمَّ إنِّي أَستخيرُكَ بعِلمِكَ، وأَستَقدِرُكَ بقُدرَتِك، وأَسأَلُكَ من فَضلِكَ العَظيمِ؛ فإنَّكَ تَقدِرُ ولا أَقدِرُ، وتَعلَمُ ولا أَعلَمُ، وأنتَ عَلامُ الغُيوبِ، اللَّهمَّ إن كُنْتَ تَعلَمُ أنَّ هذا الأَمرَ خَيرٌ لي في دِينِي وَمعاشِي وَعاقِبَةِ أَمرِي (أو قالَ في عاجِلِ أَمرِي وآجِلِه) فَاقدُرهُ لي، وَإِنْ كُنْتَ تَعلَمُ أنَّ هذا الأَمرَ شَرٌّ لي في دِينِي وَمعاشِي وَعاقِبةِ أَمرِي (أو قالَ: في عاجِلِ أَمرِي

стр. 1546

وآجِلِه)، فَأصرِفهُ عنِّي، وَأصرِفنِي عنه، وَاقدُر ليَ الخَيرَ حيثُ كانَ، ثم رَضِّنِي بِه. وَيُسمِّي حاجَتَه» (١). حِكمةُ مَشروعِيَّتِها: حِكمةُ مَشروعيَّةِ الاستِخارةِ هي التَّسليمُ لِأمرِ اللهِ تَعالَى، والخُروجُ مِنْ الحَولِ والطَّولِ، والالتِجاءُ إليه سُبحانَه؛ للجَمعِ بينَ خَيرَيِ الدُّنيا والآخِرةِ، فيَحتاجُ إلى قَرعِ بابِ المَلكِ، ولا شَيءَ لذلك أنجَعُ ولا أنجَحُ مِنْ الصَّلاةِ والدُّعاءِ؛ لمَا فيها مِنْ تَعظيمِ اللهِ تَعالى، والثَّناءِ عليه، والافتِقارِ إليه مَآلًا وحالًا (٢). وقالَ الدِّهلَويُّ ﵀: كانَ أهلُ الجاهِليَّةِ إذا عَنَّت لهم حاجَةٌ مِنْ سَفرٍ أو نِكاحٍ أو بَيعٍ استَقسَموا بالأَزلامِ، فنَهى عنه النَّبيُّ ﷺ ؛ لأنَّه غيرُ مُعتمِدٍ على أصلٍ، وإنَّما هو مَحضُ اتِّفاقٍ، ولأنَّه افتِراءٌ على اللهِ تَعالى بقولِهم: (أمرَني ربِّي، ونَهاني ربِّي)، فعوَّضَهم عن ذلك بالاستِخارةِ؛ فإنَّ الإِنسانَ إذا استَمطَرَ العِلمَ مِنْ ربِّه، وطلَبَ منه كَشفَ مَرضاتِه في ذلك الأمرِ، ولَجَ في قَلبِه بالوُقوفِ على بابِه، لم يَتراخَ من ذلك فَيضانُ سِرٍّ إلهِيٍّ، وأيضًا

стр. 1547

فمِن أعظَمِ فوائِدِها أن يُغنَى الإِنسانُ عن مُرادِ نَفسِه، وتَنقادَ بَهيمِيَّتُه لمِلكِيَّتِه، ويسلِّمَ وَجهَه للهِ، فإذا فعَلَ ذلك صارَ بمَنزِلةِ المَلائِكةِ في انتِظارِهم لِإلهامِ اللهِ تَعالى، فإذا أُلهِموا سَعَوا في الأمرِ بداعيةٍ إلهيَّةٍ، لا داعِيةٍ نَفسانيَّةٍ (١). سَببُها (ما يُجرَى فيه الاستِخارةُ): اتَّفقتِ المَذاهبُ الأربَعةُ على أنَّ الاستِخارةَ تَكونُ في الأُموِر التي لا يَدرِي العَبدُ وَجهَ الصَّوابِ فيها، أمَّا ما هو مَعروفٌ خَيرُه وشَرُّه كالعِباداتِ وصَنائعِ المَعروفِ والمَعاصي والمُنكَراتِ، فلا حاجَةَ إلى الاستِخارةِ فيها، إلا إذا أرادَ بَيانَ خُصوصِ الوقتِ، كالحَجِّ مثَلًا في هذه السَّنَةِ، لِاحتِمالِ عَدوٍّ أو فِتنةٍ، والرُّفقةِ فيه، أيُرافِقُ فُلانًا أم لا؟ وعلى هذا فالاستِخارةُ لا محَلَّ لها في الواجِبِ والحَرامِ والمَكروهِ، إنَّما تَكونُ في المَندوباتِ والمُباحاتِ، والاستِخارةُ في المَندوباتِ لا تَكونُ في أصلِه؛ لأنَّه مَطلوبٌ، وإنَّما تَكونُ عندَ التَّعارُضِ، أي: إذا تَعارَضَ عندَه أَمرانِ أيُّهما يَبدأُ به أو يَقتَصرُ عليه؟ أما المُباحُ فيُستَخارُ في أصلِه (٢). الاستِشارةُ قبلَ الاستِخارةِ: قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: يُستحبُّ أن يَستَشيرَ قبلَ الاستِخارةِ مَنْ يَعلَمُ مِنْ حالِه النَّصيحةَ والشَّفقةَ والخِبرةَ، ويَثِقُ بدِينِه ومَعرِفتِه، قالَ تَعالى:

стр. 1548

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وإذا استَشارَ وظهَرَ أنَّه مَصلَحةٌ، استِخارَ اللهَ تَعالى في ذلك. قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ الهَيثَمِيُّ: حتى عندَ التَّعارُضِ (أي: تَقدُّمِ الاستِشارةِ)؛ لأنَّ الطُّمأنينةَ إلى قولِ المُستَشارِ أقوَى منها إلى النَّفسِ لغَلَبةِ حُظوظِها وفَسادِ خَواطِرِها، وأمَّا لو كانَت نَفسُه مُطمَئنةً صادِقةً، إِرادتُها مُتخلِّيةٌ عن حُظوظِها، قدَّمَ الاستِخارةِ (١). كَيفيَّةُ الاستِخارةِ: ورَدَت في الاستِخارةِ حالاتٌ ثَلاثٌ: الأُولى: وهي الأوفَقُ، واتَّفقت عليها المَذاهبُ الأربَعةُ، تَكونُ برَكعَتينِ مِنْ غيرِ الفَريضةِ، ثم يَدعُو الدُّعاءَ المَأثورَ بعدَها؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «فَليَركَع رَكعَتينِ مِنْ غيرِ الفَريضَةِ» (٢). الثانيةُ: تَجوزُ بالدُّعاءِ فَقط مِنْ غيرِ صلاةٍ إذا تَعذَّرت الاستِخارةُ بالصَّلاةِ والدُّعاءِ معًا، وبهذا قالَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ. قالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ العُلماءُ: تُستحَبُّ الاستِخارةُ بالصَّلاةِ والدُّعاءِ المَذكورِ، وتَكونُ الصَّلاةُ رَكعَتينِ مِنْ النَّافِلةِ، والظَّاهرُ أنَّها تَحصُلُ برَكعَتينِ

стр. 1549

مِنْ السُّننِ الرَّواتِبِ، وبتَحيَّةِ المَسجدِ وغيرِها مِنْ النَّوافلِ، ويُقرَأُ في الأُولَى بعدَ الفاتِحةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانيةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ولو تَعذَّرت عليه الصَّلاةُ استَخارَ بالدُّعاءِ، ويُستحبُّ افتِتاحُ الدُّعاءِ المَذكورِ وخَتمُه بالحَمدِ للهِ والصَّلاةِ والتَّسليمِ على رَسولِ اللهِ ﷺ (١). الثالِثةُ: ولم يُصرِّحْ بها غيرُ المالِكيةِ والشافِعيةِ، فقالوا: تَجوزُ بالدُّعاءِ عَقِبَ أيِّ صَلاةٍ كانَت مع نيَّتِها وهو أَولَى، أو بغيرِ نيَّتِها كما في تَحيَّةِ المَسجدِ (٢). مَوطنُ دُعاءِ الاستِخارةِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ الدُّعاءَ يَكونُ عقبَ الصَّلاةِ، وهو المُوافقُ لمَا جاءَ في نَصِّ الحَديثِ عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، فإنَّه قالَ: «فليَركَع رَكعَتينِ مِنْ غيرِ الفَريضةِ، ثم لِيَقُل … ». وأجازَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ والشَّوبَريُّ مِنْ الشافِعيةِ والعدويُّ مِنْ المالِكيةِ جَوازَه في أثناءِ الصَّلاةِ في السُّجودِ أو بعدَ التشهُّدِ (٣).

