← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 15156–15195 · переход к 15161.

стр. 15156

ولأنَّه لما كانَت الأمُّ وأمُّ الأمِّ لا يُحجَبنَ بالذُّكورِ كانَ كذلك حُكمُ جَميعِ الجَداتِ. ولأنَّه لمَّا ضعُفَ الأبُ عن حَجبِ أمِّ الأمِّ وهي بإِزائِها ضعُفَ أيضًا عن حَجبِها. ولأنَّ الجَدةَ وإنْ أَدلَت بالأبِ فهي غيرُ مُضرَّةٍ به؛ لأنَّها تُشارِكُ أمَّ الأمِّ في فَرضِها، فجَرى مَجرَى الإِخوةِ للأمِّ لمَّا لَم يَضُروا بالأمِّ لَم يَسقُطوا معَ الأمِّ. ومحلُّ الخِلافِ إذا كانَ الابنُ أبًا للمَيتِ أو جدَّه، أمَّا لو كانَ عمًّا للمَيتِ فإنَّه لا يَحجُبُها بالإِجماعِ. ومِثالُ المَسألةِ: أمُّ أبٍ وأبٌ، فعلى هذا مَذهبُ الحَنابِلةِ لها السُّدسُ والباقِي للأبِ، وعلى القولِ الأَولِ وهو مَذهبُ الجُمهورِ الكلُّ له (١). إِرثُ الحَواشِي: مِيراثُ الإِخوةِ والأَخواتِ وبَنِيهم: أَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الإِخوةَ مِنْ الأبِ والأمِّ ومِن الأبِ ذُكورًا كانُوا أو إِناثًا لا يَرثونَ معَ الابنِ ولا ابنِ الابنِ وإنْ سفَلَ ولا معَ الأبِ، ويَرثونَ معَ البَناتِ وبَناتِ الأَبناءِ (٢).

стр. 15157

يَختَلفُ مِيراثُ الإِخوةِ والأَخواتِ كالآتِي: ١ - الإِخوةُ والأَخواتُ لأَبوَينِ إنِ انفَردُوا عنِ الإِخوةِ والأَخواتِ للأبِ ورِثُوا كأَولادِ الصُّلبِ، فللذَّكرِ الواحدِ فأَكثَرَ كلُّ المالِ، وللأُنثَى النِّصفُ، وللثِّنتَينِ فصاعِدًا الثُّلثانِ، وعندَ اجتِماعِ الصِّنفَينِ للذَّكرِ مِثلُ حظِّ الأُنثَيينِ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا أنَّ رَجلًا لو ترَكَ أَخاهُ و أُختَه أنَّ المالَ بينَهما للذَّكرِ مثلُ حظِّ الأُنثَيينِ (١). وقالَ: وأَجمَعوا على أنَّ للأخِ مِنْ الأبِ والأمِّ جَميعَ المالِ إذا لَم يَكنْ معَه مَنْ له سَهمٌ مَعلومٌ (٢). وكذا إنْ كانُوا -أَي: الإِخوةُ وَالأَخواتُ- لأبٍ وانفَردُوا عنِ الإِخوةِ والأَخواتِ للأَبوَينِ ورِثُوا كأَولادِ الصُّلبِ، إلَّا في المُشرَّكةِ -أَي: المُشرَّك فيها بينَ الشَّقيقِ ووَلدَيِ الأمِّ- وهي زَوجٌ وأمٌّ أو جَدةٌ ووَلدَا أمٍّ فصاعِدًا وأخٌ لأَبوَينِ فأَكثَرَ، فيُشارِكُ الأخُ الشَّقيقُ -ولَو كانَ معَه مَنْ يُساوِيه مِنْ الإِخوةِ والأَخواتِ- وَلدَيِ الأمِّ في الثُّلثِ بأُخوَّةِ الأمِّ لاشتِراكِهم في القَرابَةِ الَّتي ورِثُوا بها الفَرضَ، ولَو كانَ بَدلَ الأخِ لأَبوَينِ أَخٌ لأبٍ سقَطَ بالإِجماعِ.

стр. 15158

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ والأُخواتِ مِنْ الأبِ يَقومونَ مَقامَ الإِخوةِ والأَخواتِ مِنْ الأبِ والأمِ، ذُكورُهم كذُكورِهم، وإِناثُهم كإِناثِهم إذا لم يَكنْ للمَيتِ إِخوةٌ ولا أَخواتٌ لأبٍ وأمٍّ (١). ٢ - ولَو اجتَمعَ الصِّنفانِ -مِنْ الإِخوةِ لأَبوَينِ والإِخوةِ لأبٍ- فكَاجتِماعِ أَولادِ الصُّلبِ وأَولادِ ابنِه، إلَّا أنَّ بَناتِ الابنِ يُعصِّبُهنَّ مَنْ في دَرجَتهِنَّ أو أَسفَلَ مِنهُنَّ، والأُختُ لَا يُعصِّبُها إلَّا أَخوها. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ والأَخواتِ مِنْ الأبِ يَقومونَ مَقامَ الإِخوةِ والأَخواتِ مِنْ الأبِ والأمِّ ذُكورًا كذُكورِهم وإِناثًا كإِناثِهم إذا لم يَكنْ للمَيتِ إِخوةٌ ولا أَخواتٌ لأبٍ وأمٍّ (٢). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأَجمعَ العُلماءُ مِنْ هذا البابِ على أنَّ الإِخوةَ للأبِ والأمِّ يَحجُبونَ الإِخوةَ للأبٍ عن المِيراثِ قِياسًا على بَني الأَبناءِ معَ بَني الصُّلبِ (٣). ٣ - والأَخواتُ لأَبوَينِ أو لأبٍ معَ البَناتِ وبَناتِ الابنِ عَصبَةٌ كالإِخوةِ، فتُسقِطُ أُختٌ لأَبوَينِ اجتَمعَتْ معَ البِنتِ أو بِنتِ الابنِ أو معَهما الإِخوةَ والأَخواتِ لأبٍ كما يُسقِطُهم الأخُ الشَّقيقُ.

стр. 15159

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ مِنْ الأبِ والأمِّ ومِن الأبِ ذُكورًا أو إِناثًا لا يَرثونَ معَ الابنِ ولا ابنِ الابنِ وإنْ سفَلَ ولا معَ الأبِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسأَلةٌ: قالَ: والأَخواتُ معَ البَناتِ عَصبةٌ لهن ما فضَلَ وليسَت لهن معَهن فَريضةٌ مُسمَّاةٌ. العَصبةُ: هو الوارثُ بغيرِ تَقديرٍ، وإذا كان معَه ذو فَرضٍ أخَذَ ما فضَلَ عنه قلَّ أو كثُرَ، وإنِ انفَردَ أخَذَ الكلَّ، وإنِ استَغرقَت الفُروضُ المالَ سقَطَ، والمُرادُ بالأَخواتِ هاهُنا الأَخواتُ مِنْ الأَبوَينِ أو مِنْ الأبِ؛ لأنَّه قد ذكَرَ أنَّ وَلدَ الأمِّ لا مِيراثَ لهم معَ الوَلدِ، وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ يُروى ذلك عن عُمرَ وعليٍّ وزَيدٍ وابنِ مَسعودٍ ومُعاذٍ وعائشةَ ﵃، وإليه ذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلَّا ابنُ عَباسٍ ومَن تابَعَه؛ فإنَّه يُروَى عنه أنَّه كانَ لا يَجعلُ الأَخواتِ معَ البَناتِ عَصبةً، فقالَ في بِنتٍ وأُختٍ: للبِنتِ النِّصفُ، ولا شيءَ للأُختِ، فقِيلَ له: إنَّ عُمرَ قَضى بخِلافِ ذلك؛ جعَلَ للأُختِ النِّصفَ، فقالَ ابنُ عَباسٍ: أَنتم أَعلمُ أمِ اللهُ، يُريدُ قولَ اللهِ سُبحانَه: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، فإنَّما جعَلَ لها المِيراثَ بشَرطِ عَدمِ الوَلدِ. والحقُّ فيما ذهَبَ إليه الجُمهورُ؛ فإنَّ ابنَ مَسعودٍ قالَ في بِنتٍ وبِنتِ ابنٍ وأُختٍ: لأَقضِينَّ فيها بقَضاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «للبِنتِ النِّصفُ ولبِنتِ الابنِ السُّدسُ وما بقِيَ فللأُختِ» رَواه البُخاريُّ، وغيرُه واحتِجاجُ

стр. 15160

ابنِ عَباسٍ لا يَدلُّ على ما ذهَبَ إليه بلْ يَدلُّ على أنَّ الأُختَ لا يُفرضُ لها النِّصفُ معَ الولدِ، ونَحنُ نَقولُ به؛ فإنَّ ما تَأخذُه معَ البِنتِ ليسَ بفَرضِ، وإنَّما هو بالتَعصيبِ كمِيراثِ الأخِ، وقد وافَقَ ابنُ عَباسٍ على ثُبوتِ مِيراثِ الأخِ معَ الوَلدِ معَ قولِ اللهِ تَعالَى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وعلى قِياسِ قولِه يَنبغِي أنْ يَسقُطَ الأخُ لاشتِراطِه في تَوريثِه منها عَدمَ وَلدِها وهو خِلافُ الإِجماعِ، ثم إنَّ النَّبيَّ ﷺ وهو المُبيِّنُ لكَلامِ اللهِ تَعالَى قدْ جعَلَ للأُختِ معَ البِنتِ وبِنتِ الابنِ الباقِي عن فَرضِهما وهو الثُّلثُ، ولو كانَت ابنَتانِ وبِنتُ ابنٍ لَسقَطَت بِنتُ الابنِ وكانَ للأُختِ الباقِي وهو الثُّلثُ، فإنْ كانَ معَهم أمٌّ فلها السُّدسُ ويَبقَى للأُختِ السُّدسُ، فإنْ كانَ بَدلَ الأمِّ زَوجٌ فالمَسأَلةُ مِنْ اثنَي عَشرَ، للزَّوجِ الرُّبعُ وللابنتَينِ الثُّلثانِ ويَبقَى للأُختِ نِصفُ السُّدسِ، فإنْ كانَ معَهم أمٌّ عالَت المَسأَلةُ وسقَطَت الأُختُ. مَسأَلةٌ: قالَ: (وبَناتُ الابنِ بمَنزِلةِ البَناتِ إذا لَم يَكنْ بَناتٌ) أَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ بَناتِ الابنِ بمَنزِلةِ البَناتِ عندَ عَدمِهنَّ في إِرثِهنَّ وحَجبِهنَّ لمَن يَحجُبُه البَناتُ، وفي جَعلِ الأَخواتِ معَهن عَصباتٍ، وفي أنَّهن إذا استَكمَلنَ الثُّلثينِ سقَطَ مِنْ أَسفلَ منهن مِنْ بَناتِ الابنِ وغيرِ ذلك، والأصلُ في ذلك قولُ اللهِ : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] ووَلدُ البَنينَ أَولادٌ؛ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] يُخاطِبُ بذلك أمةَ

стр. 15161

مُحمَّدٍ ﷺ ، وقالَ: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يُخاطِبُ بذلك مَنْ في عَصرِ النَّبيِ ﷺ منهم، وقالَ الشاعرُ: بَنونا بَنو أَبنائِنا وبَناتِنا بَنوهُنَّ أَبناءُ الرِّجالِ الأَباعِدِ (١) ٤ - وبَنو الإِخوةِ لأَبوَينِ أو لأبٍ كلٌّ منهم حُكمُه في الإِرثِ كأَبِيه اجتِماعًا وانفِرادًا، فيَستَغرِقُ الواحِدُ أو الجَمعُ منهم المالَ عندَ الانفِرادِ، ويَأخذُ ما فضَلَ عنِ الفُروضِ، وعندَ اجتِماعِهم يُسقِطُ ابنُ الشَّقيقِ ابنَ الأخِ للأبِ، لكنْ يُخالِفونَهم -أيْ: آباءَهُم- في أنَّهم لَا يَردُّونَ الأُمَّ مِنْ الثُّلثِ إلى السُّدسِ بخِلافِ آبائِهم؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى أَعطاهَا الثُّلثَ حيثُ لَا إِخوةَ، وهذا الاسمُ لَا يَصدُقُ على بنِيهم، ولا يَرثونَ معَ الجدِّ، ولا يُعصِّبونَ أخَواتِهم؛ لأنَّهم مِنْ ذوِي الأَرحامِ، ويَسقُطونَ في المُشرَّكةِ. والإِخوةُ لأَبوَينِ يَحجِبونَ الإِخوةَ لأبٍ، وأَولادُهم لَا يَحجُبونَهم، والأَخُ للأبِ يَحجُبُ ابنَ الأخِ الشَّقيقِ، وابنُه لَا يَحجُبُه، وبَنو الإِخوةِ لَا يَرثونَ معَ الأَخواتِ إذا كُنَّ عَصباتٍ معَ البَناتِ. رَوى التِّرمذيُّ عن الحارِثِ عن علِيٍّ أنَّهُ قالَ: «إنَّكم تَقرؤونَ هذه الآيةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قضَى بالدَّينِ قبلَ الوصِيَّةِ، وإنَّ أَعيانَ بنِي الأمِّ يَتوارثُونَ دونَ بَني العلَّاتِ، الرَّجلُ يَرثُ أَخاهُ لأبِيه وأمِّه دونَ أخِيه لأبِيه» (٢).