стр. 1550

قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: هو ظاهِرٌ -أي: الحَديثُ- في تَأخيرِ الدُّعاءِ عن الصَّلاةِ، فلو دَعا به في أثناءِ الصَّلاةِ احتَملَ الإِجزاءَ، ويَحتمِلُ التَّرتيبَ على تَقديمِ الشُّروعِ في الصَّلاةِ قبلَ الدُّعاءِ، فإنَّ مَوطِنَ الدُّعاءِ في الصَّلاةِ السُّجودُ أو التشهُّدُ (١). وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: عن دُعاءِ الاستِخارةِ هل يَدعو به في الصَّلاةِ أو بعدَ السَّلامِ؟ فأجابَ: يَجوزُ الدُّعاءُ في صَلاةِ الاستِخارةِ وغيرِها قبلَ السَّلامِ وبعدَه، والدُّعاءُ قبلَ السَّلامِ أفضَلُ، فإنَّ النَّبيَّ أكثرُ دُعائِه كانَ قبلَ السَّلامِ، والمُصلِّي قبلَ السَّلامِ لم يَنصرِفْ، فهذا أحسَنُ، واللهُ تَعالى أعلَمُ (٢). تَكرارُ الاستِخارةِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه يُستحبُّ تَكرارُ صَلاةِ الاستِخارةِ والدُّعاءِ في الأمرِ الواحدِ سَبعَ مرَاتٍ إذا لم يَظهَرْ له وَجهُ الصَّوابِ في الفِعلِ أو التَّركِ، ممَّا لم يَنشَرِح له صَدرُه؛ لمَا رَواه ابنُ السُّنيِّ عن أنَسٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «يا أنَسُ، إذا همَمتَ بأَمرٍ فَاستَخرْ ربَّك فيه سَبعَ مرَاتٍ، ثم انظُر إلى الذي يَسبِقُ إلى قَلبِك؛ فإنَّ الخَيرَ فيه» (٣). فإذا ظهَرَ له ما يَنشرِحُ به صَدرُه لم يَكنْ هناكَ ما يَدُعو إلى التَّكرارِ.

стр. 1551

وصرَّحَ الشافِعيةُ بأنَّه إذا لم يَظهَر له شَيءٌ بعدَ السابعةِ استَخارَ أكثرَ من ذلك (١). ولم أقِف للحَنابِلةِ على شَيءٍ في ذلك. النِّيابةُ في الاستِخارةِ: قالَ الشَّيخُ سُليمانُ الجَملُ مِنْ الشافِعيةِ: ظاهرُ الحَديثِ أنَّ الإِنسانَ لا يَستَخيرُ لغيرِه، وجعَلَه الشَّيخُ مُحمدٌ الحَطابُ المالِكيُّ محَلَّ نَظرٍ، فقالَ: هل ورَدَ أنَّ الإِنسانَ يَستَخيرُ لغيرِه؟ لم أقِفْ في ذلك على شَيءٍ، ورَأيتُ بعضَ المَشايخِ يَفعلُه. اه. قُلتُ -أي: الجَملُ-: قالَ بعضُ الفُضلاءِ: ربَّما يُؤخَذُ من قولِه ﷺ : «مَنِ استَطاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنفعَ أَخاه فَليَنفَعه» (٢)، أنَّ الإِنسانَ يَستَخيرُ لغيرِه (٣).

стр. 1552

فصل في صَلاةِ التَّسبيحِ صَلاةُ التَّسبيحِ نَوعٌ مِنْ صَلاةِ النَّفلِ، تُفعَلُ على صُورةٍ خاصَّةٍ يَأتي بَيانُها، وإنَّما سُمِّيت صَلاةَ التَّسبيحِ؛ لمَا فيها مِنْ كَثرةِ التَّسبيحِ؛ ففيها في كلِّ رَكعةٍ خَمسةٌ وسَبعونَ تَسبيحةً (١). حكمُ صَلاةِ التَّسبيحِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ صَلاةِ التَّسبيحِ على أَقوالٍ، وسَببُ اختِلافِهم فيها اختِلافُهم في ثُبوتِ الحَديثِ الوارِدِ فيها: القولُ الأوَّلُ: ذهَبَ الحَنفيةُ وأكثرُ الشافِعيةِ وعبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ إلى أنها مُستحَبَّةٌ. قالَ ابنُ عابدِين: فيها ثَوابٌ لا يَتناهَى، ومِن ثَم قالَ بعضُ المُحقِّقينَ: لا يَسمَعُ بعَظيمِ فَضلِها ويترُكُها إلا مُتهاوِنٌ بالدِّينِ (٢). وقد سُئلَ ابنُ الصَّلاحِ ﵀: عن إمامٍ يُصلِّي بالناسِ صَلاةَ التَّسبيحِ

стр. 1553

المَرويةَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ لَيالِيَ الجُمعِ، وفي غيرِها، فهل يُثابُ ويُثابونَ على ذلك أو لا؟ وهل هي مِنْ السُّننِ أو مِنْ البِدعِ؟ وهل صحَّت عن رَسولِ اللهِ ﷺ مِنْ طَريقِه أو لا؟ وهل مَنْ أنكَرَ على مُصلِّيها مُصيبٌ أو مُخطِئٌ؟ وعلى تَقديرِ تَخصيصِها بلَيلةِ الجمُعةِ هل هي صَحيحةٌ في نَفسِها أو لا؟ وعلى تَقديرِ صحَّتِها هل يُثابُ ويُثابونَ عليها؟ فأجابَ ﵁: نَعم، يُثابُ ويُثابونَ إذا أخلَصوا، وهي سُنةٌ غيرُ بِدعةٍ، وهي مَرويَّةٌ عن رَسولِ اللهِ ﵁، وحَديثُها حَسنٌ مُعتمَدٌ مَعمولٌ بمِثلِه، لا سِيَّما في العِباداتِ والفَضائِلِ، وقد أخرَجه جَماعةٌ مِنْ أئمَّةِ الحَديثِ في كُتبِهم المُعتمَدةِ، أبو داودَ السجتانِيُّ وأبو عيسى التِّرمذيُّ، وأبو عبدِ اللهِ بنُ ماجه، والنسائيُّ وغيرُهم، وأورَدَه الحاكِمُ أبو عبدِ اللهِ الحافِظُ في صَحيحِه المُستدرَكِ وله طُرقٌ يُعضِّدُ بعضُها بَعضًا، وذكرَها صاحِبُ التَّتمَّةِ، والمُنكِرُ لها غيرُ مُصيبٍ، ولا تُختَصُّ بلَيلةِ الجمُعةِ، كما جاءَ في الحَديثِ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ النَّوويُّ ﵀: وقد نصَّ جَماعةٌ مِنْ أئمَّةِ أَصحابِنا على استِحبابِ صَلاةِ التَّسبيحِ هذه، منهم أبو مُحمدٍ البَغويُّ وأبو المَحاسنِ الرُّويانِيُّ. وقالَ الرُّويانِيُّ في كتابِه «البَحر» في آخرِ كتابِ الجَنائِزِ منه: اعلَمْ أنَّ صَلاةَ التَّسبيحِ مُرغَّبٌ فيها، يُستحبُّ أن يَعتادَها في كلِّ حِينٍ، ولا يَتغافلُ

стр. 1554

عنها، قالَ: هكذا قالَ عبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ وجَماعةٌ مِنْ العُلماءِ، وهذا الرُّويانِيُّ مِنْ فُضلاءِ أَصحابِنا المُطَّلِعينَ، واللهُ أعلَمُ (١). أمَّا النَّوويُّ نَفسُه فقد اختَلفَ قولُه فيها، فقالَ الإمامُ السُّيوطيُّ: قالَ الإسنَويُّ في «المُهِمَّات»: اختَلفَ كَلامُ النَّوويِّ في استِحبابِ صَلاةِ التَّسبيحِ، وفي صحَّةِ الحَديثِ الوارِدِ فيها، فقالَ في «شَرح المُهَذَّبِ» (٢): قالَ القاضِي حُسينٌ وصاحِبا التَّهذيبِ والتَّتمَّةِ والرُّويانِيُّ: (تُستحَبُّ؛ للحَديثِ الوارِدِ فيها)، وفي هذا الاستِحبابِ نَظرٌ؛ لأنَّ حَديثَها ضَعيفٌ، وفيها تَغييرٌ لنَظمِ الصَّلاةِ المَعروفِ؛ فيَنبَغي ألَّا يُفعَلَ لغيرِ حَديثٍ صَحيحٍ، وليسَ حَديثُها بثابِتٍ، وذُكرَ في التَّحقيقِ مِثلُه، فقالَ: وحَديثُها ضَعيفٌ. وخالَفَ في «تَهذيب الأسماءِ واللُّغاتِ» فقالَ: وأمَّا صَلاةُ التَّسبيحِ المَعروفةُ فسُمِّيت بذلك لكَثرةِ التَّسبيحِ فيها، بخِلافِ العادةِ في غيرِها، وقد جاءَ فيها حَديثٌ حَسنٌ في كتابِ التِّرمذيِّ وغيرِه، وذكَرَها المَحامِليُّ وصاحِبُ «التَّتمَّة» وغيرُهما مِنْ أَصحابِنا، وهي سُنةٌ حَسنةٌ، هذا لَفظُه، وقالَ ابنُ الصَّلاحِ: إنَّها سُنةٌ، وإنَّ حَديثَها حَسنٌ، وله طُرقٌ يُعضِّدُ بعضُها بَعضًا، فيُعمَلُ به سِيَّما في العِباداتِ، انتَهى ما في «المُهِمَّات». قالَ السُّيوطيُّ: وكما اختَلفَ فيها كَلامُ النَّوويِّ كذلك اختَلفَ فيها كَلامُ الحافِظِ ابنِ حَجرٍ، فحسَّنَ حَديثَها في كتابِ الخِصالِ المُكفِّرةِ، وفي «أَماليه»

стр. 1555

طُرفةً في تِسعةِ مَجالسَ، وأفرَدَها تَصنيفًا، وضعَّفَه في تَخريجِ أَحاديثِ الرَّافِعيِّ، والواجِبُ لِهذا الاختِلافِ ما أشارَ إليه الحافِظُ الذَّهبيُّ؛ حيثُ قالَ في المُوقِظةِ: الحَسنُ ما قصُرَ سَندُه قَليلًا عن رُتبةِ الصَّحيحِ، ثم لا تَطمَعُ أنَّ للحَسنِ قاعِدةً تَندَرجُ كلُّ الأَحاديثِ الحِسانِ فيها، فإنَّا على إياسٍ من ذلك، فكم مِنْ حَديثٍ قد تردَّدَ فيه الحُفاظُ، هل هو حَسنٌ أو ضَعيفٌ أو صَحيحٌ؟ قيلَ: الحافِظُ الواحدُ يتغيَّرُ اجتِهادُه في الحَديثِ الواحدِ، فيَومًا يَصفُه بالصِّحةِ، ويَومًا يَصفُه بالحَسنِ، ويَومًا يَستضعِفُه، وهذا حَقٌّ، فإنَّ الحَديثَ الحَسنَ يَستَضعِفُه الحافِظُ عن أن يُرقِّيَه إلى رُتبةِ الصَّحيحِ، فبهذا الاعتِبارِ فيه ضَعفٌ ما، ولو انفَكَّ عن ذلك وصحَّ لصحَّ باتِّفاقٍ (١). وحُجتُهم على استِحبابِها الحَديثُ الوارِدُ فيها، وهو ما رَواه أبو داودَ وغيرُه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ للعبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ: «يا عبَّاسُ، يا عمَّاه، ألَا أُعطِيك؟ ألا أَمنحُك؟ ألا أَحبُوك؟ ألا أَفعلُ بِك عَشرَ خِصالٍ إذا أنتَ فَعَلتَ ذلك غفَرَ اللهُ لكَ ذَنبَكَ أوَّلَه وَآخرَه، قَدِيمَه وحَديثَه، خَطأَه وعَمدَه، صَغِيرَه وَكَبيرَه، سِرَّه وَعَلانِيتَه؟ عَشرُ خِصَالٍ: أَنْ تُصلِّيَ أربعَ رَكَعاتٍ تَقرَأُ في كلِّ رَكعَةٍ فَاتحَةَ الكتابِ، وَسُورَةً، فإذا فَرَغتَ مِنْ القِراءةِ في أَوَّلِ رَكعَةٍ وأنتَ قائِمٌ قُلتَ: «سُبحانَ اللهِ، والحَمدُ للهِ، ولا إِلهَ إلا اللهُ، واللهُ أَكبرُ» خَمسَ عَشرَةَ مرَّةً، ثم تَركعُ فَتَقُولُها وأنتَ رَاكِعٌ عَشرًا، ثم تَرفعُ رَأسَك مِنْ الرُّكوعِ فَتَقُولُها عَشرًا، ثم تَهوي ساجِدًا فتَقُولُها وأنتَ ساجِدٌ عَشرًا، ثم

стр. 1556

تَرفعُ رَأسَك مِنْ السُّجودِ فتَقُولُها عَشرًا، ثم تَسجُدُ فتَقُولُها عَشرًا، ثم تَرفعُ رَأسَك فتَقُولُها عَشرًا، فَذلك خَمسٌ وَسَبعونَ في كلِّ رَكعَةٍ، تَفعلُ ذلك في أَربَعِ رَكَعاتٍ إنِ استَطَعتَ أَنْ تُصلِّيَها في كلِّ يَومٍ مرَّةً فَافعَل، فَإِنْ لم تَفعَل فَفِي كلِّ جمُعَةٍ مرَّةً، فَإِنْ لم تَفعَلْ فَفِي كلِّ شَهرٍ مرَّةً، فَإِنْ لم تَفعَلْ فَفِي كلِّ سَنَةٍ مرَّةً، فَإِنْ لم تَفعَلْ فَفِي عُمُرِك مرَّةً» (١). القولُ الثاني: ذهَبَ بعضُ الحَنابلَةِ إلى أنَّها لا بَأسَ بها، وذلك يَعني الجَوازَ، قالوا: لو لم يثبُتِ الحَديثُ فيها فهي مِنْ فضائِلِ الأعمالِ، فيَكفي فيها الحَديثُ الضَّعيفُ.