стр. 15162

قالَ التِّرمذيُّ: والعملُ على هذا الحَديثِ عندَ عامَّةِ أَهلِ العِلمِ (١). وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ والأَخواتِ مِنْ الأبِ يَقومونَ مَقامَ الإِخوةِ والأَخواتِ مِنْ الأبِ والأمِّ ذُكورًا كذُكورِهم وإِناثًا كإِناثِهم إذا لم يَكنْ للمَيتِ إِخوةٌ ولا أَخواتٌ لأبٍ وأمٍّ. وأَجمَعوا على أنَّ لا مِيراثَ للأَخواتِ مِنْ الأبِ إذا استَكملَ الأَخواتُ مِنْ الأبِ والأمِّ الثُّلثَينِ إلا أنْ يَكونَ معَهن أخٌ ذَكرٌ. وأَجمَعوا على أنَّ الأَخواتِ مِنْ الأبِ لا يَرثنَ ما فضَلَ عن الأَخواتِ للأبِ والأمِّ، فإنْ ترَكَ أُختَينِ أو أَخواتٍ لأبٍ وأمٍّ فلهن الثُّلثانِ وما بقِيَ فللإِخوةِ مِنْ الأبِ (٢). مِيراثُ الإِخوةِ لأمٍّ وتَفسيرُ الكَلالةِ: أَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الإِخوةَ مِنْ الأمِّ لا يَرثونَ معَ الأبِ ولا معَ جدِّ أَبي الأبِ ولا معَ الأَبناءِ ولا معَ وَلدِ الأَبناءِ شيئًا ذُكورًا كانُوا أو إِناثًا. فالإِخوةُ والأَخواتُ للأمٍّ يَسقُطونَ معَ أَربعةٍ: معَ الأبِ، ومعَ الجدِّ، ومعَ الوَلدِ ذَكرًا كانَ أو أُنثًى، ومعَ وَلدِ الابنِ ذَكرًا كانَ أو أُنثَى. وأنَّهم يَرثونَ فيما سِوى ذلك يُفرَضُ للواحدِ منهم السُّدسُ ذَكرًا كانَ أو أُنثَى، فإنْ كانَا اثنَينِ فلكلِّ واحدٍ منهما السُّدسُ، فإنْ كانَوا أَكثرَ مِنْ ذلك فهم

стр. 15163

شُركاءُ في الثُّلثِ يَقتسِمونَه بينَهم؛ قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] فكانَ الذَّكرُ والأُنثَى في هذا بمَنزِلةٍ واحِدةٍ. تَفسيرُ الكَلالةِ: المَقصودُ بالكَلالةِ أنَّ الإِنسانَ يَموتُ ليسَ له وَلدٌ ولا وَالدٌ (١). لكنَّ العُلماءَ اختَلفوا هل هو اسمٌ للمَيتِ أو للوَرثةِ؟ فقالَ قَومٌ: الكَلالةُ اسمُ المَيتِ إذا لَم يَكنْ له وَلدٌ ولا وَالدٌ؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى قالَ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ [النساء: ١٢] فجعَلَ ذلك صِفةً للمَوروثِ ولو كانَت صِفةً للوارثِ لقالَ: (وإنْ كانَ رَجلٌ يَرثُه كَلالةً)، ولأنَّه يُقالُ عَقيمٌ لمن لا وَلدَ له، ويَتيمٌ لمَن لا والدَ له، وكَلالةٌ لمَن لا وَلدَ له ولا والدٌ. وقالَ آخَرونَ: الكَلالةُ اسمُ للوَرثةِ إذا لَم يَكنْ فيهم وَلدٌ ولا والدٌ. وقالَ آخَرونَ: الكَلالةُ مِنْ الأَسماءِ المُشتَركةِ تَنطلِقُ على المَيتِ إذا لَم يَتركْ وَلدًا ولا والِدًا، وعلى الوَرثةِ إذا لَم يَكنْ فيهم وَلدٌ ولا والدٌ، لاحتِمالِ الأَمرَينِ. قالُوا: فالكَلالةُ التي في قولِه تَعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ [النساء: ١٢] اسمٌ للمَيتِ، والتي في قولِه تَعالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ

стр. 15164

يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦] اسمٌ للوَرثةِ (١). وذكَرَ اللهُ تَعالَى الكَلالةَ في مَوضعَينِ من كِتابه: أحدُهما: في أَولِ سُورةِ النِّساءِ، وهو قولُه تَعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، لَم يَختَلفِ العُلماءُ في قولِه تَعالَى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أنَّهم الإِخوةُ للأمٍّ، فهذه الكَلالةُ التي يَرثُ فيها الإِخوةُ للأمِّ حينَ لا يَكونَ وَلدٌ ولا والدٌ، وَيسَتونَ كلُّهم في الفَريضَةِ؛ لأنَّهم كلُّهم إِخوةُ المُتوفَّى لأمِّه. وقد كانَ سَعدُ بنُ أَبي وَقاصٍ ﵁ يَقرأُ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]، وهذا يَجوزُ أنْ يَكونَ قالَه تَفسيرًا، ويَحتمِلُ أنْ يَكونَ تِلاوةً، وقد أجمَعوا على أنَّهم الإِخوةُ والأَخواتُ مِنْ الأمِّ؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى قالَ: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. والمَوضعُ الثانِي: في آخرِ سُورةِ النِّساءِ قولُه تَعالَى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ

стр. 15165

عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦] فذكَرَ مِيراثَ الإِخوةِ والأَخواتِ عندَ عَدمِ الوَلدِ وسمَّاهم كَلالةً، وعَدمُ الوالدِ مَشروطٌ فيها وإنْ لَم يَكنْ مَذكورًا لقولِه تَعالَى في أَولِ السُّورةِ، وورِثَه أَبواهُ فلأمِّه الثُّلثُ، فإنْ كانَ له إِخوةٌ فلأمِّه السُّدسُ، فلَم يَجعلْ للإِخوةِ مِيراثًا معَ الأبِ فخرَجَ الوالدُ مِنْ الكَلالةِ كما خرَجَ الوَلدُ؛ لأنَّه لَم يُورثُهم معَ الأبِ كما لَم يُورثُهم معَ الابنِ والبِنتِ أيضًا ليسَت بكَلالةٍ فإنْ ترَكَ ابَنةً أو ابنَتينِ وإِخوةً وأَخواتٍ لأبٍ وأمٍّ أو لأبٍ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ اسمَ الكَلالةِ يَقعُ على الإِخوةِ. وأَجمَعوا أنَّ مُرادَ اللهِ في الآية التي في أَولِ سُورةِ النِّساءِ: الإِخوةُ مِنْ الأمِّ، وبالتي في آخرِها مِنْ الأبِ والأمِّ. وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ مِنْ الأمِّ لا يَرثونَ معَ وَلدِ الصُّلبِ ذَكرًا كانَ أو أُنثَى. وأَجمَعوا على أنَّ الإِخوةَ مِنْ الأمِّ لا يَرثونَ معَ الأبِ ولا معَ جدِّ أَبي أبٍ وإنْ بعُدَ. فإذا لَم يَتركِ المُتوفَّى أَحدًا ممَّن ذكَرْنا أنَّهم يَحجُبونَ الإِخوةَ مِنْ الأمِّ. فإنْ ترَكَ أخًا أو أُختًا لأمٍّ فله أو لهَا السُّدسُ فَريضةً، فإنْ ترَكَ أخًا وأَختًا مِنْ أمِّه فالثُّلثُ بينَهما سَواءٌ لا فَضلَ للذَّكرِ منهما على الأُنثَى (١).

стр. 15166

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: مِيراثُ الإِخوةِ للأمِّ وأَجمعَ العُلماءُ على أنَّ الإِخوةَ للأمِّ إذا انفَردَ الواحدُ منهم أنَّ له السُّدسَ ذَكرًا كانَ أو أُنثَى وأنَّهم إنْ كانُوا أَكثرَ مِنْ واحدٍ فهم شُركاءُ في الثُّلثِ على السَّويةِ، للذَّكرِ منهم مثلُ حظِّ الأُنثَى سَواءٌ. وأَجمَعوا على أنَّهم لا يَرثونَ معَ أَربعةٍ وهم الأبُ والجدُّ أو الأبُ وإنْ عَلا والبَنونَ ذُكرانُهم وإِناثُهم، وبَنو البَنينَ وإنْ سفَلوا ذُكرانُهم وإِناثُهم، وهذا كلُّه لقولِه تَعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٢] الآية، وذلك أنَّ الإِجماعَ انعَقدَ على أنَّ المَقصودَ بهذه الآيةِ هم الإِخوةُ للأمِّ فقَط وقد قُرئَ: (وله أخٌ أو أُختٌ مِنْ أمِّه). وكذلك أَجمَعوا فيما أَحسَبُ ههنا على أنَّ الكَلالةَ هي فَقدُ الأَصنافِ الأَربعةِ التي ذكَرْنا مِنْ النَّسبِ أَعنِي الآباءَ والأَجدادَ والبَنينَ وبَني البَنينَ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسأَلةٌ: قالَ: ولا يَرثُ أخٌ ولا أُختٌ لأمٍّ معَ وَلدٍ ذَكرًا كانَ الوَلدُ أو أُنثَى، ولا معَ أبٍ ولا معَ جدٍّ. وجُملةُ ذلك أنَّ وَلدَ الأمِّ ذَكرَهم وأُنثاهُم يَسقُطونَ بأَربعةٍ: بالوَلدِ، ووَلدِ الابنِ، والأبِ، والجدِّ أبِ الأبِ وإنْ عَلا، أَجمعَ على هذا أَهلُ العِلمِ؛ فلا نَعلمُ أحدًا منهم خالَفَ هذا إلا رِوايةً شذَّت عن ابنِ عَباسٍ في أَبوَينِ وأَخوَينِ لأمٍّ للأمِّ الثُّلثُ وللأَخوَينِ الثُّلثُ، وقِيلَ عنه: لهُما ثُلثُ الباقِي، وهذا بَعيدٌ جدًّا، قالَ ابنُ عَباسٍ: يَسقُطُ الإِخوةُ كلُّهم بالجدِّ، فكيف يَرثُ

стр. 15167

ولدُ الأمِّ معَ الأبِ؟ ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ وَلدَ الأمِّ يَسقُطُ بالجدِّ، فكيف يَرثُ معَ الأبِ؟ والأصلُ في هذه الجُملةِ قولُ اللهِ تَعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، والمُرادُ بهذه الآيةِ الأخُ والأُختُ مِنْ الأمِّ بإِجماعِ أهلِ العِلمِ، وفي قِراءةِ سَعدِ بنِ أَبي وَقاصٍ: (وله أخٌ أو أُختٌ مِنْ أمٍّ)، والكَلالةُ في قولِ الجُمهورِ مَنْ ليسَ له وَلدٌ ولا والدٌ فشرَطَ في تَوريثِهم عَدمَ الوَلدِ والوالدِ، والوَلدُ يَشملُ الذَّكرَ والأُنثَى، والوالدُ يَشملُ الأبَ والجدَّ (١). مِيراثُ الغَرقَى والهَدمَى والحَرقَى والقَتلَى: إذا غرِقَ جَماعةٌ أو سقَطَ عليهم حائطٌ أو أُحرِقوا أو قُتِلوا في مَعركةٍ ونحوَ ذلك فهذا لا يَخلوا حالُهم مِنْ أَربعةِ حَالاتٍ: الحالةُ الأُولى: إمَّا أنْ يُعلمَ أنَّ أحدَهم ماتَ قبلَ صاحبِه بعَينِه: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه إذا غرِقَ جَماعةٌ أو سقَطَ عليهم حائطٌ أو أُحرِقوا أو قُتِلوا في مَعركةٍ ونحوَ ذلك وعُلمَ أنَّ أحدَهم ماتَ قبلَ الآخرِ فإنَّه يَرثُه أيْ يَرثُ المُتأخِّرُ مَوتًا الذي ماتَ قبلَه ولا إِشكالَ فيه بينَ الفُقهاءِ بلْ هو محلُّ إِجماعٍ، ولا يَرثُ المُتقدِّمُ مَوتًا مِنْ المُتأخِّرِ بالإِجماعِ، حَكاهُ الماوَرديُّ وغيرُه.