стр. 1557

ولذا قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إن فعَلَها إِنسانٌ فلا بَأسَ، فإنَّ النَّوافلَ والفَضائلَ لا يُشتَرطُ صحَّةُ الحَديثِ فيها (١). القولُ الثالِثُ: أنَّها غيرُ مَشروعةٍ، ولا تُسَنُّ، وهو قولُ الإمامِ أحمدَ، وقَولٌ للنَّوويِّ، كما سبَقَ، قالَ النَّوويُّ ﵀ في «المَجموع»: في استِحبابِها نَظرٌ؛ لأنَّ حَديثَها ضَعيفٌ، وفيها تَغييرٌ لنَظمِ الصَّلاةِ المَعروفِ، فيَنبَغي ألَّا يُفعَلَ بغيرِ حَديثٍ، وليسَ حَديثُها بثابِتٍ (٢). وقد نقَلَ ابنُ قُدامةَ ﵀ أنَّ أحمدَ لم يُثبِتِ الحَديثَ الوارِدَ فيها، ولم يَرَها مُستحَبَّةً، قالَ: وقالَ أحمدُ: ما تُعجِبُني. قيلَ له: لمَ؟ قالَ: ليسَ فيها شَيءٌ يَصحُّ. ونفَضَ يَده كالمُنكِرِ (٣). كَيفيَّةُ صَلاةِ التَّسبيحِ ووقتُها: الذينَ قالوا باستِحبابِ صَلاةِ التَّسبيحِ أو جَوازِها راعَوا في الكَيفيَّةِ ما ورَدَ في الحَديثِ مِنْ أنَّها أربَعُ رَكعاتٍ، وما يُقالُ فيها مِنْ التَّسبيحِ والتَّهليلِ

стр. 1558

والحَوقَلةِ بالأعدادِ الوارِدةِ ومَواضعِها وغيرِ ذلك مِنْ الكَيفيَّةِ، وأنَّ الأفضَلَ فِعلُها في كلِّ يَومٍ مرَّةً، وإلا ففي كلِّ جمُعةٍ، وإلا ففي كلِّ شَهرٍ، وإلا ففي كلِّ سَنةٍ، وإلا ففي العُمرِ مرَّةً (١).

стр. 1559

فصل في صَلاةِ الحاجَةِ صَلاةُ الحاجَةِ: هي ما تُصلَّى لقَضاءِ الحاجَةِ، والحاجَةُ في اللُّغةِ: المَأرَبةُ، والتَّحوُّجُ: طَلبُ الحاجَةِ بعدَ الحاجَةِ، والحَوجُ: الطَّلبُ، والحَوجُ: الفَقرُ (١). الحكمُ التَّكليفيُّ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ صَلاةَ الحاجَةِ مُستحبَّةٌ؛ لمَا رَواه عبدُ اللهِ ابنُ أَبي أَوفى قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كانَت له إلى اللهِ حاجَةٌ، أو إلى أَحدٍ مِنْ بَنِي آدمَ، فَليَتوضَّأ، فَليُحسنِ الوُضوءَ، ثم ليُصلِّ رَكعَتينِ، ثم لِيُثنِ على اللهِ، وليُصلِّ على النَّبيِّ ﷺ ثم لِيَقُل: «لَا إِلهَ إلا اللهُ الحَليمُ الكَريمُ، سُبحانَ اللهِ ربِّ العَرشِ العَظيمِ، الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ، أَسألُكَ مُوجِباتِ رَحمتِك، وعَزائِمَ مغفرتِكَ، وَالغَنِيمةَ مِنْ كلِّ بِرٍّ، وَالسَّلامةَ مِنْ كلِّ إثمٍ، لَا تَدعْ لي ذَنبًا إلا غَفَرتَه، ولا هَمًّا إلا فرَّجتَه، ولا حاجَةً هي لكَ رِضًا إلا قَضيتَها، يا أَرحَمَ الرَّاحِمينَ»،

стр. 1560

ثم ليَسأَلِ اللهَ مِنْ أَمرِ الدُّنيا وَالآخرةِ ما شَاءَ، فإنَّه يُقدَّرُ» (١). قالَ النَّوويُّ ﵀: ويُستحبُّ أن يَدعُوَ بدُعاءِ القُرَبِ، وهو: «اللَّهُمَّ ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حَسنَةً وفي الآخرةِ حَسنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ» (٢).

стр. 1561

فصل في صَلاةِ التَّوبةِ التَّوبةُ لُغةً: مُطلَقُ الرُّجوعِ، والرُّجوعُ عن الذَّنبِ. وفي الاصطِلاحِ: الرُّجوعُ مِنْ أَفعالٍ مَذمومةٍ إلى أَفعالٍ مَحمودةٍ شَرعًا (١). حكمُ صَلاةِ التَّوبةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على استِحبابِ صَلاةِ التَّوبةِ (٢). وذلك لمَا رَواهُ أَبو بَكرٍ ﵁ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ما مِنْ رَجلٍ يُذنِبُ ذَنبًا ثم يَقومُ فَيتطهَّرُ ثم يُصلِّي ثم يَستغفِرُ اللَّهَ إلا غفَرَ اللهُ له»، ثم قرأَ هذه الآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] (٣).

стр. 1562

كتاب الجنائز

стр. 1563

كتاب الجنائز الجَنائزُ: جمْعَ جنازةٍ، وهي بالفَتحِ: الميِّتُ، وبالكَسرِ: السَّريرُ الذي يُوضَعُ عليه المَيِّتُ. وعنِ الجَوهريِّ: هي بالفَتحِ المَيِّتُ الذي على السَّريرِ. وإنْ لَم يَكنْ عليه المَيِّتُ فهو سَريرٌ ونَعشٌ، وقيلَ: في كلٍّ منهما لُغتانِ. وإنَّما سُمِّيَ جنازةً لأنَّه مَجموعٌ مُهيَّأٌ لوَضعِ المَيِّتِ عليه، مِنْ جنَزَ الشَّيءَ جُنوزًا، إذا أجمَعَ (١). والمَوتُ: هو مُفارقةُ الرُّوحِ الجَسدَ (٢). أولاً: أَحكامُ المُحتضَرِ: الاحتِضارُ لُغةً: الإِشرافُ على المَوتِ بظُهورِ عَلاماتِه.

стр. 1564

والمُحتضَرُ: هو مَنْ حضَرَه المَوتُ ومَلائِكتُه، والمُرادُ: مَنْ قَرُب مَوتُه. وعَلاماتُ الاحتِضارِ كَثيرةٌ يَعرِفُها المُختصُّونَ، وقد ذكَرَ منها الفُقهاءُ: أنْ تَستَرخيَ قَدَماه، فلا تَنتَصِبانِ، ويَنعوِجَ أنفُه، ويَنخسِفَ صُدغَاه، وتَمتدَّ جِلدةُ الخِصيةِ، وتَمتدَّ جِلدةُ وَجهِه فلا يُرى فيها تَعطُّفٌ (١). ما يُسنُّ لِلحاضِرينَ أنْ يَفعَلوه عندَ الاحتِضارِ: أولًا: تَلقينُ المُحتضَرِ: يَنبَغي على مَنْ حضَرَ المَيِّتَ أنْ يُلقِّنَه: «لا إلهَ إلا اللهُ» لقَولِه ﷺ : «لقِّنُوا مَوتاكُم لَا إِلهَ إلا اللهُ [فإنَّه مَنْ كانَ آخِرُ كَلِمتِه لا إِلهَ إِلا اللَّهُ عندَ المَوتِ دخَلَ الجَنةَ يَومًا مِنْ الدَّهْرِ، وإِن أَصابَه قبلَ ذلك ما أَصابَه]» (٢). وغيرِ ذلك مِنْ الأَحاديثِ. قال الكاسانِيُّ ﵀: المُرادُ مِنْ المَيِّتِ -في الحَديثِ- المُحتضَرُ؛ لأنَّه قرُبَ مَوتُه فسُمِّي ميِّتًا لقُربِه مِنْ المَوتِ (٣). وقالَ النَّوويُّ ﵀: والأمْرُ بهذا التَّلقينِ أمرُ نَدبٍ، وأَجمعَ العُلماءُ على هذا التَّلقينِ، وكَرِهوا الإكثارَ عليه والمُوالاةَ لِئلَّا يَضجَرَ بضيقِ حالِه وشِدَّةِ كَربِه؛ فيَكرَهَ ذلك بقَلبِه، ويَتكلَّمَ بما لا يَليقُ، قالوا: وإذا قالَه مَرةً لا يُكرَّرُ عليه إلا أنْ يَتكلَّمَ بعدَه كَلامًا آخَرَ فيُعادَ التَّعريضُ به ليَكونَ آخِرَ