стр. 15168

الحالةُ الثانِيةُ: أنْ يُعلَمَ أنَّهما ماتَا معًا في حالةٍ واحِدةٍ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه إذا غرِقَ جَماعةٌ أو سقَطَ عليهم حائطٌ أو أُحرِقوا أو قُتلوا في مَعركةٍ ونحوَ ذلك وعُلمَ أنَّهما ماتَا معًا في لَحظةٍ واحِدةٍ أو حالةٍ واحدةٍ فإنَّه لا يَرثُ أحدُهما الآخَرَ، وإنَّما يَكونُ مِيراثُ كلِّ واحدٍ منهما لوَرثةِ الأَحياءِ؛ لأنَّه لم يَكنْ حيًّا حينَ مَوتِ الآخرِ، وشَرطُ الإِرثِ حَياةُ الوارثِ بعدَ مَوتِ المُورِّثِ، وهذا محلُّ إِجماعٍ مِنْ العُلماءِ أيضًا حَكاهُ الماوَرديُّ وغيرُه. الحالةُ الثالِثةُ: أنْ لا يُدرَى هل ماتَا معًا أو ماتَ أَحدُهما قبلَ الآخرِ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو غرِقَ جَماعةٌ أو سقَطَ عليهم حائطٌ أو قُتِلوا في مَعركةٍ ولم يُعلَمْ من ماتَ منهم أولًا، هل يَرثُ كلُّ واحدٍ صاحبَه مِنْ تِلادِ مالِه -أي: أصلِ مالِه- أمْ لا يَتوارَثونَ مِنْ بعضٍ ويَكونُ مالُ كلِّ واحدٍ منهم للأَحياءِ مِنْ وَرثتِه ولا يَرثُ بعضُهم مِنْ بعضٍ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ الغَرقَى والهَدمَى إذا لَم يُعلَمْ أيُّهم ماتَ أولًا، فمالُ كلِّ واحدٍ للأَحياءِ مِنْ وَرثتِه، وهكذا الحُكمُ في كُلِّ جَماعةٍ ماتُوا ولا يُدرَى أيُّهم ماتَ أولًا كالقَتلَى والحَرقَى ونحوِهم، وهو قولُ عامَّةِ الصَّحابةِ والعُلماءِ. مِثالُه: أَخوانِ غرِقا ولكلِّ واحدٍ تِسعونَ دِينارًا وخلَّفَ بِنتًا وأمًّا وعمًّا، فتُقسَمُ تَركةُ كلِّ واحدٍ بينَ الأَحياءِ مِنْ وَرثتِه -البِنتِ والأمِّ والعمِّ- على سِتةٍ، ولا يَرثُ أحدُهما مِنْ الآخرِ؛ لأنَّه احتَملَ مَوتُهما معًا، واحتَملَ تَقدُّمُ

стр. 15169

أَحدِهما، واحتَملَ تَأخُّرُه، فوقَعَ الشكُّ في استِحقاقِه المِيراثَ، واستِحقاقُ الأَحياءِ مُتيقَّنٌ فلا يُعارضُه الشكُّ، ولأنَّ أَحدَهما إنْ جُعلَ حيًّا حتى ورِثَ مِنْ الآخرِ كيف يُجعَلُ ميتًا حتى يَرثُه الآخرُ؟ ومِثالُه أيضًا: لو ماتَ رَجلٌ وزَوجتُه وثَلاثُ بَنينَ له منها تحتَ هَدمٍ وجُهلَ مَوتُ السابقِ منهم وترَكَ الأبُ زَوجةً أُخرَى وترَكَت الزَّوجةُ ابنًا لها من غيرِ زَوجِها الميتِ فللزَّوجةِ الرُّبعُ، وما بقِيَ للعاصِبِ، ومالُ الزَّوجةِ لابنِها الحيِّ، وسُدسُ مالِ البَنينَ لأخِيهم لأمِّهم وباقِيه للعاصِبِ. والدَّليلُ عليه أيضًا ما رَوى سَعيدٌ: حدثَّنا إِسماعيلُ بنُ عَياشٍ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ «أنَّ قَتلَى اليَمامةِ وقَتلَى صِفينَ والحَرةِ لَم يُورِّثوا بعضَهم مِنْ بعضٍ وورَّثوا عَصبتَهم الأَحياءَ». وقالَ: حدَّثَنا عبدُ العَزيزِ بنُ مُحمدٍ عن جَعفرِ بنِ مُحمدٍ عن أبِيه أنَّ أمَّ كُلثومٍ بنتَ عليٍّ تُوفِّيت هي وابنُها زَيدُ بنُ عَمرَ، فالتَقَت الصِّيحَتانِ في الطَّريقِ فلَم يُدرَ أيُّهما ماتَ قبلَ صاحبِه، فلَم تَرثْه ولَم يَرثْها، وأنَّ أهلَ صِفينَ وأهلَ الحَرةِ لَم يُتوارَثوا؛ ولأنَّ شَرطَ التَّوريثِ حَياةُ الوارثِ بعدَ مَوتِ المَوروثِ وهو غيرُ مَعلومٍ، ولا يَثبتُ التَّوريثُ معَ الشكِّ في شَرطِه، ولأنَّه لَم تُعلَمْ حَياتُه حينَ مَوتِ مَوروثِه فلَم يَرثْه كالحَملِ إذا وضعَتْه مَيتاً؛ ولأنَّ الأصلَ عدمُ التَّوريثِ فلا نُثبِتُه بالشكِّ، ولأنَّ تَوريثَ كلِّ واحدٍ منهما خَطأٌ يَقينًا؛ لأنَّه لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ مُوتُهما معًا أو سبَقَ أَحدُهما به، وتَوريثُ السابقِ بالمَوتِ والمَيتِ معَه خَطأٌ يَقينًا مُخالِفٌ للإِجماعِ فكيف يُعمَلُ به؟

стр. 15170

قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: اتَّفقَ أَبو بكرٍ الصِّديقُ وعُمرُ بنُ الخَطابِ وزَيدُ بنُ ثابتٍ ﵃ في الغَرقَى والحَرقَى إذا لَم يُعلَمْ أيُّهم ماتَ أولًا أنَّه لا يَرثُ بعضُهم من بعضٍ، وإنَّما يُجعلُ مِيراثُ كلِّ واحدٍ منهم لوَرثتِه الأَحياءِ به قَضى زَيدٌ في قَتلَى اليَمامةِ حينَ بعَثَه أَبو بكرٍ لقِسمَةِ مِيراثِهم، وبه قَضى زَيدٌ في الذين هلَكوا في طاعونِ عِمْواسَ حينَ بعَثَه عُمرُ ﵁ لقِسمةِ مِيراثِهم، وبه قَضي زَيدٌ في قَتلَى الحَرةِ، وهكذا نُقلَ عن عليٍّ ﵁ أنَّه قَضى به في قَتلَى الجَملِ وصِفينَ، وهو قولُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ، وبه أخَذَ جُمهورُ الفُقهاءِ. وقد رُويَ عن عليٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ في رِوايةٍ أُخرَى أنَّ بعضَهم يَرثُ مِنْ بعضٍ إلا فيما ورِثَ كلُّ واحدٍ منهم مِنْ صاحبِه ولَم يَأخذْ بهذه الرِّوايةِ أحدٌ مِنْ الفُقهاءِ. وَجهُ هذه الرِّوايةِ أنَّ سَببَ استِحقاقِ كلِّ واحدٍ منهم مِيراثَ صاحبِه مَعلومٌ وسَببُ الحِرمانِ مَشكوكٌ فيه؛ لأنَّ سَببَ الاستِحقاقِ حياتُه بعدَ مَوتِ صاحبِه وقد عرَفْنا حياتَه بيَقينٍ فيَجبُ التَّمسكُ به حتى يأتِيَ بيَقينٍ آخرَ، وسَببُ الحِرمانِ مَوتُه قبلَ مَوتِه، وذلك مَشكوكٌ فيه فلا يَثبُتُ الحِرمانُ بالشكِّ إلا فيما ورِثَ كلُّ واحد منهما من صاحبِه لأجلِ الضَّرورةِ؛ لأنَّا حينَ أَعطَينا أحدَهما مِيراثَ صاحبِه فقد حكَمْنا بحياتِه فيما ورِثَ مِنْ صاحبِه ومِن ضَرورتِه الحُكمُ بمَوتِ صاحبِه قبلَه ولكنَّ الثابتَ بالضَّرورةِ لا يَعدو مَوضعَ الضَّرورةِ، وإنَّما تَحقَّقت هذه الضَّرورةُ فيما ورِثَ كلُّ واحدٍ منهما مِنْ صاحبِه، ففيما سِوى

стр. 15171

ذلك يُتمَسكُّ بالأصلِ؛ فإنَّ هذا أصلٌ كَثيرٌ في الفِقهِ، أنَّ اليَقينَ لا يُزالُ بالشكِّ؛ كمَن تَيقَّنَ الطَّهارةَ وشكَّ في الحَدثِ أو عَكسِ ذلك. فأما وَجهُ القولِ الآخرِ أنَّ سَببَ استِحقاقِ كلِّ واحدٍ منهما مِيراثَ صاحبِه غيرُ مَعلومٍ يَقينًا، والاستِحقاقُ يَنبَني على السَّببِ، فما لَم يَتيَقنِ السَّببَ لا يَثبُتُ الاستِحقاقُ؛ لأنَّ في الفِقهِ أَصلٌ كَثيرٌ، أنَّ الاستِحقاقَ بالشكِّ لا يَثبُتُ، وبيانُه أنَّ سَببَ الاستِحقاقِ بَقاؤُه حيًّا بعدَ مَوتِ مُورِّثِه، ولا يُعلمُ هذا يَقينًا وإنَّما نَعرفُه بطَريقِ الظاهرِ واستِصحابِ الحالِ؛ لأنَّ ما عُرفَ ثُبوتُه فالظاهرُ بَقاؤُه، ولكنَّ هذا البَقاءَ لانعِدامِ دَليلِ المُزيلِ لا لوُجودِ المُبقِي؛ فإنَّما يُعتبَرُ في بَقاءِ ما كانَ على ما كانَ لا في استِحقاقِ ما لَم يَكنْ، كحَياةِ المَفقودِ يُجعَلُ ثابتًا في نَفيِ التَّوريثِ عنه، ولا يُجعلُ ثابتًا في استِحقاقِ المِيراثِ عن مُورِّثِه، وبهذا الطَّريقِ لا يَرثُ كلُّ واحدٍ منهما من صاحبِه ما يَرثُه عنه فكذلك سائرُ الأَموالِ، وهذا لأنَّ الإِرثَ يَثبُتُ بِسببٍ لا يَحتَملُ التَّحرِّي، فإذا تَعذَّرَ إِثباتُه في البعضِ يَتعذَّرُ إِثباتُه في الكلِّ، ولا وَجهَ لاعتِبارِ الأَحوالِ هنا؛ لأنَّ ذلك إنَّما يَكونُ عندَ التَّيقنِ بسَببِ الاستِحقاقِ وسَببِ الحِرمانِ والتَّرددِ فيما بينَ الأَشخاصِ كطَلاقِ المُتهَّمِ في إِحدَى نِسائِه إذا لَم يَدخُلْ بهنَّ؛ فإنَّ سَببَ الإِرثِ لبعضِهنَّ مَعلومٌ وهو النِّكاحُ، وسَببَ الحِرمانِ لبعضِهنَّ مَعلومٌ وهو عَدمُ النِّكاحِ، فتُعتبَرُ الأَحوالُ للتَّرددِّ بينَهنَّ بعدَ التَّيقنِ بأصلِ السَّببِ ولا تَيقُّنَ هنا بسَببِ الاستِحقاقِ، فلا مَعنى لاعتِبارِ الأَحوالِ، يُوضِّحُه أن المَقضيَّ له والمَقضيَّ عليه هنا مَجهولٌ، واعتِبارُ الأَحوالِ إنَّما

стр. 15172

يَكونُ إذا كانَت الجَهالةُ في إِحدَى الجانِبينِ، أمَّا في جانِبِ المَقضيِّ له أو في جانِبِ المَقضيِّ عليه، فأمَّا عندَ وُقوعِ الجَهالةِ فيهما لا يَجوزُ القَضاءُ أصلًا ثم يُجعلُ كأنَّهما ماتا جَميعًا؛ لأنَّ إِسنادَ مَوتِ كلِّ واحدٍ منهما إلى الوَقتِ الذي يُمكنُ إِضافةُ مَوتِ الآخرِ إليه، ولا وَجهَ لإِثباتِ تاريخٍ بينَ المُورِّثينَ من غيرِ دَليلٍ، وكذلك إذا عُلمَ أنَّ أَحدَهما ماتَ أولًا ولا يُدرَى أيُّهما لتَحقُّقِ التَّعارُضِ بينَهما فيُجعَلُ كأنَّهما ماتا معًا (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا ماتَ مُتوارِثانِ بغَرقٍ أو هَدمٍ بأنِ انهَدمَ عليهما بَيتٌ ونحوُه أو غيرُ ذلك كطاعونٍ وجُهلَ أولُهما مَوتًا أو عُلمَ أولُهما مَوتًا ثم نُسيَ أو جهِلُوا عينَه بأنْ عُلمَ السَّبقُ وجُهلَ السابقُ، أو جُهلَ الحالُ ولَم يَختلِفوا في السابقِ بأنْ لَم يَدَّعِ وَرثةُ كلٍّ سَبقَ مَوتِ الآخَرِ، ورِثَ كلُّ واحدٍ مِنْ المَوتى صاحبَه، هذا قولُ عُمرَ وعليٍّ، قالَ الشَّعبيُّ: وقَعَ الطاعونُ بالشامِ عامَ عِمْواسَ فجعَلَ أَهلُ البَيتِ يَموتونَ عن آخرِهم، فكُتبَ في ذلك إلى عُمرَ، فأمَرَ عُمرُ: أنْ ورِّثوا بعضَهم مِنْ بعضٍ. قالَ أَحمدُ: أَذهبُ إلى قولِ عُمرَ.

стр. 15173

ورُويَ عن إِياسٍ المُزنِيِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن قومٍ وقَعَ عليهم بَيتٌ؟ فقالَ: «يَرثُ بعضُهم بعضًا». فيَرثُ كلُّ واحدٍ مِنْ تِلادِ مالِه -والتِّلادُ بكَسرِ التاءِ: القَديمُ ضدُّ الطارِئِ وهو الحادثُ- أيِ الذي ماتَ وهو يَملِكُه دونَ ما ورِثَه مِنْ المَيتِ معَه؛ لئلَّا يَدخُلَه الدَّورُ فيُقدَّرُ أحدُهما ماتَ أولًا، فيُورَّثُ الآخرُ منه، ثم يُقسَمُ ما ورِثَه منه على الأَحياءِ من وَرثتِه، ثم يُصنَعُ بالثانِي كذلك، فإذا غرِقَ أَخوانِ ولَم يُعلَمِ الحالُ أَحدُهما مَولَى زَيدٍ، والآخرُ مَولَى عَمرٍو، صارَ مالُ كلِّ واحدٍ منهما لمَولَى الآخَرِ. وإن جُهلَ السابقُ منهما واختَلفَ وَرثتُهما فيه بأنِ ادَّعى كلٌّ تَأخُّرَ مَوتِ مُورِّثِه ولا بَينةَ لأَحدِهما أو كانَت لهما بَينَتانِ وتَعارضَت البَينَتانِ تَحالَفا، أي حلَفَ كلٌّ منهما على ما أنكَرَ مِنْ دَعوَى صاحبِه؛ لعُمومِ حَديثِ «البَينةُ على المُدعِي واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» ولَم يَتوارَثا؛ لعَدمِ وُجودِ شَرطِه، وهو تَحقُّقُ حَياةِ الوارثِ بعدَ مَوتِ المُورِّثِ، وإنَّما خُولفَ فيما سبَقَ لِما تقَدمَ. كما إذا ماتَت امرَأةٌ وابنُها فقالَ زَوجُها: ماتَت فورِثْناها، ثم ماتَ ابنِي فورِثْتُه وقالَ أَخوها: بل ماتَ ابنُها فورِثَتْه أي ورِثَتْ منه ثم ماتَتْ بعدَه فورِثْنَاها أي ورِثَها أَخوها المُدعِي وزَوجُها، حلَفَ كلُّ واحدٍ منهما على إِبطالِ دَعوَى صاحبِه؛ لأنَّه يُنكِرُها، وكانَ مِيراثُ الابنِ لأبِيه عَملًا باليَقينِ، وكانَ مِيراثُ المَرأةِ لأخِيها وزَوجِها نِصفَينِ، للزَّوجِ نِصفُه فَرضًا، والباقِي لأخِيها تَعصيبًا وإنْ لَم يَقعْ تَداعٍ.

стр. 15174

ولو عيَّنَ الوَرثةُ مَوتَ أَحدِهما بأنْ قالوا: ماتَ فُلانٌ يومَ كذا مِنْ شَهرِ كذا عندَ الزَّوالِ وشَكُّوا: هل ماتَ الآخرُ قبلَه أو بعدَه؟ ورِثَ مَنْ شُكَّ في مَوتِه مِنْ المَيتِ الآخرِ الذي عيَّنوا مَوتَه؛ لأنَّ الأَصلَ بَقاءُ حَياتِه (١). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا غرِقَ المُتوارِثانِ أو ماتا تحتَ هَدمٍ فجُهلَ أولُهما مَوتًا ورِثَ بعضُهم مِنْ بعضٍ. وجُملةُ ذلك: أنَّ المُتوارِثينِ إذا ماتا فجُهلَ أولُهما مَوتًا، فإنَّ أحمدَ قالَ: أَذهبُ إلى قولِ عُمرَ وعليٍّ وشُريحٍ وإِبراهيمَ والشَّعبي، يَرثُ بعضُهم مِنْ بعضٍ، يَعني مِنْ تِلادِ مالِه دونَ طارِفِه وهو ما ورِثَه مِنْ مَيتٍ معَه. وهذا قولُ مَنْ ذكَرَه الإمامُ أحمدُ وهو قولُ إِياسِ بنِ عبدِ اللهِ المُزنِيِّ وعَطاءٍ والحَسنِ وحُميدٍ الأَعرجِ وعبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ وابنِ أَبي لَيلَى والحَسنِ ابنِ صالحٍ وشُريكٍ ويَحيَى بنِ آدمَ وإِسحاقَ، وحُكيَ ذلك عن ابنِ مَسعودٍ. قالَ الشَّعبيُّ: وقَعَ الطاعونُ بالشامِ عامَ عِمْواسَ فجعَلَ أهلُ البَيتِ يَموتونَ مِنْ آخرِهم فكُتبَ في ذلك إلى عُمرَ، فكتَبَ عُمرَ: «أنْ ورِّثوا بعضَهم مِنْ بعضٍ» (٢).

стр. 15175

ورُويَ عن أَبي بكرٍ الصِّديقِ وزَيدٍ وابنِ عَباسٍ ومُعاذٍ والحَسنِ بنِ عليٍّ أنَّهم لَم يُورِّثوا بعضَهم مِنْ بعضٍ، وجعَلوا ما لكُلِّ واحدٍ للأَحياءِ مِنْ وَرثتِه، وبه قالَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ وأَبو الزِّنادِ والزُّهريُّ والأَوزاعيُّ ومالكٌ والشافِعيُّ وأَبو حَنيفةَ وأَصحابُه، ويُروَى ذلك عن عُمرَ والحَسنِ البَصريِ وراشدِ بنِ سَعدٍ وحَكيمِ بنِ عُميرٍ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ. ورُويَ عن أحمدَ ما يَدلُّ عليه؛ فإنَّه قالَ في امرَأةٍ وابنِها ماتا فقالَ زَوجُها: ماتَت فورِثْناها ثم ماتَ ابْني فورِثْتُه، وقالَ أَخوها: ماتَ ابنُها فورِثَتْه ثم ماتَت فورِثْناها: حلَفَ كلُّ واحدٍ منهما على إِبطالِ دَعوَى صاحبِه، وكانَ مِيراثُ الابنِ لأبِيه ومِيراثُ المَرأةِ لأخِيها وزَوجِها نِصفَينِ. فجُعلَ مِيراثُ كلِّ واحدٍ منهما للأَحياءِ مِنْ وَرثتِه، فيَحتَملُ أنْ يُجعلَ هذا رِوايةً عن أحمدَ في جَميعِ مَسائلِ البابِ، ويَحتَملُ أنْ يَكونَ هذا قولَه فيما إذا ادَّعى وارثُ كلِّ مَيتٍ أنَّ مَوروثَه كانَ آخرَهما مَوتًا، ويَرثُ كلُّ واحدٍ منهما مِنْ الآخرِ إذا اتَّفقَ وَراثُهم على الجَهلِ بكَيفيةِ مَوتِهم؛ لأنَّ معَ التَّداعِي تَتوجهُ اليَّمينُ فيَحلِفُ على المُدعَّى عليه، فيَحلِفُ على إِبطالِ دَعوَى صاحبِه ويَتوفَّرُ المِيراثُ له كما في سائرِ الحُقوقِ، بخِلافِ ما إذا اتَّفَقوا على الجَهلِ، فلا تَتوجهُ يَمينٌ؛ لأنَّ اليَمينَ لا يُشرَعُ في مَوضعٍ اتَّفَقوا على الجَهلِ به. واحتَجَّ مَنْ قالَ بعَدمِ تَوريثِ بعضِهم مِنْ بعضٍ بما رَوى سَعيدٌ: حدَّثَنا إِسماعيلُ بنُ عَياشٍ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ «أنَّ قَتلَى اليَمامةِ وقَتلَى صِفينَ والحَرةِ لَم يُورِّثوا بعضَهم مِنْ بعضٍ وورَّثوا عَصبتَهم الأَحياءَ».

стр. 15176

وقالَ: حدَّثَنا عبدُ العَزيزِ بنُ مُحمدٍ عن جَعفرِ بنِ مُحمدٍ عن أبِيه أنَّ أمَّ كُلثومٍ بنتَ عليٍّ تُوفِّيت هي وابنُها زَيدُ بنُ عُمرَ فالتَقَت الصَّيحَتانِ في الطَّريقِ فلَم يُدرَ أيُّهما ماتَ قبلَ صاحبِه فلَمْ تَرثْه ولَم يَرثْها»، وأنَّ أهلَ صِفينَ وأهلَ الحَرةِ لَم يَتوارَثوا، ولأنَّ شَرطَ التَّوريثِ حَياةُ الوارثِ بعدَ مَوتِ المَوروثِ وهو غيرُ مَعلومٍ، ولا يَثبتُ التَّوريثُ معَ الشكِّ في شَرطِه، ولأنَّه لَم تُعلَمْ حياتُه حينَ مَوتِ مَوروثِه فلَم يَرثْه، كالحَملِ إذا وضعَتْه مَيتاً؛ ولأنَّ الأصلَ عَدمُ التَّوريثِ فلا نُثبِتُه بالشكِّ، ولأنَّ تَوريثَ كلِّ واحدٍ منهما خَطأٌ يَقيناً؛ لأنَّه لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ مَوتُهما معًا أو سبَقَ أحدُهما به، وتَوريثُ السابقِ بالمَوتِ والمَيتِ معَه خَطأٌ يَقينًا مُخالِفٌ للإِجماعِ، فكيف يُعملُ به؟ فإنْ قيلَ: ففي قَطعِ التَّوريثِ قَطعُ تَوريثِ المَسبوقِ بالمَوتِ وهو خَطأٌ أيضًا، قُلنا: هذا غيرُ مَتيقَّنٍ؛ لأنَّه يَحتَملُ مَوتَهما جَميعًا، فلا يَكونُ فيهما مَسبوقٌ، وقد احتَجَّ بعضُ أَصحابِنا بما رَوى إِياسُ بنُ عبدِ اللهِ المُزنِيِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن قومٍ وقَعَ عليهم بَيتٌ فقالَ: «يَرثُ بعضُهم بعضًا» (١) والصَّحيحُ: أنَّ هذا إنَّما هو عن إِياسٍ نفسِه، وأنَّه هو المَسؤولُ وليسَ بروايةٍ عن النَّبيِّ ﷺ ، هكذا رَواه سَعيدٌ في سُننِه وحَكاهُ الإمامُ أحمدُ عنه.