стр. 1565

كَلامِه، ويَتضمَّنُ الحَديثُ الحُضورَ عندَ المُحتضَرِ لِتَذكيرِه وتَأنيسِه وإِغماضِ عَينَيْه والقيامِ بحُقوقِه، وهذا مُجمَعٌ عليه (١). وقالَ أيضًا: قالَ أَصحابُنا: ويُستحَبُّ أنْ يَكونَ المُلقِّنُ غيرَ مُتهَمٍ لِئلَّا يُحرِجَ الميِّتَ ويَتَّهمَه (٢). وقالَ العُلماءُ: إذا ظهَرَ مِنْ المُحتضَرِ كَلِماتٌ تُوجِبُ الكُفرَ لا يُحكَمُ بكُفرِه ويُعامَلُ مُعامَلةَ مَوتى المسلِمينَ حَملًا على أنَّه في حالِ زَوالِ عَقلِه (٣). ثانيًا: تَوجيهُ المُحتضَرِ إلى القِبلةِ: يُستحَبُّ لمَن يُحتضَرُ أنْ يُوجَّهَ إلى القِبلةِ عندَ شُخُوصِ بَصرِه إلى السَّماءِ، لا قبلَ ذلك، لِئلَّا يُفزِعَه، ويُوجَّهُ إليها مُضطَجِعًا على شِقِّه الأيمَنِ مُستقبِلَ القِبلةَ، اعتِبارًا بحالِ الوَضعِ في القَبرِ؛ لأنَّه أشرَفَ عليه، فإذا لَم يُمكِنْ لِضيقِ المَكانِ أو غيرِه فعلى جَنبِه الأيسَرِ إلى القِبلةِ، فإذا لَم يُمكِنْ فعَلى قَفاه، وقد يَكونُ ذلك أسهَلَ لخُروجِ الرُّوحِ، وأيسَرَ لتَغميضِه وشَدِّ لَحيَيْه، وأمنَعَ مِنْ تَقوُّسِ أعضائِه. ثم إذا أُلقيَ على القَفا يُرفَعُ رأسُه قَليلًا ليَصيرَ وَجهُه إلى القِبلةِ دونَ السَّماءِ. وهذا التَّوجيهُ إلى القِبلةِ مُتَّفقٌ عليه عندَ الأئِمةِ الأربَعةِ.

стр. 1566

قال ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه إذا تُيقِّنَ المَوتُ، وُجِّهَ الميِّتُ إلى القِبلةِ (١). بل نقَلَ الإمامُ النَّوويُّ فيه الإِجماعَ، فقالَ: يُستحَبُّ أنْ يُستقبَلَ به -أي: المُحتضَرِ- القِبلةُ وهذا مُجمَعٌ عليه (٢). لِما رَواه أبو قتادةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ حين قدِمَ المَدينةَ سألَ عن البَراءِ بنِ مَعرورٍ فقالوا تُوفِّيَ، وأَوصى بثُلثِه لكَ يا رَسولَ اللهِ، وأَوصى أنْ يُوجَّهَ إلى القِبلةِ لمَّا احُتضِرَ، فقالَ ﷺ : «أصابَ الفِطرةَ، وقد رَدَدتُ ثُلثَه على ولَدِه»، ثم ذهَبَ فصلَّى عليه، وقالَ: «اللَّهمَّ اغفِرْ له وارحَمْه وأدخِلْه جنَّتَك، وقد فَعَلتَ» (٣). وأمَّا أنَّ السُّنةَ كَونُه على شِقِّه الأيمَنِ فقالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ: فقيل: يُمكِنُ الاستِدلالُ عليه بحَديثِ النَّومِ في الصَّحيحَيْن عن البَراءِ بنِ عازِبٍ عنه ﵊، قالَ: «إذا أَتَيْتَ مَضْجعَك فتَوضَّأْ وضُوءَكَ للصَّلَاةِ ثُم اضْطَجِعْ على شِقِّكَ الأَيْمَنِ وقُلِ: اللَّهمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيك -إلى أنْ قالَ: - فَإِنْ مُتَّ مُتَّ على الفِطرَةِ» (٤). وليسَ فيه ذِكرُ القِبلةِ، وما رَواه الإمامُ

стр. 1567

أحمدُ عن أُمِّ سَلمةَ قالَت: «اشتَكَتْ فَاطمَةُ شَكْواها التي قُبضَت فيها فكُنتُ أُمرِّضُهَا فأَصبَحَت يَومًا كأَمثَلِ ما رَأيتُها في شَكْواها تلكَ، قالَت وخرَجَ علِيٌّ لبَعضِ حاجَتِه، فقالَت: يا أُمَّه اسكُبِي لي غُسلًا، فسَكَبتُ لها غُسلًا، فَاغتَسلَت كأَحسَنِ ما رَأيتُها تَغتَسلُ، ثُم قالَت: يا أُمَّه أَعطيني ثِيابي الجُدُدَ، فأَعطَيْتُهَا فلبِسَتها ثُم قالَت: يا أُمَّهْ، قَدِّمي لي فِراشِي وَسَطَ البَيتِ، ففَعَلتُ، وَاضطَجعَت وَاستَقبَلَت القِبلَةَ وجعَلَت يَدَها تحتَ خَدِّها، ثُم قالَت: يا أُمَّه، إنِّي مَقبوضَةٌ الآنَ، وقد تَطهَّرتُ فلا يَكشِفْني أحدٌ. فقُبضَت مَكانَها» (١). فضَعيفٌ، ولذا لَم يَذكُرِ ابنُ شاهينَ في بابِ المُحتضَرِ مِنْ كِتابِ الجَنائزِ له غيرَ أثَرِ إِبراهيمَ النَّخَعيِّ، قالَ: «يُستَقبلُ بالميِّتِ القِبلةُ»، وعن عَطاءِ بنِ أَبي رَباحٍ نَحوُه بزِيادةٍ: «على شِقِّه الأيمَنِ، ما عَلِمتُ أَحدًا ترَكَه مِنْ مَيِّتٍ» ولأنَّه قَريبٌ مِنْ الوَضعِ في القبْرِ ومِنَ اضطِجاعِه في مرَضِه، والسُّنةُ فيهما ذلك، فكذا فيما قَرُبَ منهما (٢)، وعلى هذا الأئِمَّةُ الأربَعةُ (٣). ثالثًا: ذِكرُ اللهِ -: يُستحَبُّ للصالِحينَ ممَّن يَحضرونَ عندَ المُحتضَرِ أنْ يَذكُروا اللهَ تَعالى وأنْ يُكثِروا مِنْ الدُّعاءِ له بتَسهيلِ الأمرِ الذي هو فيه، وألَّا يَقولوا إلا خَيرًا؛

стр. 1568

لحَديثِ أُمِّ سَلمةَ قالَت: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا حضَرتُم المَريضَ أو الميِّتَ فقُولُوا خَيرًا؛ فإنَّ المَلائِكةَ يُؤمِّنونَ على ما تَقولونَ» (١). ما يُسَنُّ لِلحاضِرينَ أنْ يَفعَلوه عندَ مَوتِ المُحتضَرِ: ١ - تَغميضُ عَينَيْه: إذا تيَقَّنَ الحاضِرونَ مَوتَ المُحتضَرِ تَولَّى أرفَقُ الناسِ به إِغماضَ عينَيْه؛ لحَديثِ أُمِّ سَلمةَ قالَت: دخَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ على أَبي سَلمةَ وقد شُقَّ بَصَرُه، فأغمَضَه، ثم قالَ: «إِنَّ الرُّوحَ إذا قُبضَ تبِعَه البَصرُ» (٢). قال النَّوويُّ ﵀: أَجمعَ المُسلِمونَ على ذلك، قالوا: والحِكمةُ فيه ألَّا يَقبُحَ مَنظرُه لو تُركَ إِغماضُه (٣). ٢ - أُمورٌ أُخرى ذكَرَها الفُقهاءُ: أ- أنْ يَشُدَّ أحدُهم لَحيَيْه بعِصابةٍ عَريضةٍ تَجمَعُهما وتُربطُ فوقَ رأسِه؛ لأنَّه لو تُركَ مَفتوحَ الفَمِ حتى يَبْرُدَ بقِيَ مَفتوحًا فيَقبُحُ مَنظرُه، ولا يُؤمنُ دُخولُ الهَواءِ فيه والماءُ في وَقتِ غُسلِه. ب- تَليينُ مَفاصِلِه، فيُمدُّ ساعِدُه إلى عضُدِه ثم يُرَدُّ، وتُردُّ ساقُه إلى فخِذِه، وفخِذُه إلى بَطنِه، وتُردّانِ، وتُليَّنَ أصابِعُه.

стр. 1569

ج- خَلعُ ثيابِه التي ماتَ فيها، بحيثُ لا يُرى بَدنُه، ثم يُستَرُ جَميعِ بَدنِه بثَوبٍ خَفيفٍ، ولا يُجمعُ عليه أَطباقُ الثِّيابِ، ويُجعَلُ طرَفُ هذا الثَّوبِ تحتَ رأسِه وطرَفُه الآخَرُ تحتَ رِجلَيْه لِئلَّا يَنكشِفَ؛ لحَديثِ عائِشةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «حين تُوفِّيَ سُجِّيَ ببُرْدٍ حِبَرةٍ» (١). د- أنْ يُتركَ على شَيءٍ مُرتفِعٍ مِنْ لَوحٍ وسَريرٍ ونَحوِهما؛ لِئلَّا تُصيبَه نَداوةُ الأرضِ فيَتغيَّرَ رِيحُه. هـ- أنْ يُوضَعَ على بَطنِه شَيءٌ ثَقيلٌ لِئلَّا يَنتفِخَ. ٣ - الدُّعاءُ له: لحَديثِ أُمِّ سَلمةَ السابِقِ، وفيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «اللَّهمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلمةَ وَارفَعْ دَرجَتَه في المَهديِّينَ، وَاخلُفهُ في عَقِبِه في الغابِرينَ، وَاغفِرْ لنا وله يا ربَّ العَالَمينَ، وأَفسحْ له في قَبرِه، ونوِّرْ له فيه» (٢). ٤ - المُبادرةُ بتَجهيزِه وإخراجِه: فعَن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أَسْرِعُوا بالجنازةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيرٌ تُقدِمُونَها عليه، وإنْ تَكنْ غيرَ ذلك فشَرٌّ تَضَعونَه عن رِقابِكم» (٣).

стр. 1570

والإِسراعُ بالجنازةِ يَدخلُ فيه سُرعةُ تَغسيلِه وتَكفينِه وتَجهيزِه والإِسراعُ في حَملِها إلى القَبرِ. قال النَّوويُّ ﵀: قالَ الإمامُ الشافِعيُّ في «الأُمّ»: «أُحِبُّ المُبادَرةَ في جَميعِ أُمورِ الجنازةِ، فإنْ ماتَ فَجأةً لَم يُبادَرْ بتَجهيزِ؛ لِئلَّا تَكونَ به سَكتةٌ ولَم يَمتْ، بل يُترَكُ حتى يُتحقَّقَ مَوتُه» (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: ويُستحَبُّ تَعجيلُ دَفنِه؛ لوُرودِ الآثارِ بذلك إلا الغَريقَ، فإنَّه يُستحَبُّ في المَذهبِ تَأخيرُ دَفنِه مَخافةَ أنْ يَكونَ الماءُ قد غمَرَه فلَم تَتبيَّنْ حياتُه. قال القاضي: وإذا قِيلَ هذا في الغَريقِ فهو أَولى في كَثيرٍ مِنْ المَرضى مِثلَ الذين تُصيبُهم انطباقُ العُروقِ وغيرُ ذلك مما هو مَعروفٌ عندَ الأطبَّاءِ، حتى لقد قالَ الأطباءُ: إنَّ المَسكوتينَ لا يَنبَغي أنْ يُدفَنوا إلا بعدَ ثَلاثٍ (٢). ٥ - المُبادرةُ إلى قَضاءِ دَينِه، والتَّوصُّلُ إلى إبرائِه: لحَديثِ أَبي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «نَفسُ الْمُؤمنِ مُعلَّقةٌ بِدَينِه حتى يُقضَى عنه» (٣). وإنْ تَعذَّرَ إيفاءُ دَينِه في الحالِ استُحِبَّ لوارِثِه

стр. 1571

أو غيرِه أنْ يَتكفَّلَ به عنه، كما فعَلَ أبو قَتادةَ لمَّا أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بجنازةٍ فلَم يُصلِّ عليها، قالَ أبو قَتادةَ: «صَلِّ علَيها يا رَسولَ اللَّهِ وعلَيَّ دَينُه»، فصلَّى عليه (١). والكَفالةُ بِدَينِ الميِّتِ قالَ بصِحَّتِها أكثَرُ الأئِمَّةِ خِلافًا لِأبي حَنيفةَ؛ فإنَّه قالَ: لا تَصحُّ الكَفالةُ على ميِّتٍ مُفلِسٍ، كما سيَأتي بَيانُه في بابِ الكَفالةِ إنْ شاءَ اللهُ . ويَجدُرُ بنا هنا أنْ نَذكُرَ مَسألةً مُهمةً، ألَا وهي: هل تُبرأُ ذمَّةُ الميِّتِ مِنْ الدَّينِ المَضمونِ عنه بالضَّمانِ نَفسِه أو بمُجرَّدِه، أو لا؟ للعُلماءِ في ذلك قَولانِ (٢): القَولُ الأولُ: لا يَنتقِلُ الحَقُّ عن ذمَّةِ المَيِّتِ إلا بأدائِه كالحَيِّ، لا بمُجرَّدِ الضَّمانِ، وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ ومالِكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ في رِوايةٍ. القَولُ الثاني: يَنتقِلُ الحَقُّ عنه بمُجرَّدِ الضَّمانِ، وهو القَولُ الثاني لِلإمامِ أحمدَ وابنِ حَزمٍ -رحمهما الله-. أدلَّةُ القَولَينِ: استدَلَّ جُمهورُ أهلِ العِلمِ -وهُم أَصحابُ القَولِ الأولِ- بما يلي: بقَولِه ﷺ في حَديثِ جابِرٍ في قِصةِ تَحمُّلِ أَبي قَتادةَ الدَّينَ عن

стр. 1572

الميِّتِ، وفيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قابَلَ أبا قَتادةَ وقالَ له: «ما فعَلَ الدِّينارانِ؟»، فقالَ: إنَّما ماتَ أَمسِ. قالَ فعادَ إليه مِنْ الغَدِ فقالَ: قد قضَيتُهما. فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «الآنَ بَردَتْ عليه جِلْدُه» (١). قال الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: ففي هذا الحَديثِ دَليلٌ على أنَّ الكَفالةَ به لَم تُبرِئِ الذي هو عليه منه بوُجوبِه على الكَفيلِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبَرَ في هذا الحَديثِ أنَّ جِلدَ المَيِّتِ إنَّما يَبردُ بأداءِ كَفيلِه الدَّينَ الذي كفَلَ به عنه، لا بكَفالةِ ربِّه عنه (٢). وقد عَنونَ لِهذا الحَديثِ المَجدُ ابنُ تَيميَّةَ في «المُنتَقى» بقَولِه: «بابُ أنَّ المَضمونَ عنه إنَّما يُبرأُ بأداءِ الضامِنِ، لا بمُجرَّدِ ضَمانِه». قال الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀ في شَرحِه لِهذا الحَديثِ: وفيه دَليلٌ على أنَّ خُلوصَ المَيِّتِ مِنْ وَرطةِ الدَّينِ وبَراءةَ ذمَّتِه على الحَقيقةِ، ورَفعَ العَذابِ عنه إنَّما يَكونُ بالقَضاءِ عنه، لا بمُجرَّدِ التَّحمُّلِ بالدَّينِ بلَفظِ الضَّمانةِ (٣).