стр. 15177

وقالَ أَبو ثَورٍ وشُريحٌ وطائِفةٌ مِنْ البَصرِيينَ: يُعطَى كلُّ وارثٍ اليَقينَ ويُوقفُ المَشكوكُ فيه حتى يَتبيَّنَ الأمرُ أو يَصطَلِحوا. وقالَ الخَبريُّ: هذا هو الحُكمُ فيما إذا عُلمَ مَوتُ أحدِهما قبلَ صاحبِه. ولَم يَذكُرْ فيه خِلافاً. ومِن مِسائلِ ذلك: أَخوانِ غرِقا أحدُهما مَولَى زَيدٍ والآخَرُ مَولَى عَمرٍو، مَنْ ورَّثَ كلَّ واحدٍ منهما مِنْ صاحبِه جعَلَ مِيراثَ كلِّ واحدٍ منهما لمَولَى أخِيه ومَن لَم يُورِّثْ أحدَهما مِنْ صاحبِه جعَلَ مِيراثَ كلِّ واحدٍ منهما لمَولَاه. ومَن قالَ بالوَقفِ وقَفَ مالَهما، فإنِ ادَّعى كلُّ واحدٍ مِنْ المَولَيينِ أنَّ مَولَاه آخرُهما مَوتًا، حلَفَ كلُّ واحدٍ منهما على إِبطالِ دَعوَى صاحبِه وأخَذَ مالَ مَولاهُ على مَسأَلةِ الخِرقيِّ. وإنْ كانَت لهما أُختٌ فلها الثُّلثانِ مِنْ مالِ كلِّ واحدٍ منهما على القولِ الأولِ، والنِّصفُ على القولِ الثانِي. وإنْ خلَّفَ كلُّ واحدٍ منهما بِنتًا وزَوجةً فمَن لَم يُورِّثْ بعضَهم مِنْ بعضٍ صحَّحَها مِنْ ثَمانيةٍ لامرَأتِه الثُّمنُ ولابنَتِه النِّصفُ والباقِي لمَولاهُ، ومَن ورَّثَهم جعَلَ الباقِي لأخِيه ثم قسَمَه بينَ وَرثةِ أخِيه على ثَمانيةٍ ثم ضرَبَها في الثَّمانيةِ الأُولَى فصَحَّت مِنْ أَربعةٍ لامرَأتِه ثَمانيةٌ، ولابنَتِه اثنانِ وثَلاثونَ، ولامرَأةِ أخِيه ثُمنُ الباقِي ثَلاثةٌ، ولابنَتِه اثنَا عَشرَ، ولمَولاهُ الباقِي تِسعةٌ.

стр. 15178

أخٌ وأُختٌ غرِقا ولهما أمٌّ وعمٌّ وزَوجانِ، فمَن ورَّثَ كلَّ واحدٍ مِنْ صاحبِه جعَلَ مِيراثَ الأخِ بينَ امرَأتِه وأمِّه وأُختِه على ثَلاثةَ عَشرَ، فما أَصابَ الأُختَ منها فهو بينَ زَوجِها وأمِّها وعمِّها على سِتةٍ، فصَحَّت المَسأَلتانِ مِنْ ثَلاثةَ عَشرَ، لامرَأةِ الأخِ ثَلاثةٌ، ولزَوجِ الأُختِ ثَلاثةٌ، وللأمِّ أربَعةٌ بمِيراثِها مِنْ الأخِ واثنَانِ بمِيراثِها مِنْ الأُختِ، وللعمِّ سَهمٌ، ومِيراثُ الأُختِ بينَ زَوجِها وأمِّها وأخِيها على سِتةٍ، لأخِيها سَهمٌ بينَ أمِّه وامرَأتِه، وعمِّه على اثنَي عَشرَ، تَضرِبُها في الأُولى تَكنْ مِنْ اثنَينِ وسَبعينَ، والضَّررُ في هذا القولِ على مَنْ يَرثُ مِنْ أحدِ المَيتَينِ دونَ الآخرِ، ويَنتفِعُ به مَنْ يَرثُ منهما. ثَلاثةُ إِخوةٍ مِنْ أَبوَينِ غرِقوا ولهم أمٌّ أو عَصبةٌ فقُدرَ مَوتُ أَحدِهم أولًا فلأمِّه السُّدسُ والباقِي لأَخوَيه فتَصحُّ مِنْ اثنَي عَشرَ، لكلِّ واحدٍ مِنْ أَخوَيه خَمسةٌ بينَ أمِّه وعَصبتِه على ثَلاثةٍ، فتَضرِبُها في الأُولَى تَكنْ سِتةً وثَلاثينَ، للأمِّ مِنْ مِيراثِ الأولِ السُّدسُ سِتةٌ، وممَّا ورِثَه كلُّ واحدٍ مِنْ الأَخوَينِ خَمسةٌ، فصارَ لها سِتةَ عَشرَ، والباقِي للعَصبةِ، ولها مِنْ مِيراثِ كلِّ واحدٍ مِنْ الأَبوَينِ مثلُ ذلك (١). الحالةُ الرَّابعةُ: أنْ يُعلَمَ أنَّ أَحدَهما ماتَ قبلَ صاحبِه، إلَّا أنَّا لا نَعرفُه بعَينِه: اختَلفَ الفُقهاءُ في هذه الحالةِ إذا ماتَ، فذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ -وهو قولُ المَالكيةِ كما سيَأتِي- إلى أنَّه إذا ماتَ أَحدُهما قبلَ الآخَرِ وأَشكَلَ

стр. 15179

السَّابقُ جُعِلوا كأنَّهم ماتُوا معًا فمالُ كلِّ واحِدٍ لوَرثَتِه الأَحياءِ، ولا يَرثُ بعضُ الأَمواتِ مِنْ بعضٍ. لكنْ حَكى المَوصِليُّ وصاحبُ الدرِّ أنَّه إنْ عُلمَ مَوتُ أحدُهما أولًا ولا يُدرَى أيُّهم هو أُعطِيَ كلُّ واحدٍ اليَقينَ ووُقفَ المَشكوكُ حتى يَتبيَّنَ أو يَصطَّلِحوا (١). جاءَ في «الدُّرّ المُختار»: فصلٌ في الغَرقَى والحَرقَى وغيرِهم وغيرُهم (لا تَوارُثَ بينَ الغَرقَى والحَرقَى إلا إذا عُلمَ تَرتيبُ المَوتَى) فيَرثُ المُتأخِّرُ فلو جُهلَ عَينُه أُعطيَ كلٌّ باليَقينِ ووُقفَ المَشكوكُ فيه حتى يَتبيَّنَ أو يَصطَلحوا «شَرح مَجمَعٍ»، قُلتُ: وأقَرَّه المُصنِّفُ لكنْ نقَلَ شَيخُنا عن ضَوءِ السِّراجِ مَعزيًّا لمُحمدٍ. قالُ ابنُ عابدِين ﵀: قولُه: (إلَّا إذا عُلمَ إلخ) اعلَمْ أنَّ أَحوالَهم خَمسةٌ على ما في سَكبِ الأَنهرِ وغيرِه. أحدُها: هذا وهو ما إذا عُلمَ سَبقُ مَوتِ أحدِهما ولَم يَلتَبسْ فيَرثُ الثانِي مِنْ الأولِ. ثانِيها: أنْ يُعرفَ التَّلاحقُ ولا يُعرفُ عَينُ السابقِ. ثالِثُها: أنْ يُعرفَ وُقوعُ المَوتَينِ معًا. رابِعُها: أنْ لا يُعرفَ شيءٌ؛ ففي هذه الثَّلاثةِ لا يَرثُ أحدُهما مِنْ الآخرِ شيئًا.

стр. 15180

خامِسُها: أنْ يُعرفَ مَوتُ أحدِهما أولًا بعَينِه ثم أُشكِلَ أمرُه بعدَ ذلك وسيَأتي الكَلامُ عليه. اه ومِثلُه في «الدُّرّ المُنتَقى». (قولُه: فلَو جهِلَ عَينَه) أي: بعدَ مَعرفةِ التَّرتيبِ، وهذا يَحتَملُ الحالةَ الثانِيةَ والخامِسةَ لكنَّ عِبارةَ شَرحِ المُجمعِ تُفيدُ الحالةَ الثانِيةَ فقَط. ونصُّها: فإنْ علِمَ أنَّ أحدَهما ماتَ أولًا وجهِلَ عينَه أُعطيَ كُلُّ واحدٍ اليَقينَ، ووقَفَ المَشكوكُ حتى يَتبَينَ أو يَصطَلِحوا. اه (قولُه: أُعطيَ كلُّ إلخ) أيْ: مِنْ وَرثتِهم، بقَرينةِ قولِه (أو يَصطَلِحوا) فلَو غرِقَ أَخوانِ لكلٍّ منهما بِنتٌ أخَذَت بِنتُ كلٍّ نِصفَ تَركةِ أبِيها حتى يَتبَينَ المُتأخِّرُ فتَأخذُ بِنتُه نِصفَ تَركةِ أبِيها الباقِي ونَصفَ تَركةِ عمِّها أو يَصطَلِحا على شيءٍ تأَمَّلْ. (قولُه: شُرحُ مَجمعٍ) أيْ: لمُصنِّفِه ومِثلِه في الاختِيارِ؛ حيثُ قالَ: وإنْ علِمَ مَوتَ أحدِهما أولًا ولا يَدرِي أيَّهما هو؛ أَعطَى كلَّ واحدٍ اليَقينَ ووُقفَ المَشكوكُ حتى يَتبَينَ أو يَصطَلِحوا. اه ومِثلُه في «شَرح السِّراجيَّةِ» لمُصنِّفِها، وتبِعَه بعضُ شُراحِها وعلَّله في «حاشِية عَجَم» زادَه بقولِه: لأنَّ التَّذكرَ غيرُ مَأيوسٍ منه (قولُه: لكنْ نقَلَ شَيخُنا إلخ) أيْ: في حاشِيتِه على المِنح، وقد استَدركَ أيضًا في «مِعراج الدِّرايةِ» على شَرحِ المَجمعِ بعِبارةِ ضَوءِ السِّراجِ الذي هو «شَرح السِّراجية» وقالَ العَلامةُ قاسمٌ في «شَرح فَرائضِ المَجمعِ»: إنَّ ما ذكَرَه صاحبُ المَجمعِ أخَذَه مِنْ «الاختِيار»، وهو قَولُ الشافِعيةِ ولا يُساعِدُه عندَنا رِوايةٌ ولا دِرايةٌ، قالَ في «المَبسوط»: وكذا

стр. 15181

إذا علِمَ أنَّ أحدَهما ماتَ أولًا، ولا يَدرِي أيَّهما هو؛ لتَحقُّقِ التَّعارُضِ بينَهما فيُجعَلُ كأنَّهما ماتا معًا، وقالَ في «المحيط»: فيُجعَلُ كأنَّهما ماتا معًا، وكذلك لو تقَدمَ مَوتُ أحدِهما إلا أنَّه لا يَدرِي المُتقدِّمَ مِنْ المُتأخِّرِ؛ لأنَّ سَببَ الإِرثِ ثابتٌ للمُتأخِّرِ منهما لكنَّ المُستحِقَّ مَجهولٌ فتَعذَّرَ الإِثباتُ لأحدِهما، وصارَ كما لو أَعتَقَ إِحدَى أَمتَيه بعَينِها ثم نسِيَها لا يَحلُّ له وَطؤُهما لجَهالةِ المَملوكةِ. وقالَ في الأَرفادِ: أو ماتَ أَحدُهما قبلَ الآخرِ وأَشكَلَ السابقُ جُعِلوا كأنَّهم ماتوا معًا، فمالُ كلِّ واحدٍ لوَرثتِه الأَحياءِ، ولا يَرثُ بعضُ الأَمواتِ من بعضٍ، هذا مَذهبُ أَبي حَنيفةَ. اه وذكَرَ ذلك أيضًا في «سَكب الأَنُهر» و «شَرح الكَنز» للمَقدِسيِّ، وقد لخَّصْت ذلك في «الرَّحيق المَختوم»، وذكَرْت فيه أنَّ المُتبادِرَ مِنْ هذه العِباراتِ كلِّها أنَّ محلَّ النِّزاعِ هو الحالةُ الثانِيةُ، وهي ما إذا علِمَ التَّلاحُقَ، وجهِلَ عَينَ السابقِ، وقد خصَّه في «سَكب الأَنُهر» بالخامِسةِ، وهي ما إذا علِمَ السابقَ بعَينِه ثم أَشكَلَ، ولعلَّه أخَذَه مِنْ قولِ العَلامةِ قاسِم إنَّه قولُ الشافِعيةِ؛ فإنَّ الشافِعيةَ ذكَروا ذلك في الخامِسةِ فقط كما في «شَرح التَّرتيب» للشَّنشورِيِّ لكنْ إذا جَرى النِّزاعُ في الثانِيةِ يَجرِي في الخامِسةِ بالأَولَى، تأَمَّلْ قولَه: (أنَّه لو ماتَ أَحدُهما) -أيْ: أَولًا- كما في حاشِيةِ شَيخِه (١).

стр. 15182

وقالَ المالِكيةُ: لا يَرثُ أحدُهما مِنْ الآخرِ، ويَكونُ مِيراثُ كلِّ واحدٍ منهما للأَحياءِ مِنْ وَرثتِه (١). وقالَ الشافِعيةُ: إذا عُلمَ أنَّه ماتَ قبلَ صاحبِه ثم طرَأَ الإِشكالُ بعدَ العِلمِ به فهذا يُوقفُ مِنْ تَركةِ كلِّ واحدٍ منهم مِيراثَ مَنْ كانَ معَه ويُقسَمُ ما سِواهُ بينَ الوَرثةِ، ويَكونُ المَوقوفُ مَوضوعًا حتى يَزولَ الشكُّ أو يَقعَ فيه الصُّلحُ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: إذا ماتَ مُتوارِثانِ بغَرقٍ أو هَدمٍ بأنِ انهَدمَ عليهما بَيتٌ ونحوُه أو غيرُ ذلك كطاعونٍ وجُهلَ أولُهما مَوتًا أو عُلمَ أولُهما مَوتًا ثم نُسيَ أو جهِلوا عينَه بأنَ عُلمَ السَّبقُ وجُهلَ السابقُ، أو جُهلَ الحالُ ولَم يَختلِفوا في السابقِ بأنْ لَم يَدَّعِ وَرثةُ كلٍّ سَبقَ مَوتِ الآخرِ ورِثَ كلُّ واحدٍ مِنْ المَوتَى صاحبَه، هذا قولُ عُمرَ وعليٍّ، قالَ الشَّعبيُّ: وقَعَ الطاعونُ بالشامِ عامَ عِمْواسَ فجعَلَ أَهلُ البَيتِ يَموتونَ عن آخرِهم، فكُتبَ في ذلك إلى عُمرَ، فأمَرَ عُمرُ: أنْ ورِّثوا بعضَهم من بعضٍ. قالَ أحمدُ: أَذهَبُ إلى قولِ عُمرَ.

стр. 15183

ورُويَ عن إِياسٍ المُزنِيِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن قومٍ وقَعَ عليهم بَيتٌ؟ فقالَ: «يَرثُ بعضُهم بعضًا». فيَرثُ كلُّ واحدٍ مِنْ تِلادِ ماله -والتِّلادُ بكَسرِ التاءِ: القَديمُ ضدُّ الطارئِ وهو الحادِثُ-، أي: الذي ماتَ وهو يَملِكُه دونَ ما ورِثَه مِنْ المَيتِ معَه؛ لئلَّا يَدخُلَه الدَّورُ فيُقدَّرُ أحدُهما ماتَ أولًا، فيُورَّثُ الآخرُ منه، ثم يُقسَمُ ما ورِثَه منه على الأَحياءِ مِنْ وَرثتِه، ثم يُصنَعُ بالثانِي كذلك، فإذا غرِقَ أَخوانِ ولَم يُعلَمِ الحالُ أحدُهما مَولَى زَيدٍ، والآخرُ مَولَى عَمرٍو، صارَ مالُ كلِّ واحدٍ منهما لمَولَى الآخرِ. وإن جُهلَ السابقُ منهما واختَلفَ وَرثتُهما فيه بأنِ ادَّعى كلٌّ تَأخُّرَ مَوتِ مورِّثِه ولا بَينةَ لأحدِهما أو كانَت لهما بَينَتانِ وتعارَضت البَينَتانِ، تَحالَفا -أيْ: حلَفَ كلٌّ منهما- على ما أَنْكَرَ مِنْ دَعوَى صاحبِه؛ لعُمومِ حَديثِ: «البَينةُ على المُدعِي واليَمينُ على مَنْ أَنْكَرَ» ولَم يَتوارَثا لعَدمِ وُجودِ شَرطِه، وهو تَحقُّقُ حَياةِ الوارثِ بعدَ مَوتِ المورِّثِ، وإنَّما خُولفَ فيما سبَقَ لِما تقَدمَ. كما إذا ماتَت امرَأةٌ وابنُها، فقالَ زَوجُها: ماتَت فورِثْناها، ثم ماتَ ابنِي فورِثْتُه وقالَ أَخوها: بلْ ماتَ ابنُها فورِثَتْه أي ورِثَتْ منه ثم ماتَت بعدَه فورِثْناها أي ورِثَها أَخوها المُدعِي وزَوجُها، حلَفَ كلُّ واحدٍ منهما على إِبطالِ دَعوَى صاحبِه؛ لأنَّه يُنكِرُها، وكانَ مِيراثُ الابنِ لأَبيه عملًا باليَقينِ، وكانَ مِيراثُ المَرأةِ لأَخيها وزَوجِها نِصفَينِ، للزَّوجِ نِصفُه فَرضًا، والباقِي لأَخيها تَعصيبًا، وإنْ لَم يَقعْ تَداعٍ.

стр. 15184

ولو عيَّنَ الوَرثةُ مَوتَ أحدِهما بأنْ قالوا: ماتَ فُلانٌ يومَ كذا من شِهرِ كذا عندَ الزَّوالِ وشَكُّوا: هل ماتَ الآخرُ قبلَه أو بعدَه؟ ورِثَ مَنْ شُكَّ في مَوتِه مِنْ المَيتِ الآخرِ الذي عيَّنوا مَوتَه؛ لأنَّ الأَصلَ بَقاءُ حَياتِه (١). مِيراثُ المَفقودِ والأَسيرِ: المَفقودُ له حَالاتانِ: الحالةُ الأُولَى: أنْ يَنقطِعَ خبَرُه في غَيبةٍ ظاهِرُها السَّلامةُ كالسَّفرِ للتِّجارةِ وغيرِها: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على أنَّ الإِنسانَ إذا فُقدَ وانقَطعَ خبَرُه لغَيبةٍ ظاهِرُها السَّلامةُ كسَفرِ التِّجارةِ والسِّياحةِ وطَلبِ العِلمِ ونحوِ ذلك أو وقَعَ أَسيرًا عندَ مَنْ لا يَقتُلُ الأَسيرَ، فإنَّه لا يُحكَمُ بمَوتِه، ويُنتَظرُ ولا يُوزَّعُ مِيراثُه في هذه الحالةِ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا في مُدةِ الانتِظارِ التي لا يُوزَّعُ المِيراثُ قبلَها. فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ وابنُ الماجِشونَ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّه يُنتَظرُ تَتمةَ تِسعينَ سنةً مِنْ يومِ وُلدَ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَعيشُ أكثرَ مِنْ هذا. وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُنتَظرُ به حتى تَمضِيَ عليه مُدةٌ يُعلَمُ

стр. 15185

قطعًا أنَّه لا يَجوزُ أن يَعيشَ بعدَها، فيُحكَمُ حينَئذٍ بمَوتِه، مِنْ غيرِ أنْ يَتقدَّرَ ذلك بزَمانٍ مَحصورٍ، وذلك مَردودٌ إلى اجتِهادِ الحاكمِ؛ لأنَّ الأصلَ حَياتُه. وفي رِوايةٍ عندَهم جَميعًا: يُوقَفُ تَمامَ مائةٍ وعِشرينَ سنةً معَ سَنةِ يومَ فُقدَ؛ لأنَّه أَكثَرُ ما يَبلُغُه أهلُ هذا الزَّمانِ مِنْ العُمرِ. ولكلِّ مَذهبٍ تَفصيلٌ في هذا، بَيانُه فيما يَلي: قالَ الحَنفيةُ: المَفقودُ مُتردِّدُ الحالِ بينَ الحَياةِ والمَوتِ كالجَنينِ في البَطنِ، ثم الأصلُ فيه أنَّ المَفقودَ يُجعَلُ حيًّا في مالِه مَيتًا في مالِ غيرِه حتى لا يُورَّثَ عنه مالُه ولا يُقسَمَ بينَ وَرثتِه ما لَم يُعلَمْ مَوتُه، ولا يُعطَى له مِيراثُ أَحدٍ مِنْ قَرابتِه إذا ماتَ قبلَ أنْ يَتبَينَ حالُه، ولكنْ يُوقَفُ نَصيبُ المَفقودِ كما يُوقَفُ نَصيبُ الحَملِ؛ لأنَّ حَياتَه كانَت مَعلومةً وما عُلمَ ثُبوتُه فالأصلُ بَقاؤُه إلا أنَّ الحُكمَ بحَياتِه باعتِبارِ استِصحابِ الحالِ فهو حُجةٌ في إِبقاءِ ما كانَ على ما كانَ، وليسَ بحُجةٍ في إِثباتِ ما لَم يَكنْ ثابتًا؛ لأنَّ ثُبوتَه لانعِدامِ الدَّليلِ المُزيلِ لا لوُجودِ الدَّليلِ المَنفيِّ فنَقولُ في مالِ نَفسِه: يُجعَلُ حيًّا لإِبقاءِ ما كانَ على ما كانَ، وفي مالِ غيرِه: لا تَثبُتُ حَياتُه؛ لأنَّ الحاجةَ إلى استِحقاقِ المِيراثِ لدَفعِ استِصحابِ الحالِ لا يَكفِي لذلك. ثم اختَلفَت الرِّواياتُ أنَّه متى يُحكَمُ بمَوتِه فعلى ظاهرِ الرِّوايةِ قالَ: إذا لَم يَبقَ أَحدٌ مِنْ أَقرانِه. وفي رِوايةِ الحَسنِ عن أَبي حَنيفةَ: إذا مَضى مِنْ مَولدِه مِائةٌ وعِشرونَ سنةً. وفي رِوايةٍ أُخرَى: مِائةُ سَنةٍ.

стр. 15186

ثم إذا وقَفَ نَصيبُه مِنْ مِيراثِ غيرِه فإنْ ظهَرَ حيًّا أخَذَ ذلك، وإنْ لَم يَظهَرْ حالُه حتى حُكمَ بمَوتِه لَم يَستحِقَّ شيئًا ممَّا وُقفَ له، بمَنزِلةِ الحَملِ إذا انفَصلَ حيًّا استَحقَّ المَيراثَ وإنِ انفَصلَ مَيتًا لَم يَستحِقَّ شيئًا، فإذا مضَت مُدةٌ يُعلَمُ أنَّه لا يَعيشُ إلى تلك المُدةِ فإنَّه يُحكَمُ بمَوتِه ويُقسَمُ مِيراثُه بيَن وَرثتِه، وإنَّما يُعتبَرُ مِنْ وَرثتِه مَنْ يَكونُ باقيًا في هذه الحالةِ، ولَا يَرثُه أحدٌ ممَّن ماتَ قبلَ هذا شيئًا؛ لأنَّه إنَّما يُحكَمُ بمَوتِه في هذه الحالةِ، وشُروطُ التَّوريثِ بَقاءُ الوارثِ حيًّا بعدَ مَوتِ المُورِّث؛ فلهذا لا يَرثُه إلا مَنْ كانَ باقيًا مِنْ وَرثتِه حينَ حُكمَ بمَوتِه (١). وقالَ المالِكيةُ: يُوقَفُ مالُ المَفقودِ الذي لَم يُعلَمْ له مَوضعٌ ولا حَياةٌ للحُكمِ مِنْ الحاكمِ بالفِعلِ بمَوتِه بعدَ زَمنِ التَّعميرِ، وهو الزَّمنُ الذي لا يَعيشُ إلى مِثلِه غالبًا، وهل هو سَبعونَ سنةً من يَومِ وِلادتِه أو خَمسٌ وسَبعونَ أو ثَمانونَ أو مِائةٌ وقِيل: مائةٌ وعِشرونَ؟ على اختِلافٍ، ويُقدَّرُ حينَئذٍ مَيتًا ولا بدَّ مِنْ حُكمِ الحاكمِ، ولا يَكفِي مُضيُّ مُدةِ التَّعميرِ مِنْ غيرِ حُكمٍ؛ للخِلافِ فيها، حتى إنَّ مَنْ ماتَ مِنْ وَرثةِ المَفقودِ بعدَ مُضيِّها وقبلَ الحُكمِ فلا شيءَ له مِنْ مالِ المَفقودِ ما لَم يَثبُتْ مَوتُه ببَينةٍ أو يَمضِي له مِنْ الزَّمانِ مائةٌ وعِشرونَ سَنةً مِنْ وَلادتِه وإلا وُرثَ مالُه ولا يُحتاجُ لحُكمِ حاكمٍ.