стр. 1573

٢ - قَولُه ﷺ : «نَفسُ المُؤمنِ مُعلَّقةٌ بِدَينِه حتى يُقضَى عنه» (١).

стр. 1574

قال الإمامُ الصَّنعانيُّ ﵀: وهذا الحَديثُ مِنْ الدَّلائِلِ على أنَّه لا يَزالُ الميِّتُ مَشغولًا بِدَينِه بعدَ مَوتِه (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: بعدَما استدَلَّ بهذَين الحَديثَينِ: ولأنَّها وَثيقةٌ فلا تَنقُلُ الحَقَّ كالشَّهادةِ، وأمَّا صَلاةُ النَّبيِّ ﷺ عن المَضمونِ عنه فلأنَّه بالضَّمانِ صارَ له وَفاءٌ، وإنَّما كانَ النَّبيُّ ﷺ يَمتنِعُ مِنْ الصَّلاةِ على مَدِينٍ لَم يُخلِّفْ وَفاءً. وأمَّا قَولُه لعَلِيٍّ: «فَكَّ اللَّهُ رِهانَك كما فكَكْت رِهانَ أَخيك»، فإنَّه كانَ بحالٍ لا يُصلِّي علاه النَّبيُّ ﷺ ، فلمَّا ضمِنَه فكَّه مِنْ ذلك أو مما في مَعناه. وقَولُه: «برِئَ الميِّتُ منهما»، أي: صِرتَ أنتَ المُطالَبُ بهما، وهذا على سَبيلِ التأكيدِ؛ لثُبوتِ الحَقِّ في ذِمتِه ووُجوبِ الأداءِ عليه، بدَليلِ قَولِه في سياقِ الحَديثِ حينَ أخبَرَه بالقَضاءِ: «الْآنَ برَدَت عليه جِلدَتُه»، ويُفارِقُ الضَّمانُ الحَوالةَ؛ فإنَّ الضَّمانَ مُشتَقٌّ مِنْ الضَّمِّ، فيَقتَضي الضَّمَّ بينَ الذِّمتَينِ

стр. 1575

مِنْ تَعلُّقِ الحقِّ بهما وثُبوتِه فيهما، والحَوالةُ مِنْ التَّحوُّلِ، فتَقتَضي تَحوُّلَ الحَقِّ مِنْ مَحلِّه إلى ذِمةِ المُحالِ عليه (١). أمَّا قَولُه ﷺ : «نَفسُ المُؤمنِ مُعلَّقةٌ بِدَينِه حتى يُقضَى عنه»، فإنْ قيلَ: ما الحِكمةُ في حَبسِ رُوحِه؛ إذا لَم يُخلِّفْ وَفاءً مع أنَّه في حُكمِ المُعسِرِ، والمُعسِرُ لا يُحبَسُ في الدُّنيا، ولا يُلازَمُ؛ لأنَّا نَقولُ: أمرُ الآخِرةِ يُغايِرُ أمرَ الدُّنيا؛ فإنَّ حَبسَ المُعسِرِ في الدُّنيا لا فائدةَ فيه؛ لأنَّه لا يُتوقَّعُ منه وَفاءٌ ما دامَ مَحبوسًا، ويُظَنُّ منه الوَفاءُ إذا لَم يُحبَسْ؛ لأنَّه قد يَكتسِبُ ما يَستعينُ به على وَفاءِ الدَّينِ، وأمَّا الآخِرةُ فالحَبسُ فيها مُجازاةٌ له على بَقاءِ الحَقِّ في ذِمتِه حِفظًا لحَقِّ صاحِبِ الدَّينِ، ويُستَوفى منه بأخْذِ الحَسَناتِ ورَدِّ السَّيئاتِ فأشبَه مَنْ له مالٌ في الدُّنيا، فيُنتَظَرُ بحَبسِه حُضورُ ما له وما عليه، فهو مَعقولُ المَعنى (٢). وقيلَ: إنَّما يُحبَسُ المِديانُ عن الجَنةِ بعَدمِ الوَفاءِ إذا ماتَ قادرًا على وَفائِه، وأمَّا لو ماتَ عاجِزًا عن وَفائِه، فإنْ تَدايَنَ لسَرفٍ أو غيرِه مما لا يَجوزُ فإنَّه يُحبَسُ عن الجَنةِ لعَدمِ وُجوبِ قَضائِه على الُّسلطانِ (٣). وهذا كلُّه مَحمولٌ على مَنْ ترَكَ مالًا يَقضي منه دَينَه، أمَّا مَنْ لا مالَ له يَقضي منه فيُرجَى ألَّا يَتناوَلَه هذا الحَديثُ؛ لقَولِ اللهِ :

стр. 1576

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقَولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. كما لا يَتناولُ مَنْ بيَّتَ النِّيةَ الحَسنةَ بالأداءِ عندَ الاستِدانةِ، ومات ولَم يَتمكَّنْ مِنْ الأداءِ، كما رَوى البُخاريُّ عن أَبي هُرَيرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ أخَذَ أَموالَ الناسِ يُرِيدُ أَداءَها أَدَّاها اللهُ عنه، ومَن أخَذَها يُريدُ إِتلافَها أَتلَفَه اللهُ » (١). واستدَلَّ أَصحابُ القَولِ الثاني الذين قالوا بأنَّ الميِّتَ يُبرأُ بمُجرَّدِ الضَّمانِ بما يَلي: بحَديثِ أَبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: كُنا مع رَسولِ اللَّهِ ﷺ في جنازةٍ، فلمَّا وُضعَت قالَ ﷺ : «هل على صاحِبِكم مِنْ دَينٍ؟» قالوا: نَعم، دِرهَمانِ، قالَ: «صَلُّوا على صاحِبِكم»، فقالَ علِيٌّ: يا رَسولَ اللَّهِ، هُما علَيَّ وأنا لهُما ضَامِنٌ، فقامَ فصلَّى عليه ثُم أَقبَلَ على علِيٍّ وقالَ: «جَزاكَ اللَّهُ عن الإِسلامِ خَيرًا وفَكَّ رِهانَك كما فكَكْتَ رِهانَ أَخيك» فقالَ بعضُهم: هذا لعَلِيٍّ خاصَّةً أَمْ للمسلِمينَ عامَّةً؟ فقالَ: «بَلْ للمسلِمينَ عامَّةً» (٢). قالوا: فدَلَّ على أنَّ المَضمونَ عنه برِئَ بالضَّمانِ (٣). ٢ - حَديثُ جابِرٍ الذي رَواه الإمامُ أحمدَ في المُسنَدِ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ

стр. 1577

قالَ: تُوفِّيَّ صاحِبٌ لنا فأتَيْنا النَّبيَّ ﷺ لِيُصلِّيَ عليه فخَطا خُطوةً، ثم قالَ: «أَعلَيه دَينٌ؟» قُلنا: دِينارَانِ، فانصَرَفَ، فتَحمَّلَهما أبو قَتادَةَ، فأَتَيْناه، فقالَ أبو قَتادَةَ: الدِّينارانِ علَيَّ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «حَقُّ الْغَريمِ، وبرِئَ مِنهما الْمَيِّتُ؟» قالَ: نَعم، فصلَّى عليه، ثُم قالَ بعدَ ذلك بِيومٍ: «ما فعَلَ الدِّينارانِ؟» فقالَ: إنَّما ماتَ أَمسِ، قالَ: فعادَ إليه مِنْ الغَدِ، فقالَ: قد قضَيْتُهما، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «الآنَ برَدَتْ عليه جِلْدُه» (١). قالوا: هذا صَريحٌ في بَراءةِ المَضمونِ عنه؛ لقَولِه: «وبرِئَ مِنهما الميِّتُ»، ولأنَّه دَينٌ واحِدٌ فإذا صارَ في ذِمةٍ أُخرى برِئَت الأُولى منه كالمُحالِ به؛ وذلك لأنَّ الدَّينَ الواحِدَ لا يَحلُّ في مَحلَّيْن (٢). والحِكمةُ في امتِناعه ﷺ مِنْ الصَّلاةِ عليه شَغلُ ذِمتِه ببَقاءِ الحَقِّ، فلو لَم يَتحمَّلْ أبو قَتادةَ عنه البَراءةَ لَم تَظهَرِ الحِكمةُ في امتِناعِه مِنْ الصَّلاةِ عليه؛ لأنَّ الحَقَّ باقٍ في ذِمتِه قبلَ التَّحمُّلِ. وفي الحَديثِ تَصريحٌ ببَراءةِ ذِمةِ الميِّتِ (٣). لكنْ قد يُجابُ عن قَولِهم بأنَّه دَينٌ واحِدٌ، فإذا صارَ في ذِمةٍ أُخرى برِئَت الأُولى منه كالمُحالِ به بما قالَه ابنُ قُدامةَ حيثُ قالَ: ويُفارِقُ الضَّمانُ الحَوالةَ؛ فإنَّ الضَّمانَ مُشتقٌّ مِنْ الضَّمِّ، فيَقتَضي الضَّمَّ بينَ الذِّمتَينِ في تَعلُّقِ