стр. 15187

وإنْ ماتَ مَنْ يَرثُ منه المَفقودُ قُدِّرَ المَفقودُ حيًّا بالنِّسبةِ لإِرثِ بَقيةِ الوَرثةِ فتُمنعُ الأُختُ مِنْ الإِرثِ وتُنقَصُ الأمُّ. قُدِّرَ أيضًا مَيتًا فلا تُمنَعُ الأُختُ وتُزادُ الأمُّ ويُنقَصُ الزَّوجُ للعَولِ وأُعطيَ الوارثُ غيرَ المَفقودِ أقلَّ نَصيبِه. ووُقفَ المَشكوكُ فيه وهو نَصيبُ المَفقودِ وما اختُلفَ فيه حالِه-أي بحَياةِ المَفقودِ ومَوتِه- مِنْ نَصيبِ غيرِه فإنْ ثبَتَت حَياتُه أو مَوتُه ببَينةٍ فالأمرُ واضحٌ وإنْ لَم يَثبُتْ ذلك فإنْ مَضتْ مُدةُ التَّعميرِ وحكَمَ الحاكمُ بمَوتِه فحُكمُه كالمَجهولِ، فلا إِرثَ له مِنْ مورِّثه وتَرثُه أَحياءُ وَرثتِه غيرَ المَفقودِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: مَنْ أُسرَ أو فُقدَ وانقَطعَ خبَرُه تُركَ مالُه حتى تَقومَ بَينةٌ بمَوتِه أو تَمضيَ مُدةٌ يَغلِبُ على الظنِّ أنَّه لا يَعيشُ فوقَها ولا تُقدَّرُ على الصَّحيحِ، وقيلَ: مُقدَّرةٌ بسَبعينَ سَنةً، وقيلَ: بثَمانينَ، وقيلَ: بتِسعينَ، وقيلَ: بمائةٍ وعِشرينَ؛ لأنَّها العُمرُ الطَّبيعِيُّ عندَ الأَطباءِ، فإذا مضَت المُدةُ المَذكورةُ فَيجتهِدُ القاضِي ويَحكمُ بمَوتهِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الحَياةِ فلا يُورَّثُ إلا بيَقينٍ، أمَّا عندَ البَينةِ فظاهرٌ، وأما عندَ مُضيِّ المُدةِ معَ الحُكمِ فلتَنزيلِه مَنزِلةَ قِيامِ البَينةِ، ثم يُعطِي مالَه مَنْ يَرثُه وقتَ إِقامةِ البَينةِ أو الحُكمِ بمَوتِه، فمَن ماتَ قبلَ ذلك ولو بلَحظةٍ لَم يَرثْ منه شيئًا؛ لجَوازِ مَوتِه فيها.

стр. 15188

ولو ماتَ مَنْ يَرثُه المَفقودُ قبلَ ثُبوتِ وفاتِه حَقيقَةً أو حُكمًا وقَفْنا كلَّ التَّركةِ إنْ لَم يَكنْ له وارِثٌ غيرَ المَفقودِ، وإلّا وقَفْنا حصَّتَه فقَط حتى يَتبيَّنَ أنَّه كانَ عندَ المَوتِ حيًّا أو مَيتًا، وعمِلْنا في الحاضِرينَ بالأَسوأِ. فمَن يَسقطُ بالمَفقودِ لَا يُعطَى شيئًا حتى يَتبيَّنَ حالُه، ومَن يَنقُصُ منهم حقُّه بحَياتِه أو مَوتِه يُقدَّرُ في حقِّه ذلك، ومَن لَا يَختلِفُ نَصيبُه بهما أُعطيَه، فهذه ثَلاثةُ أَحوالٍ: فَالأَوَّلُ: كزَوجٍ مَفقودٍ وأُختَينِ لأبٍ وعمٍّ حاضِرينَ إنْ كانَ الزَّوجُ حيًّا فللأُختَينِ أَربَعةٌ مِنْ سَبعةٍ، وسقَطَ العمُّ، وإنْ كانَ الزَّوجُ مَيتًا فلهما سَهمانِ مِنْ ثَلاثةٍ والباقِي للعمِّ فيُقدَّرُ في حقِّهم حَياتُه. وَالثَّانِي: كجدٍّ وأخٍ لأَبوَينِ وأخٍ لأبٍ مَفقودٍ، فيُقدَّرُ في حقِّ الجدِّ حَياتُه فيَأخذُ الثُّلثَ، وفي حقِّ الأخِ لِأَبوَينِ مَوتُه فيَأخذُ النِّصفَ، ويَبقَى السُّدسُ إنْ تَبيَّنَ مَوتُه فللجدِّ، أو حَياتُه فللأخِ الشَّقيقِ. وَالثَّالِث: كابنٍ مَفقودٍ وبِنتٍ وزَوجٍ حاضِرَينِ، للزَّوجِ الرُّبعُ بكلِّ حالٍ. ولَو تلِفَ المَوقوفُ للغائبِ ثم حضَرَ أُخذَ ما دُفعَ للحاضِرينَ، وقُسمَ ما بينَ الكلِّ على حَسبِ إِرثِهم (١).

стр. 15189

وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ انقَطعَ خبَرُه لغَيبةٍ ظاهِرُها السَّلامةُ، كأَسرٍ وتِجارةٍ وسِياحةٍ وطَلبِ عِلمْ، انتُظِرَ به تَتمةَ تِسعينَ سَنةً منذُ وُلدَ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَعيشُ أَكثَرَ مِنْ هذا. وعنه يُنتَظرُ به حتى يُتيَقنُ مَوتُه أو تَمضِي عليه مُدةٌ لا يَعيشُ في مثلِها، وذلك مَردودٌ إلى اجتِهادِ الحاكمِ. فإن فُقدَ ابنُ تِسعينَ اجتَهدَ الحاكِمُ في تَقديرِ مُدةِ انتِظارِه. فإنْ لَم يُعلَمْ خبَرُه بعدَ التِّسعينَ قُسمَ مالُه بينَ وَرثتِه ويُزكَّى مالُه لِما مَضى قبلَ قَسمِه؛ لأنَّ الزَّكاةَ حقٌّ واجبٌ في المالِ، فيَلزَمُ أَداؤُها. ولا يَرثُ المَفقودَ إلا الأَحياءُ مِنْ وَرثتِه وقتَ قَسمِ مالِه وهو عندَ تَتمةِ المُدةِ مِنْ التِّسعينَ؛ لأنَّ مِنْ شُروطِ الإِرثِ: تَحقُّقُ حَياةِ الوارثِ عندَ مَوتِ المَوروثِ، وهذا الوقتُ بمَنزِلةِ وقتِ مَوتِه. ولا يَرثُ مِنْ المَفقودِ مَنْ ماتَ مِنْ وَرثتِه قبلَ الوقتِ الذي يُقسَمُ مالُه فيه؛ لأنَّه بمَنزِلةِ مَنْ ماتَ في حَياتِه؛ لأنَّها الأصلُ. فإن قدِمَ المَفقودُ بعدَ قَسمِ المالِ أخَذَ ما وَجدَه مِنْ المالِ بعَينِه بيدِ الوارثِ أو غيرِه؛ لأنَّه قد تَبيَّنَ عَدمُ انتِقالِ مِلكِه عنه ورجَعَ على مَنْ أخَذَ الباقِي بعدَ المَوجودِ بمثلِ مِثلِيٍّ وقِيمةِ مُتقوِّمٍ؛ لتَعذُّرِ ردِّه بعَينِه. وإنْ ماتَ مَورُوثُه -أيْ مَنْ يَرثُه المَفقودُ في مُدةِ التَّربصِ، وهي المُدةُ التي قُلنا يُنتَظرُ به فيها- أخَذَ كلُّ وارثٍ غيرَ المَفقودِ مِنْ تَركةِ المُتوفَّى اليَقينَ، وهو ما لا يُمكِنُ أنْ ينقصَ عنه مِنْ حَياةِ المَفقودِ أو مَوتِه، ووُقفَ

стр. 15190

الباقِي حتى يُتيقَّنَ أمرُه أو تَمضِي مُدةُ الانتِظارِ؛ لأنَّه مالٌ لا يُعلَمُ الآنَ مُستَحقُّه، أَشبهَ الذي يُنْقَصُ نَصيبُه بالحَملِ (١). الحالةُ الثانِيةُ: أنْ يَكونَ في غَيبةٍ ظاهِرُها الهَلاكُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ غابَ غَيبةً ظاهِرُها الهَلاكُ كمَن فُقدَ مِنْ بينِ أَهلِه، ومَن غرِقَ مَركبُه فسلِمَ قومٌ دونَ قومٍ، أو في مَفازةٍ مُهلِكةٍ، أو فُقدَ بينَ الصَّفينِ في حالِ التِحامِ القِتالِ، هل يُنتَظرُ به مُدةٌ لا يَعيشُ فيها غالبًا ثم يُقسَمُ مالُه أمْ يُنتَظرُ به أربَعةٌ أَعوامٍ أم عامٌ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا فَرقَ بينَ مَنْ يُفقدُ في غَيبةٍ ظاهِرُها الهَلاكُ أو لا؛ فالحُكمُ واحدٌ على التَّفصيلِ السابقِ في الحالةِ الأُولَى (٢). وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ انقَطعَ خبَرُه لغَيبةٍ ظاهِرُها الهَلاكُ كمَن غرِقَ مَركبُه فسلِمَ قومٌ دونَ قومٍ، أو فُقدَ مِنْ بينِ أَهلِه، كمَن يَخرُجُ إلى الصَّلاةِ فلا يَعودُ أو يَخرُجُ إلى حاجةٍ قَريبةٍ فلا يَعودُ، أو فُقدَ في مَفازةٍ

стр. 15191

مُهلِكةٍ، كمَفازةِ الحِجازِ أو فُقدَ بينَ الصَّفينِ حالَ التِحامِ القِتالِ، انتُظرَ تَمامَ أَربعِ سِنينَ منذُ فُقدَ؛ لأنَّها مُدةٌ يَتكرَّرُ فيها تَردُّدُ المُسافِرينَ والتُّجارِ، فانقِطاعُ خبَرِه عن أَهلِه معَ غَيبتِه على هذا الوَجهِ يُغلِّبُ ظنَّ الهَلاكِ؛ إذ لَو كانَ باقيًا لَم يَنقطِعْ خبَرُه إلى هذه الغايةِ؛ فلذلك حُكمَ بمَوتِه في الظاهرِ. وعنه: يُنتَظرُ به أَربعُ سِنينَ وزِيادةً أَربعةُ أَشهرٍ وعَشرٌ. فإنْ لَم يُعلَمْ خبَرُه بعدَ الأَربعِ سِنينَ قُسمَ مالُه بينَ وَرثتِه ويُزكَّى مالُه لِما مضى قبلَ قَسمِه؛ لأنَّ الزَّكاةَ حقٌ واجبٌ في المالِ، فيَلزَمُ أَداؤُها. ولا يَرثُ المَفقودَ إلا الأَحياءُ مِنْ وَرثتِه وقتَ قَسمِ مالِه بعدَ الأَربعِ سِنينَ؛ لأنَّ مِنْ شُروطِ الإِرثِ تَحقُّقُ حَياةِ الوارثِ عندَ مَوتِ المَوروثِ، وهذا الوقتُ بمَنزِلةِ وقتِ مَوتِه. واعتَدَّت امرَأتُه عِدةَ الوَفاةِ وحلَّتْ للأَزواجِ لاتِّفاقِ الصَّحابةِ على ذلك. ولا يَرثُ مِنْ المَفقودِ مَنْ ماتَ مِنْ وَرثتِه قبلَ الوقتِ الذي يُقسَمُ مالَه فيه؛ لأنَّه بمَنزِلةِ مَنْ ماتَ في حَياتِه؛ لأنَّها الأصلُ. فإن قدِمَ المَفقودُ بعدَ قَسمِ المالِ أخَذَ ما وجَدَه مِنْ المالِ بعَينِه بيدِ الوارثِ أو غيرِه؛ لأنَّه قد تَبيَّنَ عَدمُ انتِقالِ مِلكِه عنه ورجَعَ على مَنْ أخَذَ الباقِي بعدَ المَوجودِ بمِثلِ مِثلِيٍّ وقَيمةِ مُتقوِّمٍ؛ لتَعذُّرِ ردِّه بعَينِه. وإن ماتَ مَوروثُه أيْ: مَنْ يَرثُه المَفقودُ في مُدةِ التَّربصِ وهي المُدةُ التي قُلنا، يُنتَظرُ به فيها أخَذَ كلُّ وارثٍ غيرَ المَفقودِ مِنْ تَركةِ المُتوفَّى اليَقينَ

стр. 15192

وهو ما لا يُمكنُ أنْ يُنقَصَ عنه مِنْ حَياة المَفقودِ أو مَوتِه، ووُقفَ الباقِي حتى يَتيَقنَ أمرُه أو تَمضِيَ مَدةُ الانتِظارِ؛ لأنَّه مالٌ لا يُعلَمُ الآنَ مُستَحقُّه أَشبهَ الذي يُنْقَصُ نَصيبُه بالحَملِ (١). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ في مِيراثِ المَفقودِ وهو نَوعانِ: أحدُهما: الغالبُ مِنْ حالِه الهَلاكُ، وهو مَنْ يُفقَدُ في مَهلَكةٍ كالذي يُفقدُ بينَ الصَّفينِ وقد هلَكَ جَماعةٌ، أو في مَركبٍ انكَسرَ فغرِقَ بعضُ أَهلِه، أو في مَفازَةٍ يَهلَكُ فيها الناسُ، أو يُفقَدُ مِنْ بينِ أَهلِه، أو يَخرُجُ لصَلاةِ العِشاءِ أو غيرِها مِنْ الصَّلواتِ أو لحاجةٍ قَريبةٍ فلا يَرجِعُ ولا يُعلَمُ خبَرُه، فهذا يُنتَظرُ به أَربعُ سِنينَ، فإنْ لَم يَظهَرْ له خبَرٌ قُسمَ مالُه واعتَدَّت امرَأتُه عِدةَ الوَفاةِ وحلَّتْ للأَزواجِ، نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، وهذا اختِيارُ أَبي بكرٍ، وذكَرَ القاضِي أنَّه لا يُقسَمُ مالُه حتى تَمضِيَ عِدةُ الوفاةِ بعدَ الأَربعِ سِنينَ؛ لأنَّه الوقتُ الذي يُباحُ لامرَأتِه التَّزوجُ فيه، والأولُ أَصحُّ؛ لأنَّ العِدةَ إنَّما تَكونُ بعدَ الوَفاةِ فإذا حُكمَ بوَفاتِه فلا وَجهَ للوُقوفِ عن قَسمِ مالِه. وإن ماتَ للمَفقودِ مَنْ يَرثُه قبلَ الحُكمِ بوَفاتِه وُقفَ للمَفقودِ نَصيبُه مِنْ مِيراثِه وما يُشكُّ في مُستَحقِّه وقُسمَ باقِيه، فإنْ بانَ حيًّا أخَذَه ورُدَّ الفَضلُ إلى أَهلِه، وإنْ عُلمَ أنَّه ماتَ بعدَ مَوتِ مَوروثِه دُفعَ نَصيبُه معَ مالِه إلى وَرثتِه،

стр. 15193

وإنْ عُلمَ أنَّه كانَ مَيتًا حينَ مَوتِ مَوروثِه رُدَّ المَوقوفُ إلى وَرثةِ الأَولِ، وإنْ مضَت المُدةُ ولَم يُعلَمْ خبَرُه رُدَّ أيضًا إلى وَرثةِ الأَولِ؛ لأنَّه مَشكوكٌ في حَياتِه حينَ مَوتِ مَوروثِه، فلا نُورِّثُه معَ الشكِّ كالجَنينِ الذي يَسقُطُ مَيتًا. وكذلك إنْ علِمْنا أنَّه ماتَ ولَم يُدرَ متى ماتَ ولَم يُفرِّقْ سائرُ أهلِ العلمِ بينَ هذه الصُّورةِ وبينَ سائر صُورِ الفُقدانِ فيما علِمْنا إلا أنَّ مالكًا والشافِعيَّ ﵄ في القَديمِ وافَقا في الزَّوجةِ أنَّها تَتزوجُ خاصَّةً، والأَظهرُ مِنْ مَذهبِه مثلُ قولِ الباقِينَ، فأمَّا مالُه فاتَّفَقوا على أنَّه لا يُقسَمُ حتى تَمضِيَ مُدةٌ لا يَعيشُ في مثلِها على ما سنَذكرُه في الصُّورةِ الأُخرَى إنْ شاءَ اللهُ تَعالى؛ لأنَّه مَفقودٌ لا يَتحقَّقُ مَوتُه فأشبَه التاجِرَ والسائِحَ. ولنا: اتِّفاقُ الصَّحابةِ ﵃ على تَزويجِ امرَأتِه على ما ذكَرْناه في العِدَدِ، وإذا ثبَتَ ذلك في النِّكاحِ معَ الاحتِياطِ للأَبضاعِ ففي المالِ أَولَى. ولأنَّ الظاهرَ هَلاكُه فأَشبهَ ما لَو مضَت مُدةٌ لا يَعيشُ في مثلِها. النوعُ الثانِي: مَنْ ليسَ الغالبُ هَلاكُه كالمُسافرِ لتِجارةٍ أو طَلبِ عِلمٍ أو سِياحةٍ ونحوِ ذلك ولَم يُعلَمْ خبَرُه، ففيه رِوايتانِ: إِحداهُما: لا يُقسَمُ مالُه ولا تَتزَوجُ امرَأتُه حتى يُتيَقنَ مَوتُه أو يَمضي عليه مُدةٌ لا يَعيشُ في مثلِها، وذلك مَردودٌ إلى اجتِهادِ الحاكمِ، وهذا قولُ الشافِعيِّ ﵁ ومَحمدِ بنِ الحَسنِ، وهو المَشهورُ عن مالكٍ وأَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ؛ لأنَّ الأَصلَ حَياتُه، والتَّقديرُ لا يُصارُ إليه إلا بتَوقيفٍ، ولا تَوقيفَ هاهنا فوجَبَ التَّوقفُ عنه.

стр. 15194

والرِّوايةُ الثانِيةُ: أنَّه يُنتَظرُ به تَمامُ تِسعينَ سَنةً معَ سَنةِ يومَ فُقدَ، وهذا قولُ عبدِ الملكِ بنِ الماجِشونَ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّه لا يَعيشُ أَكثرَ مِنْ هذا. وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الحَكمِ: يُنتَظرُ به إلى تَمامِ سَبعينَ سَنةً معَ سَنةِ يومِ فَقدِه ولعلَّه يحتَجُّ بقولِ النَّبيِّ ﷺ : «أَعمارُ أُمَّتي ما بينَ السَّبعينِ والسِّتينَ» (١) أو كما قالَ، ولأنَّ الغالبَ أنَّه لا يَعيشُ أَكثرَ مِنْ هذا فأَشبَه التِّسعِينَ. وقالَ الحَسنُ بنُ زِيادٍ: يُنتَظرُ به تَمامُ مائةٍ وعِشرينَ سَنةً، قالَ: ولو فُقدَ وهو ابنُ سِتينَ سنةً وله مالٌ لَم يُقسَمْ مالُه حتى يَمضِيَ عليه سِتونَ سَنةً أُخرَى، فيَكونَ له معَ سَنةِ يومَ فُقدَ مائةٌ وعِشرونَ سنةً، فيُقسَمُ مالُه حينَئذٍ بينَ وَرثتِه إنْ كانوا أَحياءً، وإنْ ماتَ بعضُ وَرثتِه قبلَ مُضيِّ مائةٍ وعِشرينَ وخلَّفَ وَرثةً لَم يَكنْ لهم شيءٌ مِنْ مالِ المَفقودِ، وكانَ مالُه للأَحياءِ مِنْ وَرثتِه ويُوقَفُ للمَفقودِ حِصتُه من مالِ مَورُوثِه الذي ماتَ في مُدةِ الانتِظارِ، فإنْ مضَت المُدةُ ولَم يُعلَمْ خبَرُ المَفقودِ رُدَّ المَوقوفُ إلى وَرثةِ مَوروثِ المَفقودِ ولَم يَكنْ لوَرثةِ المَفقودِ، قالَ اللُّؤلؤِيُّ: وهذا قولُ أَبي يُوسفَ. وحَكى الخَبريُّ عن اللُّؤلؤِيِّ أنَّه قالَ: إنَّ المَوقوفَ للمَفقودِ، وإنْ لَم يُعلَمْ خبَرُه يَكونُ لوَرثتِه.

стр. 15195

قالَ: وهو الصَّحيحُ عندِي، والذي ذكَرْناه هو الذي حَكاهُ ابنُ اللَّبانِ عن اللُّؤلؤِيِّ فقالَ: لو ماتَت امرَأةُ المَفقودِ قبلَ تَمامِ مائةٍ وعِشرينَ سَنةً بيومٍ أو بعدَ فَقدِه بيومٍ وتمَّت مائةٌ وعِشرونَ سَنةً لَم تُورَّثْ منه شيئًا ولَم نُورِّثْه منها لأنَّنا لا نَعلَمُ أيَّهما ماتَ أولًا، وهذا قِياسُ قولِ مَنْ قالَ في الغَرقَى: إنَّه لا يُورَّثُ أحدُهم من صاحبِه ويَرثُ كلَّ واحدٍ الأَحياءُ مِنْ وَرثتِه. قالَ القاضِي: هذا قِياسُ قولِ أحمدَ، واتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَرثُ المَفقودَ إلا الأَحياءُ مِنْ وَرثتِه يومَ قُسمَ مالُه لا مَنْ ماتَ قبلَ ذلك ولَو بيومٍ. واختلَفوا فيمن ماتَ وفي وَرثتِه مَفقودٌ؛ فمَذهبُ أحمدَ وأَكثرِ الفُقهاءِ على أنَّه يُعطَى كلُّ وارثٍ مِنْ وَرثتِه اليَقينَ ويُوقَفُ الباقِي حتى يَتبَينَ أمرُه أو تَمضِيَ مُدةُ الانتِظارِ فتَعملُ المَسأَلةُ على أنَّه حيٌّ ثم على أنَّه مَيتٌ، وتَضرِبُ إِحداهُما في الأُخرَى إنْ تَبايَنَتا أو في وَفقِهما إنِ اتَّفقَتا، وتَجتَزئُ إِحداهُما إنْ تَماثَلتا أو بأَكثرِهما إن تَناسَبَتا وتُعطِي كلَّ واحدٍ أقلَّ النَّصيبَينِ، ومَن لا يَرثُ إلا مِنْ أَحدِهما لا تُعطِيه شيئًا، وتَقفُ الباقِي، ولهم أنْ يَصطَلحوا على ما زادَ على نَصيبِ المَفقودِ واختارَه ابنُ اللَّبانِ؛ لأنَّه لا يَخرُجُ عنهم وأنكَرَ ذلك الونِّيُ وقالَ: لا فائِدةَ في أنْ يُنقَصَ بعضُ الوَرثةِ عما يَستحِقُّه في مَسأَلةِ الحَياةِ وهي مُنتَفيةٌ، ثم يُقالُ له: لك أنْ تُصالِحَ على بعضِه، بلْ إنْ جازَ ذلك فالأَولَى أن نَقسِمَ المَسأَلةَ على تَقديرِ الحَياةِ ونَقفَ نَصيبَ المَفقودِ لا غيرَ، والأولُ أَصحُّ إنْ شاءَ اللهُ؛ فإنَّ الزائدَ عن نَصيبِ المَفقودِ مِنْ المَوقوفِ مَشكوكٌ في مُستَحقِّه ويَقينُ الحَياةِ مُعارضٌ بظُهورِ المَوتِ، فيَنبغِي أن
следующие страницы →