стр. 1578

الحَقِّ بهما، وثُبوتِه فيهما، والحَوالةُ مِنْ التَّحوُّلِ، فتَقتَضي تَحوُّلَ الحَقِّ مِنْ مَحلِّه إلى ذِمةِ المُحالِ عليه. قَولُهم: إنَّ الدِّينَ الواحِدَ لا يَحُلُّ في مَحلَّينِ، قُلنا: يَجوزُ تَعلُّقُه في مَحلَّينِ على سَبيلِ الاستِيثاقِ، كتَعلُّقِ دَينِ الرَّهنِ به وبذمَّةِ الراهِنِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀ بعدَما ساقَ حَديثَ ضَمانِ أَبي قَتادةَ: وفيه أنَّ الدَّينَ يَسقطُ بالضَّمانِ جُملةً؛ لأنَّه لو لم يَسقُطْ عن الميِّتِ، ويَنتقِلْ إلى ذِمةِ أَبي قَتادةَ لَمَا كانَت الحالةُ إلا واحِدةً، وامتِناعُه ﷺ مِنْ الصَّلاةِ عليه قبلَ ضَمانِ أَبي قَتادةَ لِدَينِه، ثم صَلاتُه ﷺ عليه بعدَ ضَمانِ أَبي قَتادةَ بُرهانٌ صَحيحٌ على أنَّ الحالةَ الثانيةَ غيرُ الحالةِ الأُولى، وأنَّ الدَّينَ الذي لا يُتركُ له وَفاءٌ قد بطَلَ، وسقَطَ بضَمانِ الضامِنِ، بقَولِ أَبي قَتادةَ الذي أقَرَّه عليه النَّبيُّ ﷺ على دَينِه، فصَحَّ الدَّينُ على الضامِنِ بعدُ، لا على المَضمونِ عنه. ثم قالَ بعدَ ذلك: فإنْ قيلَ: فما مَعنى قَولِ النَّبيِّ ﷺ إذا قَضاهما: «الآنَ برَدَتْ عليه جِلْدُه»، قُلنا: هذا لا مُتعلِّقَ فيه في بَقاءِ الدَّينِ على الميِّتِ، ولا في رُجوعِه عليه؛ لأنَّ نَصَّ الخبَرِ ورَدَ فيه بعَينِه: «إنَّ الميِّتَ قد برِئَ مِنْ الدَّينِ وإنَّ حَقَّ الغَريمِ على الزَّعيمِ»، فلا مَعنى للزِّيادةِ في هذا، أمَّا قَولُه ﷺ : «الآنَ برَدَتْ عليه جِلْدُه»، فقد أصابَ ﷺ ما أرادَ، وقولُه: «الحَقُّ» لا نَشكُّ فيه، ولكنْ نَقولُ: إنَّه قد يَكونُ تَبريدًا زائدًا

стр. 1579

دخَلَ عليه حين القَضاءِ عنه، وإنْ كانَ لَم يَكنْ قبلَ ذلك في حَرٍّ، كما تَقولُ: لقد سرَّني فِعلُك، وإنْ لَم تَكنْ قبلَ ذلك في هَمٍّ ولا حَزنٍ، وكما لو تَصدَّقَ عن الميِّتِ بصَدقةٍ، لَكانَ قد دخَلَ عليه بها رَوحٌ زائِدٌ ولا بدَّ، وإنْ لَم يَكنْ قبلَ ذلك في كَربٍ ولا غَمٍّ. ويُمكِنُ أنْ يَكونَ قد كانَ في مَطْلٍ، وهو غَنيٌّ، فحَصَل له الظُّلمُ، ثم غفَرَ اللهُ له ذلك الظُّلمَ بالقَضاءِ، واللهُ أعلَمُ، إلا أنَّهم لا مُتعلِّقَ لهم بهذا أصلًا (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أمَّا الحَيُّ فلا يُبرأُ بالضَّمانِ رِوايةً واحِدةً، وأمَّا الميِّتُ ففي بَراءَتِه بمُجرَّدِ الضَّمانِ رِوايَتانِ. إحداهُما: يُبرأُ بمُجرَّدِ الضَّمانِ، نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ يُوسفَ بنِ مُوسى، كما ذكَرْنا مِنْ الخبَريْن؛ ولأنَّ فائِدةَ الضَّمانِ في حَقِّه تَبرئةُ ذِمةٍ، فيَنبَغي أنْ تَحصُلَ هذه الفائِدةُ، بخِلافِ الحَيِّ؛ فإنَّ المَقصودَ في حَقِّه الاستيثاقُ بالحَقِّ، وثُبوتُه في الذِّمتَينِ آكَدُ في الاستيثاقِ بالحَقِّ (٢). وقالَ الإمامُ الخَطابيُّ ﵀ فيه -أي: في حَديثِ أَبي قَتادةَ-: إنَّ ضَمانَ الدَّينِ عن الميِّتِ يُبرئُه إذا كانَ مَعلومًا، سَواءٌ خلَّفَ الميِّتُ وَفاءً أو لَم يُخلِّفْ؛ وذلك أنَّه إنَّما امتنَعَ مِنْ الصَّلاةِ لِارتِهانِ ذِمتِه بالدَّينِ، فلو لَم يُبرأْ بضَمانِ أَبي قَتادةَ لَما صلَّى عليه، والعِلةُ المانِعةُ قائِمةٌ (٣).

стр. 1580

فصل في غُسلِ الميِّتِ حُكمُ غُسلِ الميِّتِ: قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وغُسلُ الميِّتِ فَرضُ كِفايةٍ بإِجماعِ المسلِمينَ، ومَعنى (فَرضِ الكِفايةِ): أنَّه إذا فعَلَه مَنْ فيه كِفايةٌ سقَطَ الحَرجُ عن الباقينَ، وإنْ ترَكوه كلُّهم أثِمُوا كلُّهم (١). إلا أنَّ هناك خِلافًا عندَ المالكيةِ، ومِن أجلِ ذلك قالَ الحافِظُ في «الفَتحِ»: وهو ذُهولٌ شَديدٌ -أي: مِنْ النَّوويِّ-؛ فإنَّ الخِلافَ مَشهورٌ عندَ المالِكيةِ حتى إنَّ القُرطبيَّ رجَّحَ في شَرحِ مُسلمٍ أنَّه سُنةٌ، ولكنَّ الجُمهورَ على وُجوبِه، وقد رَدَّ ابنُ العَربيِّ على مَنْ لَم يَقلْ بذلك، وقد تَوارَدَ به القَولُ والعَملُ، وغُسلُ الطاهِرِ المُطهَّرِ، فكيف بمَن سِواه (٢). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأمَّا حُكمُ الغُسلِ: فإنَّه قيلَ فيه: إنَّه فَرضٌ على الكِفايةِ، وقِيلَ: سُنةٌ على الكِفايةِ، والقَولانِ كِلاهما في المَذهبِ، والسَّببُ
следующие страницы →